الفصل الثالث عشر

أعمال رائعة: إنجازات سويسرا في مجال الفن والهندسة المعمارية

الفن والهندسة المعمارية عنصران جوهريان في الثقافة السويسرية واقتصادها الحديث؛ فسويسرا هي في الواقع البلد الذي أنجب خلال فترة وجيزة ألبرتو جياكوميتَي وبول كُلِي ولو كوربوزييه، والذي يَحتضِن حاليًّا أحد أكبر المعارض الفنية الحديثة في العالم. كما تَمكَّن الجيل الجديد من المهندسين المعماريين السويسريِّين — مثل ماريو بوتا وجاك هيرتسوج وبيار دو مويرون وبيتر تسومثور — من ترك أثرهم في هذا المجال من خلال المعالم التي ساهموا في تشْييدها في جميع أنحاء العالم. ومع ذلك يرى كثيرون، ومن بينهم السويسريون أنفسهم، أن مُصطلَح «الفن السويسري» هو مصطلح يحمل تناقضًا في طياته؛ فالعديد من الفنانين السويسريِّين — خاصةً في العصر الحديث — تجنَّبوا تعريف أنفسهم بوصفهم سويسريين، وعلى سبيل المثال: أصبح المهندس المعماري والمصمِّم الشهير لو كوربوزييه مواطنًا فرنسيًّا في عام ١٩٣٠، وكان الرسام بول كُلِي يَعُدُّ نفسَه ألمانيًّا بقدر ما هو سويسري، أمَّا جياكو ميتَى وهو نحَّات وُلِد وتُوفِّي في سويسرا فكان قد صنَع شُهرته في فرنسا حيث أنجز الجزء الأكبر من أهم أعماله. كما أن هناك العديد من الفنانين السويسريِّين الآخرين الذين لا يُعَدُّون سويسريِّين في أَعيُن العالَم، فهنري فوسيلي المولود في سويسرا، وأحد أبرز رسَّامي القرن التاسع عشر، قضى كلَّ حياته في إنجلترا بعد سن العشرين، وكورت سيليجمان — أحد فنَّاني الحركة التحديثية في القرن العشرين — مولود في مدينة بازل ومسجَّل في سجلات متحف نيويورك للفن الحديث على أنه أمريكي، وسيُفاجأ الكثيرون إذا عرفوا أن روبرت فرانك — المخرج والمصوِّر السينمائي المعروف — قد طوَّرَ فنَّه في بداياته في مسقط رأسه في مدينة زيورخ.

***

إن تقديم دراسة أكاديمية حول أعمال فنانين ومصمِّمين من أمثال الذين ذُكِروا سابقًا يتعدَّى إطار هذا الكتاب، لكن عندما تدخل أعمالهم الفنية والتصاميم التي قاموا بها نطاق الأعمال التجارية — كما هو الحال لدى مُمارسة الهندسة المعمارية والمُتاجَرة بالأعمال الفنية — يُمكن أن تُشكِّل هذه الأعمال أجزاء هامة من الاقتصاد. غير أن هذا القطاع يَصعُب حصره؛ لأن المداخيل فيه وأحجام الإنتاج ليست واضحةً ولا مدوَّنةً كما هو الحال في القطاعات الصناعية التقليدية؛ لذلك سيُركِّز المنهج المُتَّبَع في هذا الفصل على استعراض أهم الإنجازات التي حقَّقَتْها أبرز الشخصيات السويسرية في مجال الفن والهندسة المعمارية على أمل أن تُقدَّر آثارُها الاقتصادية بقدر آثارها الجمالية.

توازُن وتناسُق، وأعمال تجارية

لقد أصبح الفن والهندسة المعمارية على حدٍّ سواء عاملَيْن هامَّيْن في الاقتصاد السويسري، ولكن على الطريقة السويسرية المعهودة — أيْ بتكتُّم — استنادًا إلى ميل سويسرا إلى بناء جميع مشاريعها من أسفل السلم إلى أعلاه، وسعيها لتحقيق التوازن والمنفعة، وتمسُّكها باتباع نهج مستقل في جميع مشاريعها، وهذا بالضبط ما تجسِّده العلاقة الغامضة لعدة شخصيات ثقافية سويسرية مع وطنها الأم، فالمفهوم السائد بأن بيئة سويسرا هي بيئة خانقة إلى حدٍّ ما، هو مفهوم ضارب في القِدَم، ولم يجد الفن ولا الهندسة المعمارية الإبداعية مكانتَهما بسهولة في سويسرا في مرحلة ما قبل الثورة الصناعية، وبخلاف جيرانها من البلدان الأوروبية، لم تكن في سويسرا إماراتٌ تحكمها عائلاتٌ مالكة تحافظ على الأعمال الفنية لتعزيز قوتها وهيبتِها، لا بل كانت تلك تفاهات غريبة عن العقلية السويسرية، والأموال — إذا وُجِدَت — كانت تُستخدَم للمسائل المهمة والمفيدة؛ ولذلك لا عجب أن أولى علامات الذوق الفني في سويسرا ظهرت في ميدان الهندسة المعمارية حيث يُمكن العمل بتكتُّم على تحقيقِ قِيَم جمالية في تصاميم عملية أو دينية.

إيطاليا واختبارها العسير

بين القرن السادس عشر والقرن الثامن عشر كان أهم المهندسين السويسريِّين من مواطني جنوب جبال الألب في كانتون تيشينو الناطق بالإيطالية، وكانت وجهتهم الرئيسية مدينة روما. أحد هؤلاء المهندسين كان دومينيكو فونتانا الذي خلف مايكل أنجلو في منصبِ كبيرِ المهندسين في مشروعِ بناءِ كاتدرائية القديس بطرس، وكان ابن شقيقه كارلو ماديرنو هو الذي أنجز بناء المشروع، وفي السنوات الأخيرة قبل تكريس بازيليك القديس بطرس مكانًا مقدَّسًا للعبادة في عام ١٦٢٩، كان هناك مهندس سويسري آخر اسمه فرانشيسكو كاستيلي يعمل في الموقع، وباتخاذ كُنْية بوروميني، كان هذا المهندس قد اكتسب شهرته من خلال تشييد كنيسة سان كارلو ذات النوافير الأربع على النمط الباروكي الروماني على هضبة كيرينالي.

figure
المخطط الرئيسي لمدينة بطرسبرج، رُسِم عام ١٧٢٠ من طرف المهندس السويسري دومينيكو تريزيني (١٦٧٠–١٧٣٤). كان بناء مدينة سانت بطرسبرج على يد بطرس الأكبر أعظم مشروع بناء في روسيا، ومن بين أهم المبادرات العمرانية في العالم في ذلك الوقت.

وبعد مرور جيل واحد، هاجَرَ مهندس آخر يُدْعَى دومينيكو تريزيني من منطقة أستينو بالقرب من مدينة لوجانو ليباشِر مسيرتَه المهنية في الخارج، وبعد فترة التدريب الإلزامية في روما، سافَرَ تريزيني إلى روسيا حيث كلَّفَه القيصر بطرس الأكبر بمهمةِ تخطيطِ مدينته الجديدة سانت بطرسبرج، وعلى مدى ٣٠ عامًا — وحتى وفاته — عمل تريزيني على وضع مخطَّطٍ للمدينة، وقام بتشييد بعضٍ من أهم مبانيها، ومنها كاتدرائية القديسين بطرس وبولس وقصر الصيف وقصر الشتاء للقياصرة، كما أنه أدخل هناك منهج دبلوم الماجستير في الدراسات المعمارية، أمَّا في سويسرا فقد مرَّ ١٥٠ عامًا قبل أن تُنشَأ مؤسسة لتدريب المهندسين المعماريين للحصول على شهادة مماثِلة.

الهندسة المعمارية مطلوبة

حوالي عام ١٨٠٠ عرفت مهنة الهندسة المعمارية تغيُّرًا جذريًّا، فقد أدى ظهور طبقة وسطى مزدهرة إلى زيادة هائلة في أعداد وأنواع مشاريع البناء، وفي نفس الوقت كانت ممارسات التداولات التجارية وأساليب الإنتاج الصناعي الجديدة قد جلبت أفكارًا أكثر فعاليةً إلى مواقع البناء؛ إذ بات العملاء يطالبون برؤية عائدات استثماراتهم في غضون فترة معقولة، كما أصبح تخطيط المباني المرموقة وتنفيذها يتطلَّب مهندسين مُدرَّبين أكاديميًّا على مهنتِهم وفي استطاعتهم التحكُّم بالخدمات اللوجستية المعقدة، وعلى دراية وافية بنمط الهندسة المعمارية المطلوب مهما كان نوعه.

وبحلول النصف الأوَّل من القرن التاسع عشر لم تكن سويسرا قد قدَّمت — إلا نادرًا — أيَّ مساهمات في تطوير الهندسة المعمارية؛ إذ كان المهندسون يتلقَّوْن تدريبَهم في فرنسا وألمانيا ويعودون إلى سويسرا لتطبيق ما تعلَّموا من أساليب في هذا المجال، إلا أن تأسيس المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ في عام ١٨٥٥ كان بمثابة نقطة تحوُّل، كانت الحكومة الفيدرالية المكوَّنة حديثًا قد نجحت في استقطاب مهندس ألماني مشهور يُدْعَى جوتفريد سيمبر للعمل في المعهد.١ كان سيمبر قد شارك — بصحبة صديقه المقرَّب المؤلِّف الموسيقي ريتشارد فاجنر — في انتفاضة مايو في دريسدن ضد مملكة ساكسونيا في عام ١٨٤٩، وبعد أن فشلت الثورة، كان على سيمبر وفاغنر مغادرة المدينة خوفًا من الاعتقال، هرب سيمبر إلى باريس ثم إلى لندن، في حين لجأ فاغنر إلى زيورخ، وبعد أعوام قليلة استطاع فاغنر — بفضل علاقاته — إحضار سيمبر إلى المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا الذي كان قد تأسَّسَ حديثًا، ولم يُكلَّف سيمبر بتصميم المباني المدرسية فحسب على تلةٍ تطلُّ على وسط المدينة، بل عُيِّن أيضًا الأستاذ الأعلى أجرًا في المعهد براتب كبير بلغ ٥ آلاف فرنك سويسري في تلك الفترة. كان سيمبر واثقًا من أن تعلُّمَ مهنة الهندسة عن طريق التطبيق العملي يلعب دورًا هامًّا في نجاح مسيرة المهندس، وهذا أسلوبٌ حرص المسئولون في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا منذ ذلك الحين على اتَّباعه.

نفحات من الحرية

بفضل تأسيس المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا وتعيين سيمبر فيه، بدأت سويسرا تدريجيًّا تفرض وجودَها في مجال الهندسة المعمارية في أوروبا. كانت تلك فترة نمو سريع في المدن السويسرية كُلِّف خلالها المهندسون بالعديد من المشاريع الجديدة مثل تصميم وبناء محطات السكك الحديدية والمسارح والفنادق والمصارف ومكاتب البريد المركزية، وكانت الأفكار لبناء هذه المباني مستوحاة من نماذج قائمة في عواصم أوروبية أخرى، وعلى وجه الخصوص في باريس وميونيخ وفيينا، إلا أن المهندسين السويسريين بدءوا تدريجيًّا في وضع لمساتهم الخاصة وإيجاد طابع سويسري يميِّزه الجانب العملي المفيد والأسعار المعقولة، ورويدًا رويدًا بدأت تظهر هندسية سويسرية حديثة متحرِّرة من الأساليب التقليدية.

وبتعيين مهندس سويسري يُدْعَى كارل موزر في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في عام ١٩١٥، تطوَّرَ التدريب المعماري وتقدَّمَ بشكلٍ متزايد. كان موزر قد أمضى فترة في باريس وإيطاليا، وأقام شراكة ناجحة في مجال الهندسة المعمارية في مدينة كارلسروه في ألمانيا، واكتسب شهرة عالمية في مجال اختصاصه، فهو الذي رَسَمَ تصاميمَ محطة السكك الحديدية «باديشير» في مدينة بازل (عام ١٩١٣)، وجامعة زيورخ (عام ١٩١٨)، ومعرض كونستهاوس للفنون في مدينة زيورخ (عام ١٩١٠)، جاء عمل موزر تجسيدًا لما كان يُعرَف بأسلوب «الإصلاح» الذي تَطوَّرَ حوالي عام ١٩٠٠، وكان يعتمد على فكرةِ أنه لا بد أن يتألف الجانب العملي مع الشكل والتصميم ليشكِّل وحدةً متكاملة لا تَنفصِم وترتكز على أساس عنصر الاستفادة. كان من الواضح أن أسلوب الإصلاح هذا له صلةٌ بالحركة الحديثة التي كان يَشهدها الفن آنذاك، وقد تميَّزت حركةُ الحداثة في سويسرا بمبدأ التسامح العملي الذي يُشكِّل أساسَ التعايُش اليومي في بلدٍ صغير ومتنوِّع، وفي الآن نفسه كان هناك انفتاحٌ على اتجاهات التطوُّر القادمة من بلدان أخرى، وتحت إشراف موزر تخلَّى المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا عن أساليب «الهندسة المعمارية الأكاديمية» التي وضعها سيمبر، ليتبنَّى مكانها تصميمَ مبانٍ حقيقيةٍ وتشجيعَ الجودة والمهنية الحرفية.

بازل مدينة العقول المستنيرة

إذا كانت العمارة المتقنة ميدانًا تبنَّاه السويسريون بحذرٍ وعلى مراحل، فلم يكن الأمر كذلك بالنسبة إلى الفنون البصرية بحد ذاتها، ففي مرحلة ما قبل الثورة الصناعية لم تكن سويسرا تُولِي أهمية كبيرة للفن، فالحظر الذي كان مفروضًا على الصور الدينية خلال فترة حركة الإصلاح الديني حَالَ دون التطور الثقافي، وخاصةً في البلدات والمدن الرئيسية في سويسرا المركزية، وعلى مدى قرون، ساد التوتر والتردُّد في قبول الفنون البصرية في بلاد الإصلاحيَّيْن: كالفين وتسفينجلي، لكن الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة انحصر بمدينة بازل الحدودية التي كانت منذ العصور الوسطى تتمتَّع بعلاقات تجارية مزدهرة مع البلدان الأجنبية. كما أن إنشاء أول جامعة سويسرية في عام ١٤٦٠، واستقبال اللاجئين الهاربين من الاضطهاد الديني أثناء فترة الإصلاح وفيما بعدها، إلى جانب نشوء المؤسسات التجارية والنقابات المتحرِّرة نسبيًّا؛ كانت عواملَ ساعدت على بروز طبقة حاكمة مستنيرة تتكوَّن من التجار ونسَّاجي الحرير وأصحاب مكاتب العمل الذين كانوا منفتحين على الفنون والعلوم، وليس من قبيل المصادفة أن تكون مدينة بازل مهدَ نشاطِ جمعِ وعرضِ المجموعات الفنية في سويسرا، فقد وهَب إيراسموس روتردام — وهو أحدُ روَّاد الحركة الإنسانية — مجموعتَه الفنية، المكوَّنة من قِطَع نقدية ولوحات فنية ورسوم، إلى مُواطِنٍ من مدينة بازل يُدْعَى بونيفاكيوس أمرباخ الذي أضافها إلى مجموعته الخاصة، ولاحقًا وسَّعَ باسيليوس، ابن أمرباخ، تلك المجموعة الفنية. وفي عام ١٦٦١ قامت مدينة بازل بشرائها بمبلغ ٩ آلاف خولده (أيْ ما يعادل ١٩ ألف فرنك سويسري)، وبذلك باتت بازل أول مدينة سويسرية تمتلك مجموعة فنية كبيرة.

إلا أن مدينة بازل كانت استثناءً للقاعدة السائدة، فتجميع وحيازة المجموعات الفنية كانت حكرًا على الأفراد حتى فترة متقدِّمة من القرن العشرين، ولكي يَزدهِر هذا القطاع، كان من الضروري ألَّا يَفرض عليه نظامُ الضرائب قيودًا ومُتطلبات صارمة. فحتى عام ١٩٠٧ عندما شُرِّع قانون المؤسسات الوقفية الخاصة بهذا القطاع، ودمجه ضمن القانون المدني السويسري، كان هناك خياران مُتوافِران لا ثالثَ لهما، ففي حال وفاة صاحبِ مجموعةِ فنيةٍ ما، كان من المفروض إمَّا أن تُباع المجموعة وإما أنْ تُوهَب؛ ولذلك لم تكن هناك في سويسرا — خلال القرن التاسع عشر — تجارة مهنية متخصِّصة في تجارة الأعمال الفنية للاضطلاع بعمليات البيع، فبقيَ التبرُّع والوهْب غالبًا هو السبيل الوحيد المتاح أمام أصحاب تلك المجموعات. أمَّا أول متحَف مخصَّص للفن فقط — وهو متحَف راث — فقد افتُتِح في مدينة جنيف في عام ١٨٢٦، ويعود الفضل في ذلك إلى وصية هبة، وبعد مرور عشرين سنة، تلتْها مدينة بازل بفتح متحف «آن دير أوجستينر جاسيه»، حيث عُرِضت الأعمال الفنية جنبًا إلى جنب مع التُّحَف الأثرية التاريخية، أمَّا اليوم فقد باتَت سويسرا بلدًا غنيًّا بالمجموعات الفنية؛ إذ يوجد متحف فني لكل ٦٥ ألف نسمة من السكان تقريبًا، غير أن الفضل في ذلك يعود بمقدار كبير إلى تفاني عدد قليل من الأفراد الذين يَهْوَون جمْعَ القطع الفنية.

نشأة المجموعات الكلاسيكية

في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ولَّد النجاح الصناعي رءوسَ أموال حرة، وأصبح الأثرياء في حاجةٍ إلى إبراز وعيهم بقيمة الأعمال الفنية واكتساب مكانة دولية من خلال تجميع وعرض المجموعات الفنية؛ وبذلك ظهرت مجموعاتٌ جديدة من صفوة الأعمال الفنية العالَمية في مدينة فينترتور، وكان أصحابها ينتمون إلى عائلات مثل عائلة فولكارت وراينهارت وبوهلر التي كوَّنت ثروتها من التجارة ومن صناعة النسيج، ومن أبرز هذه المجموعات لا بد من ذكر مجموعة آرثر وهيدري هانهلوزر، ومجموعة ريتشارد بوهلر، ومجموعة جورج وأوسكار راينهارت الشهير جِدًّا، كما جمع سيدني براون — ابن مؤسِّس شركة براون بوفيري البريطاني — مجموعةً فنية هامة في مدينة بادن.

وكما كان من المألوف في منعطَف القرن التاسع عشر والقرن العشرين، اتخذت الطبقة البورجوازية نمط الحياة المُتَّبع في المدن الأوروبية العُظمى نموذجًا تَحتذي به، وعلى وجه الخصوص مدينتا باريس وميونيخ، ولعلَّ الفضل في عرض وإبراز الفنون يعود إلى فنانين سويسريِّين كانوا يعملون في باريس وقدَّموا مساهمة قيِّمة وأحيانًا حاسمة في تيسير هذا النشاط، ومن بينهم كونو أميات وفليكس فالوتون وكارل مونتاج من مدينة فينترتور. وبفضل وساطة فالوتون ومونتاج جلب أفراد عائلة هاهنلوزر وبوهلر الفنَّ الانطباعي إلى سويسرا، كما رعيا اثنين من الرسَّامين السويسريِّين وهما جيوفاني جياكوميتي (والد النحَّات ألبِرت جياكوميتي) وفرديناند هودلر، ودعماهما من خلال شراء أعمالهما بانتظام.

في البداية، كان أصحاب المجموعات الفنية السويسريُّون يعتمدون كليًّا على تجار الأعمال الفنية في فرنسا وألمانيا، ولكن بحلول عام ١٩٠٧ أصبحت الأرضية مهيَّأة تمامًا أمام ثيودور فيشنر لافتتاحِ ما أصبح أولَ مزادٍ علني سويسري للأعمال الفنية في مدينة لوتسِرن. وحوالي عام ١٩١١ بدأت سوق متميِّزة للفن تظهر للعيان على شكل سلسلة من «صالات عرض فنية جديدة»، وهو ما كان يُعرَف سابقًا ﺑ «الصالونات الفنية» التي افتُتِحت في مدينة زيورخ، أوَّلًا على يد يوهان إرفين فولفينسبيرجر، ثم لحقه بعد وقت قصير جوتفريد تانر والإخوة جوستاف وليون بولاج.

ملتقى الفنَّانين والتجار

كانت الأحداث العالمية قد خدمت مصالح رجال الأعمال المتخصِّصين في المجال الفني أكثر من أي وقتٍ مضى، فخلال الحرب العالمية الأولى، عندما تقهقرت تجارة الأعمال الفنية التي كانت مُزدهِرةً بين ألمانيا وفرنسا، كانت سويسرا هي المستفيدة الأولى من ذلك؛ إذ وجد البائعون والمشترون أن البيئة المؤسساتية والتشريعية في سويسرا مثالية لمثل هذا النشاط، فنظام الملكية كان آمنًا والرسوم الجمركية على الأعمال الفنية المستورَدة إلى سويسرا تُحتسَب على أساس الوزن فقط، وتجار الأعمال الفنية الذين لم يعودوا قادِرين على الدخول إلى فرنسا بدءوا يتوافَدون على نحوٍ مُتزايد إلى سويسرا، وكذلك فعل الفنانون الذين كانوا مستهدَفين في زمن الحرب، وكان من بين هؤلاء المهاجرين تاجرُ التُّحَف الفنية من مدينة شتوتجارت الذي يحمل اسمًا على مُسمًّى، وهو أوجوست «جوتيكونست» (أيِ الفن الجيد)، والذي قام في عام ١٩١٩ بمشاركة مؤرِّخ فني يُدْعَى أوجوست كليبشتاين بتأسيس وكالة جوتيكونست وكليبشتاين للفنون. وبعد الحرب العالمية الثانية، اشترى الوكالةَ إيبرهارد كورنفيلد الذي حوَّلها إلى مزادٍ علَني ناجح.

كانت سوق الاتِّجار بالأعمال الفنية في سويسرا في خضمِّ توسُّعها عندما استولى الحزب الاشتراكي القومي على الحكم في ألمانيا في عام ١٩٣٣، وكان من بين اللاجئين الذين فرُّوا إلى سويسرا هربًا من الاضطهاد تاجرٌ للأعمال الفنية من مدينة ميونيخ يُدْعَى فريتز ناثان، الذي كان منذ عام ١٩٢٨ يُقدِّم المشورة لأوسكار راينهارت بخصوص مجموعته الفنية. سرعان ما احتلَّ ناثان مركزًا مهمًّا في تجارة الفنون بين سويسرا وألمانيا وفرنسا، وأصبح أهم مستشار لإيميل جورج بوهرليه المهاجر الألماني الذي امتلك في عام ١٩٢٩ أكبر حصة في شركة أورليكون للأدوات الآلية. كان بوهرليه الذي درس علم الفلسفة والأدب وتاريخ الفنون يَختلِف تمامًا عن رجال الصناعة الآخرين، فمن ناحية حوَّلَ مصنعه في مدينة زيورخ إلى مرفق لإنتاج الأسلحة وحقَّق ثروةً هائلة من ظروف الحرب، ومن ناحية أخرى، كان من روَّاد هواة جمع اللوحات الفنية خاصةً لكبار الرسامين القدامى والانطباعيِّين. اشتُرِي الجزء الأكبر من مجموعته الفنية بعد عام ١٩٤٧، ومن ذلك عدة أعمال ﻟ «بول سيزان وفان جوخ وجوجان ومونييه»، ومنذ عام ١٩٦٠ بات بالإمكان مشاهَدة عدد من اللوحات في مجموعته التي تُعَد بالمئات في الفيلا الخاصة به في مدينة زيورخ، ولكن — لجعلها في متناوَل أكبر عدد مُمكِن من الجمهور — قدَّمَ بوهرليه التمويلَ اللازم لمركز الفنون في مدينة زيورخ (كونست هاوس) لتوسيع مبناه وإنشاء ملحَق (صمَّمه المهندس البريطاني دافيد شيبرفيلد) بات يُعرَف اليومَ بصالةِ بوهرليه للعرض.

تأثير المهندس لو كوربوزييه

في مجال الهندسة المعمارية، أصبح تأثير الحداثة واضحًا تمامًا في سويسرا في العقود الأولى من القرن العشرين. كانت الواقعية التي عرفها العالم في هذا الميدان على يد كارل موزر قد أثَّرت في أجيال من المهندسين الذين ظلُّوا يعترفون بعمله لعدة عقود لاحقة، وربما يكون أشهر مَن نادى بهذه الحداثة هو شارل إدوارد جانيريه جري، الذي أطلق على نفسه لاحقًا اسم لو كوربوزييه. وُلِد لو كوربوزييه في مدينة لاشو دو فون والتحق بمدرسة الفنون التطبيقية هناك، تدرَّبَ بصفته نحَّاتًا ونقَّاشًا إلا أنه سرعان ما غيَّرَ وجهته ليَدرس الفن المعماري، وخلال الحرب العالَمية الأولى انتقل للعيش في باريس بصفةٍ دائمة؛ حيث أسَّسَ مكتبًا للهندسة المعمارية مع قريبه بيار جانيريه.

figure
شارل إدوارد جانيريه جري المشهور أكثر بلقب لوكوربوزييه (١٨٨٧–١٩٦٥)، أحد أبرز المهندسين المعماريين في العالم.

وفي عام ١٩١٨ التقى لو كوربوزييه بمصرفي من مدينة بازل يُدْعَى راوول لاروش الذي كان بصدد بناء مجموعة هامة من اللوحات التكعيبية، نمت علاقة صداقة بين الرجلين تُوِّجت بتشييد فيلا لاروش في عام ١٩٢٣، كانت هذه المهمة التي كلَّفه بها لاروش واحدةً من الفرص الأولى التي أتاحت لهذا المهندس الشاب صياغةَ أفكاره الثورية في مجال الهندسة المعمارية وتحقيقها على أرض الواقع، وقد بقيَت فيلا لاروش المشيدة في الدائرة ١٦ من مدينة باريس أيقونةً للحداثة، وما زالت رمزًا يزوره المهندسون المعماريون حتى اليوم.

رغبة جامحة لبناء المدينة الجديدة

توجهت طموحات لو كوربوزييه إلى أبعد من الاكتفاء ببناء منازل خاصة لأصدقائه الأثرياء، فقد كتب نيكولا فوكس فيبر في كتابه «حياة لو كربوزييه» عن رغبةِ لو كوربوزييه الجامحة في هدم أجزاء كبيرة من المدن القائمة، لبناء شُققٍ من شأنها توفير ظروف معيشة أفضل. (كان لو كوربوزييه من أوائل المهندسين الذين أخذوا بعين الاعتبار حتميةَ تأثيرِ السيارات في التجمُّعات الحضرية). وعلى الرغم من أنه كان يُعَدُّ من روَّاد الهندسة المعمارية الحديثة، فإنه لم يكن في منأًى عن النقد، ومنه نقد جين جاكوب التي كتبت في كتابها «موت وحياة المدن الأمريكية الكبيرة» أن منشآته تترك تأثيرًا سلبيًّا على التطور الاجتماعي.

كانت موهبة لو كربوزييه البيانية وشخصياته العدوانية والجريئة وفن عمارته المتطرف الخالي من الزخرفة؛ كلُّها عواملُ دفعت به ليكون على رأس حركة التحديث الطليعية آنذاك، ومن خلال المقالات التي كتبها — منها «نحو فن عمارة» الذي صدر في عام ١٩٢٣، و«تخطيط المدن» الصادر في عام ١٩٢٥، وكذلك «خمس نقاط لفن معماري جديد» الصادر في عام ١٩٢٧ — وضع القواعد الأساسية ﻟ «فن بناء جديد». وبطريقة كتابته الاستفزازية وتصاميمه المثيرة للجدل كان لو كوربوزييه غريبًا نوعًا ما عن النموذج السويسري، وأحدَثَ بلبلةً في صفوف المهندسين المعماريين بين مؤيد متحمِّس ومعارض شديد له حتى في سويسرا، وكان أسلوبه في الهندسة يتَّسِم بطابع من الشمولية، وبحسب تعبير المؤرخ المعماري بيار فراي: «كان لو كوربوزييه منظِّرًا راديكاليًّا من نوعٍ مشابهٍ لنظرية تحسين النسل في فضاءات العيش.» وقد تجلَّى هذا الجانب «الراديكالي» أيضًا في منهج تصاميمه المعمارية المتعدِّدة الجوانب، فإلى جانب كونه رجلًا عصاميًّا علَّمَ نفسَه بنفسه، كان مخطِّطَ مدن، وأنشأ مجلة، كما أدار مصنعًا لصنع الآجُر، وكان يهتمُّ بكل كبيرة وصغيرة في مشاريعه بما في ذلك الأثاث.

السويسري الشَّرِس

تجلَّت روح المنافسة الشديدة التي اتَّسم بها لو كوربوزييه خلال المسابقة التي عُرِضَت في عام ١٩٢٧ لتصميم القصر الجديد لعصبة الأمم في جنيف، فبعد محادَثات مطوَّلة قامت لجنة من السياسيين — الذين عيَّنتهم الجمعية العمومية لعصبة الأمم — باختيارِ تصميمٍ قدَّمَه مهندس تقليدي متخرِّج من مدرسة الفنون الجميلة، على الرغم من أن اقتراح لو كوربوزييه قد عُدَّ من طرف المهنيين بأنه أفضل بكثير من جميع الاقتراحات اﻟ ٣٧٧ التي قُدِّمت. بعد ذلك، عندما قام المهندس الذي نجح في المسابقة باقتباس عناصر أساسية من منهج لو كوربوزييه، ردَّ هذا الأخير على ذلك في خطابٍ شَرِس ومتشدِّد بشكلٍ لم يسبق له مثيل في المناقشات التي عرفها مجال الهندسة المعمارية حتى ذلك الحين، استغلَّت حركة الحداثة التي يَنتمي إليها لو كوربوزييه المناسبة لتأسيسِ ما كان يُعرَف بالمؤتمر الدولي للعمارة الحديثة. كان ربع مؤسِّسي المؤتمر الأربعة والعشرين من أصول سويسرية، وكان أمينه العام يُدْعَى سيجفريد جيديون المولود في مدينة براج، لكنه يعيش في زيورخ ويعمل مؤرخًا للفنون، والذي أصبح كتابه الذي يحمل عنوان «الفضاء، الوقت، وفن العمارة، نشأة تقاليد جديدة» (١٩٤١) مرجعًا في مجال الفن المعماري الحديث. نصَّب المؤتمر نفسه مركزَ اجتذابٍ ونقطةَ التقاءٍ لذوي الفكر المتماثِل من الناشطين في هذا المجال ولسان حال المنتسِبين للحركة، وخلال الاجتماع الثالث للمؤتمر في عام ١٩٣٣، اعتمد المشاركون «ميثاق أثينا»، وهو عبارة عن برنامج من المبادئ التوجيهية لتخفيف الازدحام في المدن وتخطيطها وإعمارها وَفْق مبادئ عقلانية مفيدة.

ساهَمَ المهندسون السويسريُّون المنتسبون للحركة الحداثية أيضًا في إيصال قواعد فن العمارة الجديد إلى أمريكا، ومنهم مهندس من مدينة جنيف يُدْعَى ويليام ليسكاس، كان قد هاجَرَ إلى أمريكا في عام ١٩٢٠ بعد حصوله على شهادته تحت إشرافٍ بتشييد مبنى مكاتب أُنجِزَ في عام ١٩٣٢ لحساب مؤسسة صناديق الادخار في فيلادلفيا، وكان هذا البناء أول ناطحة سحاب حديثة في الولايات المتحدة، وبقيَ حتى نهاية الستينيات مثالًا يُحتذَى به للعديد من المهندسين الأمريكيين.

سويسرا ومدرسة باوهاوس

كان لمدرسة الفنون والحِرَف البدوية «بوهاوس» التي تأسَّست في فايمار في عام ١٩١٩ تأثيرٌ حاسم على تطوُّر حركة الحداثة في سويسرا، فخلال العشرينيات كانت هذه المدرسة قِبْلة عدد كبير من الفنانين والمصمِّمين الطموحين القادمين من جميع أنحاء أوروبا، وكان من بين الموظَّفين الأوائل في المدرسة رجل يُدْعَى يوهانس إيتن، وكان رسامًا وصاحب نظريات بخصوص الألوان، درَّسَ مهاراته هناك وكانت له كاريزما سيطرت على المدرسة طوال سنواتها الأربع الأولى. قام إيتن — الذي درس في كلية لتدريب المعلمين في مدينة بيرن — بابتكار الدروس الأساسية في مدرسة «بوهاوس»، وهي دروس اعتُمِدت لاحقًا في العديد من مدارس الفنون التطبيقية في البلدان الناطقة باللغة الألمانية، وبقيَت إلى اليوم شديدةَ الأهمية في مناهج التدريس.

في عام ١٩٢٨، حلَّ هانس ماير — وهو مهندس من مدينة بازل وأحد مؤسِّسي المؤتمر الدولي للعمارة الحديثة — محلَّ فالتر جروبيوس، وتولَّى منصب مدير مدرسة بوهاوس التي كانت قد نُقِلت آنذاك إلى مدينة ديساو شمال ولاية لايبزيج. أنشأ ماير قسمًا للهندسة المعمارية، وجعل مدرسة باوهاوس — التي طالَما غلب عليها الطابع السياسي — تميل أكثر من أيِّ وقتٍ مضى باتجاه اليسار، وفي مدينة ديساو ذات الطابع المحافظ والتي كانت العاصمة السابقة للدولة الدوقية، أدَّى ذلك إلى إحداث توتُّر اجتماعي كبير، وتحت ضغوطات كبيرة زاد من حدتها صعود الحركة النازية، اضطر ماير إلى التخلِّي عن منصبه في عام ١٩٣٠، بعد ذلك رحل إلى موسكو إلا أنه سرعان ما اختلف مع نظام ستالين وعاد أدراجه إلى سويسرا في عام ١٩٣٦. أُتِيحت أمام ماير فرصٌ قليلة للتصميم والبناء، غير أنه ساهم مساهمةً كبيرةً في تطوير فن الهندسة بأعماله النظرية، ومشاركاته في المسابقات وبعض الأبنية الكاملة، إلى جانب إنشاء مدرسة تدريبية للتخطيط المعماري في المكسيك، غير أن شهرته قامت — بوجه خاص — على ما كان ينشره من مقالات مُقنِعة جِدًّا وعلى سياسته الفنية الراديكالية.

نوع خاص من الحداثة

لم تكن سويسرا في منأًى عن الاستقطاب المِحوَري في المناخ السياسي الذي كان سائدًا في أوروبا خلال الثلاثينيات، غير أن الخلافات التي نشأت فيها كانت أقل ضغينةً من أي مكان آخر في أوروبا. وقد تلخَّص الموقف السويسري تجاه الحداثة على وجه التحديد في آراء فيرنر أوكسلين حول «التواضُع في إبراز الشكل، والتركيز على عوامل الاستفادة، ورفض ضخامة المعالم»، ولعل أفضلَ مثالٍ عن هذا الموقف يتجسَّد في بناية قصر المؤتمرات «كونجرس هاوس» في مدينة زيورخ الذي أُعِيد بناؤه في عام ١٩٣٨ على يد ماكس هيفيلي وفيرنر موزر ورودلف شتايجر بأسلوب مخالِف تمامًا للنمط المعماري المبالغ فيه الذي كانت ألمانيا الفاشية المجاوِرة تتبعه وتروِّج له، غير أن آراء المهندسين في تلك الفترة كانت مُنقسمة؛ إذ كان البعض منهم يرى أنه أسلوب يُجسِّد النمط السويسري الحديث بحذافيره، في حين كان البعض الآخر يرى أنه نمط يَفتقر إلى الإبداع ولا يتماشى بالضرورة مع الحداثة، أضِفْ إلى ذلك عدم توافُقه مع ذوق الفرد العادي في المجتمع، وبعبارات أخرى: لربما كان هذا المنحى ذا طابع حداثي، ولكنه في الوقت نفسه يتميَّز بطابع سويسري له مميزاته الخاصة.

تجارب سيئة السمعة

خلال الحرب العالمية الثانية، أصبحت سويسرا — ولا تزال حتى اليوم — مركزًا لتجارة الأعمال الفنية على الصعيد الدولي، وقد وصَل إلى سويسرا قدرٌ كبير من الأعمال الفنية التي كان يَملكها اللاجئون، وبالخصوص ممتلَكات اليهود الألمان التي أُنقِذت من أيدي النازية، ووُضِعت مؤقَّتًا في المستودعات ومخازن المتاحف؛ ومن ثَمَّ بيعت لاحقًا في سوق الأعمال الفنية السويسرية لتمويل حياة جديدة في المنفى لمالكيها ووَرَثتهم. ولكن هذه التجارة لم تكن في مجمَلها مشروعةً كما يتَّضح من التقرير المنشور في عام ٢٠٠١ من طرف لجنة مستقلة من الخبراء بحثَتْ في مواقف سويسرا خلال الحرب العالمية الثانية، والتي كان يرأسها المؤرخ جان فرانسوا بيرجييه، فقد استُغِلَّت سوق الأعمال الفنية السويسري أيضًا للتخلُّص من الأعمال التي أتت عن طريق النهب، وهي أعمال استولى عليها بالقوةِ النظامُ النازي في ألمانيا والمناطقِ المُحتلة. ومنذ أن استلم هتلر الحكمَ في عام ١٩٣٣ حتى عام ١٩٤٥، تُشير إحصاءات الجمارك الرسمية السويسرية أن إجمالي الواردات الفنية القانونية يُقدَّر بمبلغ ٢٦٫٣ مليون فرنك سويسري، وأكثر من ثلث هذه الواردات جاء من ألمانيا، ولا توجَد تقديرات موثوق فيها وصحيحة عن حجم السوق الرمادية أو السوق السوداء، إلا أنه من الواضح أن العديد من العاملين في السوق والمتاحف وأصحاب المجموعات الفنية والتجار والمزادات العلنية قد استفادوا كثيرًا من الوضع الذي كان سائدًا، هذا وقد لعبت صالةُ عرضِ فيشر في مدينة لوتسِرن دورًا مُخجِلًا استقطبت بسببه احتقارَ العالم من خلال تنظيم مزاد علني لأعمال فنية في عام ١٩٣٩ تحت راية «الفن المنحَط»، وهي في الواقع أهم الأعمال الفنية الحديثة التي أدانها النظام النازي ثم صادَرَها، كما قامت صالة العرض المذكورة بعرض وبيع الكثير من الأعمال التي كانت ملك اللاجئين، وكذلك الأعمال المنهوبة من أصحاب المجموعات الفنية مثل إميل بوهرليه.

إلا أنه بعد الحرب العالمية الثانية كانت سويسرا في وضع جيد أتاح لها احتلالَ مركز الريادة في مجال التجارة الدولية للأعمال الفنية، بينما كانت بقية البلدان الأوروبية تستيقظ على أنقاضها، وكما هو الحال في كافة الظروف، هناك دومًا رجل مناسب للقيام بالمهمات الجسام. نشأ إرنست بايالَر في عائلة متواضِعة في مدينة بازل، وتدرَّبَ في مجال الأعمال التجارية، لكنه بعد ذلك حصل على وظيفةٍ في مكتبة للكتب الأثرية القديمة، وبعدما تُوفِّي صاحب المكتبة في عام ١٩٤٥، قام بايالَر بشرائها، إلا أنه اضطر لبيع جميع محتوياتها تقريبًا لدفع ثمنها، وضمن المحتويات وجد عددًا من قطع الخشب اليابانية المطبوعة، فعرضها للبيع ولم يهتمَّ بأمرها بعد ذلك.٢

موجة جديدة من الفن المعاصر

تحفل سويسرا بعددٍ هائل من المجموعات الفنية الخاصة والمتاحف التي تحوي أعمالًا فنيةً نادرةً وذات جودة عالية، وعادة ما تُتناقَل هذه الأعمال من جيلٍ إلى جيل، ونادرًا ما يُفرَّط بها أو تُعرَض للبيع، كما أن العاملين في مجال تجارة الأعمال الفنية غالبًا ما يتشبَّهون بعملائهم، فكان العاملون في مؤسسات سوذييز وكريستيز مهذَّبين للغاية ويرتدون ملابسَ أنيقةً ويُجِيدون الحديث في حفلات الكوكتيل، إلا أنهم غالبًا ما كانوا يفتقرون إلى القدرة على تحقيق الإنجازات والنجاح. وبالرغم من أن تلك الظروف السائدة عمومًا لم تكن ملائمة، فإن مرور الوقت كان كفيلًا بتمهيد الطريق أمام بروز أشخاص جدد استطاعوا إعادة تنظيم سوق تجارة الفن السويسري.

figure
يُعَدُّ اليومَ معرضُ آرت في مدينة بازل والفرع التابع له مسامي آرت في ميامي من بين أهم معارض الفن المعاصر في العالم.
figure
المؤرخ الفرنسي سام كيلَر (على اليسار) وتاجر الفن المعروف جِدًّا إرنست بايالَر (على اليمين).
ظهرت طبقة جديدة من الأثرياء بفضل النمو الملحوظ الذي شهدته فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وانتعاش السوق المالية، كانت هذه رءوس أموال جديدة يسعى أصحابُها للتفاخر بالاستثمار في شراء اللوحات الشهيرة، وحتى اليوم لا يزال وجودُ لوحة نادرة لفنان مشهور معلَّقة في قاعة استقبال، يُعَدُّ أفضلَ دليل على أهمية المركز الاجتماعي لمالكها.٣ لكنَّ ندرةَ الأعمال الفنية الكلاسيكية جعلت امتلاكها من طرف الأفراد أمرًا عسيرًا بسبب أثمانها الباهظة، وأصبح هذا الميدان من اختصاص المتاحف والمؤسسات الغنية القادرة على شرائها، ولملء الفجوة الناشئة عن ذلك، سعى التجار وأصحاب المعارض إلى تشجيع الفنانين المعاصِرين الطموحين ذوي المهارات العالية والطاقات الخلَّاقة، وكان بايالَر أول مَن تبنَّى هذا الاتجاه؛ إذ قام بتوطيد علاقاته مع فنانين موهوبين، وروَّج لأعمالهم بين صفوف الأثرياء الجدد من خلال تنظيم معارض ذات جودة عالية مدعومة بكتالوجات أنيقة أُعِدَّتْ بعنايةٍ فائقة.

أنشأ بايالَر علاقات شخصية مع أشهر فناني ذلك العصر، وفي عام ١٩٥٧ زار الرسَّامَ بيكاسو في بيته في جنوب فرنسا، وعاد حاملًا ٢٦ عملًا سمح له الرسَّام الشهير باختيارها من بين رسومه. كما شَغَلَ لمدةٍ من الزمن منصبَ المروِّج الحصري لأعمال الرسام دوبوفيه، وكان له اتفاق مع أرملة الرسام كاندينسكي بخصوص أملاك زوجها الراحل، كما ساعد العديد من الفنانين على البروز مثل فرانسيس بيكون وروي ليختنشتاين وغيرهما. وبالإضافة إلى جمع الأعمال الفنية وإقامة المعارض واصَلَ بايالَر العملَ بصفته صاحبَ صالةِ عرضٍ وتاجرًا ناجحًا، وفي بداية الثمانينيات، حوَّلَ ملكية مجموعته — التي باتت تحوي آنذاك حوالي ٢٠٠ عمل فني كلاسيكي معاصر وبعضًا من ممتلكاته الأخرى — إلى مؤسسةٍ وقفية قام من خلالها بتكليف مهندس إيطالي يُدْعَى رينزو بيانو ببناء متحف للفنون في ريهن في إحدى ضواحي مدينة بازل، ويَستقطِب متحف بايالَر اليومَ عددًا من الزوَّار يفوق عددَ زوَّار أيِّ متحفٍ آخَر من متاحف المنطقة الناطقة بالألمانية في سويسرا.

أسلوب ثوري حديث

لم تكن بازل مجرد مدينة تَحتضِن مؤسسات العمل الفني وتجَّاره من أمثال بايالَر؛ إذ كان للناخبين فيها حسٌّ مرهف وإعجابٌ كبير بالعمل الفني تجلى من خلال استفتاء أُجرِي في عام ١٩٦٧ عندما وافَقَ السكَّان على استخدام الأموال العامة لشراء لوحتَيْن للرسام بيكاسو، وهذا التصويت كان فريدًا من نوعه وغير مسبوق، وكان بيكاسو سعيدًا بذلك لدرجة أنه قام بالتبرُّع بأربع لوحات أخرى من أعماله للمدينة. وفي شهر يونيو من عام ١٩٧٠، بادر بايالَر — على رأس مجموعة شارَكَ فيها تاجران آخَران للأعمال الفنية من مدينة بازل إلى جانب لورينزو روفولف الذي كان العقل المدبِّر للعملية — إلى تنظيم وإقامة أول معرض تجاري عالمي للأعمال الفنية أُطلِق عليه بكل بساطةٍ اسم «آرت» (أي الفن)، في ذلك الوقت كانت كولون هي المدينة الوحيدة التي احتضنَت حدثًا مماثلًا، ولكن في حين كانت معايير القبول في معرض كولون صارمةً واقتصرت على العارضين من ألمانيا فقط، كان معرض آرت قد اختار سياسة متحرِّرة شجَّعت مشاركة الفنانين من سويسرا ومن باقي العالم على حدٍّ سواء، وعلاوةً على ذلك، كان اختيار الأسبوع الأوَّل من شهر يونيو موعدًا للعرض فكرةً جيدة، ففي شهر يونيو يَفِد إلى أوروبا من كل حدب وصوب — وخصوصًا من الولايات المتحدة — العديدُ من أصحاب صالات العرض وهواة جمع الأعمال الفنية لحضور المزادات العلنية لمؤسسات سوذييز وكريستيز في لندن، وللمشاركة في أحداث مؤسسة بيينالي في مدينة البندقية، أضِفْ إلى ذلك معرض دوكيومنتا الذي يُقام كل خمس سنوات في مدينة كاسل في ألمانيا.

كان أسلوب العرض أيضًا ثوريًّا وجديدًا، فبعرض العمل الفني بصفته مُنتَجًا في معرض تجاري، كسر معرض آرت الحواجز وتخطَّى التقاليد المعتادة، أمَّا بالنسبة إلى الأشخاص العاديِّين المهتمين بالفن، فقد مكَّنهم هذا الأسلوب من إزالة الأعذار التي كان أصحاب صالات العرض يتحجَّجون بها لثَنْيهم عن عزمهم لدخول معارضهم. كان المشرفون على معرض آرت يرغبون في استقطاب نوع جديد من العملاء، وأثبت نجاحهم بأنهم كانوا على صواب؛ إذ بلغ عدد زوَّار المعرض في عامه الأوَّل ١٦ ألفَ زائر، وفي عام ٢٠٠٩ — على الرغم من الأزمة المالية والركود الاقتصادي — بِيعَت ٦٠ ألف تذكرة لحضور المعرض، وأصبح معرض آرت نموذجًا تَحتذي به جميع المعارض التي تأسَّست لاحقًا، وتحت إشراف سام كيلر — وهو مؤرخ من مدينة بازل — أصبح المعرض منذ عام ٢٠٠٠ ملتقًى رئيسيًّا عالميًّا للمهتمين بتجارة الفنون وأسلوب الحياة المرتبط بها، كما حرص كيلَّر على إنشاء فرع للمعرض في مدينة ميامي بيتش تطوَّرَ لاحقًا ليُصبح معرضًا هامًّا جِدًّا بين صفوف الأثرياء ومحبي الفنون في الأمريكيتَين.

بيئة تسودها الصداقة بين تجار الفن

واكَبَ النموَّ الذي عرفه معرض آرت في بازل تحوُّلٌ أكبر في سوق الفنون خلال الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم، فأفرز فن «البوب» الشعبي الأمريكي وعيًا ذاتيًّا وإدراكًا جديدًا للفن، وأصبح على نحوٍ متزايد جزءًا من الثقافة الجماهيرية (على الرغم من أن الأسعار لم تكن في متناول الجميع). ففي هذه الفترة باتَتِ الثروات متاحةً بشكلٍ أكبر في الولايات المتحدة أوَّلًا، ثم في اليابان، ولاحقًا في الصين والهند والشرق الأوسط، وهذا ما ساعَدَ سوق الفن السويسري على تحقيقِ نموٍّ سريع ساهَمَ فيه أيضًا استمرارُ العمل في بيئةٍ مؤسساتية وقانونية وضريبية متهاوِنة وملائمة، فلم تكن تجارة الأعمال الفنية خاضعةً لقانون الضريبة على مبيعات السِّلَع الذي اعتُمِد في عام ١٩٤١، وكان بالإمكان استيرادها وتصديرها مُعفَاةً من الضرائب، وفي عام ٢٠٠٥ اعتمدت سويسرا قانونَ نقل الملكية الفكرية الذي يُنظِّم استيراد وتصدير الأعمال الفنية، ويهدف إلى القضاء على الاتجار بالكنوز الفنية المكتسبة بطرق غير مشروعة، وعلى الرغم من أنه قد أُبرِمَتِ اتفاقياتٌ ثنائية مستمَدَّة من هذا القانون مع مختلِف دول العالم، فإن الاتفاقية الوحيدة التي صُودِقَ عليها هي تلك المُبرَمة مع إيطاليا، ومنذ عام ١٩٩٥ فُرِضت ضريبة القيمة المُضافة على أنشطة هذا المجال ولكن بمعدَّل منخفض مُقارَنةً مع البلدان الأوروبية الأخرى، كما أُلغِيت الضريبة السويسرية على الميراث في العديد من الكانتونات، وهناك ميزة أخرى هامة في سوق تجارة الأعمال الفنية، وهي عدم قدرة الفنان على المطالبة بأي حقوق عند إعادة بيع أعماله الفنية، أمَّا في الاتحاد الأوروبي فيحق للفنانين الحصول على حصة من عائدات إعادة بيع أعمالهم.

لا يمكن للحرب والفن المعماري أن يلتقيا

figure
أولي سيج (على اليسار، وبجانبه تمثاله على اليمين) تفاوَض لإنشاء أول مشروع مشترك لم يَسبِق له مثيل بين شركة صناعية أجنبية ودولة الصين لصالح شركة شيندلر المساهمة في عام ١٩٨٠، كما عمل لاحقًا سفيرًا لسويسرا في الصين، جمع أكبر وأشمل مجموعة في العالم من الأعمال الفنية الصينية المعاصرة، وتبرَّعَ مؤخرًا لمتحف إم+ في هونج كونج بأعمال فنية بلغ عددها ١٤٦٣ قطعة فنية قُدِّرَت قيمتها ﺑ ١٫٣ مليار دولار هونج كونج؛ أيْ ما يُعادل (١٦٣ مليون دولار أمريكي).

بعكس سوق الأعمال الفنية، كانت الهندسة المعمارية السويسرية تَشهد ركودًا كبيرًا بسبب الحرب العالمية الثانية، ووصَل تبادُل الأفكار مع البلدان الأجنبية إلى طريق مسدود، وازداد الميل نحو تقديم التنازلات، وإيجاد الحلول الوسط، والمحافظة على التقاليد المناطقية، إلا أن هذا الاتجاه لم يَنطبِق على لو كوربوزييه في باريس الذي بقي وفيًّا للمُثُل العليا للفن الطلائعي، وبعد انتهاء الحرب مباشَرةً، حقَّقَ لو كوربوزييه إنجازًا استثنائيًّا على الصعيد الدولي عندما اعتُمِدت تصاميمه رسميًّا لبناء مقر المنظمة الجديدة التي رأت النور حديثًا، وهي منظمة الأمم المتحدة في مدينة نيويورك (بالرغم من أن مجموعة أخرى من المهندسين كانت قد كُلِّفَت بتنفيذ تفاصيل العمل). وفي عام ١٩٥٢ كُلِّف بتخطيط المدينة الهندية الجديدة شانديجار عاصمة ولاية البنجاب؛ حيث أنشأ المباني الرئيسية التي شغلتها المؤسسات الديمقراطية. كان أسلوب تعبير لو كربوزييه قد انتقل من مكعَّبات الحجر الأبيض الضخمة والباردة نحو نحتٍ يُبرِز انفعالية تعبيرية أكبر ورسمًا مختلفًا للإسمنت الصلب. وبتصميم كنيسة نوتردام دي هوت في بلدة رونشون شرق فرنسا، حقَّقَ لو كوربوزييه ما يَعُدُّه الكثيرون رائعةً فنية هي عبارة عن مكانٍ للتعبُّد الديني وقِبلة لمُحِبي الفن المعماري.

figure
المهندس المعماري ماريو بوتا.
figure
متحف الفن الحديث في مدينة سان فرانسيسكو الذي فتح أبوابه في عام ١٩٩٥، من تصميم ماريو بوتا.

لعلَّ أول مجموعة بارزة من مهندسي مدينة بيرن تُدْعَى «الورشة ٥» هي التي ارتادت إبراز العمل الطلائعي وإعادة اكتشاف أعمال لو كربوزييه في سويسرا، وأول مشروع كبير حقَّقته هذه المجموعة في عام ١٩٦١ كان عبارة عن مُجمَّع سكني في منطقة هالين بالقرب من مدينة بيرن، وأصبح مشروعًا رائدًا احتذى به العديد من المهندسين حول العالم، كان المشروع مؤلَّفًا من مُجمَّع من المنازل العالية الكثافة والمبنية بشكلٍ مدرَّج، ولها شرفات فسيحة تقع على أراضٍ حرشية قُطِعت أشجارها؛ وبذلك قضت مجموعة «الورشة ٥» على النموذج السكني الذي كان سائدًا في فترةِ ما بعد الحرب مباشَرةً.

جيل ما بعد لو كووربوزييه

في بداية السبعينيات، عاد كانتون تيشينو إلى الواجهة على الصعيد الدولي بفضلِ الأعمال المعمارية التي تحقَّقت فيه، وبالخصوص بفضل المهندس المعماري ماريو بوتا ومجموعة من المهندسين المعماريِّين الذين أصبحوا لاحقًا يُعرَفون بمجموعة «تيندينزا». كان بوتا قد تابع دراسته في مدينة البندقية وعمل بعدها لدى لو كوربوزييه فترةً قصيرة قبل وفاته (١٩٦٥ هي السنة التي تُوفِّي فيها لو كوربوزييه)، وبعد مرور خمس سنوات، قام بوتا بإنشاء مكتبه الخاص للهندسة في بلدة مندريزيو في كانتون تيشينو، حيث استقطبَتِ المنازلُ الخاصة التي صمَّمها في عامَيْ ١٩٧١ و١٩٧٣ اهتمامًا دوليًّا، وقد مثَّلت تصاميمُ متحفِ الفن الحديث في سان فرانسيسكو الذي انتَهى بناؤه في عام ١٩٩٥، وكاتدرائيةِ مدينة إفري في فرنسا؛ ذروةَ إنجازاته المهنية بحسب رأي العديد من النُّقَّاد.

لم يكن بوتا المهندس المعماري الوحيد الذي أحدث تأثيرًا على الصعيد العالمي فيما بقيَ مستقرًّا في سويسرا، بل كان هناك أيضًا المهندسان جاك هيرزوج وبيار دي مويرون، اللذان وُلِدَا في عام ١٩٥٠ وأسَّسَا مكتبهما للهندسة في مدينة بازل في عام ١٩٧٨ إثرَ تخرُّجهما من المعهد الفيدرالي للتكنولوجيا. سعى هيرتسوج ودي مويرون منذ البداية إلى جعل أعمالهما أقرب ما يُمكن أن تكون إلى الفن، وذلك بالعمل مع فنان من منطقة الجورا يُدْعَى ريمي تساوج، ومن خلال هذا التعاون الفني الديناميكي استطاعوا وضْعَ تيارٍ من الأفكار الجديدة للعمل النظري والتطبيقي على حدٍّ سواء.

الفكر والعاطفة

figure
جاك هيرتسوج (على اليسار) وبيار دو مويرون (على اليمين)، الفريق الشهير في شركة هيرتسوج ودو مويرون الحائز على جائزة بريتزكر القيمة.
figure
المدرَّج الرياضي الرئيسي «عُشُّ العصفور» للألعاب الأوليمبية لعام ٢٠٠٨ في مدينة بكين، من تصميم هيرتسوج ودو مويرون.

عُرِفَ هيرتسوج ودو مويرون بأنهما مُفكِّران مبدعان، ولكن المباني التي قاما بتصميمها تُثير دومًا قدرًا عاليًا من المشاعر، فقد ساهم صندوق الإشارات القابع فوق المنصات في محطة السكك الحديدية الرئيسية في مدينة بازل، والمغلَّف كليًّا بشرائح من النحاس، في جعل المهندسَيْن المعماريَّيْن معروفَيْن لدى جمهور واسع. ولكنَّهما حقَّقا إنجازًا خارقًا في مسيرتهما المهنية على الصعيد الدولي في عام ٢٠٠٠ عندما حوَّلا محطةً لتوليد الكهرباء على الضفة الجنوبية لنهر التايمز في لندن إلى معرض لأعمال الفن المعاصر يُدْعَى «تايت مودرن»، ومنذ ذلك الحين، تتابعَتْ مشاريعهما الكبرى على نَسَق سريع، وكان أشهرها على الإطلاق المدرَّج الوطني للألعاب الرياضية الذي بُنِي بمناسبة الدورة ٢٩ للألعاب الأولمبية في مدينة بكين في عام ٢٠٠٨. وفي عام ٢٠٠١ حصلا على جائزة بريترزكر من مؤسسة هيات للهندسة المعمارية التي تُعَدُّ بمكانة جائزة نوبل، وفي عام ٢٠٠٧ حصَلا على جائزة برايميوم إمبيريال من مؤسسة الفنون في اليابان.

figure
بيتر تسومثور، مهندس سويسري آخَر حاصل أيضًا على جائزة بريتزكر.
figure
حمَّامات فالس الحرارية من الداخل، صمَّمَها تسومثور.

هناك رجل آخَر اختار طريقًا مختلفًا لتحقيق النجاح على المستوى الدولي، وهو بيتر تسومثور، من بلدة أوبرفيل قُرْب بازل، الذي تدرَّبَ على نِجارة الأثاث الفاخر، بعدَ ذلك تلقَّى تحصيلَه العلمي في معهد برات في نيويورك قبل أن يعود إلى سويسرا ليُقِيم في بلدة هالدِنستاين ويَفتح مكتبًا للهندسة المعمارية، ومن هناك سرعان ما اكتسب سمعةً جيِّدة تناقلَتْها الألسن. كان تسومثور يصرف الكثيرَ من الوقت في العمل على مشاريعه ليَسمح لها أن تَنضج في رأسه، ومن ثَمَّ على الورق، كما أنه كان قد رفض العديد من المشاريع المربحة، وهذه «العمارة البطيئة» كما كان يحلو له أن يُسمِّيها تتجلَّى بصورةٍ مصغَّرة من خلال الحمَّامات الحرارية التي بناها في قرية فالس الجبلية في منطقة جريزون، وهذه الحمَّامات التي شُيِّدت في عام ١٩٩٦ لقيَت نجاحًا هائلًا لدرجةٍ اضطُرَّت معها الإدارة في نهاية المطاف إلى اتباعِ نظامٍ خاص لتحديد عدد الزوَّار. إلا أن أشهر إنجازات تسومثور على الإطلاق هو متحف كولومبا للفنون الذي انتُهِي من بنائه في عام ٢٠٠٧ لصالح أبرشية مدينة كولون، وفي العامَيْن التاليَيْن — وبالرغم من تواضُع حجم أعماله — حصل هو أيضًا على جائزة برايميون إمبيريال أوَّلًا، ثم على جائزة بريتزكر بعد ذلك.

التوازن بين الانتظام والحرية

في محاضرة ألقاها في عام ١٩٨٨ بعنوان «طريقة النظر إلى الأشياء»، وصف تسومثور بكلماته ما يرغب في تحقيقه من خلال هندسته المعمارية قائلًا: «الهندسة المعمارية هي فنُّ تحقيقِ التناسُق بين الزمان والمكان والضوء والمناخ، وهي تُجسِّد إدراكَنا للطاقة والتواتُر بين الداخل والخارج؛ أيْ بين الخاص والعام، وهي أيضًا حُسْن إدارة الحيِّز الموجود بين المساحة المتاحة للتنقُّل والحدود، وفي نهاية المطاف لا بد من خلق التوازُن بين اتِّباعِ ما هو مألوف وابتكارِ ما هو جديد، وبين الانتظام والحرية، وللوصول إلى ذلك قد يكون من الضروري اللجوء إلى المشي أو التجوال أو المقاوَمة أو حتى التسليم أمام المُغريات.» يحتلُّ هيرتسوج ودو مويرون وكذلك تسومثور مكانةً عالية بين أشهر المهندسين المعماريين في العالَم، غير أن نجاحَ كلٍّ منهم يقوم على أساس نماذج تفكير وأساليب عمل مختلفة تمامًا، فهيرتسوج ودو مويرون يُشغِّلان اليومَ أكثرَ من ٣٠٠ شخص، ويديران مكاتبَ في أوروبا وفي الولايات المتَّحدة، في حين يعمل لدى تسومثور ٢٥ شخصًا في مبنى كنيسة حُوِّل إلى مكاتب تقع في قرية صغيرة على سفوح جبال الألب.

الفن المعماري لم يَعُدْ تَرَفًا

لقد وضَّحَ هذا الفصل كيف أن الهندسة المعمارية والاتِّجار بالأعمال الفنية في سويسرا لهما تأثير أكبر بكثير من حجم الأعمال التي أُنجِزت في هذا المجال، فقد شيَّدَ المهندسون المعماريون السويسريون مبانيَ في جميع أنحاء العالم، وتحظى سويسرا بمكانة عالمية هامة في مجال تجارة الأعمال الفنية جنبًا إلى جنب مع نيويورك ولندن وباريس، كما أن أسواق تجارة الأعمال الفنية وقطاع الهندسة المعمارية قد شهدت ازدهارًا مؤثرًا خلال السنوات الخمسين الماضية، ولكن المنتجات الفنية كانت حتى الخمسينيات سلعةً فاخرة تحتكرها النخبة، أمَّا اليومَ فهي قد أصبحت في متناوَل جمهورٍ أوسعَ بكثير.

وبعد أن وصلت صناعة الثقافة إلى كل ركن من أركان المعمورة، بات العاملون في هذا المجال يُفضِّلون الاستقرارَ في مدنٍ لها روابطُ عالميةٌ مثل زيورخ وبازل وجنيف، كما أن المُنتَج الفني يختلف عن مُنتَجات معظم القطاعات الأخرى؛ فالأشخاص العاملون في هذا القطاع ينشطون في شكلِ شبكاتِ مجموعاتٍ تتعاون فيما بينها، ويَحصُلون على عائدات مالية غالبًا ما تكون دون المتوسِّط، كما أن أخلاقيات المهنة لدى الفنان — الذي لا يُفرِّق غالبًا بين العمل والمتعة — قد أصبحت ثقافةً منتشرة في هذا القطاع الذي يتميَّز بوجودِ نسبةٍ عالية من الشركات الصغيرة المستقلة.

التواريخ الرئيسية.
قبل ١٨٠٠
١٧٠٣ تكليف دومينيكو تريزيني برسم مخطَّط لمدينة سانت بطرسبرج.
١٨٠٠–١٨٩٩
١٨٢٦ افتتاح أول متحف للفنون في سويسرا؛ متحف راث في مدينة جنيف.
١٨٣٧ تأسيس الجمعية السويسرية للمهندسين والمهندسين المعماريين.
١٨٥٥ قدوم جوتفريد سيمبر إلى المعهد الفيدرالي للتكنولوجيا في زيورخ.
١٨٨٣ أول معرض وطني يفتح أبوابه في مدينة زيورخ.
١٩٠٠–١٩٩٩
١٩٠٧ ثيودور فيشر يفتتح أول مزاد علني سويسري للأعمال الفنية في مدينة لوتسِرن.
١٩١٥ تعيين كارل موزر أستاذًا للهندسة في الجامعة الوطنية التقنية في مدينة زيورخ.
١٩١٦ شارل إدوارد جانيريه جري (لو كوربوزييه) يغادر سويسرا إلى باريس.
١٩٢٨ إنشاء المؤتمر الدولي للعمارة الحديثة.
١٩٣٤ إيميل جورج بوهرليه يبدأ بتكوين مجموعة من القطع الفنية.
١٩٤٥ إرنست بايالَر يفتح أول صالة عرض في مدينة بازل.
١٩٦٧ إثر استفتاء عام، مدينة بازل تقوم بشراء اثنين من أعمال الرسام بيكاسو.
١٩٧٠ ماريو بوتا يفتح مكتبه للهندسة.
١٩٧٠ افتتاح المعرض الفني الأوَّل في مدينة بازل.
١٩٧٨ جاك هيرتسوج وبيار دو مويرون يفتتحان مكتبًا للهندسة في مدينة بازل.
١٩٧٩ بيتر تسومثور يفتح مكتبًا للهندسة في منطقة هالدِنستاين قرب مدينة خور.
منذ ٢٠٠٠
٢٠٠١ جاك هيرتسوج وبيار دو مويرون يحوزان على جائزة بريتزكر للهندسة المعمارية التي تُعَدُّ بمكانة جائزة نوبل.
٢٠٠٩ بيتر تسومثور يحوز على جائزة بريتزكر.

في عام ٢٠٠٩ سجَّلَ المكتب الاتحادي السويسري للإحصاءات ٩٨٠٠ مكتبٍ للهندسة المعمارية تُشغِّل ٣٧٦٠٠ شخص، و٩٤٪ من هذه المكاتب تُشغِّل أقلَّ من عشرة أشخاص، وبحسب تقديرات الجمعية السويسرية للمهندسين والمهندسين المعماريِّين، إن مجموع المداخيل المسجلة في عام ٢٠٠٩ لمكاتب الهندسة مُجتمعةً يقلُّ عن ٦ مليارات فرنك سويسري. وبالتأكيد فإن إنتاجية هذه المكاتب مُنخفِضة ولا يمكن زيادتها إلا بصعوبة؛ لأنَّ لكلِّ مبنًى تصميمًا فريدًا من نوعه، ولا يُمكِن عادةً اعتمادُ وتطبيقُ سبلِ الترشيد إلا على حساب الجودة. ولكن هذا العدد الكبير من الشركات الصغيرة يعكس الواقع بأن سويسرا قادرةٌ على دعم ثقافة متطوِّرة جِدًّا في مجال التصميم المعماري، فهي تتميَّز أوَّلًا ببرامج تدريب هندسي من الطراز الأوَّل، وجَودة في العمل في كل بلدة صغيرة تقريبًا، ومُقارَنةً بدُوَل الجوار، هناك تنظيمٌ واسعُ النطاق للمسابقات التي تُحفِّز المهندسين باستمرار على التطور، فضلًا عن توفير أرضية خصبة للأفكار الخلَّاقة؛ ولذلك ليس من قبيل الصدفة أن عددًا من المهندسين المعماريين المشهورين دوليًّا قد بدءوا مسيرتَهم المهنية في سويسرا مثل سانتياجو كالاترافيه، وهو مهندس إسباني كان قد فتَح أولَ مكتبٍ له للهندسة في مدينة زيورخ في عام ١٩٨٠.

كثافة إبداعية حاسمة

وَرَدَت في دراسة بعنوان «المدينة والثقافة والتجديد» لفيليب كلاوس المُختص في علم الجغرافيا، فكرةٌ عامة عن الأهمية الاقتصادية للقطاع الثقافي على صعيد شامل (بما يشمله ذلك من إعلانات وأفلام وأدب وموسيقى وصحافة ورسم وفن وعمارة)، وبحسب تقديرِه، فإن عدد العاملين في هذه القطاعات مجتمعةً في مدينة زيورخ وحدها في عام ٢٠٠١ وصل إلى ٢٨٥٦٠ شخصًا؛ أيْ ما يُعادل ٨٫٤ في المائة من مجموع اليد العاملة.

وهذا ما يُعَدُّ وفقًا للمعايير الوطنية والدولية رقمًا مرتفعًا، كما يوحي بأن زيورخ — مثلها مثل عدد قليل من المراكز الأخرى كمدينتَيْ بازل وجنيف — قد حقَّقَتْ كثافةً هامة من الشبكات الإبداعية التي أدَّت إلى اكتساب أهمية دولية في عالم الإنتاج الثقافي والتجاري، فالشركات التي تعمل في مجالات التصميم والاتِّجار بالفنون تتميَّز بسِمَةٍ مشتركةٍ حاسمة تتمثَّل بديناميةٍ ذاتيةِ التآزُر تُؤمِّن لها القدرةَ على البقاء والاستمرار؛ فالجودة تجلب الجودة، والأفكار تخلق أفكارًا أخرى، وهذه الحلقة الفعَّالة تعمل بشكل جيد في سويسرا، ومن الصعب التفكير بأي سببٍ من شأنه أن يوقفها عن الدوران بنفس الحماسة والنجاح.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١