الفصل الخامس

المسرح

لم تكن أول إشارةٍ مُسجَّلة إلى مسيرة شكسبير المسرحية مُشجِّعة؛ فقد ظَهرَت في نشرة تُدعى «جرينز جروتس-ورث أوف ويت» (١٥٩٢)، وهي تصِف شكسبير بأنه يُخبِّئ «قلب نمر» تحت مظهر المُمثِّل اللطيف الخارجي:
ثَمَّةَ غرابٌ مغرور، يتزيَّن بريشِنا، يختبئ بقلبه الذي يُشبِهُ قلب نمر تحت شكل المُمثِّل، ويفترِض أنَّ لدَيه القدرة على تنميق شِعرٍ مُرسَل بحيث يُضاهي أفضل واحدٍ فيكم، وكونه شخصًا مُتعدِّد المواهب، جعله يتوهَّم بأنه الأديب الأوحد في البلاد!1
إن هذا التهكُّم المرير على شكسبير يرى أنه أديبٌ مُدَّعٍ تنقلب كلماته ضدَّه، في إشارةٍ ساخرة للملِكة مارجريت الخبيثة في المسرحية التي حقَّقَت نجاحًا عند عرضها رغم عدَم نشرِها بعدُ في هذا الوقت «هنري السادس (الجزء الثالث)»: «يا قلب نمر في إهاب امرأة!» (الفصل الأول، المشهد الرابع، السطر ١٣٧).2 وربما تكون إعادة الصياغة الساخرة هذه لهذا البيت من مسرحية شكسبير هذه إشارة أيضًا إلى جلود الحيوانات المُستخدَمة في حِرفة والده، ولكن إن حدث وسار شكسبير في وقتٍ ما على خُطى والده، فإنه على الأرجح لم يعُد يُمارس هذه الحرفة في عام ١٥٩٢، ومن الواضح أنه كان يعمل لعدَّة سنواتٍ في وظيفة بالكاد ظَهرَت في سنوات شباب جون شكسبير، حينما كانت حياة المُمثِّل الرحَّال المهنة المسرحية الوحيدة التي يمكن تَصوُّرها.
أصبح ويليام شكسبير مُمثلًا وكاتبًا مسرحيًّا ومشاركًا في شركةٍ مسرحية لها مقرٌّ ثابت في لندن (إذ كان أحد المُستثمرِين الذين كانوا يملكون الشركة ويُديرونها)؛ ومن ثَمَّ اشترك في عملٍ لم يكن مسبوقًا تاريخيًّا. ومع ذلك، لم تدُمِ الظروف الاقتصادية والاجتماعية الجديدة، التي دَعمَت المسرح إلَّا لفترةٍ قصيرة نِسبيًّا في أواخر القرن السادس عشَر وأوائل القرن السابع عشر؛ فكانت ثَمَّةَ قوى ثقافيةٌ مُتزايِدة تسعى لقمْع المسرح إجمالًا؛ فكان كتاب ستيفن جوسون «مدرسة الابتذال» (١٥٧٩) وكتاب جون نورثبروك «دراسة لنقد القمار أو الرقص أو المسرحيات التافهة أو الفِقرات المسرحية القصيرة» (١٥٧٧)، ضِمن العديد من محاولات الهجوم على المسرح بسبب ارتداء المُمثِّلِين ملابس الجنس الآخر، وما به من «رذيلة» و«خلاعة» و«بذاءة» مزعومة (على حدِّ وصْف نورثبروك)، وبالأساس ما به من خيال، بوصفه وسيلةً لنشْر الأكاذيب. وبعد خمسٍ وعشرين سنةً من وفاة شكسبير، اندَلعَت اضطراباتٌ سياسية نتيجةً للصراع على السلطة بين السلطة الملكية والبرلمان. وفي عام ١٦٤٠ انتزع البيوريتانيون سلطة التشريع السياسية من السلطة الملكية وأغلقوا المسارح في عام ١٦٤٢.3 ومع ذلك، فإنَّ الرواية التقليدية عن إغلاق المسارح وما بها من مساواةٍ واضحة بين المذهب البيوريتاني والمُعاداة المُتزمِّتة للمسرح تَعرَّضَت للتنقيح والتعقيد الكبيرَين في أعمال كلٍّ من مارجو هاينمان وديفيد كاستان؛ فلم تكن الرغبة المزعومة في القضاء على «مشاهد المُتعة، التي تُعبِّر عادةً عن المرَح والطيش الفاسقَين»، على سبيل المثال، كما يقول كاستان، الباعث الأساسي وراء إصدار أَمرِ غلق المسارح. بدلًا من ذلك، جاء الأمر «مدفوعًا بمخاوفَ عمليةٍ تتعلق بالأمن أكثر من الحماس الديني.»4 ولهذا أهميةٌ بالِغة فيما يتعلَّق بفَهم المسرح في عصر شكسبير لأنه يتحدَّث عن الطريقة التي سعَتْ بها السلطات على اختلاف أشكالها (السلطة الملكية، والحكومة المحلية للندن، ومجالس المدن، وما شابه)، قبل اندلاع الحرب الأهلية في عام ١٦٤٢ وبعدها، إلى التحكُّم في «شروط» تقديم العروض المسرحية نفسها (التي كانت علمانية وتتضمَّن التجمُّعات العامة)، تمامًا مثل التحكُّم في «محتواها» — مثل المرَح والطَّيش. وبينما أَقَرَّ مجلس العموم في مدينة لندن مرسومًا في عام ١٥٧٤ موجَّهًا إلى المحتوى (ما أَطلَق عليه الإليزابيثيون «موضوع» الترفيه، المُتمثِّل في «الكلمات» و«الأفعال»، خاصةً تلك التي تميل إلى «إشاعة الفِسق، والتحريض على الفِتنة» و«ما شابه»)،5 يظلُّ الوضع، مع ذلك، أنَّ موضوعات المسرحيات كانت أقلَّ إثارةً للجدل من أداة التعبير عنها؛ وسط المسرح في حدِّ ذاته. بالأساس، لم تُؤدِّ القيود المفروضة على العروض من السُّلطة الملكية وكذلك من الحكومة المدنية — التحكُّم في كلٍّ من المسرح كمؤسسة ونظام الرقابة المُطبَّق على نصوصه — ببساطة إلى قمْع التعبير الفني وكبْته؛ فعند التفكير تاريخيًّا في مِثل هذه العوائق القانونية، بدلًا من التفكير فيها بما لا يتماشى مع العصر، فيُمكن رؤيتها على أنها صاغت الشكل الثقافي للإنتاج الفني في إنجلترا في العصرَين الإليزابيثي واليعقوبي، اللذَين شهدا، للمُفارَقة، أعظم إنجازات المسرح الإنجليزي على الإطلاق؛ فحينما أُعيد فتح المسرح مع استعادة النظام الملكي في عام ١٦٦٠، اختفَى المسرح العام الذي عرَفَه شكسبير إلى الأبد.

سيعرض هذا الفصل بالتفصيل السياق التاريخي والأدبي لأول إشارة إلى شكسبير في لندن؛ إذ سيتحدَّث عن كلٍّ من القيود والفُرَص التي اتَّسمَت بها الحياة المهنية في المسرح في لندن في العصر الإليزابيثي.

في طفولة شكسبير، كان تعرُّضه للدراما يحدُث من خلال فِرَق المُمثِّلِين المُرتحلِين الذين كان مُرخَّصًا لهم بتقديم العروض — «خدم الملكة»، و«خدم ووستر»، و«خدم ليستر»، و«خدم ووريك»، و«خدم ديربي»، و«خدم اللورد بيركيلي». وفي الواقع، في عام ١٥٦٩، أجاز جون شكسبير نفسه، في أثناء تقلُّده لمنصب المأمور، مرَّتَين إقامة عروض في ستراتفورد. ونحن لا نعلم إذا كان شكسبير نفسه قد شهِد أيضًا العروض الترفيهية التي تتَّسِم بالبذَخ التي كان يرعاها إيرل ليستر في مدينة كينيلوورث القريبة من أجل الملكة إليزابيث في عام ١٥٧٥، أو سلسلة كوفنتري لمسرحيات الأسرار، التي ظلَّت تُعرَض حتى جرى وقفُها في عام ١٥٧٨.

كان ثَمَّةَ تقليدٌ محلي قوي للدراما في إنجلترا، والذي كان بالدرجة الأولى الدراما الدينية. فحتى الاحتفالات الشعبية كانت مُرتبطةً بالتقويم الكنَسي — على سبيل المثال، ثلاثاء المرافع، أو الثلاثاء البدين، وهو اليوم الذي يسبِق الصوم الكبير الذي يبدأ في أربعاء الرماد؛ وأسبوع العنصرة (الذي يحتفل بحلول الرُّوح القُدس على تلاميذ المسيح)؛ ويوم عيد يونيو، الذي يحتفل بإقامة القُربان المُقدَّس، ويُسمَّى بِعِيد القربان المُقدَّس. وكانت أكثر الجوانب المُكتمِلة للنَّمَط الدارمي في عصر ما قبل شكسبير سلاسل مسرحيات الأسرار أو مسرحيات المُعجِزات — وهي المسرحيات الدِّينية التي كانت تعرِضها الطوائف التجارية في العصور الوسطى، والتي كانت تتحدَّث عن اللحظات المِحوَرية في الأخرويات المسيحية، بدايةً من الخلْق وحتى يوم الحساب. هذا وقد شهِدَتِ المناطق الريفية، تمامًا مثل المدن، كافة أنواع الاحتفالات والترفيه، بما في ذلك الفواصل المسرحية العلمانية القصيرة، المُستوحاة عادةً من قصص روبن هود الشعبية. ومع ذلك تعود الأعمِدة المُزيَّنة بالأشرطة المُلوَّنة واحتفالات أول مايو إلى طقوس الخصوبة الوثنية لبريطانيا القديمة، بالإضافة إلى الرَّقْصات الشعبية؛ مثل رقصة موريس وغيرها من وسائل التَّسلية التي سادت مُمارستها منذ فترة طويلة. هذا وترجع أصول مسرحيات شكسبير للاحتفالات الشعبية، التي كانت تُعتبَر دومًا مناسبةً للمرَح، والشغب، والتمرُّد، ناهيك عن مُحاولة إحياء الطقوس الكاثوليكية التي سعَتِ السلطات إلى احتوائها؛ فعلى سبيل المثال، حاول مجلس ستراتفورد المحلي إيقاف مَوكب القديس جورج السنوي في عيد الصعود في عام ١٥٤٧.

كانت الاحتفالات بهذه المناسبات تُقام في جميع أنحاء إنجلترا، ولم يكن ببساطة ثَمَّةَ شعور بأنَّ ثقافة تقديم العروض والترفيه تَركَّزَت في العاصمة حتى مُنتصف القرن السادس عشر؛ فكانت مسرحيات الأسرار تُعرَض في المدن المُهمَّة؛ فكانت ويكفيلد وكوفنتري وتشيستر ويورك تُعَدُّ أماكن عرْض أبرز المسرحيات التي وصلَتْ إلينا. وكان المُمثِّلون في هذه المسرحيات من أبناء هذه المدن وأعضاء الطوائف التجارية في العصور الوسطى، وليسوا مُمثِّلِين مُحترفِين. وانطبق هذا الأمر أيضًا على نوعٍ آخر من الدراما التي سَبقَت شكسبير، وهي المسرحيات الأخلاقية؛ مثل مسرحية «كل إنسان». اتَّسمَت هذه المسرحيات بتركيزها على الجانب التوجيهي بقَدْرٍ كبير وبشكلها الرمزي، وكانت تُعرَض على العربات وخارج الكنائس وأحيانًا في ساحات المنازل الكبيرة. وعلى عكس عالَمِ أسلاف شكسبير، الذي خلا من المُمثِّلِين المُحترفِين والمسارح المَبنيَّة بغرَض عرْض المسرحيات، مهَّدَت التغيُّرات الهائلة التي حَدثَت في المنظومة الاقتصادية — التحوُّل المُعقَّد من مجتمعٍ إقطاعي إلى مجتمعٍ رأسمالي تجاري نتيجةً للنموِّ الهائل في التجارة والنموِّ المُطَّرد للعاصمة — لظهور المُمثِّل المحترف، والكاتب المسرحي المُحترِف، والمسرح كبِناء، وفي الواقع لظهور مؤسسة المسرح الإنجليزي الجديدة في حدِّ ذاتها.

في هذه البيئة الجديدة نُشرِت نشرة «جرينز جروتس-ورث أوف ويت» للكاتب المسرحي الحاصل على تعليمٍ جامعي والذي كان قد تُوفِّي حديثًا حينها، روبرت جرين. كان جرين أحد المشاهير السيِّئي السمعة؛ فكان معروفًا، على حدِّ قول الباحث والكاتب جابريل هارفي، ﺑ «حياته الخليعة والماجِنة … وبشَعرِه الأشعث، وملابِسِه غير اللائقة، وبصُحبته غير اللائقة أكثر.»6 هناك أدلةٌ مُوثَّقة على حياة جرين الماجِنة، لكن بصرْف النظر عن تجاوزاته الأخرى، فأغلب الظنِّ أنه لم يكتُب هذه النشرة؛ فعلى الأرجح، وَفَّرَت وفاته ببساطةٍ فرصةً سانحة لنَسْب محتواها الحادِّ إليه. هذا ويقترِح الباحثون اسمَين مُحتملَين كتبَها أحدهما؛ إما هنري تشيتل، الذي أعدَّ ظاهريًّا مُسوَّدتها للطباعة؛ أو أحد «العقول الجامعية» الأخرى في المشهد المسرحي في لندن، صديق جرين، توماس ناش. أنكر تشيتل كتابة النشرة، وفي الطبعة الثانية من عمله النَّثري «بيرس المُعدم»، الصادرة في عام ١٥٩٥، أنكر ناش أيضًا بشدَّة فِعلَ هذا،7 واعترض قائلًا: «لعلَّ الله لا يتولَّى رُوحي بالرعاية أبدًا، بل ويتخلَّى عني تمامًا، إن كانت أيُّ كلمة أو مقطع فيه قد صَدرَت عن قلَمي.»8 ومع ذلك، فإن الحجة المقنعة التي قدَّمَتها كاثرين دنكان-جونز مُؤخرًا عن كون ناش المُؤلِّف، رَجَّحَت الكفَّة لصالحه؛9 فنظرًا لكون شكسبير مُنافسًا وشيك النجاح لناش، فمن الواضح أنه أشعل لديه الرغبة في ازدرائه بسبب ما يشعُر به من حسَد. سَعتِ النشرة إلى التقليل من قدْر شكسبير بوصفه مغرورًا، وسارقًا لِمؤلَّفات غيره («يتزين بريشنا»)، والذي لديه ثقةٌ مُفرِطة في قُدرته على تأليف شِعرٍ مسرحي، ويعني «تنميق» bombast هنا تزيينًا أو تفخيمًا. الإشارة هنا إلى بيتٍ من الشعر المُرسَل من الوزن الإيامبي الخُماسي التفاعيل غير المُسجوع بنبراته الخمسة، الذي يعتقِد شكسبير، رغم كونه مُجرَّد ممثِّل، أن لدَيه القدرة على تنميقه تمامًا مثل أفضل أقرانه تعليمًا. وفي مُقدِّمة ناش لعمل جرين «مينافون» (١٥٨٩)، تَذَمَّر في وقتٍ سابق بشأن الذين استخدموا الشعر المُنمَّق «في التعبير عن وجودهم … من أجل الفصاحة الرَّحبة للشعر مُتكرِّر الإيقاع العشاري المقاطع أو الإيامبي الخماسي التفاعيل.» وبينما كانت هذه الأوزان الخفَّاقة واسِعة الشهرة، رأى ناش أنها فظَّة، وتفتقِر إلى البراعة، و«صاخبة»، وتضرُّ باللُّغة. يُهاجِم ناش — ويُحاكي بسخرية مستخدمًا كلمة bumbast التي بينها وبين كلمة bombast جناسٌ استهلالي بليغ وكلاهما تعنيان تنميقًا — الذين «يعتقدون أنهم يتحدَّون أُدباءَ أفضلَ منهم بالتنميق الشديد للشعر المُرسَل.»10 وفي وقتٍ لاحق من حياة شكسبير المهنية، جعل شخصية إياجو الحاقد، الذي يغار من تَرقِّي مُنافسه، تستخدِم مُصطلحاتِ الذمِّ ذاتها التي وَردَت عن شكسبير في نشرة «جرينز جروتس-ورث أوف ويت»: «أمَّا هو، فإنه لم يُصغِ إلَّا إلى مشورة كبريائه وإيعازِ ما سبق على وَهْمِه، فتخلَّص من إجابة سؤالي بعباراتٍ مُنمَّقة مشحونة بالألفاظ الحربية» («عطيل»، الفصل الأول، المشهد الأول، الأسطر ١١–١٣) [ترجمة خليل مطران، بتصرُّف]. في الواقع، كان المُتطلَّب الأساسي لوظيفة الكاتب المسرحي هو «تنميق الشعر المرسل»؛ بمعنى وضع الكلام في إطارٍ منظوم من الوزن الإيامبي. بالإضافة إلى هذا، في الثقافة المسرحية الإليزابيثية، حيث وُجِد التنافُس والتعاوُن جنبًا إلى جنبٍ بصفتهما الطاقتَين السائدتَين، وإن كانتا مُتعارِضَتَين، كان «التنميق» ببساطة النَّعت المُفضَّل.
مع ذلك، فإنَّ إهانة «قلب نمر» تُضيف تُهمة العنف الجسدي إلى التُّهَم الأخرى التي لا تتلاءم كثيرًا مع «شكسبير اللطيف» في قصيدة جونسون الإطرائية له في «المطوية الأولى». إلَّا أنَّ نزاعات شكسبير مع القانون كانت تتعلَّق دائمًا بأمورٍ مالية وليس بأمورٍ لها علاقة بالعُنف الجسدي. وحتى في عام ١٥٩٦، حينما سعى ويليام وايت لجعْل شكسبير يُقدِّم كفالةَ حُسن سلوكه (وهو نوعٌ من أمر عدَم التعرُّض في أوائل العصر الحديث)، ورَدَ في الالتماس اسم فرانسيس لانجلي أيضًا، الذي بنى مسرح «ذا سوان»، واسمان آخران، وبدا أن هدف المُدَّعي إلحاق الدمار المالي بلانجلي.11 وفي هذا الشأن يختلف شكسبير عن بعضٍ من أشهر مُعاصرِيه؛ فقد قَتَل بن جونسون أحد زملائه المُمثِّلِين، وهو جابريل سبنسر، وتباهى بمآثِرِه العنيفة في المعركة التي دارت في الأراضي المُنخفِضة. وبالمثل، اتُّهِم كلٌّ من كريستوفر مارلو وتوماس واتسون بمشاركتهم في قتال الشوارع الذي أسفر عن مقتل ابن صاحبِ نُزلٍ يُدعى ويليام برادلي؛ وقُتل مارلو نفسه في دتفورد. وعليه فقد وقَع بعضٌ من أبرز مُعاصرِي شكسبير في شَركِ عالم العنف والاضطرابات الذي ساد لندن في أوائل العصر الحديث، بطريقةٍ لم تحدُث معه. وبناءً على هذا، فإنَّ «قلب نمر» ربما تُشير إلى طموحٍ شرس وقسوةٍ مهنية أكثر من خُبثٍ شخصي؛ ففي السياق الذي لا يرحم للمسرح في لندن، ربما استطاع خصوم شكسبير رؤية قُدرته على قتل المنافسة.
ربما كان الأخطر من هذا ادِّعاء سرقة مُؤلَّفات الآخرِين، أو ريشه المُستعار. على الأرجح كانت الاتهامات بالسَّرِقة أمرًا حتميًّا في الوسط المسرحي لشكسبير؛ حيث كانت نصف المسرحيات تقريبًا يتشارك المُؤلِّفون في كتابتها من أجل تسريع عملية الإنتاج وإشباع الشهيَّة النهمة لِلمُشاهدِين لرؤية عروضٍ جديدة. هذا وقد تفاوت نطاق تعاون الكُتَّاب في الأعمال كثيرًا، حتى في حالة انتماء العمل بوضوحٍ لكاتبٍ مسرحيٍّ آخرَ واحدٍ على الأقل، الذي هو مُؤلِّفه الأساسي؛ فعلى سبيل المثال، ادَّعى توماس هايوود أنه كان لديه «إسهامٌ كبير» أو «على الأقل بعض الإسهام» في وضع نحو ٢٢٠ عملًا مكتوبًا على مدار فترة امتدَّت ٤٠ سنة. وأحيانًا، وإن كان ليس دائمًا، كان الاشتراك في التأليف يُسجَّل عند إدراج العمل في سجل الوَرَّاقِين؛ فعلى سبيل المثال، أُدرِجَت مسرحية «كاردينيو» المفقودة على أنها من تأليف شكسبير وجون فليتشر، وكذا الحال مع مسرحية «القريبان النبيلان»، التي حُذِفَت من «المطوية الأولى» ونُشِرَت لأول مرَّة في عام ١٦٣٤. وفي وقتٍ لاحق من حياة شكسبير المهنية، زُعِم أنه كتب مسرحية «بيريكليس» مع جورج ويلكينز (التي لم تنجح أيضًا في الظهور في «المطوية الأولى»)، ومع ذلك لم تَذكُر صفحة العنوان إلَّا شكسبير كمؤلفٍ لها:

المسرحية الأحدث والأكثر إثارة للإعجاب «بيريكليس: أمير صور». القصة الحقيقية وكامل تاريخ ومُغامرات ومصير الأمير المذكور، وكذلك الأحداث، التي لا تقلُّ أهمية وغرابة، الخاصة بمولد وحياة ابنته ماريانا. كما جرى عرضُها عدَّة مرات من قِبل فرقة «خدم صاحبة الجلالة»، في مسرح «ذا جلوب» في بانكسايد، بقلم ويليام شكسبير. طُبعت في لندن لصالح هنري جوسون، وستُباع عند علامة الشمس في شارع باتر-نوستر رو، وغيره، ١٦٠٩.

ربما كتب ويلكينز، وهو شخصيةٌ بغيضة التقى بها شكسبير حينما كان يقطن في شارع سيلفر ستريت،12 الجزء الأكبر من أول فصلَين، بينما كتب شكسبير باقي المسرحية. وثَمَّةَ أدلة على وجود «أيادٍ أخرى» ساهمت في كتابة عددٍ من مسرحيات شكسبير، بما في ذلك، على سبيل المثال، «تيتوس أندرونيكوس»، التي كتَبها على الأرجح مع جورج بيل، و«ماكبث»، التي تحتوي على مَشاهِدَ كتَبها توماس ميدلتون. لم تكن الكتابة تُوزَّع دائمًا بالعدل بين المُشاركِين، الذين كانوا يعملون عادةً على نحوٍ مُنفصلٍ عن بعضهم في المشاهد أو أبعاد الحبكة التي كانوا يتولَّون مسئوليتها.

مع ذلك، فإنَّ الِاتهام الوارد في نشرة «جرينز جروتس-ورث أوف ويت» ليس ادِّعاء كاتبٍ زميل كتابةَ شيءٍ لم يكتُبه، بل ادِّعاء «مُمثِّل» بهذا. إن طبيعة التهمة نفسها ليست واضحة، لكن يتمثل الادِّعاء بالأساس في أنَّ إنسانًا مُبتدئًا وصاحب مواهبَ مُتعدِّدة لكنه لا يُتقِن أيًّا منها؛ مجرَّد مُمثل يزهو بأبياتٍ من تأليف عقولٍ جامعية، مثل روبرت جرين وجورج بيل وكريستوفر مارلو وناش نفسه، يعتقد الآن أنه يستطيع أن يُصبِح شاعرًا مع أفضل من فيهم. وبصرف النظر عن أعمال شكسبير الأخرى، فمن الواضح أنه كان يُعرَف بأنه «مُمثِّل»، ويُشار إليه على هذا النحو مرَّتَين في السجلات الشخصية القليلة الموجودة عنه منذ أوائل تسعينيَّات القرن السادس عشر — الواردة عن مسئول النَّبالة رالف بروك (كما رأينا في الفصل السابق) وعن مُؤلِّف نشرة «جرينز جروتس-ورث أوف ويت». وفي كلتا الحالتَين، يُستخدَم المصطلح على نحوٍ ازدرائي؛ فكلمة «مُمثِّل» المُرتبِطة في الأصل بالمرَح الصاخب والبهجة، شاع استخدامها للإشارة إلى المُمثِّلِين المسرحيِّين، لكنها كانت فئةً مُتَّسِعة لدرجة أنها ضمَّتِ العاملِين في مجال الترفيه، بدايةً من المُمثِّلِين التراجيديِّين الكبار إلى مجموعةٍ غيرِ مُتوافِقة من المُهرِّجين والبهلوانات وصُنَّاع الحِيَل.

إذن، على الرغم من السمعة التي حظي بها شكسبير بعد وفاته، فإنه لم يعمل قطُّ في مهنةٍ مرموقة؛ فلا تُشير عبارة «شكل المُمثِّل» المُهينة في تلك النشرة، إلى مكانة المُمثِّلِين في هذه الفترة فحسب، بل أيضًا إلى مهنة شكسبير المسرحية؛ ففي الواقع يبدو أن شكسبير كان مُميَّزًا بين مُعاصرِيه من الكُتَّاب المسرحيِّين؛ لكونه مُمثلًا وكاتبًا معًا. فقد مثَّل في اثنتَين على الأقل من مسرحيَّات بن جونسون. هذا ويتصدَّر اسمه قائمة أسماء طاقم العمل في النص الوارد في «المطوية الأولى» في عام ١٦١٦ لمسرحية «كل امرئ خارج مزاجه» (١٥٩٨)، ممَّا يُشير إلى لَعِبه دورًا رئيسيًّا فيها، كما مثَّل أيضًا في مسرحية «سقوط سيجانوس» (١٦٠٣). في المُقابل، ترك جونسون نفسه التمثيل بمجرَّد إرساء سُمعته ككاتبٍ مسرحي لأنه «لم يكن أبدًا مُمثلًا جيدًا، لكنه كان مُعلمًا ممتازًا.»13 ومع ذلك، كان التمثيل الجيد يحظى بالتقدير — حتى من ناش، الذي كان يستطيع، بشخصيته التي تُشبِهُ الحِرباء، التغيُّر وفقًا لسوق الطباعة المُتوسِّع في العاصمة الجديدة. هذا وقد أثنى ناش على قوَّة الدراما وخصَّ بالذكر مسرحية «هنري السادس» لشكسبير على وجه الخصوص:
كم سيسعَدُ تالبوت الشجاع (مُثير الرعب في قلوب الفرنسيِّين) إذا عَلِم أنه بعد استلقائه في قبره لما يقرُب من مائتَي عام، سيعود مرةً أخرى ويُحقِّق انتصارًا على المسرح، وتُحفَظ عظامه من جديد بدموع عشرة آلاف مُتفرِّج على الأقل (في عدة أوقات)، الذين يتخيَّلون، في المُمثِّل التراجيدي الذي يُجسِّد شخصيته، أنهم يرونه حيًّا وهو ينزف.14
في هذا المقام حصل الممثل، «المُمثِّل التراجيدي الذي يُجسِّد شخصيته»، على ما يستحقُّه من ثناء، وفي الواقع تفاخَرَت فرقة شكسبير نفسها بالممثل التراجيدي العظيم، ريتشارد بيرباج، لكن نظيره في فرقة «رجال الأدميرال» المنافِسة، إدوارد ألين، هو مَن حصل على أبلغِ ثناءٍ من ناش. ولا يُوجَد مُمثِّل حتى في العصور الكلاسيكية، على حدِّ قول ناش، «استطاع قَطُّ التمثيل باندماجٍ أكثر من نِد ألين.» وصل أيضًا المُمثِّلان الكوميديان، المُهرِّجان، ويل كيمب وريتشارد تارلتون، إلى مكانة المشاهير في عصرهما. وأشار فينز مورايسون في كتابه «الفصول غير المنشورة من الرحلة» قائلًا: «مثلما تُوجَد، في رأيي، مسرحيات في لندن تفُوق جميع أنحاء العالم التي رأيتُها، يتفوَّق هؤلاء المُؤدُّون أو المُمثِّلون الكوميديُّون على سائر المَوجودِين في العالم أجمع.»15 ربما كان شكسبير وزملاؤه المُمثلون بارعِين بالكامل في ممارسة فنِّهم، لكن في الفترة التي سبقت إنشاء الهُويَّات المهنية، كانوا في مكانةٍ هامشيةٍ ومحفوفةٍ بالمخاطر في المجتمع الإليزابيثي.
كان المُمثِّلون بالأساس الأهداف الرئيسية لِلتحيُّز المُناهِض للمسرح في هذه الفترة، كما يتَّضِح من محاولات التحكُّم فيهم كمجموعة؛ فوُضِع الممثلون والمُغنُّون وغيرهم من العاملِين في مجال الترفيه في فئةٍ واحدة مع العاطلِين المُتمرِّدِين، الذين لم يكن بإمكانهم التذرُّع بوهَنِهم لتبرير حالتهم المعُدمة. استَهدفَت هؤلاء «المتسولِين القادرِين على العمل» قوانينُ الفُقراء في العصر الإليزابيثي، التي سَعَت للحدِّ من حياة التجوُّل للعاطلِين والمُفلسِين، وتوفير أقلِّ قدْرٍ من الراحة للفُقراء المُعدِمِين، الذين أضعفهم كِبرُ السن أو إعاقةٌ أو مرضٌ ما. نصَّ قانونُ عام ١٥٧٢ وهو «قانون لعقاب المُتشرِّدِين وإغاثة الفُقراء والعَجَزة» على أنَّ «المُؤدِّين المُتجولِين للقطع المسرحية القصيرة … يجب اعتبارهم والنظر إليهم على أنهم مُشرَّدون ومُتسوِّلون قادرون على العمل.»16 وفي خاتمة مسرحية «كما تشاء»، حينما خرج المُمثل الذي يُؤدِّي دور روزاليند عن دوره ليُخاطب الجمهور، يُقاوم شكسبير هذا الخلْط بين المُتسوِّلِين والمُمثِّلِين، ومن الموقع المُميَّز للمسرح بوصفه موقعًا ثابتًا، يدَّعي مكانةً جديدة لِلمُمثِّلِين: «أنا لا أرتدي مِثل المُتسوِّلِين؛ ومن ثَمَّ التسوُّل ليس مُلائمًا لي. بدلًا من ذلك، سأَسحَركم …» (الخاتمة، الأسطر ٩–١١).17 وظَهرَت محاولات في هذه الفترة لتمييز المُؤدِّي «المُتجوِّل» عن المُمثِّل المُحترِف؛ فوَردَ عن جون ستيفنس في كتابه «مقالات وشخصيات» (١٦١٥) أنه قال: «ومن ثَمَّ وَضَعتُ نعتًا وهو «مُتجوِّل»، من أجل تمييز التابعِين الوَضيعِين وعديمي البراعة في فِرق التمثيل في مدينتنا، الذين عادةً ما يبدءون بعيدًا في الضواحي الريفية، ثم مثل بروتيوس يعودون مرةً أخرى للانضمام إلى المدينة.» نرى هنا مرةً أخرى أنَّ القلق ليس من التمثيل في حدِّ ذاته، بل من التشرُّد؛ فقد كانتِ السلطاتُ تخاف من الطبقة الدُّنيا المُتوعَّدة المعروفة باسم «الرجال دون سادة» أو «المُحتالِين والمُتشرِّدِين والمُتسوِّلِين الأقوياء الجريئين»، كما أَطلَق عليهم قانون عام ١٥٧٢. كان هذا هو جيش الفقراء المُتجوِّلِين، الذين كانوا يتَجوَّلون من أبرشية لأخرى؛ لأنَّ المُجتمعات كانت تُعارِض تحميل أعباءٍ إضافية على الموارد المُعرَّضة بالفعل لضغطٍ بالغ. والآن مع استقرار المُمثلِين في مكانٍ ثابت، أصبح لديهم أسبابٌ لتمييز أنفسهم عن هذه المجموعة، وقدْر من الحُجَّة ضد أقوال، مثل هجوم ستيفن جوسون اللاذِع العنيف الوارد في كتابه «مسرحيات دُحِضَت في خمسة أفعال» (١٥٨٢)، الذي وصف المُمثِّلِين بأنهم «أبناء البطالة».
تَمثَّل أحد أهم الإنجازات التي تمَّت في الجزء الأخير من القرن السادس عشر في تخصيصِ مواقعَ ثابتة للعروض المسرحية؛ بمعنى ظهور المسارح نفسها؛ فمنذ منتصف خمسينيات القرن السادس عشر على الأقل، تَحوَّل عددٌ من النُّزُل إلى مواقعَ للعروض المسرحية؛18 مثل نُزل «ذا بيل سافيدج» على تل لودجيت هيل، ونُزل «ذا بول» في شارع بيشوبسجايت، ونُزلَي «ذا بيل» و«ذا كروس كيز» في شارع جريستشيرش.19 كان نُزلَا «ذا بيل» و«ذا كروس كيز» داخل جدران لندن.20 وعلى عكس الحانات والخمَّارات، كانت النُّزُل تحكمها نُظمٌ ذاتية؛ ومن ثَمَّ لم تكن تُمثِّل مصدرًا كبيرًا للقلق لدى سُلطات المدينة. وفي هذه المساحات المُخصَّصة للعروض، كانت المسرحيات تُعرَض وسط الأنشطة اليومية المُعتادة ﻟ «النُّزُل أو منزل التزوُّد بالمُؤَن العادي الذي يلجأ إليه مختلف أنواع الناس للمبيت والتزوُّد بالطعام.»21 لا يعلم مؤرِّخو المسرح متى تَوقَّفَت بالضبط العروض في هذه النُّزُل، لكن في منتصف تسعينيات القرن السادس عشر تقريبًا يبدو أنَّ العروض المُنتظِمة في هذه الأماكن قد انتهت.
على الرغم من الاسم المُضلِّل — الذي يبدو مثل اسم نُزل — فقد كان أول مسرحٍ يُبنى لهذا الغرض هو «ذا ريد لايون» في أبرشية ستيبني، وقد شَيَّده في عام ١٥٦٧ بقَّالٌ يُدعى جون براين.22 دخل براين في مشروعٍ مسرحي ثانٍ مع زوج أخته، جيمس بورباج، الذي كان يعمل مع شركة إيرل ليستر المسرحية، وبنى المسرح الذي سُمِّي تسميةً مُوفَّقة «ذا ثيتر» (المسرح)، والذي كان أَوَّل مسرحٍ مُستدير وخارجي على الإطلاق، في عام ١٥٧٦، في شارع هوليويل أو هاليويل في منطقة شورديتش، شمال لندن. حدث نزاعٌ كبير بين براين، وزوجته مارجريت، وبورباج، وعانى الزَّوجان من خسائرَ مادية، بينما ازدَهرَت أعمال بورباج — وذلك بغض النظر عن أَوجُه الصواب والخطأ في هذه القضية؛ إذ يصعُب معرفة الأمر مع البُعد الزمني. اشتَملَت أسرة جيمس بورباج على ابنَيه كثبيرت وريتشارد. تباهى كثبيرت بمسرح والده وقال إنه الأول في إنجلترا، بينما كان ريتشارد المُمثِّل التراجيدي الأكبر في شركة شكسبير. وفي عام ١٥٩٧ حينما انتهى عقد استئجار جيمس بورباج للأرض التي بنى عليها مسرحه، فكَّكَه وشَحنَه عبر نهر التايمز من أجل بناء مسرح «ذا جلوب»، الذي اقترن اسمه باسم شكسبير، والذي شُيِّد في عام ١٥٩٩.

لم يعُد يتمتَّع المُمثلون بعنوانٍ جديد ثابتٍ فحسب، بل حصلوا أيضًا على قَدْرٍ من الحماية بموجَب القانون؛ فقد حثَّ بندٌ في قانون عام ١٥٧٢ على مُعاملة المُمثِّلِين على أنهم مُتسوِّلون، ونقلهم لحدود الأبرشية المجاورة «إلا إذا» كانوا يعملون تحت رعاية «أي بارون في المنطقة أو أي شخصيةٍ بارزة ذات مكانةٍ كبيرة.» وعليه، كان الهدف في هذه الحالة إتاحة العروض المسرحية بدلًا من قمْعِها. وفي الواقع، تحُثُّ هذه الوثيقة السُّلُطات في جميع أنحاء المملكة على السماح بالعروض دون «خطابات أو مُعوِّقات أو مُضايقات.» ومن ثَمَّ اعتُبر عمل المُمثِّلِين الذين كانوا تحت رعاية أحد أصحاب المكانة الاجتماعية العالية شرعيًّا؛ في الحقيقة، بسبب وجود سيِّدٍ لهم؛ ولذا أصبحوا جزءًا مُعترَفًا به في التسلسُل الاجتماعي، بدلًا من كونهم حُثالةً لا يحكُمُهم صاحبُ عملٍ أو أحدُ ذوي المكانة الاجتماعية العالية.

من ثَمَّ، كانت الرعاية الأرستقراطية أَضمنَ أشكال الحماية من الاضطهاد بالنسبة لِلفِرَق المسرحية. كان إيرل ليستر، روبرت دادلي، أهمَّ راعٍ من هذا النوع في بداية عصر الملكة إليزابيث، وحَصلَت فرقتُه المسرحية، «خَدَم إيرل ليستر»، على تصريحٍ ملكي في عام ١٥٧٤ يُجيز رسميًّا أنشطتها المسرحية.23 وعند وفاة ليستر، انتَقلَت الرعاية إلى فرديناندو ستانلي، اللورد سترينج (تاريخيًّا كان «اللورد سترينج» اللَّقبَ الذي يُمنح لوريث إيرل ديربي حتى يحين الوقت الذي يرث فيه منصب الإيرل). كانت هذه هي الفرقة المسرحية التي بدأ معها شكسبير، وواصل حياته المهنية المسرحية بالكامل تحت رعاية رعاةٍ مُختلفِين؛ وعليه، في أكتوبر عام ١٥٩٣، حينما ورث اللورد سترينج لقبَ والده، أَصبحَتِ الفرقة على اسم إيرل ديربي، وبعد وفاته هو الآخر بعد عام، أصبحت على اسم اللورد تشامبرلين، تحت رعاية هنري كاري، أول لورد لهوندسون. كان اسم «اللورد تشامبرلين» يُشير إلى مَنصبٍ له نفوذ في القصر الملكي. كان الجزء العلوي من القصر الملكي أعلى السلالم (أي الذي لا يشمل المطبخ والأقبية، وغيرها)، يُعرَف باسم الحُجرات («تشامبر» باللغة الإنجليزية)، وكان يعمل به أكثر من ستمائة شخصٍ على رأسهم اللورد تشامبرلين.
في الوقت الذي دخل فيه شكسبير إلى عالم المسرح، كانت فرقتان مسرحيَّتان تُسيطِران على المشهد في لندن؛ المُمثلون تحت رعاية اللورد هاورد من إفينجام، اللورد الأميرال، وهي فرقةٌ ذُكرت لأول مرة في عام ١٥٨٦ وتَغيَّر اسمها إلى فرقة الأمير هنري في عهد جيمس الأول؛ والمُمثِّلون تحت رعاية اللورد تشامبرلين. إلَّا أنَّ هذَين الراعيَين الأرستقراطيَّين لم يكونا إلَّا رئيسَين صوريَّين؛ فقد كان حملة الأسهم؛ مثل شكسبير، يتحمَّلون مسئولية الأمور المالية والإدارية للفرقة؛24 فكان أهمَّ من الرعاة الأرستقراطيِّين فيما يتعلق بالنجاح المالي الشخصياتُ المالية والإدارية التي كانت تقود هذه الفِرَق المسرحية؛ فكان جيمس بورباج العقل المالي الذي يقف وراء فرقة «خَدَم اللورد تشامبرلين»، بينما كان فيليب هينسلو مسئولًا عن الجانب التجاري لفرقة «خَدَم اللورد الأميرال». في الواقع، يُمثِّل عمل هينسلو، المعروف باسم «مُذكرات هينسلو»، أحد أكثر مصادر المعلومات قيمةً عن المسرح في أوائل العصر الحديث. اعتَمدَت فرقة «رجال الأميرال»، التي كان المُمثِّل الرئيسي فيها إدوارد ألين، بنحوٍ أساسي على تقديم مسرحيات مارلو، بينما اعتَمدَت فرقة «خَدَم تشامبرلين»، التي كان مُمثِّلها الرئيسي ريتشارد بورباج، على مسرحيات شكسبير. وكان من بين الفِرَق المسرحية المهمَّة الأخرى فرقة «الملكة»، التي تأسَّست بمُوجَب أَمرٍ ملكي في عام ١٥٨٣؛ وفرقة «لورد ووستر»، التي أَصبحَت تابعةً للملكة آن في أثناء فترة حُكم زوجها، جيمس الأول؛ وفرقة «لورد بيمبروك»، التي وَردَ ذِكرُها لأول مرة في عام ١٥٩٣. كانت ثَمَّةَ فرقتان أيضًا للمُمثِّلِين الفِتيان، وهما «أبناء بول» و«أبناء كنيسة الملكة إليزابيث»، والذين أشار إليهم شكسبير في مسرحية «هاملت» على أنهم «فِرقةٌ من الصِّبية، الطيور الصغيرة» («المطوية الأولى»، الفصل الثاني، المشهد الثاني، السطران ٣٣٧-٣٣٨). وعند اعتلاء الملك جيمس العرش دَخلَت كافة الفِرَق المعروفة تحت الرعاية الملكية، وأَصبحَت فرقة «خَدَم تشامبرلين» فرقة «خَدَم الملك». وبينما مَنحَت هذه المكانة الجديدة المُمثِّلِين حمايةً اجتماعية مُستمرَّة، فإنها لم تمنحهم مكانةً اجتماعية بارزة.25 وكذلك لم تَمنحِ الحماية الأرستقراطية للمُمثِّلِين حريةً مُطلقة للتصرُّف.
مع كل هذا الارتباط بين التمثيل والطبقة الأرستقراطية، فقد كان لا يزال مهنةً موصومة. ويُقدِّم جون ديفيس من هيرفورد تبريراتٍ لذلك في مدحه لشكسبير الذي ورد في كتابه «الكون الصغير» (١٦٠٣)، فيقول: «على الرغم من أن المسرح يُلوِّث بالفعل الدم النبيل النقي، فإنك بقِيتَ سخيًّا فكرًا وطبعًا.»26 في الواقع، إنَّ صِفة «مُتجوِّل» common تُعبِّر عن التسلسُل الطبقي، وطالما ارتَبطَت بالمسرح، على الرغم من أنها كانت تعني في بعض الأحيان «مشهورًا»، مثل «المسارح المشهورة» و«المُؤدِّين المشهورِين» المذكورِين في مسرحية «هاملت» (الفصل الثاني، المشهد الثاني، السطران ٣٤٠–٣٤٦).27 يُقال إن شكسبير ربما كان لديه بعضٌ من هذه الشكوك بشأن المسرح، هذا إن كان عمله «السونيتات» بالفعل يُمثِّل سيرته الذاتية؛ ففي السونيتة ١١١ يأسف الشاعر على أن إلهة الحظ لم تُعطِه إلَّا «السُّبل العامَّة» لكسبِ قوته — «الوسائل العامة التي تُولِّدها الأخلاق العامة» (البيت ٤).28 تمثَّلتِ المهنة التي تَماهى الشاعر معها هنا في مِهنة الصبَّاغ: «صارت طبيعتي خاضعة لما تقوم بأدائه، مِثل ما تُؤدِّيه يدُ الصبَّاغ» (السونيتة ١١١، البيتان ٦-٧). وبما أن فنَّ الصَّبَّاغ كان يقتضي صبغ جلود الحيوانات تمامًا مثل صبغ الملابس، فإن شكسبير هنا يُشكِّل علاقة، وإن كانت بالتَّضاد، مع حرفة والده كصانعٍ لِلقُفَّازات ومُبيِّض للجلود. وثَمَّةَ إشارةٌ أدبية مُهمة هنا أيضًا لشاعر شكسبير المُفضَّل، أوفيد، خاصةً في الترجمة الإنجليزية لقصيدة «التحوُّلات» لآرثر جولدينج؛ ففي الكتاب السادس، تَدخُل صانعة النسيج الشابَّة الموهوبة، أراكني، الواثقة من تفوُّقها الفني، في منافسةٍ مع الإلهة أثينا، المُتخفِّية في شكل سيدةٍ عجوز. تُعاقِب الإلهة ذاتُ النزعة الانتقامية أراكني بقسوةٍ على غرورها ومهارتها الاستثنائية بتحويلها إلى عنكبوت؛ فكما هو الحال مع شكسبير، المُفتقِر للأصل النبيل، كان فنُّ أراكني سبيلها الوحيد لكسْب رزقها: «لم تكن هذه الفتاة مشهورة … لأصلها، بل لِفنِّها» («التحولات»، الكتاب السادس، البيتان ١٠-١١). ومثل والد شكسبير أيضًا، كان والد أراكني «صبَّاغ الجلود باللون الأُرجواني» يُعالج جلود أو فراء الحيوانات؛ ولم يكن والدها يَصبِغ الجلود إلَّا باللون الأُرجواني. وفي سونيتة شكسبير، يستخدم الشاعر الخل («دواء الخل» السونيتة ١١١، البيت ١٠) كمُزيلٍ للصبغة — وهو محلولٌ مُذيب ربما يُساعده في استعادة سُمعته المُلوَّثة نتيجة مهنته العامة المهينة بطبيعتها.

جديرٌ بالذكر أيضًا أن الصِّباغة كان لها ارتباطٌ ملموس آخر مع مسيرة شكسبير المهنية؛ فقد بدأ مدير المسرح ورجل الأعمال، فيليب هينسلو، الذي عُرِض على مسرحه «ذا روز» مسرحِيَّتا «تيتوس أندرونيكوس» و«هنري السادس» لشكسبير، مسيرتَه المهنية كمُتدرِّبٍ لدى صبَّاغ يُدعى وودوارد. بعد ذلك تزوَّج من أرملة هذا الصبَّاغ؛ ومن ثَمَّ كان يُدرِّب مُمثِّلِيه الشباب في شركة الصِّباغة.

كانتِ الأعمال التجارية في لندن تتمركز حول الشركات النقابية، التي كان أعضاؤها يتَّخِذون مُتدرِّبِين شبابًا. كان المُتدرِّبون «يرتبطون» (بإبرام عقد) بسادتهم، في المعتاد لمدة سبع سنوات، وهي الفترة التي يستكملون فيها تدريبهم، ويُصبِح من حقِّهم أن يُصبِحوا «رجالًا أحرارًا» تابعِين لنقابتهم، ويُعترف بهم على أنهم مواطنون في لندن. فقد تدرَّب المُمثِّل زميل شكسبير والمُحرِّر المشارك ﻟ «المطوية الأولى»، جون هيمنجز، لدى البقَّال جيمس كولينز، وأصبح رجلًا حُرًّا من أبناء لندن عبر شركة جروسرز النقابية الخاصة بالبقَّالِين في عام ١٥٨٧. بعد هذا حَصلَ هيمنجز نفسه على مُتدرِّبَين، هما توماس بيلت وألكسندر كوك، اللذان دَرَّبهما كمُمثِّلَين في منتصف تسعينيَّات القرن السادس عشر (تبعهما ثمانية مُتدربِين آخرِين فيما بعدُ في الجزء الأول من القرن السابع عشر). أصبح كوك أيضًا رجلًا حرًّا من شركة جروسرز واتَّخذ هو نفسه مُتدرِّبِين أيضًا، حتى إن كانوا، مِثله، تلقَّوا تدريبًا على التمثيل وكانوا تابعِين بالاسم فقط للبقَّالين، على الرغم من انتمائهم لهذه الشركة النقابية. كان التدريب على التمثيل يبدأ عادةً حينما يبلغ الأولاد الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من عمرهم، وكانت أدوارهم الأولى تتمثَّل عادةً في تمثيل شخصياتٍ نسائية؛ فقد بدأ كوك تدريبه في الثالثة عشرة وبدأ بيلت في السادسة عشرة. ونظرًا لأنَّ شخصيات كليوباترا، والليدي ماكبث، ووالدة هاملت، جرترود، ناهيك عن الشخصيات الكوميدية، مثل روزاليند في مسرحية «كما تشاء»، تتطلَّب مهارةً استثنائية، فإنها تُظهِر ثقة شكسبير حتى في المُمثِّلِين الأصغر سنًّا. ونحن نعرف أن أحد المُتدرِّبِين لدى هيمنجز في البقالة، ريتشارد شارب، كان مُمثِّلًا موهوبًا للغاية ومُجسِّدًا رائعًا للأدوار النسائية؛ بسبب لَعِبه دور الشخصية الرئيسية في مسرحية جون ويبستر التراجيدية المُؤثِّرة «دوقة مالفي». يُشير هذا الدليل إلى مدى موهبة بعض المُمثِّلِين المُتدرِّبِين على الأقل، حتى إن كانت مِهنتهم «الرسمية» لا علاقة لها بأيِّ حالٍ من الأحوال بالمسرح.

جديرٌ بالمُلاحظة، أنَّ «الوقِحِين» أو «العمال الحرفيِّين» غير المُهذَّبِين في مسرحية «حلم ليلة منتصف صيف»، بصرْف النظر عن أعمالهم التجارية المُعتادة (نسَّاج، ونجار أثاث، وخيَّاط، ونجَّار، ومُصلح منافيخ، وسمكري)، يُشكِّلون أيضًا فرقة (وإن كانت للهواة) من المُمثِّلِين الذين يُمثِّلون أمام حاكمهم. كانت إنجلترا في أوائل العصر الحديث مكانًا لم تنشأ فيه بعدُ المكانة الاجتماعية التي نربطها بكلمة «مهنة». وثَمَّةَ تصويرٌ مُعبِّر للمواجهة الاجتماعية بين الطبقة الحاكمة والطبقة العاملة في الأسطر الافتتاحية لمسرحية «يوليوس قيصر». ففي مَشهدٍ يعكس دون أدنى شكٍّ الحياة اليومية في لندن في عصر شكسبير أكثر منها في روما القديمة، بادر إسكافيٌّ بكلامٍ حازمٍ أحدَ الأَعلَين منه مكانةً اجتماعية، قائلًا: «… من المحظور على أفراد الطبقة العاملة أن يخرجوا في أيام العمل دون أن يحملوا معهم ما يدلُّ على صنعتهم؟ تكلم أنت! ما صناعتك؟» (الفصل الأول، المشهد الأول، الأسطر ٣–٥)29 [ترجمة حسين أحمد أمين]. فكلمات «الطبقة العاملة» و«صنعة» و«صناعة» و«عمل» تنتمي جميعها إلى الفئة نفسها هنا.
كان المسرح يُمثِّل إلى حدٍّ كبير جزءًا من السياسة في لندن ونسيجها، وهي مدينة لم تعُد جُدرانها القديمة قادرةً على احتوائها. وكان لمسئولي المدينة، المُتمثِّلِين في العمدة، وأعضاء المجلس المحلي، وأعضاء مجلس العموم، سلطةٌ على المنطقة التي تقع تقريبًا داخل حدود جدار المدينة المُشيَّد منذ العصور الوسطى. أمَّا المسارح فكانت تُوجد بالأساس على أرضٍ إمَّا أبعد في موقعها الفعلي عن مُتناوَل المسئولين عن إدارة المدينة، في الضواحي (إذ كان مسرحَا «ذا جلوب» و«ذا روز» يقعان جنوب نهر التايمز في ساذرك)، أو داخل حدود المدينة في منطقةٍ لا تخضع لحُكمها؛ بسبب كونها أراضيَ أديرةٍ قبل ظهور حركة الإصلاح الديني (مثل «بلاكفرايرز»، مسرح شكسبير المغلق).30 كان باستطاعة المُمثِّلِين والكتَّاب المسرحيِّين الحصول على بعض الحرية في العمل في «المناطق الخارجة عن سلطة مسئولي المدينة»، وفي الضواحي، لكن هذا لم يكن يعني إعطاءهم حريةً مُطلقة.31 تقليديًّا، رَبطَ مُؤرِّخو المسرح بين مسئولي لندن والحركة البيوريتانية المُناهِضة للمسرح، وبين السلطة الملكية والتشجيع الحَذِر للدراما، لكن الصورة الحقيقية، كما أشرْنا فيما يتعلَّق بغلق المسارح، ربما تكون أكثر تعقيدًا من هذا؛ فمن المؤكَّد أن التقسيم الحادَّ بين السلطة الملكية ولندن لا يتلاءم مع حجم ومدَى الترفيه المدني المُزدهِر الذي كَشفَت عنه مؤخرًا آن لانكشير وتريسي هيل.32
كانت الدراما، كما رأينا، دينيةً بالأساس حتى مُنتصف القرن السادس عشر، وكان محتواها الديني على وجه الخصوص هو ما سَعتِ السُّلُطات، المدنية والملكية على حدٍّ سواء، إلى قمعه؛ ففي ١٦ مايو عام ١٥٥٩، أَصدرتِ الملكة مرسومًا، كُتب بخط يدِها، أعلن أنها «تحظُر صراحةً» كافة الأعمال المسرحية التي لم تحصل على إذنٍ رسمي.33 من الواضح أنَّ إليزابيث شَعرَت بالقلق إزاء أكثر من مجرَّد تجمُّع الحشود في العروض الترفيهية؛ لأنها ضَمَّت أيضًا العروض المسرحية الخاصَّة، وأشارت إلى أنه يُحظَر على مُوظَّفِيها السماح للمسرحيات «التي تُعرض من خلالها أو تُعالِج قضايا إما تتعلَّق بالدين أو بحكم الدولة والرفاهية العامة؛ إذ لا تصلُح هذه القضايا للكتابة عنها أو مناقشتها، إلَّا من الرجال ذوي السلطة …»34 تُصرِّح إليزابيث هنا عن الأهداف الرئيسية للرقابة على كلٍّ من الأعمال المسرحية والأعمال المطبوعة، المُتمثِّلة في كبح الهرطقة وقمْع التحريض على الفِتنة.35

من ثَمَّ، لا تتَّضِح معالم مسرحيات شكسبير وقصائده بما تقوله فحسْب، بل بالأساس بما لم تستطع قوله، وهو ما يُطلِق عليه الشاعر في «السونيتات»، كما أشرْنا في الفصل الثاني، «الفن مُلجَم اللسانِ من جانبِ السُّلطة» (السونيتة ٦٦، البيت ٩). وأن يُصبح المرء مُلجَم اللسان لا يعني أن يسكُت أو يُكمَّم تمامًا، ولكن ألَّا يكون قادرًا إلَّا على التعبير الجزئي وغير المُكتمِل؛ فهو خيالٌ حُرٌّ يُحرَم من التعبير الكامل عنه. وإحدى أهمِّ الحقائق التاريخية التي يجِب على قُراء شكسبير المُعاصرِين إدراكُها هي أن مجتمعه كان يخلو من كلٍّ من حرية الدين وحرية التعبير. ومع ذلك، لا يعني هذا أن إنجلترا الإليزابيثية كانت عالمًا كان فيه الفنُّ مُجرَّد مجموعةٍ من الرسائل المُشفَّرة بذكاء التي يجب فكُّ شفرتها. في الواقع، كان الجناس التصحيفي والأحاجي والصور الرمزية أمورًا شائعة بالفعل في إنجلترا في عصر شكسبير، لكن الدراما لم تتَّخِذ هذا الشكل لا في العروض ولا في الأعمال المطبوعة؛ فكانت الرقابة ببساطةٍ جزءًا من واقع الحياة اليومية التي عَمِل فيها شكسبير وحقَّق مُستوًى من التعبير الفني لا مثيل له في عصورٍ يُزعم أنها اتَّسمَت بحريةِ تعبيرٍ مُطلَقة.

كان الإطار القانوني الأساسي للرقابة كما يلي: في عام ١٤١٤ أَقَرَّ البرلمان قانونًا يُعطي السُّلُطات الكنسية الحق في اتخاذ إجراءٍ ضدَّ الكُتب الهرطقية ومُؤلِّفِيها، وزادت حِدَّة هذا التشريع مع ظهور حركة الإصلاح الديني؛ ففي عامَي ١٥٢٩ و١٥٣٠ صَدرَت مراسيمُ ضدَّ الكتُب الهرطقية وصَدرَ نظامُ ترخيصٍ في عام ١٥٣٨ جعل مجلس شورى الملك يتحكَّم في توزيع المواد المطبوعة، سواءٌ جرى إنتاجها في إنجلترا أو في أوروبا. وبالإضافة إلى هذا، أصدر أول ملكٍ بروتستانتي، إدوارد السادس، مرسومًا في عام ١٥٥١ أَصرَّ فيه على خُلُو النشرات والمسرحيات والأغاني الشعبية من أيِّ شيءٍ قد «لا يليق بمسامع المسيحيِّين».36 تَعرَّضَت مثل هذه التشريعات لمزيدٍ من التفصيل في وقت حياة شكسبير بفعل كلٍّ من المراسيم والقوانين؛ فكان التشويه الجسدي إحدى العقوبات المُحتمَلة لخرْق مثل هذه القيود. وحينما، في عام ١٥٧٩، تحدَّث جون ستوبس في نشرةٍ بعنوان «اكتشاف فجوةٍ بالِغة الاتِّساع» عن زواج الملكة، فقد هو وناشره معًا يدَهم اليُمنى.37
من ثَمَّ، في وقت حياة شكسبير، لم يكن عرض المسرحيات ولا طباعتها يحدُث دون الحصول على تصريح. وإن لم يحصل نصٌّ على موافقةٍ كما هو، يمكن لِلمُؤلِّف أن يُدخل عليه تعديلات، مدفوعًا في هذا بالحافز القوي المُتمثِّل في الإبقاء على أجزاءِ جِسمه سليمةً دون تشويه. أَصبحَت الرقابة المفروضة بعقوباتٍ وحشية، إلى حدٍّ كبير، مقبولةً ببساطة كجزءٍ طبيعي من النسيج الاجتماعي، ولم تكن شيئًا يُثير احتجاجًا أو اعتراضًا خاصًّا. وبالتأكيد أشار خِطاب توماس ناش لناشر الطبعة الثانية من كتابه «بيرس المُعدم» (١٥٩٥) لمثل هذه الفكرة؛ فناش، الذي ذهب إلى الريف ليهرُب من تفشي الطاعون، يكتب قائلًا: «إن تَوقَّف هذا المرَض قبل الطبعة الثالثة، فإني سآتي وأُغيِّر أيًّا كان ما يُعتبَر مُسيئًا …».38 ومع ذلك، فإن الكُتَّاب المسرحيين والشعراء، المُخاطرِين بالتعرُّض لعواقبَ وخيمة، كانوا أحيانًا يخرُجون عن النصِّ ويُخاطرون بالتعرُّض للعقوبة. كان هذا ما حدَث في حالة مسرحية بن جونسون «سقوط سيجانوس» (١٦٠٣)، وهي مسرحية، كما أشرْنا مُسبقًا، لعب فيها شكسبير أحد الأدوار الرئيسية؛ فبتحريضٍ من هنري هاورد، أول إيرل لنورثامبتون، جرى استدعاء جونسون أمام مجلس شورى الملك لاستجوابه بشأن تُهمَتَي «اتِّباع العقيدة الكاثوليكية والخيانة».39 لا يعرف الباحثون الطبيعة الدقيقة للمسألة التي سبَّبَت المشكلة؛ لأن جونسون، بالطبع، أُجبر على تغييرها قبل طباعة المسرحية. وحتى في صورتها الحالية، يتحدَّث نصُّ مسرحية جونسون عن الموضوع نفسه الخاص برقابة الدولة، وإن كان من مسافةٍ بعيدة ترجع إلى عصر روما القديمة، وعن البيئة التي يكون فيها كلُّ ضيفٍ على العَشاء «جاسوسًا للأخبار، يراقِب مَن يذهب، ومَن يأتي، ما المناقشات التي تَدخَّل فيها، ومع مَن، وأين، ومتى» («سقوط سيجانوس»، الفصل الثاني، السطران ٤٤٥-٤٤٦). دخل كُتابٌ آخرون، أيضًا، في صراعات مع السُّلُطات؛ ففي عام ١٥٩٩، حُرِقت ترجمة مارلو، «كل مرثيات أوفيد»، بأَمرٍ كنسي، مع قصائد جون ديفيس الساخرة. وفي وقتٍ مُبكِّر من هذا العَقد تَعرَّض توماس كيد، مُؤلِّف مسرحية «المأساة الإسبانية»، التي تُعَدُّ إحدى أهم المسرحيات في هذه الفترة وأحد المصادر الأساسية التي اعتمد عليها شكسبير في مسرحية «هاملت»، للتعذيب من أجل الإجابة عن أسئلةٍ بشأن رفيقه سيِّئ السمعة كريستوفر مارلو.
يبدو أن شكسبير كان أكثر نجاحًا في تفادي حنَق السُّلُطات، لكنه لم يسلَم منه بالكامل؛ فحينما نُشرت مسرحية «ريتشارد الثاني» لأول مرة في عام ١٥٩٧، وفي المرتَين اللتَين أُعيدت طباعتها فيهما في عام ١٥٩٨، حُذِف جزء من المشهد الأول من الفصل الرابع. كانت المسألةُ موضعُ الخلاف هنا على الأرجح تتمثَّل في كلٍّ من تصوير البرلمان في حدِّ ذاته، الذي كانت أعماله، على الأقل نظريًّا، سرِّيَّة (إذ تُعدُّ من «أسرار الدولة»)، وفي خلع ريتشارد الثاني. كان الاعتقاد دون شكٍّ أنَّ هذه الواقعة تُمثِّل سابقةً تاريخية لعزل ملكٍ مُختار. ولكون إليزابيث حاكمةً أُنثى، كانت عُرضةً للخطر على وجه الخصوص في هذه النقطة؛ ففي النهاية تعرَّضَت قريبتُها ماري للعزْل في اسكتلندا، لكن على الأقل ماري كان لدَيها وريث. أمَّا في إنجلترا، فإنَّ قضية الخلافة قد تؤدي إلى حربٍ أهلية مُحتملة في حال تعرَّضَت إليزابيث للخلع أو القتل. كانت هذه هي المخاطر التي تُمثِّلها مسرحية «ريتشارد الثاني»، التي تأثَّرَت بالصراع الدِّيني وزاد من خطورتها. ومع ذلك، حَصلَت المسرحية على إجازة مع حذْف الجزء المُثير للجدَل، إلَّا أن الأمر لم يَنتهِ عند هذا الحد؛ ففي فبراير من عام ١٦٠١، جرى الاتفاق مع فرقة شكسبير لعرض المسرحية في الليلة التي سَبقَت اندلاع تمرُّد إسيكس، وهي المحاولة المشئومة لإيرل إسيكس لإجبار الملكة على الخضوع لرغبته. وبمجرَّد قمْع التمرُّد، استُدعي الممثل أوجستين فيليبس، شريك شكسبير المساهم في فرقة اللورد تشامبرلين، لِيُفسِّر المسألة أمام مجلس شورى الملك. وَردَ عن فيليبس أنه طُلب منه ومن زملائه المُمثِّلِين «عرض المسرحية التي تتحدَّث عن خلع الملك ريتشارد الثاني وقتله في يوم السبت القادم» مُقابل زيادة ١١ شلنًا عن أجرهم الطبيعي. وشهِد بأن المُمثِّلِين «كانوا قد قرَّروا عرض مسرحيةٍ أخرى؛ نظرًا لكون مسرحية الملك ريتشارد بالغة القِدَم ولم تُعرَض منذ وقتٍ طويل؛ بحيث سيكون جمهورها قليلًا أو يكاد يكون منعدمًا.»40 ومع ذلك، لم تشُكَّ الملكة نفسها قَطُّ في ارتباط المسرحية بالأحداث الجارية، وصرَّحَت بمقولتها الشهيرة: «أنا ريتشارد الثاني. ألا تعرفون ذلك؟»
لم تكن السُّلُطات مُخطئة في خوفها من اندلاع فوضى عامَّة في المسارح. ففي عام ١٥٩٧، يُقال إن مسرحية «جزيرة الكلاب» أثارتِ الشغب بين المُتفرِّجِين. ولم يقتصِر ردُّ فعل مجلس شورى الملك على سجن مُؤلِّفيها فقط، الذين كان من بينهم بن جونسون، بل أَمَر بتدمير المسارح. ومع ذلك، في النهاية لم يُجرَّد إلَّا مسرح «ذا سوان»، الذي عُرضت عليه المسرحية المسيئة، من رُخصته.41 أصدر مجلس شورى الملك أمرًا آخر في ٢٢ يونيو عام ١٦٠٠ يَسمح فيه لمسرَحَي «ذا جلوب» و«ذا فورتشن» فقط بعرض المسرحيات، ونَصَّ أيضًا على عدم تقديم أكثر من عرضَين كلَّ أسبوع. لحُسن الحظ، تعرَّضَت هذه التوجيهات للتجاهُل الكامل.
كان ثَمَّةَ عددٌ من المَخاوِف المختلفة التي ربما أدَّت إلى فرض قيودٍ على العروض المسرحية، ودومًا ما كان بعضها دينيًّا؛ فقد كانت المسارح تُغلَق كلَّ سنةٍ طَوالَ أسابيع الصوم الكبير الستة، التي كانت تُعتبَر فترة صوم وتوبة؛ وكذلك لم تكن المسرحيات تُعرَض في أثناء فترة صلاة يوم الأحد؛ للسبب الواضح المُتمثِّل في تعارُضها مع الذهاب الإجباري للكنيسة.42 كما مثَّل رُعب آل تيودور من الحشود، والعامَّة، وقوة «الجموع الوفيرة» («كوريلانوس»، الفصل الثاني، المشهد الثالث، السطران ١٦-١٧) بُعدًا آخر للقيود المفروضة على المسرح، تمامًا مثلما أشار نيكولاس لينج في كتابه «بولايتوفويا: حِكم الكومنولث» (١٥٩٨) فقال: «إنَّ بذور التهوُّر والشهوة تزدهر بين الحشود غير المُنظَّمة.» فكانت الحشود تجذب اهتمام المُجرمِين — العاهِرات والنشَّالِين — وربما كانت تُشكِّل أيضًا تهديدًا مباشرًا للسلطة المَلَكية.
كانت تُفرَض قيودٌ على العروض في أثناء فترات تفشِّي الطاعون؛ نظرًا لأنَّ التجمُّعات الكبيرة كانت ستُساعد بالفعل على انتشار المرض. أصاب الطاعون إنجلترا منذ القرن الرابع عشر، وواصَلَت حالات تفشِّيه المُتقطِّعة، وما نتج عنها من مُعدَّلات وفَيَاتٍ مُرتفعة، وبيوتٍ خاضعة للحجْر الصحي، بالإضافة إلى هرَب الناس إلى الريف، عرقلة الحياة الثقافية والمدنية، لا سيما في لندن؛ حيث أدَّت كثافة السُّكان إلى التفشي الشديد للعدوى.43 أشار عُمدة مدينة لندن، السير نيكولاس وودروف، حينما كتب للورد بيرلي في ١٧ يونيو عام ١٥٨٠، إلى أنَّ المسارح وغيرها من «أماكن المُتعة»؛ مثل بيوت الدعارة والحانات، عَمِلَت على تفاقُم المُشكلة بجلْب غضب الربِّ على المدينة في صورة تَكرارِ الإصابة بالوباء: «يُوجَد لبعض الأشياء تأثيرٌ سلبي مُضاعَف، سواء بنشرها للعدوى، أو بجلْبِها لغضب الرب والطاعون علينا، تلك التي من أمثلَتِها تشييد وارتياد الأماكن المعروفة جدًّا بانفلاتها خارج نطاق تقاليدنا وسُلطتنا.»44
على الرغم من أنَّ ذهابنا إلى المسرح يحدُث غالبًا في المساء، وحتى إن حضرنا حفلةً نهارية، فإنَّ العروض تحدُث دومًا في قاعةٍ مُظلمة، فإنَّ المسرح العام في إنجلترا في أوائل العصر الحديث كان بالأساس عبارة عن مَسرحٍ مُدرَّج على غِرار السُّرادق الرياضي الحديث، مع كونه بأبعادٍ أقلَّ بكثير — المسرح «الخشبي المُستدير» الشهير (المقدمة، السطر ١٣)45 المُشار إليه في مسرحية «هنري الخامس». ورغم ذلك، يُعتقَد أن البناء المُضلَّع لمسرح «ذا جلوب» جعلَه يستوعِب ما يقرُب من ٣ آلاف مشاهد — وهو عددٌ كبير للغاية نظرًا لِتَعداد السكان في لندن في أوائل العصر الحديث. كانت المسرحيات تُعرض في منتصف النهار على المسرح، الذي، رغم أنه كان مُغطًّى جزئيًّا من عوامل الجوِّ بظُلَّة، كان يبرز عن الساحة، التي تُوجد بها حشود الجمهور الذين كانوا يدفعون بنسًا واحدًا من أجل الحصول على مكانٍ للوقوف فيه حول المسرح. أمَّا مُرتادو المسرح الأكثر ثراءً فكانوا يدفعون بنسًا إضافيًّا من أجل الحصول على مقعدٍ في المُدرَّج العلوي أو ثلاثة بنسات من أجل الحصول على مقعدٍ في المُنتصف. أمَّا الذين كانوا توَّاقين لأن يراهم الناس بقدْر رغبتهم في مشاهدة العرض فقد يجلسون على المسرح نفسه. أمَّا المسرح الآخر الأكثر بذخًا لشكسبير، فكان مسرحه الخاص، «بلاكفرايرز»، والذي كان مساحةً مُغطَّاة بالكامل على شكل قاعةٍ كانت الإضاءة فيها قائمة على الإضاءة الصناعية.
كانت مسارح أوائل العصر الحديث، مثل «ذا جلوب»، وحتى «بلاكفرايرز» المُغلَق، تختلف كثيرًا عن المساحات المسرحية من الطراز الذي ما زال في أذهان مُعظمنا مُرادفًا لما نعتبره مسرحًا؛ فالفكرة المُسيطرة علينا عن المسرح لا تقتصر فحسْب على كونه مساحةً مُغلقة، بل تشتمل أيضًا على الستارة والقوس المسرحي، أو الديكورات المسرحية المُنمَّقة التي كانت ضرورية طَوالَ القدْر الأكبر من القرنَين التاسع عشر والعشرين. لم يكن مسرح شكسبير على الأرجح يُشبِهُ «المساحة الفارغة» لمسرح المُخرِج بيتر بروك المثالي.46 في الواقع، كانت الفِرَق المسرحية تمتلك عددًا كبيرًا على نحوٍ مُذهِل من الأدوات التي تُستخدَم في العروض المسرحية؛ ولهذا كانت المسرحيات تنتقل من مشهدٍ لآخر بسرعةٍ أكبر من مُعظم العروض الحديثة لأعمال شكسبير؛ فتُشير عبارة «في هاتَين الساعتَين على مسرحنا» (المقدمة، السطر ١٢)47 التي وَردَت على لسان الجوقة في مسرحية «روميو وجولييت» التي يُحدِّدون فيها مُدَّة العرض، إلى إيقاعٍ أسرعَ بكثيرٍ من ذلك الذي قد يُوفِّره معظم العروض الحديثة. وحينما نُفكر في أن كثيرًا من المشاهدِين لمسرحيات شكسبير كانوا يقفون في ساحة مسرح «ذا جلوب»؛ بحيث يكونون قريبِين للغاية من الأحداث التي تجري على خشبة المسرح، ولم يكونوا يعزفون عن التعبير بصوتٍ عالٍ عن استيائهم، يبدو من غير المُحتمَل أن تُفرَض عليهم أحداثٌ درامية مُطوَّلة غيرُ مُبرَّرة.48 ومن المُرجَّح أنَّ المسرحيات التي كانت تُعرض في المسارح المُغطَّاة كانت أطول؛ لأن الفِرَق كانت تستغلُّ الفواصل بين الفصول، بينما يعزف الموسيقيون.49
ازدَهرَت المسارح العامة في العاصمة؛ فقد بنى فيليب هينسلو، نظير بورباج ومنافسه، مسرح «ذا فورتشن»، جنوب نهر التايمز أيضًا، في عام ١٦٠٠. وكان ثَمَّةَ العديد من المسارح الأخرى، منها «ذا كيرتين» (١٥٧٧)؛ و«ذا روز» (١٥٨٧)، الذي شهِد عرض مسرحية «هنري السادس» بأجزائها لشكسبير؛ و«ذا ريد بول» (١٦٠٤ تقريبًا)؛ و«ذا سوان» (١٥٩٥)؛ و«ذا بورز هيد إن» (وهو نُزل تحوَّل إلى مسرح)؛ و«ذا هوب»؛ و«ذا فورتشن» (١٦٠٠)؛ و«ذا كوكبيت»، الذي مثَّل عليه شكسبير في مسرحية بن جونسون «سقوط سيجانوس» في عام ١٦٠٣؛ وفي مكانٍ أبعد قليلًا، في نيوينجتون باتس، بُنيَ مسرحٌ آخر في عام ١٥٧٦. كان أكثر من ٢٥ ألف شخصٍ يذهب إلى المسرحيات كلَّ أسبوعٍ حينما يكون الموسم المسرحي في كامل ازدهاره.50 وبالإضافة إلى هذا، فإن المسارح الخاصة، «وايتفرايرز»، و«بلاكفرايرز»، وفرقة أبناء القديس بولس للأطفال المُمثِّلِين، قد أَشبعَت أيضًا شهية المدينة في الترفيه المسرحي.
في عصر شكسبير، كما أوضح عمدة مدينة لندن في خطابه إلى السير كريستوفر هاتون في عام ١٥٨٠، كانت المدينة عبارة عن بيئةٍ حضرية كثيفة المباني: «مع تكدُّس المدينة الشديد بالحشود، لم يعُد بإمكان العامَّة العَيش بعضهم بجوار بعض.»51 وازدهر عمل كُتاب المسرحيات بسبب النمو المُطَّرد للندن فيما يتعلق بكثافة سكانها وثروتها الجديدة. وكما أشارت مورييل برادبروك ذات مرة: «الدراما هي شِعر المدينة.»52

هوامش

(1) Robert Greene, Greene’s Groats-worth of Wit (1592), sig. A3v.
(2) William Shakespeare, King Henry VI. Part 3: The Arden Shakespeare, ed. Andrew S. Cairncross (London: Methuen, 1964).
(3) For a helpful summary of the critical and historical arguments relating to the closing of the theatre, see N.W. Bawcutt, “Puritanism and the Closing of the Theatres in 1642,” Medieval and Renaissance Drama in England 22 (2009): 179–200.
(4) David Kastan, Shakespeare after Theory (London: Routledge, 1999), p. 204; Margot Heinemann, Puritanism and Theatre: Thomas Middleton and Opposition Drama under the Early Stuarts (Cambridge: Cambridge University Press, 1980), pp. 20, 34.
(5) Quoted Richard Dutton, Mastering the Revels (Iowa City: University of Iowa Press, 1991), p. 29.
(6) Gabriel Harvey, Four Letters (London, 1592), sig. B2.
(7) For a full discussion of Nashe’s possible authorship of Greene’s Groats-worth of Wit, see Katherine Duncan-Jones, Ungentle Shakespeare: Scenes from His Life (London: Thomson Learning, 2001), pp. 43–53.
(8) Thomas Nashe, Pierce Pennilesse: his Supplication to the Divell (1595) STC/18375, sig. A2v.
(9) Duncan-Jones, Ungentle Shakespeare, pp. 43–53.
(10) Thomas Nashe’s preface to Robert Greene, Greenes Arcadia or Menaphon (1610) STC/122274 (first published in 1589 as Menaphon), sig. A2.
(11) David Thomas, Shakespeare in the Public Records (London: Her Majesty’s Stationary Office, 1985), p. 6. See also Samuel Schoenbaum, William Shakespeare: A Compact Documentary Life (New York: Oxford University Press, 1987), p. 199.
(12) Charles Nicholl, The Lodger Shakespeare: His Life on Silver Street (New York: Penguin, 2007), p. 207.
(13) John Aubrey quoted in Ben Jonson, ed. C.H. Herford, Percy Simpson, and Evelyn Simpson, 11 vols (Oxford: Clarendon Press, 1925–51), Vol. 1, p. 182.
(14) Thomas Nashe, Works, ed. R.B. McKerrow (Oxford, 1958; Pierce Penni-lesse, Works, Vol. 1, p. 212.
(15) Quoted in Walter A. Raleigh, Sidney Lee, and C.T. Onions, eds, Shakespeare’s England, 2 vols (Oxford: Clarendon Press, 1916), Vol. 1, p. 28.
(16) E.K. Chambers, The Elizabethan Stage, 4 vols (Oxford, 1923), Vol. 4, p. 270; Dutton, Mastering the Revels, p. 26.
(17) William Shakespeare, As You Like It: The Arden Shakespeare, ed. Juliet Dusinberre (London: Arden Shakespeare, 2006).
(18) David Kathman, “Innyard Playhouses,” in Richard Dutton, ed., The Oxford Handbook of Early Modern Theatre (Oxford: Oxford University Press) pp. 153–67 with special reference to p. 155.
(19) David Kathman, “Alice Layston and the Cross Keys,” Medieval and Renaissance Drama in England 22 (2009): 144–78 with special reference to p. 144.
(20) David Kathman, “Innyard Playhouses,” p. 153.
(21) Kathman, “Alice Layston” pp. 167, 155.
(22) Peter Thompson, Shakespeare’s Professional Career (Cambridge: Cambridge University Press, 1992), pp. 58–60.
(23) Dutton, Mastering the Revels, pp. 26, 28.
(24) Andrew Gurr argues that Shakespeare’s company had “conceived a management system that made its actors their own managers and financiers, creating the only effective democracy of its time in totalitarian England.” Andrew Gurr, The Shakespeare Company, 1594–1642 (Cambridge: Cambridge University Press, 2004), p. xiii.
(25) J. Leeds Barroll observes: “The new patent that created Shakespeare and his fellows Servants of the King was largely irrelevant to their basic situation as common players …” Politics, Plague, and Shakespeare’s Theatre: The Stuart Years (Ithaca: Cornell University Press, 1991), p. 14.
(26) Samuel Schoenbaum, Shakespeare’s Lives (Oxford: Clarendon Press, 1970), p. 55.
(27) William Shakespeare, Hamlet: The Texts of 1603 and 1623, ed. Ann Thompson and Neil Taylor (London: Arden Shakespeare, 2006).
(28) William Shakespeare, Shakespeare’s Sonnets: The Arden Shakespeare, ed. Katherine Duncan-Jones (London: Methuen Drama, 2010).
(29) William Shakespeare, Julius Caesar: The Arden Shakespeare, ed. David Daniell (London: Thomson Learning, 2004).
(30) John Stow’s Survey of London (1598) ed. C.L. Kingsford (Oxford: Clarendon Press, 1909), 2 vols.
(31) Stephen Mullaney, The Place of the Stage (Ann Arbor: University of Michigan Press, 1995), p. 44.
(32) Anne Begor Lancashire, London Civic Theatre: City Drama and Pageantry from Roman Times to 1558 (Cambridge: Cambridge University Press, 2002); Tracey Hill, Pageantry and Power: A Cultural History of the Early Modern Lord Mayor’s Show: 1585–1639 (Manchester: Manchester University Press, 2010).
(33) Dutton, Mastering the Revels, p. 22.
(34) Quoted in Dutton, Mastering the Revels, p. 22.
(35) For a comprehensive account of print censorship in the period, see Cyndia Susan Clegg, Press Censorship in Elizabethan England (Cambridge: Cambridge University Press 1997) and Cyndia Susan Clegg, Press Censorship in Jacobean England (Cambridge: Cambridge University Press 2001).
(36) Debora Shuger, Censorship and Cultural Sensibility: The Regulation of Language in Tudor-Stuart England (Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2006), p. 64
(37) See Richard Dutton, “Jurisdiction of Theater and Censorship,” in Arthur Kinney, ed., A Companion to Renaissance Drama (Oxford: Blackwell, 2002), p. 232.
(38) Thomas Nashe, Pierce Pennilesse: his Supplication to the Divell (1595) STC. 18375, sig. A2v. On the critical debates about censorship see Richard Dutton’s Preface to Licensing, Censorship and authorship in Early Modern England: Buggeswords (New York: Palgrave 2000), pp. ix–xx.
(39) See Donaldson, “Jonson, Benjamin,” ODNB.
(40) Chambers, Elizabethan Stage, Vol. 2, p. 205.
(41) See Janet Clare, Art Made Tongue-Tied (Manchester: University of Manchester Press, 1990), p. 30.
(42) Chambers, Elizabethan Stage, Vol. 2, pp. 87-8; Dutton, Mastering the Revels, p. 28.
(43) For a comprehensive account of the plague, especially in relation to Shakespeare’s Jacobean period, see Barroll, Politics.
(44) Quoted in Mullaney, Place of the Stage, p. 49.
(45) William Shakespeare, Henry V, ed. T.W. Craik (New York: Routledge, 1995).
(46) Peter Brook, The Empty Space (Harmondsworth: Penguin, 1968), pp. 105–7.
(47) William Shakespeare, Romeo and Juliet: Texts and Contexts, ed. Dympna Callaghan (Boston: Bedford/St. Martin’s, 2003).
(48) Andrew Gurr argues that plays lasted between two and three hours in The Shakespearian Playing Companies (Oxford: Clarendon Press, 1996), pp. 8–12.
(49) Gurr, Shakespearian Playing Companies, p. 81.
(50) Figures quoted are from James Shapiro, A Year in the Life of William Shakespeare: 1599 (New York: Columbia University Press 2005), p. 9.
(51) Sir Nicholas Harris Nicolas, Memoirs of the Life and Times of Sir Christopher Hatton, K.G. (London: 1847), p. 145.
(52) M.C. Bradbrook, English Dramatic Form: A History of its Development (London: Chatto and Windus, 1965), p. 41.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠