الفصل الثالث

الدين

تتمثل العقبة المُستعصية التي نقابلها عبر هذا الكتاب في أنَّ شكسبير شخصيةٌ فاقت أهميتها بعد وفاتها أهميَّتَها في حياتها؛ ففي أثناء حياته، وحتى بعد بَدء حياته المهنية في لندن، لا يُمكن مُقارنة ثروته التي جمعها بعناية أو حجم شهرته بالأهمية التي نَسبَتها له الأجيال التالية على استحقاق. بطبيعة الحال يتفاقم هذا الوضع في السنوات التي سَبقَت بَدءَ عمله المسرحي في لندن، عندما كان يفتقر لكلٍّ مِن المكانة والثروة، التي كانت ستضعه في أي مركزٍ ملحوظ في السجلات التاريخية. فنحن لا نعلم أي شيء تقريبًا عن حياته كزوجٍ شاب، أو عمَّا كان يفعل، أو كيف كان يشعُر، أو كيف تسنَّى له إعالة عائلته، أو كيف انتهى به الحال إلى الاستقرار على العمل في مجال المسرح. فقد احتار كُتَّاب سيرته الذاتية في العَقد من عام ١٥٨٢ إلى ١٥٩٢، الذي لم يَبقَ منه أيُّ أثرٍ مُوثَّق عن مكان وجوده. سيُوضِّح هذا الفصل أنَّ الدين كان أهم عنصر في تشكيل هذه الفجوة الزمنية في الأدلة التي امتدَّت طَوالَ عقدٍ من الزمن في حياة الشاعر، في مرحلةٍ اختفى فيها الأَثَر الورقي في ستراتفورد، فلم يرِدْ ذكر اسمه إلا بضعَ مراتٍ في المُعاملات القانونية لأُسرته.

يُعبِّر الدِّين بقوة «عمَّا لا نعرفه» عن حياة شكسبير، واستُخدم المذهب الكاثوليكي على وجه الخصوص للتكهُّن بالمكان الذي ربما كان فيه شكسبير بعد زواجه. بوجهٍ عام، يمثل الدين واحدًا من أكثر الجوانب إثارةً للجدل، وشهرة، وأهمية من الناحية السياسية في ثقافة شكسبير. كذلك يُمثِّل إحدى النقاط الحرجة الحيوية في الارتباط المُعقَّد بين الفن والحياة الذي يهدف هذا الكتاب إلى استعراضه؛ فالدين يُوجَد في كل مكانٍ لدى شكسبير؛ فهو واسع الانتشار في أعماله تمامًا كما كان في ثقافته، لكن ربما لأنَّ هذا فنٌّ وليس حياةً واقعية، لم يُعلن وجوده قطُّ عن تَحيُّزه، فيما عدا ربما في تصويره للأعداء المُباشرِين للمسرح، الفصائل البيوريتانية للبروتستانتية المُتطرِّفة؛ مثل شخصية مالفوليو «المتشدِّد» في مسرحية «الليلة الثانية عشرة»، وشخصية أنجيلو المُنافِق في مسرحية «الصَّاع بالصَّاع».

•••

إن نُدرة المعلومات عن الفترة بين حياة شكسبير المُوثَّقة جيدًا في ستراتفورد عند زواجه، وحياته المِهنيَّة في لندن، التي عُرفت باسم «السنوات المفقودة»، فَتحَت الباب أمام عددٍ كبير من الفرضيَّات التي يصعُب التأكُّد من صحتها. وأقدم هذه الفرضيَّات طَرَحها خبير الأثريَّات في القرن السابع عشر، جون أوبري، الذي ورد في كتابه «حيوات مُوجَزة» أدلةٌ غير مؤكدة تُفيد بأنه كان مُعلِّمًا مدرسيًّا: «على الرغم ممَّا يقوله بن جونسون عنه، بأنه كان لا يعرف إلَّا قليلًا من اللاتينية وقدْرًا أقلَّ من اليونانية، فإنه كان يفهم اللاتينية جيدًا؛ بسبب عمله في سنوات شبابه مُدرِّسًا في القرية.»1 وأشار كُتَّاب سيرة آخرون إلى أن المعرفة الوثيقة بالقانون التي ظَهرَت في أعمال شكسبير تُشير إلى أنه لا بُدَّ أن يكون قد عمِل كاتبًا قانونيًّا. ومُؤخَّرًا أحيا إي إيه جيه هونيجمان وآخرون الادِّعاء بأن شكسبير كان يسكن، في البداية بوصفه مدرسًا خصوصيًّا، مع عائلة هوتون الكاثوليكية في هوتون هول في لانكشير، وأنه أصبَحَ هناك عضوًا في فرقة تمثيل، وأنَّ إقامته المؤقَّتة هذه في لانكشير تُعبِّر عن مكانه طوال «السنوات المفقودة». تكمُن الصعوبة التي تواجِهُ هذه الفرضية في أنَّ السجلَّات التاريخية لا تُظهِر أن ويليام شكسبير عاش مع عائلة هوتون. هذا وقد ذكر أحد خدَم عائلة هوتون (على الرغم من عدم كونه مُمثلًا على الأرجح) اسم ويليام شكسشافت بوضوحٍ على أنه عاش معهم بالفعل نظرًا لطلَب ألكسندر هوتون في وصيَّتِه التي كتَبَها في عام ١٥٨١ من السير توماس هسكيث أن يكون «ودودًا مع فالك جيولم وويليام شكسشافت اللَّذَين يعيشان حاليًّا معي، وإمَّا يأخذهما لخدمته أو يُساعدهما في العثور على أحد السادة الطيِّبِين، مع ثِقتي في أنَّ هذا ما سيفعله.»2 ونظرًا لما تبيَّن من وجود العديد ممن يُدعَون شكسشافت في لانكشير في القرن السادس عشر، فلا يُمكننا تبرير التخمين بأن شكسشافت كان شكسبير لكن باسمٍ آخر.3 وعلى الرغم من أنَّ هذا الخط البحثي لم يكشف عن أدلةٍ جديدة عن مُعتقدات شكسبير، فإنه نجح في توضيح اثنتَين من النقاط العامَّة القَيِّمة بشأن السياق التاريخي لحياة شكسبير؛ الأولى هي: إلى أيِّ مدًى كانت الثقافة المسرحية مُتاحة ومُتوفِّرة في منازل النبلاء في الأقاليم. والثانية: أنَّ هذا الصنيع أظهر المُمارسة الدينية الكاثوليكية الواسعة الانتشار التي ظلَّت موجودة في كثيرٍ من المناطق في إنجلترا بعد حركة الإصلاح الديني.

يجدُر بنا أولًا فَهم ماهية ظاهرة حركة الإصلاح الدِّيني التي انتَشرَت في جميع أنحاء أوروبا، من أجل فَهم الطُّرق التي كان تأثيرها حتميًّا على شكسبير. فإن فساد الكنيسة في العصور الوسطى، وخاصَّةً حياة الرهبنة الماجِنة وبيع صكوك الغفران (التي كانت نظامًا ﻟ «ضمان» الحصول على حُكمٍ مُخفَّف في المَطهَر قبل الفوز بنعيم الجنة)، أدَّى إلى انتقاد الكنيسة على يدِ أمثال العالِم الهولندي الإنساني، ديزيديريوس إيرازموس. لكن في النهاية تُوِّج السُّخط على الكنيسة بإعلان مارتن لوثر عن لاهوتٍ بديل مُكتمِل الأركان. كانت السِّمة الأبرز في هذا اللاهوت المسيحي المُعدَّل فكرة أنَّ الخلاص يكون نتيجةً للإيمان وحده («سولا فيدي») بدلًا من كونه نتيجةً لفعل الأفعال الطيبة، كما اعتقد الكاثوليك، وصاحَبَ ذلك فهمٌ جديد لما يحدُث بالفعل عندما يقرأ القسُّ كلمات «هذا هو جسدي» على رقاقات التناوُل في طقس الأفخارستيا. يؤمن الدين الكاثوليكي التقليدي بأنه في لحظة نُطق القس لهذه الكلمات، يتحوَّل الخُبز والخمر إلى جسد يسوع المسيح ودمه. كان هذا يرجِع إلى فَهم الكاثوليك لطقس الأفخارستيا على أنه إعادة تمثيل لتضحية المسيح على الصليب؛ فبالنسبة لهم، استَحضرَت أفعال القسِّ وكلماته جسد المسيح ودمَه وروحَه وألوهيَّتَه، وهذا وفقًا لعقيدة التحوُّل الجوهري. على العكس من ذلك، يرى لوثر أنَّ حضور المسيح في الطعام والشراب العادي يظلُّ سرًّا إيمانيًّا، لكن بالنسبة له ليس لكلمات القسِّ القدرة على إحداث هذا التحوُّل الإعجازي؛ فهذا ضَربٌ من السِّحر ولا علاقة له بالدين. بدلًا من هذا، اعتنق عقيدة التواجُد الجوهري، وكان التشبيه الذي استخدمه لشرْح التحوُّل الأفخارستي مثال الحديد المُلتهِب في النار — فقد دَخلَت النار في الحديد، لكن الحديد بقي. ذهب كُتَّاب بروتستانت آخرون إلى أبعدَ من هذا ورفضوا مثل هذا التفسير المادي غير المنطقي لمِثل هذا العمل المُقدَّس. ومع ذلك، لم يُنكِر أي بروتستانتيٍّ إنجليزي في القرن السادس عشر أن الأفخارستيا كان أمرًا محوريًّا في الحياة المسيحية أو قال إنَّ المسيح لم يكن موجودًا بنحوٍ أو بآخر في هذا الطقس الديني — لقد كانت «طبيعة» وجود المسيح هي موضع الخلاف. وعلى مثل هذه الاختلافات، اندَلعَت حروب وسقط شُهداء. وجديرٌ بالذكر أيضًا، أنه من منظور الأدب والفن، أثارت هذه الخلافات مشاعر البروتستانت الذين أرادوا غلْق المسارح التي زعموا أنها غير أخلاقية وآثِمة، والذين حكموا على جميع أشكال الأدب بأنها أكاذيب، والفن بأنه نوع من الوثنية.

لأنَّ تبجيل القِدِّيسِين، والاحتفاظ ببقاياهم وتبجيلها، وممارسة تلاوة صلاة المِسبحة، وخاصةً تقديس مريم العذراء، كانت إلى حدٍّ ما أحد عوامل فساد الكنيسة في العصور الوسطى، فقد قلَّل البروتستانت من شأنها بوصفِها كلها ممارساتٍ وثنيَّة وخُرافاتٍ كاثوليكية. ونتيجةً لهذا، حاوَلَتِ السلطات استئصال كافة الأدلَّة المرئية على الكاثوليكية الرومانية، على الرغم من تفاوُت نجاحها في هذا؛ ففي المناطق التي بقي فيها التمسُّك بالدين القديم قويًّا، بَذلَت الأبرشيات كلَّ ما في وُسعِها من أجل الإبقاء على سلامة أجزائها الداخلية، بينما في المناطق التي ساد فيها الحماس للبروتستانتية، حتى القبور تَعرَّضَت للانتهاك. وفي عام ١٥٦٠، صدر أَمرٌ يحظُر إلحاق المزيد من الدمار بالنُّصُب التَّذكارية، مُشيرًا إلى أن هذه الأشياء «ليست إلَّا بغرَض إحياء ذكرى … للأجيال القادمة … وليس الغرَض منها دعْم أي نوعٍ من الخُرافات.»4 ومع ذلك، أَمرتِ السلطات بتجريد الأجزاء الداخلية من الكنائس من الزخارف المُقدَّسة؛ فمَنعَت «تزيين الكنائس» كما أَطلَق عليه جون جويل في إحدى العِظات في عام ١٥٦٣؛ فصدر أمرٌ بإزالة أو تدمير التماثيل، واللَّوحات، ومنصَّات الصليب الأعظم العلوية، والعباءات والملابس الأخرى المُزخرفة، وعددٍ كبير من الأغراض الشعائرية. هذا وقد اعتَمدَت درجة تطبيق هذه الأوامر أو تجاهلها بدرجةٍ كبيرة على الأسقف المحلي والميول اللاهوتية لوكلاء الكنيسة والكهنة المحليِّين. تَعرَّضَتِ اللوحات الجدارية في أبرشية شكسبير، مِثل كثيرٍ من الأبرشيات، إلى الطلاء فوقَها باللَّون الأبيض، وأُزيل المذبح من كنيسة جيلد تشابل. خلق هذا التجديد الجذري للديكور الداخلي في جميع أنحاء الدولة، جمالًا بديلًا — لم يَخلُ من الأناقة — يقوم على الجُدران غير المُزيَّنة وطاولات التناوُل البسيطة، التي أصبحت مُرتبطة بالبروتستانتية.5
في الكنائس الإنجليزية، حل قُدَّاس التناوُل من «كتاب الصلاة المُشتركة» محل قُدَّاس الأفخارستيا الكاثوليكي. وظهر «كتاب الصلاة المشتركة» في عام ١٥٤٩ في عهد إدوارد السادس، وهذا، على حدِّ قول لوري آن فيريل «ما جعل كنيسة إنجلترا «إنجليزية».»6 عَمِل هذا الكتاب على فصل الشعب الإنجليزي عن الطقوس الدينية الكاثوليكية، وأصبح وثيقةً مُحدِّدة للدِّين في إنجلترا أكثر حتى من الإنجيل؛ حتى إنه كانت ثَمَّةَ عقوبةٌ بالسجن مدى الحياة لرجل الدين الذي يستخدِم أيَّ شكلٍ آخر من الشعائر. قدَّمَت سنوات حكم ماري تيودور الكاثوليكية، من ١٥٥٣ إلى ١٥٥٨، ما لا يمكن اعتباره إلا توقُّفًا مذهبيًّا مُربكًا في تطوُّر البروتستانتية الإنجليزية. وشَهِدَت كنيسة الثالوث المُقدَّس، أَوَّل ضحايا عودة البروتستانتية مع تولِّي إليزابيث الأُولى الحُكم، والذي تمثَّل في روجر ديوس الكاثوليكي، الذي عُزل من منصِبه في عام ١٥٥٩، وكان قد عمَّد جوان، أخت شكسبير الكبرى، قبل عامٍ من هذا.

في السنوات القليلة الماضية، ركَّز النقاش النقدي على مسألة هُوية شكسبير الدينية — هل كان كاثوليكيًّا أم بروتستانتيًّا؟ في الواقع، طَغتِ الآن مسألة الهُوية الدِّينية على المسألة القديمة المُتعلِّقة بالتفضيلات الجنسية للشاعر غير المعروفة أيضًا على نحوٍ متساوٍ. تكمن المشكلة في أنه لو كان شكسبير كاثوليكيًّا بالفعل، أو يُضمِر نوعًا من التعاطف مع الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، لكان سيُجبَر على إخفاء الأمر وإلَّا تَعرَّض للاضطهاد. وحتى إن ظَهرَت أدلةٌ جديدة، فالحقيقة أنَّنا لا يُمكننا أبدًا معرفة ماذا كانت مُعتقدات وولاءات شكسبير الدينية الحقيقية.

ما نعرفه بحقٍّ أنه عُمِّد في كنيسة إنجلترا البروتستانتية، كما حدَث للجميع بعد اعتلاء الملكة إليزابيث العرش في عام ١٥٥٨، وأنه تَزوَّج فيها ودُفِن فيها، كحال الجميع. وفي عام ١٦٠٨، وجد شكسبير نفسه مرَّةً أخرى عند جُرن المعمودية حينما أصبح الأب الروحي لويليام ووكر، الذي أَوصَى له في وصيته بعشرين شلنًا. وعلى عكس المزاعم القديمة بأن الآباء الروحيِّين يجب أن يكونوا أنجليكيِّين صادقِين،7 ربما كان هذا يعني، في الواقع، مجرَّد مُواظبتِهم على الحضور الإجباري لِقُدَّاس التناوُل الأسبوعي. بالإضافة إلى هذا، تُشير أدلةٌ مَشكوكٌ في صحتها إلى أن شكسبير كان الأب الروحي لأحد أبناء بن جونسون، وبما أن جونسون، الذي تَحوَّل إلى الكاثوليكية في السجن، كان بالكاد هو نفسه بروتستانتيًّا صادقًا، فمن غير المُرجَّح أنه كان يُطالب بوجود عقيدةٍ راسخة لدى الأشخاص الذين يدعوهم ليُصبِحوا آباءً رُوحيِّين لأطفاله. وصحيحٌ أنَّ شكسبير لم يُتَّهم قطُّ بالعصيان؛ بمعنى عدم الالتزام بحضور القُدَّاس البروتستانتي في يوم الأحد، لكن بما أنَّ حضور الكنيسة كان إجباريًّا وليس اختياريًّا، فيُمكِنُنا بالكاد تقديم هذا على أنه دليلٌ على اعتناقِهِ الصادق والمُخلِص للمذهب البروتستانتي.
من هذا المنظور يكون النقاش المُحتدِم حول هُوية شكسبير الدينية إلى حدٍّ ما زائفًا؛ فالمهم فعليًّا، في الواقع ذو أهميةٍ بالغة، هو أنَّ القراءة المُتأنِّية أكثر للدين والهوِيَّات الدينية في إنجلترا في أوائل العصر الحديث أَظهرَت أن المذهب الكاثوليكي ظلَّ موجودًا لفترةٍ طويلة بعد ظهور حركة الإصلاح الديني في عددٍ كبير من المُمارسات، بين كثيرٍ من الناس وفي هياكلَ فكريةٍ مُتعددة. وأكَّد النقاش أيضًا على حقيقة أن الجميع؛ الكاثوليك والبروتستانت، وجميع ضروب الآراء الدينية التي من المُمكن أن تندرِج تحت هاتَين المِظلَّتَين، أُجبروا ببساطة، بسبب الظروف التاريخية، على الحياة جنبًا إلى جنبٍ مع جيرانهم وأقاربهم وسادتهم وخدَمِهم، الذين ربما يُعارضون على نحوٍ بالغٍ آراءهم الدينية (سواء كانت عن إيمانٍ راسخ أو كانت مُتَّبعةً بسطحية). من المُهم القول فيما يتعلَّق بميول شكسبير الدينية إنه في حين ظهرت عدم قُدرة الأدلة التي تميل إلى الجانب الكاثوليكي على إثبات تعاطُفه معه بما لا يدع مجالًا للجدَل، فقد زعزع النقاش الاعتقاد بشأن الهوية الواثقة والراسخة لشكسبير بوصفه الشاعر القومي البروتستانتي. وكان أحد أبرز الأمثلة على وجهة النظر الراسخة هذه تصريح إيه إل راوس الواثق بأنه «كان عضوًا تقليديًّا ومُلتزمًا بالكنيسة التي عُمِّد فيها، ونشأ فيها وتزوَّج فيها، والتي تربَّى فيها أطفالُه، والتي دُفن في أحضانها في نهاية المطاف.»8 نحن ربما لا نعلم يقينًا أنَّ شكسبير كان كاثوليكيًّا، لكنَّنا قطعًا لا نعرف أيضًا أنه كان بروتستانتيًّا راسِخ الإيمان.

نحن نعلم شيئَين على وجهِ اليقين عن الدين في إنجلترا في عصر شكسبير: الأول هو أن الجميع بلا استثناءٍ كان أجدادُهم من الكاثوليك، والثاني أنه لم يَسلَم أحدٌ ممَن كانوا يعيشون في إنجلترا في أوائل العصر الحديث من تحديد الكنيسة البروتستانتية الإليزابيثية التي كانت موجودة في عصر شكسبير لهُويَّتِه الدينية؛ فقد كان رعايا الملكة إما داخل كنَفِ الكنيسة أو يُميَّزون بقرارهم بالبقاء بعيدًا عنها، مِثل الكاثوليك والمُنتمِين لطائفةٍ غاضبة من البروتستانت. وشكسبير نفسه وُلد في وقتٍ مُتأخِّر للغاية بحيث لم يمُرَّ بالتغيُّر التامِّ في الانتماء الدِّيني الذي حدث عندما اعتلَت أُخت إليزابيث غير الشقيقة الكبرى، ماري تيودور، العرش وحوَّلَت العالم البروتستانتي بلا شكٍّ لأخيهما غير الشقيق، إدوارد السادس، إلى مكانٍ أصبحت فيه الآن البروتستانتية، بدلًا من الكاثوليكية، هرطقة، وكان تُعَساء الحظ الذين يُعاقَبون على اعتناقها يُحرَقون على العمود. إنَّ ما أشار إليه بالضبط هذا التحوُّل المُضطرِب لإنجلترا من دولةٍ كاثوليكية بالكامل في بداية حُكم هنري الثامن إلى نظامٍ بروتستانتي بلا مُنازع في عصر إليزابيث وخليفتها، جيمس الأول ما يزال موضع نقاشٍ بحثيٍّ مُحتدِم؛ فلم يكن هنري، من حيث ميوله الشخصية على الأقل، بروتستانتيًّا. وفي الواقع، لقد حصل على لقَب «المُدافع عن الإيمان» من البابا ليو العاشر في عام ١٥٢١ بسبب دفاعه عن الكنيسة أمام الرسائل الخمس والتِّسعين لمارتن لوثر التي علَّقها على باب الكنيسة الرئيسية في مدينة فيتنبرج الألمانية في ٣١ أكتوبر عام ١٥١٧. هذا وقد ذاع أنَّ ما دفع الملك هنري إلى البدء في هذا التحوُّل الديني الهائل كان علاقةً خاصَّة، ومسألة تتعلق بالضمير، كما يزعم البعض، حينما فشل في الحصول على موافقة البابا على إبطال زواجه الذي دام عشرين سنةً من كاثرين من أراجون، أرملة أخيه الأكبر، ووالدة ابنته الكُبرى ماري؛ فقد تمثَّلَت رغبتُه الشخصية في الزواج من آن بولين، الأم المُستقبلية لإليزابيث الأولى، وأعلن عن اعتقاده بأنَّ زواجَه من كاثرين كان مُنافيًا للكتاب المُقدَّس كما اتَّضَح من فشل الزوجَين في إنجاب ورثةٍ ذكور لحِفظ السلالة الملكية؛ ومن ثَمَّ، حدث هذا التمزُّق الكارثي في المجتمع الإنجليزي، دون عمْد، في البداية على الأقل. ومع ذلك، بمُجرَّد انفصال هنري عن روما، اكتشف المزيد من الدَّوافع، المالية على وجه الخصوص، التي حثَّتْه على الاستمرار في السعي للحصول على الاستقلال؛ فقبل حركة هنري الإصلاحية كانت الأديِرَة وما شابهها مؤسساتٍ رئيسيةً في إنجلترا في العصور الوسطى، وكان لتصفية هنري لها تأثيرٌ اقتصادي هائل وكذلك تأثيرٌ دِيني على بيئاتها المحلية. انجَرفَ هنري بالأساس مع تيَّارٍ الإصلاح الديني الذي ساد أوروبا منذ إعلان مارتن لوثر عن لَاهُوتِه الجديد، وفي النهاية كانت الأسباب المالية، وليست اللاهوتية، هي ما جَعلَتْه يعزف عن فصْل نفسه عنه.

تحدَّث شكسبير في «السونيتات» عن «الفن مُلجَمَ اللسان من جانب السلطة» (السونيتة ٦٦، البيت ٩).9 إنَّ القضايا الحسَّاسة المتعلقة بالدين — من بين كثيرٍ من الموضوعات الأخرى التي قد تحمِل في طيَّاتها احتمالًا لإثارة الفتنة، كما سنرى في الفصل الخامس — كان من غير المُحتمَل أن تغيب عن نظر السلطات التي كانت تُجيز الأعمال المطبوعة (سجِل الورَّاقين) والعروض العامة (مُراقب العروض). لقد تَعرَّضَت الكاثوليكية للحظر رسميًّا، بينما احتَوتِ البروتستانتية نفسها على أشكالٍ كثيرة ومُتفاوِتة من الاختلاف الدِّيني بنهاية القرن السادس عشر. ومع كل هذا، مثَّلَتِ البنود التِّسعة والثلاثون لكنيسة إنجلترا (١٥٦٣) التعريف الإجباري وليس الاختياري للدين في هذا العصر. وكان العُصاة (أي، هؤلاء الذين لا يتردَّدون على الكنيسة) عُرضةً لدفْع غرامات، والتي تحدَّدَت بعشرين جنيهًا في الشهر بموجب التشريع المُناهِض للكاثوليكية الصادر في عام ١٥٨٥، وإن عُثر على أنهم ما زالوا يَدينون بالكاثوليكية، فربما يتعرَّضون لعقوبةٍ أُخرى أكثر قسوة. وكان الذين لا يستطيعون الدفع يتعرَّضون لمُصادرة كامل مُمتلكاتهم وثُلث أراضيهم، وفي حالة الذين لدَيهم ممتلكاتٌ قليلة، يكون معنى هذا دمارًا شاملًا لهم. هذا وقد أرسل جون ويتجيفت، أسقف أبرشية شكسبير في ووستر منذ عام ١٥٧٧، قائمةً بأسماء الذين «لُوحظ أنهم كارهون للغاية للدِّين المُتَّبع حاليًّا، ويتغيَّبون بالفعل عن الكنيسة.»10 كان اسم والد شكسبير في هذه القائمة؛ فلا يزال باقيًا حتى الآن عزوفُه المُسجَّل عن حضور القُدَّاس البروتستانتي الإجباري بعدما أرسَلَ مجلس شورى الملك مُفوَّضِين لتحديد العُصاة والقساوسة والمُتعاطِفين الكاثوليك المُشتبَه فيهم. وفي ظلِّ النتيجة المُحتمَلة لمِثل هذه التحقيقات، كان التأثير على الذين ظلُّوا كاثوليكيِّين مُرعبًا بالتأكيد؛ فجاء عمل مجلس شورى الملك على التخلُّص من أتباع المذهب الكاثوليكي المُتبقِّين استجابةً لوصول بعثةٍ تبشيرية إلى إنجلترا في عام ١٥٨٠ من أعضاء جمعية يسوع، التي أسَّسها الإسباني إجناطيوس لويولا، واعترف بها البابا في عام ١٥٤٠، من أجل إعادة إنجلترا لما اعتبروه الدِّين الصحيح الوحيد؛ فكان التقرير الثاني لِلمُفوَّضِين هو ما ورد فيه وصْفُ جون شكسبير بالعاصي، على الرغم من أن أول ذكرٍ لاسمه أمام المحكمة العُليا في وستمنستر كان في عام ١٥٨٠، عندما حُكم عليه بدفع غرامةٍ قَدْرها عشرون جنيهًا بسبب عدم حضوره إلى هناك. ربما تكون التُّهمة الأولى هذه بسبب انقطاعٍ في الالتزام الديني لأنَّ اسمه عندما ذُكِر صراحةً في قائمة عام ١٥٩١ على أنه أحدُ العُصاة، وردَ بصيغة «المذكور قبل ذلك»؛ بعبارةٍ أخرى، كان مُذنبًا مُتكررًا؛ ومن ثَمَّ، ذُكر اسم جون شكسبير في سياق أعمال التطهير المُتفرِّقة من أجل الأجيال القادمة. ومع ذلك، تَذكُر السجلَّات أنه لم يكن يرتاد الكنيسة «خوفًا من المُلاحقة بسبب الديون». لا يُوجد سبب يدعو إلى التشكيك في مثل هذا الدليل، وعلى الرغم من أنَّ القانون منع الاعتقالات داخل الكنائس، فقد كان جون شكسبير في خطرٍ في طريق ذهابه من وإلى القُدَّاس.

على الرغم من أنَّ أحداث مسرحية «روميو وجولييت» تدور في إيطاليا الكاثوليكية، والطقس الذي تتعرَّض له البطلة جولييت هو الزواج، حينما يُهدِّدها أبوها كابيوليت الغاضب بأنها ستُسحب إلى الكنيسة «على نقالة» (الفصل الثالث، المشهد الخامس، السطر ١٥٥) إذا رَفضَت الزواج من باريس، فإنَّ شكسبير يستحضِر فكرة أنَّ الذهاب إلى الكنيسة يُمكن الإكراه عليه بوحشية، بالإضافة إلى مشهد الكاثوليك الذين كانوا يُسحَبون عبر الشوارع إلى إعدامٍ مُذِل. ومع ذلك، بالنسبة للجمهور من البروتستانت، ربما استحضر هذا مَشهَد إخوانهم في الدين الذين أُعدِموا في عهد كلٍّ من هنري الثامن وماري، لا سيما أنَّ جولييت كانت ستُسحَب إلى كنيسة القِدِّيس بُطرس، وهو الاسم الذي يرتبِط ارتباطًا لا يمكن نِسيانه بالبابا الأول. ظَهرَت صورةٌ واقعية لهذه الوَفَيَات في الصور الخشبية المنحوتة في واحدٍ من أكثر الكتب شهرةً في إنجلترا في أوائل العصر الحديث وهو كتاب جون فوكس «الأعمال والآثار»، المشهور باسم «كتاب الشهداء» (١٥٦٣)، وهو كتاب كان يُثبَّت بسلاسل، مع الإنجيل، في كل كنيسةٍ رئيسية في البلاد.

في عهد إليزابيث، على الرغم من أنَّ اضطهاد الكاثوليك لم يكن مُستمرًّا أو فعَّالًا طوال الوقت، فإنه مع ذلك ظلَّ مُفزعًا للذين ظلُّوا يستمعون لِقُدَّاس الأفخارستيا الذي بات الآن محظورًا. وربما يُحرِّك البحث عن كاثوليكٍ مُشتَبهٍ فيهم مباشرةً مجلس شورى الملك، أو مجلس العموم، أو لجنةً رسمية، أو الجلَّاد البروتستانتي الذي اشتُهر بِساديَّته وقسوته، ريتشادر توبكليف. إنَّ الملكة، رغم أنها «لم تكن تُحبُّ فتحَ نوافذِ قلوب الرجال» على حدِّ قول السير فرانسيس بيكون،11 قد رَغِبَت في توحيد الدين، وكانت على علمٍ تامٍّ بممارسات توبكليف، وفي الواقع، شجَّعَتها بقوة؛ ففي أثناء إحدى الجولات التفقُّدية الملكية، حَرصَت على إخباره عن «العديد من الوحوش الكاثوليك الفاسقِين» في باكستون، الذين يحتاجون إلى اعتنائه.12 وقد سَقطَ الشاعر اليسوعي روبرت ساوثويل في يدَيه في عام ١٥٩٢، في الوقت الذي أثارت فيه سُمعة توبكليف بوصفه «أكثر الطُّغاة وحشيةً في إنجلترا كلها»13 تساؤلاتٍ بشأن شرعية أساليبه في الاستجواب. وبينما استُخدِم التعذيب لوقتٍ طويل كأحد أدوات الحكومة، تَزايدَت حدَّة استخدامه في أواخر القرن. ومع ذلك، على الرغم من استفادة توبكليف طَوالَ حياته المهنية من دَعْم الملكة، فإنه تَعرَّض للسجن لفترةٍ وجيزة في سجن مارشالسي في عام ١٥٩٥ بسبب افترائه على أعضاء مجلس شورى الملك الذين سَعَوا في هذه الفترة لكبحِ جماحه. كتب لإليزابيث يقول: «بسبب هذا الخِزي … إن عظام الجُثَّتَين حديثتَي العهد للأب سوثويل في تايبيرن والأب وولبول في يورك، اللَّذَين أُعدِما كلاهما منذ أيام المرافع، سترقُصُ فرحًا.»14
كان إيواء أو «استقبال» أحد اليسوعيِّين أو القساوسة الكاثوليك؛ بمعنى إخفاء أحدهم أو السماح له بتلاوة قُدَّاس أفخارستيا في منزلكَ أو حتى أن تُرى بصحبته، يُمثِّل جناية، وهو ما جعل مُمارسة الكاثوليكية جريمةً خطيرة. كان هؤلاء القساوسة، الذين عادةً ما كانوا يَتلقَّون تدريبهم ويُعيَّنون في إحدى الكليَّات الكاثوليكية الإنجليزية في أوروبا، في مدينة دواي أو رانس، أو في الكلية الإنجليزية في روما، أفضل المبعوثِين الحاصلِين على تعليمٍ جيد للبابا في إنجلترا، وخَشِيَت الدولة من نجاحِهم في إعادة تحويل الشعب الإنجليزي للكاثوليكية. ومن بين جميع الشهداء الكاثوليك في هذا العصر، كان إدموند كامبيون، الذي أُعدِم في عام ١٥٨١، على الأرجح أَشهَرهم؛ ففي طبعة عام ١٥٨٦ من كتاب هولينشيد «تاريخ إنجلترا وأسكتلندا وأيرلندا» (هذا النص الذي كان مصدرًا لمسرحيات شكسبير التاريخية، بالإضافة إلى مسرحيتَي «ماكبث» و«الملك لير»)، أشاد تلميذ كامبيون السابق، ريتشارد ستينهيرست، به قائلًا: «يا له من رجلِ دينٍ نادر، مُستقيم الضمير، وعميق الرأي، وشديد البلاغة!»15 حتى عند المِشنَقة، أعلن كامبيون ولاءه للملكة. ومع ذلك، فقد جعل المرسوم البابوي للبابا بيوس الخامس الصادر في عام ١٥٧٠، والذي يُعلِن الحِرمان الكنَسي لإليزابيث، حياة الكاثوليك الإنجليز أكثرَ صعوبة؛ إذ جعل من المُستحيل عليهم الاعتراف بولائهم للملِكة إن أرادوا الحفاظ على ولائهم للكنيسة في روما. في الواقع، من المُهِمِّ أن نُدرِك أن الحِرمان الكنَسي لإليزابيث أَعفى بالأساس الرعايا من الولاء السياسي؛ ومن ثَمَّ يمكن استخدامه ذريعةً للاغتيالات، وهي قضيةٌ خطيرة جدًّا في دولةٍ كانتِ البروتستانتية تَتقدَّم فيها ببطء. ومع ذلك، لم يكن الولاء للبابا بالضرورة أمرًا حميدًا من الالتزام الديني الشخصي، بل كان في بعض الأحيان أمرًا مُثيرًا للفتنة بقوة؛ فبينما ربما لم يكن كامبيون شخصيًّا يُشكِّل تهديدًا على حياة الملكة، فلا يمكننا قول الأمر نفسه على زميله التبشيري، روبرت بارسونز، الذي كان مُتورِّطًا تورُّطًا بالغًا في مؤامرة لقتْلِها؛ فكان الضغط الكاثوليكي لخلع إليزابيث مُستمرًّا. وفي مُقابل هذا، ربما تبدو كلماتها لتوبكليف عن «الوحوش الكاثوليك» تعبيرًا عن خوفٍ مُبرَّر؛ ففي عام ١٥٦٩، على سبيل المثال، حصل تمرُّد نُبلاء الشمال على الدَّعم البابوي وسعى لإعادة إدخال الكاثوليكية. ومرةً أخرى، في عام ١٥٨٦، كانت مؤامرة بابينجتون محاولةً لوضع قريبة إليزابيث الكاثوليكية من جهة والِدها، ماري ملكة أسكتلندا، على العرش بدلًا منها. وفي عهد جميس الأول أيضًا كانت مؤامرة البارود في عام ١٦٠٥ (التي أشار إليها شكسبير في كلٍّ من مسرحية «الملك لير» و«ماكبث») محاولةً فاشلة لتفجير مجلس اللوردات أثناء اجتماعه في قصر وستمنستر في أثناء وجود الملك هناك؛ فقد عُثر على جاي فوكس ومعه المُتفجِّرات في سراديب قصر وستمنستر. كان زملاؤه المُتآمِرون في موطن شكسبير في ووريكشير؛ إحدى مقاطعات إقليم ميدلاند الإنجليزي، وهي منطقةٌ تتَّصِل بها جميع المناطق الأخرى، على مقربةٍ من دير كوم، وبالقرب من مدينة كوفنتري، التي خطَّطوا للإمساك منها بابنة جيمس، الأميرة الصغيرة إليزابيث.
كيف يتداخل عدَم الاستقرار السياسي هذا والاضطراب العقائدي هذا مع أحداث حياة شكسبير؟ إن نُظم المُراقبة والاستجواب والاضطهاد، التي كانت موجودة من أجل استئصال المذهب الكاثوليكي، كانت مُطبَّقة أيضًا على الأشكال الأخرى المعروفة لإثارة الفتنة، خاصةً تلك التي استَهدفَت الكُتَّاب. كان هذا المناخ الثقافي إذن سياق جميع أعمال شكسبير؛ فمن الواضح أنه كان يعرف كم يَسهُل الاصطدام بالقيود الضمنية المفروضة على التعبير الإبداعي. بالإضافة إلى هذا، طَمسَتِ القيود المفروضة الحدَّ الفاصل بين القضايا الدينية تحديدًا والأفكار والموضوعات الأخرى التي قد تجِدُها السلطات مَدعاةً للاعتراض. أثار توبكليف، الذي من الواضح أنه كان يستمتع كثيرًا بعمله، أحد أشهر قضايا الرقابة في أوائل العصر الحديث، المُتمثِّلة في حَظرِ نشرِ مسرحيةٍ لم تعُد موجودةً الآن لبن جونسون وتوماس ناش بعنوان «جزيرة الكلاب» (١٥٩٧). سُجن هذان الكاتبان المسرحِيَّان في سجن فليت، وتَولَّى توبكليف عملية استجواب جونسون واثنَين من المُمثِّلِين. كان مصير بن جونسون في أيدي توبكليف محفوفًا بالمخاطر على وجه الخصوص؛ نظرًا لِتحوُّل الأَوَّل إلى الكاثوليكية (على الأرجح بتحريضٍ من مسجونٍ آخر، اليسوعي توماس رايت، في عام ١٥٩٨)، بينما كان محبوسًا بسبب قتلِه لأحد زُملائه المُمثِّلِين، وهو جابريل سبنسر. تكرَّر اتِّهام كلٍّ من جونسون وزوجته، آن، بتُهمة العصيان في عام ١٦٠٦. كذلك اتُّهِم جونسون بأنه «يُغوِي الشباب … لاعتناق الدين الكاثوليكي.»16 ومع ذلك، انضمَّ مرةً أخرى إلى أتباع كنيسة إنجلترا بعد اغتيال أحد الكاثوليك، فرانسوا رافياك، لملك فرنسا هنري الرابع في مايو عام ١٦١٠، حينما طالب جيمس الأول، الذي كان قلقًا على سلامته من المُتطرفِين الكاثوليك، بالحصول على اعترافٍ أقوى بالولاء.

كانت العلاقات الكاثوليكية موجودةً في جميع أنحاء عالم الأدب؛ فقد وُلِد صديق جونسون المُتحوِّل عن الكاثوليكية، جون دون، في أُسرةٍ كاثوليكيةٍ على صلةٍ برجل الدولة والشهيد الكاثوليكي، السير توماس مور. وقد شُوهد أخو جون دون، هنري، برفقة القسِّ الكاثوليكي، ويليام هارينجتون، وتَعرَّض هارينجتون لِلجرِّ بالخُيول ثُمَّ الشنْق ثم تقطيع الأوصال إلى أربعة أجزاء، ولم يُنقِذ هنري من مِثل هذا المصير إلَّا وفاته في السجن. هذا وقد مضى دون، الذي فَسدَت حياته المهنية العلمانية بسبب زواجٍ طائش، قُدمًا ليتولَّى أحد المناصب الكهنوتية البارزة في إنجلترا البروتستانتية، بوصفه عميدَ كاتدرائيةِ القِدِّيس بولس. وعلى الرغم من كون دون أحد المُتحوِّلِين إلى دين الكنيسة الإنجليزية، فقد بقي مُدركًا بدرجةٍ كبيرة للمصير الذي ربما يُصيب الكاثوليك. وفي كتابه «الشهيد الزائف» (١٦١٠)، كتب قائلًا: «بما أنِّي مسيحي، استغرقتُ دومًا في تأمُّل الاستشهاد؛ نظرًا لانتمائي لهذا الأصل والعِرق.» في الواقع، في ظلِّ مثل هذه المخاوف، وفعليًّا في ظلِّ إكراه الدولة، لا بُدَّ أن يبقى مدى حُرية البروتستانت في اعتناق المُعتقَدات التي تُمليها عليهم الحكومة في إنجلترا في أوائل العصر الحديث أمرًا مطروحًا للمناقشة.

ربما يكون من غير المُفاجئ أن يظهر في وسط مثل هذا الصراع الشديد شكوكٌ مُعيَّنة بشأن المسيحية ككل؛ فالشاعر الأسكتلندي ويليام دروموند، الذي سجَّل حواراته مع بن جونسون، أشار مُستنكِرًا في عام ١٦١٩ إلى أنَّ جونسون صَرَّح بأنه «يُؤيِّد أي دينٍ بسبب معرفته الواسعة بكليهما.»17 لكن كان ثَمَّةَ مَن أنكروا اتِّباعَهم لدينٍ من أي نوع، وهو موقفٌ اتَّضَح من خلال إعادة اكتشاف الإنسانيِّين لنصوص العالم القديم لليونان وروما. ومن الطبيعي أن دراسة هذه الثقافات الوثنية كانت مُربكةً بشدَّة للنُّظم الإيمانية في أوائل العصر الحديث، تمامًا مثل حركة الإصلاح البروتستانتية. ونتيجة لهذا، وخاصةً بسبب التعرُّض للعالم الروماني وآلهته الوثنية، ظهر نوعٌ من العلمانية اللاتينية؛ إذ أَصبَحتِ اللاتينية، التي انفَصلَت في إنجلترا في العصر الإليزابيثي، عن «اللاتينية الكاثوليكية»، التي كانت لغة كنيسة روما، وخصوصًا تلك الخاصة بقُدَّاس الأفخارستيا الذي أصبح مرفوضًا لاهوتيًّا، حينئذٍ راسخةَ الوجود في نطاقٍ علماني تمامًا؛ ومن ثَمَّ، أدَّى الانفصال النسبي للمذهب الإنساني الكلاسيكي عن الدين إلى إيجاد مساحةٍ ليس فقط للارتياب الدِّيني عبر ثقافته البديلة لِما كان يُعَدُّ آلهةً مشبوهة أخلاقيًّا، ولكن أيضًا للخروج المُحتمَل عن المسيحية بأكملها. لقد اتُّهِم كريستوفر مارلو، أكبر مُنافسٍ لشكسبير في أوائل حياته المهنية، بالإلحاد والتجديف ولقي حتفَه في النهاية في ظروفٍ غامضة حينما قُتل وهو لم يتجاوز التاسعة والعشرين من عمره، ظاهريًّا بسبب فاتورة، «تسوية حساب»، في مُنشأة في دتفورد كانت مالكتها سيدة تُدعى إلينور بول. في الواقع، فإن مسرحياته، خاصةً «دكتور فاوست» التي يُبرِم فيها بطل المسرحية الذي يحمل نفس اسم المسرحية اتفاقًا مع الشيطان، بالإضافة إلى ترجمته لمَرثاة الشاعر الروماني أوفيد لوفاة تيبولوس، بما فيها من اعترافٍ بوجود «أفكارٍ خفية» تُنكِر وجود الله («المرثيَّات»، الكتاب الثالث، المرثية ٨، البيتان ٣٥-٣٦)، تُعطي بعض المصداقية لهذه الشكوك. هذا ويُزعَم أن مارلو قال إن الدين وُجِد فقط من أجل ضمان الخضوع بإذعانٍ لِلموجودِين في السلطة، من أجل «إبقاء الناس في رُعب». يُقال أيضًا إنه قال إنَّ النبيَّ موسى كان مُشعوِذًا والمسيح كان ولدًا غير شرعي كانت لديه علاقةٌ جنسية شاذَّة مع القديس يوحنَّا الإنجيلي.18
على الرغم من عدَم وجود مثل هذا الجدَل فيما يتعلق بشكسبير، فقد كان القاسِم المُشترك بالأساس بينه وبين مارلو هو حبُّه لأوفيد؛ فيُشير شكسبير في أعماله لأوفيد أكثر من أي كاتبٍ آخر؛ فقد كان جميع الأولاد في مدارس القواعد اللغوية يَتعرَّضون بِقدْرٍ ما لهذا العالم الأوفيدي الوثني التجديفي، مع أنه نادرًا ما كانت تُوجَد لديهم قدرة مارلو على الخوض فيه بالكامل، التي أتاحتها له معرفته الاستثنائية باللغة اللاتينية. كان المعاصرون مُدركِين تمامًا للمشكلات الدينية والعقائدية بنحوٍ أساسي التي يطرحها الأدب الكلاسيكي، وظَهرَت محاولاتٌ لمنع تدريسه طَوالَ هذه الفترة.19 وحتى الذين تبنَّوا وثنيةً كلاسيكية غيرَ أوفيدية كانوا مُدركِين تمامًا لهذا. ويُعدُّ كتاب رجل الدين ستيفن باتمان الصادر في عام ١٥٧٧ «الكتاب الذهبي للإلهة الرصاصية، حيث تُوصف التخيُّلات الفارغة للوثنيِّين المُجدِّفِين والمسيحيِّين المزيَّفِين» مثالًا على هذا؛20 فيرى باتمان أن «المسيحيِّين المُزيَّفِين» هم الذين يَدينون لقصص عالم الإغريق والرومان، كما هو الحال بالنسبة لشكسبير ومُعظم مُعاصرِيه من الأدباء؛ الذين، في رأي باتمان، كانوا ينتمون ظاهريًّا للمسيحية لكنهم في الواقع كانوا وثنيِّين مُنشغلِين بصُنع الصور التجديفية في الشعر والمسرحيات وتبجيلها. وبالتأكيد تنتمي لهذه الفئة قصيدة شكسبير القصصية الرائعة والشهيرة للغاية، القصيدة القصيرة المَلحميَّة «فينوس وأدونيس» (١٥٩٣)، التي تتجنَّب بالكامل الحديث عن الأخلاقيات الجنسية في الدِّيانة المسيحية، وتُصوِّر المُطاردة الغرامية لإلهة الحبِّ لعاشقٍ مُمانع. كانت هذه هي «التفاهات الخاطئة»، التي يرى باتمان، أنَّ «العصور القديمة خُدعت بها.»21 في الواقع، أهدى باتمان كتبًا لهنري كاري، أَوَّل بارون لهونسدون، الذي أصبح اللورد تشامبرلين في عام ١٥٨٥، وكان راعيًا لفرقة شكسبير التمثيلية، «رجال اللورد تشامبرلين». من المُرجَّح أيضًا أنه كان كاهن هوندسون؛ لأنَّ راعي شكسبير كان يملك أيضًا حديقة باريس جاردن، القريبة من نيوينجتون ريكتوري؛ حيث عمل باتمان كاهنًا في الفترة من عام ١٥٧٠ حتى ١٥٨٤. وفي ظلِّ وجود ثقافةٍ مُنقسِمة بفعل هذا التناقُض، يبدو أن باتمان لم ينتبِهْ إلى أنه ينشُر الثقافة الوثنية التي يُدينها بشدَّة. ومع وجوده في بؤرة الاهتمام الثقافية هذه، حَثَّ باتمان مع ذلك القُرَّاء على «عدم إغفال القيمة الرُّوحية للنصوص «الكاثوليكية الرومانية»، التي حاول تكييف مُحتواها مع مُعتقداته …»22 فكانت الوحدة الدينية التي شَكَّلَت في إنجلترا في العصور الوسطى أفقًا مجتمعيًّا وثقافيًّا لا جدال فيه، عُرضةً في هذا الوقت «للتحوُّل والتغيُّر» الذي «أنتج مستوًى من التعدُّدية الدينية الفعلية غير المسبوقة في التاريخ الإنجليزي.»23 ومع ذلك، من المُهمِّ أن نتذكَّر، كما رأينا، أن الاختلاف الديني بعيدًا عن حدود المسيحية أصبح مُتاحًا مع ظهور المذهب الإنساني. وثَمَّةَ أهمية لهذا على وجه الخصوص بسبب اعتماد عصر النهضة على العودة إلى روما (من الناحية الثقافية) تمامًا مثلما اعتَمدَت حركة الإصلاح على البُعد عنها (من الناحية الدينية). هذا وتُقدِّم مسرحيات شكسبير الرومانية دليلًا على شيوع الاهتمام بالصراعات السياسية لأقوى حضارة عرفها العالم، وإن كانت حضارةً لم يدخُلْها إلَّا في وقتٍ مُتأخِّر (مع تحوُّل الإمبراطور قسطنطين للمسيحية) — على حدِّ قول المُنتمِين لأوائل العصر الحديث — نُور الأناجيل. كذلك، ذكَّر شكسبير جمهوره في مسرحية «الملك لير»، التي تدور أحداثها في بريطانيا القديمة، بأن أجدادهم أيضًا كانوا وثنيِّين، حتى إنهم لم يكونوا وثنيِّين من النوع الكلاسيكي المتقدِّم ثقافيًّا.

مع ذلك، فإن أحد الاختلافات المُهمَّة بين المسيحية بكافة مذاهبها والوثنية الكلاسيكية هو أن الأولى ظَهرَت بصِفتها شعيرةً وممارسةً دينية، أمَّا الوثنية فلم تكن كذلك — فقد كانت بالأحرى عالمًا مفاهيميًّا سمح بوجود رؤيةٍ أبعد من حدود الاعتقاد التقليدي — فيمكن للمرء الذهاب إلى الكنيسة الأنجليكية دون أن يُعاقَب على هذا، أو بإمكانه حضور قُدَّاس الأفخارستيا، رغم خَوفه من أن يُكتشَف، لكن لا يمكنه المشاركة في الطقوس التي تُقام في معبد إيزيس أو فينوس — على الأقل ليس فعليًّا. ومع ذلك، قوَّى أيضًا الوعي الجديد ﺑ «الوثنية» المعرفة بدينٍ آخر «غير مسيحي» و«إلحادي» — والذي كان لا يزال موجودًا — وهو الدين الإسلامي، الذي كان ديانة الإمبراطورية العثمانية. ومع ذلك، لم يكن يُعتقد أنَّ الإسلام أسوأ أبدًا من الكاثوليكية؛ ففي مسرحية «عطيل»، جعل شكسبير بطلَهُ أفريقيًّا مُسلمًا تحوَّل إلى المسيحية يقود حرب مدينة البندقية المسيحية ضِدَّ الأتراك، وطَوالَ المسرحية يُظهِر اهتمامه ﺑ «الآخرين» المُختلفِين معه في العِرق والدين.

كان أكثر أشكال الاختلاف الديني شيوعًا في إنجلترا في عصر شكسبير هم اليهود، الذين قَدَّمَت مُمارسات العهد القديم لدَيهم نافذةً ثقافية شرعية على الاختلاف الثقافي. وعلى الرغم من أن اليهودية كانت ديانةً معترفًا بأنها سَبقَت المسيحية، فقد تَعرَّضَت مجتمعاتٌ ضخمة من اليهود في يورك ولندن وغيرها من المدن إلى اضطهادٍ وحشي في إنجلترا في العصور الوسطى، وطُرد اليهود إجمالًا في عام ١٢٩٠. وعلى الرغم من عدَم إعادتهم إليها رسميًّا حتى مُنتصَف القرن السابع عشر، فقد كانوا موجودين في إنجلترا، وحَصلَتِ اليهودية نفسها على أهميةٍ جديدة. وكان أحد أسباب هذا التطوُّر الظهور البالِغ الأهمية للإنجيل باللغة المحلية (فأصبح الناس يستطيعون الآن القراءة عن الحضارة القديمة لليهود بالإنجليزية)، وهو ما تزخَر أعمال شكسبير بالإشارات إليه. يدين شكسبير بالفضل الأكبر لإنجيل جنيف الصادر في عام ١٥٦٠، وإنجيل الأساقفة الصادر في عام ١٥٦٨. نُشِر إنجيل الملك جيمس، الذي وصل إلى مكانة النُّسخة المُعتمَدة للإنجيل، في عام ١٦١١ بعد سنوات من العمل العلمي المُكثَّف لفريقٍ من المُترجمِين. ومع الترجمة (من اللاتينية واليونانية والآرامية والعبرية) ظهر اهتمامٌ جديد بلُغة الإنجيل العبري، وقد أدى هذا، بالإضافة إلى التأكيد البروتستانتي على مُعتقَد أنَّ تحوُّل اليهود إلى المسيحية كان يُمثِّل عنصرًا أساسيًّا في عِلم الأخرويات المسيحي، إلى اهتمامٍ ثقافي جديد بأول «شعب مُختار» بوصفهم أسلاف البروتستانت الإنجليز؛ فقد أصبح الاعتقاد في هذا الوقت أنَّ البروتستانت هم الجنس الذي اختاره الله لتخليص العالم من الشرور المعروفة للكاثوليكية. ومرةً أخرى، أثار هنري الثامن التركيز على اليهودية (المُحبَّة للسامية والمُعادية للسَّامية) من خلال إحضاره عُلماءَ يهود إلى إنجلترا من أجل مساعدته في تقديم حُجَّة من الكتاب المُقدَّس على دعواه بأن زواجه الأول من كاثرين من أراجون كان باطلًا لأنها كانت أرملة أخيه الأكبر، آرثر. في الواقع، كان تجديد الاهتمام باليهود واليهودية بالتأكيد عاملًا في اتِّخاذ شكسبير لقراره بكتابة مسرحية «تاجر البندقية».

•••

ما الذي نفهمه، إذن، من هذا السياق الديني المُعقَّد؟ تزخَر مسرحيات شكسبير بعبارات كاثوليكية، مثل «يسوع-ماريا» وما شابه، ولكنها كانت لا تزال منتشرة أيضًا في اللغة التي كان يسمعها يوميًّا. ومع ذلك، في المسرحية التي اشترك في تأليفها مع جون فليتشر («هنري الثامن») كانت حركة الإصلاح أبرز الأشياء المحذوفة، وفي الواقع لم تحتوِ المسرحية على أي تعبيرٍ عن الانقسام الديني، الذي يبدو أن الموضوع كان يقتضي ذكره. بدلًا من ذلك، اشتُهرت هذه المسرحية لأنه في أثناء عرْضها على مسرح «ذا جلوب»، أُطلقت قذيفة مِدفَعٍ أدَّت إلى اشتعال النار في السقف المصنوع من القَش، ممَّا أدَّى إلى تدمير المسرح بالكامل.

فيما يتعلق بأُسرة شكسبير، فإن سياق الاضطهاد الكاثوليكي، المُمثَّل في وثيقةٍ أساسية في الأَثَر الورقي، لا يُشير إلَّا إلى والد شكسبير، ومع ذلك يظلُّ كون هذا دليلًا على اتِّباعه للمذهب الكاثوليكي مَوضِع نقاش؛ فربما يكون قد أُلقِيَ القبض على جون شكسبير في خلال محاولة اضطهاد إيرل ليستر لأفراد عائلة أردين الكاثوليك، مما أدَّى إلى انسحابه من الحكومة المدنية وحتى من الحياة في أبريشيته.24 وفي عام ١٧٥٧، في أثناء إعادة تسقيف منزلٍ ينتمي لأحد أحفاد أخت شكسبير في ستراتفورد، عُثر على وثيقة (رغم ضياعها الآن مرةً أخرى)، قيل إنها كانت «اعتراف جون شكسبير الروحي». اعتَمدَت الوثيقة على صيغةٍ وَضعَها في فترة انتشار الطاعون الكاردينال الإيطالي كارلو بوروميو، رئيس أساقفة ميلانو. وحتى مُؤخَّرًا، اعتقَد النقاد أن هذه الوثيقة قد أُحضرت إلى إنجلترا على يد إدموند كامبيون وروبرت بارسونز، إلَّا أنَّ التحقيقات الدقيقة التي قام بها روبرت بيرمان أَثبتَت على نحوٍ حاسم أن هذا ليس ممكنًا. يقول بيرمان أيضًا إن هذا كان أحد أعمال التزوير التي حَدثَت في القرن الثامن عشر.25
ثَمَّةَ دليلٌ آخَر مُثير للاهتمام أكثر بشأن القضايا الدينية ظهر في هجوم جون سبيد على شكسبير في أثناء حياته، والذي يربط بين شكسبير والقسِّ اليسوعي روبرت بارسونز: «إن هذا الكاثوليكي وشاعره، مُستمرِئان للأكاذيب؛ الأول برغبته الدائمة، والآخر بتزييفه الدائم للحقائق.»26 يَتمحوَر غضب سبيد من شكسبير حول اعتراضه على تصوير شكسبير للسير جون أولدكاسيل، الذي كان في حياته بروتستانتيًّا مُتزمِّتًا ومن ثم كان قريبًا من قلب سبيد، لكنه تَحوَّل على يدِ الكاتب المسرحي هذا إلى رجلٍ سمين مَدعاة للسخرية في الجزء الأول من مسرحية «هنري الرابع». وأقلُّ ما يُقال عن هذا إنه اتهامٌ مُثير للاهتمام، وكتب أحد المعاصرين يقول إنَّ له قدْرًا من الأهمية. من ناحيةٍ أخرى، تحمل كلمة «كاثوليكي» بالتأكيد معنى الازدراء، ونظرًا لأنها تُعبِّر عن كلِّ ما يُبغِضه سبيد، ويكرهه ويَسُبه، فهي بالنسبة له أيضًا أسوأ كلمةٍ يُمكن أن يُطلِقها على أي شخص.
ظَهرَ المزيد من الأدلة على اتباع شكسبير للمذهب الكاثوليكي من الكاهن المدمن للكحول ريتشارد دافيس،27 من كلية كوربوس كريستي، في أكسفورد، الذي كتب، في مُذكِّراته بعد نصف قرنٍ من وفاة الشاعر: «لقد مات كاثوليكيًّا.» لكن لا أحد يعلم بالضبط إن كان هذا صحيحًا أم لا.

هوامش

(1) Samuel Schoenbaum, William Shakespeare: A Compact Documentary Life (New York: Oxford University Press, 1987), p. 110; John Aubrey, Brief Lives, Chiefly of Contemporaries, Set Down by John Aubrey, Between the Years 1669 and 1696, ed. A. Clark, 2 vols (1898).
(2) E.A.J. Honigmann, Shakespeare: The Lost Years (Manchester: Manchester University Press, 1998, 1st edn 1985), p. 3.
(3) Robert Bearman, “‘Was William Shakespeare William Shakeshafte?’ Revisited,” Shakespeare Quarterly 53 (2002): 83–94. “The preponderance of Shakeshafte families in the Preston area thus coincides neatly with the epicenter of the Hoghton family’s sphere of influence, and, had the Shakeshafte of Hoghton’s will been christened Thomas, it is difficult to imagine anyone disagreeing with the proposition that he must have been a local man, drawn into the Hoghton household in a perfectly natural way” (p. 89).
(4) Quoted in Dympna Callaghan, ed., Romeo and Juliet: Texts and Contexts (Boston: Bedford/St. Martin’s, 2003), p. 437. All references to Romeo and Juliet are taken from this edition.
(5) Russell Fraser, Young Shakespeare (New York: Columbia University Press, 1988), 48.
(6) Lori-Anne Ferrell, The Bible and the People (New Haven: Yale University Press, 2008), p. 79.
(7) T.W. Baldwin, William Shakespeare’s Petty School (Urbana: University of Illinois Press, 1943).
(8) A.L. Rowse, William Shakespeare: A Biography (London: Macmillan, 1963), p. 43.
(9) William Shakespeare, Shakespeare’s Sonnets: The Arden Shakespeare, ed. Katherine Duncan-Jones (London: Methuen Drama, 2010).
(10) Peter Alexander, Shakespeare’s Life and Art (New York: New York University Press, 1939), p. 21.
(11) James Spedding, The Letters and Life of Francis Bacon (London, 1872), Vol. 1, p. 98.
(12) Charles Nicholls, The Lodger Shakespeare: His Life on Silver Street (New York: Penguin, 2007), p. 217; William Richardson, “Topcliffe, Richard (1531–1604),” ODNB.
(13) Richardson, “Topcliffe.”
(14) British Library, Harleian MS 9889.
(15) Michael A.R. Graves, “Campion, Edmund [St Edmund Campion] (1540–1581),” ODNB.
(16) Ben Jonson, ed. C.H. Herford, Percy Simpson, and Evelyn Simpson, 11 vols (Oxford: Clarendon Press, 1925–51), Vol. 1, p. 138.
(17) Ben Jonson, ed. Herford, Simpson, and Simpson, Vol. 1, p. 690; Ian Donaldson, “Jonson, Benjamin (1572–1637),” ODNB.
(18) Park Honan, Shakespeare: A Life (New York: Oxford University Press, 1999), p. 124; David Riggs, The World of Christopher Marlowe (New York: Henry Holt, 2004), p. 328.
(19) See Dympna Callaghan, “The Book of Changes in a Time of Change: Ovid’s Metamorphoses in Post-Reformation England and Venus and Adonis,” in Richard Dutton and Jean Howard, eds, A Companion to Shakespeare’s Works: Vol. IV: The Poems, Problem Comedies and Late Plays (Malden, MA: Blackwell, 2003), pp. 27–45; Dympna Callaghan, “Comedy and Epyllion in Post-Reformation England,” Shakespeare Survey: Shakespeare and Comedy 56 (2003): 27–38.
(20) Stephen Batman, The Golden Booke of the Leaden Goddes. Wherein is Described the Vayne Imaginations of Heathe[n] Pagans, and Counterfaict Christians (London, 1577) STC/1583.
(21) Batman, The Golden Booke, Dedicatory Epistle 3v.
(22) Wallace T. MacCaffrey, “Henry, First Baron Hunsdon (1526–1596),” ODNB.
(23) Peter Lake, “Religious Identities in Shakespeare’s England,” in David Scott Kastan, eds, A Companion to Shakespeare (Malden, MA: Blackwell, 1999), pp. 57-8.
(24) Peter Thompson, Shakespeare’s Professional Career (Cambridge: Cambridge University Press, 1994, 1st edn 1992), p. 13.
(25) Robert Bearman, “John Shakespeare’s ‘Spiritual Testament’: A Reappraisal,” Shakespeare Survey, 56 (2003): 184–202, with specific reference to p. 190.
(26) John Munro, ed., The Shakespeare Allusion Book, 2 vols (London, 1909), Vol. 1, p. 224. See also Richard Wilson, Secret Shakespeare Studies in Theatre, Religion and Resistance (Manchester, 2004), p. 12.
(27) See Schoenbaum, Compact Documentary, p. 98.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠