مقدمة

في كتابه المبدع الصادر في عام ١٩٩٠ بعنوان «المزيَّة التنافسية للأمم»، خلَصَ مايكل بورتر — الأستاذ بجامعة هارفرد — إلى الاعتقاد أنه نتيجةً لوَفْرة اليد العاملة الرخيصة، بَدأَت أُسُس المنافسة في معظم مجالات الصناعة تتحوَّل بسرعةٍ نحو استنباط المعرفة واستيعابها؛ ومن ثَمَّ باتَتِ القوةُ التنافُسية للأمم تعتمد على قدرتها على الابتكار والتطوير وزيادة الإنتاجية بالاستناد إلى العناصر الخاصة الفريدة من تاريخها وطابعها، التي تُميِّزها عن الآخرِين.

***

لم يستشهد بورتر بسويسرا باعتبارها نموذجًا في كتابه الذي يشكِّل دراسةً شاملة لهذا الموضوع، وما كان مخطئًا لو فعل. وفي الواقع إن مفهوم الأمة بصفتها قوةً تنافُسية كان واضحًا في سويسرا منذ أمدٍ بعيد وقبل تطوُّر البيئة العالمية الحديثة؛ ففي أوائل القرن التاسع عشر كان من المُدهش إلى حدٍّ ما أن ينشأ في هذا البلد الصغير وغير الساحلي العديدُ من الشركات التي استطاعت المنافَسةَ على الصعيد العالمي في عددٍ من القطاعات الصناعية. ويصف كتابنا هذا ويحاول أن يُفسِّر كيف قُدِّرَ للشركات السويسرية أن تكون بين الشركات الرائدة في قطاعات النسيج وصناعة الآلات والمواد الكيميائية وعدةِ قطاعاتٍ أخرى منذ بدايات الثورة الصناعية. كما يسعى الكتاب إلى إظهارِ أن هذا النجاح الذي بقيَ صامدًا، أو بالأحرى توسَّعَ باستمرارٍ منذ بدايته وحتى اليوم، يعود الفضلُ فيه بنسبةٍ كبيرة إلى القِيَم الوطنية والثقافة والمؤسسات وتاريخ هذه الأمة؛ ومِنْ ثَمَّ يطرح تساؤلاتٍ حولَ ما إذا كان السويسريون قادرِين على المحافظة على مكانتهم في البيئة العالمية الصناعية الحالية التي تشهد تحوُّلاتٍ سريعة. وإذا كان ذلك ممكنًا، فهل هناك دروس فيما يُسَمَّى «الأسلوب السويسري» يُمكن أن يتعلَّم منها رجال الصناعة وصُنَّاعُ القرار في أماكنَ أخرى؟

ليس هناك أيُّ بلدٍ آخَر بحجم سويسرا استطاع تحقيقَ مثل هذا المستوى العالي من الدخل الفردي مع الحفاظ على توزيعٍ عادل نسبيًّا للمكافآت. ولا يُوجد بلدٌ بحجمه أو يقارب حجمَه يحتلُّ مراكزَ رياديةً في العديد من الصناعات بالرغم من ضغوطات العولمة، كما لا يوجد بلدٌ آخَر من البلدان المتقدمة قد نجح في تجنُّبِ إثقالِ كاهل الأجيال القادمة بالديون أو تغذية الأوهام بين صفوفِ شعبه حول قدرته على تحمُّلِ تكاليفِ التقاعُد والرعاية الصحية. ولا يُوجد بلدٌ آخَر غير سويسرا يشعر فيه المواطنون بأنهم أقوياء، وأنهم على ثقةٍ بأن أصواتهم لها تأثيرُها وقيمتُها.

بدايات متواضعة

ذاتَ مرة، قال جان بيار روث، الذي شغل منصب رئيس البنك المركزي السويسري، إن سويسرا تُوِّجت بالنجاح لأنها كانت بلدًا فقيرًا وصغيرَ الحجم. ولا شك أن الخلفية التي ظهر فيها هذا النجاح، أقلُّ ما يُمكن أن يُقال عنها إنها لم تكن خلفيةً واعدة؛ فسويسرا بلد يفتقر إلى المعادن الطبيعية، وفيه مساحاتٌ شاسعة من الأراضي غير الصالحة للزراعة، ولا تُوجد فيها المياه بكمياتٍ وفيرة إلا للاستخدام المنزلي أو الصناعي كالثلج والجليد للاستجمام أو كمصدرٍ للطاقة. وبالرغم من أنها تقع في قلب أوروبا إلا أن طبيعتها الجبلية بقِيَت لمئات السنين تُشكِّل تحديًا مستمرًّا في مجال النقل والمواصلات. أيضًا ليس للبلد رابطٌ مباشِرٌ مع محيطات العالم، وهذا ما يمثِّل عائقًا هامًّا مُقارَنةً بالبلدان الأخرى التي حقَّقَتْ حضورًا عالميًّا وبَسطَت نفوذها الإمبريالي وجَمعَت الثروات من الاستعمار. وعلى العكس، فإن وسائل النقل عبر ممرات جبال الألب أكسبَتْ سويسرا مكانةً استراتيجية مرموقة بين أكبر المناطق التجارية في شمال أوروبا وجنوبها، ولكنها جعلت منها أيضًا هدفًا للطموحات الإمبريالية في البلدان المجاورة التي تفوقها قوةً ومساحةً.

باختصار، كانت سويسرا ولا تزال — من ناحية لغتها وثقافتها وتوجُّهاتها السياسية والدينية — بلدًا مُتنوِّعًا وغير متجانس، وهي مَيزةٌ عادةً ما تتعارض مع مبادئ السلام والسعي لتحقيق الأهداف المشتركة مثل ما حدث في يوغوسلافيا السابقة، وكان عدم التجانس هذا قد تعزَّزَ بقدوم المهاجرِين من ثقافاتٍ مختلفة منذ وقتٍ مبكر، وحوالي ثلث الشعب الحالي هم من المهاجرِين أو من أحفاد المهاجرِين. في الماضي، كان الكثير منهم قد أتَوا لاجئِين سياسيِّين استفادوا من سياسة الحياد التي تعتمدها سويسرا منذ أمدٍ بعيد، أمَّا في الآونة الأخيرة، فقد عكس تدفُّقُ المهاجرين حاجةَ البلاد لليد العاملة.

لقد نجح السويسريون في إيجادِ طرقٍ للتعايش معًا بسلام وانسجام، وبالرغم من حسد الحاسدِين أحسنوا التصرُّفَ طوالَ قرنَين من الزمان؛ ليبقوا في منأًى عن الصراعات العالمية، وثابروا من أجل الحفاظ على استقلالهم وبناءِ قاعدةٍ صناعية قوية.

وهذا التطوُّر لم يتمَّ التخطيط له، ولم تكن هناك «خطةٌ سويسرية عامة» ولا مهمةٌ ثقافية ولا أيديولوجيةٌ معينة أو استراتيجيةٌ شاملة تطوَّرت لِتُصبح صيغةً وطنية للنجاح مفروضةً من قِبَل حكومةٍ قوية. كما لم يكن للبلد أبدًا هيكليةٌ مركزية، ولم يعرف بتاتًا قائدًا ذا تأثيرٍ ساحر كما كان الحال في روسيا على سبيل المثال؛ حيث كان هناك بطرس العظيم الذي قاد مملكته المتخلفة بلا هوادة نحو الحداثة. كما أن المشاريع التي أُقيمت بدافعٍ سياسي في بعض البلدان الأخرى، وشكَّلت في بعض الأحيان قاعدةً لنجاحاتٍ اقتصادية، كانت بالنسبة إلى سويسرا — ولا تزال — صعبةَ المنال. وفي هذا الصدد يُعبِّر جاك هيرتسوج، وهو مهندسٌ حاصل على جائزة بريتزكر للهندسة وشريكٌ في تأسيسِ شركةِ هيرتسوج ودو-مويرون، عن رأيه قائلًا إن النجاح السويسري يعود في جزءٍ منه إلى غياب الرؤية؛ «لأن الرؤية تفرض حواجزَ وتحتاج إلى توجيهات، وهذه أمورٌ لا تتماشى مع قناعة السويسريين في كلِّ ما له علاقة بالأعمال.»

إن التشكيك في جدوى تدخُّل الحكومة في التنمية الصناعية هو تشكيكٌ له مبرراته، فهل كان بإمكان أيِّ هيئةِ تخطيطٍ حكومية أنْ تتنبأ بأن إنقاذ قطاع صناعة الساعات سيتحقَّق بصنع ساعةٍ من البلاستيك «سواتش»؟ أو أن البُن المُعبَّأ في كبسولاتٍ من الألومنيوم «نسبرسو» سيُلاقي نجاحًا عالميًّا؟

سمات النجاح

إن النجاح في ريادة الأعمال والصناعة لا يأتي من العدم؛ فهذه المجالات تزدهر في تربةٍ ذات هيكليةٍ سياسية، وثقافةٍ تشمل العديد من العناصر، ولا يمكن لأي عنصرٍ من هذه العناصر منفردًا أن يُفسِّر سبب هذا النجاح، خصوصًا وأنها عناصرُ يتوافر أغلبها في العديد من البلدان الأخرى. غير أن هذه العناصر في سويسرا قد تفاعلَت بطريقةٍ مثمرة آخذةً أشكالًا متعددةً، ولكنها بالرغم من ذلك، تتيح التعرُّف على نماذجَ من النجاح على ثلاثة أصعدة: صعيد الفرد، والمؤسسات، والمنظمات الحكومية أو السياسية.

على صعيد الفرد

إن إحدى أهم المجموعات المكوِّنة لأي مجتمعٍ تتألف من رجال الأعمال، على الرغم من أن استعمال كلمة «مجموعة» ربما يعطي فكرةً خاطئة عند الإشارة إلى هؤلاء الأفراد أصحاب النفوذ. إنهم من يبنون المصانع ويُوظِّفون العمالة وينخرطون في التجارة، وهم المسبِّب في تكوين الثروة التي يعتمد عليها المجتمع. والجزءُ الأكبر من هذا الكتاب يصف مُبادَراتِهم ونضالاتهم وإنجازاتهم. وككل البشر، لدى رجال الأعمال سِماتٌ فريدة، ولهم مظاهرُ وأشكالٌ وأحجامٌ مختلفة، لكنْ لديهم صفاتٌ مُشتركة، والدافعُ وراءَ تقدُّمهم يتمثَّل في الجهود الفردية التي يبذلونها من أجل تحسينِ مستوى عيشهم، لكن مُواجَهة التحديات من أجل تغيير الطريقة المُتداوَلة أو المعهودة للقيام بعملٍ ما ليس بالأمر اليسير؛ لأن الروتين والقواعد الراسخة التي يفرضها الوضع القائم، كلها عواملُ تقف سدًّا منيعًا أمام أي تغيير. ولكسرِ هذا السد المنيع وفتح آفاقٍ جديدة تتجاوز الحدودَ الضيقة للروتين، لا بدَّ من وجود مواهبَ خاصةٍ لا تملكها إلا قلةٌ من البشر؛ فالتقدُّم غالبًا ما يعتمد على التجارب والتعلُّم من الأخطاء؛ لذلك لا بد من توافُر القدرة على استيعاب الفشل إذا استدعى الأمر ذلك، كما يجب أن يكون للشخص ما يكفي من الجُرأة للإقدام على المخاطرة وارتكاب هذه الأخطاء وغضِّ الطَّرْف عن آراء الرافضِين، والأهمُّ من هذا كله أن رجل الأعمال يعرف كيف يتغلب على الصعوبات لتحقيقِ ما يصبو إليه.

إن الطرق التي تُؤدِّي إلى تحقيق الأهداف تتنوَّع وتتفاوَت، وكما يبيِّن هذا الكتاب، كان هناك من بين رجال الأعمال السويسريِّين أمثلةٌ عن الاستكشاف الجريء للإمكانيات التكنولوجية من أجل ابتكار مُنتَجاتٍ جديدة كليًّا، مثل: فاليوم لدى شركة روش، والقهوة الفورية لدى نستله؛ وبعضهم صنع مُنتَجاتٍ قديمةً ولكن بطريقةٍ مختلفة وبجودة أفضل، مثل: فنادق سيزار ريتز، أو ساعة سواتش لشركة إس إم إتش، أو آلات تعزيز السمع لشركة فوناك، أو نسبرسو لشركة نستله؛ كما غامَرَ البعض الآخَر لاكتشاف مصدرٍ آخَر لتوريد المواد، أو لإيجاد أسواق جديدة لبيع منتجاتهم، مثل: شركة هولسيم المتخصصة في صناعة الإسمنت، وشركة دي كيه إس إتش للتجارة؛ وفي العديد من الحالات الأخرى، اشترى السويسريون بكل بساطةٍ الابتكاراتِ وتركوا للآخرين مهمةَ القيام بالعمل، مثل: استثمار روش الصائب في «جيننتيك» لتكنولوجيا علم الجينات، أو استثمار نستله في «لوريال». وبصرف النظر عن المنهجية التي اتَّبعوها، فقد كان التدفُّق المتكامل والمتكرر لأنشطة رجال العمال — على مدى فترةٍ طويلة من الزمن وفي العديد من الصناعات — هو الذي رسم معالم الازدهار القوي الذي تعرفه سويسرا اليوم.

ومن المفارقات أن عددًا كبيرًا من أبرز رجال الأعمال في سويسرا لم يكونوا من أصولٍ سويسرية بتاتًا، ويعود جزءٌ كبير من نجاح سويسرا إلى نجاح المهاجرِين الذين لولا وجودهم لَمَا كانت الصناعة السويسرية على ما هي عليه اليوم؛ فهنري نستله كان لاجئًا سياسيًّا من أصولٍ ألمانية، وبراون من شركة براون بوفيري كان من المملكة المتحدة، ونيكولا حايك «رجل سواتش» جاء من لبنان، وزينو دافيدوف كان يهوديًّا من روسيا، وليو شتيرنباخ — مخترع «فاليوم» ومنقذ شركة روش — كان لاجئًا من بولندا، وكان بييترو بيتاريلي إيطاليًّا يجمع البَوْل من مراحيض الراهبات لاستخراج هرمونات الخصوبة لعلاج النساء، وبعد مرور جيلَيْن بات حفيده أغنى مواطنٍ سويسري، وقاد فوز فريق «أللينجي» لعامَي: ٢٠٠٣ و٢٠٠٧ بكأس أمريكا المرموق لسباق المراكب الشراعية الذي تحتدم فيه المنافسة، كما أن والدة روجر فيدرير — أسطورة التنس — من جنوب أفريقيا.

إن نجاح المهاجرِين يعود في جزءٍ منه إلى البيئة التي تُوفِّرها سويسرا، وفي جزءٍ آخَر إلى ذهنية المهاجرِين وطريقة تفكيرهم. وبحكم أن سويسرا بلد صغير الحجم ومتنوع، كان لزامًا عليها أن تمارس انفتاحًا انتقائيًّا تجاه الوافدِين إليها، وأن تُطوِّر فهمهما للثقافات الأخرى، لكن هذا لا يعني أن المهاجرين يلقون ترحيبًا حارًّا من طرف السويسريِّين، بل كما هو الحال في البلدان الأخرى؛ فهم يبقَون موضعَ شكٍّ حتى يُثبِتوا قدراتِهم وجدارتَهم بالثقة، إلَّا أن الفرص كانت متوافرة أمامهم باستمرار، وكان المهاجرون من ناحيتهم يحرصون على بذل قصارى جهدهم لتحسين أوضاعهم في البلد المُضيف؛ ففي بلدهم الأم كان بإمكانهم أن يشغلوا مراكزَ مؤاتية داخل مجتمعٍ معين، وأن ينعموا بقدرٍ أكبر من الراحة ما داموا يحترمون قواعدَ السلوكِ السائد، لكنْ عندما يكونون من المهاجرين، فحتى أسماؤهم تكون غير مألوفة لدى المحليين؛ ولذلك لا توحي بالثقة، وليس لهم أسرةٌ تدعمهم ولا زملاء يعرفونهم منذ مقاعد الدراسة أو في النوادي أو في الأعمال التجارية يمكن أن يشدُّوا أَزْرهم؛ عليهم إذًا الكفاح من أجل البقاء، والطريقةُ الوحيدة المتاحة أمامَهم لكسب الاحترام هي تحقيقُ الإنجازات، ولا فائدةَ لهم من الندم على الماضي، بل يجب أن تكون طاقاتهم كلها مركَّزةً وموجَّهةً نحو المستقبل، وأكثر من ذلك، فإن النجاح التجاري والثراء هما سبيلهم الوحيد لتسلُّق السلم الاجتماعي، ووسيلتهم لتحقيق العيش الكريم؛ وهذا ما يؤكد لهم أن اختيارهم للعيش خارجَ أرض الوطن كان اختيارًا صائبًا.

بالرغم من ذلك، لم تكن سويسرا تروق جميع المهاجرين؛ فهناك مفكِّرون عظماء — مثل: أينشتاين، وإيراسموس، ولينين، وروسو، وباكونين، وتروتسكي — عاشوا في سويسرا، لكنَّ وجهات نظرهم ومواهبهم لم تكن موضعَ تقدير.

قد يكون ما يثير قدْرًا أكبر من الدهشة هو عدد رجال الأعمال السويسريِّين الذين حقَّقوا نجاحاتٍ خارج البلاد؛ كان ريتز أولَ مَن قام بتصدير الخبرة السويسرية في مجال إدارة الفنادق ووضَعَ معاييرَ للفخامة بقِيَت قائمةً بعد رحيله، وبقي اسمه عنوانًا لها؛ ولويس شيفروليه شارَكَ في تأسيس شركة شيفروليه للسيارات؛ وبيتر فوزر شغل منصبَ المدير التنفيذي لأكبر شركة طاقة في العالم هي رويال داتش شيل؛ وجوزيف أكرمان هو مَن قاد بنك ألمانيا خلال الأزمة المالية التي شهدتها بدايات القرن الواحد والعشرين دون مساعدة من الحكومة، ودون الحاجة إلى أموالٍ من الخارج لزيادة رأس المال؛ ويورج باولو ليمان يعد مِن بين الشخصيات الأكثر نفوذًا في البرازيل، وهو أكبر مساهِم في شركة آنهويزر بوش إنبيف. ولا شك أن تدفُّق الطاقات الفكرية والتجارية الخارقة بالاتجاهَين (من سويسرا وإليها)، قد لعب — وما زال — دورًا كبيرًا في القوة الصناعية الفريدة التي تتميز بها سويسرا. إن ما يقارب ثلثَ سكان سويسرا المقيمِين هم من أصولٍ أجنبية، كما أن حوالي ٧٠٠ ألف مواطنٍ سويسري؛ أيْ ١٠ في المائة من مجموع السكان تقريبًا، يعيشون في الخارج.

على صعيد المؤسسات التجارية

لطالما تميَّزَ السويسريون بأخلاقياتِ عملٍ عالية، وهذه مَيزةٌ لا تنفرد بها سويسرا، وإنما هي — بلا أدنى شك — شديدةُ الأهمية لنجاح الصناعة. لكن الأكثر ندرةً هو القيمة العالية التي يُولِيها السويسري لاحترافه المهني، وهذه السمة منتشرة بين كافةِ صفوف اليد العاملة في البلاد، ومن بين الأدلة على ذلك، فإن نظام التعليم ما زال يُخصِّص مكانةً محورية للتدريب المهني التقليدي إلى جانب التعليم العالي، ومهما كانت المهنة متواضعةً فإن أصحابها يلقَوْن الاحترام، وبذلك يفخرون بأنفسهم ويشعرون بالكرامة في الأعمال التي يؤدونها، وربما الأكثر أهميةً هو أن المدرِّسين يحصلون على أجورٍ جيدة، ويحظَون بمكانةٍ مرموقة في المجتمع؛ ومن ثَمَّ غالبًا ما يتلقَّى الطلاب دروسَهم على أيدي أساتذةٍ ذوي قدرات وكفاءاتٍ عالية يتميَّزون بالحماس والاندفاع في أداء وظيفةٍ وصَفَها يوهان بيستالوزي — وهو مُصلِحٌ سويسري في مجال التعليم — بأنها: «مِهنةٌ مِن اختيار الرب». كل هذا قد سهَّلَ نشوءَ طبقةٍ وسطى كبيرة ومتعلمة تتعايش بأمان، ولا شك أنها شجَّعتِ اعتمادَ مُقارَبةٍ أكثر اعتدالًا لمفهوم «البقاء للأقوى» الذي يَسُود في مجتمعات الأسواق الحرة.

عدد المهاجرين من السكان المقيمين في سويسرا لعام ٢٠٠٨.*
عدد المواطنين السويسريين غير المتحدِّرين من الهجرة ٤٣٦٢٠٠٠
عدد المواطنين السويسريين المتحدِّرين من الهجرة ٦٥١٠٠٠
عدد الأجانب الذين يحملون تصاريحَ إقامة ١٣٥٢٦١٨
أجانب آخرون في سويسرا، طالبو لجوءٍ وحامِلو إقامةٍ قصيرةِ الأمد ١٢٢١٢١
المجموع ٦٤٨٧٧٣٩
ملاحظة: الأرقام تتضمن أيضًا الأطفالَ من سن ٠ إلى ١٤ سنة. (المصدر: المكتب الحكومي السويسري للإحصاءات.)

من المؤكَّد أن احترام العمال هو عنصرٌ هام يساهم في غياب النزاعات داخل قطاع الصناعة، كما أن رفعَ الطاقة الإنتاجية وقدرةَ الاطمئنان إلى استمرارية الأداء والجدارة بالثقة يؤديان إلى إنشاء علاقاتٍ صناعية جيدة تُعزِّز موقعَ الشركات السويسرية في الأسواق العالمية، وتعود بالنفع على أصحاب العمل والعُمَّال على حدٍّ سواء.

figure

إن توسُّعَ العديد من الصناعات إلى الأسواق العالمية، الذي حدث في وقتٍ مُبكِّر جِدًّا نظرًا لصِغَر حجم السوق السويسرية؛ حَدَا الشركات إلى التعامُل بحنكةٍ مع القوى العاملة والثقافات الأجنبية، وأدَّى إلى تجنُّبِ الوقوع في شَرَك العلاقات الاستعمارية. ويبدو أن تعلُّمَ اللغات الأجنبية، والتصرُّفَ بتواضُعٍ كضيوف، والاندماجَ بذكاء في البلدان الأخرى، هي أمورٌ يُتقنها رجال الأعمال السويسريون إتقانًا ملحوظًا، وربما ساعَدَ ذلك الشركاتِ السويسريةَ في الاستحواذ على شركاتٍ أجنبية؛ فالشركاتُ السويسرية كانت ولا تزال تحرز نجاحًا باهرًا في دمج ثقافات الشركات الأجنبية التي أَصبحَت تابعةً لها بثقافتها الخاصة، وإلى درجةٍ ما يمكن اعتبار هذا العامل بحد ذاته مَيزةً تنافسية هامة. وبالتأكيد فإن تنوُّع وعدد عمليات الاندماج السويسرية وحجمها أمرٌ لافت للانتباه؛ فشركةُ إيه بي بي هي نتيجةُ دمجِ شركة آسيا (شركة سويدية) مع شركة براون بوفيري، وشركةُ نوفارتِس هي نتيجةُ دمجِ شركةِ سيبا جايجي مع شركة ساندوز، وشركةُ سينجينتا هي نتيجةُ دمجِ قسم الكيماويات الزراعية في شركة نوفارتِس مع شركة استرا زينكا (شركة بريطانية/سويدية)، ومعظمُ أرباح شركة روش لا تحقِّقها الشركة بذاتها، إنما تأتي من شركتَيْ جيننتيك وبورينجر-مانهايم اللتَين استحوذت عليهما، وأغلبية الأرباح في شركة نستله تأتي ممَّا يُسَمَّى «الماركات ذات المليار دولار» (الماركات التي يفوق حجم مبيعاتها السنوية مليار دولار)، مثل: كارنيشن، وفريسكيز، وجيربر، وكيت كات، وبيرييه وبورينا، وهذه كلها شركات استحوذَتْ عليها شركة نستله.

وقد صرَّحَ إيف باترنوت، المدير التنفيذي السابق لشركة أديا (التي أصبحت الآن شركةَ أدكو، أكبرَ شركة في العالم في ميدان العمالة بعقودٍ محددة الأجل بعد دمجها مع شركة إيكو الفرنسية)، بأن الشركات السويسرية هي المفضَّلة بين المشترِين؛ لأنها تمنح الشركاتِ التي تشتريها قدْرًا كبيرًا من الاستقلالية والنفوذ في تقرير مصيرها، ممَّا يجسد الثقافةَ السياسية الوطنية السويسرية. ثم إن ابتعاد سويسرا عن تكتُّلات القوى الكبرى قد يعطي في بعض الأحيان أفضليةً طفيفة للشركات السويسرية عند التنازُع على استحواذ الشركات؛ إذ ربما تفضِّل الشركةُ المنشودة الوقوعَ في أيدي شركةٍ قائمة في سويسرا المحايدة بدلًا من الوقوع في أيدي مجموعةٍ أمريكية أو ألمانية أو صينية.

على صعيد الحكومة

إن التوازُن القائم بين الحكومة والقطاع الخاص في سويسرا يختلف بشكلٍ جذري عن التوازُن الذي تعرفه أغلب البلدان المُتقدِّمة الأخرى؛ فقد كانت الصناعة السويسرية إمبريالية وتوسُّعية، بينما كانت الحكومة تميل إلى التركيز على سياسةٍ وطنية داخلية. ويُوجد داخل سويسرا أعلى عدد من الشركات الخمسمائة الأعلى عالميًّا حسب تصنيف مجلة فورتشن بالنسبة لعدد السكان، وهذا ما يساوي ضعفَيْ معدَّل الكثافة لدى أقرب منافسِيها؛ أيْ هولندا. وسويسرا لم يكن لها قطُّ ممتلكاتٌ استعمارية، ولم يسبق لها أن شاركت في أي حرب.

يتَّسِم الهيكل الإداري الحكومي في سويسرا بثلاثة مبادئ، هي: التخوُّف من المنظمات الكبيرة (الأصغر هو أفضل)، والتبعية (وهي اختزال نفوذ الإدارة ومصلحة الضرائب إلى أدنى مستوًى عملي ممكن)، وكذلك احترام حقوق المواطن.

فطالما كانت الحكومة السويسرية تكتفي بالقليل نسبيًّا، ممَّا يعكس التزامها تجاه «العقد الاجتماعي» التقليدي الذي توفِّر الحكومة بموجبه الأمنَ والسلامةَ والعدالةَ مقابلَ اكتسابها ولاءَ المواطنين. ولقد كتب في هذا الصدد جورج كراير — وهو رئيسٌ سابق لجمعية أصحاب المصارف السويسرية الخاصة — ما فحواه إن السويسريين في الواقع لا يرغبون بأن يحكمهم أحدٌ أيًّا كان:

كان السويسريون مثل الفلاحِين الذين يذهبون إلى السوق بحثًا عن «عقد اجتماعي»، تمامًا مثلما يذهبون لشراء أرخص رأس كرنب يجدونه. إنهم يُفرِّطون بالقليل من حريتهم مقابلَ الحصول على حكومةٍ تمارس الحدَّ الأدنى من السلطة تجاهَهم.

أمَّا العنصر الثاني المهم فهو هيكلية الاتحاد الكونفيدرالي؛ فالكانتونات تحظى باستقلاليةٍ كبيرة، أكثرَ بكثير مما تحظى به الولايات في أمريكا أو المقاطعات في كندا، كما أن البلديات داخل الكانتونات تحظى هي أيضًا بقدْرٍ هام من الاستقلالية، ويتم اتخاذ القرارات على أدنى مستوًى عملي ممكن، كما يتم اتخاذ القرارات الخاصة بالإنفاق العام إلى حدٍّ كبير على مستوى البلدية والحكومة المحلية، ويجري تحصيل الضرائب محليًّا، ويتم التصويت عليها، وكل هذا هو نتيجة إدارةٍ لا مركزية واسعة النطاق للإدارة الحكومية ومصلحة الضرائب. يؤمن السويسريون أن ذلك يفرض الانضباطَ الذاتي على جميع المستويات في الحكومة، فإذا رَفَعَ كانتون زيورخ ضرائبه، تنتقل الشركات إلى كانتون تسوج أو شفيتس، وإذا رفضت هيئةُ تخطيطٍ حكومية طلبًا لم تستحسنه من شركةٍ لبناء مصنع، فهناك احتمالٌ قائم أن تقبله هيئةُ تخطيطٍ أخرى.

كثافة الشركات بحسب قائمة مجلة فورتشن ٥٠٠.*
سويسرا ألمانيا فرنسا الولايات المتحدة اليابان
الشركات المدرجة في مؤشر فورتشن ٥٠٠ ١٥ ٣٩ ٤٠ ١٤٠ ٦٨
عدد السكان ٧٫٥ ملايين ٨٢ مليونًا ٦٢٫٥ مليونًا ٣٠٦٫٦ ملايين ١٢٧٫٦ مليونًا
الشركات المدرجة في مؤشر فورتشن ٥٠٠ لكل مليون نسمة ١٫٩٨ ٠٫٤٨ ٠٫٦٤ ٠٫٤٦ ٠٫٥٣
بيانات عام ٢٠٠٩. المصدر: CNNmoney.com، فورتشن جلوبال ٥٠٠، Euromonitor.

أمَّا العنصر الثالث فهو سيادة الفرد، وهذا أمرٌ جلي بالنظر إلى الاستفتاءات المنتظمة، وهو ما يُعْرَف بالديمقراطية المباشرة. تأتي الاستفتاءات في أشكالٍ مختلفة وبوتيرة غير متوقَّعة، وتعالج جميع أنواع القضايا، انطلاقًا من القضايا التافهة وصولًا إلى القضايا المصيرية، بما في ذلك ساعات العمل والأبحاث الجينية والجوامع الإسلامية في ظل الاندماج الأوروبي. واللافت للنظر في ذلك أن الاستفتاءات ليست وسيلةً لإفراد نتائجَ متطرفة، بل لتأكيد قوة الأغلبية المعتدلة، مثل المبادرات التي تطالب بالمزيد من أيام العطلة أو تقليص ساعات أو خفض سن التقاعد أو حتى تخفيض الضرائب التي رُفِضت من طرف الأغلبية، وفي بعض الأحيان يستغرق التغيير وقتًا طويلًا إلى أن يتم اعتماده أحيانًا في ثالثِ أو رابعِ محاولةِ استفتاءٍ، مثل حق المرأة في التصويت. ويمكن القول إن هذه العملية تنزع فتيلَ التطرُّف بتوفير شَرْعيةِ الطعن بالقرارات، وتُوفِّر إمكانيةً حقيقية للإصلاح التدريجي. لا شك أن هذه العملية تُؤدِّي إلى إبطاء أداء الحكومة، إلا أن هذا ليس بالأمر السيئ، خاصةً للشركات التي تبحث عن أرضيةٍ مستقرَّة وقدرةٍ على التحضير للمستقبل على أحسن وجه.

والنتيجةُ الواضحة لهذه المَيْزات الثلاث هي معرفة إرادة المجتمع. وقد أشار جوناثان شتاينبيرج — المؤرخ الاقتصادي والأستاذ بجامعة بنسلفانيا — أن النظام السياسي السويسري «مثل الدُّمَى التي تحتوي على ثقلٍ من مادة الرصاص في أسفلها، والتي تستقيم من تلقاء نفسها كلما شارفَت على السقوط».

معدل الضريبة الفعلي الهامشي (بما يشمل الضمان الاجتماعي).*
سويسرا ١٦٪
الولايات المتحدة الأمريكية ٢٤٪
اليابان ٢٦٪
ألمانيا ٣٥٪
فرنسا ٢٥٪
المصدر: كيه بي إم جي.
منذ بدء الوعد بالأموال: من تاريخ انهيار نظام بريتون وودز حتى اليوم.*
سعر تداوُل الفرنك السويسري: يناير ١٩٧٣–يوليو ٢٠١٢ نسبة التغير الإجمالي نسبة التغير السنوي
الولايات المتحدة الأمريكية ٢٨٢٪ ٣٫٥٪
المملكة المتحدة ٤٧٧٪ ٤٫٦٪
ألمانيا ٩٠٪ ١٫٧٪
إيطاليا ٩٢٧٪ ٦٫٢٪
النرويج ٢٥٠٪ ٣٫٣٪
البرازيل ٢٤٤ × ١٠١٢٪ ١٠٧٫٤٪
المكسيك ٣٥٤ × ١٠٣٪ ٢٣٫٣٪
جنوب أفريقيا ٣٫٦٢٨٪ ٩٫٧٪
إندونيسيا ٧٫٤٣١٪ ١١٫٧٪
المستثمرون الذين اختاروا المحافظةَ على ثرواتهم نقدًا مُقوَّمة بالفرنك السويسري منذ انهيار نظام بريتون وودز في عام ١٩٧٣؛ كسبوا (أو خسروا) ثرواتٍ بحسب هذه التحاليل، والنتائج تشهد أيضًا على الانضباط النسبي في السياسات المصرفية المركزية للبلاد. (المصدر: البنك الوطني السويسري، ومؤشر البنك العالمي، وحسابات أجراها الكاتب.)

ومع أن الحياد قد أصبح أقل أهميةً مما كان عليه منذ مائة عام، فقد لعبت حيادية سويسرا دورًا كبيرًا في تنمية البلاد، كما أن النزاعات المسلحة المتعددة في أوروبا — التي شملَت الكثيرَ من البلدان — ولَّدَت فرصًا ثمينةً للتجار والصناعيِّين السويسريين، كما جَلبَت أفواجًا من المهاجرِين الموهوبِين الذين كانوا يعانون من الاضطهاد واضطُروا إلى ترك بلادهم والقدوم إلى سويسرا، وخاصةً الهاجينوت واليهود منهم. لكن ربما تكون أكبر فائدة جنَتْها سويسرا من هذه الحيادية هي أن اقتصادها بقي مرارًا وتكرارًا بمنأًى عن الدمار الذي تسبِّبه الحروب؛ مما بيَّنَ للصناعيِّين فائدةَ كونهم مُورِّدين موثوقًا بهم، في حين كان منافسوهم يواجهون النقصَ في السلع والانقطاعات الطارئة في التوريد بسبب الحرب. وبما أن الحروب غالبًا ما تُؤدِّي إلى ارتفاع التضخُّم، باتَتْ سويسرا في وضعٍ مُشابِهٍ لما يمكن تسميته ﺑ «حصَّالة النقود» للأثرياء من البلدان المختلفة الراغبِين في الحفاظ على قيمة رءوس أموالهم؛ ففي عام ١٨٩٤ كانت الليرة الإيطالية الواحدة تعادل فرنكًا سويسريًّا واحدًا، لكن في عام ٢٠٠٢ — بعدَ أن تورَّطت إيطاليا في الحربَين العالميتَين — أصبح الفرنك السويسري الواحد يساوي أكثرَ من ألف ليرة إيطالية، وذلك قبل استبدال اليورو بالليرة بوقت قصير. وفي عام ١٩٧٠ كان الدولار الأمريكي الواحد يعادل أربعَ فرنكات سويسرية، لكن اليوم تبلغ قيمته ٠٫٩ فرنك سويسري فقط؛ أيْ أقل مما كان عليه بنسبة ٧٥ في المائة.

أمَّا السرية المصرفية الشهيرة في سويسرا، فمن المفارقات أنها نشأَت كوسيلةٍ مشروعة لحماية طالبي اللجوء الذين جلَبوا معهم كلَّ ما كانوا يملكون من ثروات، وغالبًا ما كانوا عُرضةً للاضطهاد والمُصادَرة. وسرعان ما أدرك آخَرون أن هذا الغطاء من السرية (والحماية) يمكن استخدامه على نحوٍ فعَّال، إمَّا في المعاملات «الحساسة»، وإمَّا لإخفاء الثروات عن الحكومات. واليومَ أصبح وجودُ السرية المصرفية مهدَّدًا، لكن على أي حال، يبدو أنها لم تَعُد ذات أهميةٍ في عالَم الأثرياء، غير أن احترام سويسرا للخصوصية الشخصية ربما يكون قد ساهَمَ في تألُّقِها مؤخرًا كمركزٍ عالمي للتجارة بالمواد الخام، وأكسَبَها مكانةً هامة باعتبارها المكانَ المفضَّلَ للعيش لذوي الثروات الضخمة.

وبالرغم من حيادية سويسرا، فإنها ليست مُسالِمةً أو رافضةً لحمل السلاح؛ إذ ما زال لديها أكبرُ الميليشيات الشعبية في العالم. وعلى الرغم من أنها لم يسبق لها قطُّ أن شاركَتْ في أية أعمالٍ عدائية، فإن الجيش السويسري قد لعب دورًا هامًّا في ثقافة البلاد، فكان بمثابة البوتقة الوطنية، وبنى شبكاتِ اتصالٍ في المجتمع، وكان مدرسةً تحضيريةً لمديري الشركات. وبفضل الخدمة العسكرية الإجبارية، تمكَّنَ العديد من المواطنين الذكور من التعرُّف على مناطقَ ناطقةٍ بلغات أخرى وعلى طبقاتٍ أخرى من المجتمع، وكان ذلك في صالح الانصهار والتماسُك الداخلي للبلاد. كذلك كان للخدمة العسكرية فضلٌ في ترسيخِ مبدأ المساواة، لدرجةِ أنَّ فرقةَ تدريبِ الضباط في الجيش السويسري، على عكس العديد من البلدان الأخرى، تتدرَّب مع رُتَبِ الجيش الأخرى. وقد قال فريتز جيربر، رئيس شركة روش وشركة زيورخ للتأمين وضابطٌ كبير في الجيش السويسري إن محاميًا أو طبيبًا في الجيش السويسري يمكن أن يجد نفسَه تحت إمرة سمكري. وحتى وقتٍ غير بعيد كان الحصول على رتبةِ ضابطٍ أمرًا لا بدَّ منه لكلِّ مَن يريد تولِّيَ منصبٍ إداري في الحياة المدنية؛ وهكذا فمن خلال الجيش، كانت النخبة الحاكمة في البلاد قادرةً على نسجِ شبكةٍ مترابطة من العلاقات تقوم إلى حدٍّ كبيرٍ على الجدارة بدلًا من خلفية الشخص. كان الأشخاص يعرف بعضهم بعضًا جيدًا، وكانوا قد تعايشوا معًا في الخيام في العراء على صخور الجبال الجليدية خلال المُناوَرات العسكرية، وكانوا يفكِّرون بالطريقة نفسها ويتَّبِعون الأساليب نفسَها في اتخاذ القرارات والإدارة؛ ومن ثَمَّ فإن التجارب العسكرية والتجارية والمدنية جميعها يُكمِّل بعضها بعضًا.١

التقاليد والتطور

هذه هي بعض القوى التي كَوَّنت وثبَّتت القاعدة الصناعية السويسرية الضخمة والمؤسسات السياسية المستقرة، لكن بعض هذه القوى لم تَعُد كما كانت في السابق؛ فقد تَحوَّلَ طابعُ الهجرة إلى البلاد من أولئك الذين يطلبون اللجوءَ السياسي إلى الذين يبحثون عن فُرَصِ عملٍ أفضل. كما أن التدريب العسكري لم يَعُد يشكِّل خلفيةً كافية أو حتى مُناسِبة للمديرِين التنفيذيِّين في الشركات العالمية، كما أنه يجب ألا يغيب عن الأذهان أن نجاحَ شركةٍ ما كان في كثيرٍ من الأحيان نتيجةً لضربةِ حظ، أو لاكتشافٍ حاسم، أو لوجودِ الشخص المناسب في المكان المناسب وفي الوقت المناسب، أو لاستغلالِ فرصةٍ مؤاتية، أو للقدرة والإرادة على اغتنامِ الفرصة المتاحة.

كما أن عملية تكوين الأعمال التجارية هي أيضًا قد تطوَّرت؛ ففي نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، كانت تعتمد على قدرة أصحاب المشاريع على اكتشافِ أو تطويرِ أو استغلالِ مُنتَجٍ جديد أو سوقٍ جديدة، وبما أن الآلات وأساليب الإنتاج أصبحت أكثر تكلفةً، بات توفير رأس المال ضروريًّا، فنشأت الحاجةُ إلى المزيد من التمويل الخارجي عبر البنوك والمساهمِين غير الفاعلِين، وبدأَتِ السلطة تتحوَّل من أيدي أصحاب العمل والقوى العاملة إلى أيدي الرأسماليِّين، وسرعان ما وَرِثَت الأُسَر الثروات وأصبحتْ سلالاتٍ كبيرة. وغالبًا ما تجنَّبَ الوَرَثةُ الانخراطَ في العمل المباشِر في الشركات التي وَرِثوها، بل حصدوا أرباحَهم بشكلٍ مريح، أو على العكس بدَّدوا تلك الثروات، وأصبحت إدارةُ هذه الشركات تُعهَد بشكلٍ متزايد إلى مديرِين مستقلِّين، كما أن أصحاب الشركات صاروا غير معروفين خلافًا لما كان عليه الوضع سابقًا. وقد تحوَّلَتْ مراكز السلطة من مساهمِين يتخذون قراراتٍ دون بُعْدِ نظرٍ إلى مديرِين تم تعيينهم لا يتحلَّوْن هم أيضًا ببُعْد النظر.

إن اعتبار ظهورِ أشكالٍ عديدة من الهياكل المؤسساتية — على مدى قرنين من الزمن — نتيجةً طبيعية للتطوُّر؛ هو بلا شكٍّ أمرٌ يبالِغ في التبسيط؛ إذ إن هناك أمثلةً بارزة على صور الهياكل القديمة التي لا تزال تظهر من جديد؛ فأمثال دانيال بوريل من شركة لوجيتيك، وآندي ريس من شركة فوناك، وهانس يورج فيس من شركة سينثيز، كانوا رجالَ أعمالٍ بارزِين بحجم بعض الرواد على شاكلة فالتر بوفيري، أو يوهان رودولف جايجي، أو أرنست شميدهايني. كما أن شركاتٍ مثل هولسيم وشنايدر وسيكا قد بقِيَت مترسَّخةً في أيدي عائلاتٍ نشطة، وبقيَ أفرادها مُلتزمِين بحزمٍ تجاهَ تطويرِ شركاتهم. لا يزال أحفادُ مؤسِّسي شركة روش يسيطرون على أغلبية الأصوات في الشركة، مع أنهم لا يملكون سوى ١٠ بالمائة من رأس مال الشركة، غير أنهم لم يمارسوا إدارة الشركة منذ أجيال. تُقدَّر ثروتهم ﺑ ١٣٫٥ مليار فرنك سويسري، مما يُتيح لهم العيش براحةٍ معتمدين على توزيعات عوائد الأرباح السنوية. أمَّا برادي دوجان — الرئيس التنفيذي الأمريكي لبنك كريدي سويس — فقد حصل على مكافأةٍ عالية نسبيًّا عن عام ٢٠١٠، في حين أن المساهمين (الغالبية الكبرى من الأسهم مملوكة من أشخاصٍ غير سويسريِّين) لم يشهدوا ارتفاعًا في قيمة استثماراتهم لمدة عقدٍ من الزمن. وقد أشار أليكس كروار — الرئيس السابق لشركة نوفارتِس — ذات مرة إلى أن الحصة النسبية من الأرباح المُوزَّعة بين الإدارة والمساهمِين تشكِّل مؤشرًا جيِّدًا يُبيِّن أيًّا من الطرفَين يُمسِك بزمام السلطة.

لقد استقبلَتْ سويسرا مؤخرًا شركاتٍ في أوج نموها، مثل شركة «داو» للمواد الكيميائية التي يقوم مَقرُّها الأوروبي بالقرب من مدينة زيورخ، التي تحقِّق عائداتٍ سنويةً تناهز ٥٤ مليارَ دولارٍ أمريكي، وهذا رقم يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي لأي بلد في العالَم باستثناء ٣٠ بلدًا، كما أنه يوازي تقريبًا الميزانيةَ الوطنية العامة لسويسرا. لم تكن شركة جوجل، التي قرَّرت مؤخرًا إنشاء أكبر مركز هندسة تابعٍ لها خارج الولايات المتحدة في زيورخ، موجودةً بعدُ عندما قرَّرت شركة داو الانتقالَ إلى سويسرا. وتبلغ اليوم عائدات الشركات الأجنبية المتعددة الجنسيات التي تتخذ من سويسرا مقرًّا لها ما يقارب ١٠ في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، وهي حصةٌ تُوازي حصةَ قطاعِ المصارف السويسرية، إلا أنها تنمو وتزداد بوتيرةٍ أسرع كثيرًا.

وكما هو الحال في أماكن أخرى، ينبغي على سويسرا كدولة أن تتغلب على الآثار المترتبة عن ازديادِ حجمِ ونطاق الشركات الكبيرة المتعددة الجنسيات، وأن تؤمِّن الاحتياجات المحلية لمواطنيها على حدٍّ سواء. هذا وقد نمت أحجام هذه الشركات بشكلٍ لم يسبق له نظير بالمقارنة مع أحجام الدول التي تقوم مقراتها فيها، وهذا شيء لم يتوقعه قطُّ مؤسِّسو هذه الشركات. على سبيل المثال، فإن عائدات نستله السنوية توازي تقريبًا ضعف حجم الميزانية السنوية للحكومة الاتحادية السويسرية بأكملها، ومن المرجَّح أن يحتاج الرئيس التنفيذي لشركة نستله في البرازيل إلى عقد اجتماعٍ على مستوًى عالٍ مع رئيس الوزراء في البرازيل أكثر من حاجته إلى الاجتماع بسفير سويسرا. كما يسود الاعتقاد في أسواق الائتمان اليومَ أنه من المرجَّح أن يكون في استطاعة شركة نستله سداد التزاماتها أكثر من حكومة الولايات المتحدة أو ألمانيا.

نرجو أن يكون هذا العرضُ الموجَز قد قدَّمَ لكم عيِّنةً مُشوِّقةً لمواصلة اكتشاف تفاصيل قصص الشركات والصناعات التي وَردَت في الفصول الأربعة عشر لهذا الكتاب، وأن تقدِّم المعلوماتُ الواردة فيه للقارئ توضيحاتٍ عن الأفكار المُتداوَلة بخصوصِ نجاح سويسرا. ويجدر بنا هنا لفْت الانتباه إلى أن الكاتب قد صبَّ تركيزَه على الشركات والصناعات الكبرى والمعروفة؛ وهذا يعني بلا شكٍّ أن بعض الشركات الصغيرة — ولكن الهامَّة — لم يَرِدْ ذكرها. هذا مع العلم أن الشركات الصغيرة والمتوسِّطة الحجم تُشكِّل أكثر من ٧٠ في المائة من حجم الاقتصاد السويسري، والعديد منها يتميز بوضعٍ جيد يفوق حجمها، مثل: شركة أحبار سيكبا التي تحوطها سريةٌ تامة ويصعُب تقليدُها، وهي التي تُستخدَم أحبارُها في طباعة الأوراق النقدية لحساب أغلب البنوك المركزية في العالم؛ كما أن ٧٥ في المائة من المكرونة المتوافرة في العالم تُنتجها آلاتُ مجموعةِ شركاتِ بوهلر في بلدة أوتسفيل؛ وكذلك فإن شركة إيجون تسيندر الناشئة التي تأسَّست في عام ١٩٦٤ قد أَصبحَت مؤخرًا أكبرَ شركةٍ للبحث عن المديرِين التنفيذيِّين في العالم، وخلال الجيل الماضي كانت من بين أهم صانعي المواهب وأصحاب السلطة في مجالس إدارة الشركات والهيئات الإدارية في جميع أنحاء العالم. وهل هناك مَن يعلم أن شركة فرانكي هي التي تصنع جميعَ أدوات المطبخ المستعملة في مطاعم ماكدونالدز؟ أو أن شركة مختبرات لا بريري التي أَدهشَت العالَم على حين غِرَّة خلال العقد الماضي بمنتجاتها الخاصة للعناية ببشرة النساء ومكافحة الشيخوخة، ترجع أصولها إلى مدينة مونترو؟ أو أن دودل، وهو برنامجُ حاسوبٍ مصمَّم خصوصًا لتنظيم لقاءات على شاشات الكمبيوتر بينَ العديد من المشاركين، تُنتِجه شركةٌ سويسرية؟ هذه مجرد حفنةٍ فقط من الشركاتِ من بين الكثير والكثير غيرها.

إن تحليلات الكاتب وآراءه الخاصة مُدرَجة في الفصل الختامي من هذا الكتاب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١