الفصل الثاني

صناعة الساعات: توقيت ممتاز

في عام ١٩٨٤ توجَّهَ نيكولا حايك بالسؤال إلى مصرفي يُدْعَى بيتر جروس قائلًا: «في أيِّ مجالٍ من الأعمال تنصحني أن أستثمر أموالي؟» وكان الجواب: «في صناعة الساعات.» وقد أثبَتَ التاريخ أن نصيحته كانت صائبة، بالرغم من أن هذه التجارة خسرت في غضون عشرة أعوام الكثيرَ من سوقها العالمية وثلثَيْ قواها العاملة، وكانت تترنح على حافة الإفلاس.

***

تمثِّل صناعةُ الساعات السويسرية صورةً مُصغَّرة للمهارات الأوروبية في مجال القطاع الهندسي، وقد نشأت على أُسسِ مزيجٍ من الرؤيا الشخصية والطاقة غير المُكلفة واليد العاملة الرخيصة والحرية الفكرية، وقد ازدهر صانعو الساعاتِ الجدارية وساعاتِ اليد السويسريون لدرجةِ أنَّهم رسموا مَعالِمَ السوق العالمية لصناعة الساعات الميكانيكية على مدى قرنين من الزمن تقريبًا، وانتهَوْا بالهيمنة عليها، ابتداءً من الساعات العملية الزهيدة الثمن حتى الساعات الرائعة ذات الأسعار الخيالية. وبحلول منتصف القرن العشرين كانت عبارة «مصنوع في سويسرا» المنحوتة على الساعة تكفي ضمانًا للجودة الفائقة.

ومع ذلك فقد تحوَّلَتْ مواقعُ قوةِ هذه الصناعة إلى نقاطِ ضعف؛ فبحلول أواخر القرن العشرين لم تَعُدِ اليدُ العاملة في سويسرا رخيصةً كما كانت في السابق، وعندما بدأت الصناعة العالمية تَتوجَّه نحو التشغيل الآلي والتكنولوجيات الجديدة التي تقوم على استخدام آليات الكوارتز الإلكترونية، ظهر فجأةً أن السويسريين غيرُ مواكبين لعصر الحداثة، وكان جلِيًّا أن الشركات السويسرية فشلت في فهم أن قواعد اللعبة قد تغيَّرت؛ إذ لم يكن هدفُ التكنولوجيا الجديدة صنْعَ منتجات دقيقة فحسب، بل كذلك خفض تكاليف الإنتاج، ومن ثَمَّ الأسعار.

صحوة مزدوجة

ومع ذلك فقد شهد هذا المجال تطورًا استثنائيًّا. لقد كانت صناعة الساعات السويسرية على وشك الانهيار، إلا أنها نجحت في تدارُكِ الأمر قبل السقوط في الهاوية، وبفضلِ جيلٍ جديد من الحرفيين المتميزين والمتبصرين، لم تسترجع صناعة الساعات السويسرية جزءًا كبيرًا من سوق الساعات الدقيقة والمنخفضة الثمن فحسب، بل أدركت كذلك أن سوقًا جديدةً للساعات التقليدية المُتقَنة الصنع ذات التصاميم الفاخرة والأسعار الخيالية كانت بصدد البروز إلى حيز الوجود.

كانت قيمة شركة الإلكترونيات الدقيقة والساعات إس إم إتش تُقدَّر بمبلغ ٣٢٨ مليون فرنك سويسري حين تكوَّنَتْ مجموعةٌ على رأسها نيكولا حايك بمشاركة ملياردير سويسري في مجال الصناعة يُدْعَى ستيفان شميدهايني، وقامت بالاستحواذ على حصة الأغلبية في هذه الشركة التي غُيِّرَ اسمها في وقتٍ لاحق إلى سواتش، والتي استمرت عملية إعادةُ هيكلتها ما يقارب العامين. أمَّا الآن فتُقدَّر قيمة سواتش بمبلغ ٢٢٫٥ مليار فرنك سويسري؛ أيْ سبعين ضِعْف قيمة الاستثمار الأصلي فيها، وما يعادل عائدًا سنويًّا بنسبة ١٧٫٦٦ في المائة، وتُقدَّر دخول مجموعة سواتش حاليًّا ﺑ ٦٫٤٤ مليارات فرنك سويسري (للعام ٢٠١٠)، كما تُنتِج الشركة ساعاتٍ تحت أسماء علامات تجارية معروفة مثل: بريجيه، بلان بان، كِلفين كلاين، أوميجا، لونجين، رادو، تيسو.

لقد ثبت أن نصيحة بيتر جروس لنيكولا حايك كانت صائبة؛ إذ كان الاستثمار في صناعة الساعات السويسرية في الواقع استثمارًا ناجحًا جِدًّا.

بين الاضطرابات والموهبة

تُعتبر الساعات — أكثر من أي مُنتَج صناعي آخَر — مرتبطة بالأشخاص الذين يصنعونها، ويعود تاريخُ صناعة الساعات السويسرية إلى قصص أفراد جمعوا بين الإتقان الحرفي والابتكارات التقنية والمهارات التجارية العالية لوضع أسس هذه الصناعة، وفي كثيرٍ من الأحيان، في بيئة تَسُودها اضطرابات سياسية واجتماعية من شأنها أن تعرقل أيَّ عمل. وفي الواقع، لولا وجودُ القوى العاملة الأجنبية من الحرفيين المَهَرة، وخاصةً من فرنسا، ولكن أيضًا من مناطق أخرى مضطربة في أوروبا، ربما ما كان من الممكن لصناعة الساعات في سويسرا أن ترى النور.

وُلِدَ أبراهام لويس بريجيه، الذي يُمكن القول إنه الشخصية الأكثر أهميةً في صناعة الساعات، في عام ١٧٤٧ في مدينة نيوشاتيل، وكان يبلغ من العمر ١٥ عامًا فقط عندما أرسله زوجُ أمه جوزيف تاتيت إلى فرساي للتدرُّب على صناعة الساعات. وبعد أن أنهى تدريبه بقيَ في باريس وفتح مَشغَل بريجيه في شارع كاي دو لورلوج. وبينما كان العديد من معاصريه يركِّزون على صناعة ساعات التوقيت «كرونومتر» ذات الدقة المتزايدة باستمرارٍ لاستخدامها في البحار، اكتشف بريجيه سوقًا مختلفة تمامًا تتمثل بالطبقة الأرستقراطية والحاشية الملكية، وبدأ يصنع لزبائنه من أفرادها ويزوِّدهم بانتظامٍ بأعداد من الساعات ذات التصاميم والوظائف الجديدة المميزة، مثل التقاويم أو الأنغام الخاصة للتذكير بالوقت. وعلى عكس معاصريه، كان بريجيه يُولِي عنايةً كبيرة لمظهر ساعاته التي كانت دائمًا تحمل توقيعه، سواء كانت من ساعات البندول أو ساعات الجيب، ولم يتحدَّث قطُّ عن آليات الحركة الداخلية الخاصة بمُنتَجاته، كما أحاط عملَه بهالةٍ من الغموض، ولقد وصف أحدُ معاصريه عملَ بريجيه بالقول: «عندما تحمل إحدى ساعات بريجيه الفاخرة، تشعر وكأنك تحمل دماغَ عبقريٍّ في جيبك.»

مهنة محفوفة بالمخاطر

كانت أجواء الثورة سائدةً في فرنسا آنذاك، وكانت الصلات الوثيقة مع الطبقة الأرستقراطية خطيرةً نوعًا ما، ولفترةٍ من الوقت لم تُثْنِ هذه الظروفُ بريجيه عن عزمه، بل واصَلَ تزويدَ بلاط لويس السادس عشر بالساعات الكبيرة وساعات الجيب، وحتى بعد إعدام الملك لم تتوقَّف تجارته؛ إذ باع الملكة ماري أنطوانيت ساعةً عندما كانت سجينة، وقبل أن ينتهي بها الأمر هي أيضًا تحت حد المِقْصَلة. ولكن في النهاية أصبحت الأمور خطيرة جِدًّا حتى بالنسبة إلى بريجيه؛ حيث قام اليعاقبة آنذاك تحت قيادة ماكسيمليان روبسبيير بنشر «الرعب» في المجتمع، وقاموا بإلغاء الإجراءات القانونية السائدة لتحلَّ محلَّها المِقْصَلة التي كانت تعمل ليلًا ونهارًا، وخلال تلك الفترة، كانت سويسرا مَلاذًا آمِنًا ليس فقط للأموال، وإنما أيضًا لِلَّاجئين السياسيين من أمثال وزير المالية جاك ناكير وابنته آن لويز جِرمان ناكير التي اشتُهِرت آنذاك باسم «مدام دوستال». وفي شهر أغسطس من عام ١٧٩٣ قرَّرَ بريجيه على مضضٍ الهربَ إلى مسقط رأسه سويسرا مع ابنه وزوجة ابنه، وقبل هروبه بعام واحد، كانت قواتُ سويسرية قد فشلت في محاولتها للدفاع عن الملك لويس السادس عشر وأسرته في قصر التويليريه، ففُتِك بها.

ولكن حتى في مدينة جنيف القريبة من الحدود الفرنسية، والتي طالما طمحت فرنسا لضمِّها إلى أراضيها، لم يكن بريجيه يشعر بالأمان كليًّا، فاقترح عليه صديقه وشريك تجارته ديسكوباز الانتقالَ إلى مدينة نيوشاتيل بدلًا من المكوث في العاصمة الكالفينية حين كان يُعتبَر خائنًا للثورة، ولما لم يُوفَّق بريجيه في العثور على عملٍ هناك، انتقل إلى بلدة لولوكل التي كانت آنذاك المركزَ البارز لصناعة الساعات في سويسرا، وهناك تمكَّنَ من إقامة مشغلٍ صغير وواصَلَ تزويدَ الحاشية الملكية في بريطانيا وروسيا بساعاته.

كان عدد العمال في مشغله لا يتجاوز ستة أشخاص، ولم يكن في استطاعته صنْعُ عددٍ كبير من الساعات في لولوكل، لكنَّ العامَيْن اللذين قضاهما في المنفى لم يذهبا هباءً، فخلال هذه الفترة رسم بريجيه تصاميمَ لبعض أكثر الاختراعات أهميةً في مجال صناعة الساعات الميكانيكية، ومن ضمنها جهازٌ يُسَمَّى التوربيون أو «الزوبعة» الذي يَحدُّ من تأثير الجاذبية على الساعات ويجعلها أكثر دقةً.

رهان بريجيه الصعب

في عام ١٧٩٥ شعر بريجيه أن عودته إلى باريس باتت مأمونة، وفي فرساي كانت اضطرابات الثورة قد تركت قطاعَ صناعةِ الساعات منهارًا كليًّا، ولقيت عودة بريجيه الكثيرَ من الترحيب والحفاوة؛ فالجميع كانوا على ثقةٍ بأنه سيساعدهم على إعادةِ بثِّ الروح في صناعتهم، خصوصًا أن الجيش والبحرية كانا بحاجةٍ ماسَّة إلى الساعات. رأى بريجيه في ذلك فرصةً لاسترجاعِ مجْدِه وراهَنَ على صفقةٍ تلبِّي طموحاته، فقَبِلَ الدعوة ولكن بشرطِ أن يسترجع مشغلَه الخاص، وأن يُعوَّض عمَّا خَسِره أثناء فترة الرعب، وعلاوةً على ذلك طلب أن يُعفَى فريق عمله من الخدمة العسكرية لكي يستطيع إعادةَ بناءِ تجارته بأقصى سرعةٍ ممكنة.

figure
تمثال نصفي لأبراهام لويس بريجيه (١٧٤٧–١٨٢٣) في مقبرة الكاهن لاشيز في باريس.

وهكذا بدأت المرحلةُ الأكثر إنتاجيةً في مسيرة بريجيه المهنية، وبدأ بتصميم وتصنيع ساعاتٍ أدخَلَ عليها الابتكارات التي كان قد رسمها في المنفى، وعندما عرض أعمالَه في المعارض الدولية في عامَيْ ١٧٩٨ و١٨١٩ لاقَتْ ساعاته تقديرًا كبيرًا ونجاحًا باهرًا. تُوفِّي بريجيه رجلًا ثريًّا في عام ١٨٢٣ عن عمر يناهز ٧٧ سنة، بينما كان يعمل خبيرًا في معرضٍ دولي مرموق.

تابَعَ أحفاد بريجيه تقاليدَ العائلة في إدارة الأعمال حتى حوالي عام ١٨٧٠ عندما باع حفيدُه لويس كليمون بريجيه الشركةَ إلى رئيس صانعي الساعات في الشركة آنذاك إدوارد براون، المتحدر من أصل إنجليزي، وواصلت بعدها عائلةُ براون إدارةَ شركة بريجيه في باريس حتى عام ١٩٧٠ عندما اشتراها شوميه، ونُقِلت بعد ذلك إلى سويسرا بسبب نقْصِ اليد العاملة الماهرة في باريس في مجال صناعة الساعات، وأُعِيد تأسيسها من جديدٍ في منطقة براسو (فاليه-دي-جو) تحت الإشراف الفني لدانيال روث، وهو صانع ساعات متخصص في تصغير حجم التعقيدات (الوظائف الخاصة) للتمكُّن من إدخالها في ساعات اليد. وفي عام ١٩٧٤ بِيعت شركة بريجيه ﻟ «إنفيست كورب»، وهي شركة بحرينية ذات ملكية خاصة استثمرت مبالغَ هائلةً في هذه العلامة التجارية، وفي النهاية اشترت مجموعةُ سواتش العلامةَ من إنفيست كورب في عام ١٩٩٩. واليومَ لا تزال ساعاتُ بريجيه من أفخم وأفخر الساعات التي يمكن شراؤها بالمال، كما أن ساعات بريجيه القديمة تواصِل تحقيقَ أعلى الأسعار في المزادات العلنية. هذا وقد بلغ إجمالي مبيعات شركة بريجيه ٦٧٥ مليون فرنك سويسري لعام ٢٠١٠؛ أيْ ما يعادل ١٢ في المائة من إجمالي دخول شركة سواتش وجزءًا أكبر لا يُستهان به من أرباحها.

فترة تدريب طويلة في صناعة الساعات السويسرية

كانت مسيرة بريجيه بالغةَ الأهمية، ليس فقط بسبب ابتكاراته التقنية ومستوى براعته الفنية العالية فحسب، بل أيضًا لما يُمثِّل من رمزٍ في صناعة الساعات في سويسرا، هذا البلد الصغير الذي يحتاج باستمرار إلى استقطاب الأفكار والمهارات الجديدة من خارج نطاق حدوده.١ والجدير بالذكر أن بريجيه، بالرغم من أنه مولودٌ في بلدٍ كانت فيه صناعةُ الساعات متطوِّرة، كان يشعر — هو والكثيرون غيره — بالحاجةِ إلى تعلُّمِ مهاراتِ هذه الصناعة خارجَ بلدهم الأم.
figure
نسخة طبق الأصل من علبة ساعة جيب صنعها بريجيه للملكة ماري أنطوانيت.

كانت بداياتُ بريجيه متواضعةً وتشبه تمامًا بدايات سويسرا في قطاع صناعة الساعات، كان هناك صانعو ساعات كبيرة في سويسرا منذ اختراع الساعات الميكانيكية في القرن الرابع عشر، وكانوا في أغلب الأحيان يستمدُّون مهاراتهم من مهنةِ الحدادة وصناعةِ السلاحِ التي كانت قائمةً آنذاك. في البداية، كان هؤلاء الحرفيون يصنعون ساعاتٍ ضخمةً أغلبها لأبراج الكنائس وأبواب المدن، وكان من أبرزهم ليختي، وهو اسم سلالة من صانعي الساعات في فينترتور الذين عملوا في هذا المجال على مدى ١٢ جيلًا تقريبًا؛ أي منذ عام ١٥١٤ حتى عام ١٨٥٧ (وما زالت أبراج ساعاتهم من القرنين السادس عشر والسابع عشر تحظى بالإعجاب والتقدير حتى اليوم). وكلما تطوَّرت المهارات بمرور الوقت صَغُر حجمُ الساعات التي أُنتِجت، ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى باتت الساعات المصنوعة من الحديد المعروفة باسم الساعات الجرمانية أو القوطية تزيِّن منازلَ الأثرياء وأصحاب السلطة، كما طوَّرَ النجَّارون نماذجَ مماثلةً مصنوعة من الخشب وباعوها بأثمان زهيدة.

وحتى أواخر القرن السادس عشر، كانت سويسرا مجرد بلد من بين بلدانٍ عديدةٍ تصنع الساعات، غير أن موجات الاضطهاد المتتالية التي حصلت ضد البروتستانت في فرنسا قد غيَّرت هذا الواقع، فالهاجينوت الفارُّون من العنف، الذين استقرُّوا في سويسرا، جلبوا معهم مهاراتٍ حرفيةً في صناعة المجوهرات والساعات كان من شأنها أن تساهم في تغيير مسار الصناعة السويسرية. وقد بدأت موجاتُ الهجرة هذه في شهرِ أغسطس من عام ١٥٧٢، بعد أن ذُبِح ٢٠ ألفًا من الهاجينوت في باريس خلال الاحتفال الذي بات يُسَمَّى «مذبحة عيد سان بارتلوميو»، وغادرت موجةٌ ثانية من اللاجئين فرنسا بعد صدورِ مرسومِ فونتان بلو في شهر أكتوبر من عام ١٦٨٥، الذي ألغى الحريةَ الدينية التي كان يضمنها مرسومُ نانت (الصادر عام ١٥٩٨)، وبذلك جُرِّد الهاجينوت من جميع حقوقهم.

جنيف مدينة الأمان

كان قدوم هؤلاء اللاجئين بمنزلة ضربة حظ للاقتصاد الصناعي السويسري الناشئ؛ فقد جلب الهاجينوت معهم عددًا من السمات والخصائص القيِّمة، منها أنهم كانوا متحمِّسين للعمل بكل حزمٍ لتحسين ظروف عيشهم، وكانوا حرفيين ذوي مهارات عالية يكرِّسون وقتَهم لمِهَنهم، كما كان بإمكانهم قراءةُ الكتاب المقدس وانتقاد قواعده، وهما أمران كانا محظورَيْن من طرف الكنيسة الرومانية الكاثوليكية التي بقيت تحتكر عقولَ الأوروبيين وقلوبهم لمدة ألف عام. كان الهاجينوت يتصرفون بصفتهم عشيرةً لديها شبكة اتصالات واسعة ومعقَّدة في المراكز التجارية الأوروبية الكبرى، وفيها جلاسكو ولندن ونابولي وباريس، والعديدُ من عمالقة قطاعات صناعة الساعات والنسيج والصيدلة اليومَ مَدِينون بتراثهم إلى إلغاء المرسوم الذي كان يضمن حقوقَ الهاجينوت، والذي وقَّعَه هنري الرابع في نانت عام ١٥٩٨.

كان الكثيرون من هؤلاء المضطهدين يبحثون عن ملاذٍ آمِن في جنيف التي كانت آنذاك الجمهورية البروتستانتية التي لم تكن بعدُ جزءًا من سويسرا، ولكنها كانت متحالِفةً مع مدينتَي بيرن وزيورخ. كانت المدينة متشددة في اعتناق الأفكار الكالفينية لدرجةِ أن صناعة المجوهرات التي تحمل رموزًا دينية كانت محظورةً على الصاغة؛ لذلك تحوَّلَ الكثير منهم إلى صنع علب الساعات المقبولة من الكالفينيين؛ لأنها ذات قيمة عملية. غير أن وفرة اليد العاملة المتخصصة في صناعة الساعات ما لبثت أن تسبَّبَتْ في نشوء مصاعب وأزمات؛ ففي عام ١٦١٠ أُنشِئَتْ أول نقابةٍ لصانعي الساعات في جنيف، وكانت قواعدُ الانضمام إليها صارمةً جِدًّا لدرجةِ أنها أجبرت العديدَ منهم على ترك المدينة والبحث عن حظوظهم في أماكن أخرى؛ وبذلك سرعان ما انتشرَتْ صناعةُ الساعات في المدن الأخرى أيضًا، واستقرَّ العديد من الحرفيين في مدينة نيوشاتيل، كما اتخذ آخَرون منازلَ لهم في مناطق نائية مثل منطقة فالي دي جو، وفال دي ترافير.

ولم يكن صانعو الساعات اللاجئون وسلالاتهم مجرد حرفيين فقط، بل كانوا يتقنون فنونَ التجارة أيضًا، وفي بحثهم عن اليد العاملة كانوا يُوظِّفون أفرادًا من عائلات المزارعين الذين كانوا يكافحون من أجل لقمة العيش في جبال جورا، ويقضون أغلبَ أيام الشتاء دون عمل. وبتوافر هذه اليد العاملة الجاهزة لقبول العمل بأجورٍ منخفضة، بدأت صناعاتُ الساعات تشابه الوحدات اللامركزية للإنتاج بكمياتٍ تجارية. وكان فُرادى العمَّال يجمعون الموادَّ اللازمةَ في فصل الخريف، ثم يعملون على صياغةِ القِطَع والأجزاء بدقةٍ يدويًّا طوال أَشْهُر فصل الشتاء القارسة، وفي الربيع يجلبون الأجزاءَ المُنجَزة إلى مشاغل التجميع.

أسرار وخبايا صناعة الساعات

figure
دانيال جون ريتشارد (١٦٦٥–١٧٤١) الصورة بريشة فنان مجهول الهوية.

كان أصحاب العمل يحرصون على التأكُّد من أن فُرادى العمال يجمِّعون أجزاء محدَّدة فقط من الساعة الكاملة لمنعهم من فهم خبايا عمل الآلية بأكملها، إلا أن أصحاب العمل لم يتمكَّنوا من منع عمَّال الشتاء الأكثر فِطْنةً من اكتشافِ أسرارِ هذه الحرفة. وقد قيل إن أحد هؤلاء ويُدْعَى دانيال جون ريتشارد من منطقة لاسانج كان أول مَن بدأ العمل لحسابه الخاص بشكل مستقل، وتقول الحكاية إنه بعد أن أنهى تدريبَه بصفته حدَّادًا، وكان عمره ١٨ عامًا فقط، سأله أحدُ المسافرين ما إذا كان يستطيع أن يُصلِح له ساعةَ جيبه، ففتح الشاب الفضولي الساعةَ ورسم تخطيطًا دقيقًا لآليتها، ولم ينجح في إصلاح الساعة فحسب بل قام أيضًا بصنع نسخةٍ منها، وبفضل تسلُّحه بهذه المعرفة، بدأ بصنع أولى الساعات الخاصة به.

figure
مشهد جزئي من ساعة يُقال إنها من صنع جون ريتشارد.
أنشأ جون ريتشارد مصنعًا صغيرًا في بلدة لو لوكل، أُنجِزَت فيه أهمُّ مراحل الإنتاج، وكان العمَّال يأتون للعمل فيه بانتظامٍ عوضًا عن العمل في بيوتهم خلال فصل الشتاء، وكان العديد من العمال يرغبون في ترك مجال الزراعة كليًّا والانتقال للعمل في صناعة الساعات. قام جون ريتشارد بترشيد عملية الإنتاج، كما طوَّرَ أولَ آلة لتصنيع الأجزاء والمكونات، وأصبح هذا المصنع نموذجًا يحتذي به الجيلُ التالي من صانعي الساعات، مثل إسحاق وجاكوب براندت اللذين جلبا مهنةَ صناعة الساعات إلى مدينة لا شو دو فون في عام ١٧٠٥، بعد أن تعلَّمَا هذه الحرفة على يدي جون ريتشارد.٢

وفي أواخر القرن الثامن عشر أصحبت لا شو دو فون مركزًا لصناعة الساعات، إلا أنها كانت قريةً صغيرة لا تتواجد فيها صناعة حقيقية (وفي عام ١٧٥٠ كان عددُ سكان بلدة لو لوكل المتاخمة ٣٢١١ نسمة، في حين لم يَكن عددُ سكان لا شو دو فون يتعدَّى ٢٣٦٣ نسمة فقط)، وفي عام ١٧٩٣ نشب حريقٌ هائل دمَّرَ لا شو دو فون وقضى تقريبًا على صناعة الساعات الناشئة فيها. كان صانعو الساعات المحليون قد تدرَّبوا في مجال حرفتهم حصريًّا، ولم تكن لديهم مهاراتٌ مناسِبة لممارسةِ مِهَنٍ أخرى، كما لم يكن لديهم مكانٌ آخَر يذهبون إليه بسبب الطبيعة الإقليمية لصناعة الساعات في سويسرا؛ ونظرًا لقلة الخيارات أمامهم، شمَّرَ صانعو الساعات عن سواعدهم وعملوا على إعادة البريق لمدينة لا شو دو فون لتبرز مجددًا بصفتها أهمَّ مركزٍ لإنتاج الساعات السويسرية على أيدي قوة عاملة ماهرة وفي أحدث المصانع العصرية، كما عملوا هذه المرة على ترك مساحات كافية بين المصنع والآخر، وهكذا كان الحريقُ الحافزَ الرئيسي لتطوير صناعة الساعات، كما كان سببًا لإعادةِ بناءِ المدينة بالشكل الملائم لتلبية احتياجات هذه الصناعة.

الابتكار والتطوير خطوة بخطوة

هناك رجل آخَر كان قد ساهَمَ في رسم ملامح هذه الصناعة في بداياتها هو جون مارك فاشرون الذي أسَّس مَشْغَلًا في جنيف في عام ١٧٥٥، وتُعتبر شركة فاشرون كونستانتين أقدمَ مؤسسةٍ سويسرية لصنع الساعات، وهي معروفة حتى الآن بساعاتها الفاخرة. جاء اسم «كونستانتين» من فرانسوا كونستانتين الذي التحق بالشركة في عام ١٨١٩ مديرًا تجاريًّا، ولكن لعل أهم موظفٍ عمل في الشركة كان جورج أوجوست ليسكو الذي التحق بالمؤسسة في عام ١٨٣٩. كان ليسكو رجلًا مُبدعًا ترك بصمته على صناعة الساعات بأكملها؛ إذ قام بتصميم آلات إنتاج جديدة أتاحت تصنيع كميات كبيرة من الأجزاء والمكونات البالغة الدقة، كما اخترع آلة المِنساخ التي تساعد على تصغير الرسوم لنقشها على علب الساعات، وأدخل الميكرومتر (واحد في المليون من المتر) كوحدةِ قياسٍ معتمدة في الشركة.

كان السعي من أجل إيجادِ وحدةِ قياسٍ دقيقة جزءًا مهمًّا من جهود تطوير صناعة الساعات السويسرية، كما كان هنالك مخترعٌ في مجال وحدات القياس ألا وهو أنطوان لوكولتر الذي اخترع «الميليونومتر»، وهو جهاز جعل من الممكن لأول مرةٍ قياسُ سماكةِ مادةٍ ما بجزءٍ من الألف من الميليمتر أو الميكرون؛ وبذلك وضع الأسسَ لشركة أخرى ذائعة الشهرة تحمل اليوم عددًا من براءات الاختراع لا تضاهيها فيه أيُّ شركة أخرى. ويعود الفضل في نجاح شركة ييجر لوكولتر جزئيًّا إلى التعاون الذي جمع بين لوكولتر وإدمون ييجر في باريس، وكذلك أيضًا إلى اختراع اﻟ «أتموس»، وهي آلية حركة في الساعة تستمد طاقتها من تقلُّبات درجات الحرارة في الجو؛ وبذلك لا تعود الساعة بحاجةٍ إلى التعبئة، وربما أكثر ما تُعرَف به اليومَ شركةُ لو كولتر هو تصميم ساعة اليد «ريفيرسو».

مكونات لا تُقَدَّر بثمن من بولندا

لم تكن فرنسا المصدرَ الوحيد للأفكار والمواهب الأجنبية؛ ففي عام ١٨٣٩ وصل اثنان من المهاجرين من بولندا إلى جنيف، وهما نوربرت دو باتيك وفرانسوا كزابيك، وأنشآ مشغلًا لصنع الساعات وبيعها، وفي عام ١٨٤٤ انضم رجلٌ فرنسي آخَر هو جون أدريان فيليب إلى شركتهما، في حين غادر فرانسوا كزابيك الشركةَ في العام نفسه. كبرت شركة باتيك فيليب لتصبح إحدى أشهر شركات الساعات السويسرية الفاخرة، وبإضافة الوظائف المبتكرة الجديدة مع الحفاظ على خصائص التصميم التقليدي، أوجدَتِ الشركةُ لنفسها سوقًا بين الأثرياء من هواة جمع الساعات، وخاصةً في الولايات المتحدة، وغالبًا ما امتلك الشباب الناجحون من أصحاب المصانع ساعاتٍ من إنتاج باتيك فيليب مُصمَّمة خصوصًا لهم. واليومَ باتت قيمة ساعات هذه الشركة تتزايد مع مرور الوقت بخلاف ساعات معظم الشركات الأُخرى، ويقول أحد شعارات الحملات الإعلانية الأخيرة لشركة باتيك فيليب، الذي حاز على جائزة: «أنت لا تملك ساعة باتيك فيليب، بل فقط تحافظ عليها من جيل إلى الجيل التالي.» هذا وقد وصل السعر القياسي، (الذي لم يُدفَع مثيلٌ له من قبلُ لساعةِ يدٍ أو لأي ساعة أخرى)، لشراء ساعة باتيك فيليب بلاتينيوم «التوقيت العالمي» رقم المرجع ١٤١٥ المصنوعة عام ١٩٣٩؛ إلى مبلغ ٦٫٦ ملايين فرنك سويسري (ما يعادل ٤ ملايين دولار أمريكي آنذاك)، وقد بيعت هذه الساعة عام ٢٠٠٢ في المزاد العلني «أنتيكوروم»، ولم يتم تجاوز هذا المبلغ منذ ذلك الحين.

ربما يكون الاسم الأكثر شهرةً على نطاق واسع في قطاع صناعة الساعات السويسري هو أوميجا، الشركة التي رافقت ساعاتها أولَ رحلةٍ فضائية إلى القمر. كان لويس براندت يبلغ من العمر ٢٣ عامًا فقط عندما استقر كتاجر ساعات بالجملة في مدينة لا شو دون فون في عام ١٨٤٨، ثم قام ولداه لويس بول وسيزار لاحقًا بنقل الشركة إلى مدينة بييل، وجعلا منها أكبرَ شركةٍ لصناعة الساعات في سويسرا، وفي عام ١٨٩٤ تم إطلاق آلية الحركة «أوميجا» الناجحة التي سُمِّيَت الشركة في نهاية المطاف باسمها. وقد صنعت شركة أوميجا لنفسها اسمًا معروفًا من خلال توقيت الأحداث الرياضية، ولكن أهم إنجاز إطلاقًا في تاريخ صناعة الساعات سجَّلته الشركة في مضمار العلاقات العامة عندما وَطِئت أقدامُ رائدَيِ الفضاء: نيل آرمسترونج وإدوين «باز» ألدرين سطحَ القمر، وكلٌّ منهما يحمل على معصمه ساعة أوميجا سبيدماستر، ولا تزال أوميجا تستفيد من واقع أنها الشركة الأولى والوحيدة التي وصلت منتجاتُها إلى القمر حتى اليوم، وعلى الرغم من أن ملكية الشركة قد تغيَّرت (فمنذ عام ١٩٨٢ باتت جزءًا مما أصبح لاحقًا مجموعة سواتش)، بقيت طريقة تصنيع ساعة سبيدماستر على حالها دون أي تغيير، وأصبحت أوميجا جوهرةَ تاجِ إمبراطورية سواتش؛ إذ إنها تحقِّق نسبةَ ٣٤ في المائة من الإيرادات، ونسبة ٤٦ في المائة من الأرباح داخل المجموعة.

الأمريكيون قادمون

لا شك أن المنافسة من الخارج شكَّلت تحدياتٍ متكررةً لصناعة الساعات السويسرية، ولكنها أيضًا حفَّزت الابتكارَ في التصاميم كما في أساليب الإنتاج، فقد وجد صانعو الساعات السويسرية أنفسَهم في العديد من المناسبات متخلِّفين وراء رَكْب منافسيهم الأجانب، ولكن كلَّما حصل ذلك، كانوا يلجَئُون إلى اقتباسِ الأفكار واستنباط المهارات اللازمة، وصهرها مع قدرتهم المحلية على الابتكار والتطوير ليعودوا مجدَّدًا إلى احتلال مركز الصدارة.

figure
هاينريخ موزر (١٨٠٥–١٨٧٤)، شارَكَ في إنشاء شركة آي دبليو سي حوالي عام ١٨٦٠.
figure
إن صناعة آليات حركة الساعات تجسِّد القِيَمَ السويسرية في الدقة والجدارة بالثقة والإتقان الحرفي. أكثر من ٤٠٠ جزءٍ متحرك يمكن وضعها في علبة ساعة بحجم قطعة نقد معدنية كبيرة.

وكمثالٍ جيد لهذه الديناميكية في المنافسة والتغيير، يجدر ذِكْر التحديات التي فرضتها أساليبُ الإنتاج الجديد على المنتجين السويسريين، التي كانت الولايات المتحدة رائدةً فيها قُبَيْل نهايةِ القرن التاسع عشر. لم يكن السويسريون يدركون مدى التطور الذي شهدته صناعة الساعات لدى منافسيهم من الأمريكيين حتى عام ١٨٧٦ عندما حضر العديد من صانعي الساعات السويسريين المعرض العالمي في فيلادلفيا، ووجدوا أن تكنولوجيا صناعة الساعات الأمريكية قد تطوَّرت إلى مستوًى مُخِيف (على الأقل بالنسبة إليهم). كان جاك دافيد — رئيس قسم التطوير التقني لدى شركة لونجين — قد أُوفِدَ إلى الولايات المتحدة ليُمثِّل صناعةَ الساعات السويسرية في المعرض العالمي، وبعد ذلك زار مصانعَ إنتاجِ الساعات هناك، ولاحَظَ أن المنافسين من أمثالِ فالتهام في بوسطن وألجين في شيكاغو قد قاما بترشيدِ الإنتاج، لدرجةِ أن المكونات التي ينتجانها كانت برمتها قابلةً للتكيُّف والتبادُل بين كافة الساعات، وأكثر من ذلك؛ إذ كانت ساعاتُ الجيب دقيقةً جِدًّا وزخرفتُها جميلةً وكانت أرخصَ ثمنًا من المنتجات السويسرية بمقدار كبير.

أدرَكَ دافيد أن على سويسرا أن ترفع مستوى منتجاتها إلى حدٍّ كبير، وبعد معرض فيلادلفيا كتب تقريرًا قال فيه الساعات الوطنية لن تتمكَّن من مُواجَهة المنافسة الأجنبية إلا إذا نجحت في إنتاج المكونات بكمياتٍ كبيرة، وبمستوًى ضئيل جِدًّا من التفاوت المسموح به في الدقة، بحيث يُمكِن تجميعها في كل الساعات بدلًا من مُواءَمتها لكلِّ ساعةٍ على حِدَة.

وفي المعرض العالمي في باريس عام ١٨٧٨، والمعرض العالمي في ميلبورن عام ١٨٨٠، كان السويسريون يحاولون اللحاقَ بمنافسيهم، ولكن في المعرض العالمي لعام ١٨٩٣ في شيكاغو، كانوا قد عادوا لاحتلال مركز الطليعة، فهم لم يقلِّدوا أساليبَ الإنتاج الأمريكية فحسب (باعتماد النظام المتري وتوحيد معايير المسامير الملولبة)، بل أصبحت ساعاتهم أيضًا أكثر الساعات جاذبيةً وأناقة. ولكنَّ عمليةَ التوحيد لم تكتمل بعدُ، بل بَقِيت مستمرةً بلا انقطاع، فحتى اليوم يُحسَب قُطْر آليات الساعات بمقياس الخطوط، وهو مقياس خاص يساوي فيه الخط ٢٫٢٥٥ مليمتر.

من الصناعة اليدوية إلى التصنيع الآلي

لقد واجهَتْ سويسرا منافسةً من نوعٍ مختلف تتمثَّل في رجال أعمال مغتربين أرادوا أن يستغلوا انخفاضَ الأجور النسبي فيها لتصنيع منتجاتهم على نطاق تجاري وبيعها في السوق الأمريكية، وكان أحدهم تاجرًا من بوسطن يُدْعَى فلورنتين أريوستو جونز، الذي أنشأ الشركةَ الدولية للساعات، وهي اليوم معروفة باسم آي دبليو سي.

ركَّزَ جونز اهتمامه في البداية على مراكز صناعة الساعات القائمة في منطقة الجورا، لكنه وجد أن صانعي الساعات هناك كانوا خائفين على موارد رزقهم ولم يرغبوا بتاتًا في خوض تجربة التصنيع الواسع النطاق، فتوجَّهَ بعد ذلك نحو مدينة شافهاوزن على ضفاف نهر الراين العليا؛ حيث التقى هناك بشابٍّ يُدعى هاينريخ موزر كان قد بنى نموذجًا فريدًا من محطات الطاقة الكهرومائية التي بدأت العمل في عام ١٨٥١. كان موزر يريد أن يجعل من شافهاوزن مدينةً صناعية، وحاوَلَ جذْبَ الشركات التي تحتاج إلى طاقة المياه والكهرباء، مثل شركة آي دبليو سي التي أُنْشِئَت في عام ١٨٦٨.

غير أن جونز نفسه لم يُوفَّق في تحقيق نجاح يُذكَر في مجال صناعة الساعات في سويسرا، وبمجرد أن أدرك صانعو الساعات الأمريكيون أن صناعتهم مهدَّدة من الخارج، دعوا الحكومة الفيدرالية لمساعدتهم؛ وبذلك فرضت حكومتهم تعريفاتٍ جمركيةً عقابية على الساعات ومكونات الساعات المستوردة. كان جونز عندئذٍ يواجه الإفلاس؛ لذلك رجع إلى أمريكا، وفيما بعدُ استحوذَتْ على مصنعه إحدى العائلات الصناعية في مدينة شافهاوزن وهي عائلة رَوشنباخ، وعلى مدى الأعوام المائة التي تلت، تغيَّرت ملكية الشركة مراتٍ عديدةً إلى أن بيعت في النهاية جنبًا إلى جنب مع شركة ييجر لوكولتر وشركة «لانج وأبناؤه» في عام ٢٠٠٠ إلى مجموعة ريتشمونت، وهي واحدة من أكبر مجموعات بيع السلع الفاخرة في العالم. غير أن كل هذه التغييرات لم تقلِّص من مستوى النجاح الذي أحرزته آي دبليو سي بصفتها شركةً لصنع الساعات الفاخرة، وهو نجاح قاده في السنوات الأخيرة غونتر بلوملاين، وهو مهندس كان قد عمل قبل وفاته في عام ٢٠٠١ على جعل شركات: آي دبليو سي وييجر لوكولتر ولانج وأبناؤه (التي كانت في السابق تابعةً لألمانيا الشرقية)، من العلامات التجارية الرائدة في عالم الساعات الفاخرة.

تزايُد الطلب على ساعات اليد

في بداية القرن التاسع عشر، كانت سويسرا أحد أهم منتجي الساعات في العالم، ولكنها لم تكن الأهم بعدُ، إلا أن ذلك تغيَّرَ خلال العقدين الأولين من القرن نفسه، وذلك يعود ليس فقط إلى الطلب الذي نتج عن الحرب العالمية الأولى، بل أيضًا إلى أن صانعي الساعات السويسريين آنذاك كانوا قد توصَّلوا إلى صنْعِ نوعٍ جديد من الساعات، أَلَا وهو ساعة اليد، كما كانوا قادرين على إنتاجها بكميات كبيرة؛ وبذلك أصبحوا أخيرًا أبرزَ صانعي الساعات في العالم.

ولا شيءَ يمكن أن يجسِّدَ هذا التحولَ نحو إنتاجٍ واسعِ النطاق للساعات الفاخرة أفضلُ من قصةِ أشهرِ الساعات السويسرية، أَلَا وهي رولكس. تتجاوز إيرادات رولكس اليومَ مبلغ ٥ مليارات دولار أمريكي سنويًّا، كما صنَّفتها إنتربراند — الشركة المختصة بتقديم الاستشارات للعلامات التجارية — على أنها رابعُ أهمِّ العلامات التجارية الفاخرة في العالم. إلا أن الرجل الذي أسَّسَ وقادَ ما أصبح اليومَ أشهرَ العلامات التجارية للساعات السويسرية لم يكن من أصول سويسرية ولا كان صانعَ ساعات.

ففي عام ١٩٠٥ أسَّسَ رجل أعمال من أصول ألمانية بالاشتراك مع مستثمرٍ بريطاني — وهما ويلسدورف ودافيس — شركةً لتجارة الساعات في لندن، كان هانس ويلسدورف مراقبًا للموضة، وكان قد لاحَظَ أن الصدرية التقليدية للرجال لم تَعُدْ مُواكِبةً للذوق الجديد، وقدَّرَ أن نهاية ساعة الجيب ليست ببعيدة.

اختراع ساعة رولكس

وما سبق يعني أنه كان على ويلسدورف ودافيس إيجاد ساعاتٍ صغيرةِ الحجم يمكن وضعها على المعصم، وكان المورِّد المختار لهذه المهمة هو هيرمان إيجلر الذي كان قد ورث شركةً لصناعة الساعات ركَّزَتِ اهتمامَها على صنع الساعات الصغيرة الحجم طوال أكثر من ٢٥ عامًا. وجد ويلسدورف لدى إيجلر آلياتٍ يبلغ قطرها ٢٥ مليمترًا فقط؛ أيْ حوالي ١٠ مليمترات أقل من آليات ساعات الجيب، غير أن ويلسدورف قد خاطَرَ كثيرًا لتأمين الإمدادات من إيجلر، فقيمةُ عقدِ التوريد البالغة ٥٠٠ ألف دولار كانت تساوي خمسةَ أضعافِ قيمةِ شركة ويلسدورف برمتها، وكان ويلسدورف هو مَن أعطى هذه الساعات الجديدة اسم «رولكس» وقام بتسجيله في عام ١٩٠٨، وكانت هذه أيضًا مُخاطَرة أخرى، ففي ذلك الوقت كان أكبر صانعي الساعات يستخدمون أسماءَهم العائلية لتسمية منتجات علاماتهم التجارية، وفي البداية واصَلَ إيجلر تزويدَ مصنعين آخرين بالساعات مثل شركة جرين في الولايات المتحدة. ولتقوية الروابط بين إيجلر ورولكس اتُّفِقَ على إقامةِ شراكةٍ متبادلة في ملكية الأسهم بين ويلسدورف-دافيس وإيجلر، وأصبحت الشركة بذلك المورد الحصري لمنتجات إيجلر في أسواق الإمبراطورية البريطانية.

تحقيق الحلم

كان يتعين على ويلسدورف حلُّ بعض المشكلات لتحقيق حلمه واستبدال ساعة اليد بساعة الجيب؛ إذ إن ساعة المعصم تتعرَّض لقدرٍ أكبرَ من الحركة وخطر الاصطدام من ساعةٍ تُوضَع في جيب المعطف (وحتى ساعات المعصم المعايَرة وفقًا لمتوسط الحركة العادية لدى بريجيه، كان يصل تبايُن الدقة فيها إلى ساعتين يوميًّا بسبب آليات الحركة والتغيُّرات في الزوايا)، هذا مع العلم أنه كلما صَغُر حجم الآلية، انخفضت دقتُها في الأداء. وأخيرًا فإن الساعة على المعصم تتعرَّض كذلك للتأثيرات البيئية، مثل الغبار والماء، أكثر من تلك التي ترقد في دفْءِ الجيب وحمايته. كانت أول ساعة للمعصم هي تلك التي صنعها بريجيه بطلب من ملكة نابولي في عام ١٨١٠، واستغرق صنعها عامَيْن تقريبًا، لم يكن ويلسدورف صانعَ ساعاتٍ بل كان رجلَ تجارة، إلا أن توقُّعاته الواضحة واتصالاته مع الأشخاص المناسبين وقوة إرادته ووعيه لتطوُّرات السوق؛ مكَّنته من صنعِ تاريخِ ما كان يُعتبَر آنذاك علامةً تجارية ناشئة.

وفي عام ١٩١٠ كان ويلسدورف يملك من الشجاعة ما يكفي لتقديم ساعة اليد للفحص في مكاتب الحكومة المحلية لمراقبة الساعات في جنيف، كان التقليديون من المراقبين يعتبرونها خارجةً عن المألوف؛ لأنهم في العادة لا يفحصون إلا ساعات الجيب والكرونومترات البحرية، وبعد أسبوعين من الاختبار حصلت الساعة الصغيرة على شهادة الكرونومتر، كما حصلت رولكس في عام ١٩١٤ على شهادةٍ مماثلة بعد اختبارٍ دام ٤٥ يومًا في المختبر الفيزيائي الوطني البريطاني في لندن، ومع ذلك لم يأْتِ النجاح الحقيقي الخارق لساعة اليد بفضل الابتكار التكنولوجي، ولكنه أتى من التغيُّرات التي شهدتها السوق نتيجةً لاندلاع الحرب العالمية.

ساعات بإمكانها إنقاذ الحياة

لقد شهِدَت الحرب العالمية الأولى ١٩١٤–١٩١٨ استخدام الدبابات والطائرات الحربية في القتال لأول مرة، وكانت المدفعيات أكبر حجمًا وأكثر دقةً من أيِّ وقتٍ مضى، كما أصبحت المدافع الرشاشة مألوفةً ومنتشرةً في كل مكان، وفي ظروف الحرب هذه أثبتَتْ ساعة اليد أنها ذات أهمية حيوية للجنود. وبالرغم من أن الساعات الصغيرة الحجم كانت تُنتَج بكمياتٍ كبيرة إلى حدٍّ ما، فهي كانت تُستخدَم أساسًا من قِبَل الممرضات في المستشفيات لأخذ نبض المرضى، وكانت تُعتبَر ذات طابع نسائي وغير ملائم لدى أغلب المستهلكين في السوق، وفجأةً بدأت وجهةُ نظر الجنود في الخنادق والطيارين في الجو تتغير، ورَأَوْا في ساعات اليد وسيلةً من شأنها أن تنقذ الأرواح، وجنبًا إلى جنبٍ مع اختراعٍ آخَر هو اللاسلكي، أصبحت ساعات اليد ضروريةً ولا بد منها لتنفيذ مُناوَراتٍ مُنسَّقةٍ زمنيًّا عبر مسافات واسعة، بالإضافة إلى ذلك، فإنها تتيح تقديرَ قُرْبِ تهديدِ العدو من خلال استخدام عقرب الثواني لقياسِ فترةِ الوقت المنصرِم بين رؤيةِ وَمْضِ نار المدفعية وسماع صوت الطلقة. وعندما انتهت الحرب، أصبحت ساعة اليد رمزًا للرجولة، وبدأت تَلْقى رواجًا متزايدًا باستمرارٍ طوال عدة عقود.

إن مفهوم الحمائية الوطنية الذي اعتُمِدَ خلال الحرب غيَّرَ مقومات نظام التصدير لمجال صناعة الساعات السويسرية، فأصبحت رسومُ الاستيراد التي تفرضها المملكة المتحدة على الساعات السويسرية عالية؛ ما دفَعَ بويلسدورف إلى نقْلِ إدارة التصدير في شركته إلى مقر مصنع إيجلر السويسري في مدينة بييل في عام ١٩١٥، وتحوَّلَ إلى التركيز على أسواق أوروبا القارِّيَّة. وبعدَ انتهاءِ الحرب أغلق مكتبَ لندن ونقَلَ أعمالَه إلى جنيف التي كان يعتبرها مكانًا أفضلَ لتطوير ساعاتٍ أنيقة وراقية، وقد استمر هذا الفصل — الذي قسَّمَ الأعمالَ إلى كيانَيْن مستقلَّيْن فترةً طويلة — حتى عامِ ٢٠٠٤ عندما اشترَتْ شركةُ رولكس في جنيف شركةَ رولكس في بييل، وحتى اليوم تُصنَّع آليات الحركة في بييل، في حين تُصمَّم الموديلات وتُركَّب الآليات في جنيف.

قمة الأناقة في علبة الساعة

بحصولها على جائزة «الكرونومتر»، أثبتت رولكس أن ساعات اليد يُمكِن أن تكون دقيقةً بقدرِ دقةِ ساعة الجيب، إلا أن ويلسدورف كان يريد الذهاب إلى أبعد من ذلك، وقد نجح مهندسو شركته في تصميم علبة ساعة محكمة السد لا يدخلها الغبار ولا الماء، وحصل هذا الابتكار على براءة اختراع في عام ١٩٢٦، وسُمِّيَ «أويستر» أيِ المَحارة، وتقول الأسطورة إن ويلسدورف استوحى هذا الاسم بعدما كان قد طلب مَحارًا في أحد المطاعم ووجد نفسه عاجزًا عن فتحها. لكن أسطورة أخرى تقول إن الاسم جاء نتيجةً للمصاعب التي واجهَتْها شركة رولكس في إحكام إغلاق المنطقة التي يتلامس فيها لولب ضبط الوقت مع غلاف الآلية، فهي تبدو كأنها عبارة عن مَحارة مجروحة تفرز لؤلؤة. وأيًّا كانت أصول هذا الاسم، فإن اختياره كان رائعًا، فهو يجمع بين فكرة حصانة الساعة ضد المؤثرات الخارجية مع التلميح إلى شيءٍ ذي قيمة كبيرة. سُوِّقَتْ هذه الساعة من خلال عرْضِها داخل حوضٍ مليء بالماء؛ حيث واصلت الساعة دقَّاتها بينما تسبح الأسماك حولها. وفي عام ١٩٢٧، عندما سمع ويلسدورف أن مرسيدس جلايتسه — وهي متخصِّصة في الكتابة المختزلة — كانت تعتزم أن تصبح أولَ امرأةٍ تقطع مضيقَ المانش (المنطقة البحرية التي تفصل بين جنوب إنجلترا وشمال فرنسا) سِباحةً، قرَّرَ تزويدَها بساعة رولكس أويستر، وعندما وصلت جلايتسه إلى دوفر بعد ١٥ ساعة من السباحة، كانت ساعتها تشير إلى الوقت الصحيح. كان ذلك انتصارًا صريحًا لويلسدورف الذي حجز الصفحة الأولى بأكملها من مجلة دايلي مايل اللندنية للإعلان عن إنجاز جلايتسه البطولي، وبطبيعة الحال عن الإنجاز البطولي لساعتها.

الساعات السويسرية الفاخرة.*
الشركة المصنعة سنة التأسيس الموديل الرائد عدد الوحدات المصنعة بالسنة (مُقدَّر بالآلاف) السعر الأولي المُقدَّر (فرنك سويسري) المكانة (١= أعلى مكانة)
باتيك فيليب ١٨٣٩ نوتيلوس ٤٠ ١٥٠٠٠ ١
أوديمار بيجيه ١٨٧٥ رويال أوك ٢٧ ١٢٠٠٠ ١
بريجيه ١٧٧٥ كلاسيك ٤٢ ١٥٠٠٠ ١
فاشرون كونستانتين ١٧٥٥ باتريموني ١٨ ١٣٠٠٠ ٢
رولكس ١٩٠٥ كورنوغراف دايتونا ٧٠٠ ٦٠٠٠ ٢
بلان بان ١٧٣٥ ١٧٣٥ ١٦٫٥ ١٠٠٠٠ ٣
كارتييه ١٨٤٧ تانك ٣٥٠ ٥٠٠٠ ٣
بيجر لو كولتر ١٨٣٣ ريفيرسو ٦٥ ٦٠٠٠ ٣
بارميجياني فلورييه§ ١٩٩٦ كالبا ٥ ٨٠٠٠ ٣
بياجيه ١٨٧٤ ألتيبلانو ٢٠ ١٤٠٠٠ ٣
تاج هوير|| ١٨٦٠ موناكو ٧٠٠ ٢٥٠٠ ٣
برايتلينج ١٨٨٤ نافيتايمر ٢٠٠٠ ٣٠٠٠ ٤
بولجاري|| ١٨٩٤ بولغاري بولغاري ٣٨ ٦٥٠٠ ٤
شويار ١٨٦٠ كواترو ٧٥ ٥٠٠٠ ٤
آي دبليو سي ١٨٦٨ دا فينشي ٧٠ ٧٠٠٠ ٤
أوميجا ١٨٤٨ سبيدماستر ١٠٠٠ ٥٠٠٠ ٤
بوم وميرسييه ١٨٣٠ هامبتون ٢٠٠ ١٠٠٠ ٥
أيبيل ١٩١١ ١٩١١ ٤٥ ١٥٠٠ ٥
لونجين ١٨٣٢ دولتشي فيتا ١٣٠ ١٢٠٠ ٥
موريس لاكروا# ١٩٧٥ ماستربيس ١٠٠ ٦٥٠ ٥
رادو ١٩٦٢ دياستار ١٥٠٠ ٥
تيسو ١٨٥٤ ت-تاتش ٢٠٠٠ ٨٥٠ ٦
سواتش ١٩٨٢ جيلي ١٥٠٠٠ ٦٠ ٧
المصدر: إحصاءات المؤلف/تيم ديلفس.
†  تملكها مجموعة سواتش.
‡  تملكها شركة ريتشمونت.
§  تملكها مؤسسة ساندوز.
||  تملكها شركة لويس فيتون ومويه وهينيسي.
¶  تملكها مجموعة السلع الفاخرة إم جي آي.
تملكها شركة ديسكو شولتيس.

وبالرغم من كل ذلك لم يشعر ويلسدورف بالرضا؛ إذ كان يُقلِقه أن ساعاته يجب ملْؤُها دوريًّا، وهذا يعني أن الغبار أو الماء يمكن أن يدخل إليها بسهولةٍ أكثر، وفي حين كانت ساعات الجيب مزوَّدة بآلياتِ لفٍّ (مَلْء) تلقائي، لم تكن متوافرةً بعدُ آليةٌ فعَّالة ومتينة من هذا النوع لساعات اليد. أتى الحل من مَشغل أيجلر في مدينة بييل؛ حيث قام مهندسُ تصميمٍ يُدْعَى إميل بورَر بتزويدِ آليةِ الساعة بدولاب موازنة منحرف المركز يستطيع نقْلَ الطاقة من حركة الساعة على المعصم إلى مسنن التعبئة. حصل هذا الابتكار على براءة اختراع في عام ١٩٣٣، وسُمِّيَ «بيربيتشوال» أيْ ما يعني «سَرْمدي»؛ لأن الساعة نظريًّا تعمل بشكلٍ دائم شريطةَ ألَّا تُنزَع عن معصم حاملها.

figure
هانس ويلسدورف مؤسسة شركة رولكس (١٨٨١–١٩٦٠).

كان هذا جزءًا آخَرَ من استراتيجية ويلسدورف لجعل رولكس مرادفًا للصفات التالية «دقيقة، صامِدة لتسرُّب الماء، وتشتغل آليًّا»، وأصبحت رولكس رمزَ العلامة التجارية المُفضَّلة للاستخدام المهني، سواء أكانت ساعاتِ توقيتٍ للطيارين العسكريين أم سائقي السباقات أم ساعاتٍ تُبيِّن الوقت عبر ٢٤ ساعة للطيران المدني. وفي عام ١٩٦٠ رتَّبت الشركة وضْعَ إحدى ساعاتها على هيكل غوَّاصة لأعماق البحار «تيرييست»؛ حيث حقَّقَ جاك بيكار — وهو عالِم سويسري — الرقْمَ القياسي بالغوص إلى عمق ٣٣ ألف قدم تحت الماء في خندق ماريانا، ولقد صمدت الساعة في وجه الضغط المائي الهائل خلال هذه العملية.

figure
في عام ١٩٢٧، قطعت مرسيدس جلايتسه مضيقَ المانش في غضون ١٥ ساعة، وهي تلبس على معصمها ساعةً صامدة ضدَّ تسرُّبِ الماء من نوع رولكس.

وفي الواقع يمكن القول بأن كلمة المَحارة (أويستر) يمكن أن تصف شركةَ رولكس برمتها؛ لأنها الشركةُ الأكثرُ تحفُّظًا وتكتُّمًا بين كل الشركات الأخرى في هذه الصناعة، وهذا ينطبق بشكل خاص على مصنع مدينة بييل حيث تُصنَّع آلية كل ساعات رولكس، وليس من المستغرب إذًا أن رولكس لم تصنع قط ساعةً بظهْرٍ شفَّاف.

الاتحاد الاحتكاري العظيم لصناعة الساعات

كثيرًا ما حُقِّقت النجاحات التقنية والتسويقية لصناعة الساعات السويسرية في بيئةٍ حافلةٍ بالأزمات الاقتصادية والاضطرابات السياسية، وكانت هذه الأزمات في بعض الأحيان شديدةً حتى على أقوى صانعي الساعات، إلا أنهم — كما هو الحال في كل مرة — لعبوا دورًا هامًّا في تسييرِ عجلةِ الصناعة، وأحيانًا حتى في إنقاذها.

فعلى سبيل المثال، في أعقابِ انهيارِ بورصة وول ستريت في عام ١٩٢٩، انخفضت صادرات الساعات السويسرية انخفاضًا حادًّا، وتجاوُبًا مع ما ثبت أنه أكبر أزمةٍ اقتصادية في القرن، أُعِيدَ تنظيم هذه الصناعة بالكامل، فأُنشِئت شركةٌ قابضة عملاقة، هي المؤسسة السويسرية العامة لصناعة الساعات ASUAG (أسواج) بمساعدة بمساعدة الحكومة والبنوك لترشيد الإنتاج وضبط الأسعار.
figure
روجر فيدرير يجسِّد مفهومَ الدقة والأناقة لدى رولكس.

كانت لونجين ورادو من بين الماركات التي دخلت تحت مظلة هذه المؤسسة، إلى جانب شركة قابضة صغيرة هي إيبوشيه التي جمعت عددًا من صانعي الساعات يشمل إيتا (صانع ساعات إتيرنا الجاهزة ومُنتِج علامة إيتا التجارية لآليات الساعات). وفي الوقت نفسه، أنشأ صانعو الساعة في القسم الناطق بالفرنسية من سويسرا شركةً قابضة خاصة بهم تحت اسم المؤسسة السويسرية لصناعة الساعات (إس إس آي إتش)، التي ضمت تحت رايتها ماركات مثل: أوميجا وتيسو ورايفيل-بلانبان، وكذلك شركة هاميلتون الأمريكية.

وكانت النتيجة أن الأسعار وكميات الإنتاج أصبحت أمورًا تنظِّمها قواعدُ هذه الاتحادات، من خلال اتفاقاتِ تحديدِ الأسعار والإطار التنظيمي المعروف بالنظام الأساسي لصناعة الساعات، وأصبح لكل علامةٍ شريحةُ سعرٍ معينٍ يجب أن تتقيَّد بها، كما أن تصدير المكونات والآليات بات ممنوعًا. في البداية أثبتت هذه الإجراءات نجاحها، فبحلول عام ١٩٣٧ بدأت صناعة الساعات السويسرية تحقق أرباحًا مجددًا (ساعدها في ذلك خفض قيمة الفرنك مقابل العملات الأجنبية بنسبة ٣٠ في المائة في شهر سبتمبر من عام ١٩٣٦). وخلال هذه الفترة تم تعديل النظام الأساسي لصناعة الساعات مرتين، ولم يتم التخلي عنه حتى عام ١٩٧١. بقيَ الاتحادان أسواج وإس إس آي إتش قائمَيْن حتى أواخر عام ١٩٨٣ عندما أُعِيدَ أخيرًا تنظيمُهما ودمجهما معًا في أعقاب أزمة الكوارتز. ولكن بالرغم من حدوثِ كلِّ ما سبق ذِكْره، كانت صناعةُ الساعات السويسرية قد ارتقت إلى مستوياتٍ لم تكن تخطر على بال.

الهيمنة العالمية لبرهة من الزمن

بحلول نهاية الثلاثينيات، كانت الصناعات السويسرية قويةً نوعًا ما، وعلى استعدادٍ للاستفادة من ضَعْف المنافسة الدولية التي خلَّفَتْها الحرب العالمية الثانية، فكانت سويسرا تزوِّد كلَّ الأطراف المتحاربة بالساعات والكرونومتر، كما لاقت نجاحًا استثنائيًّا في مجال الساعات السهلة القراءة الخاصة بالطيارين، التي جُهِّزت بحمايةٍ مغناطيسية بحيث لا تتأثَّر دقتُها بالحقول المغناطيسية القوية التي تتولد في داخل الطائرة، وفي نفس الوقت، كان المنافسون في البلدان الأخرى — وخاصةً في ألمانيا — منهمِكِين في إنتاج صمامات التوقيت لصواعق القنابل الثقيلة والقنابل اليدوية (كما كانوا هم بدورهم أيضًا عُرضةً للقنابل). وفي فترة ما بعد الحرب، بدأ الطلب على الساعات السويسرية في السوق يتزايد من جديد، وبحلول عام ١٩٤٩ استطاعت مجموعة أسواج تسديدَ جميعِ ديونها، وفي عام ١٩٥٠ كانت سويسرا تهيمن على السوق العالمية؛ حيث بلغت مبيعاتها ٥٠ في المائة من مجموع عدد الساعات المباعة في العالم.

شهدت فترة ما بعد الحرب أيضًا سلسلةً من الابتكارات التي تعتمد على تكنولوجيات جديدة، فعلى سبيل المثال، أُدخِلَ أولُ محمل كريات مُصغَّر لآليات الساعات من قِبَل شركة إتيرنا في عام ١٩٤٨، وبمجرد انتهاء مدة حماية براءة الاختراع، أصبح استخدامه سائدًا في جميع ماركات الساعات تقريبًا، إلا أن نقطة التحوُّل الحقيقية جاءت مع اختراعِ الترانزيستور في عام ١٩٥٠، الذي جعل من الممكن — من حيث المبدأ على الأقل — تصغيرُ آليةِ التشغيل الإلكترونية إلى حجمٍ يتيح تركيبَها في ساعة اليد. وبعد ثلاث سنوات فقط، صمَّمَ ماكس هيتزل — العامل في مصنع بييل لشركة بولوفا الأمريكية — ساعةً إلكترونية مزوَّدةً بشوكةٍ رنَّانةٍ صغيرة تتأرجح عن طريق تمريرِ تيارٍ كهربائي متردِّد عبر لفائف سلكية لتحويل حركة الدقائق ميكانيكيًّا إلى الآلية التقليدية، وأطلقت شركة بولوفا في عام ١٩٦٠ ساعة «أكوترون» المُجهَّزة بقرصِ وجهٍ شفَّاف لإظهار هذا الإنجاز.

وكما كان عليه الحال في جميع القطاعات الصناعية الأخرى في ذلك الوقت، بدأ صانعو الساعات يدركون الفُرَصَ اللامحدودة للابتكار التي أصبحت مُمكنةً بفضل الإلكترونيات بشكل عام، والتصميم والتصنيع بمساعدة الكومبيوتر بشكلٍ خاص. كانت صناعةُ الساعات — حتى ذلك الحين — ترتكز على آليات الحركة الميكانيكية المُجمَّعة يدويًّا على أيدي حرفيِّين مَهَرةٍ ذوي تقاليدَ عريقة، ولكنَّ نقطةَ ارتكازِ قطاعِ صناعة الساعات كان على وشك الانتقالِ والتحول، إلا أن الصناعة السويسرية لم تكن مُستعِدَّةً لذلك بعدُ.

الكريستال سبَّبَ المصائب

بدأت كل القصة مع تكنولوجيا جديدة، وعلى ما يبدو غير مؤذية، تعتمد على قدرةِ بلورة الكوارتز على التأرجح بتواتُرٍ دقيقٍ لدى تعريضها للتيار الكهربائي. ففي عام ١٩٦٢ تأسَّسَ مركزُ صانعي الساعات الإلكترونية سي إي إتش في مدينة نيوشاتيل لتطوير آلياتِ حركةٍ تعمل بالكوارتز ذات حجمٍ ملائمٍ لساعات اليد، وساهَمَ في هذا المشروع عددٌ من الشركات، من بينها: أسواج أوميجا، تيسو، آي دبليو سي، ييجر لو كولتر، ميدو، ورولكس؛ التي سعَتْ لجعْلِ آليةِ الكوارتز جاهزةً في حالِ أصبحَتْ مطلوبةً في السوق. وبعد خمسة أعوام تم التوصل إلى نتيجة مُرضية تمثَّلت بآلية الكوارتز «بيتا ٢١»، وفي نفس العام — أيْ ١٩٦٧ — أطلقَتْ شركة سايكو اليابانية أيضًا آليةَ كوارتز مصغرة، وتبعتها لونجين في عام ١٩٦٩ بإطلاق آلية «أولترا كوارتز»، التي طُوِّرتْ في الولايات المتحدة بشكل مستقل. وفي الولايات المتحدة، كشف هاميلتون عن «بَالسَر»؛ أولِ ساعةِ يدٍ تعمل بالكوارتز ذات شاشة رقمية، وكان يَتوجَّب الضغط على زرٍّ لقراءة الوقت فيها، لكن ذلك كان يتطلب الكثير من الطاقة المكلفة (بحسب معايير اليوم)، كما أن سعر الساعة كان مرتفعًا. وفي عام ١٩٧٢، أطلق جيرار بيريجو بدوره ساعةً بآلية كوارتز GP350 كانت قد طُوِّرت في مصنعه الخاص.

كان من الواضح أن هذه التكنولوجيا الجديدة مُؤهَّلة لإحراز النجاح على الرغم من التكلفة العالية للساعات التي تعمل بآليات الكوارتز، وكان السويسريون قد أخذوا زمامَ المبادرة في مجال تطوير هذه الساعات، ومرة أخرى بَدَا أنهم في وضعٍ جيد للهيمنة على هذا الحيز الجديد الناشئ في السوق، إلا أن العكس كان صحيحًا؛ إذ لم تكن ساعات الكوارتز مُلائِمةً لقطاع الساعات الباهظة الثمن، بل للسوق التجارية العامة التي سرعان ما باتَتْ تهدِّد — بشكل غير مُتوقَّع — قدرةَ صناعةِ الساعات السويسرية على البقاء.

أزمة الكوارتز تأخذ أبعادًا حقيقيةً

بدأت الأزمة المعروفة «بأزمة الكوارتز» بشكلٍ جديٍّ في عام ١٩٧٣، ومع أن صانعي الساعات السويسريين كانوا يحتلُّون مركزَ الطليعة في المجال التكنولوجي، فإنهم لم يتوقعوا الانخفاضَ الحاد والمفاجئ في أسعار الساعات الإلكترونية. كانت القاعدةُ السائدة طوال عقودٍ مضت أن سعر الساعة يعكس مدى دقتها؛ وبناءً على ذلك، كان من المفترض أن تُباع ساعات الكوارتز الأعلى دقةً — بصفتها بديلًا للساعات الميكانيكية — بأسعارٍ أعلى أيضًا؛ مما يُحتِّم إنتاجَها بأعدادٍ قليلة نسبيًّا، عندئذٍ سيكون بإمكان صانعي الساعات السويسريين المنافسةُ من خلال إنتاجِ أعدادٍ كبيرة من الساعات الميكانيكية الرخيصة، ولكن سرعان ما أصبح واضحًا أن المنافسين اليابانيين قد باشروا بإنتاجِ ساعاتِ الكوارتز بأعدادٍ وفيرة وبأسعارٍ أرخص مما كانت عليه في أيِّ وقتٍ مضى، وهو أمر يجعل من سوق الساعات الميكانيكية الرخيصة سوقًا آيلةً إلى الزوال.

بدأ الطلب على الساعات السويسرية ينخفض بسرعة متزايدة، وخلال الأعوام العشرة التالية التي سبقت ١٩٨٣، خسر ما لا يقل عن ٦٠ ألفَ شخصٍ عملَهم في هذه الصناعة، التي كان مجموع العاملين فيها لا يتعدى ٩٠ ألفَ شخص؛ مما كاد أن يقضي تقريبًا على واحدٍ من أهم موارد التصدير في سويسرا، ويمكن القول إنه القطاع الذي طالما افتخرَتْ به الصناعة السويسرية. بذل السويسريون جهودًا بائسةً لتدارُك الأمر، ولكن في غيابِ استراتيجيةِ إنتاجٍ واضحة تُبيِّن الفرْقَ بين الساعات السويسرية والساعات التي يُنتجها المنافسون، كانت جهودهم بلا جدوى، وعلى سبيل المثال، في شهر يناير من عام ١٩٧٩ أطلقت شركة إيتا ساعة «ديليريوم» التي كانت أنحف ساعة كوارتز صُنِعت في العالم؛ إذ كان سُمْكها بالكاد يبلغ ٢ مليمتر، وفي نموذجٍ لاحق (ديليريوم ٤)، قُلِّصَ سُمْكُها إلى أقل من مليمترٍ واحدٍ فقط، إلا أن الساعة كانت باهظةَ الثمن وغيرَ عملية قطعًا؛ لأنها كانت تتأثر بأدنى ضغط على المعصم، وبكل بساطة تتوقَّف عن العمل. كان ردُّ سويسرا على هذا التحدي غريبًا ولا يمتُّ بصلةٍ لما عُرِفَت به تقاليدها، فقد واصَلَ السويسريون — بكل بساطةٍ ودونَ مبالاة — صنْعَ ساعاتٍ لا وجودَ للطلب عليها في الأسواق.

في عام ١٩٨٠ بلغت الأزمة أَوْجَها وظهرت للعلن عندما باتَتْ شركة إس إس آي إتش عاجزةً عن دفع الرواتب عن شهر ديسمبر، وكذلك المكافآت السنوية لموظفيها وعمَّالها؛ فاضطرت أن تذهب صاغرةً إلى المصارف لطلب قرضٍ لسداد ديونها، وعندها أدركت المصارف أن الوقت قد حان لوضع خطة إنقاذ لهذه الصناعة، فطُلِبَ من الهيئة الإدارية أن تُعيِّن شركةً مستقلة من الخبراء الاستشاريين لفحص أعمال الشركة ومحاولةِ إنقاذِ ما يمكن إنقاذه. اختارت المصارف لهذا الغرض شركةَ حايك إنجنيرينج المملوكة من قِبَل نيكولا حايك الذي سرعان ما أخذ المهمة على عاتقه شخصيًّا وأَوْلَاها كلَّ اهتمامه.

الرجل الذي جاء من لبنان

يُعتبَر نيكولا حايك شخصيةً بالغةَ الأهمية في قطاع صناعة الساعات السويسرية، وقد حاز رجلُ الأعمال المولود في لبنان سريعًا على إعجاب وتقدير مسئولي المصارف وصانعي الساعات؛ لأنه أحضَرَ إلى طاولة المناقشات ليس أفكارَه فحسب، بل كذلك رأس ماله الخاص، كما جلب معه أيضًا مستثمرين يَثِقون بحُسْن بصيرته؛ ممَّا ساهَمَ في ضمانِ استمراريةِ المشروع. كانت المصارف آنذاك قد تكبَّدَتْ خسائرَ طوالَ عقدٍ من الزمن، وكانت متلهفة لإنقاذِ استثماراتها بأيِّ ثمن، وهذا ما لعب دورًا إيجابيًّا لصالح حايك.

كان الوضع متأزِّمًا في شركة إس إس آي إتش، وفي ربيع عام ١٩٨١ كان لا بد من الإسراع في إقناع الدائنين — ومن بينهم حوالي ٣٠ مصرفًا و٢٠ شركة أخرى — بالتخلِّي عن جزءٍ من مجموع الديون التي يطالبون بها، وتحويل نسبةٍ إضافية منها إلى رأسِ مالٍ جديد بشكل أسهم، وعلى الرغم من بعض المُقاوَمة الشديدة، صُوِّتَ في شهر يونيو لصالحِ خطةِ إنقاذِ الشركة خلال اجتماعٍ عاصفٍ بين أصحاب الأسهم، ولم يكن هناك بُدٌّ من إعادة هيكلة الشركة؛ إذ إن البديل الوحيد المتوافر لهذا الخيار كان يعني انهيار إس إس آي إتش برمتها، بما في ذلك ماركة ساعاتها الشهيرة «أوميجا»؛ ونتيجةً لذلك استُبدِلَ في وقتٍ لاحق جميعُ كبار المديرين التنفيذيين في الشركة.

حان وقت استبدال النظام القديم

كانت الشركة القابضة الكبرى الأخرى أسواج هولدينج تعاني من الأزمة نفسها بشكل أساسي؛ ففي خريف عام ١٩٨١، اضطر بيتر رينجلي — رئيس مجلس إدارة الشركة آنذاك — إلى الموافقة على خطةٍ لإعادة هيكلة الشركة وإنقاذها، لكن القَرْض الذي حصلت عليه المجموعةُ لتلبية حاجتها المُلِحَّة للسيولة لم يكن كافيًا لتهدئة الوضع أو تحسينه؛ ومن ثَمَّ لُجِئَ مجدَّدًا إلى شركة حايك إنجنيرينج، وطوال عام ١٩٨٢ كان مديرو المصارف الدائنة الستة الكبرى لشركتي إس إس آي إتش وأسواج يجتمعون بانتظامٍ لبحث مسائل الديون، وتوفير السيولة الضرورية، والشروع في اتخاذِ تدابيرَ لتأمينِ الأصول التي تُعتبَر حيويةً ولا بدَّ منها لاستمرار الشركة. وعلى الرغم من أن فالتر فريهنر من سويس بانك كوربوريشن وبيتر جروس من يونيون بانك أوف سويتزرلاند كانا متنافسين، فإنهما شكَّلا فريقًا قويًّا يهدف حصريًّا إلى حلِّ المشكلات المعقَّدة دونَ إضاعةٍ غيرِ ضرورية للوقت، وعندما بات جليًّا أن المصارف يمكن أن تصبح قريبًا المُساهِمَ الرئيسيَّ في مجموعتَيِ الساعات المذكورتين، نظَّمَ فريهنر وحروس اجتماعًا سريًّا في مدينة إنترلاكن في ١٥ و١٦ يناير من عام ١٩٨٣ مع حايك وثلاثة أخصائيين في مجال الساعات وبعض المساعدين لمناقشة الخيارات الاستراتيجية الكبرى. وفي حين كان حايك قد أعدَّ ما يُعتبَر «خطةً صناعية رئيسية»، قدَّمَ فريقُ العمل من مصرفَيْ إس بي سي ويو بي إس ثلاثةَ خياراتٍ مختلفة لدمج مجموعة أسواج مع مجموعة إس إس آي إتش، مُرفَق معها كلُّ الإجراءات والتشريعات القانونية اللازمة لذلك، وقد كانت نتائج الاجتماع واضحة، وهي ضرورة إعادة هيكلة المجموعتين ماليًّا ودمجهما معًا، وهكذا بدأت أكبر عملية إعادة هيكلة في تاريخ الصناعة السويسرية.

تُعتبَر صناعة الساعات السويسرية نموذجًا مُصغَّرًا للإمبراطورية الرومانية، فقد انتشرت أعمال شركتَي إس إس آي إتش وأسواج عبر كل أنحاء الجزء الناطق بالفرنسية والجزء الناطق بالألمانية من سويسرا، وكانت كلُّ شركةٍ وفيَّةً لِلُغَتها ومنطقتها وتقاليدها ومتشبِّثةً بها بشدة، وكانت الشركتان مقسمتَيْن إلى أقسام لتصنيع القِطَع والأجزاء، وأخرى للعلامات التجارية، وكلٌّ منهما عبارة عن فسيفساء من الهياكل القانونية والتنظيمية المختلفة التي كانت تملكها وتُدِيرها العائلاتُ على مدى عدة أجيال مثل شركة رادو وأوميجا ولونجين، وكان كبار المديرين مثل رينجلي وجروس عادةً متحدرين من أعلى المراتب في النخبة العسكرية السويسرية، بينما كان مديرو المصانع غالبًا من قطاع تجارة الساعات والمجتمعات المحلية، ولم يكن هذا المزيج مُلهِمًا للثقة والمودة والتعاون، بل على العكس تمامًا، كانت جهود كثيرة تُهْدَر في توجيه أصابع الاتهام وتدبير المكائد، بينما كانت الأعمال تتدهور.

لماذا ننقذ صناعةً هي بصدد الاندثار؟

أمام هذا المشهد المعقد، كان على حايك ابتكار استراتيجية صناعية يمكن أن تكون لها فرص للنجاح، غير أنه كان في حيرة من أمره، تمامًا مثل الأطراف الأخرى بما في ذلك المصارف؛ فقد أظهرت دراسة حايك أن عملية الدمج الشامل وإعادة الهيكلة ستحقِّق وفورات هامة في التكاليف، إلا أنها لم تقدِّم ضماناتٍ فيما يتعلق باستمرارية هذه الشركات التي كانت تخسر العملاء والأسواق بشكلٍ متواصل؛ لذا كان من الصعب إقناع المصارف — التي كانت قد تكبَّدَتِ الكثيرَ من الخسائر — بأن تضخَّ مبالغَ كبيرةً من جديدٍ في هذه الشركات. وحتى بنك إس بي سي الذي كان عليه أن يلعب الدورَ الرئيسي في عملية الإنقاذ، لم يكن مجلسُ إدارته مطمئنًّا كليًّا لهذه المُقارَبة، أمَّا فريهنر — موظف البنك المسئول عن قطاع صناعة الساعات — فقد اضطر في نهايةِ المطاف إلى إلقاءِ كلمةٍ بطولية تُوجَّه فيها إلى المجلس بنبرةِ تَوسُّلٍ قائلًا: «إذا كنتم تعتقدون أن هذه الصناعة، التي تجمع كلَّ مميزات سويسرا الهامة من الدقة والثقة والجودة، لا يمكنها أن تنجح في الصمود أمام المنافسة اليابانية، فعلينا إذًا أن نوقف أيضًا إنتاجَ التوربينات والقاطرات والمنتجات الصيدلية.»

كانت هذه خطوةً جريئة، ولكنها لو باءت بالفشل، لَكان فريهنر قد خسر عمله، ولَكان موقفه حَرِجًا أمام الرأي العام؛ لأنه فشل في إنقاذ مدعاة فخر الصناعة السويسرية، ولكن في الواقع، لقيَ إنجازه هذا الكثيرَ من التقدير؛ لأنه تَولَّى بعدَ ذلك منصبَ المديرِ التنفيذي لبنك إس بي سي، وبدأت معه فترةُ تطويرٍ هامة توجها بدمج البنك مع بنك يو بي إس، إلا أن لهذا الموضوع قصةً كاملة سوف تُرْوَى في فصلٍ آخَر. وبالرغم من شجاعة موقفه، لم يحقِّق فريهنر ثروةً كبيرة مماثلةً لتلك التي حقَّقها حايك وشركاؤه من المستثمرين الآخرين، وهذا أمر ما زال يقضُّ مضجعه، وفي هذا الصدد صرَّحَ مؤخرًا: «أنا لم أخاطر بأموالي؛ لأنني لم أكن أملك المال، غير أن عملية إنقاذ شركة أسواج وشركة إس إس آي إتش قد كلَّفَتْني كلَّ أوقاتِ فراغي ونحو ٣٠ في المائة من ساعات عملي لفترةٍ تزيد عن السنة، لقد جازفْتُ بخسارةِ وظيفتي، ولكني قمتُ بذلك من أجلِ آلافِ العمَّال والموظَّفين في قطاعٍ لا يزال رمْزًا من رموز الصناعة السويسرية.»

وفي النهاية، كان يجب إقناع أكثر من ١٠٠ من المصارف والدائنين الآخرين بالمساهمة في إنقاذِ صناعةِ الساعات السويسرية، فقدَّمَتِ البنوك مبلغَ ٨٦٠ مليون فرنك سويسري بشكلِ إلغاءاتٍ للديون، وإصدارات أسهم جديدة، ووفَّرت قروضًا ثانويةً وتسهيلاتِ ائتمانٍ جديدة، بقِيَ أن إعادةَ بناءِ صناعة كاملة هو أمرٌ يحتاج إلى الوقت، فكان لا بد من الانتظار حتى نهاية عام ١٩٨٣ ليُوافَق على عمليةِ دمجِ الشركتين لتصبحا مجموعةً واحدة باسم أسواج-إس إس آي إتش، وتحت إشرافِ مديرٍ تنفيذي جديد هو أرنست تومكيه، كما صُفِّيت وجُمِعت كلُّ الشركات الفرعية التي كانت قائمةً آنذاك، ووقَّعَ حايك عقدًا مع البنوك يخوِّله شراءَ حتى نسبة ٥١ في المائة من أسهم المجموعة الجديدة التي رأت النورَ في عام ١٩٨٥، وأصبحت تُسَمَّى شركةَ الإلكترونيات الدقيقة والساعات إس إم إتش.

ثنائيٌّ غريبُ الأطوار يُنقِذ صناعةَ الساعات السويسرية

كانت هذه هي الفترة التي بدأ حايك فيها زرْعَ بذورِ ثروته الهائلة، فقد أجرى حايك محادثاتٍ مع إس بي سي ويو بي إس — المصرفان الرائدان في مجموعة الدائنين — عارضًا عليهما شراءَ حصصهما من الأسهم، كما تحدث مع شتيفان شميدهايني الذي كان قد عمل معه مستشارًا في مجالات أخرى من إمبراطوريته الصناعية. كان شميدهايني ابن ماكس شميدهايني أحدَ كبار الصناعيين السويسريين البارزين، ووريثًا لاستثماراتٍ كبيرةٍ في شركاتٍ مثل هولسيم وإترنيت، وبراون بوفيري (التي أصبحت جزءًا من شركة إيه بي بي)، وبنك يو بي إس، وكان يُعرَف بأفكاره الخلَّاقة، لكنه حظِيَ أيضًا باحترامِ الدائرة الداخلية الضيقة لمؤسسة الحكم السويسري، وهذا خليط من المزايا نادرًا ما يتوافر في شخصٍ واحد. كان شميدهايني مهندسًا موهوبًا أكثر منه مديرًا عامًّا، وكان يفضِّل أن يسمح للآخرين بأداء العمل واستقطاب الأضواء والشهرة لأنفسهم، وفي المقابل كان حايك — الذي يعشق الوقوفَ تحت الأضواء — وشميدهايني ثنائيًّا غريبًا ولكنه متجانس كليًّا.

في البدايات، كان شميدهايني معارِضًا لفكرة الاستثمار في صناعة الساعات السويسرية، فبحكمِ كوْنِه عُضوًا في مجلس إدارة يو بي إس، كان كل ما شهِدَه في البنك خلال العقد الماضي عبارة عن عملياتِ شطبِ ديونٍ مستمرة ومتزايدة لهذه الصناعة، ولكنه بالرغم من ذلك كان مؤمنًا بحايك، وفي الوقت نفسه شعر أنَّ من واجبه المساهمة في إنقاذ أحدِ أهمِّ القطاعات الصناعية في سويسرا؛ ومن ثَمَّ وافَقَ على محاكاة حايك باستثمار ٢٠ مليون فرنك سويسري، ومساعدته على تشكيلِ نقابةٍ أو ائتلافٍ لرفع المبلغ إلى ١٢٠ مليون فرنك سويسري إضافي، لكنَّ إيجاد مستثمرين في صناعةٍ كان يبدو أنها قد عفا عليها الزمن، وفي مؤسسة تخسر الأموالَ بكميات هائلة ويُدِيرها رجلٌ لبناني ليست له أيُّ خبرةٍ في إدارة شركات صناعة الساعات؛ كانت مهمةً صعبة حتى على رجلٍ مثل شميدهايني، وعلى الرغم من ذلك تمكَّنَ الثنائي من إيجادِ بعض الأشخاص الذين وهبوهم ثقتَهم، مثل فرانس فاسمر الذي كوَّنَ ثروتَه في قطاع الإسمنت. لكن ذلك لم يكن كافيًا لإرضاء المصارف، فكان على حايك وشميدهايني أن يرفعا حصصَهما من ٢٠ مليون إلى ٤٠ مليون فرنك سويسري. كانت خطة حايك المُوفَّقة ترمي إلى السيطرة — بالاشتراك مع شميدهايني — على ٥١ في المائة من شركة وات هولدينج التي امتلكَتْ بدورها حصةَ الأغلبية في شركة إس إم إتش، وافق شميدهايني على التخلي عن القرارات المتعلقة بعمليات التشغيل والمسئولية لحايك، ومنذ ذلك الحين بات حايك يسيطر فعليًّا على الشركة، مع أن حصته لا تزيد عن ١٣ في المائة من أسهمها، وكان له مطلق الحرية لكي يَتفنَّنَ ويُبدِع.

أولى بوادر الانتعاش

بعد أن ضَمِن حايك السيطرةَ على مستوى ملكية الشركة، وجَّهَ اهتمامَه إلى تأمين السيطرة على مستوى التشغيل؛ وبذلك برز ثنائيٌّ غريبٌ آخَر قُدِّرَ له أن يقلب المعادَلةَ ويحقِّق النجاح؛ ففي عام ١٩٨٥، كُلِّفَ إرنست تومكيه بمهمةِ إعادةِ تنظيمِ علامةِ أوميجا أكبرِ مصدرٍ للخسائر في المجموعة، وما تبع ذلك كان بمثابة جرعةِ الدواء الشافية للعلامة التي كانت مجموعةُ ساعاتها مجزَّأةً ومتفاوتةَ المستوى، بدْءًا من الساعات الرخيصة وصولًا إلى ساعات الكرونومتر الفاخرة؛ قام تومكيه بتقليص عدد الموديلات التي تنتجها العلامة بشكل جذري، ولكنه لم يكتفِ بذلك، بل خفَّضَ الرواتب أيضًا، خاصةً بين صفوف أعضاء الإدارة؛ ممَّا أثار مسيراتِ احتجاجٍ في شوارع مدينة بييل، وأصبح تومكيه في عيون الجميع الرجلَ الشريرَ في المجموعة، لكن بعد مرور ١٨ شهرًا فقط، بدأت أوميجا تحقِّق أرباحًا من جديد؛ وبذلك نجح حايك وتومكيه في إسكاتِ أصواتِ المنتقدين، وأثبتا أن إعادةَ الهيكلةِ يُمكِن أن تحقِّقَ أهدافها.

figure
«رجل سواتش» نيكولا جورج حايك (١٩٢٨–٢٠١٠).

ويعود جزءٌ من نجاح هذا المشروع إلى الديناميكية الفريدة من نوعها لحايك وتومكيه معًا، كان حايك مهاجرًا لبنانيًّا لامعًا، وكان يعتنق الأرثوذكسية اليونانية، وكان من الصعب إيجادُ شخصيةٍ أكثرَ اختلافًا عن شخصية المدير التنفيذي السويسري النموذجي الذي تلقَّى تدريبَه الأساسي في الجيش السويسري، وكان تومكيه رجلًا سويسريًّا متأصِّلًا من مدينة جرينشن، وكان حايك مستشارًا يشعر بأكبرِ قدرٍ من الارتياح عند التعامل مع المفاهيم النظرية، وكان تومكيه قد تدرَّبَ بصفته ميكانيكيًّا على آليات الساعة في إيتا؛ أكبرِ شركةٍ لتصنيع المكونات، وكان يَعرف كلَّ مكوناتِ الساعة عن ظهر قلب، كما أن مسيرته لم تكن تقليدية؛ فبعد أن تابَعَ تدريبًا مخصَّصًا عادةً للطلاب ذوي التفكير العملي المهتمين بالعمل في المِهَن الحرة، درس الفيزياءَ والطبَّ في معهد الدراسات التقنية العليا في زيورخ، وتأهَّلَ بصفته طبيبًا. لم يكن أيٌّ من الرجلَيْن يُولي اهتمامًا بالتسميات والألقاب ولا بسُلَّم الرُّتَب الهرمي على الطريقة العسكرية، وكان حايك شخصًا مُبدعًا ومختلفًا عن المعتاد ومتحمسًا بلا حدود، كما كان بارعًا في مجال التسويق، وكان تومكيه يتحلى بجميع الميزات السويسرية لمُواجَهةِ المشكلات بجدية إلى جانب العبقرية والحَدْس الإداري والقدرة على التعامل مع الشركات الكبرى (هذه نقطةُ قوةٍ افتقر إليها حايك). وكما منح شميدهايني حايك الثقةَ وحريةَ التصرف، أعطى حايك بدوره تومكيه مفاتيحَ القيادةِ لينطلق في تشييد الصَّرْح، كانت العلاقةُ التكافلية بين الرجلين أساسًا لتشكيلِ فريقِ عملٍ قوي؛ فكان حايك يبتدع الرؤى والأفكار، وكان تومكيه يحقِّقها على أرض الواقع، حتى لو أن هذه العلاقة لم تستمر إلى الأبد.

فجأةً ظهرت ساعة سواتش

في خضمِّ الاضطرابات الناتجة عن الأزمة، رأى مُنتَج جديد النور، واعتُبِرت ولادته في وقتٍ لاحق بمثابةِ عودةِ الحياة لقطاع صناعة الساعات؛ كان هذا المُنتَج، الذي فاجَأَ العالم على حين غفلة وأنقذ صناعة الساعات السويسرية، يُسَمَّى «سواتش».

هناك عدة روايات مختلفة عن كيفية صنع ساعات سواتش، ومَن هو المسئول حقًّا عن إنشائها، إلا أن الاعتقاد السائد حاليًّا في سويسرا وفي عالم صناعة الساعات هو أن حايك هو الذي اخترع سواتش، لكن ذلك غيرُ صحيح.

الحقيقةُ أن النجاح غالبًا ما يَتبنَّاه «آباء كثيرون»، ليس هنالك أدنى شك في أن دعم حايك للمشروع في مرحلته النهائية الحَرِجة كان أمرًا حيويًّا وحاسمًا، ولكن ما يُستخلَص من مُقابَلاتٍ أُجْرِيَت مع أعضاء مجلس الإدارة السابق والمساهمين والذين عملوا في فريق المشروع يَشي بأن القصة في الواقع تختلف تمامًا عن تلك المُدرَجة في سجلَّات تاريخ سواتش، ويُعزَى جزءٌ من هذه المعلومات الخاطئة إلى انعدام الشفافية؛ إذ إن تطوير سواتش كان مُحاطًا بالسرية التامة، وكان هناك شخصان فقط خارجَ شركة إيتا على علمٍ بمشروع سواتش، وهما: هانس سومر، وبيتر رينجلي.

كان تومكيه — الذي التحق بسواتش قبل حايك بأربع سنوات — قد واجَهَ فيضًا من الانتقادات والشكاوى من طرفِ الزبائن الأمريكيين، في أواخر السبعينيات، بأن الساعات السويسرية كانت سميكةً وباهظةَ الثمن؛ وبذلك بدأت تتناقص بسرعةٍ حصتُها من السوق لصالح الساعات الأقل سمكًا والأدنى سعرًا التي تنتجها الشركات المنافِسَة اليابانية مثل سايكو وسيتيزن. وكان جيري جرينبيرج — الرئيس التنفيذي لشركة كونكورد وأحد كبار مشتري آليات الساعات السويسرية — قد هدَّدَ باللجوء إلى مورِّدي آليات الساعات اليابانية ما لم يتمكَّن المورِّدون السويسريون من تسويةِ وضْعِهم وتصحيحه. بدأ تومكيه حملة منافسة داخلية بهدفِ تقليصِ سماكة الساعات إلى مستوًى يقلُّ عمَّا هو عليه في الساعات اليابانية، وجاء أفضلُ اقتراح من موريس جريم الذي أتى بتقنيةٍ تعود إلى براءةِ اختراعٍ قديمة أتاحت تركيبَ آليةِ الحركة مُباشَرةً داخل علبة الساعة، وأزالَتْ بذلك الحاجةَ لتغليف الآلية قبل تثبيتها في علبة الساعة.

مولود جديد يخرج من رَحِم ديليريوم

في شهر يناير من عام ١٩٧٩ — أيْ بعد ستة أشهر فقط من بداية مشروع ديليريوم — ظهرت ساعةٌ إلكترونية جديدة كليًّا لا يتعدَّى سُمْكها ١٫٩٨ مليمتر، وسُوِّقتْ تحت ثلاث ماركات مختلفة هي كونكورد وإتيرنا ولونجين، وقد سجَّلَتْ هذه الساعةُ الجديدة رقمًا قياسيًّا لكونها الساعةَ الأقلَّ سُمْكًا في العالم، وهذا ما أعطى دفعًا هامًّا لجهود صناعة الساعات الرامية إلى استعادة سمعتها ومكانتها الرائدة في مجال التكنولوجيا، لكن ذلك لم يحلَّ مشكلةَ الخسارة المستمرة من حصتها في السوق، وما رافَقَها من تقلُّصٍ مُتزايِدٍ لم يسبق له مثيلٌ في أعداد الساعات المباعة؛ ولذلك طلب رينجلي من تومكيه أن يدرس إمكانيةَ إنتاجِ ساعات بتكلفة منخفضة وهامشِ ربحٍ عالٍ باعتماد التكنولوجيا التي استُخدِمت في ساعة ديليريوم تحت علامة سرتينا، التي كانت آنذاك تواجِه بدورها صعوباتٍ ماليةً جمَّة.

figure
أُدرِج اسم سواتش في موسوعة جينيس للأرقام القياسية في عام ١٩٨٤ لساعتها العملاقة التي يبلغ طولها ٥٣٠ قدمًا، وتَزِن ١٣ طنًّا، وتزين المكتب الرئيسي لكومرس بنك في فرانكفورت، ألمانيا.

خلال اجتماعٍ سريٍّ خاص بشئون التطوير في شهر مارس من عام ١٩٨٠، وضع تومكيه — بصحبة فريق الإدارة المرافِق له — اللمساتِ الأخيرةَ على مواصفاتِ ساعةٍ جديدة كليًّا؛ وبذلك ظهرت «سواتش» إلى حيِّز الوجود. عند بداية العمل لم يكن قدامى المهندسين يؤمنون بالمشروع، إلا أن مهندسَيْن شابَّيْن هما جاك ميلر وإلمار موك تَولَّيَا تحقيقَ هذه المهمة الصعبة. طلب تومكيه قرضَ ائتمانٍ قيمته ٣ ملايين فرنك سويسري لإطلاقِ حملةِ تسويقٍ اختبارية لساعة سواتش في الولايات المتحدة، وكان ذلك بعد فترة وجيزة من عملية إدماج شركتي أسواج وإس إس آي إتش، في وقتٍ كانَ فيه رأسُ مال الشركة شحيحًا وتجدر المحافظة عليه. كان مجلس إدارة الشركة يعتبر أن صناعة ساعة من البلاستيك هو أمرٌ صعب المنال، وفي أحسن الأحوال هو مشروع طَمُوح لا يستحق المجازفة، لكن على الرغم من ذلك، انتهى المجلس إلى منح «مُوافَقة استثنائية»؛ نظرًا إلى أن الشركة كانت في وضعٍ مالي وحالةٍ عامة يُرثَى لها.

وفي عام ١٩٨٢ خرجت أولى ساعات سواتش من خطِّ إنتاجٍ آليٍّ جديدٍ كليًّا كان قد بُنِيَ في مدينة جرينشن، كانت المشكلة أن لا أحد — على الأقل في الولايات المتحدة واليابان — كان يرغب في شرائها، ولكن — في الوقت نفسه — أظهرَتِ الدراساتُ أن هذا المُنتَج الجديد يُلاقِي قبولًا أكبرَ في أوروبا؛ ولذلك قُرِّر إطلاقُ ساعة سواتش في سويسرا وألمانيا في أوائل عام. وبعد تحسين التصاميم لمجموعة الساعات المَبِيعة في أوروبا، ارتفعَتْ مبيعاتُ ساعات سواتش على الفور بشكلٍ مذهل، حتى إن الشركة لم يَعُدْ في استطاعتها مُواكَبةُ الطلب، إلا أن حجم المبيعات في الولايات المتحدة واليابان ظلَّ محبطًا.

التسويق يحقِّق الهدف

جاء الانفتاح المفاجئ في سوق الولايات المتحدة نتيجةً لاجتماعٍ بين مارفين تراوب صاحبِ متجر بلومينجدايل في مدينة نيويورك، وماكس إيمجروث مديرِ فرعِ سواتش في الولايات المتحدة، كانت نصيحةُ تراوب أن ساعة سواتش يجب أن تُقدَّمَ للسوق بصفتها واحدةً من منتجات الموضة، أو نمطَ حياةٍ جديدًا وليس مجرد ساعة لمعرفة الوقت، كما نصح أن تُغيَّرَ جميعُ تصاميم الساعات — مثل الملابس — كلَّ ستة أشهر؛ كان من الصعب على السويسريين هضْمُ فكرةِ تغييرِ الساعات بتغيُّر المواسم؛ لأنهم تعوَّدوا على تناقُل الساعات من جيلٍ إلى آخَر وليس على تبديلها بين الموسم والآخَر.

figure
جون روبرت، بطل سواتش الخفي، الذي أعادت تصاميمُه الشهيرة الحياةَ إلى صناعة الساعات السويسرية المتهالِكة، من خلال التركيز على الموضة بدلًا من مجرد معرفة الوقت.
figure
بعض نماذج ساعات سواتش الأكثر مبيعًا خلال ثمانينيات القرن الماضي: «رافلد فيزرز»، «تونجا»، «سانت كاثرين بوينت»، و«كورال جيبلز».

عمل تومكيه بنصيحة تراوب، ولهذا الغرض التقى بصديقه بلتازار ماير؛ صاحب العلامة التجارية «فوجال» وموزِّع جوارب نسائية سويسري ناجح للغاية. نصح ماير صديقه تومكيه بالعمل مع المصمِّم المستقل الموهوب الذي يتعامل معه وهو جون روبرت. كان روبرت من مواليد مدينة لا شو دو فون، أحد المراكز التاريخية لصناعة الساعات السويسرية، وكان السبب الذي دفع تومكيه لمقابلته هو أن المصمِّم المذكور كان قد ساعَدَ على تحويل علامة «فوجال» من مورِّد للملابس الداخلية النسائية العملية إلى ملابس داخلية ذات تصاميم أنيقة ومثيرة. كانت جوارب فوجال الطويلة متوافرةً بمجموعةٍ واسعة من التصاميم الجميلة والألوان الأخَّاذة، وتُباع بهوامش ربح كبيرة جِدًّا؛ لأن النساء كُنَّ على استعدادٍ لدفْعِ أسعارٍ مرتفعة للتشبُّه — ولو قليلًا — بالعارضات الأنيقات في واجهات المحلات. لم يكن اللقاءُ الأوَّل الذي جمع تومكيه مع روبرت جَيِّدًا؛ فقد فسَّرَ تومكيه لروبرت أن سواتش تحتاج فقط إلى تحسين ألوانها، لكن روبرت انتهى إلى إقناع تومكيه بأنه يجب أن يغيِّرَ أسلوبَ تصميمِ ساعات سواتش وعلب تغليفها وطريقة بيعها بشكلٍ يناسب كلَّ شريحةٍ من الزبائن بمفردها، ويجب أن تُصمَّم ساعات مختلفة، منها ما يستهوي ذوي الذوق الكلاسيكي مثلًا، وأخرى للرياضيين، وساعات تتماشى مع صيحات الموضة في حينها، وأخرى تُخصَّص لفكرة معينة. حصل روبرت على موافقة تومكيه، وجنبًا إلى جنب مع إيمجروث، بدأ العمل على تصاميم أوجه الساعات والأساور وعلب التغليف وطريقة العرض في المتاجر، وسرعان ما تَوطَّدَتِ العلاقةُ بين روبرت وإيمجروث، ومعًا أنتجَا ٣٥٠ تصميمًا في غضون خمس سنوات، كما بِيعَ أكثر من مائة مليون ساعة خلال هذه الفترة.

عشرة ملايين ساعة في عشر سنوات

من المؤكد أن سواتش كانت بمثابة القُبلة التي أعادت الروح لكيان صناعة الساعات السويسرية المُنهكة. وفي عام ١٩٨٢ أُطلِقت حملة اختبارية لتسويق سواتش في تكساس، وفي العام التالي أُطلِقت في أوروبا، وبعد ذلك بوقتٍ قصير في كل أنحاء أمريكا الشمالية، وبحلول عام ١٩٨٥ كان قد صُنِع ١٠ ملايين ساعة، وارتفع هذا العدد إلى ٥٠ مليون ساعة بحلول عام ١٩٨٨، وفي ذروة نجاح سواتش كان محبُّوها يصطفُّون لساعاتٍ طويلة للحصول عليها، ويذهب بهم الأمر حتى إلى النوم طوالَ اليومِ أمام المتاجر بانتظار الحصول على التصاميم الجديدة. وفي عام ١٩٩٢ عندما وصلت مبيعات سواتش إلى ١٠٠ مليون ساعة، أصبح حايك يُعرَف بلقب «رجل سواتش». استمرَّت المبيعات بالازدياد بشكلٍ متواصل، وبحلول عام ١٩٩٦ كان مجموع المبيعات التراكمي قد فاق ٢٠٠ مليون ساعة، وكان حايك يحرص على الظهور في الأماكن العامة وهو يرتدي في كل معصمٍ ثلاث أو أربع ساعات سواتش، كما كان يشرح نظريةً تبيِّن أهميةَ جمالِ التصاميم في التأثير على مزاج المستهلكين.

في عام ١٩٩١ قامت سواتش بتقديم إنجازٍ جديد، فأطلقَتْ ساعة ميكانيكية تُعبِّئ نفسها تلقائيًّا، وكان ظَهْر الساعة شفَّافًا يتيح رؤيةَ عملِ الآلية مباشَرةً، وهو إبداعٌ جديدٌ قُلِّدَ بعد ذلك على نطاقٍ واسع حتى في أثمن الساعات وأفخرها، وبما أن جيلًا شابًّا من جامِعِي ساعاتِ سواتش قد اكتشفوا من جديدٍ شغفَهم بجمعِ الآلات الميكانيكية، بَدَا من الواضح أن للساعات الميكانيكية مستقبلًا واعدًا طويلًا. وأجملُ ما في هذه القصة — على الأقل من وجهةِ نظرِ شركة سواتش — هو أن تكنولوجيا البلاستيك بالغةُ التعقيد وباهظةُ التكاليف بشكلٍ يجعل تقليدَها مُتعذرًا، وخاصةً من قِبَل اليابانيين.

ومثل هذا التغيير في السوق لم يكن ليتنبَّأ به إلا قلة قليلة من الناس في خِضَمِّ ثورة الكوارتز، وقد تبيَّنَ أن أيام الساعة الميكانيكية لم تنتهِ بعدُ، فعلى عكس ذلك، شهدت الثمانينيات بدايةَ انتعاشٍ في سوق الساعات الميكانيكية الفاخرة، وتزايَدَ عليها الطلبُ عامًا بعد عامٍ منذ تلك الفترة.

الساعة الكلاسيكية تعود بقوة

في البداية أدَّت أزمةُ الكوارتز إلى انخفاضِ أسعارِ الساعات الميكانيكية الفاخرة المميزة؛ ممَّا حَدَا بعض جامعي الساعات البعيدي النظر إلى المُساوَمة للحصول عليها بأسعارٍ متدنية، إلا أنه سريعًا ما بدأ الاهتمامُ بهذه الساعات ينتعش من جديد، خصوصًا بعد ظهورِ عددٍ متزايدٍ من الكتب والمجلات التي تناولت هذا الموضوعَ في أوروبا والولايات المتحدة، وأُنشِئَ مزاد «أنتيكوروم» العلني في جنيف عام ١٩٧٤ ليكون صلةَ الوصل بين المتداوِلين في تجارة الساعات التاريخية القيِّمة. وخلال الثمانينيات أُعِيدَ إطلاقُ عددٍ متزايدٍ من الماركات التي بَدَا أنها باتَتْ في طيِّ النسيان، ومن أهمها: بلان بان وأي لانج آند سون. أمَّا بخصوص ماركة بلان بان، فكان مديرٌ سابق لدى أوميجا يُدْعَى جون كلود بيفر وشريكُه جاك بييجيه قد اشترَيَا حقوقَ العلامةِ التجارية من شركة إس إس آي إتش بمبلغ ١٦ ألف فرنك سويسري فقط في عام ١٩٨١.

وانطلاقًا من هذه القاعدة الصغيرة — ولكن المتنامية بين هواة جمع الساعات — كان من المُحتَّم تقريبًا أن ينمو الاهتمام بالساعات الميكانيكية الكبيرة، التي كلما زادت تعقيدًا ازداد عليها الطلب في سوقٍ أوسعَ وأكثرَ أهميةً بين صفوف الرجال الطموحين والأثرياء الجُدُد. وتُعتبَر هذه الساعات مثاليةً بصفتها رمزًا للمكانة الاجتماعية للذين يفخرون بالرجولة والقيادة؛ لأنها ظاهرةٌ للعِيان، وفي نفس الوقت تدلُّ بوضوحٍ على قيمتها العالية.

وليس من قبيل المصادفة أن نشرت مجلة فاينانشال تايمز — خلال العقدين الماضيين — موجةً كبيرة من إعلانات الساعات الفاخرة في ملحقها تحتَ عنوانِ: «كيف تنفق مالك على السلع الفاخرة».

والآن الكل يريد ساعة سواتش

ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى التحَقَ كبارُ اللاعبين في قطاع الساعات والسلع الفاخرة بالرَّكْب، لا بل أصبحوا أيضًا في الطليعة، ففي عام ١٩٩٩ اشترى حايك شركةَ بريجيه التي تُعتبَر اليومَ الماركةَ الأكثرَ أرستقراطيةً بين ماركات مجموعة سواتش، وفي العام التالي دفعَتْ شركةُ سواتش مبلغَ ٥٠ مليون فرنك سويسري لشراءِ ماركةِ بلان بان، كما استحوذت كذلك على جلاشوت أوريجينال. وفي نفس العام كانت شركة لويس فيتون ومويه وهينيسي — وهي ماركة للسلع الفاخرة — قد أسَّسَتْ قسمًا للساعات في مدينة لا شو دون فون، واشترت شركةَ تاج هوير وآيبل وكريستيان ديور (بعد ذلك أُضِيفت ماركات زينيث وشوميه وهوبلوت). وفي عام ٢٠٠٠ اشترت شركة ريتشمونت، وهي شركةٌ منافِسة لشركة لويس فيتون ومويه وهينيسي، ماركات أي لانج آند سون وآي دبليو سي ووييجر لوكولتر التي كانت آنذاك في ملكية فودافون نتيجةً لعملية دمج شركة الاتصالات مع شركة مانيسمان.

وحاليًّا — باستثناء رولكس وباتيك فيليب — فإن معظم الأسماء الشهيرة تملكها أكبر ثلاث مجموعات للسلع الفاخرة في العالم، وهي سواتش وريتشمونت وشركة لويس فيتون ومويه وهينيسي، ويقوم مقرُّ اثنين منها في سويسرا، وفي حين أن نشاط مجموعة سواتش يقتصر تقريبًا على إنتاج الساعات والمجوهرات، تتضمن مجموعة منتجات ريتشمونت سلعًا فاخرةً أخرى، مثل ملابس آخِر صيحات الموضة والإكسسوارات، أمَّا بالنسبة لمجموعة لويس فيتون ومويه وهينيسي فالساعات لا تتعدَّى كونها مجردَ مُنتَج ثانوي، إلا أن التآلُف في هذه المجموعات الكبرى يُظهِر مدى قدراتِ التسويق الهائلة الضرورية لدعم ماركات الساعات الفاخرة، واليومَ لم يَبْقَ سوى عددٍ قليل فقط من الماركات المستقلة التي تُدِيرها شركاتٌ عائلية، ومنها: باتيك فيليب (عائلة ستيرن)، وشوبار (عائلة شويفيليه)، وبرايتلينج (عائلة شنايدر)، وأوديمار بييجيه وإتيرنا (بورشيه ديزاين)، وجيرار بيريجو (عائلة ماكالوزو)، ومونداين (عائلة بيرنهايم)، وأوريس ورايموند فايل وأوليسه وناردين (عائلة الراحل رولف شنايدر).

كل آفاق النمو تكمن في الشرق

لا شكَّ هناك حول محور اهتمام الشركات التي تلعب دورًا هامًّا في صناعة الساعات، فعدد سكان العالم قد تضاعَفَ منذ عام ١٩٧٠ ليبلغ ٦٫٨ مليارات نسمة، ومن المتوقَّع أن يصل إلى ٩ مليارات نسمة خلال السنوات الأربعين القادمة، وسيكون معظم هذا النمو في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وتشكِّل الأسواق الناشئة حاليًّا نسبة ٤٤ في المائة من دخول سواتش و٣٧ في المائة من مداخيل ريتشمونت، كما أن المبيعات تنمو بمقدار ثلاثة أضعافِ نموِّها في أسواق البلدان المتقدمة. ومثالًا على ذلك، تُصنَّف حاليًّا رولكس-هونج كونج ثانيَ أكبرِ موردٍ للساعات ﻟ «كازينو ويين في منطقة ماكاو»، وهو أكبر وجهة تسوُّق في آسيا للذين يرغبون في التمتع بإنفاق الكثير من الأموال في مُجمَّع المتاجر الذي سُمِّيَ على اسم الشركة التي شيَّدَتْه. وبحسب تقارير مجلة إيكونوميست، فمن المرجَّح أن تكون الصين ثانيَ أكبرِ سوقٍ استهلاكية — بعد الولايات المتحدة — للسلع الفاخرة ابتداءً من عام ٢٠١٥، وفي الصين تُشترَى السيارات بأعدادٍ أكبرَ من أي مكانٍ آخَر في العالم، ومن المرجح أن يكون الأمر مُماثِلًا بالنسبة إلى الساعات الفاخرة في بلدٍ يُفضِّل فيه الرجل الشاب أن يذهب إلى عمله وهو يقود سيارته الجديدة من نوع بي إم دبليو، بالرغم من أن ذلك يستغرق أربعةَ أضعاف الوقت الذي تستغرقه وسائلُ النقل العامة؛ فهذا الشابُّ في حاجةٍ إلى أن يتباهى بسيارته، وأن يضع على رأسه سماعاتٍ من ماركة آبل يربطها بهاتفٍ جوَّالٍ رخيصِ الثمن يضعه في جيبه ليبدو كأنه يحمل هاتفًا جوَّالًا من نوعِ آي فون، ومن الواضح أن العديد من المستهلكين الصينيين يحرصون على امتلاك الأشياء القيِّمة ليؤكدوا نجاحَهم ويُظهِروا ثراءَهم، وبالنسبة إلى الكثيرين فإن هذا النمط آخِذٌ في الانتشار ليصبح في متناول الجميع.

تُشغِّل اليومَ صناعةُ الساعات السويسرية حوالي ٤٠ ألف شخص بالمقارنة مع ٩٠ ألف شخص في ذروتها خلال الستينيات قُبيلَ نشوءِ أزمة الكوارتز، وقد دفعت علامةُ بريجيه مؤخرًا مبلغ ٨٠ مليون دولار أمريكي لكي تضاعف تقريبًا طاقتها الإنتاجية، كما استثمرت أوميجا مبلغًا يتعدَّى هذا الرقم، ووظَّفت سواتش ١٥٠٠ عاملٍ إضافي في سويسرا، وشركة يونيفيرسو المتخصصة في صناعة عقارب الساعات ضمن مجموعة سواتش — التي تُعتبَر مؤشرًا رئيسيًّا جَيِّدًا لتحديدِ مَعالِم اتجاهِ سَيْرِ الصناعة — ما زالت تكافح لتلبية الطلب الكبير على مُنتَجاتها بالرغم من أنها قد وظَّفَتْ ١٨٠ عاملًا إضافيًّا في عام ٢٠١٠.

السويسريون يهيمنون مجددًا على صناعة الساعات

تبلغ قيمة صادرات الساعة السويسرية ١٨ مليار فرنك سويسري؛ مما يجعلها ثالثَ أهمِّ قطاعٍ للتصدير بعد القطاع الصيدلي وقطاع الآليات، غير أن هذا الرقم الإجمالي يُخفِي في طيَّاتِه اختلافًا هامًّا بين صناعة الساعات في سويسرا ومثيلاتها في البلدان الأخرى؛ ففي عام ٢٠٠٨ صدَّرت سويسرا أقلَّ بقليلٍ من ٢٦ مليون ساعة جاهزة، وخلال العام نفسه صدَّرت الصين ٥٥٠ مليون ساعة، غير أن متوسط سعر الساعات الصينية بلغ ٢ فرنك سويسري، في حين كان متوسط سعر الساعات السويسرية ٦٠٠ فرنك سويسري؛ وفي فئة الساعات الفاخرة، أنتجت سويسرا ٤٫٣ ملايين ساعة فقط، إلا أن قيمتها شكَّلت نسبة ٧٠ في المائة من مجموع صادرات الساعات، ومن الجدير بالذكر أن ٩٥ في المائة من الساعات الفاخرة التي يتجاوز سعرُ الواحدة منها ١٠٠٠ فرنك سويسري تُنتَجُ كليًّا في سويسرا.

لقد قطع صانعو الساعات السويسرية شوطًا بعيدًا في مسيرةٍ كانوا في بدايتها مجرَّد صانعي ساعات مجهولين يعملون لصالح شركات تجزئة لعلامات تجارية معروفة، وبعد أن استثمر هؤلاء الصانعون في حرفتهم وطوَّروا علاماتهم التجارية الحصرية وصقلوها بعنايةٍ على مدى سنوات عديدة، باتوا الآن يميلون بشكلٍ متزايد إلى امتلاك قنوات توزيع المنتجات لعملائهم، أو السيطرة عليها على الأقل. على سبيل المثال، تنتج شركة ييجر لو كولتر ٥٥ ألف ساعة فخمة في السنة، ولديها حاليًّا ٣٥ متجرًا حول العالم تبيع فيها حصريًّا ساعات ييجر لو كولتر (١٥ من هذه المتاجر تملكها الشركة، والباقي تسيطر عليه من خلال عقودِ امتياز)، وفي شانغهاي وحدها هناك ثلاثةُ متاجر مختلفة يمكن للعملاء الاختيار من بينها، وكذلك تبيع مجموعة سواتش نسبةً متزايدةً من ساعاتها عبر متاجر تملكها بالكامل، وهذا يتطلب استثمارات أكبر في العقارات والمخزونات والرواتب، إلا أن التوجه السائد بين ماركات الموضة الراقية لإنتاجِ ساعاتٍ خاصة بها يُشكِّل تهديدًا لصانعي الساعات السويسرية، وقد بدأت ماركات مثل بولجاري ورالف لورين وزينيا والعديد من الماركات الأخرى تستهدف بيع الساعات؛ لأنها تجارةٌ مربحة وامتدادٌ لنشاطٍ من شأنه تقويةُ وتعزيزُ علاماتها التجارية القيِّمة (عقد رالف لورين اتفاقَ ترخيصٍ مع مجموعة ريتشمونت لهذا الغرض في عام ٢٠٠٩)، ولكنه من السابق لأوانه معرفة إلى أيِّ مدًى ستنجح هذه العلامات التجارية المعروفة في التأثير على أذواق العملاء التقليديين وتفضيلهم للساعات السويسرية.

صناعة سويسرية متكاملة

حتى الآن لا يزال صانعو الساعات السويسرية يحتفظون بميزةِ تفوُّقٍ على مستوى التكامل الرأسي في عملية الإنتاج؛ ذلك أنهم يصنعون بأنفسهم آلياتِ الحركةِ الميكانيكية لساعاتهم بدلًا من شرائها من الغير، ويُظهِر الرسمُ البياني على الصفحة التالية نِسَبَ الآليات الميكانيكية المُنتَجة داخل مصانع الشركات المحلية مُقارَنةً بتلك التي تُشترَى.

سوقان لصناعة واحدة

يعود الفضل في نجاح صناعة الساعات السويسرية اليومَ إلى العامِلَيْن التالِيَيْن:
  • قدرة صانعي الساعات السويسريين على كسبِ حصصٍ كبيرة في أسواقٍ يرتادها متابعو صيحات الموضة، وهو تطوُّر لا مفرَّ منه في عالَمٍ أصبحت فيه دقةُ الساعات أمرًا مُسلَّمًا به لدى المستهلكين ولا يكلِّف سوى القليل.

  • النمو الهائل في الطلب على الساعات الميكانيكية الفاخرة.

figure

ويوضِّح هذان العاملان نقاطَ قوةِ الصناعات السويسرية ومواقع ضَعْفها، ففي الأسواق العامة التي تنقاد وراء صيحات الموضة الجديدة تكون المبيعات عُرْضةً للتغيُّرات الآنية في المزاج ويُمكن للمنافسين استغلالها، أمَّا سوق السلع الفاخرة فتشهد تحسُّنًا كبيرًا في النوعية والمهارات، وبذلك يصبح وُلوجُها أكثرَ صعوبةً. ومن الملاحَظ في السنوات الأخيرة أن المصنِّعين على نطاقٍ واسع في اليابان وفي أماكن أخرى من آسيا قد أظهروا أنهم قادرون أكثرَ فأكثرَ على استقطابِ شرائحِ المهتمين بالموضة في السوق العالمية؛ ومن ثَمَّ فإن مكانة سواتش الرائدة في صناعة الساعات في الفئة ذات السعر المتوسط ليست مضمونة.

وفي المقابل، فإن اعتماد صناعة الساعات السويسرية على سوق السلعة الفاخرة لتصدير أغلب منتجاتها يجعل هذا القطاع سريعَ التأثُّر بالتقلُّبات في الاقتصاد العالمي، وتُعتبَر مجموعة سواتش أكثرَ عُرْضةً للتأثُّر من غيرها بالتغيُّرات المُحتمَلة في سعرِ صرفِ الفرنك السويسري مقابلَ العملات الأجنبية؛ إذ إن ٨٢ في المائة من مبيعاتها تتم في الخارج، في حين أن قرابة ٨٠ في المائة من تكاليفها تُدفَع بالفرنك في سويسرا.

هل سيستمر الطلب على ساعات اليد؟

هناك أيضًا بعض الأسئلة الأكثر تعمُّقًا بخصوص مدى استمرارية الطلب على ساعات اليد التي تُعتبَر أهم مُنتَج تعتمد عليه صناعة الساعات في سويسرا. ففي تسعينيات القرن الثامن عشر — عندما كان بريجيه بصدد تطوير تكنولوجيا من شأنها تحويلُ طريقةِ صنع الساعات — كانت آنذاك فكرة وضع ساعة على المعصم لا تخطر على بال، وليكن هذا بمثابة تحذير، فلربما يُعيد التاريخ نفسه. فقد أشار كين روبنسون مؤخرًا — وهو خبير بريطاني في تعليم الشباب — أن هناك عددًا قليلًا وحسب من الشباب دون ٢٥ عامًا يرتدون ساعات يد، وقد علَّق على ذلك بقوله: «ما الفائدة من حمل أداة ليس لها سوى وظيفة واحدة؟» بالرغم من أن التوقعات المستقبلية للساعات السويسرية الفاخرة تبشِّر بوضعٍ قويٍّ وصلبٍ نظرًا للنمو الديموغرافي الهائل المتوقَّع حدوثه في البلدان ذات الكثافة السكانية العالية مثل الهند وإندونيسيا والبرازيل وتركيا، يبقى أن يحمل المستقبل بين طيَّاته كشْفَ ما إذا كانت هذه المجتمعات ستختار طريقةً مختلفة لقياس الوقت.

أكبر شركات صناعة الساعات السويسرية في ٢٠١١.*
١٩٥٠ ١٩٧٠ ١٩٨٠ ٢٠٠٠ ٢٠١١
شركة ريتشموند (١٩٨٨)
العائدات/مليون فرنك سويسري ٢١٧٦ ٤٧٠٨ ٨٢٧٠
عدد العمال الإجمالي ١٠٣٩٠ ٢٢٦٠٠
عدد العمال في سويسرا ٢٣٦٠ ٦٨٨٠
مجموعة سواتش (١٩٨٣)
العائدات/مليون فرنك سويسري ٢١٧٣ ٤٢٦٣ ٦٧٦٤
عدد العمال الإجمالي ١٤٢٥٠ ١٩٧٥٠ ٢٦٧٧٧
عدد العمال في سويسرا ٨٨٣٠ ١١٠٣٠ ١٣٩٥٤
يبيِّن الجدول الأرقامَ إذا كانت متوافرة، الأرقام مقربة إلى الأعلى أو الأسفل كما يلزم. (المصدر: مجلة فورتشن.)

ولكن ما يمكن الاعتماد عليه إلى حدٍّ بعيد، هو أن عدد الرجال المهتمين بشراء السلع الفاخرة يزداد باستمرار، والساعات تحتل المرتبة الأولى لديهم حتى قبل السيارات الرياضية، كما أن نسبة ٨٠ في المائة من مجموع الساعات المَبِيعة يشتريها الرجال، وعلى الرغم من أن ذلك ليس بالأمر الجديد نظرًا لأن صناعة الساعات سيطَرَ عليها الطابعُ الرجالي منذ نشأتها، فالمهم في الأمر بالنسبة إلى الصناعة السويسرية هو أن عدد الرجال المهتمين بالسلع الفاخرة في البلدان الآسيوية النامية يتزايد باستمرار.

قد تكون صناعةُ الساعات السويسرية قد دخلت حاليًّا في دورةٍ زمنيةٍ مماثلة لتلك التي عرفَتْها خلال سبعينيات القرن الماضي قُبَيْل أزمة الكوارتز، فهي تنتج كلَّ عام عددًا أقلَّ من الساعات بينما يرتفع متوسطُ أسعارها باستمرار، وبدراسةِ هذا التوجُّه دراسةً متعمقة يمكن الاستنتاج بأن في نهاية المطاف سيُنتَج عددٌ قليل من الساعات الفاخرة، كما ستعود صناعة الساعات إلى نقطة البداية حيث لن يبقى سوى عددٍ قليل من صانعي الساعات العباقرة الموهوبين الذين يُنتجون ساعاتٍ فاخرةً للنخبة الثرية في العالَم. فهل من الممكن أن تكون بذورُ الأزمة القادمة لصناعة الساعات السويسرية كامنةً في هذه الفترة المربحة التي نشهدها حاليًّا؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١