الفصل الخامس

الحسابات المصرفية المُرَقَّمة: أرباحٌ لا تُحصى

قيل إن فولتير قد صرَّح بالعبارات التالية: «إذا رأيتم مصرفيًّا سويسريًّا يُلقي بنفسه من النافذة، فالحقوا به، فلا بد أن يكون وراء ذلك ربحٌ وفير.»

في الواقع إن المصارف السويسرية مُربحة للغاية، خاصةً أنها تُدير أكثرَ من ربعِ ما يناهز ٧٫٧ ترليونات دولار أمريكي من الثروات الخاصة للأثرياء الذين يُودِعون أموالَهم خارج بلدان إقامتهم، ونتيجةً لذلك فإن قطاع الخدمات المالية (الخدمات المصرفية والاستثمارات البديلة والتأمين) هو أحد المكونات الكبرى للاقتصاد السويسري؛ إذ إنه يشكِّل نسبة ١١ في المائة من الناتج المحلي الإجمالي مقارَنةً بنسبةٍ من ٤ إلى ٦ في المائة في فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة، و٩ في المائة في المملكة المتحدة، وهناك ٣٢٠ مصرفًا تقريبًا في سويسرا، وهذا عددٌ كبير مقارَنةً ببلدانٍ أكبرَ حجمًا مثل كندا التي يبلغ عددُ سكانها أربعةَ أضعافِ عددِ سكان سويسرا، ولا يُوجد فيها سوى ١٠٠ مصرف، أغلبها دون أهمية تُذكَر.

***

تُعتبَر أغلب المصارف السويسرية عاديةً وغير جديرة بالاهتمام؛ فهناك فئةٌ كبيرة من الاتحادات الائتمانية الصغيرة، وبنوك الرهونات العقارية التي ترعاها الحكومة (مثل بنوك الكانتونات)، التي تُمارِس أعمالها وتضخُّ أموالها في الاقتصاد من خلال قبول الودائع وتوفير القروض برصانةٍ للشركات المحلية والأفراد، كما تلعب دور الوسيط في أسواق رأس المال. غير أن العنصر اللافت للنظر والاستثنائي لنجاح المصارف السويسرية هو ما يُعرَف بالخدمات المصرفية الخاصة، التي في الواقع ليست أعمالًا مصرفية إطلاقًا، إنما هي كما سمَّاها روَّاد مصرفيِّي سويسرا الناطقين بالفرنسية Gestion de fortune؛ أيْ «إدارة الثروات»، واليومَ تقوم المصارف السويسرية بإدارة ما يوازي ٥٫٥ ترليونات فرنك سويسري من الثروات،١ وتُحقِّق مداخيل تبلغ ٦٠ مليار فرنك سويسري تقريبًا؛ أيْ ما يوازي أرباحَ أكبرِ أربعِ شركاتٍ في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي: إكسون موبيل، ميكروسوفت، وول مارت ستورز، وبروكتر آند جامبل.

أموال طائلة

إن أهمية الخدمات المصرفية الخاصة بالنسبة إلى سويسرا تتعدى بكثير دورَها الأساسي في إدارة الأموال؛ فالتدفقات الضخمة لرءوس الأموال باتجاه مديري الثروات السويسريين قد ساعدَت على تمكين بعض المصارف السويسرية من النمو والتطوُّر بشكلٍ مذهل. وكالعديد من نظرائهم من الصناعيين، أدرك المصرفيون في البنوك السويسرية الكبرى — منذ بضعة عقود — أنهم يملكون عناصرَ القوة والموارد اللازمة التي تتيح لهم الانطلاقَ خارج حدود أسواقهم المحلية الضيقة والتنافسَ في جميع أنحاء العالم؛ أو بعبارة أوضح، ربما لم يكن لديهم خيارٌ آخَر؛ فمنذ الحرب العالمية الثانية، كانت تدفقات الثروات من أجل إدارتها في سويسرا أكبر من أن تستوعبها البلاد وحْدَها، ومع أن مبالغَ هذه الثروات لم تكن معروفةً تمامًا بسبب السرية التي كانت تحيط بالحسابات المصرفية آنذاك، فإنه — وبحسب مصدرٍ موثوق فيه — كانت سويسرا تُدير ما يقارب ١٩٫٨ مليار فرنك سويسري لعملائها الأثرياء خلال عام ١٩٤٥، واليومَ يبلغ هذا الرقم ٥٫٥ ترليونات فرنك سويسري؛ أيْ ما يعادل ١١ ضعفَ قيمةِ الناتج المحلي الإجمالي السويسري.

كانت هذه هي الخلفية التي نشأت فيها البنوك الثلاثة: كريدي سويس ويو بي إس وإس بي إس، وأصبحت من أهم المصارف الدولية ذات النشاط العالمي النطاق في النصف الثاني من القرن العشرين.٢ كانت هذه المصارف الثلاثة قد بدأتِ العمل عقب الحرب العالمية الثانية بصفتها بنوكًا تجاريةً لها شبكاتُ فروعٍ وطنية متشعِّبة، وأنشأت أقسامًا متخصِّصة لأعمال إدارة الثروات، وربما بسبب حجمها الكبير نسبيًّا، وشهرتها بالشفافية العالية لدى الزوَّار الأجانب في سويسرا، باتت هذه المصارف مُؤهَّلةً لتحصيل حصة «الأسد» من الثروات التي بدأت تتدفَّق على البلاد من أجل إدارتها.

إن تاريخ القطاع المصرفي الحديث في سويسرا يدور أساسًا حول الجهود الجبَّارة التي بذلها بنك يو بي إس وكريدي سويس إلى جانب عددٍ قليل من أكبر البنوك الناشطة في مجال الخدمات المصرفية الخاصة في سويسرا؛ من أجل شقِّ طريقها في السوق العالمية. وكان التحدي أمام هذه المصارف لا يقتصر على تعلُّمِ بعض الأساليب المتطورة جِدًّا لإدارة العمليات المصرفية فحسب، إنما كان ينبغي عليها أيضًا التأقلم مع القوانين والأعراف الدولية التي تتطلب شفافيةً أكثرَ بكثير من تلك التي اعتادت عليها هذه المصارف، لا سيَّما في مجال السرية المصرفية. وقد ارتُكِبت أخطاءٌ جسيمة في هذا المضمار بما فيها الخسارة المذهلة بمبلغ ٢٫٣ مليار دولار أمريكي، التي تكبَّدَها بنك يو بي إس في عام ٢٠١١ نتيجةَ تصرُّفاتِ مُتاجِرٍ لم يُراقَب عن كثب. ويعود الفضل في تجنُّب حدوثِ كوارثَ ماليةٍ إلى الأرباح الممتازة التي يحقِّقها قطاعُ إدارة الثروات، وإلى الموارد المالية الهائلة لسويسرا ككل.

أمَّا اليومَ، فيبدو أن على المصارف الكبيرة إعادةَ النظر في كيفية تثبيت مكانتها في مُواجَهة الظروف المضطربة السائدة حاليًّا في الأسواق؛ فمن ناحيةٍ تمكَّنَتْ هذه المصارفُ من الحفاظ على جاذبيتها الكبيرة لدى الأجانب الذين يبحثون عن ملاذٍ آمِنٍ لثرواتهم، ولكن من ناحيةٍ أخرى، باتَ قطاعُ إدارة الثروات يشهد منافسةً شديدة. كما أن توسُّعَ المصارف واندفاعها نحو الدخول في قطاع الاستثمار المصرفي العالمي الأشد تنافسيةً والأكثر تعقيدًا قد خلَّفَ نتائجَ متفاوتة.

مصارف أكبر من أن تفشل وأكبر من أن يتسنَّى إنقاذها

كان هناك أيضًا — ولا يزال — تحدٍّ آخَرُ يتمثَّل في قدرةِ المصارف على التكيُّف داخليًّا مع طبيعة البلد؛ فعلى عكس الصناعات الأخرى، إن النظام المصرفي في بلدٍ ما هو أكثرُ من مجرد مصدرٍ للعمالة والضرائب والأرباح؛ فهو بمنزلة القلب النابض للاقتصاد؛ إذ إنه يُدِير وينظِّم الانتقال الحيوي للأموال من المشترين إلى البائعين، ومن المستهلكين إلى المنتجين عبر التمويل التجاري والإقراض العقاري وتبادُل النقد الأجنبي والكثير من الخدمات الأخرى. وعلاوةً على ذلك، فهو النظام الذي تُنفَّذ من خلاله السياسة النقدية للبلاد. وباختصارٍ إن مسئولياتِ قطاعِ الخدمات المالية، والمخاطر المحتمَل أن تنجم عن فشله في تحمُّلها، هي أمورٌ غاية في الأهمية. كما أن مخاطر الفشل تتضاعف عندما يكون الوضع كما هو عليه في سويسرا وبعض البلدان الأخرى؛ أيْ عندما يكون لقطاع الخدمات المالية حصةٌ ضخمة في الاقتصاد الوطني؛ ففي ذروة الأزمة المالية الأخيرة، كان مجموع الأصول لدى أكبر مصرفَيْن سويسريَّيْن يوازي ٤ تريليونات فرنك سويسري، ولو حصل تدهورٌ بسيط في قيمة هذه الأصول بنسبة ٥ في المائة، فمن شأن ذلك أن يتسبَّب في خسارةِ مبلغ ٢٠٠ مليار فرنك سويسري؛ أيْ ما يعادل نصفَ الناتج المحلي الإجمالي السويسري. كما أن خسارة مبلغ ٢٠٠ مليار فرنك سويسري يمكن أن تؤدي إلى محو (أو خسارة) رأس مال المصارف المتواضع، الذي بالكاد يساوي جزءًا من أربعين من أصولها؛ ومن ثَمَّ سيُجبرها على الإفلاس.

وهذا بالضبط ما حصل لبنك يو بي إس في الأزمة المالية التي حصلت خلال عامي ٢٠٠٧ و٢٠٠٨؛ فلقد تبيَّنَ أن قيمة الكثير من أصول المصرف أصبحت أقلَّ بكثيرٍ مما كان في الحسبان؛ مما أجبر المصرف على شطب مبلغ ٤٥ مليار فرنك سويسري منها، وهذا ما أدَّى إلى تناقُصٍ رهيب في قاعدة رأس ماله، وجعله يواجِه خطرَ الإفلاس. لكن أهمية بنك يو بي إس بالنسبة إلى النظام المالي السويسري والاقتصاد بشكلٍ عام، جعلت البنك الوطني السويسري يقرِّر أنه لا مفرَّ من إنقاذه، كما جرت عمليات إنقاذ لمصارفَ كبيرة برعاية الحكومات في بلدانٍ أخرى. وعلى سبيل المثال لا الحصر: لويدس بنك ورويال بنك أوف سكوتلاند في المملكة المتحدة، وسيتي بنك في الولايات المتحدة، وهي عمليات أدت إلى عدمِ ارتياحٍ كبير في صفوف الاقتصاديين وصنَّاع السياسات العامة. ولقد تساءل مارفين كينج — محافظ بنك إنجلترا المركزي — في كلمةٍ ألقاها في عام ٢٠٠٩ ولقيت انتشارًا واسعًا: «إذا كان الاعتقاد السائد أن بعض المصارف أكبرُ من أن ينهار، فهي باختصار أكبر مما يجب أن تكون؟» وبكلماتٍ أخرى: إذا كان وضع البنوك الكبيرة حيويًّا وحاسمًا في الاقتصاد والنظام المالي لدرجةٍ لا يُمكن أن يُسمَح لها بالإفلاس، فهذا يعني — بكل بساطة — أن قواعد الانضباط الكلاسيكية التي تحدو بالسوق إلى إرغامِ مديري المصارف على توخِّي الحيطة والحذر لا تؤدي عملها؛ ومن ثَمَّ فالسؤال الذي يُثير قلقَ هيئاتِ التنظيم اليومَ هو: إذا كانت قوى السوق لا تؤدي عملها في الحفاظ على سلامة النظام الاقتصادي، فمن الذي سيقوم بذلك؟

مسألة السرية

هناك أيضًا سؤالٌ آخر غير مُستساغ بتاتًا بالنسبة إلى السويسريين، وهو موضوع السرية المصرفية. يعتبر العديد من الناس أن السرية المصرفية هي أعمالٌ غامضة في حساباتٍ مُرقَّمة تُخفِي وراءها الكثيرَ من أنواع المخالفات، بدءًا من فساد الحكَّام المستبدين، مرورًا بسرقة الممتلكات الخاصة والعامة خلال الحرب العالمية الثانية، وصولًا إلى التهرب الضريبي من طرف المواطنين الأثرياء وشتى أنواع الفساد حول العالم. ولقد دحضت الحكومة السويسرية هذه الصورة، فطلبت مؤخرًا من البنوك — بصفة مؤقتة — تجميدِ أصولٍ تابعةٍ لمعمر القذافي وقادةٍ آخَرين من أفريقيا والشرق الأوسط.

واليومَ، تهاوى صَرْحُ السرية المصرفية السويسرية المنيع لدرجةِ أنه لم يَعُدْ يشكِّل ميزةً استثنائية للخدمات المصرفية السويسرية؛ فقد فرضت جمعية المصرفيين السويسريين — منذ عام ١٩٧٨ — سياسةً شعارُها «اعرف زبائنك»، مُحذِّرةً المصرفيين أنه حتى لو تعلَّقَ الأمرُ بحسابٍ مُرقَّم، فعليهم معرفةُ هويةِ المُستفيد الرسمي من هذا الحساب. ومنذ عام ٢٠٠٤ أصبح هذا الشرط من المتطلبات التنظيمية التي تفرضها الحكومة، وفي عام ٢٠٠٩ تخلَّتْ الحكومة السويسرية عن التمييز بين الاحتيال الضريبي والتهرب الضريبي لأصحاب الحسابات المقيمين في الخارج (سابقًا لم يكن التهرب الضريبي عملًا جنائيًّا، ومن ثَمَّ لم يكن مُدرَجًا ضمن نطاق اتفاقيات التعاون مع الحكومات الأجنبية)، ولكن السرية المصرفية لا تزال حتى الآن تقليدًا سويسريًّا عريقًا، فحتى هذا اليوم، لا يُعرَف إلا القليل عن بعض الشركات السويسرية المشهورة ولكن المحاطة بسريةٍ كبيرة مثل شركة رولكس. ومنذ أقل من جيل من الزمن، شاعت مزحةٌ في مدينة بازل مُفادُها أن الأرقام الوحيدة التي يمكن رؤيتها في التقرير السنوي لشركة روش هي أرقامُ الأعوام. ويجزم جورج كراير — الرئيس السابق لجمعية المصرفيين السويسريين — أن هذا النوع من السرية لم يَعُدْ ممكنًا في عصر الاتصالات الفورية، قائلًا: «في عصر التدخُّل المتزايد بواسطة الإنترنت، لم يَعُدْ بإمكاننا أن نحمي أيَّ خصوصيةٍ سوى ما نحمل في جيوبنا وفي عقولنا.» ولكن لا تزال هناك بقايا من السرية المصرفية، مثل أحدثِ اتفاقٍ يتيح لعملاء البنوك السويسرية المقيمين خارج سويسرا حجب أسمائهم عن حكومات البلدان التي يقيمون فيها شريطةَ دفعِ الضريبة المُقتطَعة (الضريبة المحلية على الفوائد وتوزيعات عوائد الأسهم).٣

وكما هو الحال في كل المناقشات بخصوص الصناعات الهامة، فإن إيجاد الحلول يتطلب اطلاعًا شاملًا على ماضي هذه الصناعة. يعرض هذا الفصل كيف نشأت الخدمات المصرفية السويسرية، والعوامل التي أدت إلى نموها الضخم وقدرتها على تحقيق الأرباح، بعد ذلك سيتناول مدى قدرة سويسرا على التكيُّف مع التغيُّرات الهائلة التي هزَّت القطاع المصرفي العالمي في العقود القليلة الماضية، علاوة على الآفاق المستقبلية لهذا القطاع.

كيف نشأ القطاع المصرفي السويسري؟

كانت سويسرا، بحكم وجودها في قلب أوروبا، مركزًا هامًّا للتداول التجاري منذ عهد الإمبراطورية الرومانية وحتى العصور الوسطى، وكان كسب المال من المال (بالفائدة) — بمجرد مرور الوقت ودون القيام بأي عمل — يُعتبر ممارسةً غير شريفة؛ إذ إن الربا مُحرَّم في الكتاب المقدس (كانت الكنيسة أساسًا تعتبر أن تقاضي الفوائد هو من ممارسات الربا بصرف النظر عما إذا كانت الفائدة ضئيلةً أو مرتفعة). وكان لا بد من انتظار عصر النهضة عندما تحايَلَ تجَّارُ الصوف في فلورنسا على قانون الربا ببيع سلعهم مسبقًا وبسعر مخفَّض مع احتساب الفارق واقعيًّا فائدةً، وفي عام ١٣٨٧ سمح أذيمار فابري — أسقف مدينة جنيف — لمصرفيِّي المدينة بإقراض المال مقابل فوائد «طالما بقيت ضمن حدودٍ معقولة».

نتيجةً لذلك، ونظرًا للعلاقات الجيدة التي كانت تربطها بمدينة ليون، ازدادت أهمية جنيف وأصبحت وجهةً مفضَّلةً لأكبر المعارض التجارية الأوروبية، وبذلك بدأت عمليات نقل الأرصدة وتحويل الأموال وتبادل العملات ومنح القروض، ولمَّا تكاثرتِ الأموال لدى التجار تحوَّلوا أنفسهم إلى مصرفيين. كانت هذه الممارسة القديمة العهد قد أثَّرت على كيلفن الذي أضفى الشرعيةَ على الخدمات المصرفية، والأهم من ذلك أن الإصلاح البروتستانتي قد قضى — لأول مرة — بأن جمع الثروات أمرٌ مقبول؛ لأنه دليلٌ إيجابي على العمل الشاق والوفاء في أداء الواجب. كان الناس في السابق يعملون من أجل البقاء، وإذا تبقَّى لديهم أيُّ فائض قبل الوفاة كانوا يهبونه إلى الكنيسة الكاثوليكية، وبذلك لم يكن هناك ما يحفِّزهم على جمع الثروات؛ ومن ثَمَّ لم يكونوا بحاجةٍ إلى المصارف، ولكن بحلول القرن الثامن عشر، ونظرًا لازدهار التجارة في قطاع النسيج وصناعة الساعات، وتدفُّق الأموال التي كسبها الجنود من عملهم مرتزقةً في حملات الحروب التي مزَّقت أوروبا، ومع ارتفاع معدلات الادخار، بدأت رءوس الأموال تتراكم في سويسرا، وبسبب وجود القليل من فرص الاستثمار داخل البلاد، توجَّهت عيون المستثمرين السويسريين في وقتٍ مبكر إلى خارج بلادهم (خلافًا لمعظم البلدان الأخرى؛ حيث كان المستثمرون يفضِّلون الاستثمار داخل بلدانهم). وتُبيِّن السجلات أن كانتونات سويسرا قد استثمرت الكثير من الأموال في أستراليا والمملكة المتحدة، وكذلك بالسندات الحكومية في فرنسا، وبالمزارع في الهند.

مبدأ الاستقلالية هو أساس القطاع المصرفي السويسري

في مدنٍ أخرى غير جنيف، كانت المراكز التجارية المحورية قد رسمت في وقتٍ مبكر معالم بيئة النظام الاقتصادي والاجتماعي، وفيها مدن بازل وسانت جالن وبيرن وزيورخ، وكل واحدة من هذه المدن قد تطورت لتصبح «مدينة/دولة» ذات اقتصاداتٍ معقدة ولها نظامٌ اقتصادي واجتماعي مستقلٌّ وخاصٌّ بها وحدها، بما في ذلك القطاع المصرفي. ويرى هارولد جيمس — المؤرخ الاقتصادي المعروف في جامعة برينستون — أن سويسرا استطاعتِ الحفاظ على أفضلِ نظام «مدينة/دولة» في أوروبا بفضل بروز الاستقلالية الشديدة التي دافعت عنها هذه المدن بشراسة، وقاومت الانصهار والضياع داخل متاهات الاندماج تحت رايات الملوك أو الكنائس أو الجمهوريات كما حصل في أماكنَ أخرى من أوروبا. كان صمود سويسرا هذا في مُواجَهة القوى التي تشكَّلت في بقية أوروبا هو الذي ساعدها على وضع الأسس الأُولى لقطاعها المصرفي المزدهر.

كان الهاجينوت الذين فرُّوا من الاضطهاد الديني في فرنسا في خمسينيات القرن السادس عشر قد جاءوا إلى سويسرا واستقروا في مختلف مدنها وخلف جدرانها الواقية والمحايدة سياسيًّا، وهم لم يجلبوا معهم مهاراتهم الخارقة في صناعة الساعات فحسب، بل أَنشئوا كذلك شركات المواد الكيمائية والمصارف. كان الهاجينوت بمثابة لاجئين مثاليين لسويسرا؛ فقد كانوا متدربين جَيِّدًا ومحبين للعمل ومتحفظين وشديدي الولاء بعضهم لبعض، كما كان لهم الكثير من العلاقات في الخارج (كان الكثير منهم يُحسِن القراءة مما أضفى عليهم ميزةً تنافسية فريدة)، كما أصبحوا من التجار المهمين في وقتٍ أدى فيه حجمُ التداول التجاري الكبير إلى حتمية وجود المصارف، وهناك مصارف في مدينة جنيف مثل بنك بيكتيه (١٨٠٥) وبنك لومبارد أودييه دارييه هينتش (١٧٩٦) وبنك ميرابو (١٨١٩) وبنك بوردييه (١٨٤٤)، وهي جميعها بنوك ترجع أصولها إلى المهاجرين البروتستانتيين.

لقد ساهم المصرفيون في جنيف في تمويل شركة الهند الغربية الهولندية وبنك إنجلترا والشركة الملكية لصناعة المرايا (سان جوبان، أول شركة صناعية في أوروبا)، إلى جانب العديد من المشاريع الأخرى. ذاعت سمعة المصرفيين السويسريين أنهم جديرون بالثقة والاعتماد، ويتمتعون بفطنة في ميدان التجارة؛ مما جعلهم مطلوبين بصفتهم مستشارين لدى الوزراء والملوك، حتى إن بعضهم أصبحوا بدورهم وزراء؛ فبعد التفاوُض على شراء لويزيانا، أصبح ألبرت جالاتان وزيرًا للخزينة الأمريكية، وشغل هذا المنصب لمدةٍ طويلة، كما أصبح جاك نيكر وزيرًا للمالية في عهد لويس السادس عشر.

عندما كان لمصرفيي الاستثمار شعبية كبيرة

على مدى قرونٍ عديدة، بقيت بيرن أغنى دولة على الإطلاق فيما يُسَمَّى اليومَ بسويسرا، وكانت العائلات صاحبة النفوذ هناك لا تسيطر على أجزاءٍ كبيرة من سويسرا فحسب، بل كانت أيضًا رائدةً فيما يُعرَف اليومَ بشركات الخدمات المصرفية الاستثمارية الدولية، ولعل أكثرها أهميةً كان بنك ماركيار الذي تأسَّسَ في عام ١٧٤٥، وكان من بين نشاطاته إصدار سندات الدَّين للإمبراطورية النمساوية (ماريا تريزا) والدول الهولندية وبعض من الممالك الجرمانية وملوك بريطانيا والدنمارك، وكان يدير شبكةً من الوكالات من سان بطرسبرج إلى فالبارايسو، وكان نشاطه يرتكز على ثراء مدينة بيرن آنذاك، وهو أمرٌ جعَلَ إصدارَ هذه القروض ممكنًا. وبعدَ هزيمة بيرن أمام نابليون في عام ١٧٩٨ تراجَعَ نفوذُ البنك على الصعيد الدولي، واضطلعت بالعديد من نشاطاته شركةُ روتشيلد التي كانت آنذاك في أوج نموها وازدهارها. بِيعَ بنك ماركيار في عام ١٩١٨ إلى بنك كريدي سويس مما سمح له أن يتوسع في كانتون بيرن، وكان فرع البنك في فرنسا تحت اسم أندريه وماركيار قد أصبح معروفًا بأنه مموِّل الباشوات في مصر.

كانت مدينة بازل أيضًا مركزًا تجاريًّا هامًّا؛ إذ إنها تقع على ضفاف نهر الراين، وتمتد من منطقة الإلزاس إلى ما يُسَمَّى اليومَ بادن فيرتمبيرج التي كانت مناطقَ صناعية هامة في ذلك الوقت. وكما في جنيف، لعب الهاجينوت الفرنسيون دورًا محوريًّا في بناءِ قطاعَيِ الصناعة والتجارة في مدينة بازل التي كانت معروفة بإيوائها لِلَّاجئين وأيضًا بصحافتها السريعة التي غذَّتِ المناقشات السياسية حول المواضيع المثيرة للجدل، كان نشر أعمال إيراسموس في سويسرا هو الذي أشعل فتيلَ حركةِ الإصلاح (عاش إيراسموس في بازل، وكانت أعماله تُنْشَر هناك حتى وفاته)، ويظن روبرت دارنتون — رئيس مكتبة جامعة هارفرد وأحد الرواد في مجال تاريخ النشر — أن مدينتَيْ: بازل وجنيف، إلى جانب مدينة أمستردام، كانت تُعتبَر أهم مراكز المنشورات السرية،٤ وبحلول عام ١٨٤٠ كان هناك ١٦ مصرفًا خاصًّا في بازل لخدمة التجارة المتنامية، وبقيَ العديد منها قائمًا حتى الآن، بما في ذلك بنك درايفوس لاروش وبنك سارازان.

شَهِدَت مدينة سانت جالن ازدهارًا كبيرًا خلال القرنَين السابع عشر والثامن عشر على خلفية تجارة القطن التي ازدهرت فيها آنذاك إلى جانب صناعة الغزل والنسيج، وكان موقعها الاستراتيجي على طرق التجارة بين الشمال والجنوب وبين الشرق والغرب على حدٍّ سواء قد جعل شركات الشحن تُقِيمُ مَقرَّاتها بالقرب من المدينة. وفي عام ١٧٤١ ترك كسابار زيلي شركةَ والده لإنشاءِ شركةِ شحنٍ خاصة به في سانت جالن، وإلى جانب خدمات الشحن، كانت شركته — التي أصبحت لاحقًا بنك فيجيلين وشركاؤه للخدمات المصرفية الخاصة — تُوفِّر خدمات القروض والحسابات الجارية؛ ولهذا السبب يُعتبر عام ١٧٤١ تاريخَ تأسيسِ بنك فيجيلين وشركاؤه. وقد ازدهر القطاع المصرفي بازدهار قطاع الحرير المحلي وصناعة التطريز، وحتى بداية عام ٢٠١٢ عندما حلَّت الكارثة (كما هو وارد في الفصل السادس) كان بنك فيجيلين وشركاؤه أقدمَ بنوك سانت جالن، كما أن بنك راهن وبودمر الذي تأسس في عام ١٧٥٠ في زيورخ، كان كذلك قد نما بفضل ازدهار تجارة المنسوجات المربحة.

أزمة في الخارج وأمان داخل أرض الوطن

إن تحقيق المزيد من التقدم يتطلب إحداثَ تغييرٍ في الأعراف الاجتماعية التي اعتاد عليها الناس تجاهَ الاقتراض؛ فالمفهوم السويسري للرجل النبيل كان يتمثَّل في العيشِ ضمنَ حدودِ إمكانياته، وادخارِ المال الاحتياطي للأوقات الصعبة، وهي وجهةُ نظرٍ تتماشى مع ظروف العيش في الجبال. وكان رجال الأعمال يزدرون الاعتمادَ على القروض الخارجية ويميلون إلى التمويل الذاتي، كما أنهم لم يكونوا بحاجةٍ إلى رأسِ مالٍ كبير؛ فالصناعة السويسرية — مثلها مثل الصناعات في البلدان الأوروبية الأخرى — نشأت على أيدي أصحاب المِهَن والحرفيين والمزارعين الذين كانوا يملكون آلاتِ غزلٍ ونسيج تعمل يدويًّا أو بطاقة الماء وبتكلفة منخفضة، كما يمكن شراؤها عندما يصبح المال متوافرًا، كان أغلبهم في البداية من المزارعين، وكانوا يعملون حرفيين عندما تتوقَّف أعمالهم خلال أشهر الشتاء الطويلة، وشيئًا فشيئًا أصبحوا حرفيين مستقلين، بعد ذلك وُظِّف المزيد من العمال واشتُرِيت المُعَدَّات عندما ازدادت الأرباح بشكلٍ كافٍ لتبرير التوسع. ومع بداية الثورة الصناعية أصبحت الآلات أكثر تعقيدًا وأغلى ثمنًا وذات قدرةٍ أكبر بفضل الكهرباء، وسرعان ما ظهر أن هذه الآلات قد أصبحت ضرورةً لا غنى عنها بفضل مزاياها التنافسية بالمقارنة مع آلات العمل اليدوي. كما أن الثروات التي بدأت تتراكم بشكلٍ سريع حَدَتْ برجال الأعمال إلى التخفيف من مقاومتهم لمبدأ الاقتراض، وبدأت الصناعة السويسرية تزدهر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر (أُنشِئت شركة نستله في عام ١٨٦٧، وشركة ماجي في عام ١٨٧٠، وشركة براون بوفيري وشركاؤه في عام ١٨٩١). ومع توافر المزيد من رأس المال المُتاح من المدخرين المقتصدين، ونشوء الحاجة إلى تطوير الشركات المحلية، أصبحت المصارف مراكزَ وساطة ذات أهمية.

الصراعات في أوروبا تعود بالنفع على سويسرا

غير أن النجاح الاستثنائي للقطاع المصرفي السويسري يعود إلى الفشل الذي عَرفَته مناطقُ أخرى أكثر مما يعود إلى النمو الاقتصادي الداخلي؛ فالصراعات السياسية في أوروبا دامت دون انقطاع منذ العصور الوسطى وحتى الحرب العالمية الثانية؛ فملوك أوروبا كانوا متورطين في الحروب، وكان عليهم طباعة الأوراق المالية لتمويل حملاتهم الطموحة، لكن ثرواتهم كانت مهدَّدة بسلاحٍ ذي حدَّيْن؛ فمن جهةٍ كان هناك خطرُ فقدانِ الأصول في حال الهزيمة، ومن جهةٍ أخرى خطرُ التضخم المالي الحاد في حال النصر. وقد أشار كين جوروف، الأستاذ في جامعة هارفرد، وكارمين راينهارت، الأستاذة في جامعة ماريلاند، في كتابهما «الوقت مختلف الآن: ثمانية قرون من الحماقات المالية»، إلى عدد ومدى خطورة الإخفاقات السياسية والاقتصادية الهائلة التي حدثت على مر التاريخ؛ فبين عام ١٨٠٠ وعام ١٩٤٥ شَهِدَت أوروبا ١٢٧ حالة عجزٍ مالي استمرت في المتوسط لمدة ستة أعوام. وبينما استقر المشهد السياسي في أوروبا بعد عام ١٩٤٥، انتقلَتِ الأحداث إلى مسارحَ أخرى، فكان هناك ١٦٨ حالة عجز عن التسديد خارج أوروبا منذ عام ١٩٤٦، وفي كل مرة كانت الأموال تجد ملاذًا آمنًا لدى النظام المصرفي السويسري، وكانت التدفقات المالية الكبيرة إلى صناديق مصارف سويسرا مشابهة للحلقات في جذوع الشجر التي تتتالى لتشير إلى مدى نمو الشجرة موسمًا بعد موسم.

figure

وبذلك بات النظام المصرفي السويسري سائرًا بعكس الاتجاه الطبيعي للأحداث؛ فكلما اشتدت الاضطرابات في الخارج، استفاد منها القطاع المصرفي السويسري. ويُظهِر الرسم البياني أنه بين عام ١٩٠٠ وعام ٢٠٠٤ تعرَّضَ عددٌ كبير من بلدانِ العالَمِ لحالاتِ عجزٍ مالي أو إلى تزايُدِ وتيرةِ التضخم أو الاثنَين معًا.

فعلى سبيل المثال، لو كان هناك رجلُ أعمال ألماني عاش بين عام ١٨٨٠ وعام ١٩٥٥، لَكان قد وُلِدَ قبل أقل من عقد من تاريخ سقوط نابليون الثالث وعايش الحربَين العالميتَين الأُولى والثانية (إضافة إلى الحرب الباردة)، ولَشهد فترةَ التضخم المدمِّر الذي أعقب سقوط الجمهورية فايمار، ولَكان من غير العجيب أن يرغب في تخزين بعض أمواله في مكانٍ آمِن ومستقر مثل سويسرا.

figure

كان عامل الحذر والاستقرار مبنيًّا في صميم الهيكل القانوني لبنوك الخدمات المصرفية الخاصة، وعادةً ما يكون الغرض الرئيسي من عقد تأسيس شركةٍ ما — بموجب قانون الشركات — هو الحد من مسئولية المساهمين، لكن المصارف الخاصة في سويسرا — كما في أماكنَ أخرى — كانت مُنظَّمة على شكل «شراكات»؛ حيث يخضع المساهمون «الشركاء» لتحمل مسئوليةٍ غير محدودة؛ مما يتطلب منهم قانونيًّا توفيرَ مجملِ ثرواتهم إذا لزم الأمر لتلبية الالتزامات التي تعهَّدَ بها البنك؛ وهذا بطبيعة الحال ما يفرض توخي الحذر الشديد. في عام ١٩٠٠ كان هناك ٧٠٠ مصرفٍ قائم على أساس هذا النظام القانوني. أمَّا الآن فلم يَعُد سوى ١٤ مصرفًا محتفظًا بهذا النظام، منها: بنك هوتينجر وشركاؤه، وبنك لاروش وشركاؤه، وبنك لومبارد أودييه دارييه هينتش وشركاؤه، وبنك ميرابو وشركاؤه، وبنك بيكتيه، وبنك راهن وبودمر، وبنك فيجيلين وشركاؤه.

لعل أكبر هذه المصارف الخاصة هو بنك بيكتيه، الذي يسيطر على ٤٠ في المائة من مجموع الأصول الموجودة تحت إدارة هذه المجموعة من المصارف. ومنذ ستينيات القرن العشرين كان بنك بيكتيه قد تمكَّنَ من التوفيق بين القيم التقليدية ومنهجية العمل المبتكرة، كما استطاع تحديد اتجاهاتٍ جديدة في السوق لتوسيع أعماله، ومن بينها: ظهور مؤسسات الاستثمار على غرار شركات التأمين، وصناديق معاشات التقاعُد، وصناديق الاستثمار المشتركة، والحاجة المتزايدة إلى أُمناء لإدارة الأموال على مستوى العالم، ونشوء الطلب على خططٍ مالية شاملة للأفراد ذوي الثروات الهائلة (المكاتب العائلية). كما أدرك الأهمية المتزايدة لوجود مديري أصول مستقلين حول العالم، وهو يتعامل حاليًّا مع أكثر من ٥٠٠ منهم.

لقد فتح البنك آفاقًا جديدةً في مجال صناديق الاستثمار المشتركة من خلال الاستثمار في الأسواق الناشئة في أواخر الثمانينيات، وإنشاء صندوق استثمار في التكنولوجيا الحيوية في عام ١٩٩٤، وإطلاق أول صندوق في العالم للاستثمار في قطاع المياه في عام ٢٠٠٠. ومنذ منتصف التسعينيات حتى اليوم، ازداد حجم الأصول الخاضعة للإدارة والوصاية خمسة أضعاف ليفوق ٣٣٠ مليار فرنك سويسري، وبالتوازي كان هناك نموٌّ هائل أيضًا في عدد الموظفين الذي ارتفع من ٣٠٠ إلى أكثر من ٣٠٠٠ موظف خلال ثلاثة عقود. ولقد تجنَّبَ بنك بيكتيه أنواعَ الفضائح التي تعرَّضت لها إداراتُ صناديقِ استثمارٍ كبيرة وبنوك استثمارٍ أخرى، وربما يعكس ذلك روح البنك الكالفينية وقيمه العائلية.

يؤكِّد شركاء مصرف بيكتيه أنهم لا يُوظِّفون من الشركاء إلا أشخاصًا يمكنهم أن يتخيَّلوا قضاء عطلهم العائلية بصحبتهم، كما أن معدل استبدال الموظفين في البنك منخفض نسبيًّا مُقارَنةً بباقي القطاع، أضِفْ إلى ذلك أن البنك تمكَّن من تجديد أعضاء الإدارة ورُتَب الشركاء دون أيِّ صعوبات. ويُعتبَر بنك بيكتيه من أفضل أصحاب العمل في جنيف، وبما أن الشركاء كانوا حتى عام ٢٠١٤ يتحملون سويةً مسئوليةً شخصية غير محدودة تجاه التزامات البنك، فهم — بلا شك — كانوا أكثر وعيًا وإدراكًا للمخاطر والمجازفات. ولربما ينطبق عليهم هنا قانون متسلقي الجبال: «كل رجلٍ منهم يعرف أنه إذا سقط، فإمَّا أن يهبَّ الجميع لإنقاذه، وإلا فإنه سيجر الجميع معه إلى الهاوية.»

السياسة النقدية

إن «ميزة التفوق الفريدة من نوعها» التي تتمتع بها سويسرا في مجال التمويل العالمي — ألا وهي مكانتها بصفتها مركزَ تمويلٍ قويًّا ومستقرًّا في عالم تهزه الاضطرابات — لم تتحقق بين عشية وضحاها، ولا هي نتيجة محضِ تخطيطٍ مُسبق، وكما ذكر كراير أن السويسريين في الأساس لم يرغبوا قطُّ في أن تحكمهم سلطةٌ مركزية، فضلًا عن بنكٍ مركزي، وكانوا سعداء جِدًّا بمدنهم المستقلة المشابهة لوضع الدول. كما لم يكن مواطنو مدينة بازل يشعرون بتقاربٍ كبير بينهم وبين سكان مدينة زيورخ أو بيرن أو جنيف، وكان ذلك الشعور متبادلًا، ولكن مع ذلك — بما أن هذه المدن كانت محاطة ببلدانٍ كبيرة وعدوانية — أدركت أنها ستحقِّق مكاسبَ إذا هي اتَّحدَتْ معًا لغرض الدفاع عن مصالحها؛ فمدينة جنيف مثلًا — وهي الأكثر فخرًا واعتزازًا بين أقرانها — لم تكن لتستطيع الصمود بصفتها مدينةً مستقلةً دون دخولها في معاهدة مع الكانتونات السويسرية الأخرى، لا سيَّما كانتون بيرن. وفي هذا الصدد فإن تاريخ جنيف بين عام ١٥٠٠ وعام ١٨٠٠ يشكِّل جزءًا لا يتجزأ من تاريخ سويسرا، وتمامًا كما يشتري الفلاحون رأس كرنب من السوق، اشترت المدينة/الدولة أرخص «عقدٍ اجتماعي» متوافر في مقابل التنازُل عن القليل من حريتها ومسئوليتها لتحقيق أكبرِ مكاسبَ ممكنة. إن مفهوم الاعتماد على الذات — عبر تمرير المسئولية إلى أدنى قاسمٍ مشترك، ورفع مستوى الاستفادة إلى أقصى حدٍّ ممكن — كان ولا يزال من السمات الفريدة التي تتميز بها الجمهورية السويسرية. وعلى عكس بلدان الجوار مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا التي تعتمد أنظمةً ذات تسلسلٍ هرمي، بقيَ السويسريون دائمًا على رأس الهرم في بلادهم.

figure
شركاء بنك بيكتيه، الذين هم مديرو البنك ومالكوه في الآن نفسه، بنَوا سجلًّا حافلًا بالأمثلة عن الإدارة الحكيمة لصناديق الاستثمار وتجنُّب الفضائح والأخطاء الجسيمة.
ومع ذلك، فإلى جانب الدفاع، كانت العملة النقدية هي الاستثناء النادر الآخر للامركزية؛ فعندما أصبحت سويسرا جمهوريةً في عام ١٨٤٨، كان هناك ٣١٩ نوعًا من العملات المعدنية يُصدِرُها عددٌ مماثل من المصارف، وكنتيجةٍ لذلك، نقل الدستور الاتحادي (الذي صدر في عام ١٨٤٨) حقوقَ سكِّ القِطَع النقدية إلى الحكومة الاتحادية. وفي عام ١٨٥٠ اعتُمِد الفرنك السويسري بشكلٍ ومقاييسَ مماثلةٍ للفرنك الفرنسي، واستُخْدِمَتِ المعايير الفرنسية لمعادلةِ قيمةِ الفضة.٥ وفي وقتٍ لاحق، استُبدِلَتِ القِطَعُ النقدية المعدنية بالأوراق النقدية بسبب التضارُب في قياسها، وكذلك بسبب تنامي حجم التجارة، لكن هذا لم يحل المشكلة؛ لأن أيَّ بنك كان بإمكانه إصدار الأوراق النقدية الخاصة به بصفتها بديلًا بسيطًا للعملة؛ وبذلك كانت جدارة العملة بالثقة تتوقف على مدى مصداقية البنك الذي أصدرها، ولحل هذه المشكلة، أُنشِئَ البنك الوطني السويسري في عام ١٩٠٧، وكانت هذه قفزةً نوعية بالنسبة للسويسريين الذين طالما تمسَّكوا بالاعتماد على الذات، أن يتنازلوا عن هذا القَدْر من السلطة لابتكارٍ مركزي جديد لم يُثبت جدواه بعدُ، ولكن هذه الخطوة كانت ضروريةً ولا بد منها؛ ففي ذلك الوقت كان هناك ما يفوق ٢٠٠ نوعٍ من العملات على شكل أوراقٍ بنكية، وبما أن ٣٥ بنكًا من بنوك الكانتونات والبنوك الخاصة كانت مخولةً طبْعَ نقودِها كلٌّ على حدة، فاقت قيمة الأوراق البنكية قيمة القِطَع النقدية بنسبة ٢٫٤ مقابل ١ (٢٤٣ مليون فرنك مقابل ١٠٠ مليون فرنك).

البنك المركزي الذي لا يتخلف عن الإيفاء بالتزاماته

من الجدير بالذكر هنا أن أيًّا من المصارف التي كانت تُصدِر العملات قبل إنشاء البنك المركزي لم يعلن إفلاسه، وأن البنك المركزي لم يُوقف عملياتِ تحويلِ أو تبادُل الفرنك السويسري إلا مرة واحدة (خلال الحرب العالمية الثانية)؛ وذلك على الأرجح يعود إلى أن الشعور بواجب احترام التعهدات له وزنه في سويسرا، وربما أكثر من أي مكانٍ آخَر في العالم. وهذا بالتأكيد لا يرجع إلى عدم خضوع البنك المركزي السويسري للاختبار؛ فهو قد واجَهَ تحدِّياتٍ ضخمة، ابتداءً من أزمة حظر تصدير النفط من قِبَل منظمة الأوبك في عام ١٩٧٣، عندما ارتفع سعر النفط خلال يومٍ واحد بنسبة ٧٠ في المائة وأدى إلى انهيار سعر صرف الدولار، مرورًا بفضيحة كياسو في عام ١٩٧٧،٦ وصولًا إلى الاضطرابات في الأسواق العالمية منذ عام ٢٠٠٨.

وعندما سأل أحد الصحفيين فريتز لويتفيلر — رئيس البنك المركزي السويسري السابق — خلال أزمة الدولار في عام ١٩٧٩، عن شعوره الشخصي تجاه الوضع الحرِج آنذاك، كانت إجابته: «إن رئاسة البنك المركزي السويسري والرفاهية الشخصية هما حالتان متناقضتان ولا تلتقيان.» وبنفس التواضع وروح الدعابة قال لاحقًا: «إن أحد أعظم مميزات العمل في البنك المركزي السويسري هو أنني عندما أتصل بالناس ولا أجدهم فهم يعاودون الاتصال بي.»

وإثرَ مؤتمرِ بريتون وودز والتخلِّي عن أسعار الصرف الثابتة للعملات تضاعفَتْ قيمةُ الفرنك السويسري مقابل الدولار الأمريكي، بينما تراجعت قيمة سوق الأسهم الأمريكية إلى النصف بين عامَي ١٩٧٣ و١٩٧٨؛ مما أتاح للأجانب — الذين لم يفعلوا شيئًا سوى حفظ أموالهم بالفرنك السويسري — تحقيق أرباح بنسبة ٤٠٠ في المائة؛ ونتيجةً لذلك نمت ممتلكات الأجانب المالية بالفرنك السويسري نموًّا هائلًا لدرجة أن البنك المركزي السويسري اضطُرَّ إلى اعتمادِ نظامِ أسعار الفائدة السلبية خلال العقود القليلة الماضية للحد من التدفُّقات المالية (حدث ذلك في عام ١٩٧١ و١٩٧٧–١٩٧٩). وفي عام ٢٠١١ لجأ البنك المركزي إلى تخفيض قيمة العملة فعليًّا لوقف التدفقات المالية إلى سويسرا، ولكن بما أن العملة أَصبحَت وسيلةً هامة للحفاظ على الثروات، استمرَّ سيلُ هذه التدفُّقات المالية، ويعرض الرسم البياني التالي تطوُّرَ قيمةِ الفرنك السويسري بمرور الوقت مُقارَنةً بعملاتٍ مختارة أخرى.

ما خفِيَ عن السرية المصرفية

figure
أطفال يلعبون بحزمات من الأوراق البنكية في ألمانيا في عام ١٩٢٣. يتمتع البنك الوطني السويسري بأفضلِ سجلٍّ من حيث طول أجل الحفاظ على قيمة عملته، وهذه إحدى مَيزات البنوك السويسرية التي تجذب أغنياء العالم.
figure

نَبعَت سياسة السرية المصرفية في سويسرا من مبدأ حُسْن النية، ومن الرغبة الفطرية السويسرية المعهودة لحماية نطاق الحياة الشخصية من قمع الدولة. كما أن لهذا البلد سجلًّا حافلًا في مجال العمل الإنساني من خلال توفير المأوى للاجئين السياسيين الذين هربوا من بلدانهم خوفًا على سلامتهم من بطش السلطة، وأحد الأمثلة على ذلك هو التدفُّق الكبير للهاجينوت إثرَ إلغاءِ مرسومِ نانت في فرنسا، الذي أدَّى إلى قتل واضطهاد العديد منهم. وقد صرَّح نيكولا حايك — وهو بدوره مهاجر — قائلًا: «إن أعظم قِيَم سويسرا هي توفير الملجأ المادي والمالي للاجئين.» ولعل أفضل طريقة للقيام بذلك هي التكتُّم، فقد حرصت مصارفُ خاصة مثل بيكتيه وميرابو وراهن وبودمر على وضع الحروف الأُولى من أسماء موظفيها على الأبواب عوضًا عن الأسماء الكاملة، كما كان بإمكان العملاء الدخول إلى البنوك عبر أبوابٍ خلفية خفية عن الأنظار. وفي كتاب عن سيرة حياته، أورد هانس بير — الشخصية المرموقة في عالَم البنوك الخاصة السويسرية لفترةِ ما بعد الحرب العالمية الثانية — ما يلي: «كان من الوارد أن يُقدِّم زبون نفسه بإخراجِ زجاجةِ كونياك ويقول اسمي هينيسي، وهو نفس الاسم الموجود على الزجاجة، ويُضيف: لا أريد قول المزيد، وهذا مبلغ ٣٠٠ ألف دولار أمريكي أرغب في إيداعها لديكم، وكُنَّا نقبل الأموال بكل سرور شاكرين له ثقته بنا.»

منذ بداية الوعود المالية، من بريتون وودز إلى اليوم.*
الفرنك السويسري مقابل العملات الأخرى من يناير ١٩٧٣ إلى يوليو ٢٠١٢ التغير الإجمالي٪ التغير السنوي٪
الولايات المتحدة الأمريكية ٢٨٢٪ ٣٫٥٪
المملكة المتحدة ٤٧٧٪ ٤٫٦٪
ألمانيا (المارك الألماني/اليورو) ٩٠٪ ١٫٧٪
إيطاليا (الليرة الإيطالية/اليورو) ٩٢٧٪ ٦٫٢٪
النرويج ٢٥٠٪ ٣٫٣٪
البرازيل ٢٢٤ × ١٠١٢٪ ١٠٧٫٤٪
المكسيك ٣٥٤ × ١٠٣٪ ٢٣٫٣٪
جنوب أفريقيا ٣٦٢٨٪ ٩٫٧٪
إندونيسيا ٧٤٣١٪ ١١٫٧٪
إن المستثمر الذي اختار الاحتفاظ بثرواته مُقوَّمة بالفرنك السويسري منذ انهيار نظام بريتون وودز في عام ١٩٧٢، كان بإمكانه أن يُحقِّق أرباحًا (أو أن يخسر) وفقًا لهذا التحليل. والنتائج هي أيضًا مؤشرٌ نسبي لقواعد الانضباط المعمول بها في السياسات المصرفية المركزية للبلدان. (المصدر: البنك الوطني السويسري، مؤشرات البنك الدولي وحسابات أجراها المؤلف.)
figure
صندوق إيداع أمن في بنك سويسري.

كان مبدأ التكتُّم متأصِّلًا في الثقافة السويسرية لدرجةِ أنه لم يكن من الضروري إدراجه في قانونٍ على مستوى الاتحاد حتى عام ١٩٣٤، وفي ٢٦ أكتوبر من عام ١٩٣٢، أوقفت الشرطةُ الفرنسية نائبَ رئيس بنك بازلر التجاري بازلر هادِلز بنك، الذي كانت تملكه أبرزُ عائلاتِ مدينةِ بازل (جايجي، إيزيلين، لاروش، كوخلين، شتيهلين)، موجِّهةً للبنك تهمةَ مساعدةِ الأرستقراطيين الفرنسيين على التهرُّب من دفع ضرائبهم، وقدَّمَتِ الشرطة لائحةً تتضمن ٢٠٠٠ اسم لعملاء فرنسيين يُعتقَد أنهم يحتفظون لدى البنك بأموالٍ تُقدَّر قيمتُها بحسب المعايير الحالية ﺑ ١٠ مليارات فرنك سويسري. زُجَّ نائب رئيس البنك في السجن كما صُودِرت أصول البنك؛ مما أحدَثَ ضَجةً كبيرة في سويسرا، وشَهِدَت المصارف السويسرية إثرَ ذلك حَراكًا كبيرًا؛ حيث بدأ العملاء الأجانب يسحبون ثرواتهم؛ وبناءً على ذلك — في ٨ نوفمبر من عام ١٩٣٤ — أقَرَّ البرلمان السويسري على مستوى الاتحاد قانونًا يخصُّ المصارف وبنوك الادخار، تضمَّنت المادة ٤٧ منه نصًّا قانونيًّا يحدِّد مبدأ السرية المصرفية. وبما أن التهرُّب الضريبي كان يُعتبَر مجرد جُنْحة بموجب أحكام القانون السويسري، فإن عدم إفشاء المعلومات حول حسابات الأشخاص المُشتَبه بأنهم لم يصرِّحوا بكامل مداخيلهم يبقى تصرُّفًا شرعيًّا ومحميًّا بنص المادة ٤٧. وعلاوةً على ذلك، مع أن السلطات السويسرية تحترم معاهدات التعاون الجنائية لمتابعة حالات الاحتيال الضريبي التي تدَّعيها الحكومات الأجنبية، فإنها لا تتعاون في حالات التهرُّب الضريبي المزعومة؛ ومن ثَمَّ — وعلى سبيل المثال — فإن الأجانب المقيمين في سويسرا الذين يواجهون تُهَمَ التهرب الضريبي في بلدهم الأم لا يتعيَّن على سويسرا تسليمهم. ولعلَّ المثال الأكثر شهرةً على تطبيق هذه السياسة هو قضيةُ تاجرِ السلع الأساسية مارك ريتش.

الجانب المظلم لمفهوم السرية المصرفية

من الصعب معرفة نسبة عملاء البنوك الخاصة السويسرية الذين استغلوا امتيازَ السرية لأغراضٍ غير شرعية، وهو أمرٌ قد شجَّعَ السلطاتِ الضريبيةَ الأجنبية على خوض جولاتٍ لا نهايةَ لها من التحريات. ولقد فاجأ هانز بير المراقبين عندما كتب: «لم أكن واثقًا أنني أدرك تمامًا ما هو الفرق بين تجنُّب دفع الضرائب والتهرب الضريبي.»

لكن المؤكد هو أن أعدادًا كبيرةً من الأجانب البارزين قد بالغوا في استغلال القوانين السويسرية بشكلٍ يتعدى أيَّ حدودٍ معقولة لتغطية مكاسبَ غير شرعية. وقد أدَّت بضعُ حالاتٍ بارزة إلى تشجيع سويسرا وتحفيزها لكي تُعيد النظرَ في نظامها المصرفي، وتُضفِي عليه المزيدَ من التشدد والرقابة. وفي عام ١٩٩٧ أصدرت المحكمة الاتحادية حكمًا أمرت فيه المصارف بإعادةِ مثلِ هذه الأموال، ولأول مرة صدر مرسومٌ ينص على أن العلاقات بين البنوك والعملاء الذين يشاركون في الحياة السياسية يتوجَّب التعامل معها بشكلٍ مختلف، وفي شهر فبراير من عام ٢٠١١ دخل قانون استرجاع الأصول غير المشروعة حيز التنفيذ؛ مما جعل إعادة الأصول المجمدة إلى بلدٍ ما أكثر سهولةً، لا سيَّما «في الحالات التي يكون فيها طلب المساعدة المتبادلة غير مؤهل للنجاح في الدول الطالبة بسببِ فشلِ نظامها القضائي».٧

محاسبة المصارف

مع بداية التسعينيات وقعَت المصارف السويسرية تحت مجهر التدقيق والمحاسبة الدوليَّيْن في قضيةِ تصرُّفٍ أكثر سوءًا مما سبق، وهي المماطلة في إرجاع الأموال المخزَّنة لديها منذ الثلاثينيات، والتي تعود إلى أشخاصٍ ذهبوا ضحيةَ المحرقة في ألمانيا. كانت المصارف تعتبر أن التسوية قد أُنجِزت لصالح الوَرَثة الشرعيين منذ عقدَيْن من الزمن؛ ونتيجةً لذلك اشتدَّ الغضب، وأخذ الكونجرس اليهودي العالمي الحملة على عاتقه، ورفع دعوى قضائية ضد المصارف السويسرية مطالبًا بأكثر من مليار دولار أمريكي. وفي عام ١٩٩٨ تُوصِّلَ إلى اتفاقٍ وافَقَ بنك يو بي إس ويند كريدي سويس بموجبه على دفع مبلغ ١٫٢٥ مليار دولار أمريكي، وابتداءً من عام ٢٠٠٨ كان قد وُزِّعَ مليار دولار، بالرغم من أن ٤٦٠٠ فقط من أصحاب الحسابات قد تسلموا المال. أمَّا الجزء الأكبر من هذه الأموال فقد وُزِّع على فئات أخرى من الضحايا بما في ذلك الذين تعرَّضوا للعمل بالسخرة.٨
ومنذ تلك الفترة، حصلَت بعض الأحداث التي تسبَّبت في إضعافِ المكانة التي كانت تحتلُّها السرية المصرفية السويسرية، ويبدو أنها أصبحت الآن في وضعٍ آيل إلى الزوال. وبعد الكثير من المُماطَلة من الجانب السويسري، قدَّمت وكالةُ مراقبة السوق المالية السويسرية في عام ٢٠٠٩ ملفاتٍ تتضمَّن أسماءً أكثرَ من ٤٤٥٠ مواطنًا أمريكيًّا لهم حسابات لدى يو بي إس، إلى مصلحة الإيرادات الداخلية الأمريكية (ونتيجةً لذلك دفع بنك يو بي إس هنا أيضًا غرامةً قَدْرها ٧٨٠ مليون دولار أمريكي إلى الحكومة الأمريكية، وتوقَّفَ عن قبول الودائع من العملاء الأمريكيين المُقِيمين في الخارج). لم يستجِبِ المسئولون السويسريون إلا بعد أن أصبح واضحًا أن السلطات الأمريكية كانت تستعِدُّ لاتخاذِ إجراءاتٍ قانونية من شأنها أن تقضي على هذا المصرف السويسري. وبالرغم من أن المحكمة الاتحادية السويسرية قضت — في وقتٍ لاحق — بأن القرارَ كان غيرَ قانوني، إلا أن ذلك أتى بعد فوات الأوان، ومرةً أخرى خُرِق الجدار المنيع للسرية المصرفية السويسرية، وأدى إلى تقويضِ سمعةِ القطاع المصرفي السويسري. ولم تكن هذه الحالة الوحيدة التي أدت إلى التراجُع عن مبدأ السرية؛ ففي عام ٢٠٠٧ اشترت السلطات الضريبية الألمانية العديدَ من الأقراص المدمجة من مُخبِرين في ليشتنشتاين، كانوا قد صوَّروا نسخَ بياناتٍ مسروقة لأشخاص تهرَّبوا من الضرائب الألمانية بإخفاء أموالهم في هذا الملاذ الضريبي الصغير في جبال الألب. وكانت الوثائق التي أظهرها جوليان أسانج على ويكيليكس قد لاقَتِ الكثيرَ من الاهتمام، وهي وثائقُ حصل عليها من موظفٍ سابق كان ساخطًا بسبب فصله عن العمل، وكانت تتضمن معلوماتٍ عن حسابات في بنك يوليوس بير في جُزُر الكايمان. وفي عام ٢٠١١ وُقِّع على اتفاقيةٍ بخصوص الضرائب بين سويسرا وألمانيا، تعهَّدت فيه سويسرا بخصم المبالغ المتوجبة كضرائب مستحقة من أموال العملاء الألمان في البنوك السويسرية وتسليمها إلى ألمانيا، ومن المُحتمل أن يتبع ذلك اتفاقياتٌ أخرى على نفس المنوال مع بلدانٍ أخرى. وفي أوائل عام ٢٠١٢، توقَّفَ البنك السويسري الخاص فيجيلين وشركاؤه بالفعل عن العمل إثرَ تهديد الحكومة الأمريكية بمقاضاته قانونيًّا، وكان هذا البنك من المصارف السويسرية القليلة التي حاولَت جذب العملاء الأمريكيين السابقين لدى بنك يو بي إس.٩

صعود المصارف السويسرية العالمية

كان التصنيع والشركات المزدهرة والسرية المصرفية — إلى جانب العملة القوية — عواملَ ساهمَتْ في نمو القطاع المصرفي وبروز المصارف السويسرية ذات النفوذ الكبيرة. ولقد أدى قيام الثورة الصناعية، وظهور السكك الحديدية، والتوجه نحو الإنتاج على مستوياتٍ ضخمة، إلى توحيد القوى وتحوُّلها من المناطق المحيطة بالمدن الرئيسية لتتمركز في وسط البلاد، وهذا ما قلَّلَ من أهمية الهياكل المستقلة للمدن/الدول السويسرية. وإبَّانَ تلك الفترة، ظهر العديد من المصارف الكبيرة ذات الانتشار الواسع على الصعيد الوطني، ومن بينها: كريدي سويس، ويو بي إس، وإس بي سي.

أُسِّس بنك كريدي سويس على يد ألفريد إيشر، وهو على الأرجح أهم رجال الأعمال الرائدين في تاريخ مجال الأعمال في سويسرا، وبالرغم من صِغَر سنه، انغمس إيشر بالعمل فيما وصفه جوتفريد كيلر — الكاتب ومؤلف المنشورات المعاصر من زيورخ — كالآتي: «ميدان شاسع وله ثِقَله.» وغالبًا ما كان إيشر يُمضِي الليلَ في مكتبه مُحاطًا بأكوامٍ هائلة من الأوراق. وفي عام ١٨٥٥ انهار إيشر تحت وطأة ضغط العمل، واستقال من منصبه في عضوية الحكومة الفيدرالية، إلا أنه كان بعيدًا كلَّ البُعْد عن الاستسلام؛ إذ إنه خاض غمارَ أكثرِ المشاريع شراسةً في قطاع الاقتصاد في تلك الفترة، وأصبح رئيسَ مجلس إدارة شركة السكك الحديدية لشمال شرق سويسرا نورد أوست بان، في وقتٍ كان فيه بناء السكك الحديدية يمثِّل القوةَ الدافعة للنمو الاقتصادي في جميع أنحاء أوروبا. أدرك إيشر هذا الأمر، وحذَّرَ المجلس الوطني السويسري من أنه إذا لم تمرَّ طرقُ السكك الحديدية الأوروبية عبر سويسرا، فإن البلاد ستكون في المستقبل عبارة عن «صورة مُحزِنة لمجتمعٍ من النسَّاك المعزولين». غير أن رأس المال اللازم لبناء شبكات السكك الحديدية لم يكن متوافرًا، فلجأ إيشر إلى إنشاء المؤسسة السويسرية للتسليف في زيورخ لتكون «وسيلةً لتوفير الإقراض»، وهي تُعرَف حاليًّا من طرف الجميع باسم بنك كريدي سويس.

الأموال التي بنت قطاع الصناعة السويسرية

في نهاية السنة التجارية الأُولى، كانت أَسْهُم شركة السكك الحديدية لشمال شرق سويسرا، نوردبان، تمثِّل رُبْعَ حجمِ المحفظة المالية لبنك كريدي سويس، وهذا ما يُعتبَر تركيزًا هائلًا للمخاطر، وفي نفس الوقت قرَّرَ بنك كريدي سويس إنشاءَ وتشغيلَ شركاتٍ صناعية وغيرِ صناعية لحسابه الخاص، وشراء حصص في شركاتٍ قائمة أو أخرى أُنشِئت حديثًا ليساهم في إدارتها أو ليتولى إدارتها كليًّا. وفي الواقع كان هذا البنكُ الحديثُ العهد أولَ مؤسسةٍ سويسرية قائمة برأسِ مالٍ استثماري، وكان لها نفوذٌ كبير. وفي عام ١٨٥٧ أنشأ كريدي سويس — تحت إدارة رئيسه التنفيذي ألفريد إيشر — المؤسسة السويسرية لإعادة التأمين وإدارة صناديق معاشات التقاعُد، التي أصبحت اليومَ شركةَ سويس لايف. وفي عام ١٨٦٣ أُنشِئت الشركةُ السويسرية لإعادة التأمين التي باتَتْ معروفةً اليومَ باسم شركة سويس ريه، كما كانت للبنك حصصٌ في بعض الشركات الصناعية الكبرى مثل شركة جورج فيشر، وشركة إيشر فيس، وشركة براون بوفيري وشركاؤه، وشركة أنجلو سويس للحليب المكثف (التي أُدمِجت لاحقًا مع شركة نستله). وإدراكًا منه للإمكانيات المتاحة في سوق الأغذية المُصنَّعة، وافَقَ بنك إيشر على منح قروض لشركة ماجي وشركة شبرونجلي لصنع الشوكولاتة. وباختصار، كان إيشر — أكثر من أيٍّ من معاصريه — صانعَ قطاع الأعمال الحديث في سويسرا.

أمَّا ألفريد شيفَر في بنك يو بي إس — وهو نظير ألفريد إيشر — فقد ظهر في ساحة الأعمال المصرفية بعد مائة عامٍ من ظهور إيشر. كانت مرحلة صعود البنك الذي كان يُعرَف آنذاك باسم يونيون بانك أوف سويتزرلاند، وأصبح اليوم يو بي إس وهو أكبر مصرف في سويسرا؛ قد بدأت في عام ١٩٤١ عندما انتُخِب شيفر لعضوية مجلس الإدارة التنفيذي المُؤلَّف من عضوَيْن. كان شيفر رجلًا مثقفًا واستراتيجيًّا بارعًا، وربما يُعتبَر أقوى الرجال الذين برزوا خلال الفترة الذهبية للقطاع المصرفي في سويسرا، وتحت إدارته (بين ١٩٥٣ و١٩٧٦) تضاعفت ميزانية البنك مائة مرة، ونما عدد موظفيه من ٥٠٠ إلى ١٢٠٠٠ موظف، كما فُتِحت فروعٌ جديدة كلَّ شهر، وجرى الاستحواذ على ٢٠ مصرفًا بين عامَيْ ١٩٤٥ و١٩٦٠. كان جزء من هذا النجاح قد تحقَّقَ بفضلِ الانضباط الصارم الذي التزم به شيفر، والذي يعود من ناحيةٍ إلى خلفيته العسكرية لكونه عقيدًا في الجيش السويسري، ومن ناحيةٍ أخرى إلى ذكرياته عن الكساد الكبير الذي شهده العالَمُ في الثلاثينيات؛ فخلال فترة الكساد، كان البنك مُجبرًا على تخفيض رأس ماله من ١٠٠ مليون إلى ٤٠ مليون فرنك سويسري، وبعد هذه الفترة، حرص شيفر على ضبط ومراقبة كلِّ عمليات البنك حتى آخِرِ سنتيم، كما منع تدخين السيجار خلال المؤتمرات، ولم يسمح إلا بالنبيذ العادي المسكوب في زجاجة، وثمن غداء مجلس الإدارة خلال الاجتماعات لم يكن يتعدَّى ٤ فرنكات للشخص الواحد. كان شيفر شخصيةً ودودة وجذَّابة أيضًا؛ فعندما التقى روبرت كينيدي — المدَّعِي العام الأمريكي آنذاك في واشنطن — تفاجأ لدى رؤيته يسند قدمَيْه على الطاولة، وكانت ردَّة فعل شيفر أنْ حَذَا حَذْوه، وبعد ذلك بفترةٍ وجيزة، توصَّلَ البنك إلى تسويةٍ خارج القضاء مع الولايات المتحدة بشأن تعامُله مع الرايخ الثالث خلال الحرب العالمية الثانية. كان شيفر على علاقةٍ جيدة بأهم الشخصيات في أيامه ومنهم ماركوس فالينبيرج في السويد، وهرمان آبس في البنك الألماني دويتشيه بنك، وأفراد إمبراطورية العائلة بوش في ألمانيا، كما تميَّزَ بالبصيرة وبُعْدِ النظر في تعيينِ نخبةٍ من المواهب المتميزة لخلافته.

رجلٌ غريبٌ يَتسلَّم المشعل

figure
د. ألفريد شيفر (١٩٠٥–١٩٨٦)، تولَّى منصبَ رئيسِ مجلس إدارة بنك يو بي إس في عام ١٩٤١، واستمرَّ في إدارة البنك طوالَ أكثرِ من عقدَيْن من الزمن، وجعله الأقوى بين المصارف السويسرية العالمية.

كان الشخص الثالث المهم في القطاع المصرفي السويسري خلال فترةِ ما بعد الحرب هو راينر جوت، ابن مدير بنك الكانتون في مدينة تسوج، الذي كان غريبًا عن هذا القطاع من عدة أوجه؛ كان راينر كاثوليكيًّا (وعندما التحق بالمدرسة الابتدائية، كانت فصول الدراسة منفصلةً بين البروتستانت والكاثوليك)، كما كان من مدينة تسوج وليس من زيورخ، وعلاوةً على ذلك، كان قد بنى سمعته في الولايات المتحدة، وفي وقتٍ لاحق انضمَّ إلى الفرع الأمريكي لبنك كريدي سويس، ثم أصبح شريكًا لدى بنك الاستثمار المرموق لازارد، وفي عام ١٩٧٣ أعاد بنك كريدي سويس توظيفه عضوَ مجلسِ الإدارة المُنتدب لتولِّي مهمةِ قيادةٍ عملية توسِّع البنك عالميًّا في قطاع الأوراق المالية. كان بنك كريدي سويس آنذاك قد خسر ثروةً في فضيحة كياسُّو وصُرِف كبار موظفي الإدرة على إثرها، وبذلك بات الطريق ممهَّدًا لبروز رجلٍ غريب عن هذا الميدان وغير معروف. كان راينر جوت قد واكَبَ مباشَرةً ما حصل في نيويورك ولندن عندما بدأ قطاع المصارف يتحول بسرعة من التركيز التقليدي على عمليات الإقراض إلى العمولات التجارية في أسواق رأس المال، وكان مقتنعًا أن الأوان قد فات على سويسرا كي تلحق بركب هذا التغيير. وبصفته مصرفًا رائدًا في إصدار السندات المقومة بالفرنك السويسري، دخل بنك كريدي سويس عام ١٩٧٤ في شراكةٍ مع شركة وايت ويلد، وهي شركةٌ أمريكية كبيرة في قطاع الأوراق المالية؛ مما أدَّى إلى فتْحِ أبوابِ وول ستريت أمام البنك، دخل المشروع المشترك بين كريدي سويس ووايت ويلد إلى السوق اللندنية أيضًا، وشيئًا فشيئًا شقَّ طريقه بقيادة هانس يورج رودلوف حتى وصل إلى أعلى مرتبة في سوق السندات الأوروبي الناشئ آنذاك.

عثرات القطاع المصرفي الأمريكي

في عام ١٩٧٨ استحوذ بنك كريدي سويس على ٢٥ في المائة من بنك الاستثمار فيرست بوسطن، وفي عام ١٩٨٨ قام بزيادة حصته وسُمِّي بنك كريدي سويس-فيرست بوسطن، ولكن كان على القطاع المصرفي السويسري الاستمرار في مواجهة تحدياتٍ من نوعٍ خاص في الولايات المتحدة ولندن؛ ففي عام ١٩٩٠ وجد بنك كريدي سويس نفسَه المساهِمَ الأكبرَ في مشروعه المشترك مع فيرست بوسطن؛ ومن ثَمَّ كان عليه ضخُّ ٢ مليار فرنك سويسري لإنقاذ المشروع، كان ذلك بمثابة تنبيه (هذا إذا كانت هناك حاجة إلى التنبيه) إلى أنه في عالَمٍ عنيف ومتقلِّب وسريعِ الزوال كعالَم أسواق المال الكبيرة والمنفتحة، كان من الصعب على المصرفيين السويسريين — الذين اعتادوا على تحقيق الأرباح السخية والمستقرة — أن يتأقلموا مع صعوبةِ هذا الوضع. وإلى اليوم هناك عددٌ قليل من المصارف التي نجحت فعلًا وبشكلٍ مستمر في فرْضِ وجودها في مجال الأعمال المصرفية الاستثمارية في الولايات المتحدة، بالرغم من أن العديد من البنوك الأخرى قد حاوَلَ ذلك على مدى سنوات، ومنها بنوكٌ بريطانية ويابانية وألمانية.

ولسوءِ حظِّ المصارف الكبيرة، بدأ القطاع المصرفي السويسري أيضًا يواجه ظروفًا متزايدةَ الصعوبة خلال الثمانينيات؛ فحتى ذلك الحين، كان يُطبَّق نظام الاتحاد الاحتكاري «كارتيل»، بتسعيراتٍ ثابتة وسَخِيَّة؛ ممَّا يؤمِّن الحمايةَ ويَحُول دون التنافس على العملاء والموظفين الموهوبين، وعند اعتبار عميلٍ ما أنه من عملاء بنك يو بي إس مثلًا، تصبح محاولةُ استدراجه إلى مصرفٍ آخَرَ ممارسةً سيئة وغير مقبولة؛ ومن ثَمَّ كان هناك القليلُ من المنافسة على الأسعار أو الخدمات، كما كان الموظفون يحرصون على البقاء في وظائفهم طَوال سنوات حياتهم المهنية، وكان من العار ترْكُ وظيفةٍ في بنكٍ ما والانضمام إلى بنكٍ منافس، كما كانت الترقيات تتم على أساس معايير معينة، مثل عدد أعوام الخدمة والروابط العائلية ومدى قُرْب الشخص من الأوساط السياسية والعسكرية، بدلًا من الاعتماد على إنجازات الموظف، وكان أعضاء الإدارة العليا يكسبون حوالي ١٠ إلى ١٥ ضِعْفَ ما يكسبه موظَّفو الإدارة في الدرجات الأدنى، وبحسب تصريح بيتر فوفلي — المدير التنفيذي السابق لبنك يو بي إس — كان بإمكان أعضاء الإدارة العليا زيادةُ دخْلِهم بالانضمام إلى مجالس إدارة مؤسسات أخرى، وبحكم مراكزهم يمارسون التداوُلَ من الداخل (وهو أمرٌ لم يكن آنذاك يخالِف القانونَ ولا المبادئ الأخلاقية)، وكان هناك عددٌ قليل من موظَّفي الإدارة يحملون شهاداتٍ جامعية. وكان إسنادُ الوظائف القيادية يتم بحسب النظام العسكري السويسري بتسلسُلٍ هرميٍّ صارم، وبشكلٍ يفتقر إلى الشفافية في عمليةِ صنْعِ القرار على مستوى الإدارة العليا، وفي كثيرٍ من الأحيان كان الموظفون الذين يعملون في الدرجات الدنيا يُترَكون دونَ معلوماتٍ تُذْكَر عن مجريات الأمور، وحتى لو علموا بما كان يحدث فإن انتقاداتهم لم تكن ذات جدوى؛ كان هذا هو الأسلوب المعمول به في بنك يو بي إس، خاصةً خلال فترات قيادة شيفر وهولزاخ وسين وشتودر، عندما وُظِّف جميع أعضاء الإدارة العليا تقريبًا لبنك يو بي إس من نفس الفوج العسكري في شمال شرق سويسرا؛ هذا حسبما أفاد هانس يورج رودلوف (رئيس مجلس الإدارة السويسري لمصرف باركليز بنك).

إخفاء الأرباح تحسُّبًا للأيام العصيبة

ككلِّ المؤسسات السويسرية الأخرى، بذلت المصارف قُصارى جهْدِها لإخفاءِ الأرباح بإنشاءِ ما يُسَمَّى «الاحتياطات المخفية». إن ادِّخارُ المواردِ المالية تحسُّبًا للأيام العصيبة هو ممارسةٌ مرتبطة بالعقلية السويسرية التي طالما اتسمت بالحيطة والحذر، إلا أنها أيضًا كانت مُمارَسةً لا تتَّسِم بما يكفي من الشفافية؛ ومن ثَمَّ لم يكن معلومًا سوى للقلائل ما إذا كان أداءُ المؤسسات جَيِّدًا أو سيئًا، وإلى أي مدًى، كما لم يكن هناك العديد من الأشخاص الذين يُولُون اهتمامًا لذلك؛ نظرًا إلى أن أسهُم الشركات السويسرية عادةً ما كانت تملكها عائلاتٌ ومؤسساتٌ ذاتُ شأن، تهدف بالأساس إلى خفض الضرائب إلى أدنى حدٍّ ممكن عِوضًا عن زيادة قيمة الأسهُم.

بدأت كل هذه الممارسات بالانكشاف خلال الثمانينيات؛ إذ إن الشركات التي كان يديرها مالكوها تحوَّلت بوتيرةٍ متزايدة إلى شركاتٍ تُدار بأيدي وكلاء ائتمان، ويملكها أشخاصٌ مجهولو الهُوِيَّة؛ ممَّا أدَّى إلى قيام صراعاتٍ بين إدارة الشركات ومالكيها، وفي نفس الوقت كانت الثروات تنتقل من الأفراد إلى المؤسسات (مثل صناديق التقاعُد وصناديق الاستثمار وشركات التأمين). كما أن هذا التحول في القوى وتزايُد تولِّي المتخصصين المؤهلين مَهامَّ الإدارة قد أدَّى إلى تنامي الحركات الناشطة لصالح المستثمرين، إلا أن التغيُّرات الأكبر شأنًا جاءت ردَّ فعلٍ في مُواجَهةِ المنافسة الخارجية؛ فقد شهدت المملكة المتحدة موجةً من تعديلات إلغاء القيود التنظيمية تَبِعَت الموجة المشابِهة التي بدأتها سويسرا، وتضمَّنت القبولَ بمعايير المحاسبة الدولية، وبقدْرٍ كبير من الشفافية؛ مما أدَّى إلى أنْ طالَبَ العملاءُ بجودةٍ أعلى في الخدمات. كانت المصارف السويسرية تستيقظ على واقعٍ جديد لم تَعهدْه من قبلُ، وهو واقعٌ تُقارَن فيه بنظرائها لأول مرة، وقد حلَّتْ نوعيةُ الأرباح ونسق نموها محلَّ مضمونِ الميزانية كمعيارٍ أساسي لقياس مدى نجاح الشركة. كما تحوَّلَ تمويلُ الشركات من علاقاتٍ ائتمانيةٍ طويلةِ المدى إلى أسواقِ رءوسِ أموالٍ تقوم على أساس المعاملات التجارية المقترنة بتقييمٍ آنيٍّ يُنشَر بتوقيتٍ حقيقي على شاشات البورصة للمعطيات المالية المعروفة بشاشات بلومبرج.

سويسرا أيضًا شَهِدَت فقاعات اقتصاديات في قطاع العقارات

شَهِد الاقتصاد السويسري أيضًا تغيُّراتٍ مؤلمة؛ ففي البداية — أيْ منذ عام ١٩٨٥ — أدَّى اعتمادُ نظامِ صندوق التقاعُد المهني الإلزامي إلى تحقيقِ نموٍّ كبير في كافة مجالات القطاع المصرفي. وخلال الثمانينيات نما القطاعُ المالي السويسري بمعدل ٦٫٨ في المائة سنويًّا، كما ازداد مجموع الميزانيات المالية للمصارف من ٤٨٩ مليار فرنك سويسري في عام ١٩٨٠ إلى ١٠٨٢ مليار فرنك سويسري في عام ١٩٩٠. وبحلول عام ١٩٩١ وُجِد في سويسرا ٥٩٢ مصرفًا لديها ٤٢٦٤ فرعًا وتشغِّل ١٢٠ ألفَ موظَّف، ومداخيلها تساهم بنسبة ١٠ في المائة من الناتج القومي الإجمالي للبلاد. ولكنْ في ضوء توافُرِ كمياتِ السيولة المالية الهائلة في أواخر الثمانينيات، ارتفعَتْ أسعارُ المساكن ارتفاعًا حادًّا في سوق العقارات السويسرية التي كانت أسعارها أساسًا مُبالَغًا فيها؛ مما أدَّى إلى تفجير الفقاعة المالية. وعلى مدى السنوات القليلة التالية، كان على المصارف شطب أكثر من ٥٠ مليار فرنك سويسري كخسائر في قيمة الممتلكات، وكان انهيار قطاع العقارات — بالتوازي مع تفكُّك نظام «الكارتيل» الاحتكاري الذي كان قائمًا بين البنوك — من العوامل التي أدت إلى قيامِ عملياتِ اندماجٍ كبيرةٍ ومهمة، وأسفرت عن اختفاءِ ثلثَيِ البنوك الإقليمية السويسرية، ولجوءِ الكثير غيرها إلى الانضواء تحت رايات المصارف الكبرى. وفي بداية الثمانينيات كان هناك خمسةُ مصارف كبرى، هي: يو بي إس، وإس بي سي، وكريدي سويس، وبنك لوي، وفولكس بنك، وبحلول العقد الأول من الألفية الثانية لم يَبقَ منها سوى اثنين، هما: يو بي إس (الذي كان نتاجَ عمليةِ الدمج بين يو بي إس وإس بي سي)، وبنك كريدي سويس. كانت المؤسسات الوحيدة الرابحة في قطاع الأعمال المحلي هي التعاونيات الائتمانية ذات التنظيم الموحد والمحافِظة جِدًّا المعروفة باسم «رايف أيزن»، إلى جانب القليل جِدًّا من بنوك الكانتونات (المدعومة من الحكومة).

ووفقًا لروح عصر الاقتصاد العالمي الأكثر انفتاحًا، أصبحت الإدارة تُعهَد إلى أشخاصٍ من الخارج؛ ففي البداية استُعِين بمصرفيِّين ذَوِي خبرة من المملكة المتحدة والولايات المتحدة، وبمستشارين من مؤسساتٍ مثل ماكنزي، الذين بالرغم من قلة خبرتهم العملية في المجال المصرفي، فإنهم كانوا من الحائزين على شهادات الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة هارفرد المعروفة. كما حلَّت منهجيةٌ جديدة تعتمد على مبدأ التوظيف والتسريح محلَّ ممارسة التوظيف القديمة التي كانت تقوم بشكلٍ خاص على أساس الخلفية والعلاقات الاجتماعية والولاء والنزاهة. ومن بين الأشخاص الذين برزوا في تلك الفترة لا بدَّ من ذكر لوكاس موهليمان، الرئيس السابق الموهوب لمؤسسة ماكنزي-سويسرا، والذي أصبح لاحقًا الرئيس التنفيذي لشركة إعادة التأمين السويسرية سويس ريه؛ ومِنْ ثَمَّ لبنك كريدي سويس، وهناك أيضًا بيتر فوفلي، رئيس قسم العمليات المصرفية التابع لمؤسسة ماكنزي-سويسرا، الذي التحق ببنك إس بي سي في عام ١٩٩٤.١٠

إس بي سي: من مؤسسة سقيمة إلى بطل وطني

لم يكن من المرجح لبنك إس بي سي أن يكون القوةَ الدافعة لتحديث القطاع المصرفي السويسري؛ فإدارة هذا البنك كانت في يد نخبة من المثقفين من مدينة بازل، وكان البنك الأصغر من بين أكبر ثلاثة مصارف عندما شرع مديره التنفيذي آنذاك فالتر فريهنر في تنفيذِ خطةٍ جريئة في بداية التسعينيات كان اسمها «رؤية للعام ٢٠٠٠». في ذلك الوقت كان بنك إس بي سي يُدار بنفس أسلوب إدارة الحكومة السويسرية؛ إذ كان الرئيس التنفيذي يُعيَّن بالتناوُب، وبذلك لم يكن هناك مجالٌ للالتزام أو التخطيط على المدى الطويل، وإذا لم توافق الإدارة على توجيهات المدير التنفيذي، فإنها تعطِّلها بالمماطلة والانتظار إلى أن يأتي دورُ الرئيس التنفيذي التالي؛ ونتيجةً لذلك، كان بنك إس بي سي هو الأضعف من بين البنوك الثلاثة المذكورة، وأصبح مهمَّشًا أكثرَ فأكثرَ في مُواجَهة بنكَيْ يو بي إس وكريدي سويس. لكن فريهنر قام بإجراءِ دراسةٍ دقيقة لوضع إس بي سي، وخلُص إلى ما يلي قائلًا: «لم نكن روَّادًا في أيِّ حقلٍ من حقول الأعمال الرئيسية، وفي أفضل الأحوال كُنَّا نقلِّد الآخرين لا غير، وعلاوةً على ذلك لم يكن لدينا فهْمٌ حقيقي لكيفيةِ ربْحِ المال أو خسارته وفي أي مجال.»

كان هذا التصريح بمثابة أساسٍ لمرحلة تحوُّلٍ استثنائي لبنك إس بي سي من أكثر بنوك سويسرا خمولًا وضعفًا إلى أكثر البنوك السويسرية مهارةً، وفي النهاية صار أقواها. تخلَّى البنك عن أساليب عمله القائمة على مراكز العمل المحلية الإقطاعية، ونظَّمَ أنشطتَه بطريقةٍ عملية واضعًا مسئولية الربح والخسارة على عاتقِ رؤساء أقسام العمل. حُدِّدَتِ الأهدافُ، كما ابتُكِرت نُظمُ مراقبةٍ لقياس مدى التقدُّم الذي يُحرِزه كل مسئول في مجال عمله، ووضع البنكُ كذلك خطةً يقوم على أساسها باتخاذ القرارات المتعلقة بتطوير عناصر القدرة الذاتية أو شرائها لكي يصبح مصرفًا رائدًا بدلًا من أن يكون مقلِّدًا في جميع مجالات عمله الرئيسية، ولتحقيقِ كلِّ ما سبق ذكره، ظهر على الساحة المصرفية السويسرية رجلان يمتلكان مهاراتٍ مختلفةً هما: مارسيل أوسبيل وبيتر فوفلي.

أداء ثنائي سويسري

كان أوسبيل مصرفيًّا موهوبًا وجذَّابًا من مدينة بازل، ارتقى درجاتِ سُلَّمِ الإدارة في بنك إس بي سي، وكان قد اكتسب خبرةً مهنية دولية في بنك ميريل لينش، وكان يدَ فريهنر اليمنى، وتولَّى مهمةَ تقويةِ المكانة التنافسية للبنك. أمَّا فوفلي فكان يدير سابقًا قسمَ الخدمات المصرفية التابع لبنك ماكنزي في زيورخ، وساعَدَ أوسبيل على تحقيق التوازن في الأداء بفضل ذكائه الخارق وحُكْمه العملي السليم. أقام أوسبيل عمليةَ تعاونٍ بين شركة أوكونور وشركاؤه، وهي شركةٌ ناشطة في مجال المشتقات المالية في شيكاغو، ولم يكن الشركاء فيها مصرفيِّين بكلِّ معنى الكلمة، إنما كانوا علماء رياضيات ومهندسين ذوي كفاءة وإلمامٍ تامٍّ بأحدث المقومات لتبنِّي المشتقات المالية واستخدامها في أسواق الأوراق المالية. لطالما كانت المشتقات المالية المتمثلة بالعقود الآجلة معروفةً ومعمولًا بها في أسواق السلع والعملات لأغراض التحوُّط، غيرَ أن ما كان بصددِ التطوير هو أدواتٌ لمُضاعَفة مفعول ونطاق رقعة الاستثمار بشكلٍ كبير (ومن ثَمَّ زيادة المخاطر) في الأسهم والسندات والأوراق المالية الأخرى. وتشير التقديرات الحالية إلى أن قيمة المشتقات المالية تمثِّل سبعةَ أضعاف القيمة السوقية للاستثمارات الأساسية، وهو ما يمكن تشبيهه بالقول إن المصرفيين يحصلون على «سبع قضمات من نفس التفاحة».

أدرك أوسبيل أن هناك فرصةً هامة متاحة في هذا المجال، وقرَّرَ البقاءَ في شيكاغو والعملَ بين جدران مكاتب شركة أوكونور لمدة عامين لكي يتعرَّف على الموظَّفين ويتعوَّد على طريقةِ سيرِ الأعمال؛ وبذلك أصبح واثقًا من أن شركة أوكونور تملك المعرفةَ والمهاراتِ التي يحتاجها بنك إس بي سي. تحمَّسَ شركاءُ شركةِ أوكونور وسالَ لُعَابُهم أمامَ مضمونِ وحجمِ ميزانية البنك، كما أُعْجِبَ فريهنر وأوسبيل بفريق الإدارة، وقرَّرَا شراءَ الشركة بأكملها متضمِّنًا ضمَّ المديرين الرئيسيين في شركة أوكنور، مثل دافيد سولو وإدماونت وآندي سيسيليانو، ليتولَّوا المسئوليةَ في مجالاتِ نشاطٍ هامة في بنك إس بي سي. وفي وقتٍ لاحق عندما تمت عملية دمج إس بي سي مع يو بي إس، تولَّى فريقُ الإدارة من شركة أوكونور مناصبَ إداريةً رئيسية في بنك يو بي إس، كما أن مصرفيِّي شركة أوكونور الشبابَ — الذين أُطْلِقَت عليهم تسميةُ «المصرفيين ذوي الأحذية الرياضية» — كانوا متحرِّرين من قواعد التسلسل الهرمي، وجلبوا معهم ثقافةً جديدة لم تكن معهودةً من قبلُ وراء الأبواب المقدسة للمصارف السويسرية. وقد شرح فوفلي أنه «كان بإمكانِ شابٍّ لا يفوق عمره ٢٣ عامًا أن يختلف في الرأي مع مديرٍ عمرُه ٥٢ عامًا وأمام ١٠ زملاء، وهذا ما لم يحدث قطُّ من قبلُ في بازل.» يمكن القول إن حظوظ السويسريين في المنافسة في قطاع المشتقات المالية كانت ضئيلة؛ ففي الواقع هم لم يفهموه إطلاقًا، وكان ذلك أولَ وأهمَّ مثالٍ على أن الأنشطة المصرفية خارج سويسرا قد نَمَتْ بشكلٍ فاق قدراتِ البنية الأساسية للموارد البشرية السويسرية؛ ولذلك كان لا بدَّ من التعاقُد مع الأجانب لتولِّي مسئولياتٍ مهمة، وهذا أسلوبٌ استمرَّ العملُ به حتى اليوم.

عمليات شراء في بوسطن ولندن

في عام ١٩٩٥ تولَّى أوسبيل إدارةَ الشركة التي استحوذ عليها بنك إس بي سي، وهي شركة برينسون بارتنرز لإدارة الأصول في شيكاغو، واهتمَّ فوفلي بإدارة الصناديق المؤسساتية، غيرَ أن ضربة الحظ الكبيرة التالية — التي جعلت إس بي سي أولَ مصرفٍ سويسري يتولى إدارة بنك في لندن — تتمثَّل في استحواذه على المصرف التجاري العملاق في سوق رأس المال اللندنية إس جي واربورج، التابع لمجموعة سيتي، والذي كان آنذاك يعاني من نقصٍ في الأرباح التي يحقِّقها في قطاعِ تمويلِ الشركات. وعندما تسبَّبَ نيكولاس ليسون في انهيارِ بنك بارينجز كانَتْ تكاليفُ التمويل قد تصاعدَتْ بالنسبة إلى جميع المصارف التجارية المستقلة. وكانت الشركات العالمية الكبرى من أمثال ميريل لينش وجولدمان ساكس تتصيد أفضل المواهب والعملاء في مجموعة سيتي.١١ وكانت عملية الاستحواذ على مصرف واربورج قد جَلبَت معها قدراتٍ هامةً في مجالاتِ بيعِ الأسهم وإجراء البحوث وتمويل الشركات، وهي أنشطةٌ كان إس بي سي في حاجةٍ ماسَّة إليها ممَّا أكسَبَه مكانةً قوية في لندن؛ أهمِّ سوقٍ مالية دولية على الإطلاق.١٢ وكما كان الشأن مع أوكونور، جلب بنك واربورج لبنك إس بي سي مواهبَ من أعلى مستوياتٍ مكَّنَتْه من تطويرِ ثقافته الدولية وزادت من مستوى خبراته.

نهاية إدارة الأعمال على الطريقة المعتادة

كانت الأنظار آنذاك تتجه أكثرَ فأكثر نحو مصرف إس بي سي كالنجم الأسرع صعودًا بين المصارف السويسرية، وهو أمرٌ لم يكن ليمرَّ مرورَ الكرام لدى منافسيه؛ ففي عام ١٩٨٦ استحوذ مصرف يو بي إس على فيليبس آند درو، وهي شركةٌ مرموقة ناشطة في مجالَيِ الوساطة وإدارة صناديق الاستثمار، إلا أن هذا المصرف السويسري المتأصل لم يكن متحمسًا لهذا التحرك العالمي السريع نحو نظامٍ تمويليٍّ دوليٍّ جديد. غير أن التغيير سرعان ما أصبح أمرًا محتمًا لا مفرَّ منه. كان عامل التغيير يتمثَّل في شخصِ الوسيط الموهوب — من مدينة زيورخ — مارتن إبنَر الذي نجح خلال الثمانينيات في إيجادِ فرصٍ لقوًى مستقلةٍ جديدة تبثُّ الحيويةَ في أوصال سوق زيورخ المصابة بالخمول؛ إذ أنشأ إبنَر شركةَ وساطةٍ خاصة به باسم بي زِد بنك، وحطَّم التسعيرةَ التي كانت تفرضها مجموعاتُ الكارتيل عبر القيام بصفقاتٍ على نطاقٍ واسع للمؤسسات الكبيرة وبعمولةٍ قابلة للتفاوض. ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى بدأ يدير رءوس الأموال بدعمٍ من كريستوف بلوخر، وهو صناعي ورجلُ سياسة، كما بدأ كورت شيلتكنيخت محافظ البنك المركزي السابق يمارس ضغوطًا على مديري الشركات السويسرية لتحسين أدائها لصالح المساهمين. كان تأثير إبنَر عاملًا حاسمًا في عملية الاندماج بين يو بي إس وبنك إس بي سي، وأصبح أصحاب رءوس الأموال التي يديرها إبنَر من أكبر المساهمين في بنك يو بي إس. وكان إبنَر يرتئي أن المصرف يجب أن يتخلى عن قسم الخدمات المصرفية الاستثمارية ويركز نشاطه على الخدمات المصرفية الخاصة، لكن فكرته لم تَلْقَ ترحيبًا من طرف المديرين التقليديين وأصحاب السلطة، غير أن حُججَهم الدفاعية بَدَتْ واهيةً وبائسةً بشكلٍ متزايد بحلول منتصف التسعينيات؛١٣ ففي بداية ١٩٩٦ شعر راينر جوت من مصرف كريدي سويس أن الوضع في يو بي إس أصبح حَرِجًا، وتقرَّب من نيكولا سين — مدير البنك آنذاك — ليعرف ما إذا كان مستعدًّا لمناقشة عملية دمج المصرفَيْن معًا، ولم يكن من المستغرَب أن تكون الإجابة بالرفض.

ودونَ أن يعلم بما سبق، وشعورًا منه أنه قد يُستبعد، كان فريهنر من بنك إس بي سي قد تحدث مع نيكولا سين في عام ١٩٩٥؛ ليعرف ما إذا كان بنك إس بي سي هو أفضل شريك لعملية اندماج مع يو بي إس، كان لكليهما نفس الثقافة، وكانا قد عملا معًا بنجاح في عملياتِ إعادةِ هيكلةٍ مالية معقَّدة، مثل العملية الخاصة بقطاع صناعة الساعات، كما كانا يستشعران أن عدوانية مصرف كريدي سويس في الماضي قد ضايقتهما. كان راينر جوت أقرب إلى إمبراطور منه إلى قائد، وفي حين كان راينر سين لا يعارض عملية الاندماج مع إس بي سي، كان موعد تقاعُده قد اقترب ولم يكن يرغب — وتاريخ تقاعده على الأبواب — في تخفيضِ عددِ الموظفين بسببِ التآزر الذي ستحدثه عمليةُ الاندماج.

عملية اندماج من أجل البقاء

في هذه الأثناء، سد بنك يو بي إس البابَ في وجه كريدي سويس من خلال تسريبِ معلوماتٍ للصحافة عن نوايا راينر جوت، غير أنه سرعان ما واجَهَ المزيدَ من الصعوبات نتيجةً لسوء إدارة قسم المشتقات المالية لديه، وعندما قابَلَ ماتياس كبيالافيتا المديرُ التنفيذي الجديد لبنك يو بي إس نظيرَه أوسبيل في بنك إس بي سي خلال أحد المؤتمرات، قال له إن عليهما النظر مجددًا في موضوع عملية الاندماج، وقُرِّرت في وقت لاحق نِسَبُ الحصص كالآتي: ٦٠ / ٤٠ في المائة لصالح بنك يو بي إس في مجال الأسهم، و٦٠ / ٤٠ في المائة لصالح إس بي سي في مجال الإدارة، على أن يكون اسم البنك الجديد يو بي إس. غير أن مشكلات البنك لم تَنتهِ بذلك؛ ففي خريف ١٩٩٨ كان البنك الذي دخل مؤخرًا في عملية الاندماج يعاني من خسارةٍ مدوية تُقدَّر بالمليارات، عندما انهارت شركة لونج تيرم كابيتل مانيجمنت بسبب مشكلةٍ تعود إلى الفترة التي كان فيها كبيالافيتا مسئولًا عن المشتقات المالية في بنك يو بي إس، وبذلك كان كبيالافيتا مُجبرًا على الاستقالة تاركًا المجالَ أمام أوسبيل الذي استغلَّ الفرصة لتغيير أعضاء الإدارة لصالح زملائه من شركة أوكونور وبنك إس بي إس، وأصبح أليكس كراور رئيسًا لمجلس الإدارة.

لم يَعُدْ هناك غيرُ مصرفَيْن اثنين في أعلى هرم القطاع المصرفي السويسري، وهما: يو بي إس، وكريدي سويس،١٤ وكان كلاهما يرغب في اللعب على الحلبة أمام أكبر وألمع الشركات المصرفية على مستوى العالم، كما كان لديهما بالفعل ما يلزم من التجارب لإثبات ذلك. كان القطاع الذي يتنافسان عليه قد أصبح آنذاك أكثر تعقيدًا؛ فعلى سبيل المثال، في عام ١٩٨٠ احتوى التقرير السنوي لبنك يو بي إس على ١٥ صفحة، وشمل حفنةً قليلة من الملاحظات، في حين احتوى التقرير السنوي عن عام ٢٠١١ على ٤٣٠ صفحة، وباستثناءِ بعضها، تضمَّنَ معظمها عددًا من الحواشي بتفاصيلها الدقيقة التي تتناول العديد مما يُعرَف ﺑ «البنود خارج الميزانية» إلى جانبِ شرحِ العديد من المنهجيات المألوفة ولكن التي يصعب فهمها، مثل «القيمة المُعرَّضة للمخاطر».١٥

تكلفة التحديث

figure
قاعة التداول لبنك يو بي إس في ستامفورد، كونيتيكَت بالولايات المتحدة الأمريكية.
بعد أن تعرَّضَ مصرف كريدي سويس للصدِّ من طرف يو بي إس، تقاعد جوت وأصبح موهيلمان الرئيسَ التنفيذي لهذا المصرف الذي كان يشهد حركةً ناشطة جِدًّا. كان موهيلمان مستشارًا سابقًا لدى شركة ماكينزي، كما شغل منصب الرئيس التنفيذي (١٩٩٤–١٩٩٦) لشركة إعادة التأمين السويسرية التي أعاد هيكلتها بنجاح لتصبح لاحقًا سويس ريه. كان يريد أن يرتقي بمجموعة كريدي سويس إلى أعلى المراتب عالميًّا، وكان أول ما قام به في مواجهة استياء التقليديين من مدينة زيورخ هو التخلص من الطابع المحلي للبنك، وتغيير اسمه من Schweizerische Kreditanstalt ليجعل البنك معروفًا في داخل البلاد كما في خارجها باسم كريدي سويس Credit Suisse، كما كان مصمِّمًا على ضرورةِ تقديمِ مجموعةٍ متكاملة من الخدمات المالية وبناء مكانةٍ رائدة في مجال الاستثمار المصرفي. تمكن البنك من توسيع حضوره وتعزيز مكانته في هذا المجال في الأسواق الناشئة وفي «الاقتصاد الجديد» الذي كان يمر بمرحلة ازدهار، وبفضل الفِرَق العاملة في مقره في كاليفورنيا، استطاع البنكُ تداوُلَ صفقاتِ تعويمٍ وعملياتِ استحواذٍ مُربِحة جِدًّا في قطاعَيِ التكنولوجيا وتقنية المعلومات السريعَيِ التطوُّر، حقَّقت هاتان الاستراتيجيتان نجاحًا مؤقتًا، لكنهما أثبتتا في النهاية عدم فعاليتهما، وتبيَّنَ بذلك أن الأعمال المصرفية الاستثمارية — بخلاف الخدمات المصرفية الخاصة — تشهد حركةً دورية تتحوَّل فيها الأرباح إلى خسائرَ بمجرد تحوُّلِ اتجاه حركة الاقتصاد، تمامًا كما حصل في قطاعِ ما يُعْرَف باستراتيجية «الخدمات المصرفية التأمينية»، التي جمعت بين الخدمات المصرفية وأعمال التأمين؛ إذ أثبتَتِ التجربة أن القدرة على الجمع بينهما وَهْمية، وأنَّ لكل مجالٍ منهما ثقافتَه المختلفة، فلما ترك انهيارُ سوق الأسهم بين عامَيْ ٢٠٠١ و٢٠٠٢ آثارًا سلبيةً خطيرةً على الأصول المالية لجميع شركات التأمين، كانت شركة فينترتور للتأمين التي اشتراها مصرف كريدي سويس في عام ١٩٩٧ قد أثبتَتْ أنها تمثِّل عبئًا على عاتق المصرف بدلًا من أن تكون من بين ممتلكاته القيِّمة، وكادت أن تتسبَّبَ في إغراق المجموعة بأكملها. وفي عام ٢٠٠٢ استقال موهليمان من منصب الرئيس التنفيذي بعد الفشل والمبالغة في قيمة عملية الاستحواذ على مصرف الاستثمار الأمريكي دونالدسون ليفكين وجينريت،١٦ التي وصلت إلى ٢٠ مليار دولار أمريكي، وكانت أعلى قيمةِ استحواذٍ في السوق.

كان لا بد من قدوم أجنبي لإحداث التغيير

حلَّ فالتر كيلهولز من شركة سويس ريه محلَّ موهليمان، وكان يمثِّل المؤسسةَ الرسمية لمدينة زيورخ، إلا أن الإدارة اليومية للعمليات كانت قد أُوكِلَت إلى أوزفالد جروبل، أولِ أجنبيٍّ يُدِير مصرفًا سويسريًّا كبيرًا. كان جروبل رجلًا غريبًا داخلَ المؤسسة المصرفية السويسرية، وكان يتيمًا من ألمانيا الشرقية قد أمضى معظمَ فترةِ خدمته المهنية في لندن ونيويورك، وكانت لديه معرفةٌ شاملة بكل جوانب الأعمال المصرفية ومنهجًا عمليًّا سليمًا في الإدارة، وكان يقول: «إن ٣٠ عامًا من الاتجاه التصاعدي في الأسواق قد حجبَتْ حقيقةَ أنه لا يوجد سوى عددٍ قليل من المديرين الجيدين في البنوك، كما أن فترات الازدهار قد أخفت مسارات إخفاقاتهم، ولم يكونوا مُجبَرين قطُّ على اتخاذِ قراراتٍ صعبة.» شرع جروبل في تغيير مسار بنك كريدي سويس وسعى لاستعادة مصداقيته في السوق.

وبعدَ إعادةِ هيكلة المجموعة، تولَّى برادي دوجان منصبَ الرئيس التنفيذي، وهو مصرفيٌّ متخصِّص في مجال الاستثمار، وبالرغم من أصوله الأمريكية أدارَ دوجان البنكَ بطريقةٍ سويسرية تمامًا من خلال توخِّي الحذرِ والمثابرة، وقد تكلَّلَتْ جهودُه بالنجاح بالرغم من أنه كان عُرْضةً لانتقاداتٍ شديدة من طرف الرأي العام بسبب أَجْره المرتفع بصورةٍ غير معهودة، وتحت قيادة جروبل نجا بنك كريدي سويس من أزمة ٢٠٠٧–٢٠٠٩ دونَ مساعدة الدولة، وكان ذلك جزئيًّا بفضلِ الأموال التي نتجَتْ عن بيع شركة فينترتور للتأمين، إلا أن الفضلَ الكبير يعود إلى الإدارة الحكيمة للمخاطر (ذلك على الرغم من إمكانية القول بأن كريدي سويس كان سيتعرض هو أيضًا لعمليةِ إنقاذٍ لو لم تهرع الحكومةُ لمساعدة بنك يو بي إس، وذلك بسبب المخاطر الكامنة في النظام ككل). من المؤكد أن أداء كريدي سويس كان أفضل من أداء يو بي إس؛ لأنه — ولفترة من الزمن — تفوَّقَ عليه من حيث القيمة السوقية بالرغم من أن حجم خدماته المصرفية كان يوازي نصفَ حجمِ خدماتِ بنك يو بي إس، ولكنْ على غرار يو بي إس، كان على بنك كريدي سويس أيضًا اجتذاب المستثمرين الأجانب لزيادة رأس ماله، ومثله مثل يو بي إس، وجد كريدي سويس هؤلاء المستثمرين في آسيا والشرق الأوسط على وجه الخصوص. وقد ضخَّتْ شركةُ استثمارِ سنغافورة رأسَ مالٍ بقيمة ١١ مليار فرنك سويسري في يو بي إس مقابلَ حصةٍ تساوي ٨ في المائة من أسهم البنك؛ مما أدى ببعض الساخرين إلى القول إن الاسم يو بي إس بات يعني «يونيون بنك أوف سنغافورة»، في حين استغلَّ كريدي سويس الفرصةَ التي أتاحها التعامُلُ مع مجموعة العُليان، وهي شركةٌ مساهِمةٌ في البنك منذ وقت طويل، وكذلك صندوق ثروة العائلة الحاكمة القطرية، لتعزيز احتياطيات رأس ماله وحمايتها.

وصمةُ عارٍ تلحق ببنك يو بي إس

كان بنك يو بي إس — العملاق المعروف في القطاع المصرفي السويسري — أكثرَ المتضررين وبشكلٍ علني مهين من أسوأ أزمة مالية عقب إفلاس شركة ليمان براذرز، وقد شهدت فترةُ الطفرة المالية بين عامَيْ ٢٠٠٣ و٢٠٠٨ أعدادًا متزايدةً من المواهب الواعدة جِدًّا بين التجار والمحلِّلين الماليين، الذين كانوا ينتقلون من مجالِ إدارةِ الثروات لدى البنوك إلى صناديق التحوُّط؛ حيث استطاعوا تحقيقَ أرباحٍ هائلة لأرباب العمل وكسبوا بدورهم رواتبَ عاليةً تتماشى مع أدائهم، وهكذا في عام ٢٠٠٥ قام جون كوستا — مدير بنك الاستثمار لدى يو بي إس في الولايات المتحدة — باستخدام المليارات من أموال المصرف لإنشاء صندوق تحوُّطٍ خاص بالبنك تحت اسم «ديلون ريد» لإدارة رءوس الأموال، وبذلك هيَّأَ الساحة لدفع أكبر بنوك سويسرا إلى حافة الإفلاس. كان هذا الصندوق الجديد أساسًا يتضمن قدرًا كبيرًا من إصدارات السندات المربوطة بقروض الرهونات العقارية، كما أن فريق العمل الذي بقيَ يعمل لدى المصرف استمرَّ باتباع استراتيجية كوستا — المزعوم أنها ناجحة — بتنفيذ عمليات شراءٍ واسعة النطاق لهذه السندات، وعندما توقَّفَ النشاط في هذا الميدان في عام ٢٠٠٧، كان يو بي إس واحدًا من البنوك التي تملك أكبرَ قدرٍ من سندات الرهونات العقارية العالية المخاطر، وكانت ميزانية البنك تعادل ٢ ترليون دولار أمريكي عندما دخل في أزمة الديون العقارية المقرونة بنظام مُضاعَفة leverage يتعدَّى ٤٠ ضعفَ قيمةِ الاستثمار الأساسي؛ ونظرًا لتصنيفه الائتماني الممتاز، كانت تكلفة رأس المال لديه منخفضةً بشكل يُحسَد عليه؛ وبذلك كان سبيله لتحقيق الأرباح سهلًا وميسَّرًا؛ حيث كان بإمكانه اقتراضُ مبالِغَ كبيرةٍ بتكاليفَ منخفضة، وإعادةُ استثمارِ هذه المبالغ في الرهونات العقارية بهامشِ بضعِ نقاطِ أساسٍ فقط من الربح، وهذه الفوارق البسيطة تولِّد أرباحًا هائلةً عندما تكون مُضاعَفةً أربعين مرة، ويصبح بذلك جمْعُ المال سهلًا مثل قصِّ قسائم الورق ما دامت درجةُ التصنيف الاستثنائية (بمستوى AAA) لهذه الاستثمارات موثوقًا فيها ومُعتمَدة. وقد أصبح لدى بنك يو بي إس فعليًّا صندوقُ تحوُّطٍ هامٌّ للغاية من خلال استغلال قدرته على الحصول على رأس المال بسهولة وبتكلفةٍ متدنية، خلافًا لما كان يتَّسِم به في السابق من سياسةٍ قائمة على اعتماد الحذر والحكمة. وبعد حدوث الانهيار، صرَّحَ فريهنر، وهو يشعر بالأسف لكونه هو مَن قاد يو بي إس إلى القمة ثم شاهد سقوطَه إلى الحضيض، قائلًا: «لقد عملتُ في عالم الأسواق المالية وقتًا طويلًا، وأعرف أنه عندما تسير الأمور بشكل سيئ للغاية تجفُّ السيولة وتصبح التصنيفات الائتمانية لا معنى لها.»

إن تجربة بنك يو بي إس خلال الأزمة المالية الأخيرة تسترجع إلى الذاكرة بشكلٍ ملحوظ تجربتَه الفاشلة بعد انهيار شركة لونج تيرم كابيتال مانيجمينت. ولقد نسب روجر لوفينشتاين فشل لونج تيرم كابيتال مانيجمنت في كتابه «عندما يفشل العباقرة» إلى استراتيجيةٍ ماليةٍ مشابهة ﻟ «جمع القِطَع النقدية في الحقل أمام ماكينة الحصاد وهي قيد التشغيل».

في نهاية المطاف على الحكومة أن تهبَّ للمساعدة

في أواخر عام ٢٠٠٧ تقدَّمَ بنك يو بي إس صاغرًا إلى الحكومة لمساعدته على البقاء في السوق، وبعد العديد من عمليات الشطب وزيادة رأس المال التي انتهت باستقالةِ أوسبيل في ربيع عام ٢٠٠٨، عملتِ الحكومة الفيدرالية جنبًا إلى جنب مع البنك المركزي على اتخاذِ جملةٍ من التدابير الحكيمة من أجل إنقاذ المصرف. وفي تاريخ ١٦ أكتوبر من عام ٢٠٠٨، أنشأ البنك المركزي صندوقَ «شتاب فَند»، وهو ما يمكن تسميته «البنك الفاشل» الذي جرى تحويل ٦٠ مليار دولار أمريكي إليه من سنداتِ الاستثمار العقارية غير القابلة للبيع. وعمليًّا سخَّرت الحكومة مبلغ ٣٨٫٧ مليار دولار أمريكي لإنقاذ المصرف المنكوب الذي تمكَّنَ من تسديد ٢٠ مليار دولار حتى خريف عام ٢٠١٠. (وفي شهر يوليو من عام ٢٠١١ بلغ خط ائتمان صندوق «شتاب فَند» ٨ مليارات فرنك سويسري.)

figure
كان بنك يو بي إس على حافة الانهيار في عام ٢٠٠٨، وكان على الحكومة التدخل لإنقاذه.

وبحلول عام ٢٠٠٩ كان الاتحاد السويسري قادرًا على وقف تدابير دعم البنك بشكلٍ كامل، محقِّقًا مكاسبَ تُقدَّر ١٫٢ مليار فرنك سويسري، نتجت عن استثماره الأصلي البالغ ٦ مليارات فرنك سويسري، ومُقارَنةً بالاستثمارات التي قامت بها حكوماتٌ وطنية أخرى، تجاوَزَتْ سويسرا المأزق بسهولةٍ نسبية لا بأسَ بها، ولم يتعرَّض أيٌّ من المصارف السويسرية للتصفية أو الإفلاس. وفي الواقع كانت الطريقة التي استخدمتها سويسرا للتعامل مع كارثة يو بي إس، عن طريق فصل البنك «الفاشل» عن البنك «الناجح» دون أن تتكبَّد أي خسائر، قد أُشِيدَ بها وأصبحت مثالًا يُحتذَى به. لقد اختارت معظم المصارف الأوروبية التي تأثرت بالأزمة أن تصحِّحَ ميزانياتها وتحمِيَها، كما تجنَّبَتْ معادلة خسائرها من خلال تقييم أصولها بسعر السوق؛ ممَّا أدى إلى كبح عمليات الإقراض على الرغم من أسعار الفائدة المتدنية جِدًّا، وهذا سببٌ غالبًا ما يُستشهَد به بصفته واحدًا من الأسباب الهامة التي تقف وراء الانتعاش الاقتصادي المخيِّب للآمال.

بعد أن أُنقِذَ يو بي إس من الاندثار، دعا المصرف جروبل — الذي كان قد تقاعد في تلك الأثناء — إلى العودة إلى مركز القيادة وتعديل المسار، وهذا المصرفي ذو الأصول الألمانية الذي يوحي بالخشية تمامًا كما يوحي بالتقدير، كان قد غيَّرَ في السابق مسارَ بنك كريدي سويس من الفشل إلى النجاح. قَبِلَ جروبل المنصبَ في شهر فبراير من عام ٢٠٠٩، وتمكَّنَ من تحويل الخسارة التي تكبَّدَها المصرف في عام ٢٠٠٨ والمُقدَّرة بمبلغ ٢١ مليار فرنك سويسري إلى أرباح بلغت ٧٫٥ مليارات فرنك سويسري في عام ٢٠١٠، إلا أن نجاحه كان قصير الأمد؛ حيث إن المصرف تعرَّضَ لخسارة تُقدَّر بأكثر من ٢ مليار فرنك سويسري في عام ٢٠١١ بسبب تصرُّفاتِ مصرفيٍّ محتال، وعلى إثر ذلك استقال جروبل وتخلَّى عن منصبه.

شركات أعمال متخصِّصة تُقدَّر قيمتها بالمليارات

على الرغم من الأزمة المالية وبداية اضمحلال السرية المصرفية، كان هناك عددٌ من رجال الأعمال الذين واصَلُوا تأسيسَ وإدارةَ عددٍ من الشركات المالية المزدهرة في سويسرا، كما أن عددًا من المصارف القائمة في الخارج ما زال يحتفظ بمكاتبَ كبيرةٍ هناك، وهذا دليلٌ على أن البلاد تستمر في جذب الأثرياء الأجانب.

أسَّسَ راينر مارك فراي في عام ١٩٩٢ شركته المالية آر إم إف التي تخصَّصَتْ في إنشاءِ صندوقِ استثمارٍ للمؤسسات من جميع أنحاء العالم تحت اسم «صندوق الصناديق». وبعد ١٠ سنوات، باع راينر مارك فراي شركتَه إلى مجموعة مان في المملكة المتحدة بمبلغ ١٫٣ مليار فرنك سويسري واستثمر جزءًا من العائدات في شركة الاستثمار «هورايزون ٢١»، وبفضله أصبحت البلدة الصغيرة بفافيكون في كانتون شفيتس اليومَ أحدَ المراكز العالمية لصناديق التحوُّط. وفي هذه الأثناء — في بلدة تسوج — بدأ في عام ١٩٩٦ ألفريد جانتنر وأورس فيتليسباخ ومارسلي إرني بإنشاءِ شركةِ بارتنرز جروب التي استثمرت أموالَ عملائها بشكلٍ أساسي في صناديق الأسهم الخاصة، وتُقدَّر قيمةُ الشركة حاليًّا بحوالي ٤ مليارات فرنك سويسري كما تُعتبَر رائدةً في مجالها. كان هؤلاء الأشخاص — إلى جانب آخَرين — جعلوا من مدينة تسوج المركزَ الرائد في العالَم في مجال الاستثمار بالأسهم الخاصة، كما أسَّسَ ريتو رينجر شركةً لإدارة الأصول المستدامة إس إيه إم في زيورخ في عام ١٩٩٥، وتحوَّلَ من رائدٍ إلى قائدٍ في مجال الاستثمار المستدام.

وفي منطقة جنيف، حيث نشأ مفهوم إدارة الثروات، أسَّسَ برنار سابرييه — وهو رجلُ أعمالٍ آخَر متميز — شركة يوني جيستيون المتخصصة أيضًا في صناديق التحوُّط والأسهم الخاصة، وكذلك أسَّسَ يواكيم جوتشالك المجموعةَ الرائدةَ لإدارة الصناديق جوتيكس في مدينة لوزان.

إدارة الثروات تؤدي إلى صنع ثروات

في عام ١٩٩٥ قام بيتر كيوني — الذي كان يرأس سابقًا العمليات المصرفية الخاصة لشركة سيتي بانك في سويسرا — بإنشاء شركة إي إف جي في مدينة زيورخ، وفي وقتٍ لاحق طرح الشركةَ في سوق الأسهم، وسريعًا ما توسَّعَ نشاطها في الخدمات المصرفية الخاصة إلى جميع أنحاء العالم، وهي توظِّف اليومَ ٢٤٠٠ شخص في ٣٠ بلدًا. بدأ كيوني وزملاؤه العملَ في مجال إدارة الثروات لصالحِ مصرفِ سيتي بانك بمحض الصدفة تقريبًا، عندما شحَّتِ الأعمالُ التجارية في أعقابِ اتفاقِ بريتون وودز. كان مصرف سيتي بانك في تلك الفترة يعمل في مجال الإقراض بالفرنك السويسري للشركات الأمريكية العاملة في أوروبا، وكان المقترضون يرغبون في الاستفادة من الانخفاض الكبير في معدلات الفائدة على القروض بالفرنك السويسري، وبما أن أسعار الصرف كانت ثابتة، لم يكن هناك داعٍ للقلق بشأن مخاطر العملة، ولكن عندما بدأ تعويم العملات بسبب انتهاء العمل بنظام بريتون وودز، انتهت هذه الأعمالُ المربحة بالنسبة إلى سيتي بانك في جنيف، وأصبح كيوني وزملاؤه عاطلين عن العمل، غير أن كيوني استطاع إقناعَ سيتي بانك بضرورةِ تلبيةِ احتياجاتِ كبار العملاء من الأفراد الأثرياء ضمن شبكة عملاء البنك، لا سيَّما في الشرق الأوسط؛ ممَّا أدى إلى قيامِ أعمالٍ عالميةِ النطاق ذات أصولٍ تُدار في سويسرا وتبلغ قيمتها حاليًّا ١٤٠ مليار دولار أمريكي، وهذا إنجازٌ لا بأسَ به لشخصٍ كان بحاجةٍ إلى إيجادِ فرصِ عملٍ له ولزملائه في جنيف في عام ١٩٧٢.

ازدهرت إدارة الثروات كذلك في كانتون تيسين الناطق بالإيطالية، حيث يعمل ١٥ ألف شخص في قطاع الخدمات المصرفية وإدارة الأموال بالوصاية، ويديرون أصولًا تُقدَّر قيمتها ﺑ ٤٠٠ مليار فرنك سويسري، ويأتي جزءٌ لا يُستهان به من هذه الأموال من إيطاليا، كما يُعتبَر هذا القطاع ذا أهميةٍ حيوية بالنسبة إلى الكانتون؛ إذ إنه يمثِّل ١٧ في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للكانتون، وهذه نسبةٌ أعلى بكثير من المتوسط العام في كافة أنحاء سويسرا.

ولقد سجَّلت هذه الخدمات المالية المتخصِّصة نموًّا هائلًا بين عامَيْ ١٩٩٥ و٢٠٠٦، كما زاد عدد الموظفين في هذا المجال الهام من القطاع المصرفي بأكثر من ٥٠ في المائة ليصل إلى حوالي ٦٣ ألف موظف، متجاوِزًا بذلك عددَ العاملين في قطاع التأمين، وهذا العدد يعوِّض تراجُعَ العمالة بنسبة ٨ في المائة في القطاع المصرفي بشكلٍ عام.

ومن بين المصارف التي تقوم مقرَّاتها في الخارج ولها مكاتبُ كبيرة في سويسرا، ما زال هناك مجموعاتٌ مصرفية عائلية مثل إتش إس بي سي وسيتي جروب وباركليس وكوتس، على الرغم من أن هذا الأخير قد سحب أوراقه من اللعب. كوتس هي مجموعة مصارفَ معروفة فقط لدى الأسر الثرية جِدًّا بما فيها العائلة الملكية البريطانية، والسبب الرئيسي الذي جعل هذه المصارف تستقر في سويسرا هو رغبتها في تقديم خدماتٍ تتميز بالطابع السويسري في إدارة الثروات، وفي فتراتٍ مختلفة أدخلت هذه المصارف روحَ المنافسة إلى السوق السويسرية، كما مارست ضغوطًا على رواتب المصرفيين من خلال محاولةِ تصيُّدِهم بطرقٍ غير مشروعة. وفي القليل من الحالات، اشترى مصرفٌ أجنبي مصرفًا مقرُّه سويسرا كما كان الحال عندما اشترى بنكُ أمريكان إكسبريس في عام ١٩٨٣ بنكَ تطوير الاستثمار التجاري التابع لإدمون صفرا، كما أن مصرف إتش إس بي سي بذل قُصارى جهده ليحتلَّ المرتبةَ الثالثة في مجال إدارة الثروات بعد بنك يو بي إس وبنك كريدي سويس، لكن معظم المصارف الأجنبية هي الآن بصددِ إعادةِ تقييم أهمية وجودها في سويسرا في ضوء تراجُع السرية المصرفية.

تقييم كلفة عقد كامل من الاضطراب

كان جوهر النشاط الرئيسي للقطاع المصرفي السويسري لأمدٍ طويل يتمثَّل في إدارة الثروات الخاصة، وعلى مدى عقودٍ عديدة استطاع المصرفيون السويسريون أن يؤمِّنوا للأثرياء مزايا استقرارٍ سياسي ممتاز وعملة قوية ومعدلاتِ تضخمٍ متدنية ومعدلاتٍ ضريبية منخفضة وفعالة، وملاذًا من الحماقات ونزعات التبذير المُبالَغ فيها من طرف حكومات البلدان الأخرى. وحتى الآن لم يستكثر هؤلاء الأثرياء على البنوك السويسرية الأرباحَ الهائلة التي حقَّقتها من وراء ثرواتهم، كما لم يشتكوا من المحاولات الخرقاء التي قامت بها المصارف السويسرية الكبرى في بعض الأحيان باستخدام تلك الأرباح لمحاولة الانضمام إلى صفوف المصارف العالمية الكبرى؛ فلا مصرف كريدي سويس ولا بنك يو بي إس قد حالَفه الحظ في الخارج. ويظهر مثلًا من صافي الأرباح المتراكمة قبل الضريبة، أن نشاط الاستثمار الخارجي لبنك يو بي إس خلال السنوات السبع الماضية خسر مبلغ ٤٠ مليار فرنك سويسري، في حين أن إدارة الثروات على المستوى المحلي قد ربحت ٥٠ مليار فرنك سويسري. إنه لمن المجازفة الجزم بأن القطاع قد وصل إلى مفترق طرق، أو أن الأمور على وشك أن تتغير بشكلٍ كبير، تمامًا كما قال رجل الاقتصاد الراحل روديجر دورنبوش: «إن الأمور تستغرق وقتًا أطول مما تتوقعون لحدوثها، وبعد ذلك تحدث أسرعَ بكثيرٍ مما كنتم تتوقَّعون.»

بالرغم من عدم وجود أدلةٍ كافية لإثبات سوء السمعة، فإن عملية إنقاذ بنك يو بي إس في عام ٢٠٠٨ قد جعلت صورة سويسرا التي تتسم بالحيطة والاستقرار تتراجع نوعًا ما، كما أن هناك دلائل على أن الكارثة البنكية التي تسبَّبَ بها مصرفيٌّ محتالٌ في عام ٢٠١١ قد تكون أثارَتِ استياءَ عددٍ من العملاء الأثرياء. ولقد أتت هذه النكسات في وقتٍ كانت فيه المصارف السويسرية بصدد إعادة النظر في أساليب عملها التقليدية، خاصةً أن بعض هذه الأساليب التي صنعت مجدها في الماضي قد أصبحت في الوقت الحاضر بلا جدوى؛ ونظرًا لانخفاض المخاطر السياسية في الخارج، لم يَعُد في وسع المصارف السويسرية الاعتماد على استمرار تدفقات الثروات إليها لأسبابٍ سياسية. وعلى الرغم من أن الفرنك السويسري لا يزال عملةً تُوفِّر ملاذًا آمنًا مُقارَنةً بالأعمال الأخرى، ففي إمكانِ أيِّ شخصٍ شراءُ الفرنك السويسري في أي مكان، وليس من الضروري أن يكون له حسابٌ في سويسرا.١٧ وفي هذه الأثناء راكمت حكوماتُ بلدانٍ متعددة قدرًا هائلًا من الديون، وباتت بحاجةٍ ماسَّة إلى عائداتٍ ضريبية إضافية لخدمة تلك الديون؛ ومن ثَمَّ لم يَعُدْ بإمكانِ المصارف السويسرية الاعتمادُ على أن هذه الحكومات سوف تلعب «دور النعامة» إلى حدٍّ ما، وتغضُّ الطرف عن التحايُل الضريبي، وعلاوةً على ذلك فإن التكنولوجيا الحديثة ستساعد الحكومات على كشف المتحايلين على الضرائب.

هل يستحق المصرفيون السويسريون رواتبَهم ومكافآتهم؟

إن الشفافية تتطلب — من بين ما تتطلب — أن يكون من السهل نسبيًّا مقارنةُ كلٍّ من أداءِ المصارف السويسرية والرسومِ التي تتقاضاها بأداء ورسوم المصارف المنافسة، وقد استطاعت المصارف السويسرية أن تتقاضى من عملائها رسومًا لإدارة الثروات تتراوح بين ١٫٢ و٢ في المائة سنويًّا من حجم الثروات المودعة لديها، لكن ذلك يصبح أكثر صعوبةً عندما يكون في إمكان العملاء الحصول على نفس الخدمات برسومٍ أقل بنسبة ٥٠ إلى ٨٠ في المائة لدى المصارف غير السويسرية. وعندما تكون العوائد على الاستثمار منخفضة — نظرًا لتدني معدلات الفائدة الحقيقية — يميل العملاء أكثر فأكثر إلى تجنُّب المخاطرة، وإلى التدقيق في الرسوم والتكاليف بعنايةٍ أكبر، أضِفْ إلى ذلك أن استقطاب العملاء الجدد يصبح أكثر صعوبةً؛ ومن ثَمَّ تزداد تكاليفه، ومع عدم إمكانية الاعتماد على النمو في الإيرادات، فإن المصارف السويسرية قد تحتاج إلى خفض تكاليفها بمقدارٍ كبير.

غير أن أزمات الديون في العديد من البلدان الصناعية — لا سيَّما في أوروبا — أدَّت إلى ازديادِ أهمية الاستقرار السويسري وقيمته خلال الأعوام القليلة الماضية. ومرةً أخرى قد تكون الاضطراباتُ الخارجية سببًا لإعطاءِ البنوك السويسرية دفعةً قوية إلى الأمام.

وفي هذه الأثناء، يصعب توقُّعُ أنْ تواصِلَ البنوكُ السويسرية الكبيرة الحفاظَ على حضورها الهام في قطاع الاستثمار المصرفي. وقد أظهرت الأزمة المالية عام ٢٠٠٨ أن الاستثمار المصرفي يمثِّل عملياتٍ تجاريةً محفوفة بقدرٍ عالٍ من المخاطر، وأن التقلبات الحادة في مستوى الربحية باتت القاعدةَ السائدة، ولعل الحادثة التي تسبَّبَ فيها مصرفيٌّ محتال في بنك يو بي إس في عام ٢٠١١ قد عزَّزت إبرازَ عنصرِ المخاطرة. وتجاوُبًا مع هذا الوضع، طلب البنك المركزي من المصارف تأمينَ المزيدِ من رءوس الأموال لدعم أنشطتها المصرفية الاستثمارية؛ مما سيؤدي حتمًا إلى انخفاض مستوى الأرباح. وفي خريف عام ٢٠١١، اعتمد البرلمان السويسري قانونًا جديدًا لمعالجة مشكلة مفهوم «البنوك الأكبر من أن تفشل» بإجبارِ اثنين من المصارف الكبرى على زيادة رءوس أموالها بمقدارٍ إضافي.

تقليل المخاطر

من المرجح أن يقوم المساهمون دائمًا بتضخيم الضغوط. وهم لم يجنوا الكثير من وراء أنشطة البنوك الاستثمارية. وقد قال بول أخلايتنر، رئيس مجلس إدارة مصرف دويتشه بنك والرئيس التنفيذي السابق لأليانز، مؤخرًا: «بالنظر إلى الأمور من منظورٍ مستقبلي، وبشكلٍ إجمالي، لم تجلب الأنشطة الاستثمارية للبنوك عوائدَ جذابةً للموظفين، ولم تجلب سوى عوائدَ ضعيفةٍ للغاية للمساهمين.» وهذا لا يبدو وكأنه عملٌ تجاري متفق مع القيم الجوهرية السويسرية الخاصة بالحصافة والتواضع.

ومع انخفاض ربحية إدارة الثروات الخاصة وزيادة حدة المنافسة بين بنوك الاستثمار بالخارج، ستعاود الإدارات دراسة الأعمال التي بوسعها توليد أرباحٍ مستقرة على أقل القليل من رأس المال. ومن المرجح أن تجد أن الأعمال التي تدعم عملاء إدارة الثروات الجوهريين هي الأقل خطرًا. ومن بين هذه الشركاتُ الخاصة، وعددٌ قليل من المجالات الأخرى التي لا تتطلب رأس مالٍ كثيرًا ومن ثم لا تتسم بالخطورة الشديدة، مثل الخدمات الاستشارية حول أعمال الاندماج والاستحواذ.

كل هذا يشير إلى انكماش في الأهمية النسبية للبنوك السويسرية في الاقتصاد السويسري، وهو ربما لا يكون أمرًا سلبيًّا بالكامل لدولة سويسرا؛ فمثلًا، سوف يؤدي ذلك إلى وجود اقتصادٍ أكثر توازنًا لو انكمشت إسهامات البنوك، كما تنبأ شتيفان شميدهايني، بمقدار النصف خلال الجيل التالي. وليس شميدهايني الوحيد الذي يرى ذلك؛ إذ يعتقد يورج هالر، وهو أحد آخر الرجال المقاومين للتغيير في بنك يو إس بي،١٨ أن المصرفية الخاصة في سويسرا كانت مصدر ثروةٍ عظيمة عبر الجيل الماضي — وهي فقاعةٌ شبيهة بفقاعة شركات الإنترنت في طبيعتها، لكن مختلفة في مدتها — وأن العمل سيظل جيدًا، لكن على نطاقٍ أقل كثيرًا وعلى مستوًى أقل من الربحية.

حيثما تكون إدارة الثروات تكون الأرباح

من المتوقع أن تنمو الثروات الخاصة التي يملكها الأفراد نموًّا سريعًا على الصعيد العالمي، وستكون هناك حاجة إلى مؤسساتٍ تديرها. وحتى لو تقلَّصَ النمو وهوامش الربح، تبقى الخدمات المصرفية الخاصة في الأساس أعمالًا تجارية جيدة؛ فالسويسريون لديهم مَيزاتُ تفوُّق خاصة؛ منها تجربتهم الطويلة في هذا الميدان، وقدرتهم على تحدُّث اللغات الأجنبية، وعقليتهم الدولية الواسعة.

كما أن الخدمات المصرفية الخاصة تتطلب رأسَ مالٍ قليلًا؛ لأن أصول العملاء عادةً ما تكون تحت وصاية البنك (أي خارج ميزانية البنك)، ولقد أشار بيتر فوفلي — المدير التنفيذي لبنك يو بي إس — إلى أن الخدمات المصرفية الخاصة هي التي توفر «أعلى العائدات على حقوق المساهمين وأكثرها ثباتًا، وتشكِّل قرابة ٣٠ في المائة من أعمال أي مصرف، بما في ذلك البيع بالتجزئة والخدمات الخاصة للمؤسسات وإدارة الأصول والاستثمار المصرفي.» وأكثر مناقشات الساعة تدور حول ما إذا كان ينبغي على المصارف السويسرية الكبيرة أن تركِّز اهتمامها حصريًّا على الخدمات المصرفية الخاصة والاستغناء عن الخدمات الاستثمارية الأخرى الأكثر عرضةً للمنافسة والمخاطر.

وقد دافع مصرفَا يو بي إس وكريدي سويس عن موقفهما بالقول إن النموذج المصرفي العالمي يسمح لهما بأن يقدِّمَا للعملاء فوائدَ واسعةَ النطاق في مجالات التجارة والائتمان والوصاية وأسواق المال، وهذا مجال لا تستطيع المصارف الخاصة المتخصصة مثل بنك بيكتيه التصدِّي له أو التنافُس فيه، كما أضافا أن العلاقات مع كبار رجال الأعمال والشركات الصناعية توفر مجموعةً متنوعة من الفرص التي لا يمكن استغلالها إلا من طرف المصارف الكبرى التي تقدِّم خدماتٍ متكاملة. وعلى الرغم من أن وجهة النظر هذه كانت فيما مضى تبدو مُقنِعة، فإنها اليومَ باتت واهيةً بعد كل الإخفاقات الأخيرة التي عرفها هذا القطاع. ولعل المشكلة في القطاع المصرفي العالمي تكمن في أنه متشابك بشكلٍ معقد ويتطلب من الجميع — في أي مؤسسة — أن يكونوا في خدمة الجميع. هناك القليل من المصارف مثل جولدمان ساكس وجي بي مورجان التي تبدو قادرةً على غرس ثقافة العمل الجماعي والاعتزاز به بين صفوف موظفيها بدءًا من مرحلة توظيفهم، غير أن الثقافات المصرفية الاستثمارية في بنكَيْ يو بي إس وكريدي سويس هي ثقافاتٌ داخلية قديمة يميِّزها الطابع التنافسي المعروف لدى وول ستريت، الذي يعتمد سياسة «عليك أن تأكل ما تصطاد».

الموضوع يتعلق بالمسئولية الشخصية

في جميع الأحوال، تكشف النقاشات العالمية الدائرة بخصوص قطاع المصارف عن الصراع الكامن في الدور المزدوج الذي تلعبه المصارف؛ فهي من ناحيةٍ مؤسساتٌ تسعى لتحقيق الأرباح، ومن ناحيةٍ أخرى هي بمثابة القلب النابض للنظام الاقتصادي. وليس من الواضح إلى أي مدًى سيسمح الشعب السويسري للمصارف الكبيرة بالدخول في النشاط الاستثماري المصرفي إذا كان ذلك يعرِّض صورةَ البلاد أو مواردَها المالية للخطر.

وبغضِّ النظر عن مسألة رأس المال، يرى جيورجيو بير — الأستاذ في جامعة سانت جالن — أن أعضاء إدارة المصارف يجب أن يكونوا مسئولين شخصيًّا عن الأخطاء التي تحصل، وذلك بتقديم أصولهم الخاصة ضمانًا، مذكِّرًا بمبادئ وأصول المصارف الخاصة وروح الريادة في الأعمال، كما يضيف أن ذلك سيكون أكثر من مجرد زيادة رأس المال للقضاء على مشكلات الفروع التي تأخذ أبعادًا أكثر حدةً بشكلٍ خاص في مجال الاستثمار المصرفي؛ حيث تُشيَّد الإمبراطوريات وتُدمَّر بسهولةٍ تامة باستخدام أموال الآخرين. وهناك العديد من رجال الأعمال — ومنهم بير — الذين يستعصي عليهم فهْمُ الأسباب التي تحتِّم تعريضَهم للخسارة والربح على حدٍّ سواء، في حين أن المصرفيين يكسبون المال خلال الأوقات الجيدة، وعندما تأتي الأوقات العصيبة يُنقَذون باستخدام أموال دافعي الضرائب.

ولعل جيورجيو بير ليس الوحيد من بين أخصائيي القطاع المصرفي الذين يحاولون إيجادَ طرقٍ لجعل المصارف الكبرى آمنةً وفعَّالة، إلا أنه بعد مرور سنوات على الأزمة المالية العالمية الأخيرة، لا يزال هناك عدمُ توافُق في الآراء بشأن كيفية تحقيق هذا الهدف، ومن المرجح أن أبرز وأبسط فكرة هي مطالبة البنوك بزيادة رءوس أموالها؛ أيْ بعبارة أخرى: تقليص نسبةِ ومدى مضاعفة استثماراتها. ولقد كان موقف البنك المركزي السويسري قويًّا وحازمًا في اعتماد هذا الإجراء بفرض أعلى مستوًى من رأس المال بالنسبة إلى حجم الأعمال في العالم، لكن هذا أيضًا حلٌّ مكلِّف للمصارف؛ لأنه يترك أثرًا خطيرًا على نسبة هوامش أرباحها.

هناك أيضًا فكرةٌ أخرى ظهرت مؤخرًا في دراسةٍ قامت بها مجموعة من الباحثين من المملكة المتحدة، وهي إجبار المصارف العالمية على فصل أقسام الأعمال المصرفية العادية عن أقسام الاستثمار المصرفي، وتتمثل هذه الفكرة في عزل الأعمال التجارية للمصارف التي تُمثِّل الجانب الحيوي للاقتصاد عن الاضطرابات المحتملة في الخدمات المصرفية الاستثمارية التي تتعَرَّض لقدْرٍ أكبر من التقلُّب والمخاطر. كما أن هناك اقتراحًا آخَرَ يتطلب من المصرفيين الالتزامَ بمعاييرَ معينة، وإلا فإنهم سيواجهون خطرَ منْعِهم من ممارسة الأعمال المصرفية، وهذا يشابه إلى حدٍّ كبير النظامَ الذي ينطبق على الأطباء والمحامين، ولكن على عكس هؤلاء سيكون تحديدُ مسئولية الأفراد عند حدوث إخفاقاتٍ على الصعيد المؤسساتي أصعبَ بكثير؛ ومن ثَمَّ لن يكون من الواضح أن هذا الإجراء من شأنه أن يمنع اعتمادَ السلوك المفرِط في المخاطرة. وهناك أفكارٌ أخرى تدور حول تعزيز صلاحيات مجالس الإدارة؛ إذ إنه من الواضح أن معظم حالات الفشل تعود إلى الإقدام على أعمالٍ غير محسوبة النتائج، والإفراط في التفاؤل، وجنون العظمة لدى أصحاب النفوذ.

هل يمكن اعتبار القطاع المصرفي «واحدًا من الموارد الطبيعية»؟

قد يكون هناك مسار بنَّاء آخَر بالنسبة إلى سويسرا، ينطلق من الفكرة التي تقول إن القطاع المصرفي هو واحد من «المصادر الطبيعية» السويسرية القليلة والنفيسة. كما يمكن القول إنه بمكانةٍ مماثلة للنفط في دولٍ أخرى. وعلى أي حال، إن القطاع المصرفي — على عكس القطاعات الصناعية السويسرية الأخرى، ربما باستثناءِ قطاعِ السياحة — هو قطاع يزدهر بفضل كونه «سويسريًّا».١٩ فلولا حُسْن أداء البنك الوطني السويسري، وقرونٌ من الحياد السياسي، وإخفاقاتُ حكوماتٍ أجنبية، وإنجازاتُ أناسٍ عملوا بجدٍّ مقابل أجورٍ متواضعة مثل إيشر وشيفر وهولزاخ ولويتفيلر؛ لَما كان لهذا القطاع أن يحظى بالأرباح التي ينعم بها اليوم. ولربما على سويسرا أن تستلهم من تجربة النرويج؛ حيث إن صندوق الحكومة النرويجية للتقاعد — وهو أحد أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم — يقوم باستثمار عائدات النفط والغاز وادخارها تحسُّبًا للفترة التي ستبدأ فيها هذه الموارد في النفاد. وبإمكان السويسريين إنشاء صندوقٍ مماثل، وفرض ضريبة «مورد طبيعي» خاصةً على أرباح البنوك، واستخدام هذه العائدات لإنشاء احتياطي تحسُّبًا للأوقات العسيرة، أو بإمكانهم إيجاد وسائلَ أخرى لادِّخار «القرش الأبيض للأيام السوداء» لمواجهة الفترات الشحيحة، تمامًا كما فعل عددٌ لا يُحصى من عملاء المصارف السويسرية الذين جذبتهم البلاد وقطاعها المصرفي.

أعمال صناعة المال

بالرغم من أن أسماء مثل كريدي سويس وسويس ريه ويو بي إس قد حقَّقت شهرةً واسعة على مستوى العالم، فإن هناك عددًا من الشركات السويسرية التي نشأت وبرزت بفضل النظام المالي الاستثنائي في سويسرا الذي يتحلَّى بمقومات حرية التصرف والانضباط والجدارة بالثقة، إضافةً إلى أن قدرة السويسريين على العمل بصمت وتكتُّم قد ساهمت في تمكينهم من الهيمنة على مجالات تخصصهم في أرقى محاور القطاع المالي.

أكبر المؤسسات المالية السويسرية في ٢٠١١.*
١٩٥٠ ١٩٧٠ ١٩٨٠ ٢٠٠٠ ٢٠١١
بنك يو بي إس (١٩٩٨)
إجمالي الأصول ٥٠٥٨ ٥٨٣١٨ ٤٢٤٥٦٨ ١٠٨٧١٢٣ ١٣٦٦٠٠٠
مجموع عدد الموظفين ٦٣٣٠ ١٧٩٠٠ ٤٣١٨٠ ٧١٠٨٠ ٦٤٨٢٠
عدد الموظفين في سويسرا ٢٨٢٠ ٩٧١٠ ٣٧٠٠٠ ٣٠١٠٠ ٢٨١٠٠
بنك كريدي سويس (١٨٥٦)
إجمالي الأصول ٢٢٦٥ ٢٨٠٣٢ ١٢٥٧٦٧ ٩٨٧٤٣٣ ١٢٢٩٠٠٠
مجموع عدد الموظفين ٢٣٩٠ ٦٥٤٠ ١٦١٠٠ ٨٠٥٤٠ ٤٩٧٠٠
عدد الموظفين في سويسرا ٢٢٩٠ ٦٤١٠ ١٤٧٠٠ ٢٨٢٤٠ ٢٠٩٠٠
شركة سويس ريه لإعادة التأمين (١٨٦٣)
إجمالي الأصول ٥٦٨ ٢١٥١ ٤٧٧٧ ٢٦٠٥٧ ٢٨٨٠٣
مجموع عدد الموظفين ٤١٠ ٨٢٠ ٩٥٩٠ ١٠٧٨٨
عدد الموظفين في سويسرا ١٣٢٠ ٢٨٤٠ ٣٤٩٠
شركة زيورخ للتأمين (١٨٧٢)
إجمالي الأصول ٢٩٨ ١٨٦٠ ١٢٤١٧ ٥٧٢٨٨ ٥٠٢٠٠
مجموع عدد الموظفين ٣٣٩٨٠ ٦٥٠٠٠ ٥٢٦٤٨
عدد الموظفين في سويسرا ٨٠٠٠ ٧٦٠٠
المصدر: مجلة فورتشن.
وعلى سبيل المثال، فإن شركة إم إيه تي في مدينة بازل تؤمِّن خدمات أجهزة الصراف الآلي، وتوفر مرافقَ تخزينِ الذهب لشركاتٍ كبرى مثل جيه بي مورجان، كما أنها تحتلُّ مكانةً مرموقة بين الشركات الرائدة المتخصصة بنقل وتخزين الأعمال الفنية القيِّمة (وأصولها المالية هي من الأصول القليلة التي ما زال بالإمكان شراؤها بسرية وبأموالٍ غير معلن عنها). وشركة أوريل فوسلي تأسَّست في عام ١٥١٩ — أيْ منذ ما يقارب ٥٠٠ سنة — بطلبٍ حكومي بصفتها شركةً مختصة بالطباعة، ولعبت دورًا بارزًا في نشر أفكار تسفينغلي التي بعثت الحماس في صفوف المنادين بالإصلاح البروتستانتي، ثم في وقتٍ لاحق، تخصصت في إنتاج الوثائق ذات الحساسية الأمنية العالية مثل شهادات الأسهم، وهي اليومَ الشركةُ الوحيدة التي تنتج الأوراقَ النقدية للبنك السويسري. أما شركة كاي بي آي نوتاسيس KBA Notasis في مدينة لوزان فتصنع المال «بالمعنى الحرفي للكلمة»؛ إذ إنها الشركة الرائدة عالميًّا في صنع الآلات التي تُنتج الأوراقَ النقدية للبنوك المركزية في جميع أنحاء العالم.

هناك محورٌ هام آخَر ضمن هذه المجموعة الكبيرة والمتميزة من الشركات السويسرية الرائدة في مجال توفير مقومات الأمان، وهي شركة سيكبا التي بدأت مغامرتها في مجال الصناعة في عام ١٩٢٧ عندما أسَّس موريس آمون مصنعًا لخدمة الصناعات الزراعية والغذائية في مدينة لوزان. وفي عام ١٩٤٣ قام واحدٌ من ابنَيْ موريس آمون بوضع الأسس لمبادراته في مجال إنتاج الأحبار الأمنية، من خلال تزويد إسبانيا بأول دفعة من أحبار سيكبا لإنتاج أوراق البيزيتا النقدية. وفي العقود القليلة التالية وسَّعت شركة سيكبا نطاقَ عملها على الصعيد الأوروبي، وأصبح نشاطها مكرَّسًا كليًّا تقريبًا لإنتاج أحبار الطباعة.

وخلال فترة الستينيات التي شهدت نشأةَ العديد من البلدان الجديدة، باتَتِ الحاجة ماسَّةً لإنتاج مجموعة من العملات الجديدة؛ مما أدى من ثَمَّ إلى تأسيسِ عددٍ كبير من المطابع المتخصصة بطباعة الأوراق النقدية. ومع التحرر التدريجي للتجارة العالمية، واستمرار تطور تقنيات الطباعة، أصبح من الضروري وضْعُ معاييرَ نوعيةٍ موحَّدةٍ للأوراق النقدية. وكانت شركة سيكبا سبَّاقةً في وضعِ معاييرَ جديدة لجودة الطباعة وضمان بقاء الرموز المطبوعة صالحةً للتداول في بيئاتٍ ذات ظروفٍ مناخية صعبة وثقافة متنوعة. وقد اعتُمِدت هذه المعايير وعُمِل بها في كافة مطابع الأوراق النقدية في جميع أنحاء العالم، ولا تزال صالحة حتى اليوم.

وقد استثمرت شركة سيكبا باستمرار في مجال التطوير والابتكار؛ لكي تحافظ على قدرتها التنافسية على نطاقٍ عالمي في هذه السوق العالمية التخصص، ومن بين ابتكاراتها: حبرٌ ذو تأثيرٍ بصري يُسَمَّى أوفي OVI؛ فقد اكتشف فريقُ البحث التابعُ لشركة سيكبا منهجيةً جديدة تجعل لونَ الحبر يتغير بحسب الزاوية التي يُنظَر منها للرمز المطبوع، وهذه تقنية أثبتَتْ جدارتها وصلابتها وصمودها في وجه مرور الزمن، وحبر أوفي الذي استُخدِم في طبع العملات للمرة الأولى في عام ١٩٨٧ لا يزال يشكِّل سِمةً جوهرية مهيمنة لضمان صحة الأوراق النقدية، كما أنه يوفر عوامل الأمان لمعظم جوازات السفر ووثائق الهوية في العالم. وفي عام ٢٠٠٦ أطلقت شركة سيكبا ابتكارًا تكنولوجيًّا آخَرَ باسم سبارك، وهو جيلٌ جديد من الأحبار الأمنية البصرية التي تجمع بين المؤثرات الدينامية وتحول الألوان لتأمين صحة الأوراق النقدية ووثائق الهُوِيَّة. واليومَ تشمل نشاطاتُ شركةِ سيكبا الموادَّ الأساسيةَ الخاصة بتأمين الوثائق، بدءًا من الأحبار التي طُوِّرت لعمليات الطباعة، وصولًا إلى إيجاد حلولٍ كُيِّفت لتطبيقاتِ تقنيةِ أطلية الصقل (الورنيش) وأنظمة الردع ضد السرقة.

في منطقة الشرق الأوسط، اعتُمِدَتِ الأحبار الأمنية لشركة سيكبا ومهاراتها الأخرى منذ عقودٍ في إنتاج الأوراق النقدية المطبوعة من قِبَل مطابعَ أمنيةٍ دولية. ومع بداية عام ٢٠١٧ بدأ استخدامها في أحدث مطابع الأوراق النقدية في العالم التي افتُتِحت في أبو ظبي. واليومَ تُستخدم الأحبار الأمنية أوفي — على سبيل المثال — في الأوراق النقدية المتداولة في عُمان وفي الكويت، واستُخدِمَتْ أحبارُ سبارك لأوَّل مرة في إنتاج سلسلة الأوراق النقدية الجديدة في عُمان عام ٢٠١٠. كما أنها تظهر اليومَ أيضًا على مختلِف الأوراق النقدية المتداوَلة والتذكارية في كلٍّ من الكويت ولبنان والعراق والبحرين والمملكة العربية السعودية.

ومنذ مطلع القرن، وسَّعتِ الشركة أيضًا خبراتِها لتشمل مراقبةَ سلاسل التوريد وضبطَ إجراءات التعقُّب والتتبع لمسار السلع، كما استثمرت في دمج المهارات التي اكتسبتها في مجال صناعة الأحبار مع التقنيات الرقمية الحديثة، لتقديم حلولٍ وخدماتٍ للحكومات والقطاعات الصناعية المختلفة لضمانِ صحة وأصالة المُنتَجات، وتتبُّعِ مسار السلع وإثبات مصادرها، وكذلك تسوية المسائل الضرائبية. وعلى سبيل المثال، في عام ٢٠١٦ قامت شراكةٌ بين شركة سيكبا وبلدية دبي لإطلاقِ نظامِ تعقُّبٍ وتتبُّع، بفرض تطبيق نظام الطوابع الذكية على بائعي قوارير المياه والمنتجات الحلال، لضمان صحة السلع وتمكين المستهلكين والسلطات من التثبُّت من مصادرها.

ومع توسُّع نطاق تقنيات الأمن والتتبُّع المُطبَّقة في مجال حماية الهوية، وتأمين المعاملات وسلامة المنتجات، عَمِلَت سيكبا على تعزيز دورها بصفتها شركةً موثوقًا فيها لتقديم الاستشارات للحكومات والبنوك المركزية والصناعات والمطابع ذات المستويات الأمنية العالية. ويكمن نجاحُ الشركة — بلا شك — في طابعها السويسري الذي يجمع بين التميز والجودة العالية، والشراكات القائمة على الثقة، والحرص على خدمة العملاء بإتقان، وروح التجديد والابتكار، والاستقلال الذي توفره اللامركزية، والحرية المطلقة في اتخاذ القرارات.

قطاع التأمين أيضًا يزدهر

تُعَدُّ سويسرا المحورَ الرئيسي لخدمات التأمين العالمية، وشركة سويس ريه هي ثاني أكبر شركة لإعادة التأمين في العالم، وتأتي بعد الشركة الألمانية ميونيخ ريه، بينما تُعَدُّ شركة زيورخ للخدمات المالية من ضمن أكبر خمس شركات للتأمين المباشر في جميع أنحاء العالم. وعلى الرغم من أن قطاع التأمين قد عرف مسيرةً متميزة كُلِّل خلالها بالنجاح أحيانًا، وشكا فيها من بعض الخيبات أحيانًا أخرى، فإن هذا القطاع لم يتشكل إلا في وقتٍ متأخر، وظلَّ لسنواتٍ عديدة عبارةً عن خليط من شركاتِ تأمينٍ متخصصة لكنها محلية ورأسُ مالها ضعيف، حتى ليلة من ليالي شهر أيار من عام ١٨٦١؛ ففي تلك الليلة نشب حريقٌ في إسطبل في جلاروس التي كانت آنذاك بلدةً صناعية مزدحمة في شرق سويسرا، وخلال فترةٍ قصيرة انتشر الحريق في جميع أنحاء البلدة، حتى إن أضواء النيران كان يمكن مشاهدتها من مدينة بازل التي تبعد ٩٥ ميلًا، ومع طلوع فجر اليوم التالي، كان ثلثا البلدة قد تحوَّلَ إلى رماد، وهذا ما خلَّفَ ٣ آلاف شخص دون مأوًى، كما بلغت قيمة الأضرار ١٠ ملايين فرنك سويسري، وهو مبلغ كان يُعَدُّ آنذاك هائلًا. وإثرَ الصدمة أصبح جليًّا أن سويسرا في حاجةٍ ماسَّة وسريعة إلى قطاعِ تأمينٍ بإمكانه مُواجَهةُ المخاطر التي تنتج عن الكوارث. وتَظهر القيمة الحقيقية لأهمية التأمين على وجه التحديد عندما يكون احتمال وقوع كارثة نادرًا وغيرَ متوقَّع وتكون عواقبها وخيمة.

حل مشكلة الثقة

في تلك المرحلة، دخل على هذا المشهد ألفريد إيشر، مؤسس بنك كريدي سويس، وأحد صانعي الاقتصاد السويسري في القرن التاسع عشر، كان إيشر أيضًا طبيبًا نفسيًّا فذًّا وذا بصيرة نيِّرة، وأدرك أن هناك مشكلةَ ثقة، وبالتعاون مع مصرف كريدي سويس بصفته شركةً «لإعادة التأمين»، وفَّر رأس المال الأوَّلي لإنشاء شركةٍ غير معروفة — هي «مؤسسة التأمين على الحياة ومعاشات التقاعد» — باتت تُعرَف اليومَ باسم سويس لايف. كما أُسِّست شركاتٌ أخرى أكثر أهميةً في أعقاب الحريق المذكور الذي نشب في مدينة جلاروس، ومنها الشركة السويسرية للتأمين البحري في زيورخ، والشركة السويسرية للتأمين ضد الحوادث في فينترتور، وكذلك الشركة التي أصبحت لاحقًا «سويس ريه» لإعادة التأمين. هذا وقد نَمَتْ شركتا التأمين زيورخ وفينترتور في وقتٍ لاحق لتصبحا أهمَّ مجموعتَيْ تأمين بالتجزئة في سويسرا.

وكانت سويسرا أولَ بلدٍ أوروبي أدخَلَ تشريعاتٍ خاصةً بالتأمين وأنشأ مكتبًا لتنظيم هذا القطاع في عام ١٨٨٦. كانت التشريعات وطريقة العمل في مجال التأمين في سويسرا صارمتَين بصفةٍ غير معهودة؛ مما أدى إلى ارتفاع قيمة رسوم التأمين وتشجيع تشكيل اتحادٍ احتكاري «كارتيل». وبقي الحال كذلك حتى تسعينيات القرن المنصرم.

بدأ هذا الوضع يتغير عقبَ انتهاءِ سنوات الطفرة التي شهدتها فترةُ ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبدأت سلسلةٌ من مُطالَبات التأمين الكارثية بإعادة رسم معالم قطاع التأمين. كان التسرُّب الكيميائي السام في سيفيزو في عام ١٩٧٦، وكارثة بوبال في عام ١٩٨٤، وكارثتا تشيرنوبيل وشفايزر هالِّيه في عام ١٩٨٦، وتسرُّب النفط من ناقلة النفط إكسون فالديز في عام ١٩٨٩؛ كلها حوادث أدَّت إلى سلسلةٍ لا نهايةَ لها من عمليات الاستحواذ وتشكيل الشركات الجديدة في جميع أسواق التأمين الكبرى في العالم تقريبًا. وهذا ما حَدا بشركات التأمين المباشِر لِلُّجوء إلى شركات إعادة التأمين، مثل شركة سويس ريه؛ لكي تتخلَّص من أعباءِ ما يُسَمَّى المخاطرَ «التي يصعب التنبؤ بها»، مثل الكوارث الطبيعية التي تمثِّل مخاطرَ لا تستطيع إمكانياتها المادية أن تتحمل عواقبها. بدأت شركة التأمين السويسرية تتوسع وتنتشر أكثرَ فأكثر على الصعيد الدولي، كما قامت بتطوير إجراءاتٍ وأساليبَ جديدةٍ ومعقَّدة لتقييم المخاطر، وشركة سويس ريه التي أُسِّست في عام ١٨٦٣ باتت اليومَ تشغِّل أكثرَ من ١٠ آلاف شخصٍ في ٢٠ بلدًا، وتوظِّف خبراءَ في عددٍ من فئات مخاطر الكوارث الطبيعية، ومنها الأعاصير والزلازل والتسربات النفطية. ويعتقد المراقبون في هذه الصناعة أن قدرةَ السويسريين على قياس مستوى المخاطر هي سببُ النجاحات التي حقَّقوها على مدى فترةٍ طويلة من الزمن، وكانت هذه المهارة هي التي جعلت من شركة زيورخ — بكل بساطة — أكبرَ شركةٍ في العالم للتأمين ضد الحوادث والمسئولية الشخصية بحلول عام ١٩٢٨ (وفقًا لصحافة التأمين البريطانية)، وسمحت لشركة سويس ريه بالتفوق على شركة لويدس اللندنية؛ لتصبح ثانيَ أكبر شركة لإعادة التأمين خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

ضحية التوجهات الجديدة

إلا أن شركات التأمين السويسرية — ومنها شركة سويس ريه — انقادت بلا وعي وراء أسلوب التآزُر الذي نشأ من مفهوم التأمين المصرفي (أيِ الجمع بين الخدمات المصرفية وعمليات التأمين) خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي. وكمثال على ذلك، أصبحت شركة التأمين فينترتور جزءًا من كريدي سويس، في حين انطلقت شركة زيورخ في حملةٍ طَمُوحةٍ من عمليات الاستحواذ. وهذا السلوك الذي بدأ بشكلِ سباقٍ نحو زيادة الحجم والأرباح، من خلال السعي إلى إنشاء شركاتٍ قادرة على تقديم جميع الخدمات المالية التي يمكن تصوُّرها، تحوَّلَ في نهاية المطاف إلى عملٍ فاشل كليًّا؛ نظرًا إلى أن هذا المزج بين مجالَيْ عملٍ لا يتوافقان كان مكلفًا ومحفوفًا بالمخاطر.

كانت عيوب هذه الممارسة عديدة؛ فاحتياجات العملاء والثقافة اللازمة للإيفاء بها هما أمران مختلفان كليًّا، كما أن طبيعة الأرباح هي أيضًا مختلفة. ولطالما أخفى تكوينُ الاتحادات الاحتكارية الحقيقةَ القائلة بأن شركات التأمين تحقِّق عوائدَ منخفضةً على أصولها، غير أن ذلك بات ظاهرًا للعلن من خلال تنامي المنافسة، ولاحقًا من خلال أزمة سوق الأسهم التي تلت انفجارَ فقاعة الإنترنت في عام ٢٠٠١. ولا تزال شركات التأمين السويسرية الكبرى بصدد التقاط أنفاسها والتأقلم مع الواقع الجديد.

غير أن الجدير بالملاحظة هنا هو أن قطاع التأمين — على الرغم من كبر حجمه المعروف — يستمر بالسير قُدُمًا في توسيع حضوره في الأسواق الخارجية الرئيسية؛ إذ إن أكثر من ٧٠ في المائة من الدخول التي يجنيها من رسوم التأمين، والتي بلغت ١٧٦ مليار فرنك سويسري في عام ٢٠٠٨، حُقِّقت في الخارج. ويشكِّل قطاع التأمين أكثر من ٥ في المائة من حجم الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، ويمثِّل واحدًا من أكبر ستة قطاعات في الاقتصاد السويسري. إن بعض الأخطاء الإدارية المنعزلة والصدمات المالية الاستثنائية لم تُغيِّر من حقيقةِ أن العلامة التجارية السويسرية ذات الملاءة المالية والجدارة بالثقة والاعتماد ما زالت تحوز على قدرٍ كبير من الأهمية لدى الكثيرين في قطاعِ عملٍ تُعتبَر الثقةُ فيه العاملَ الأهم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١