الفصل السادس

المسرحيات الكوميدية

حياة شكسبير الاجتماعية
  • «كوميديا الأخطاء»

  • «ترويض النمرة»

  • «الحب مجهودٌ ضائع»

  • «حلم ليلة منتصف صيف»

  • «تاجر البندقية»

  • «ضجةٌ كبيرة حول لا شيء»

  • «كما تشاء»

  • «الليلة الثانية عشرة أو سمِّها كما تشاء»

  • «الصاع بالصاع»

كوميديا الأخطاء

كان لدى شكسبير أختان باسم جوان. كانت الأُولى الطفلة البكرية لجون وماري شكسبير وعُمِّدَت في ١٥ سبتمبر عام ١٥٥٨: «جوان شكسبير ابنة جون شكسبير.»1 أمَّا جوان الثانية فقد عُمِّدَت بعد هذا بإحدى عشرة سنة في ١٥ أبريل عام ١٥٦٩. يُمكن إزالة غرابة هذا الموقف بالطبع عن طريق توضيح أنَّ الطفلة الأولى لا بدَّ أن تكون قد تُوفِّيت قبل مولد الثانية، لكن بما أنَّ سجلَّات دفنِها لم تَبقَ حتى الآن، فلا يمكننا التأكُّد من حقيقة هذا.2 ومع ذلك، نظرًا لعدم ظهور جوان الأولى مرةً أخرى في السجلَّات التاريخية، فعلينا أن نفترِض أنها تُوفِّيت بالفعل. ربما يرى مُعظمنا الآن أن ممارسة إعطاء طفلٍ نفس اسم أحد إخوته المُتوفَّين تُعَدُّ أمرًا بالِغَ البشاعة، إلَّا أنَّ هذه لم تكن الطريقة التي نظر بها الإليزابيثيون إلى الأمر؛ نظرًا لإعادة استخدامهم لأسماء الأبناء المُتوفَّين وتَكرارهم لنفس أسماء الأطفال الأحياء داخل الأسرة الواحدة دون أن يكون لديهم ما نُكِنُّه نحن للأسماء من احترامٍ بوصفها علامةً على الهُويَّة الفردية. ومع ذلك، على الرغم من رحيل ابنتَي شكسبير جوان دون أن يَرِد عنهما تعليقاتٌ كثيرة من حيث الاختلاف التاريخي، فلا يُمكننا قول الأمر نفسه عن الأسماء المُكرَّرة في مسرحية «كوميديا الأخطاء». فعلى العكس من مسرحية شكسبير الأخرى عن التوائم «الليلة الثانية عشرة»، بما فيها من فانتازيا كوميديةٍ محبوكةٍ أكثر عن توءمَين مُتطابقَين كان التمييز في هويتهما موجودًا رغم كلِّ شيء، ليس فقط بسبب اختلاف نوعهما، بل ربما أيضًا لسببٍ أَهمَّ من ذلك وهو اختلاف اسمَيهما (فيولا وسيباستيان)، فإن الأسماء المُكرَّرة في «كوميديا الأخطاء» تبدو كنوع من المُبالَغة الكوميدية التي ساد الاعتقاد منذ وقتٍ طويل بكونها إحدى علامات ضَعف المسرحية.
لماذا إذن قدَّم شكسبير اللامعقولية الصارخة ظاهريًّا في صورة وجود زوجَين من التوائم من النوع نفسه في مسرحية «كوميديا الأخطاء» اللذَين يشترك كلُّ توءمَين منهم في الاسم ذاته؛ فيُدعى اثنان «أنتيفولوس» والآخران «دروميو»؟ تقليديًّا يتمثل التفسير الأكثر شيوعًا في أنَّ المسرحية يُعتقَد أنها من أوائل مسرحيات شكسبير؛ إذ كُتبت على الأرجح في عام ١٥٨٩ أو حتى قبل هذا؛ ولذلك، حتى وقتٍ مُتأخر من القرن العشرين (حينما، كما سنرى، أعُيد النظر في تحديد تاريخ بدء كتابة المسرحية والانتهاء منها)، نُبذت هذه المسرحية بوصفها عملًا «مُقلَّدًا، وهزليًّا، وسطحيًّا.»3
إن ملاحظة أرسطو المُعبِّرة في كتابه «فن الشعر» التي وَردَ فيها أنه بينما تُعتبَر أصول التراجيديا كأحد الأنواع الأدبية معروفةً جيدًا، فقد ظلَّت أصول الكوميديا غامضة «لأنها لم تُعامَل منذ البداية بجديَّة.»4 ربما تنطبق على مسرحية «كوميديا الأخطاء». واستنادًا إلى كلام أرسطو، سيستعرض هذا القسم أسباب ضرورة التعامُل مع المسرحية الكوميدية المُضحِكة هذه بجدية، وقراءتها في سياقٍ تاريخي، وسيتحدَّث على وجه الخصوص عن التبِعات الثقافية لِلمُمارَسة الشائعة في أوائل العصر الحديث والمُتمثِّلة في تَكرار الأسماء.

•••

تبدأ قصة «كوميديا الأخطاء» التي يظهر عدم معقوليتها قبل ٢٣ سنة من أحداث المسرحية حينما أصبح إجيون وزوجته، إميليا، والِدَين لِولدَين توءمَين مُتماثلَين. يُولد في الليلة ذاتها التي وُلدا فيها، وفي النُّزُل نفسه توءمان آخران مُتماثِلان لأُسرةٍ فقيرة، ويشترى إجيون هذَين الولدَين ليعملا على خدمة ابنَيه. مع الأسف، بينما كانت الأُسرة في رحلةٍ في البحر، وبينما كان الأطفال لا يزالون رُضَّعًا، انفَصلتِ الأُسرة حينما انقَسمتِ السفينة إلى نِصفَين بعد ارتطامها بصخرة. وفي هذا الانفصال المُتماثل تمامًا، انجَرفتِ الأمُّ وهي تُمسِك بأحد طفلَيها وأحد الخدم التوءم، على نصف السفينة، في حين انجرف الأب على النصف الثاني مع الطفلَين الآخرَين:
فلم تَكدِ المسافة بيننا وبين السفينتَين تصِل إلى ضعف الخمسة فراسخ
حتى واجهنا صخرةً ضخمة،
تلك التي ارتطمنا بها بقوةٍ بالغة،
بحيث قَسمَت سفينتَنا العزيزة من المنتصف.
ومع انفصالنا هكذا ظلمًا عن بعضنا،
ترك الحظُّ لكلٍّ منَّا بالمثل،
ما يُسعدنا، وما يُحزِنُنا.
(الفصل الأول، المشهد الأول، الأسطر ١٠٠–١٠٦)5
تُعتبَر حالة المُضاعفة الاستهلالية — زوجَين من التوائم: اثنان اسمهما أنتيفولوس، والآخران اسمهما دروميو — هَزْلية؛ ففي التراث القديم كانت الخصوبة والزيادة، مع الوفرة والغزارة والكميَّات الكبيرة والإفراط سببًا في السعادة والضحك؛ لأنها كانت ترتبط بالبقاء. ومع ذلك، يرتبِط حادث الانقسام والانعزال والانفصال الذي تبِع هذا، وتسبَّب فيه تحطُّم السفينة، بالموت وهو أَمرٌ تراجيدي بطبيعته. هذا وتُوصف الأحداث باستخدام لغةٍ حسابية؛ ومن ثَمَّ، لم تكن المسافة بين السُّفن عشرة فراسخ، بل «ضعف الخمسة» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطر ١٠٠). وفي الواقع، فإن القسمة والجمع والضرب، بوصفها مفاهيمَ تنطبق على حياة البشر، هي بالضبط ما تدور حوله المسرحية. هذه هي الانحرافات، أو «الأخطاء»، أو «الابتعاد»، عن الوحدة والعودة إليها مرةً أخرى. ترتبط هذه المفاهيم الحسابية بشدَّة بالفكرة الفنية، على وجهٍ خاص، المُتمثِّلة في التصوير المُحاكي كأحد أشكال التَّكرار، كما في تعليمات هاملت لمُمثِّلٍ بأن «أن يكون مِرآةً تنعكس عليها الطبيعة» (الفصل الثالث، المشهد الثاني، السطران ٢١-٢٢).6 ومع ذلك، مثلما تَقلِب المرآة الواقع، تنحرِف الصورة الفنية أيضًا — سواء كانت مرسومة أو شعرية — عن الأصل إمَّا لأنها عبارة عن تصويرٍ خيالي للطبيعة أو لأنَّ الفنان يفتقِر إلى المهارة الفنية التي تُمكِّنه من الوصول للمُحاكاة الدقيقة. إن الذي يُعطي هذه المسرحية طابعًا كوميديًّا مُؤكَّدًا، حتى في أحلك لحظاتها، هو التأكيد على المُضاعَفة والضرب حتى في وسط الكارثة، عندما يكون من المُناسِب أكثر أن نتوقَّع خسارة، وطرحًا، وقسمةً، ونقصانًا.

يحكي إجيون من سيراكيوز قصة تَحطُّم السفينة في بداية المسرحية لأنه لا بُدَّ أن يُفسِّر لدوق إفسوس سبب وجوده هناك، في انتهاكٍ منه لمرسومٍ يقضي بضرورة دفْع أي مُواطنٍ من سيراكيوز يُعثَر عليه في إفسوس غرامةً باهظة (والتي لا يَقدِر إجيون على دفعها) أو يتعرَّض للإعدام. تظهر عمليات القسمة والمُضاعفة التي تقوم عليها المسرحية، على وجه الخصوص، في قصة إجيون الافتتاحية؛ فيحكي عن إنقاذ العائلة المُقسَّمة على يدِ مركبَين مختلفَين، مما نتج عنه انفصال الأُسرة منذ ذلك الحين. عاش إجيون في سيراكيوز مع ابنه وخادم ابنه، لكن عندما أصبح أنتيفولوس السيراكيوزي في الثامنة عشرة من عمره، جعله فضوله يذهب، مع خادمه، للبحث عن أخيه. ولخوف إجيون من فقدانه لابنه الوحيد المُتبقِّي، انطلق بحثًا عنه، وظلَّ يبحث عنه، كما عرَفْنا من بداية المسرحية، طَوالَ السنوات الخمس الماضية «في أجزاء اليونان النائية» و«جميع أنحاء آسيا» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطران ١٣٢-١٣٣). أُخِذ إجيون إلى السجن، مُستسلِمًا لقدَره، دون أن يعلم مكان أيٍّ من طفلَيه. يظهر أن أنتيفولوس ودروميو السيراكيوزيَّين على قيد الحياة وبصحةٍ جيدة ووصلا للتوِّ إلى إفسوس، على الرغم من عدَم علمهما بوجود نظيرَيْهما الإفسوسيَّين هناك.

في الواقع، في إفسوس، تتعرَّض الأمور للقِسمة والضرب بمُعدَّلٍ مذهل، يقترب من كونه خارقًا للطبيعة، داخل بِنية الوحدتَين الكلاسيكيَّتَين للزمان والمكان (فكافَّة أحداث المسرحية تقع في إطار يومٍ واحد ومكانٍ واحد)، اللَّتَين لا يُحافظ عليهما شكسبير عادةً. يعيش أنتيفولوس الإفسوسي حياةً مُزدهرة مُستقرة، تلك التي يَتشابَك فيها أخوه دون علمه؛ فالأول مُتزوِّج من أدريانا، التي تُضايقها كثيرًا خيانَتُه لها، أمَّا دروميو الإفسوسي فهو خطيب لفتاةٍ غيرِ جذابةٍ تعمل في المطبخ. وحينما يجد أنتيفولوس ودروميو السيراكيوزيَّان العازبان أشخاصًا غُرباءَ ينادونهما باسمَيهِما، يَظنَّان أن هذا بفعل سحرٍ من نوعٍ ما. وتدعو أدريانا أنتيفولوس الخطأ على العَشاء (فما يحدث منه إلا أن يتودَّد لأختها، لوسيانا)، وتمنع دون قصدٍ زوجها الحقيقي من الدخول إلى المنزل، فيتناول العشاء مع المحظية بدلًا من هذا. وعندما ينضمُّ التوءمان دروميو للسيدَين الخطأ، ويُطالِب التجار بالحصول على ثمن سلسلةِ ذهبٍ أَعطَوها لأنتيفولوس السيراكيوزي بدلًا من أنتيفولوس الإفسوسي، تتَّخِذ مشكلة الهُوية الشخصية بُعدًا اجتماعيًّا آخر. تتطوَّر أحداث المسرحية بسرعة في مَشاهِد سوء الفهم والخطأ في تحديد الهُوية هذه — «الأخطاء» المذكورة في اسم المسرحية. تُحَلُّ هذه المشكلات باجتماعِ زوجَي التوائم معًا على المسرح في النهاية — على الرغم من عدَم معرفتنا طريقة تمثيل توائم شكسبير على المسرح في أثناء حياته، سواء كانت باستخدام مُمثِّلَين طَوالَ المسرحية، أم باستخدام مُمثِّلٍ واحد يظهر شبيهه لفترةٍ وجيزة في المشهد الأخير. أيًّا كان الوضع، فمن أجل تحقيق أعلى درجة من الإشباع الكوميدي وكذلك المُبالَغة والتضخيم فيه، على ما يبدو، انتهَتِ المسرحية بالجمع بين أنتيفولوس السيراكيوزي بأخت أدريانا، وتكشف رئيسة الدير في إفسوس عن هُويتها ليتَّضِح أنها لم تكن إلَّا والدة التوءمَين أنتيفولوس. والآن مع اجتماع إجيون أخيرًا مع زوجته وأُسرته التي فقدها منذ وقتٍ طويل، عُفي من عقابه، واجتَمعتِ العائلة مع الأخوَين دروميو الخادمَين في النهاية معًا.

يأتي إطار المسرحية المتعلق بإجيون وإميليا من القصة الرومانسية الإغريقية «أبولونيوس من صور»، وهو مصدر استخدمه شكسبير مرةً أخرى في مسرحية «الليلة الثانية عشرة» وفي مسرحيته المُتأخرة «بيريكليس». أمَّا حادثة منع أدريانا زوجها من دخول المنزل، فمأخوذة من مسرحية بلاوتوس «أمفتريو»، إلا أن شكسبير استعار الخطوط العريضة للحبكة من مسرحيةٍ أخرى لبلاوتوس وهي «مناكمي». أمَّا بلاوتوس فقد استمد بدوره حبكته من مصدرٍ إغريقي أقدم، وهي مسرحيةٌ تُدعى «توائم أو مُتشابهون كنصفَي حبة البازلَّاء». وبدلًا من التقليل من الأمور غير المعقولة التي كانت في مسرحية بلاوتوس، حيث يُفقَد أحد التوءمَين في منطقةٍ مزدحمة، نجد المُمتِع في نسخة شكسبير أنه اختار مُضاعفة هذه الأمور، وأضاف إليها، مثلًا، الزوج الآخر من التوائم. ومن بين مصادرِ شكسبير الأخرى، نجد كتاب «صورة المغامرات المؤلمة» (١٥٧٦)، من تأليف لورنس تواين صاحب الاسم الغريب الذي يعني التوءم، وهو كتاب يستشرف عنوانه عمل سيجموند فرويد عن التَّكرار القهري؛ فكان فرويد مهتمًّا بالميل لِتَكرار الأحداث أو الظروف المؤلمة، التي تسبَّبَت فيما مضى في ألمٍ عاطفي ونفسي. يُشير التَّكرار وتَشابُه الأسماء إلى الدرجة التي يكون بها الواقع والحقيقة أشبَهَ بالخيال. ومن المُثير للاهتمام أن هذا بالضبط ما قاله داينيسيوس لامبينوس، المُحرِّر في أوائل العصر الحديث للمصدر الذي استخدَمَه شكسبير من أعمال بلاوتوس: «يُصدِّق المرء الأشياء غير الحقيقية ويُكذِّب الأشياء الحقيقية.»7 بالإضافة إلى هذا، يغلب على مُحاكاة الحياة أو الطبيعة لأغراضٍ فنية أو أدبية فكرةُ كونها إلى حدٍّ ما خداعًا للحواس؛ فحينما عُرض على أدريانا، زوجة أنتيفولوس الإفسوسي، الأَخَوان أنتيفولوس في نهاية المسرحية، قالت: «أنا أرى نُسختَين من زوجي، أو أن عينيَّ تخدعانني» (الفصل الخامس، المشهد الأول، السطر ٣٣١).

في مسرحية «كوميديا الأخطاء» تتَّسِم مُعظم الشخصيات، كما هو الحال في النوع الأدبي الذي رُسِمَت في إطاره، بكونها ثنائية الأبعاد على نحوٍ هَزْلي، على الرغم من أنها تُذكِّرنا بالمُفارقة التي كشف عنها نركسوس على نحوٍ مأسوي عندما غرق في انعكاس صورته في الماء، وهي أنَّ الأسطُح لا تكون سطحيةً في نهاية الأمر؛ فزوجا توائم شكسبير في هذه المسرحية هما مِثل الصُّوَر المنعكسة؛ فهي شخصياتٌ تخدعنا لنعتقد أن هناك عمقًا بينما نحن ننظر في الواقع إلى مُجرَّد سطحٍ ثُنائي الأبعاد. ينبع التعقيد الكوميدي في المسرحية من حقيقة أنه في كلِّ زوجٍ من التوائم يتشارك الأخوان الهُوية الفسيولوجية والاسم أيضًا؛ فتُشير حَيرة الدُّوق المُتمثِّلة في قوله «أنا لا أستطيع التمييز بينكما» (الفصل الخامس، المشهد الأول، السطر ٣٦٤)، إلى الخطأ الإدراكي الذي لا بُدَّ أن يحدث في أسلوب مُحاكاة الفن للواقع — أيهما يجيء أولًا، وأيهما حقيقي أو أصلي، وأيهما نسخة؟

في بداية المسرحية، يقول إجيون على نحوٍ مُحيِّر إن الفرق بين ولدَيه هو ترتيب ولادتهما — بعبارةٍ أخرى، يُميِّز التسلسُلُ الزمني بين الهُويات. مع ذلك، فإن أنتيفولوس الإفسوسي يُوصَف بأنه «المولود أخيرًا» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطر ٧٨). لكن يدَّعي إجيون في وقتٍ لاحقٍ من المشهد نفسه أن أخاه السيراكيوزي هو «ابني الأصغر» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطر ١٢٤). ومع ذلك فإن «أي» نوعٍ من التمييز بينهما (الأكبر أو الأصغر، المُتزوج أو العازب، إلخ) يُصبح مُلغًى بسبب امتلاكهما لهُويةٍ اسميةٍ واحدة، أو حقيقة أنَّ السيراكيوزيَّين احتفظا باسم نظيرَيهما الإفسوسيَّين والعكس. يُمثِّل هذا انحرافًا مُهمًّا عن عمل بلاوتوس الذي اقتبس منه شكسبير المسرحية؛ حيث سافر الأب إلى الخارج بصُحبة طفلٍ واحد فقط، فَقدَه فيما بعدُ في أحد المهرجانات، وعندها فقط أطلَقَ على طفله المُتبقِّي في سيراكيوز اسم أخيه.

على الرغم من هذا، كان الغرض من حقيقة جعلِ كلِّ زوجٍ من التوائم يحمل الاسم نفسه أن تكون كوميدية، ويبدو أن تَكرار الأسماء هو المَوضع الذي يحيد فيه شكسبير بالتأكيد عن الواقع الاجتماعي. ومع ذلك، وبصرْف النظر عن مدى غرابة الأمر بالنسبة إلينا؛ لإيماننا بمفاهيمِ تكوينِ هُويةٍ فردية مُكتملة وكونها أساسًا لسلامة حالة الفرد النفسية، كان الوضع، في إنجلترا في أوائل العصر الحديث يتمثَّل في إطلاق الناس الاسمَ نفسه على أطفالٍ مُختلفين في الأُسرة الواحدة. ففي كثيرٍ من الأحيان كان اسم طفلٍ تُوفِّي وقد عُمِّد على اسم أبيه، أو أجداده، أو آبائه الرُّوحيِّين، يُستخدَم مرةً أخرى لطفلٍ لاحق؛ ولهذا إذن، كان لبن جونسون، على سبيل المثال، ولدان أَطلَق عليهما اسم بن. ومع ذلك، كان ثَمَّةَ العديد من الحالات التي كان هذا يحدُث فيها حتى مع عدم وفاة الطفل الأول، إمَّا استباقًا لمِثل هذا الحدث المأساوي، أو كنوعٍ من التأمين ضِدَّه؛ ومن ثَمَّ كان يُطلَق على الأَخوَين الاسمُ نفسه. ومن المُثير للاهتمام أن ممارسة تَكرار الأسماء هذه كانت تحدُث بالأساس مع الأولاد؛8 فكانت ممارسةً تعكس رغبةً في تَذكُّر وأيضًا تكريم الآباءِ والأقاربِ بالمُصاهرة والأقارب بالنسب، ولكن كان ثَمَّةَ أيضًا ما يُمكِننا أن نُطلِق عليه جانبًا نفسيًّا ثقافيًّا، يكون فيه تَكرار الأسماء مدفوعًا بالخوف من خسارةٍ وشيكة.
ثَمَّةَ حالات كان يعود فيها الأب بعد وفاة زوجته إلى استخدام الاسم نفسه مع طفله من زوجةٍ جديدة؛ ومن ثَمَّ نجد أن السير إدموند لودلو (الذي تُوفِّي عام ١٦٢٤) أطلق على ولدَيه البكر من كلتا زوجتَيه اسم «هنري»، وبذلك كانا أخوَين غيرَ شقيقَين يحمِلان الاسم نفسه. على ما يبدو، الابن الأكبر أصبح عضوًا في البرلمان في عامَي ١٦٠١ و١٦٠٤ وتُوفِّي في ١٦٣٩، بينما أصبح الأخ الأصغر السير هنري لودلو، عضوًا في البرلمان في عام ١٦٤٠ (وتُوفي عام ١٦٤٣). نجد أيضًا إخوةً من نفس الأب والأم يحملون الاسم نفسه؛ ففي أُسرة سبارك من بليموث، نجد أنَّ كلًّا من والد جون سبارك وعمه (أخي والده) حملا اسم جون، ووصل كلٌّ منهما، الأب والعم، إلى سنِّ الثلاثين على الأقل؛ إذ تُوفِّيا في ١٦٠٣ و١٥٩٧ على التوالي، وعاصر كلٌّ منهما الآخر دون شك.9 وبالمثل، أصبح كلٌّ من جون بارتون وأخيه محاميَين بارزَين ودخل كلٌّ منهما البرلمان (على الأرجح في الأسرة كان الابن الأكبر يُشار إليه باسم جون بينما قد يُطلَق على أخيه صيغةٌ مُصغَّرة، مثل «جينكين»).10 وثَمَّةَ حالةٌ أخرى وهي حالة جون وود، رئيس مجلس العموم، الذي كان وريثه هو أخاه جون، الذي التحق أيضًا بالبرلمان. وكان لجون هوسكنز، محامي المُرافَعات في محكمة الشكاوى العامَّة، أخٌ أصغر، يعمل رجلَ دينٍ في كنيسة إنجلترا يُدعى جون أيضًا. أمَّا جون ستو صاحب الكتاب الشهير الذي عرض لتاريخ لندن، فكان لديه أخٌ أصغر يُدعى جون ستو أيضًا. وفي مثالٍ آخر، كان للسير ريتشارد وايت عضو البرلمان، أخٌ أكبر يُدعى أيضًا ريتشارد، وكان كلاهما من الأب والأم نفسَيهما وعاش الاثنان لفترةٍ طويلة.11 ومن قبيل المُصادفة، كان الأخ الأصغر ريتشارد خادمًا لدى راعي شكسبير، إيرل ساوثهامبتون، وهي حقيقةٌ قد تكون لها علاقةٌ مباشرة بمسرحية شكسبير نظرًا لأن إيرل ساوثهامبتون كان عضوًا أيضًا في نُزل جراي، حيث عُرضت مسرحية «كوميديا الأخطاء» في احتفالات الكريسماس في عام ١٥٩٤.12 على أي حال، تُثبِت هذه الأمثلة الزعم بأن «تَكرار الأسماء — حقيقة إشارتها إلى أكثر من شخص — كان يمنعها من أن تُصبِح إشارةً موثوقًا بها على الهُوية.»13
من الاستثناءات القليلة، ولكن المُعبِّرة، في المسرحية لمبدأ الشخصيات الثنائية الأبعاد، تَبرُز شخصية أدريانا؛ الزوجة المظلومة لأنتيفولوس الإفسوسي، التي تبدو كشخصيةٍ «حقيقية». أدريانا هي شخصيةٌ عَمِل شكسبير على تضخيم حجمها الموجود في المصدر الذي اقتبس منه المسرحية؛ فيصدر عنها رجاء مُؤثِّر، بأبياتٍ بليغة، تُطالِب فيه بعودة حبِّ زوجها المُخطئ، في أبياتٍ تُعطيها تعقيدًا شعوريًّا ونفسيًّا يتجاوز كثيرًا السماتِ المُعتادةَ للشخصيات في المسرحيات الهزلية:14
آهٍ، لا تُبعِد نفسك عني؛
اعلم، يا حبيبي، أنه إن كان يسهُل عليك أن تُسقِط
قطرة ماء في البحر الهائج،
وتُخرجها منه ثانية، دون زيادة أو نقصان،
فسيسهل عليك أن تفصل نفسك عني، دون أن تنفصل رُوحي مِنِّي.
(الفصل الثاني، المشهد الثاني، الأسطر ١٢٤–١٢٩)

إنها تتحدَّث من فهمٍ مسيحي على وجهٍ خاص للعلاقات الجنسية مأخوذ عن القديس بولس، ويعرف كل مرتادي الكنيسة الإنجليزية «رسالة بولس إلى أهل إفسوس» (وكان الجميع، إجبارًا، يرتادون الكنيسة). اشتُهر بولس باستخدامه تشبيهًا جسديًّا يصِف فيه الزوج بالرأس الذي لا بُدَّ أن تُذعِن له الزوجة حتى مع حثِّ الأزواج على القيام بواجباتهم. تقول أدريانا لزوجها إنه لا يستطيع أن يفصل نفسه عنها بعد الآن تمامًا مثلما لا يمكن استعادة قطرة أُلقيت في المُحيط مرةً أخرى. ويُذكِّره حديثها هذا عن الرابطة الزوجية، إلى حدٍّ ما، بأن هويته السابقة المُنفصِلة كشخصٍ أعزب اختفَت للأبد.

في حديث أدريانا عن الرابطة الزوجية: «إن كان يسهُل عليك أن تُسقط … وتُخرجها منه ثانية.» تُوجِّه انتباه الجمهور إلى الأحداث التي تعرَّضَت لها الشخصيات في البحر في وقتٍ سابق من المسرحية، والتي يعلم عنها الجمهور، ولكن أدريانا نفسها لا تعلم عنها شيئًا. وحينما وصل أنتيفولوس المُرتحِل من مكانٍ لآخر إلى إفسوس في الفصل الأول بحثًا عن أخيه الضائع، قال: «أنا في هذا العالم كقطرة ماء، تبحث في المحيط عن قطرةٍ أخرى» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطران ٣٥-٣٦). هذا وقد تأمَّل مونتين في مقاله «عن التشابُه بين الأطفال والآباء» (الذي نُشرت ترجمة جون فلوريو له في عام ١٦٠٣) في تعقيدات الإرث الجيني المُتمثِّل في قطرةٍ من السائل المنوي. ومن المُثير للدهشة أنه استخدم صورةً تُشبِهُ تلك الواردة في مسرحية «كوميديا الأخطاء»:
علينا ألا نسعى لإطلاق مُسمَّى المُعجزات ونختار عجائبَ غريبة؛ فيبدو لي أنه من بين الأشياء التي نراها في المعتاد، تُوجَد [في الطبيعة] حالاتٌ نادرة عصِيَّة على الفهم، تفوق كلَّ غرائب المُعجزات؛ فأيُّ وحشٍ يُوجَد في هذه «النقطة أو القطرة من البذور»، التي ننشأ منها، التي لا تحمِل بداخلها بصمات الشكل الجسماني فحسب، بل أيضًا أفكار وميول آبائنا؟ من أين ﻟ «قطرة الماء» هذه أن تحتوي أو تؤوي هذا العدد اللانهائي من الأشكال؟ وكيف تحمل هذه التشابُهات لمِثل هذا التطوُّر المُتلاحِق والجامح بحيث يُفترَض من طفل الابن أنْ [يبدو] مثل جَدِّه، وأن يبدو ابن الأخ مِثل عمِّه؟15 (أقواس التنصيص الداخلية من عندي.)
لاحظ مرةً أخرى التَّشابُه بين هذا وقول أدريانا: «إن كان يسهُل عليك أن تُسقِط … وتُخرجها منه ثانية، دون زيادة أو نُقصان.» وبالإضافة إلى هذا، تُحيلنا كلمة «زيادة» إلى حسابات الجبر المُعقَّدة الخاصة بالولادات المُتعدِّدة، وكلمة «نقصان» إلى الطرح المأساوي الذي حدَث بسبب تحطُّم السفينة، بالإضافة إلى المجرى المائي الذي أثبت فيه إجيون وإميليا أنهما أبعد ما يكون عن الانفصال عن بعضهما. قدَّم شكسبير إشارةً موضوعية أُخرى تتعلَّق بالزواج والهُوية من خلال وصف أبوَي التوءمَين أنتيفولوس بأن تحطُّم السفينة أدَّى إلى «انفصالهما» عن بعضهما:
بحيث قَسمَت سفينتنا العزيزة من المنتصف.
ومع «انفصالنا» هكذا ظلمًا عن بعضنا،
ترك الحظ «لكلٍّ مِنَّا بالمِثل»،
ما يُسعدنا، وما يُحزننا.
(الفصل الأول، المشهد الأول، الأسطر ١٠٣–١٠٦، أقواس التنصيص الداخلية من عندي)

أصبح إجيون وإميليا هنا مِثل التوءمَين — «ترك الحظ لكلٍّ منا بالمِثل» — حتى مع انفصالهما عن بعضهما. بعبارةٍ أخرى، عمل انفصالهما وحُزنهما على تقوية علاقتهما. ففي هذا التَّشابُه البارع، يُصبح الزَّوجان مثل التوءمَين — ويكاد يكون هذا تعبيرًا حرفيًّا عن الحِكمة القديمة بأنَّ الذين يعيشون معًا يُصبحون قريبِي الشَّبَه ببعضهم بفعل ارتباطهم الطويل والوثيق.

في مسرحية «كوميديا الأخطاء» يُعبِّر البحث عن الذات الأخرى للمرء عن الخوف من عدم وضوح هُوية المرء أبدًا حتى في أكثر العلاقات الحميمية، وفي الوقت نفسه الرُّعب من اكتشاف كلِّ أَوجُه القصور البشِعة لدَيه. وتتمثل الفانتازيا هنا في أنَّ كلَّ هذا يمكن حلُّه فقط إن تمكنَّا من العثور على شخصٍ «يُشبهنا تمامًا». ويتمثل أحد التساؤلات التي تطرحها المسرحية في أنَّنا إن حدَث والتقينا ﺑ «نصفنا الآخر»، فهل سيكون صورةً مُطابقة لنا أم سيكون نقيضَنا، أو هل سيكون أخًا توءمًا أم زوجة؟ تستعرض المسرحية كافة هذه الاحتمالات؛ فحينما يلتقي الأخوان دروميو، يشعر دروميو السيراكيوزي بالراحة لأن خادمة المطبخ البدينة «ستُصبح الآن أختي، وليست زوجتي» (الفصل الخامس، المشهد الأول، السطر ٤١٦). بينما يقول دروميو الإفسوسي «أعتقد أنكَ مِرآتي، ولستَ أخي» (الفصل الخامس، المشهد الأول، السطر ٤١٧). وفي نهاية المسرحية، في بعض العروض، بينما يجتمع التوءمان دروميو الخادمان في سعادة، يشعُر الأخوان أنتيفولوس، كما في النص، إلى حدٍّ ما بالحذَر من بعضهما وبانعدام الثقة بينهما؛ فالأشخاص المُتشابِهون بشدَّة في الشكل ليس بالضرورة أن يتشابهوا في أشياءَ أخرى، كما أشار مونتين قائلًا: «لم يُوجد قَطُّ رأيان مُتماثلان في العالم، تمامًا مِثلما لا تُوجَد حبَّتان أو شعرتان متماثلتان.»16

في المسرح، يكمُن التحدِّي والفرصة اللَّذان يظهران في هذه المسرحية في أسلوب استخدام الوجه المُسطَّح للهزل في استنباط أعمقِ أبعاد الهوية الإنسانية، من خلال عرض فكرة التوائم لقضايا تتعلق بكلٍّ من مُضاعفة الهُوية وانقسامها؛ فهل يُمثِّل التوءمان وحدة مكتملة مُنقسمة؛ بمعنى أنهما نِصفان لهوية واحدة مُكتملة، أي، واحد مقسوم إلى اثنين؟ أم أنهما يُمثِّلان عملية جمع؛ بمعنى واحد زائد واحد يساوي اثنَين؟ ربما تكون المُقارنات مُجحِفة، لكنَّنا نفعلها طوال الوقت؛ فيختلف أنتيفولوس المُتزوِّج عن أنتيفولوس العازب، رغم أنَّ الاثنَين مُتشابهان في الشكل. يستكشف شكسبير هذه الطريقة التي نتعامل بها دائمًا مع العالم، وينظُر في مدى التشابُه أو عدم التشابُه بين شيءٍ وآخر، أو الأكثر أهمية، بين شخصٍ وآخر. وعند اجتماع زوجَي التوائم معًا في نهاية مسرحية «كوميديا الأخطاء»، مع افتراض أنَّ واحدًا فقط من كلِّ زوجٍ حقيقي في حين أن الآخر طيفٌ من نوعٍ ما، يتساءل الدوق المُنزعِج: «إذن من بين هؤلاء، أيُّهما الرجل الحقيقي، وأيهما الطَّيف؟ مَن يُمكن أن يُخبرني؟» (الفصل الخامس، المشهد الأول، السطران ٣٣٣-٣٣٤).

ينبُع ارتباك الدُّوق في نهاية المسرحية من افتراضه أنَّ هناك هويةً واحدة مُقسَّمة بدلًا من كونها مُضاعفة. يُوسِّع شكسبير نِطاق هذا اللُّغز الكامن في علاقة الأخوَين التوءمَين من خلال مُقارنته بفكرة الهُوية الزوجية؛ حيث، كما في الاعتقاد السائد في عصر النهضة والمأخوذ من الإنجيل، يُصبح الزوجان جسدًا واحدًا («رسالة بولس إلى أهل إفسوس»، الإصحاح ٥، الآية ٣١)، وهي هويةٌ جديدة غيرُ قابلة للانقسام ميتافيزيقيًّا.17 وهذا بالضبط مغزى ما تقوله أدريانا عن كيف لم يعُد بإمكان أنتيفولوس استعادة هويته السابقة أبدًا بوصفه فردًا مُنفصلًا. تعود جذور هذه الفكرة إلى كتاب «الندوة» لأفلاطون (٤٢٨–٣٢٧ قبل الميلاد)، الذي يحكي فيه قصة أرسطوفانيس التي تُشير إلى أن البَشَر جميعهم كانوا في وقتٍ من الأوقات من ذوات الأربع؛ بحيث كان الذَّكَر والأنثى ملتصقَين في جسد كائنٍ واحد، ثُمَّ انقسموا إلى نصفَين حينما أثاروا غضب الآلهة. ومنذ ذلك الوقت، أصبح مُقدَّرًا على البشر البحث عن الجزء المفقود من أنفسهم والاشتياق إليه. وفي ضوء علم الوجود لدى أفلاطون، تُصبح العلاقة الزوجية محاولة لاستعادة خسارةٍ ملموسة، وإعادة تمثيل، على نحوٍ ما، لِلَحظة التكوين الأصلية للهوية. ومع ذلك، فإنَّ عملية الانفصال في هذه القصة تعمل في نفس الوقت على توليد الهُويَّة وتقديم الفنِّ باعتباره بُعدًا مُنفصلًا ومنعكسًا للواقع.

يُناقش شكسبير التساؤلات الفلسفية الكبرى التالية في مسرحيته «كوميديا الأخطاء»: كيف نعرف مَن نحن؟ ومَن نظنُّ أنفسنا؟ وما مصدر تَوقِنا للحصول على اعتراف الآخرِين بنا؟ إلَّا أنه يطرح أيضًا مشكلةً مسرحية أساسية مألوفة لدى كافة المُشاهدِين (المحترمِين)، وهي القدرة على تمييز الشخصيات عن بعضها؛ ففي النهاية مَن منَّا (ربما باستثناء زوجي) لم يَمِل على شخصٍ يجلس بجواره في السينما ليسأله «أليس هذا الرجل الأصلع هو الذي قتَل المرأة الشقراء، أم إنه الرجل الأصلع الآخر؟» إذن فإن مسرحية شكسبير تُناقِش دون شكٍّ قضايا مسرحيةً أساسية وعمليةً تتعلق بالتعرُّف على الشخصيات، بالإضافة إلى قضايا أكثر إثارةً للقلق بشأن الأمور التي تُشكِّل الهوية الاسمية للفرد.

تُقدِّم المسرحية حلولًا مثالية كوميدية لهذه القضايا عبر التوءمَين دروميو، اللذَين كانا آخر مَن خرج من المسرح؛ فقد خرجا بعد نقاشٍ حول الطريقة التي يُحدِّدان بها من الأكبر سنًّا من بينهما؛ ومن ثَمَّ الذي ينبغي أن يذهب أولًا، ثم رضخ دروميو السيراكيوزي في سعادةٍ لأخيه. ومع ذلك، عندها وصل الاثنان إلى حلٍّ سعيد لأوجُه التشابُه بينهما التي لا يمكن التوفيق بينها ظاهريًّا:

أتينا إلى هذا العالم كأخ وأخيه، والآن دعنا نذهب يدًا بيد، وليس أحَدُنا قبل الآخر.

(الفصل الخامس، المشهد الأول، السطران ٤٢٥-٤٢٦)

لا بد أن تكون هذه المسرحية قد حَظِيَت بشعبيةٍ واسعة؛ لأنها إن كانت بالفعل أحد أعمال شكسبير المُبكِّرة، فقد كانت لا تزال تُعرض في البلاط في عام ١٦٠٤ (إنها لم تُطبع حتى إدراجها في «المطوية الأولى» في عام ١٦٢٣). هذا ولا تزال المسرحية تُحقِّق نجاحًا كبيرًا في العروض الحديثة لها. إن عرض جيمس سيلان-جونز لهذه المسرحية في عام ١٩٨٣، المُقدَّم في إطار تقليد الكوميديا المرتجلة، والذي قام فيه روجر دالتري من فرقة «ذا هو» الغنائية بدور الأخوَين دروميو، قد أظهر أنها يمكن أن تكون مضحكةً للغاية بدلًا من كونها هزليةً فحسب. هذا في حين أن عرض تيم سابل الشهير لها في عام ١٩٩٦ مع شركة رويال شكسبير على مسرح ستراتفورد «ذي أذر بليس» ومسرح «ذا أولد فيك» ركَّز على الأبعاد التراجيدية للمسرحية تمامًا مثل تركيزه على طابعها الهزلي الصاخب. وتُظهِر هذه العروض إمكانية انبثاق نوعٍ مختلف من التعقيدات من التفاعُل بين الشخصيات الكوميدية السطحية، التي تزخَر بها هذه المسرحية، أكثر من الشخصيات التي مَنَحها شكسبير ببراعةٍ حياةً داخلية حقيقية ظاهريًّا وأفكارًا ومشاعر مكتملة التكوين. عمِلت هذه العروض المُمتعة على إعادة إحياء الاهتمام النقدي بمسرحيةٍ تتَّسِق مع السمات الجمالية السائدة في فترة ما بعد الحداثة، المُتمثِّلة في الصورة والسطح وتسارُع إيقاع العالم الحديث. هذا وتُمثِّل هذه السمات العكس تمامًا من سِمتَي العُمق البطيء والتعمُّق، التي جرت العادة على افتراض كونهما العنصرَين السائدَين ليس فقط في الأعمال الفنية الكبرى، بل للأفراد أيضًا. وسمح هذا التحوُّل بإعادة تقييم مميزاتٍ مسرحية تفحَصُ بوتيرةٍ فائقة السرعة على وجه التحديد مثل هذه المفاهيم عن الهُوية.

ثَمَّةَ جانبٌ أخير لمسألة كون «كوميديا الأخطاء» مسرحية تستحقُّ المزيد من الاهتمام النقدي، يتمثل في الزعم بأن المسرحية ليست أحد الأعمال المُبكرة لشكسبير، بل إنها كُتبت في الواقع من أجل أول عرضٍ مُسجَّل للمسرحية في فترة أعياد الكريسماس في عام ١٥٩٤، حينما عَرضَتها فرقة «رجال اللورد تشامبرلين» المسرحية المُكوَّنة حديثًا في نُزل جراي.18 إن كان هذا صحيحًا، فإن هذا يعني أن شكسبير قد كتب هذه الكوميديا الحيوية الصاخبة في الوقت نفسه تقريبًا الذي كان يعمل فيه على ما أطلق عليه «العمل الأكثر جدية» المُتمثِّل في القصيدة القصصية «اغتصاب لوكريس»، وبعد عامٍ فقط من كتابة «روميو وجولييت» و«حلم ليلة منتصف صيف»؛19 وعليه، يتعارض هذا السياق المُتعلِّق بتأليف هذه المسرحية مع الرواية التقليدية عن تطوُّر شكسبير ككاتبٍ، الذي لم تكن مسرحية «كوميديا الأخطاء» بالنسبة له أكثر من مُجرَّد عملٍ لمبتدئ.

ترويض النمرة

لأنَّ وصول شكسبير للندن يُشير إلى بداية مسيرة شكسبير المهنية الاحترافية، ولأن حياته يُمكن دراستها في ظلِّ وجود مَيزة الإدراك المُتأخِّر بعد بضع مئاتٍ من السنوات، يبدو أن هذا الانتقال يُمثِّل أكثر تحوُّلٍ مصيري وبالغ الأهمية في حياته. ومع ذلك، لم تكن أهم خطوة في حياة المرء، بالنسبة لمُعظم الإليزابيثيِّين، مهنية؛ فعلى العكس من ذلك، كانت هي اللحظة التي يدخل فيها الأفراد فيما يُشير إليه «كتاب الصلاة المشتركة» ﺑ «حالة الزواج المُقدَّسة». في عصرنا هذا، قد لا يكون للحالة المادية والاجتماعية وحتى الجنس نفسه، ارتباطٌ كبير بالزواج، لكن في إنجلترا في أوائل العصر الحديث عادةً ما كان الزواج يُحدِث تحوُّلًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا وشخصيًّا قويًّا وملحوظًا. ومن المُثير للاهتمام أنَّ شكسبير لم يقُم بهذا التحوُّل البالغ الأهمية من العزوبية إلى الزواج في لندن، بل بدلًا من ذلك كان زواجه محليًّا (ربما، بسبب حمل آن، بدافع الضرورة وليس باختياره) في المقاطعة التي نشأ فيها. ومن ثَمَّ ربما ليس من قبيل الصُّدفة أن يبدأ شكسبير، في مسرحية تتحدَّث تحديدًا عن التحوُّل من حالة العزوبية، «الحياة التي عِشتُها» (الفصل الرابع، المشهد الأول، السطر ١٢٠)20 إلى الزواج، الأحداث في مقاطعة ووريكشير التي نشأ فيها، بشخصية شحَّاذ؛ كريستوفر سلاي من بورتن هيث بالقُرب من ستراتفورد. في الواقع، في مسرحية «ترويض النمرة» يُقارن شكسبير، في مسرحيةٍ واحدة، بين العالَم القروي المحلي الذي شكَّل الخلفية لحفل زواجه، بالأماكن الأدبيَّة أكثر والأجنبية بوجهٍ عام التي تُمثِّل مواقع مسرحياته الأخرى.

كانت قصيدة «التحوُّلات» لأوفيد المُفضَّلة لدى شكسبير، والتي ترجمها آرثر جولدينج في عام ١٥٦٧ من أول النصوص التي كُتبت عن التغيُّر والتحوُّل المُفاجئ. إن إشارات شكسبير لها، خاصةً في مشاهد المُقدِّمة التي تُشكِّل إطار الحدَث الرئيسي، كما يزعم هذا الفصل، تُقدِّم معلوماتٍ مُهمَّة عن الطريقة التي يُمكننا بها تفسير هذه المسرحية المُعقَّدة. والأَهمُّ من هذا، مع ذلك، هي الطريقة التي يُوجِّه بها التحوُّل الأوفيدي كلَّ جانبٍ من جوانب النص. فكما الحال بالنسبة لأوفيد، يدعونا شكسبير في هذه المسرحية إلى التفكُّر في سِرِّ عملية التحوُّل، ولكنه، على العكس من أوفيد، يفعل هذا داخل سياقٍ اجتماعي من الترويض. فقد كانت هناك مشكلةٌ مُلِحَّة ومستمرة في أوائل العصر الحديث والتي تمثَّلَت في التساؤل عن الطريقة التي يمكن بها إجبار التابعِين الجامحِين — سواء السياسيُّون أو المنزلِيُّون منهم (الزوجات أو الخدم أو الحيوانات) على الطاعة. وكانت الإجابة الأكثر شيوعًا عن هذا التساؤل في عالم شكسبير هي أنَّ العُنف أو التهديد باستخدامه كان السبيل الوحيد لضمان الطاعة. إلَّا أن المسرحية تطرح تساؤلاتٍ أخرى عمَّا إذا كان من الممكن فعليًّا إحداث التحوُّل من الجموح إلى الخضوع — بفعل الترويض أو التدريب أو التعليم (كلُّ صور التحوُّلات الواردة في المسرحية) — من الخارج؛ وعمَّا إذا كان من الممكن حقًّا إخضاع شخصٍ ما لرغبة شخصٍ آخر، أو عمَّا إذا كان من الممكن، في حالة البشر على الأقل، حدوث التغيير الحقيقي من الداخل.

•••

يُلمِح اسم المسرحية «ترويض النمرة»، في ضوء الموقع الريفي لمَشاهِد المقدمة، إلى مشكلةٍ غيرِ مُحببَّة بالتأكيد وهي اجتياح القوارض؛ فكلمة shrew في العنوان الإنجليزي تُشير إلى حيوانٍ قارضٍ صغير من الثدييات يُعرف بخطمه المُستدقِّ الطويل والحاد، وصريره الحاد العالي النبرة. تتناسب هذه الآفات «التطفُّلية» المُزعِجة تمامًا مع الصورة المُتحاملة في تلك الفترة على المرأة الجامحة، التي عُرفت حينها — وتُعرف الآن أيضًا — باسم النمِرة. وعلى الرغم من أنَّ هذه القوارض لها عضَّاتٌ قوية، فيمكن الإمساك بها وقتلها. ومن هذا المُنطلَق لم يكن التهديد أو الخطر الذي تُمثِّله بالغًا للغاية. وفي حين أنه من المُمكِن ترويض الصقور أو الكلاب أو الخيل، فلا شكَّ في أنَّ الآفات الضارَّة تتعرَّض للإبادة وليس الاستيعاب في الحياة المنزلية مثلما يحدُث في حالة الحيوانات الأليفة أكثر. يجعل هذا عنوان المسرحية يحمل نوعًا من التناقُض اللفظي؛ وبالإضافة إلى هذا تُشير كلمة «ترويض» إلى أنَّ هذه الكوميديا «لن» تكون عن المُغازَلة. ومن المُعتاد في المسرحيات الكوميدية أن تصِل الحبكة إلى الزواج كنتيجةٍ نهائية للأحداث، لكن بدلًا من ذلك نرى أن هذه المسرحية تُمثِّل إلى حدٍّ ما نوعًا غيرَ معتادٍ من «المسرحيات الكوميدية الخاصة بالزواج» التي تُركِّز على جانبٍ مُحدَّد من اتِّحاد الزوجَين، وهو «التحوُّل» من حالة العزوبية إلى الزواج. وفي الأماكن الفخمة، مثل القصور أو العِزب الريفية الشاسعة حيث كان من غير المُحتَمل أن تُزعِج الخلافات الزوجية الجيران، تنتهي القصة بمجرَّد تثبيت الترابُط الزَّوجي والأسري. لكن على العكس من ذلك، كان الترابُط الاجتماعي في الحياة اليومية بين الأُناس العاديِّين يتطلَّب وجود تناغُم بين الزوجَين بحيث حتى مع حدوث الجزء الرئيسي من المسرحية في ضواحي مدينة بادوا النائية، فإنه يحتفِظ مع ذلك بالطابع المحلي.

في مسرحية «ترويض النمرة» تُمثِّل عملية الدخول في حالة الزواج تحديدًا عملية خضوعٍ للسلطة، وصراعٍ على السلطة وتحقيقٍ للهيمنة الذكورية؛ فالنمرة، التي تؤدي الدور الرئيسي في المسرحية، هي كاتارينا أو «كات»، الابنة الكُبرى لبابتيستا مينولا، أحد التجار الأثرياء في بادوا، وهي امرأةٌ سليطة تصبُّ غضبَها على أي شخصٍ يُوجد أمامها، لكن تحديدًا على أختها الصغرى، بيانكا الجميلة والصالحة تمامًا للزواج، والتي وقع في حُبِّها الشاب لوسينشيو. إلَّا أنَّ والد الفتاتَين اشترط ألَّا يُسمح لبيانكا بالزواج حتى تحصل كاتارينا على زوج. شكَّل هذا دافعًا لخُطَّاب بيانكا للعثور على شخصٍ يتزوَّج من أُختها الشرسة. ولحُسن الحظ، يُوجد لدى واحدٍ منهم، وهو هورتنشيو، صديقٌ يُدعى بتروشيو، وهو شخصٌ عنيف غريب الأطوار و«وقِحٌ مخبول» (الفصل الثالث، المشهد الثاني، السطر ١٠)، وصل مؤخرًا إلى فيرونا والثروة هي دافعه الوحيد للزواج. وعلى الرغم من رفْض كات لخطبتِها من بتروشيو ومقاومتها لها، فإنه حينما تظاهر بعدم قُدرته على الوصول إلى الكنيسة لحضور الزفاف (فقد حضر في النهاية مُتأخرًا وهو يرتدي ملابسَ بالية)، تعرَّضت لألم الإهانة العلنية. في الواقع لم تكن هذه الحادثة إلا أحد عناصر خطةٍ موضوعة بدقَّة من أجل «ترويض» كات. وبعد تعرُّض كات لسلسلةٍ من المِحَن القاسية للغاية المُصمَّمة لكسر شوكتها، تستسلم في النهاية. يحدُث تحوُّلها في الفصل الرابع، حينما ينتهي الزفاف وتبدأ الحياة الزوجية؛ ففي المشهد الأول من الفصل الرابع، يحرم بتروشيو كات من الأكل والنوم، وفي المشهد الثالث من الفصل نفسه يصنع لها خياطٌ ملابسَ فاخرة، لكن بتروشيو يُمزِّقها إلى قطعٍ بالية مُدَّعيًا أنها سيئة الصُّنع وغير مناسبة. يفعل بتروشيو كلَّ هذا تحت ستار الزوج المُهتم: «هذه طريقةٌ لقتل الزوجة بِسُمِّ العطف» (الفصل الرابع، المشهد الأول، السطر ١١٨)، كما جاء في اعترافه للجمهور في مُناجاةٍ ميكيافيلِّية في نهاية المشهد تَلفِت الانتباه إلى السيادة السياسية وإدارة المنزل: «بهذه السياسة الحكيمة، بدأتُ حُكمي» (الفصل الرابع، المشهد الأول، السطر ١٦٨). وفي المشهد الأخير من الفصل الرابع، يربح بتروشيو حرب الاستنزاف؛ إذ يُنفِّذ خطته بنجاح في ترويض زوجته؛ فحتى هذا الوقت، كانت قد أَصرَّت على الحفاظ على هُويتها المُستقلة، وهو شعور بالاستقلال الذاتي تَجسَّد في إصرارها على أن تُنادى باسمها: «إن الذين يتحدَّثون عنِّي يدعونني كاتارينا» (الفصل الثاني، المشهد الأول، السطر ١٨٢). أمَّا بنهاية الفصل الرابع، فيبدو أن بتروشيو حقَّق هدفه الذي ذكره من قبلُ، وهو أن يجعل من «كات القطة الوحشية البرية، قطةً أنيسة كسائر القِطط التي تألف البيوت» (الفصل الثاني، المشهد الأول، السطران ٢٦٩-٢٧٠) [ترجمة الدكتورة سهير القلماوي، بتصرف]. وفي نقطةِ تحوُّلٍ مُذهلة ترضَخُ كات لحقِّ زوجها في إطلاق الأسماء على الأشياء في العالم (مِمَّا يُذكِّرنا بالقُدرة التي منحها الله لآدم الواردة في سفر التكوين)، وتُؤكِّد أنَّ الشمس هي القمر وأنَّ الرجل العجوز ما هو إلا سيدة؛ «سمِّه ما شئتَ من الأسماء، فسيكون هو ما سمَّيتَه في عين كاتارينا» (الفصل الرابع، المشهد الخامس، السطران ٢٢-٢٣). إلا أن هذا النصر يمكن الجدل في صحته بسبب حقيقة أنها ما زالت تُعبِّر عن هويتها باسم «كاتارينا» بدلًا من «كات».

وفي نهاية المسرحية، حينما يدخُل زوجها في رهانٍ مع آخرين على أكثر الزوجات طاعةً، تستطيع كات الامتثال التام لرغبة زوجها على نحوٍ لا يُمكن لأختها (التي هَربَت مع لوسينشيو وتزوَّجَته دون معرفة والدها أو موافقته)، ولا الأرملة التي تزوَّجَت من هورتنشيو، مُضاهاته. الواضح أن زواج كات من بتروشيو زواجٌ شرعي حصل على موافقة بابتيستا الكاملة، ونتج عنه زوجةٌ مُطيعة (سواء كانت هذه الطاعة حقيقية أو زائفة)، بينما نتج عن هروب بيانكا مع لوسينشيو خلافاتٌ زوجية ظهرتْ بالفعل حتى في حفل زواجهما. وكل هذه الأمور تدعو للدهشة؛ لأن، في بداية المسرحية، بدت فضائل بيانكا مُتوافقةً تمامًا مع الصورة المِثالية في عصر النهضة للصفات الأنثوية الوديعة.

لا تُقدِّم المسرحية أي إشارةٍ حقيقية عمَّا إذا كانت طاعة كاتارينا مزعومة أم حقيقية، أو عمَّا إذا كانت تُذعن لإرادة زوجها فحسب، أم إنَّ رضوخها نابع من إرادتها؛ ومن ثَمَّ، فإنَّنا لا نعرف إذا كان هذا الزواج العَدائي في البداية قد تحوَّل إلى رباطٍ عن حب. إنَّ هذه ليست مسرحيةً تُقدِّم نظراتٍ مُتعمقة في أفكار شخصياتها ومشاعرهم، بل إنها تُبقيهم بدلًا من ذلك على مسافةٍ بعيدة بعناية، ولا تكشف إلَّا عن رسوماتٍ كاريكاتورية للجنس البشري تتلاءم مع نوع الكوميديا الجامحة التي تنطبِق عليها مواصفات المسرحية الهزلية. وقد سهَّل إحداث هذا الإبعاد أكثر مَشاهِد المقدمة التي تعمل كحلقة وصْلٍ بين العالَم الإنجليزي المُعتاد — الثقافة المألوفة البسيطة الحياتية التي أنتجت قصصَ ترويضِ النساء العنيدات الشعبية — والكوميديا ذات الطابع الإيطالي الموجودة في باقي المسرحية.

في المُقدِّمة نجد المُتسوِّل المخمور كريستوفر سلاي يتشاجَر مع صاحبة حانة، تلك التي يُهدِّدها باستخدام العنف الجسدي معها: «سأقتصُّ منكِ» (المقدمة، المشهد الأول، السطر ١). وهذه مُقدِّمة للمعركة بين الجنسَين؛ الموضوع الأساسي في متْن المسرحية. عَثَر على سلاي وهو نائم إثر تأثير الخمر أحدُ السادة هو ورفاقه. اتَّفَقوا على تدبير خدعةٍ له بحيث يُقنِعونه حينما يستيقظ أنه نفسه سيدٌ يُعاني من مرضٍ شديد وفقد ذاكرته. وكان عنصرًا أساسيًّا في حِيلتهم الدور الذي تلعَبُه زوجةُ سلاي الأرستقراطية المزعومة، التي يُؤدِّي دورها الولد الخادم، بارتولوميو. وفي هذه المُقدِّمة للحبكة الرئيسية، حيث تتدرَّب امرأةٌ جامحة على كيفية أن تُصبح زوجة، يأخذ بارتولوميو تعليمات من أحد أعضاء فرقةٍ من المُمثِّلِين المُتجوِّلِين عن طريقة التصرُّف مثل سيدةٍ مُهذَّبة: «تلك هي الكيفية التي أريده أن يتعامَل بها مع هذا السكران، أوصِه أن يُخاطبه بصوتٍ خافتٍ ورقيق وفي أدبٍ ووداعة» (المقدمة، المشهد الأول، السطران ١٠٩-١١٠). تُذكِّر هذه التعليمات الجمهور بكلٍّ من أنَّ هذه مسرحية تعتمِد على تمثيل الرجال لأدوار النساء والتي تتطلَّب كمبدأٍ أساسي التحوُّل المُصطنَع للهُوية الجنسية، وأن دور الزوجة تُولِّده التوقُّعات الاجتماعية؛ فلا تُظهِر المُقدِّمة أنَّ العُرف الاجتماعي يطالب النساء بانتهاج سلوكٍ مهذَّب فحسب، بل أيضًا بتجسيد مثالٍ سُلطوي ذكوري بالأساس للأنوثة؛ فيظهر كلٌّ من رقَّة الحديث والخضوع بوصفهما السلوكَين الأساسيَّين في الأداء الفعَّال لدور الأنوثة الأرستقراطية. وبينما كان من السَّهل نسبيًّا تأدية الجانب البصري من تمثيل دَور المرأة، شكَّل الصوت الأنثوي عائقًا كبيرًا في الأداء المُقنِع لدَور المرأة في مسرح أوائل العصر الحديث. وبالإضافة إلى هذا، على الرغم من حثِّ النساء المُستمرِّ في الكتابات عن آداب السلوك على أن يَتَّسِمْنَ ﺑ «العفة والهدوء والطاعة»، وهي صفاتٌ فُسِّرَت أيضًا على أنها مُتقاربة، ظلَّ صوت المرأة علامة للتذكير دومًا بقوتها وقُدرتها. ويُستحضَر في الأذهان أيضًا تعليق السيد على درس الأداء الذي يُفترَض أن يحصل عليه بارتولوميو برثاء الملك لير لكورديليا، الابنة التي لم يكن لدَيها «أي شيء» تقوله ردًّا على طلبِهِ منها التعبير عن مقدار حُبِّها له: «كان صوتها دومًا رقيقًا، وديعًا ومُنخفضًا وهو أفضل ما تتحلَّى به النساء» («الملك لير»، الفصل الخامس، المشهد الثالث، السطران ٢٧٠-٢٧١).21 وحينما أمر السيد بضرورة أن يشتمل انتحال بارتولوميو أيضًا على سلوكٍ جنسي صريح «أحضانٍ حنونة، وقبلاتٍ مُغرية» (المقدمة، المشهد الأول، السطر ١١٤)، يلفت الانتباه إلى المُمارسات «الخليعة» جدًّا التي أدان بعضٌ من مُعاصري شكسبير المسرح عليها بسبب تجاهُله العَلَني للتحريم الوارد في الكتاب المُقدَّس لارتداء الرجال «ثوب امرأة» (سفر التثنية، الإصحاح ٢٢، الآية ٥). تُبالِغ تعليمات السيد أيضًا في عرض فكرة نوع السلوك الذي يتوقَّعه الرجال من النساء، وتُشير ضمنيًّا على الأرجح إلى أن سلطته على خادمه تخطَّت الحدود. في الواقع، يحتمِل هذا المشهد مدًى واسعًا من الأداءات التمثيلية والتفسيرات المُحتمَلة، والتي تتراوح من الحميدة إلى الخبيثة؛ فهل يُعطي السيد توجيهاتٍ مسرحية «أعلم أنَّ الفتى سيُتقن دور السيدة الراقية، في صوتها وحركتها وتصرُّفاتها» (المقدمة، المشهد الأول، السطران ١٢٧-١٢٨)؛ أم إنه يسيء استخدام سُلطته على خادمه اليافع؟
تنتهي المُقدِّمة حينما يُقدِّم المُمثِّلون مسرحية — وهي بالطبع «ترويض النمرة»، وسرعان ما يجلس سلاي ﻟ «يشاهد» المسرحية (الفصل الأول، المشهد الأول، السطر ٢٤٧). ويعمل وجود مُشاهِدِين على خشبة المسرح على تذكير المُشاهدين مرةً أخرى أنَّ ما يُشاهدونه ما هو إلَّا خدعة، أو مُحاكاة؛ بمعنى أنه يبدو حقيقيًّا لكنه ليس كذلك بالفعل. ومن وجهة نظرٍ أوفيدية، يستحضِر إلى الأذهان تحكُّم السيد في واقع سلاي وسلوك بارتولوميو إساءة استخدام السُّلطة، التي امتاز بها جوبيتر امتيازًا مُطلقًا في قصيدة «التحوُّلات». وكما ذكر شكسبير الأَمر في مسرحية «بيريكليس» الرومانسية التي كتبها في وقتٍ مُتأخِّر: «وإذا انحرف جوبيتر، مَن يجرؤ على قول إن جوبيتر أخطأ؟» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطر ١٠٥).22 وكان جوبيتر يُمارس سُلطته عادةً في صورة الاغتصاب؛ بمعنى فرْض رغباته الجنسية دون أخذ إرادة المُعتدى عليهم في الاعتبار. وبالمِثل، يحصل سلاي على حقوقٍ جنسية حينما يستيقظ ليرى ظروفًا خارجية مُختلفة:
أم إنكَ تُريد النوم؟ سنُعد لكَ سريرًا،
أكثر راحةً وأعبقَ عبيرًا من سرير المُتعة،
الذي أُعِدَّ خصوصًا لسميراميس.
(المقدمة، المشهد الثاني، الأسطر ٣٥–٣٧)
كان اسم الملكة الآشورية، سميراميس، مُرادفًا للانغماس الجنسي والمُغامرة الشهوانية، لكن المُثير للاهتمام أيضًا أنه كان مُرادفًا للسلطة الجنسية للمرأة تحديدًا وبراعتها. ومن المُؤكَّد أنَّ سلاي يُريد بشدَّة قَبول هذا الامتياز الأرستقراطي؛ فحينما تسأله «زوجته»، وهي بارتولوميو مُرتديًا ملابسَ نسائية، «ماذا تُريد أن تفعل؟»، كان أول أمرٍ يُصدره سلاي في دوره الجديد: «سيِّدتي، اخلعي ملابسكِ وتعالي الآن إلى الفراش» (المقدمة، المشهد الثاني، السطر ١١٣). في الواقع، يكثر التوازي بين الجانبَين الجمالي والشهواني في المُقدمة، لا سيما حول النُّسَخ المرسومة للقصص المأخوذة من قصيدة «التحوُّلات»:
هل تُحبُّ الصور؟ سنعود إليك على الفور بواحدة
لأدونيس وهو مُستلقٍ بجوار غديرٍ جارٍ،
بينما فينوس تتلصَّص عليه من مخبئها في شملةٍ من العُشب،
التي يبدو أنها تتحرَّك وتتمايل بفعل أنفاسها الشهوانية،
مِثلما تتمايَلُ بفعل الرياح.
(المقدمة، المشهد الثاني، الأسطر ٤٧–٥١)
كانت قصص أوفيد موضوعاتٍ شائعة للرسم الأوروبي، وهي هنا تتضمَّن الصورة المثالية لكلٍّ من الشكل الذكوري (أدونيس) والأنثوي (فينوس). تقف فينوس عاريةً ولا يُخبِّئها إلَّا البوص، الذي تبدو حركته في حدِّ ذاتها شهوانية. أمَّا الموضوعات التالية عن الفنِّ التي قُدِّمت لسلاي، فمشحونة بمزيدٍ من الإيحاءات المُزعِجة التي تفوق مجرَّد التلذُّذ بالتلصُّص الوارد في وصف الصورة الأُولى:
سنُريك صورةً لأيو وهي لا تزال عذراء،
وكيف تعرَّضَت للسِّحر والمُباغَتة،
وهي تبدو واقعيةً تمامًا كأنك تُشاهد الحدَث أمام عينَيك.
(المقدمة، المشهد الثاني، الأسطر ٥٢–٥٤)
إن كلمتَي «السحر» و«المباغتة» تلطيفٌ لُغوي مُجمَّل للتعبير عن الخداع والاغتصاب. هذا ويعمل الوصفُ الحيُّ للعُنف الجنسي بوصفه موضوعًا للأعمال الفنية على إعداد المُشاهدِين لمشاهد التحكُّم الجنسي التي على وشْك أن يرَوْها في الحبكة الرئيسية. وعلى الرغم من هذا، فإنَّ التحوُّلات المُتضمَّنة في قصَّة أيو لا تُمثِّل فحسب مِثالًا آخر على تسبُّب جوبيتر المُغتصِب بمكرٍ في تعدٍّ جنسيٍّ عنيف على عالم البشر؛ حيث ينقَضُّ على ضحاياه من النساء التعيسات الحظ (في هذه الحالة عن طريق التغيُّر المناخي، بفعل ضبابٍ كثيف)، ولكنه يُعبِّر أيضًا عن تحوُّل أيو من «عذراء» إلى سيدةٍ مُغتصَبة:
… لجأ جوبيتر لفشل مساعيه إلى الآن ولم يعُد لديه وقتٌ يُضيِّعه،
إلى إغراق القرية كلِّها من حوله في ضبابٍ كثيف،
وقبَض على الفتاة، التي استخدمها لسذاجتها وحُمقِها على حدِّ ذِكره.
(«التحولات»، الكتاب الأول، الأبيات ٧٤٢–٧٤٤)23
وحينما اكتَشفَت زوجة جوبيتر الغيورة الأَمر، تحوَّلَت أيو مرةً أخرى، لكن هذه المرة من امرأة إلى بقرة، لم يعُد بوسعها الشكوى إلَّا عبْرَ الخُوار مثل الحيوانات؛ لحرمانها من القُدرة على الكلام البشري بالتأكيد. تُمثِّل أيو حالةً مُثيرة للاهتمام على وجه الخصوص؛ لأنه في حين أن مُعظم المُتعرِّضِين للتحوُّل لم يستعيدوا قَطُّ هُويتهم البشرية السابقة بالكامل، عادت أيو في واقع الأمر إلى صورتها البشرية مرةً أخرى:
… استعادت أيو شكلها الأصلي الذي وُلدت عليه،
وعادت إلى نفس الحالة التي كانت عليها من قبلُ.
وسرعان ما تخلَّصَت من جِلدها الخشِن المكسُو بالشعر،
وحَصلَت بدلًا منه على جلدٍ ناعم وبشرةٍ رقيقة …
وفي النهاية، لم تحتفِظ من صفات البقرة إلَّا ببياضها.
(«التحولات»، الكتاب الأول، الأبيات ٩٢٤–٩٢٧ و٩٣٢)
تُمثِّل هذه المرحلة الأخيرة من تحوُّل أيو تحسُّنًا لا جدال فيه في حالتها الوحشية، ويُقال إنه ربما يكون هذا هو الجزء من قصة أوفيد المُرتبِط بالحبكة الأساسية للمسرحية حيث تتعلَّم كات «الفظَّة» كيف تُصبح وديعة. ومع ذلك، على الرغم من استعادة أيو لشكلها الأصلي بالكامل، فهي، حتى في هيئتها الجديدة، تظلُّ خائفة من أن تتحدَّث:
ومع تمكُّنها بكل سرورٍ من الحديث، فإنها لم تجرؤ على فعل هذا،
دون حذرٍ شديد، خوفًا من أن تخُور مثل البقرة؛
ومن ثم، بَدأَت وحدها بهدوء تُمارس كيف
يُمكنها بوضوحٍ نطق كلماتها المُتقطِّعة.
(«التحولات»، الكتاب الأول، الأبيات ٩٣٥–٩٣٨)

تُنبئ الإشارة إلى أيو بإخضاع كات في الحبكة الرئيسية، بالإضافة إلى كونها تذكيرًا ﺑ «أصوات» الحيوانات التي وُصفت حينما التقى السيد ومجموعة الصيد المُصاحبة له بسلاي لأول مرة، لا سيما الكلبة التي لا اسم لها (فالكلاب الأخرى لها أسماء) التي تنبَح نُباحًا شديدًا: «الكلبة ذات الفم الغائر» (المقدمة، المشهد الأول، السطر ١٤).

أمَّا الصورة الأخيرة التي وُصفت لسلاي فهي محاولة اغتصاب أبولو لدافني، التي كانت، إن صحَّ التعبير، الوحيدة التي هَربَت في الأساطير الكلاسيكية:
… دافني الهائمة على وجهها في غابةٍ من الأشواك،
تجرَح ساقَيها حتى يُقسم المرء أنه يرى دماءها تسيل،
في مشهدٍ يبكي له حتى أبولو الحزين،
في تصوير ترى فيه الدماء والدموع حقيقةً تسيل.
(المقدمة، المشهد الثاني، الأسطر ٥٥–٥٨)

يُشير تصوير دافني وهي تنزف، جرَّاء خدش الأشواك لها وهي تُحاول الهرَب مِمَّن يُطارِدها، إلى تعرُّضها للإيذاء. وفي قصيدة أوفيد، يقول أبولو لدافني إنه لا أهمية لرغباتها أو حتى لمُوافقة والدها: «لا أهمية لرغبتكِ ولا لموافقتِه في هذه الحالة» («التحولات»، الكتاب الأول، البيت ٥٩٢). ومثل الحال في التلميحات الأوفيدية الأخرى، تُعِدُّ قصة دافني المُشاهِدِين لما سيحدُث في الحبكة الرئيسية حينما يتجاهل بتروشيو إرادة كات العنيدة للغاية، بل إنه يُضيف قائلًا أيضًا إنَّ نجاحه في فعل هذا ربما لا يكون مُكتملًا كما يبدو. وتدعو دافني، في أثناء هروبها من مُطارِدها المُفترِس، ألَّا تُجبَر على التخلِّي عن عفَّتِها، ويُستجاب دعاؤها، لكن بثمن؛ فهي تهرُب من أبولو، لكن بدلًا من حصولها على الحرية، تعرَّضَت لأحد أشكال الاحتجاز الأخرى مع تحوُّلها إلى شجرة.

تُشير كلُّ هذه الأحداث من الكتاب الأول في قصيدة «التحولات» إلى طرقٍ مختلفة، وإن كانت ذات صِلة ببعضها، لفهم — وتعقيد — الحبكة الأساسية للمسرحية وأنواع التحوُّل التي تحدُث فيها. وتظهر هذه الإشارات لقصيدة «التحولات» أيضًا في المشهد الأول من الفصل الأول، حين تقع عينا لوسينشيو على بيانكا لأول مرة:
صدقتَ، لقد رأيتُ الجمال الحُلو في مُحيَّاها،
جمالًا كجمال ابنة أجينور،
الذي أخضع جوبيتر العظيم بين يدَيها وأَذلَّه،
فركع ولثَمَت رُكبتاه شاطئ كريت.
(الفصل الأول، المشهد الأول، الأسطر ١٦١–١٦٤) [ترجمة الدكتورة سهير القلماوي]
والإشارة هنا إلى قصة أوروبا، ابنة أجينور، التي اختطفَها جوبيتر، الذي خَدعَها بتخفِّيه في شكل ثور:
أجمل حيوانٍ يُمكن لِعَين إنسانٍ أن تقع عليه.
لماذا هذا؟ كان لونه أبيضَ كبياض جليد الشتاء
قبل أن يذوب بفعل أقدام الماشية أو الرياح الجنوبية …
كان قرناه صغيرَين، ولكنهما كانا غايةً في الروعة بحيث تظنُّ
أنهما صنيعة يدٍ بارعة أو قد تَشكَّلا من الشمع.
(«التحولات»، الكتاب الثاني، الأبيات ١٠٦٤–١٠٦٦، و١٠٦٩-١٠٧٠)

يعرض أوفيد المشهد غير المعقول الذي تقع فيه سيدةٌ تحت إغراء ثورٍ رائع المظهر على نحوٍ استثنائي، وفي الوقت نفسه ينفي عنه إيحاءات الوحشية ويُؤكِّد عليها عن طريق تركيزه على جاذبية الثور؛ فلم يكن له «مَظهرٌ مُروِّع» كالثيران الأخرى، «بل كان غايةً في الرَّزانة التي تبدو مطلوبةً في الصُّحبة» («التحولات»، الكتاب الثاني، البيتان ١٠٧٣-١٠٧٤). ونتيجةً لتنكُّر جوبيتر وخِداعه، تخلَّت أوروبا عن حذَرها حينما شجَّعها على تدليله ومُلاطفته؛ «التربيت عليه وتدليله»، بينما هو يلعَق يدَيها («التحولات»، الكتاب الثاني، البيت ١٠٨٤). يرتبط هذا الإغواء عن طريق الخداع بالحبكة الرئيسية لمسرحية «ترويض النمرة» من حيث كونه، من ناحية، العكس تمامًا من الفرْض المباشر للإرادة الذي مارَسَه بتروشيو على كات. إلا أن هذا الخداع الذي مارسه الثور، من ناحيةٍ أخرى، يُشبِه خطة «قتل الزوجة بِسُمِّ العطف» (الفصل الرابع، المشهد الأول، السطر ١٨٨).

تُعطي هذه الإشارة العرضية ظاهريًّا لقصة أوروبا طابعًا أسطوريًّا لمسألة تبنِّي هويةٍ مُزيَّفة كاستراتيجيةٍ للتحكُّم، التي تُمثِّل أمرًا أساسيًّا في الحبكة الثانوية نفسها، والتي تُدين بالفضل لمسرحية جورج جاسكويجن ذات العنوان المناسب «المُدَّعون» (١٥٦٦). يتبادل لوسينشيو وخادمه ترانيو الأدوار حتى يستطيع الأول الوصول إلى بيانكا عن طريق الادِّعاء بأنه مُعلِّم اللاتينية الخاص بطريقةٍ تُعيد بإيجازٍ عرض التحوُّل في الهوية الطبقية، الذي يُمثِّل صورة التحوُّل الأساسية في مَشاهِد المقدمة. وما يلفِتُ الانتباه إلى هذا التحوُّل على وجه الخصوص باعتباره إحدى القضايا الطبقية، تعبيرُ والد لوسينشيو، فينسينشيو، عند وصوله إلى بادوا واكتشافه لهذه الحيلة، عن مخاوفَ مُنتشرة لدى كثيرٍ من الناس في أوائل العصر الحديث بشأن العواقب المُدمِّرة المُحتمَلة لحصول التابعِين على سُلطة: «لقد قتل سيده!» (الفصل الخامس، المشهد الأول، السطر ٧٣). وبالطبع، سرعان ما هَدأَت مخاوفه، إلَّا أنَّ مُجرَّد التعبير عنها، حتى وإن كان لِلَحظات، يُوضِّح الهيكل الأساسي للتسلسُل الاجتماعي، الذي لم يكن مُعرَّضًا فحسب للإطاحة العنيفة، بل كان أيضًا الحفاظ عليه على نحوٍ مثيرٍ للقلق بالقوة، تمامًا مثلما تكشف النظرة إلى أوروبا العنف المُحتمَل إثر التسلسل الجنسي. إلا أنَّ شكسبير يُضيف تغييرًا على قصة أوفيد، حين لم تعُد بيانكا كزوجة، في نهاية المسرحية، فتاةً وديعة ومُطيعة، كما بدَت قبل زواجها؛ ومن ثَمَّ، في الواقع، ربما تكون بيانكا هي التي خَدعَت لوسينشيو، في حين أظهر هو هويته الحقيقية وهدفه عند انتحاله دَور مُعلِّمها الخاص من بداية علاقتهما. إن إقحام شكسبير لهذه اللحظة الأوفيدية وسط تعبير لوسينشيو التقليدي والمُتعارَف عليه، بخلاف هذا، للرغبة البتراركية «أنا أحترق وأذوي» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطر ١٤٩)، يُشير أيضًا إلى الفساد الفِطري للرغبة وحتى مَيلها للانحراف؛ فبالتدريج حصل الثور على ثقة أوروبا: «زال الخوف شيئًا فشيئًا» («التحولات»، الكتاب الثاني، البيت ١٠٨٣)، لكن ثَمَّةَ لحظةً حاسمة حينما قرَّرَت أوروبا ركوب الثور (الذي كان في البداية يخوض فقط في المياه على شاطئ البحر)، ثم أَدركَت في وقتٍ مُتأخِّر أن الهروب بات أمرًا مُستحيلًا: «إذ لم يكن من سبيلٍ للهرب بحياتها» («التحولات»، الكتاب الثاني، البيت ١٠٩٢). بعبارةٍ أخرى، يروِّض جوبيتر، المُتخِذ شكل ثور، فريسته ويخدعها للإذعان لإرادته حتى لم يعُد لها خيارٌ إلَّا الانصياع لرغباته.

هكذا أدخل شكسبير قصةَ ترويضٍ أوفيدية أخرى تَتأمَّل علاقات السلطة بين الجنسَين؛ فهذا «اغتصاب» بالمعنى الذي يُعَدُّ حاليًّا للاختطاف، على الرغم من أن التمييز بين الاثنَين ليس مُطلقًا بأي حالٍ من الأحوال؛ نظرًا لأن الاختطاف، كما في هذه الحالة، من المُفترَض أنه يسبِق الانتهاك الجسدي. وفي ترجمة جولدينج تُوصف أوروبا الآن بأنها «العاهرة الجميلة» لجوبيتر، ممَّا يُشير ضمنيًّا إلى فقدانها لعذريتها في اللحظة التي الإله «نزل فيها على جزيرة كريت» (الكتاب الثالث، البيت ٣). ومثل أجينور، الذي تُرك ليتساءل حول مصير ابنته، سقط بابتيستا أيضًا ضحيةً للخداع، حتى إن كان خداعًا «مارسه على قدَم المساواة» كلٌّ من لوسينشيو وابنة بابتيستا، وذلك على حد قول جون دون عند دفاعه عن هروبه مع آن مور.24

وفي إنجلترا في أوائل العصر الحديث، كان «الزواج من ثرية» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطر ٧٣) يعني بالنسبة للرجال الحصول على منفعةٍ اقتصادية من الزواج من سيدة تُقدِّم مهرًا ضخمًا، وربما كان هذا أكبر مُحرِّك للتحوُّل الذي ينتج عن الزواج. أمَّا بالنسبة للنساء، فكان فقدان عُذريتها جوهر هذا التحوُّل من حالة الفتاة إلى الزوجة، على الأقل نظريًّا. ومع ذلك، ثَمَّةَ جانبٌ من المُلاحَظ غيابُه عن هذا التحوُّل في مسرحية «ترويض النمرة»، وهو أي إشارة إلى العلاقة الزوجية في حدِّ ذاتها؛ فنحن ببساطة لا نعرِف إن كان هذا قد تأجَّل إلى نهاية الفصل الخامس أم لا؛ فلا يُوضِّح النص ما إذا كان ترويض كات قد جرى قبل إجراء هذه العلاقة، أم كان الإخضاع الجنسي على وجه التحديد إحدى طُرق تحقيق الطاعة الزوجية. يُوضِّح تصميم بتروشيو على إخضاع كات أن مُوافقَتَها لا أهمية لها: «سأتزوَّجكِ، سواء رضيتِ أم أبيتِ» (الفصل الثاني، المشهد الأول، السطر ٢٦٣)؛ ومن ثَمَّ، ربما تُعبِّر عملية الإذلال التي تبِعَت زفافهما، عن شيءٍ قد يمتدُّ إلى هذا الجانب المحوري في الزواج أو قد يكون جوهره.

ظهر في مُقدِّمة المسرحية، بالطبع، أن سلاي لم يُحمَل على الاقتناع فحسب بأنه أحد السادة، بل أيضًا بأنَّ لدَيه زوجةً شابَّة وجذَّابة؛ ولذا أراد على الفور «الذهاب إلى الفراش». إلَّا أنَّ «زوجته» — الخادم، بارتولوميو، المرتدي ملابس النساء — تَهرَّبَت منه، وجلس الاثنان يُشاهدان المسرحية معًا بدلًا من ذلك. وتجعل هذه الاستراتيجية أيضًا أحداث الحبكة الرئيسية بالكامل شكلًا من أشكال العلاقة الزوجية المُؤجَّلة.

جديرٌ بالذِّكر أنَّ القضايا التي تطرحها المسرحية ليست قابلةً للحسْم؛ وهذا لأنها تمثل أجزاءً أساسية في جدلٍ ثقافي مُتواصلٍ عن وضْع النساء، أو ما يُعرَف ﺑ «قضية المرأة»؛ التي تعني النِّقاش الدائر حول المرأة والمُتمثِّل في الجدَل المُحتدِم في الكُتب والنشرات حول طبيعتها ودورها ووضعها في المجتمع في أوائل العصر الحديث. هذا وقد نُشرت الكتابات المُتعلِّقة بهذا الجدل في جميع أنحاء أوروبا وتُرجمت إلى الإنجليزية، إلَّا أنَّ إنجلترا كان لها إنتاجها الخاص في هذا المجال؛ مثل نشرة جوزيف سويتنام «إدانة النساء بما يتَّسِمنَ به من فِسقٍ وتفاهة ووقاحة وخيانة، أو ما بهنَّ من غرور …» التي نُشرت لأول مرة في عام ١٦١٥، وأُعيدت طباعتها في أعوام ١٦١٥ و١٦١٩، و١٦٢٨ و١٦٣٤ و١٦٤٥ و١٦٩٠. وكما كان الحال دومًا في هذه القضية، حثَّت نشرة سويتنام على ظهور ردٍّ لها، فجاءت نشرة ريتشيل سبيت «كمامة على الخطم الأسود»، ونشرة جين أنجر «دفاع جين أنجر عن النساء، للرد على الادِّعاءات المُخزية لعاشقٍ سابق شهواني …» (١٥٨٩). والمذهل في هذا الجدل، الذي أعطَتْه الطباعة قوةً دافعة، أن الكُتَّاب (الذين كانوا إما نساءً أو مجرَّد رجالٍ ينتحلون شخصية الجنس المُتعرِض للإساءة) كانوا يردُّون، فيُدافعون عن المرأة ضِدَّ التُّهَم التي تصِفها كما وَردَ في عنوان نشرة سويتنام ﺑ «الفِسق والتفاهة والوقاحة والخيانة». ونظرًا للاعتقاد بأن هذا الجنس بأكمله يتَّسِم بمثل هذه الصفاتِ المُخزية، لزِم تعرُّض المرأة للإخضاع الكامل. هذا وترتكز أصول اختلالِ موازين القوى بين الجنسَين في الكتاب المُقدَّس، أولًا وقبل كلِّ شيء، على سفر التكوين؛ فلم تُمثِّل حواء قدوةً جيدة للنساء في جنَّة عدن، ويدَّعي كثير من كُتَّاب أوائل العصر الحديث مسئوليتها عن مُعضلة سقوط البشرية، حينما ادَّعَوا أنَّ الإنجيل قدَّم دليلًا على إخضاع النساء بأمرٍ إلهي حتى قبل السقوط من الجنة (فقد خُلقت حواء من ضلع آدم في الرواية الثانية في سفر التكوين لخلق البشر)، وتفاقَم الأمر فيما بعدُ حينما حكم الله على الاثنَين بعداوةٍ دائمة، وعلى حوَّاء بالخضوع («تحت سيطرته [سيطرة زوجها]»). كذلك أُخذت وصية القدِّيس بولس في العهد الجديد التي تقول «أيُّها النساء اخضعْنَ لرجالكنَّ» على أنها دليلٌ آخر من الكتاب المُقدَّس على عدم المُساواة الفطرية في الزواج، على الرغم من تلطيف هذا الموقف إلى حدٍّ ما من خلال تأكيد البروتستانت على أن الزواج حالة من التناغُم يُصبح فيها الزوجان شريكَين في الحياة أحدهما للآخر.

يصعُب في الغالب تحديد النَّبرة الدقيقة لمِثل هذه النقاشات، ونجد الصعوبة نفسها في مسرحية شكسبير؛ إذ تحتوي مسرحية «ترويض النمرة» على مادة يُمكن عرضها على المسرح لتحقيق نطاقٍ كامل من النبرات، بدايةً من النَّبرة المرِحة الخفيفة المُمتزجة بالغزَل، إلى الكوميديا الصاخبة والوحشية المُطلَقة، ويُمكن تفعيل أيٍّ من هذه لتُصبح اللون المُسيطر على عَرضٍ ما. على سبيل المثال، ينتهي أحد أكثر حوارات المسرحية ظرفًا وشهوانيةً على وجه التحديد، في اللقاء الأول بين كات وبتروشيو، بضربها له:

بتروشيو : وهل يجهل أحد أين إبرة الزنبور من بدَنه؟ إنها في عَجُزه.
كات : بل في لسانه.
بتروشيو : لسان مَن؟
كات : لسانك، إن لم تجِد قولًا خيرًا من هذا؛ وعليه فالوداع.
بتروشيو : ماذا؟ أتذهبين ولِساني في عجُزك؟ لا، عودي يا كات، إني رجلٌ سري.
كات : سأتعرَّف ذلك (تضربه).
(الفصل الثاني، المشهد الأول، الأسطر ٢١١–٢١٥) [ترجمة إبراهيم رمزي، بتصرُّف]
بالطبع، كان النقاش الموجود في مثل هذه النشرات لعبةً مُتدنِّية المستوى، بما فيه من ادِّعاءاتٍ نكراء وكلامٍ بليغ مُغالًى فيه. وأحيانًا يظهر فيها بوضوحٍ نوعٌ من المزاح الحميد، لكنها كانت تحتوي أيضًا على كلامٍ جارح، وكان كِلا الجانبَين يلجأ باستمرارٍ للكتاب المُقدَّس من أجل تدعيم حُجَجه. ومن الأمثلة التي يأخذ فيها النقاش طابعًا هزليًّا، ولا تُوجَّه اتهاماتٌ بذيئةٌ حقيقية تجاه المرأة، التبادُل المُمتِع للمخطوطات بين ابنٍ بالمعمودية للملكة، وهو السير جون هارينجتون والليدي ماري تشيك؛ فكانت لعبةً هزلية ومرِحة حيث يُظهِر الجانبان براعتهما اللغوية وسهولة استخدامهما للشعر المنظوم. بدأ التبادُل بقصيدة لهارينجتون، بما فيها من زعمٍ مُتعمَّد منافٍ للعقل بأنه يُمكن أن يُستنتج من العبارة التي تعني «كان هناك رجل» في النص اللاتيني للكتاب المُقدَّس (وهي العبارة التي كانت تتكرَّر دومًا في الكتاب المُقدَّس، خاصةً في بداية القصص)، أنه لا وجود للمرأة في الكتاب المُقدَّس. أمَّا تفنيد الليدي ماري فيُصرُّ على أنه «على الرغم من طُغيان وجود الرجل علينا.» فإن ثَمَّةَ أهميةً بالغة للمرأة، مثل أم المسيح، في الوثائق المسيحية عن الخلاص. وتؤكد أنَّ أيَّ واعظٍ يُصدِّق مثل هذا الهُراء القائل بأنه لا وجود للمرأة في الكتاب المُقدَّس، لا بدَّ له أن يشعُر بالخزي، «ويحمرَّ خجلًا إذ لا تستحق موعظته هذه، إلَّا أن تُفنِّدها امرأة.»25 ومع ذلك، حتى هذا المزاح الأرستقراطي يستغلُّ الفرصة ليسْخَر من التفسيرات غير الوافية للكتاب المُقدَّس — فقد فعل هذا كلا الكاتبَين — وبالإضافة إلى هذا، يُشير ردُّ الليدي ماري السريع إلى جدية الهدف، المتمثل في الدفاع عن كلٍّ من فضيلة بنات جنسها وأهمية المرأة في التاريخ وعلم الأخرويات المسيحيَّين. هذا ويُظهِر كونُ هذه القصائد عبارةً عن تبادُلٍ فعلي — إذ كانت القصيدة تُكتَب فترُدُّ عليها قصيدةٌ أخرى — وجودَ كلٍّ من حوار وتعاونٍ إبداعي حتى في المُعارَضة. وهذه حالةٌ مثيرة للاهتمام في ضوء مسرحية «ترويض النمرة»؛ لأنها هي الأخرى لعبةٌ أدبية، وبالمثل الخطورة فيها كبيرة على الرغم ممَّا بدا في البداية بخلاف ذلك.
وربما تكون المسرحية نفسها تدخُّلًا مسرحيًّا مُتعمَّدًا في جدلٍ دائر، وهذا نظرًا لوجود مسرحيةٍ أقدَم منها وهي، «سردٌ مُمتع ومُختال لترويض نمرة» (١٥٩٤)، حظِيَت من الشهرة بما أدَّى إلى إعادة طباعتها في عامَي ١٥٩٦ و١٦٠٧، وكانت في تداوُلٍ واسعِ النطاق في وقت تأليف شكسبير لمسرحيته في وقتٍ ما قبل عرضها لأول مرة في عام ١٥٩١ أو ١٥٩٢ (على الرغم من أنها لم تُطبع لأول مرة إلَّا في «المطوية الأولى» في عام ١٦٢٣). وعلى الرغم من عدم وجود مصدرٍ واحد لقصة كاتارينا وبتروشيو الواردة في مسرحية «ترويض النمرة»، فإنها تعكس في جميع أجزائها ثقافةً شعبية كانت تتعرَّض فيها المرأة السليطة للترويض، عادةً باستخدام وحشيةٍ مُفرطة. على سبيل المثال، في قصيدةٍ شعبية غنائية لا نعرف اسم مُؤلِّفها بعنوان «مزحةٌ مرحة عن زوجةٍ سليطةٍ وملعونةٍ ملفوفةٍ داخل جلد موريل»، تتعرَّض زوجةٌ للضرب ثم تُلفُّ في الجلد المُملَّح لحصان، دون تقديم أي شيءٍ لتفسيرِ أو تأمُّلِ أفعال الأفراد ومشاعرهم. وتظلُّ الأدلَّة، التي تُثبت أن هذا النوع من العقاب كان أكثر من مُجرَّد قصصٍ خيالية، موجودةً في أدوات مثل لجام المرأة السليطة (وهو أداةٌ معدنية مصنوعة على غِرار لجام الحصان تُستخدم لمنع النساء من الكلام)،26 وكرسي التغطيس (وهو نوع من الكراسي كان يُستخدَم كأداةٍ للإغراق الجزئي للمرأة السليطة اللسان لإخضاعها حتى تُصبح وديعة). استمرَّ هذا الجدل حتى بعد تناوُل شكسبير لهذه المسألة في مسرحية «ترويض النمرة»، حينما أدلى فيه جون فليتشر بدلوه بمسرحية «جائزة المرأة، أو ترويض المُروَّض» (التي كُتبت بين عامَي ١٦٠٩ و١٦١٠). وفي هجوم فليتشر المضاد هذا، نجد بتروشيو أرملَ الآن، ويجِب أن يخضع هو الآن للترويض على يد زوجته الثانية.

الحب مجهودٌ ضائع (أو عذاب الحب الضائع)

كان جون فلوريو (١٥٥٣–١٦٢٥)، عالم اللُّغويات والمُترجِم الإيطالي الأصل من جانب والده، مصدر الإلهام لخيبة الأمل الرومانسية المُتوقَّعة من عنوان مسرحية شكسبير «الحب مجهودٌ ضائع»؛ ففي دليله اللُّغوي «ثمار فلوريو الأولى» (١٥٧٨) كتب قائلًا: «إنه لجهدٌ ضائع الحديث عن الحب.»27 كانت لفلوريو علاقاتٌ كثيرة في المجتمع الأدبي في لندن؛ فقد تزوج أخت الشاعر صامويل دانيال في عام ١٥٨٠، وكان صديقًا مُقرَّبًا من بن جونسون. والأَهمُّ من هذا، أنَّ أصداء إنجاز فلوريو الأدبي الأعظم — ترجمته ﻟ «مقالات مونتين» (١٦٠٣) — يُمكن إيجادها أيضًا في مسرحيتَي «العاصفة» و«الملك لير». بالطبع كان هذا بعدَ تأليف شكسبير لمسرحية «الحب مجهودٌ ضائع»، التي ألَّفها في وقتٍ ما بين عامَي ١٥٩٣ و١٥٩٥؛ وبناءً على هذا، على ما يبدو، فإنَّ هذه العلاقات النَّصيَّة والشخصية، التي استمرَّت طَوالَ مسيرة شكسبير الأدبية، ربما تُشير إلى أنه في العالم الصغير للكُتَّاب في لندن في أوائل العصر الحديث، كانتِ المعرفة وطيدة بين شكسبير وفلوريو. ومع ذلك، كانت ثَمَّةَ علاقةٌ أخرى بينهما؛ فقد علَّم فلوريو راعي شكسبير، إيرل ساوثهامبتون، الإيطالية. وثَمَّةَ اقتباسٌ مُباشر من كتاب فلوريو «ثمار فلوريو الثانية» (١٥٩١) في المسرحية — «لن يعجز عن مدح البندقية إلَّا الذين لم تَتسنَّ لهم زيارتها» (الفصل الرابع، المشهد الثاني، السطران ٩٢-٩٣)28 — يُشير على ما يبدو، بالإضافة لاقتباسات شكسبير الإيطالية في مسرحية «ترويض النمرة»، إلى معرفة شكسبير الواسعة بكتب فلوريو اللغوية. كانت هذه الكتب مُخصَّصةً للحديث عن طُرق التسلية والسلوكيات الأرستقراطية، وتهدُف لمساعدة الشعب الإنجليزي في شقِّ طريقه ببراعةٍ عبر تعقيدات الثقافة القارية، في وقتٍ استحوذت فيه جموع القُرَّاء غير الأرستقراطيِّين على سلوكيات ثقافة البلاط. ويُقال إن هذا أيضًا هو الدافع لمسرحية شكسبير؛ إتاحة العالم البَرَّاق واللامع الخاص بالسُّموِّ والفطنة المُتَّقِدة الأرستقراطيَّين لمن لم يَرَوا هذا بأنفسهم، مِثلما حدَث مع جمهور شكسبير الرفيع المستوى، كما ينعكس هنا.
إذن، فإن فلوريو، مثل شكسبير، وجد نفسه في نقطة التقاطُع الأدبي بين الثقافة الأرستقراطية والحضرية، وتُظهر مسرحية «الحب مجهود ضائع» علاقات شكسبير الأدبية والفكرية مع كلٍّ من فلوريو ودول القارة الأوروبية. وفي كثيرٍ من الجوانب — أكثر من مُجرَّد موقع أحداثها — تتَّخِذ حبكة المسرحية الطابع الفرنسي أكثر من الإنجليزي، وهي حقيقة ترتبط ربما ليس من قبيل المُصادفة بمسألة أنَّ فلوريو عاش في السفارة الفرنسية في لندن في الفترة بين عامَي ١٥٨٣ و١٥٨٥، حينما طُلب منه تعليم ابنة السفير الفرنسي. إلَّا أن هذه الأحداث ترتبط أيضًا بسُمعة الثقافة الفرنسية الأرستقراطية بأنها أكثرُ ثقافةٍ رفيعة، بالإضافة إلى كونها الأكثر بذَخًا وترفًا في أوروبا. هذا ويظهر قَبسٌ من سِحر هذا العالم، بالإضافة إلى التقسيم الواضح بين اللوردات والسيدات النبيلات، الذين يُواجِهون بعضهم مثل فرقٍ مُتعارضة، بوضوح في كتاب «مذكرات» لمارجريت ملكة نافار:

كانت إقامتنا، لمُعظم الوقت … في نيراك، حيث كان بلاطنا رائعًا للغاية لدرجة أنَّنا لم نندَم على عدم تواجُدنا في بلاط فرنسا. وكانت بصُحبتنا أميرة نافار، أخت زوجي؛ نظرًا لزواجها بدوق بار، وكان بصحبتنا أيضًا مجموعةٌ من السيدات النبيلات التابعات لي. وكان بصحبة زوجي الملك العديد من اللوردات والنُّبلاء، الذين كانوا جميعهم على القَدْر نفسه من النُّبل والشهامة الذي رأيتُه في بلاطنا.

ويُمكن أن ينطبق ما قاله روبرت كودرينجتون في عام ١٦٥٤ عن البلاط الفرنسي في هذه الفترة على مسرحية «الحبُّ مجهودٌ ضائع»: «ظلَّ المريخ والزهرة لفترةٍ طويلة الكوكبَين المُؤثِّرَين.»29 ويتبع شكسبير النمط نفسه المُتمثِّل في عرض تجمُّع من الأشخاص حَسنِي المظهر مع الفصل بين الجنسَين، عبر الافتراض الهزلي غير المعقول للمسرحية المُتمثِّل في إقصاء النساء من بلاط نافار؛ ففي مُحاولة من فردينان ملك نافار لخلق تجمُّعٍ إنساني ونقي يخلو من التشتيت الجنسي، أصدر مرسومًا ينصُّ على الآتي: «لا يُسمح لأية امرأةٍ بالاقتراب إلى مسافة ميلٍ من بلاطي» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطران ١١٩-١٢٠) [تعريب أ. ر. مشاطي، وهي الترجمة التي اعتمدنا عليها على نحوٍ أساسي في ترجمة الاقتباسات من المسرحية في هذا القسم، وإن كان ببعض التصرُّف اليسير في بعض المواضع]. وربما يُذكِّر أَمرُه هذا الجمهورَ بعدم وجود نساءٍ فعليًّا على المسرح، وأن رقصة الزواج المُفصَّلة التي على وشك أن يُشاهدوها هي نسخة المسرح الشعبي لما اتَّسم به عالم الترفيه في البلاط من براعةٍ وتصنُّع. إنَّ الملك ورجال حاشيته (بيرون ودوماين ولونجافيل — الذين سُمُّوا على اسم شخصياتٍ تاريخية حقيقية) أقسموا على تجنُّب رُفقة النساء وتكريس أنفسهم لدراسة الفلسفة لمدة ثلاث سنوات، إلا أن قرارهم هذا أصبح موضع اختبارٍ حينما وَصلَت أميرة فرنسا مبعوثةً من ملك فرنسا في مهمةٍ دبلوماسية تتعلق بوضع مقاطعة أنجو. أتت الأميرة بصُحبة وصيفاتها — الفاتنة السمراء روزالين التي يقع بيرون في حُبِّها، وكاترين وماريا. فيظهر بوضوحٍ عدم إمكانية تطبيق الفصل بين الجنسَين حينما قرَّر الملِك استضافة السيدات النَّبيلات اللاتي أقمْنَ في الحقول، وحينما لم تُنقذِ الفلسفة الشباب من الوقوع في الحب، حاول الشباب حفظ ماء وجههم؛ إذ حنَثوا، الواحد تلوَ الآخر، بكلِّ عهدٍ قطعوه على أنفسهم؛ فلم تستطع قراراتهم الرزينة الصمود أمام قوة الرغبة، ومع ذلك، لم ينجحوا في الفوز بقلوب النساء اللاتي يَتودَّدون إليهن وعقولهن. في الواقع، يُنهي شكسبير المسرحية جاعلًا مشاهدِيه يتعرَّضون لحالة عدم التأكُّد نفسها مثل الشباب المُتودِّدِين. والآن تفرض الأميرة وحاشيتها شرطًا يُشبِه تعهُّدات الرجال في بداية المسرحية، والذي يتمثل في تعليق الزواج لمدَّة عام ويوم. والاختلاف في هذا التعهُّد الجديد أنه بينما كان قَسَم ملك نافار طائشًا وجاء بسبب نزوة، جاء شَرْط الأميرة مدفوعًا بمخاوفَ ذاتِ أهميةٍ حقيقية، ويتناسب مع فترة الحِداد المطلوبة على والدها، ملك فرنسا، الذي تصِل أخبار وفاته قُرب نهاية المسرحية. لم تكن هذه النهاية المُرضية المُتوقَّعة لمسرحيةٍ كوميدية، بل كانت على أحسن الفروض، نهايةً مؤجَّلة، أو على أسوأ الفروض، فشلًا في تحقيق النهاية الكوميدية: «لم ينتهِ حبُّنا كما هو المُتوقَّع في المسرحيات القديمة؛ فلم يحظَ الحبيب بحبيبته» (الفصل الخامس، المشهد الثاني، السطران ٨٦٧-٨٦٨).
في هذه المسرحية التي تُركِّز على البراعة الأرستقراطية واللغوية، وعلى الرقص الفخم للتحالُف الزَّوجي الأرستقراطي، وعلى وسائل التسلية الأرستقراطية؛ مثل كتابة السونيتات، والمُغازلة والحفلات التنكُّرية، وغيرها من صور الترفيه، يُؤكِّد شكسبير على تصنُّع الكياسة وسطحية الرقي الأرستقراطي. إلَّا أن التفرُّق المُزعِج الذي حدث في النهاية يُلقي بظلالٍ مشئومة على جميع الأحداث السابقة، وإن كانت هذه الظلال، التي رُسمت بعناية وفي الخفاء، موجودة بالفعل منذ البداية في صورة تلميح المسرحية المُرتبط بالأحداث الجارية في وقت إنتاجها إلى شخصية هنري ملك نافار التاريخية وإلى الحروب الدينية التي اندَلعَت في فرنسا في الفترة من عام ١٥٦٢ إلى ١٥٩٨. ومن المُثير للاهتمام أن مُنافس شكسبير المسرحي الأكبر، كريستوفر مارلو، تناول أيضًا هذه الحِقبة المُظلمة في تاريخ فرنسا في مسرحيته التراجيدية «مذبحة في باريس»، التي عُرضت في عام ١٥٩٣. يدور موضوع مسرحية مارلو حول مذبحة يوم القديس بارثولماوس في أغسطس من عام ١٥٧٢، حين تعرَّض ما يقرُب من ٣ آلاف بروتستانتي يعيشون في باريس إلى القتل الوحشي بتحريض من دُوق جيز. ولأن شكسبير كان من ضِمن جماعةٍ من الأُدباء في لندن مهتمَّةٍ بالشئون الفرنسية؛ فربما كان على درايةٍ بالتلميحات الأدبية إلى هذه الأحداث وتجسيداتها الدرامية بالفرنسية، بما في ذلك مسرحية درامية للدعاية الكاثوليكية كتبها فرانسوا دي شانتيلوف بعنوان «مأساة الراحل جاسبار دي كوليجني» (١٥٧٥).30

وتجعل اختيارات شكسبير الواضحة للأسماء العلاقات بين الحبِّ والدين، والعداء الديني والاختلاف بين الجنسَين، أمورًا لا يمكن تجاهلها؛ فقد أسَّس هنري ملك نافار الحقيقي؛ حاكم تلك المملكة الصغيرة التي تحدُّها كلٌّ من فرنسا وإسبانيا، أكاديميةً لدراسة الفلسفة وكان زعيم فصيل الهوجونوت البروتستانت في فرنسا حتى اعتلائه عرشَ فرنسا تحت اسم هنري الرابع في عام ١٥٨٩، بعد اغتيال سلفه؛ هنري الثالث. وفي عام ١٥٩٣ تَحوَّل إلى الكاثوليكية — يُقال إن هذا كان بدافع الضرورة السياسية وليس مجرَّد الاعتقاد — واشتُهر بمقولته: «باريس تستحقُّ أن يُقام فيها قُدَّاس.» هذا وتتوقَّع مسرحية «الحب مجهودٌ ضائع» أيضًا مثل هذا التحوُّل المدفوع بأسبابٍ سياسية: «ستدفعنا الحاجة إلى المخالفة … فإن تنكَّرتُ أنا لإيماني، فلن أكون معذورًا، إلا إذا اضطرَّتني الظروف إلى ذلك» (الفصل الأول، المشهد الأول، الأسطر ١٤٨–١٥٣). واستمرَّتِ الضرورات السياسية من هذا النوع في الظهور طَوالَ السنوات التي تلت مسرحية شكسبير، حين عمِل تحوُّل هنري هذا على منحه بعض الوقت، لكنه في النهاية لم يستطع إنقاذه؛ فقد تعرَّض للاغتيال في عام ١٦١٠.

وثَمَّةَ نظيرٌ تاريخي لمفاوضات الزواج غير الناجحة الموجودة في المسرحية يتمثل في الزواج الكارثي لهنري ومارجريت ملكة نافار. ففي عام ١٥٧٢، بينما كانت نافار لا تزال بروتستانتية، تَزوَّج هنري من مارجريت دي فالوا الكاثوليكية؛ ابنة هنري الثاني؛ فلم ينجح هذا الزواج، الذي كان مجرَّد تحالُفٍ بين أُسرتَين حاكمتَين سعى إلى وقف نزيف الدماء الذي صنَعه التعصُّب الديني، وعاش الزَّوجان مُنفصلَين ودَخَلا في علاقاتٍ علنية خارج نطاق الزواج. وزارت حاشية مارجريت، التي ضمَّت والدتها المخيفة؛ كاترينا دي ميديشي، زوجها المنفصل عنها في مُحاولة للإصلاح بينهما في عام ١٥٧٨. وأُعِدَّ لهذا الحدث إعدادًا استثنائيًّا؛ إذ أُقيم في حديقة وضَمَّ فِقراتٍ ترفيهيةً رائعةً من البلاط. وظهر الاحتفاء بهذا الحدَث في نسيجٍ مُزخرَف فالواري فخمٍ على غرار المصنوع على يد فرانسوا كينيل الأكبر (١٥٤٣–١٦١٩). وبينما يُحوِّل العداء بين رجال نافار ونبيلات فرنسا المعارك الدامية، التي تُشكِّل الأحداث التاريخية الحقيقية، إلى بعض المناوشات المُنمَّقة في المعركة بين الجنسَين — أو لمزيد من الدقة، في هذا السياق الأرستقراطي، إلى سلسلةٍ من محاولات التقارُب بين الجنسَين — فإنَّ هذا الميل أيضًا إلى التنميق والتصنُّع وسط معاركَ داميةٍ متواصلة يُعَدُّ أيضًا أحد الأَوجُه المُوثَّقة توثيقًا جيِّدًا للتاريخ الفرنسي. وفي الواقع، تقول مارجريت ملكة نافار في عملها «مذكرات»، الذي نُشر عام ١٦٢٨، عن إقامتها في نافار:
لم نكن نأسَف إلَّا لأنَّهم [النُّبلاء] كانوا هوجونوت. إلَّا أن هذا الاختلاف في الدين لم يُسبِّب أي خلافٍ بيننا؛ فقد كان زوجي الملك وأخته الأميرة يستمعان إلى موعظةٍ دينية، بينما كنتُ أنا وخَدَمي نحضُر قُدَّاسًا. ولقد أقمتُ كنيسةً صغيرة في الحديقة لهذا الغرَض، وبمجرَّد انتهاء الخدمات الدينية لكل دين، كنَّا ننضمُّ إلى الجمع في حديقةٍ جميلة، مُزيَّنة بممراتٍ طويلة تُظلِّلها أشجار الغار والسرو. وفي بعض الأحيان كُنا نسير في الحديقة وعلى ضفاف النهر، الذي يَحدُّه مَمرٌّ من الأشجار يصِل طوله إلى ٣ آلاف ياردة. أمَّا باقي اليوم فكُنَّا نقضيه في صُوَر ترفيهٍ بسيطة، وفي المساء، أو في الليل، كنا نقيم حفلًا راقصًا.31

وبينما جَعلَت، في المسرحية، وفاة ملك فرنسا الاتحادَ السريعَ بين فردينان ملك نافار والأميرة مُستحيلًا، فإنه لم يُوجبِ التأجيل والشرط الذي فَرضَته الأميرة؛ ومن ثَمَّ، فإنَّ الأفراح الوشيكة في المسرحية لا تتعرَّض للتأجيل بسبب الحزن فحسب، بل أيضًا بفعل التردُّد المُتعمَّد من جانب الشخصيات النسائية فيها، المُرتبِط ارتباطًا وثيقًا، بطرقٍ مُعقَّدة، بالاختلافات الدينية؛ إذ تُقاوِم السيدات المُتقدِّمِين لخطبتهن طَوال المسرحية على أساس أنهم «يُخلِفون الوعد»؛ ومن ثَمَّ كانوا مُذنبِين ظاهريًّا بالحنث بالقَسَم. إلَّا أن الاختبارات التي أَخضعَتِ السيدات طالبِي أَيديهِن لها، لم تكن مِحنًا تتطلَّب الشجاعة بقَدْر كونها نوعًا من طقوس الاعتراف؛ فعلى سبيل المثال، يُرسِل الملك إلى «أحد الأماكن النائية والخالية، بعيدًا عن كل مَلذَّات الحياة» (الفصل الخامس، المشهد الثاني، السطران ٧٨٧-٧٨٨)، بينما يُكلَّف بيرون بالعمل في مستشفى حيث يُطلَب منه استخدام ذكائه في خدمة الآخَرِين. وتتناسَب هذه الاختبارات مع مفهومَي الهَرطَقة والردَّة اللذَين استحضرهما دون شكٍّ القسَم والحنث به في أعقاب طُوفان حركة الإصلاح البروتستانتية الذي اجتاح جميع أنحاء أوروبا: «والحنث بالقَسَم على هذا النحو لَمِن صميم الدين» (الفصل الرابع، المشهد الثالث، السطر ٣٥٩).

وبينما تعكس المسرحية، بالتأكيد، أهمية المرأة في سياسة فرنسا في القرن السادس عشر، تستعرض أيضًا — وإن كان من مسافةٍ آمِنة على الجانب الآخر للقناة الإنجليزية — سُلطة الملكة إليزابيث. وهذا أمرٌ جدير بالمُلاحظة نظرًا لأن أَوَّل عرضٍ مُسجَّل للمسرحية كان أمام الملكة وبلاطها في أثناء فترة احتفالات الكريسماس في عام ١٥٩٧. وكان البلاط بوصفه كيانًا سياسيًّا واجتماعيًّا، في كلٍّ من فرنسا وإنجلترا، يعمل على إقامة تحالفاتٍ ملكية بين الأُسَر الأرستقراطية وتأدية دَور الوسيط فيها، وكانت هذه السياسات الجنسية هي التي تُحدِّد توزيع السلطة ومُمارَستها في المملكة. واشتُهرت إليزابيث نفسها بتحكُّمها في زيجات أفراد حاشيتها، وكان يُفترَض بجميع الأعضاء الذكور في بلاطها تأدية رقصة التودُّد لها بوصفِهِ الأسلوب المناسب للتعبير عن احترامهم وإخلاصهم لها. وبالإضافة إلى هذا، كانت اللَّباقة الأرستقراطية التي تظهر في الموسيقى والرقص، وقبل كلِّ شيء، العروض الأدبية، تُشكِّل في حدِّ ذاتها الثقافة «السياسية» للبلاط. ومثالٌ على هذا قصيدة «المحيط إلى سينثيا» للشاعر السير والتر رالي الذي كان من رجال الحاشية، التي يخاطب فيها إليزابيث بوصفها إلهة القمر العفيفة؛ ومن ثمَّ كان التملُّق التودُّدي، الذي كان يُقدَّم في أعلى المستويات الأدبية، لغة السياسة في البلاط الإليزابيثي.

وفي المسرحية، تكثُر وسائل الترفيه في البلاط. وأدرج شكسبير في المسرحية زيارةً فاشلة من الخُطَّاب إلى السيدات وهم مُتخَفُّون في شكل رجالٍ روسيِّين بصحبة مُغنِّين من المور، وهو حدثٌ مُستمَدٌّ من حفلات الكريسماس الصاخبة التي أُقيمت في نُزل جراي في عامَي ١٥٩٤ و١٥٩٥. وثَمَّةَ أيضًا المساعي الجمالية الأكثر تواضعًا للطبقة المتعلِّمة غير الأرستقراطية والدارسة للغة اللاتينية، التي ينحدِر منها شكسبير نفسه، والتي تُحاول عبثًا تقديم عرضٍ عن الشجعان التِّسعة. ومِثلما حدَث في مسرحية «حلم ليلة مُنتصَف صيف»، يُصوَّر المشاهدون الأرستقراطيون على أنهم مُتغطرسون ووقِحون وغير مُهذَّبين في ردِّ فِعلهم تجاه الجهود الصادقة للأقلِّ منهم مكانة في السُّلَّم الاجتماعي؛ ومن ثَمَّ، يقول هولوفيرنس في ردٍّ جريح على ضحكات رجال الحاشية: «هذا ليس من الشهامة أو النُّبل أو التواضُع في شيء» (الفصل الخامس، المشهد الثاني، السطر ٦٢٣). وعليه، يظهر رجال البلاط بما يتَّسِمون به من مهارةٍ وسَعةِ معرفةٍ غَيرَ قادرِين على التعاطُف مع الموجودِين خارج نطاق مُحيطهم المُنمَّق تنميقًا جيدًا.

وتُظهِر مسرحية «الحب مجهود ضائع» أيضًا أنَّ الأمور ربما تسُوء في كلٍّ من الترفيه والزواج؛ فقد فشِلت الزيجات الأرستقراطية التي حَدثَت حول الملكة إليزابيث — لكلٍّ من مارجريت دي فالوا وماري ملكة أسكتلندا. وعلى صعيد الترفيه، تَعرَّضَت مسرحية السير فيليب سيدني «سيدة ماي» (التي نُشِرت في عام ١٥٩٨) أيضًا لفشلٍ ذريع؛ فعند عرض هذه المسرحية أمام الملكة في ضَيعة إيرل ليستر، كان صامويل جونسون أول مَن يُشير إلى أنها تُعيد إلى الأذهان مسرحية «الحبُّ مجهودٌ ضائع» على أساس كلٍّ من طابعها الرعَوي، وبسبب وجود شخصيةِ مُعلِّم مدرسة بين شخصياتها تُشبِه شخصية هولوفيرنس. ولقد طُلِب من الملكة نفسها، في هذا العرْض الترفيهي، الاختيار بحُرية ظاهريًّا في نهاية المسرحية بين خاطبَين يطلُبان يدَ سيدةٍ لجأت، في مسرحية سيدني، لمساعدة الملكة؛ فسَمَح نسيج الأحداث في المسرحية لإليزابيث بمُمارسة سلطة الاختيار الملكية. لكن حتى يكون للمسرحية معنًى كان واضحًا من البداية أيُّ الخاطبَين عليها أن تختار؛ ومن ثَمَّ كشف سيدني بعنايةٍ ما على الملكة فِعله، وهذا لم يرُق لها؛ فرفَضَت إليزابيث بعنادٍ الإذعان لتصميم سيدني الفنِّي، واختارت عكس رغبة سيدني الواضحة؛ ومن ثَمَّ ناقضَت مُجرَيات الأحداث بالكامل. وربما كانت أسبابها في فعل هذا أنها شَعرَت أن سيدني يُعلق تعليقاتٍ خفيَّة حول فُرَص زواجها المستقبلية. وعلى العكس من هذا، بينما ناقَض شكسبير التوقُّعات بشأن المسرحيات الكوميدية في نهاية مسرحية «الحبُّ مجهودٌ ضائع»، فإنه حافَظَ على السلطة السياسية والشخصية للسيدة الأرستقراطية في اختيار المُتقدِّم لخطبتها أو رفضه أو فرْض شروط قَبولها له.

مَارسَت إليزابيث بالتأكيد هذه السلطة مع فرانسوا؛ أخي ملك نافار، ودوق ألونسون، الذي أَوهمَته بأنه يُمكِن أن يَتزوَّجها وذلك حتى وفاتِه في عام ١٥٨٤. وفي واقع الأمر، وَصلَت إليزابيث لتحقيق استقلالها الذاتي عن طريق استخدام فنِّ التأجيل الرفيع. وربما تكون حتى أقامت حفل خطبةٍ مع دوق ألونسون، ويبدو أنَّ إحدى قصائدها الباقية حتى الآن، بعنوان «الشكُّ من خصوم المستقبل»، هي سردٌ شخصي لحُزنها بشأن هذه العلاقة. ومرةً أخرى يستحضِر شكسبير سُلطة أحد أشكال العُذرية الإليزابيثية حينما تقتُل الأميرة غزالًا ذكرًا في الفصل الرابع. وهذه، بالطبع، وسيلةُ ترفيهٍ مُميَّزة خاصة بالبلاط، تُعرَف باسم فنِّ الصيد النبيل — الذي كان أيضًا عنوان أحد الكتب التي ظَهرَت في هذه الفترة لجورج توربيرفيل عن الموضوع نفسه (١٥٧٥). وكانت الغِزلان يُحتفَظ بها في البساتين على أنها طرائدُ أسيرة، ويُلمِح شكسبير إلى الطبيعة الشهوانية المُحتمَلة لهذه الرياضة في قصيدة «فينوس وأدونيس»، حينما تقول إلهة الحب لحبيبها النافر منها «سأكون أنا البستان، وأنت ستكون غزالي» (البيت ٢٣١).32 وكان الصيد رياضةً يُستبعَد منها عامَّة الشعب استبعادًا كاملًا؛ لأن الغِزلان كانت مِلكًا لمُلَّاك الأراضي؛ ومن ثَمَّ اقتصر استهلاك لحْم هذه الطرائد على الأغنياء فقط. وثَمَّةَ قصةٌ تردَّدَت منذ القرن الثامن عشر، على الرغم من أنها على الأرجح مُلفَّقة بالكامل، بأنَّ شكسبير وهو ولدٌ صغير سَرَق غزالًا من بستان تشارليكوت. إلَّا أن ثَمَّةَ علاقةً معقولة أكثر في صورة إليزابيث وهي تقِف فوق فريستها، في ذبحٍ شعائري للغزال الموجود في كتاب توربيرفيل. ومن شأن تصوير إليزابيث هذا أيضًا بوصفها صيَّادةً مُضاهاتها بديانا (الاسم الرُّوماني للإلهة الإغريقية آرتميس أو سينثيا)؛ إلهة الصيد التي جَعلَت كلاب الصيد الخاصَّة بأكتيون تفترِسه بسبب ضبطها له، لسوء حظه، وهو يختلِس النظر إليها وهي تستحم. وعلى الرغم من تقديم كلِّ هذا في إطارٍ أسطوري، فلا شكَّ أن هذا النوع من التصرُّف بحذَر في مُحيط السلطة النسائية كان مألوفًا للغاية لدى حاشية إليزابيث. وفي الواقع، كانت صورة ديانا وقُدرتها على الحفاظ على عِفَّتها بشراسة، إحدى الصُّوَر التي تحرِص إليزابيث على ترسيخها عنها. إذن فإنَّ العُذرية، بعيدًا عن كونها وضعًا سلبيًّا لشخصيةٍ ملكية حاكمة، كانت قوةً فاعلة وربما فتَّاكة. وهذه بالضبط هي النهاية الأُنثوية لمسرحية «الحبُّ مجهودٌ ضائع»، التي تنتهي بأغنيةٍ دون حلٍّ لما بها من مشكلات؛ فالتقارُب الوحيد الذي حدث في المسرحية بين الجنسَين كان بين كوستار وجاكينيتا؛ الخادمة الريفية، التي حَملَت منه. وربما يتمحوَر التودُّد بين الطبقات الأدنى مرتبةً حول العلاقة الجنسية، بينما لم يكن التودُّد بين الطبقات الأعلى مكانةً يتمحوَر إلَّا حول السلطة.
وتبدو النهاية الإشكالية لمسرحية «الحبُّ مجهودٌ ضائع»، التي تنتهي دون ختامٍ للأحداث، بحاجةٍ إلى تَتِمَّة. وفكرة أن نهاية المسرحية هي ببساطة ترقُّب الدراما التالية التي تعقُبها ربما تعني أنَّ شكسبير لم يكن منه إلَّا أن أَجَّل الإشباع الكوميدي بدلًا من التخلِّي عنه إجمالًا؛ ففي الواقع، يُعتقد أن شكسبير كتب تَتِمَّةً لهذه المسرحية، وهي المسرحية المفقودة «الحبُّ مجهودٌ رابح». ومن المؤكَّد أن فرانسيس ميريس أدرج هذه المسرحية في كتابه «خِزانة الأدب» الصادر في عام ١٥٩٨، وهو نفس عامِ نشرِ مسرحية «الحب مجهودٌ ضائع» في قَطع الرُّبع، بوصفها واحدةً من إنجازات شكسبير في مجال الكوميديا: «مسرحياته «سيدان من فيرونا»، و«كوميديا الأخطاء»، و«الحب مجهودٌ ضائع»، و«الحب مجهودٌ رابح»، و«حلم ليلة منتصف صيف»، و«تاجر البندقية».»33 وتأكَّدَت إشارة ميريس أكثر في القرن العشرين من خلال اكتشاف قائمةٍ لأحد بائعي الكُتب تعود لعام ١٦٠٣ تشتمل أيضًا على المسرحية التي أَصبحَت مفقودة حاليًّا. إلَّا أنه، لسبَبٍ ما على الأرجح لن نتمكَّن من معرفته أبدًا، لم تندرِج مسرحية «الحبُّ مجهودٌ رابح» ضِمن المسرحيات الواردة في «المطوية الأولى» في عام ١٦٢٣ مع مسرحية «الحبُّ مجهودٌ ضائع»؛ فهنا ينتهي الأَثَر؛ لذا علينا التعامُل مع المسرحية كما هي، بوصفها جزءًا من عرضٍ لمجموعةٍ أكبر وأكثر اكتمالًا من الأفكار.

حلم ليلة مُنتصف صيف

ثَمَّةَ ضفَّة جدولٍ أعرفها ينبُت فيها الزعتر البري،
وتنمو عليها الورود وزهر البنفسج الناعس،
وتُظلِّلها أشجارٌ كثيفة غنيَّة بالرَّحيق،
ونباتات المِسك العطِرة والنسرين …
(الفصل الثاني، المشهد الأول، الأسطر ٢٤٩–٢٥٢)34 [ترجمة حسين أحمد أمين، بتصرف]
لم يكلَّ جيلٌ قديم من كُتَّاب السِّيَر قَطُّ من الإشارة إلى تجسيد شكسبير لروح الريف الإنجليزي. وبينما اختفى هذا التوجُّه في التعليق في السنوات الأخيرة، يبقى صحيحًا أنه على الرغم من أن أحداث مسرحية «حلم ليلة منتصف صيف» تقَع في أثينا والغابات الموجودة خارجها، فإنها في جوهرها كوميديا إنجليزية، ولا سيما إليزابيثية.35 لكن ما عجز المُعلِّقون في العصرَين الفيكتوري والإدواردي عن تقديره بالكامل هو درجة المُخاطَرة الكبرى التي أخذها شكسبير في تصوير النوع الجنسي والسلطة، وإن كان ذلك على خلفية الجمال الطبيعي الخلَّاب للمنظر الطبيعي الريفي الإنجليزي.

•••

يُشير العرض البانورامي لأرض الجنِّ، ضمنيًّا، إلى المملكة التي تحكمها جلوريانا، الشخصية التي ترمُز للملكة إليزابيث الأُولى في قصيدة إدموند سبنسر الملحمية الملكية «ملكة الجن» (١٥٩٠–١٥٩٦). وفي مسرحية عن أخطار وأهوال العلاقات الشهوانية والزواج، يُدرِج شكسبير أنشودةً غنائية وأسطوريةً مُكثَّفة لمدح عُذريَّتها وأَطلَق عليها «العذراء الملكية» (الفصل الثاني، المشهد الأول، السطر ١٦٣)؛ فيستهدف كيوبيد (إله الحب عند الرومان)، الذي يطير بين القمر والأرض، العذراء على وجه الخصوص، لكن عفَّتها مُحصَّنة ضدَّ سهمِه:
في ذلك اليوم رأيتُ …
كيوبيد وفي يده كلُّ سِهامه،
يطير بين القمر البارد والأرض.
ثم حدَّد هدفه، وأطلق سهم الحبِّ في خفةٍ من قوسه
نحو عذراءَ رائعة، كلَّلَتها أشعة الغروب؛
فكأنما انطلقَ السَّهم يخترق مائة ألف قلب.
ولكني استطعتُ أن أرى نصْل السهم الناري
وهو ينطفئ في أشعة القمر الذائبة في الماء الطاهر.
ثم مَرَّتِ العذراء الملكية في طريقها،
تحلُم بأحلام العَذارى، دون أن يُصيبها الحب.
ولكنَّني رأيتُ المكان الذي سقط فيه السهم؛
لقد سقط على زهرةٍ صغيرة تنمو في الغرب،
كانت من قبلُ بيضاء اللون،
فأَصبحَت حمراء من جرح الحب،
وتُسمِّيها العَذارى زهرة البانسية.
(الفصل الثاني، المشهد الأول، الأسطر ١٥٥–١٦٨) [ترجمة د. محمد عناني، وهي الترجمة التي اعتمدنا عليها على نحوٍ أساسي في ترجمة الاقتباسات من المسرحية في هذا القسم، وإن كان ببعض التصرُّف اليسير في بعض المواضع]

وتأتي الإشارة الغامضة لإليزابيث على أنها «عذراء فيستا» من الأساطير الكلاسيكية؛ فقد كانت عذارى فيستا كاهناتٍ للإلهة فيستا ولعِبنَ دورًا محوريًّا في الحفاظ على شعائر الدولة الرُّومانية. وأمَّا تعبير «عذراء رائعة»، فيُلمح أكثر إلى الفكرة المسيحية عن ظهور آيةٍ عظيمة في السماء ﻟ «امرأةٍ مُتسربِلة بالشمس»، أُمُّ الرب، من كتاب الرؤيا، بالإضافة إلى تلميحه إلى أبياتٍ من نشيد الرُّعاة الرابع لِفيرجيل، التي يُعتقَد أنها تتنبَّأ بمجيء المسيح وعودة العصر الذهبي. وذاع صيتُ مصطلح العصر الذهبي أيضًا، الذي احتفى به الرَّسَّامون والشعراء، بفعل جولاتِ إليزابيث الرسمية في جميع أنحاء البلد؛ حيث كان يستضيفها بسخاءٍ النُّبلاء الذين كانت تزورهم على نفقتِهم الخاصَّة.

وفي هذا المقام، إليزابيث بوصفها «عذراءَ ملكية» لم تكن فحسبُ مُعتادةً على تقلُّبات الرغبة، بل كانت مُحصَّنة ضدَّها؛ ففي الواقِع تعرض هذه الفقرة الأمور المحورية في حُكم إليزابيث؛ ففي عام ١٦٠٠، وقبل وفاة الملكة بثلاثة أعوام، كانت عُذريَّتها قد أَصبحَت التزامًا بعفَّةٍ أبدية. إذن فإنَّ هذا الكلام، جاء مُتَّسِقًا مع التناوُل الأيديولوجي السريع للوحات والأعمال الأدبية؛ حيث كانت عُذريَّة إليزابيث تُصوَّر أحيانًا على أنها حصانةٌ جسدية وفعلية؛ فعلى سبيل المثال، تظهر في لوحة الرسام كوينتين ميتسيس الأصغر (١٥٨٣) وهي تحمِل منخلًا يحفظ الماء. وبصِفتها النموذج الفعلي للعُذرية، ربما كان يُفهَم كلُّ وأيُّ تصوير لعفَّة المرأة على أنها إشاراتٌ ضمنية، أو انعكاسات، للسِّمة التي أَصبحَت مميِّزة للملكة. ففي مجتمع كان يُدرك أن السلطة والأنوثة أمران مُتناقِضان، كانت عُذرية إليزابيث المُحتفَى بها أحد سُبل ادِّعاء أنَّ حُكمها استثناءٌ إلهيٌّ للشرور المزعومة للحُكم الأنثوي، وهو ما أشار إليه جون نوكس، الكاهن الكالفيني، برعونةٍ على أنه «الحكم الرهيب للنساء»36 (ولم تسمح له إليزابيث بأن تطأ قدَماه إنجلترا مرةً أخرى). ومن ثَمَّ، فإن جميع الإشارات إلى الاستقلال الذاتي للمرأة والسيطرة الأنثوية في مسرحية «حلم ليلة مُنتصف صيف» تعكس آلياتِ السلطة في هذه الفترة؛ ونظرًا لاحتمال تَسبُّبها في بعض الإساءة إلى الحاكم، فقد كان من شأنها أيضًا تعريف إليزابيث بأسلوبٍ مُباشر ولا لبس فيه على أنها عذراء فيستا الغرب، عن طريق إظهار التناقُض بينها وبين الصور الأخرى غير الجيدة للحُكم النسائي في المسرحية. وبالتأكيد لم تشمل صُوَر إدموند سبنسر الرمزية للملكة إليزابيث أيَّ شيءٍ يُضاهي من قريبٍ أو بعيدٍ الزواج غير المُتكافئ بين ملكة الجنِّ وحمار.
وفي مسرحية «حلم ليلة مُنتصف صيف»، يقَع عالم الجنِّ بالتأكيد تحت الحُكم الرجالي للملك أوبرون، الذي تتحدَّى سيادته زوجته تيتانيا. ويُقارن هذا العالم، الذي يملؤه بالسِّحر باك، المعروف أيضًا باسم روبين جودفيلو، وهو شخصيةٌ مألوفة في القصص الشعبية الإنجليزية، بعالم البشر العاديِّين، والذي تحكمُه شخصيةٌ من عالم الأساطير الكلاسيكية الأدبي الرفيع المُستوى، وهو الدُّوق ثيسيوس، وثيسيوس هو خطيب هيبوليتا؛ ملكة الأمازونات الأسطورية، إلَّا أن صورة هيبوليتا ليست صورةً إيجابية على نحوٍ خاص. إن ضرورة تخلِّي ملكة الأمازونات، وهي شعبٌ من المُقاتلات التي انفَصلَت عن الرجال، عن عفَّتِها لِثيسيوس تحت التهديد بالاغتصاب «لقد خطبتُ ودَّكِ بحدِّ السيف، ونلتُ حبكِ بإساءتي إليكِ» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطران ١٦-١٧)، إشارةٌ للأساطير الإغريقية، التي ربما تكون الملكة العذراء، التي تعرَّضَت هي نفسها للمُضايَقات حتى تتزوَّج العديد من المرَّات، قد اعتَرضَت عليها. وتُمثِّل شخصية هيبوليتا ملكة الأمازونات إشكاليةً أُخرى؛ إذ إنَّ إليزابيث نفسها اضطَلعَت بهذا الدور عندما خاطبَت الجنود في تيلبري قبل وصول أسطول أرمادا الإسباني في عام ١٥٨٨.37 وعلى الرغم من وجود بعض الشكوك بشأن حقيقة ارتدائها لدرعٍ في هذا الموقف، فإن ثَمَّةَ صورةً هولندية لها في عام ١٥٩٨ وهي ترتدي الزيَّ العسكري الرجالي وترفع سيفًا.

لقد كان من المُزمَع إقامة حفل الزفاف الوشيك لثيسيوس وهيبوليتا في ليلة ظهور القمر التالي. وبحلول هذا التاريخ أيضًا كان يجِب على هيرميا أن تُقرِّر إذا ما كانت سترضخ لرغبة والِدها وتتزوَّج من ديمتريوس، الذي لا تُحبُّه، أم إنها لا بُدَّ أن تلجأ «إلى الموت، وهذا ما ينصُّ قانونُنا على تطبيقه» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطر ٤٤). في الواقع، تُحبُّ هيرميا ليساندر، بينما تُحبُّ هيلينا؛ صديقتها المُقرَّبة، ديمتريوس، الذي لا يُحبُّها. وبينما يُولِّد الصدام بين عوالم البشر والأساطير والجنِّ الفكاهة في المسرحية، ينسُج شكسبير أيضًا صراعًا بين الجنسَين؛ إذ تُوجَد في المسرحية قصة بيراموس وثيسبي، المأخوذة من الكتاب الرابع لقصيدة «التحوُّلات» لأوفيد. وهذه قصةٌ مأساوية عن حبيبَين مُنفصلَين — في هذه الحالة حرفيًّا بفِعل جدار — تنتهي بوفاتهما بعد انتحار بيراموس لاعتقاده خطأً أنَّ المنديل المُلطَّخ بالدماء الذي عثر عليه دليلٌ على وفاة ثيسبي، إلَّا أنها في واقع الأمر كانت قد تعرَّضَت لِتوِّها لهجومٍ من أسد، استطاعت الهروب منه بصعوبة. وعند رؤية ثيسبي لجثمان حبيبها المُتوفَّى، مثلما حدث لجولييت في مقبرة عائلة الكابيوليت، تُقْدِم على الفعل نفسه وتقتُل نفسها. وبعيدًا عن كونها تبدو ملحوظةً مأساوية قاتِمة وسط أحداثٍ كوميدية، فإنَّ الفاصل المسرحي القصير لقصَّة بيراموس وثيسبي، الذي تدرَّب عليه وعرضه مجموعةٌ من «العُمال الحرفيِّين» غير المُتمرِّسِين، وهي مجموعة من العمال من أثينا الذين «لم يُجهدوا عقولهم حتى الآن» (الفصل الخامس، المشهد الأول، السطر ٧٣)، يُعَدُّ مُحاكاةً مُضحكة لمأساةٍ درامية. وبما أنَّ قصة بيراموس وثيسبي تُعَدُّ مسرحية داخل مسرحية، فهي تُذكِّرنا أيضًا بأنَّ شكسبير كان يعرِف كيف يُمكن لأعراف التراجيديا، بما فيها من سوء فهمٍ غيرِ معقول ووفياتٍ كثيرة، توصيل المُشاهدِين بخطورةٍ إلى حالة المرَح. ويستفيد شكسبير استفادةً تامَّة من مَيل الأشياء إلى الإخفاق على المسرح؛ فلم تكن الأمور تسير دومًا «على ما يُرام في الليل.» وهذا على العكس من شعار هينسلو في فيلم «شكسبير عاشقًا».

ومثل المجالس المحلية الأخرى، كان لمجلس ستراتفورد المحليِّ إسهامه أيضًا في «الترتيبات الاحتفالية للملِكة» كلما كانت في المنطقة؛ ولذلك ربما علِم شكسبير من خِبرته المُباشرة بعض الأشياء حول كيف يُمكن لسُبل الترفيه الملكية أن تُخفِق؛ ففي طفولته ربما يكون قد شهد في عام ١٥٧٥، حينما زارت إليزابيث روبرت دادلي، إيرل ليستر في قلعة كينيلوورث، المسرحية الترفيهية التي فشِلَت فشلًا مُذهلًا. وثَمَّةَ أصداءٌ مِثالية لهذا العرْض في حوار أوبرون:
اليوم الذي جلستُ فيه على صخرةٍ ناتئة في البحر،
وسمعتُ حوريةً فوق ظهر درفيلٍ تُغني؟
كانت ألحانها حلوةً مُتناغِمة
حتى لقد هدأ البحر الثائر عند سماعها،
وهوَتْ بعض النجوم من أفلاكها لتُصغي إلى موسيقى عروس البحر!
(الفصل الثاني، المشهد الأول، الأسطر ١٤٩–١٥٤)
يحكي أوبرون قصةً مأخوذة من الأسطورة الكلاسيكية عن أريون الذي كان يغرَق وأَنقذَته المساعي الحميدة لدرفيلٍ سمح له بالركوب على ظهره. إلَّا أن هذا الإنقاذ المُؤثِّر لم يسِرْ وفقًا للخطة في كينيلوورث. ويقول روبرت لينهام، وهو شاهد عيان على هذه المسرحية الترفيهية:
عُرِض مَشهدٌ على الملكة إليزابيث عند الماء، وكُلِّف هاري جولدينجهام، من بين الموجودين، بتأدية دَور أريون الذي يركَب على ظهر الدرفيل، لكنه عندما وجد صوتَه أجشَّ ومُزعجًا للغاية عند تأديته للدَّور، مَزَّق ملابس تنكُّره، وأَقسَم أنه لا علاقة له بأريون، وأنه ليس هو، ولكنه هاري جولدينجهام الأمين؛ الذي أَعجَب أسلوب كشفِه الصريح عن نفسه هكذا الملكة أكثرَ ممَّا إن كان الأمر قد سار على النحو المُعتاد.38
ويشعر العُمال الحرفيون، «الصعاليك الذين يتصايحون» (الفصل الثالث، المشهد الأول، السطر ٦٠)، بالمِثل بضرورة الكشف عن هُوياتهم الحقيقية لجمهورهم الأرستقراطي؛ لأنهم لا يستطيعون فَهم الطابع الخيالي للمسرح:
يا سيِّدتي ذات القلب المُرهَف،
مَن تخشى أصغر فأرٍ وحشيٍّ في الغرفة يزحف،
قد ترتجفِين وترتعشِين وترتَعِد الأوصال،
إن زمجَرَ هذا الأسد الضاري أو صال وجال.
لكن فلتعلَم كلٌّ منكنَّ بأني نجَّار وبأن اسمي في الحق سناج!
(الفصل الخامس، المشهد الأول، الأسطر ٢١٠–٢١٤)

واهتمام سناج بعدَم إخافة النساء الموجودات بين الجمهور مُؤثِّرٌ ودمِثٌ بقَدْرِ كونِه مُضحكًا. إلَّا أنَّ عرض العُمَّال الحرفيِّين الذي يفتقِر إلى البراعة، يعمل على إضفاء طابعٍ محلي على عوالم الأساطير والسحر التي وجد بوتوم النسَّاجُ نفسه هو ورفاقه من الحرفيِّين أنفسهم جُزءًا منها. ومن هذا المُنطلَق، لا تقلُّ أدوارهم المسرحية، على الأقل، أهمية عن سِحر أوبرون في خلق مُجتمعٍ مُترابط يتناسَب مع الأغراض العامَّة للكوميديا.

إنَّ الزفاف الأرستقراطي هو محور المسرحية لأنه احتفالٌ اجتماعي باتحادٍ زوجي جديد، وهو ما كان يُمثِّل اللبنة الأساسية في المجتمع في هذه الفترة. إلَّا أنَّ هذَين العروسَين يُقارَنان بنظائرهما المُتزوِّجِين بالفعل في أرض الجن؛ فأوبرون وتيتانيا في خضم نزاعٍ مرير على وصاية طفلٍ هندي يتيم، الذي على الرغم من عدَم كونه شخصية في المسرحية، فإنه مصدر الخصومة بينهما؛ ففي مسرحيات شكسبير، نادرًا ما تنجح العلاقة بين الشخصيات المُتزوِّجة بالفعل. وبفعل مساعد روبين جودفيلو الذكية، يشن أوبرون انتقامًا عنيفًا على زوجته؛ فسيضع روبين جُرعة حبٍّ على عينَيها وهي نائمة ستجعلها تقع في حبِّ أول شيء تراه عند استيقاظها، وأول شيء تراه هو بوتوم النسَّاج. ومن أجل زيادة تعقيد إذلال تيتانيا عند وقوعها في حبِّ بوتوم، عمل باك أولًا على «تحويل»؛ أي تغيير بوتوم المسكين ليحصل على رأس حمار. وهكذا تُجسِّد المسرحية فكرة أنَّ الحبَّ أعمى وأن الناس الذين تُحرِّكهم رغباتهم يتصرَّفون بطرقٍ خارج نطاق السلوك المنطقي؛ وعليه تُقدِّم المسرحية منظورًا هزليًّا ﻟ «الرغبات العنيفة» التي ترتبِط بالمشاعر المُتَّقِدة في فترة منتصف الصيف نفسها التي كتب شكسبير عنها في قصة الحب التراجيدية «روميو وجولييت»، حيث يُؤدِّي تهوُّر الشباب إلى الوفاة.

تُقارن المَشاهد أيضًا التي تحدُث في أرض الجنِّ بأحداثٍ في عالم البشر بين العشاق، وتتبع المسرحية العُرف الكوميدي؛ إذ يُعارض إجيوس اختيار ابنته الشهواني، ويتهم ليساندر بخداعها وسِحرها. تتوجَّه هيرميا مع الشخصيات الشابة الأخرى في المسرحية، وهم ليساندر وديمتريوس وهيلينا إلى الغابة، والتي تُمثِّل، كما في مسرحية «كما تشاء»، عالمًا أخضر يتوقَّف فيه تطبيق القواعد التقليدية وتُعاد صياغتها. وعندما حاول أوبرون علاج ديمتريوس من ازدرائه لهيلينا عن طريق طلَبِه من باك دهان عينَيه بجرعةِ حُب سحرية، حدث خطأٌ كوميدي في الخطة، فتنهار علاقات الحبِّ والصداقة مع تبادُل العُشَّاق وتغيُّر انتماءاتهم الرومانسية. ويطرح هذا اللَّبس بين العُشَّاق تساؤلات عن طبيعة الارتباط الحِسِّي ومُدَّته، وعن سبب تفضيل المرء لشريكٍ ما على غيره. وتتفاقم هذه المشكلة بحقيقة أنَّ في النصِّ لا يُوجد تمييزٌ كبير بين ديمتريوس وليساندر (رغم وضوح أن هذا قد لا يكون هو الحال في العرض المسرحي). وتتساءل المسرحية أيضًا عمَّا إذا كان من المُمكن لمِثل هذه التفضيلات الحسِّية أن تستمرَّ طَوالَ العمر وعما إذا كان من الممكن للارتباطات الرومانسية مواجهة المُتطلَّبات المتعارضة معها للصداقة. ومن المُثير للاهتمام أن الجوانب الشهوانية المُحتمَلة للصداقة بين أبناء الجنس الواحد تُوصف بعباراتٍ لا تختلف كثيرًا عن فكرة البروتستانت عن الزواج:
مثل كَرزتَين مُلتصقتَين
تراهما اثنتين ولكنهما تفترقان فتتوحَّدان!
تُوتَتان جميلتان على غصنٍ واحد؛
جسدان ظاهران وقلبٌ واحد …
(الفصل الثالث، المشهد الثاني، الأسطر ٢٠٩–٢١٢)

وبينما تُظهِر المسرحية أن كافَّة أشكال العلاقات البشرية تُواجه مشكلات، يبدو أن الاتحاد المثالي يتحقق بالكامل أكثر، وعلى نحوٍ طبيعي أكثر وأقل انحرافًا، بين أفراد الجنس الواحد أكثر من تحقُّقه في علاقة الزواج.

في الواقع، العلاقات الجنسية المُغايرة في المسرحية تكون مدفوعةً برغبةٍ مُخالفة، وأحسنُ مثالٍ على هذا الاقتران الفاحِش وغير اللائق على نحوٍ كوميدي بين تيتانيا وبوتوم؛ فبينما كان شكسبير، كما أشرْنا، يسعى بكلِّ جهده ليمدح سيادة إليزابيث، فإنه وطئ منطقةً خطيرة سياسيًّا بعرضِه لمشهد الإذلال الهزلي لِتيتانيا، الذي ينتج عن محاولتها للسيطرة على زوجها. واستمدَّ شكسبير هذا الجزء من الحبكة من قصة الكاتب الروماني لوكيوس أبوليوس «الحمار الذهبي»؛ ففي هذه السيرة الذاتية الخيالية يتحوَّل لوكيوس إلى حمار عليه أن يُقيم علاقةً جنسية مع سيدةٍ رومانية ذات مقامٍ رفيع أمام الحشود المُتجمهِرة قبل تعرُّضه هو نفسه للوفاة، ولكنه ينجو من الموت بصعوبة؛ فتُقدِّم هذه القصة من ناحيةٍ مُبالغةً ساخرة للفكرة الحميدة نسبيًّا عن الارتباطات المُتنافِرة وغير المتوافقة. ومن ناحيةٍ أخرى، يستحضر مصدر لوكيوس أيضًا بوضوحٍ كبير مشهد مُواقعة الحيوانات. وينعكس كلا هذَين الجانبَين من العلاقات الجنسية غير المُتوافِقة في مسرحية «حلم منتصف ليلة الصيف»، ليس فقط في العلاقة بين بوتوم وتيتانيا، ولكن حتى — أو ربما على وجه الخصوص — في الزيجات الموجودة في المسرحية؛ إذ يطغى على هذه الارتباطات أيضًا الأشكال المُرعبة على نحوٍ مُبالَغ فيه؛ المغتصب وملكة الأمازون، وأوبرون الشاذ جنسيًّا على الأرجح (ففي النهاية في أي شيءٍ يريد مساعدة الفتى الهندي؟)، الذي يستمتِع بإذلال زوجته عن طريق دفعها لمُواقَعة أحد الحيوانات. ولم يكن العُشَّاق التقليديُّون أكثر في مُغازلاتهم بمعزلٍ عن الجوانب الوحشية والمُنافية للطبيعة للرغبة؛ فعند تعرُّض هيلينا لرفض ديمتريوس بازدراء، تقول: «إنني قبيحةٌ كالدُّب؛ فالوحوش التي تُقابلني تفرُّ خوفًا مِني!» (الفصل الثاني، المشهد الثاني، السطران ١٠٠-١٠١)، في حين أنَّ ديمتريوس يتركها «تحت رحمة الوحوش الضارية» (الفصل الثاني، المشهد الأول، السطر ٢٢٨). وتشُير هذه الأَسطُر إلى صِلة هيلينا بِبوتوم، الذي سيُخيف ويُرعِب، في هيئته الحيوانية، العُمال الآخرِين. وفي الغابة سرعان ما يتحوَّل الحبُّ إلى كراهية، ويُصبح اختيار الشريك، رغم كونه أمرًا مؤقتًا، مسألةً عشوائية تكتنِفُها الصُّدفة والنَّزوة.

تتعلَّق المسرحية في جانبٍ منها بكيفية تعرُّض البشر للتحوُّل بسبب الرغبة الجنسية، ولكنها تتعلَّق أيضًا بالمسرح باعتباره حيِّزًا للتحوُّل. يُمَثِّل بوتوم الدرجات الدُّنيا من التسلسُل الهرمي الاجتماعي، ولكنه أيضًا مُمثلٌ «سيِّئ» يميل إلى استخدام الجناس الاستهلالي الصاخب والإيقاعات الفجَّة التي كان يتَّسِم بها نمطٌ تمثيلي سابق: raging rocks (الصخور الغاضبة) وshivering shocks (الصاعقات الراجفة) (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطران ٢٤-٢٥). وتزداد أَوجُه القصور لدَيه، كمُمثل، إثارةً للضحك باقتناعه بأنه ممثلٌ عظيم. ورغم كلِّ ذلك، أمام أعين بيتر كوينس النجَّار، وسناج نجَّار الأثاث، وسناوت السَّمْكَرِي، وفلوت مُصلِح المنافيخ، وستارفلنج الخيَّاط؛ الحرفيين البسطاء الذين يُعَرَّفون تبعًا للأشغال اليدوية التي يؤدُّونها، يمرُّ بوتوم بتغيُّرٍ مُرعِب في المظهر، ومع ذلك فإنه تغيُّر يُتيح له الدخول إلى مَخدع ملكة الجنِّ ذاته. هذا النوع من التغيُّر يُرتاب على الفور في أنه شكلٌ من أشكال السحر، حسبما تُشير ردة فِعل كوينس: «رحمة الله عليك يا بوتوم، رحمة الله عليك! لقد تَبدَّلت» (الفصل الثالث، المشهد الأول، السطر ٩٧)، وفي ذات الوقت، يُرتاب في أنه نوعٌ من السحر الرباني. وعندما يقصُّ بوتوم «الحلم» المُتعلِّق بما حدث له في مَخدع ملكة الجن، يستخدم صيغةً مَمْسُوخة من كلمات القديس بولس في الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس، الإصحاح ٢، الآية ٩ التي تقول: «ما لم تَرَ عين، ولم تسمع أُذن، ولم يخطر على بال إنسان: ما أَعدَّه الله للذين يُحبُّونه.» «لا تستطيع عين الإنسان أن تسمع، ولا تستطيع أذنه أن ترى، ولا تستطيع يده أن تشم، ولا يستطيع لسانه أن يتصور، ولا قلبه أن يحكي ماذا رأيتُ في منامي» (الفصل الرابع، المشهد الأول، الأسطر ٢٠٣–٢٠٥). يُمَثِّل بوتوم المسحور، بحواسِّه المُرتبِكة على هذا النحو، شيئًا «شِبه» مُقدَّس. ومثل مُمثِّلي فرقة شكسبير نفسه، الذين انتمى كثيرون منهم، كما سبق وأن طالَعْنا، إلى الشركات النقابية الخاصة بمجموعةٍ مُتنوِّعة من المِهَن المُعتادة، والذين أَتَوا، مِثل شكسبير نفسه، من أُسرٍ كانت تلك المهن تُمارَس فيها، يُصبح بوتوم، المُمثِّل السيئ، الأداة غير المُتوقَّعة لصُنع المُعجِزات. وهكذا فإنَّ شكسبير يُذَكِّر الجمهور بأنَّ المُمثِّل «الحِرفي» هو الوسيلة المُستبعَدة لهذه الرؤية المسرحية المُذهِلة والمُدهِشة التي يشهدونها.

وأخيرًا يُعيد أوبرون؛ قائد سحر المسرحية، وباك؛ مدير أحداثها، النظام إلى علاقات المسرحية المضطربة؛ يتصالح أوبرون مع تيتانيا، ويتزوج العُشَّاق البشريون، ويؤدي الحرفيون مسرحيتهم. يستطلع شكسبير هنا الطرُق التي لا يمكن للواقع نفسه أن يتواجد من خلالها بمعزلٍ عن تصوُّراتنا الشبيهة بالأحلام. على العكس، فإن الواقع يتقبل، وربما حتى يتشكل، بفعل النماذج الكوميدية والتراجيدية التي نفرضها عليه بمحْضِ اختيارنا أو دون وعيٍ منَّا. بالإضافة إلى ذلك، فإن إصرار شكسبير على التخيُّل، وعلى الخيال، وعلى السرديَّات الخيالية التي يعرِضها المسرح، هو ما يسمح له بأن يُجسِّد الأفكار الذهنية المُذهِلة، بل حتى الثورية، فيما يتعلَّق بالجنس والسلطة، وأن يفعل ذلك دون أن يجلب على نفسه غضب الملكة العذراء.

•••

مع أنه يرِد ذكر مسرحية «حلم ليلة مُنتصَف صيف» في كتاب فرانسيس ميريس في عام ١٥٩٨، فإنَّنا لا نعرف تحديدًا متى كتَبَها شكسبير. ومع ذلك، رُبَّمَا تكون قد كُتِبَت زُهاء عام ١٥٩٥، في نفس فترة كتابة مسرحية «روميو وجولييت». وقد نُشِرَت المسرحية لأول مرة فيما يُعْرَف بقَطْع الرُّبْع في عام ١٦٠٠ (طبعة قطع الربع الأُولى) ومجدَّدًا، في نُسخةٍ مختلفة بعض الشيء في عام ١٦١٩ (طبعة قطع الربع الثانية)، وإلى جانب ذلك في شكلٍ مُختلفٍ في «المطوية الأولى» (الكتاب ذي قطع النصف) في ١٦٢٣. والأخير يستنِد على طبعة قطع الرُّبع الثانية وعلى مخطوطةٍ مسرحية لم يَعُد لها وجود. والاختلافات الجوهرية بين هذه التنويعات النصيَّة طفيفة نِسبيًا، تتألَّف من تصحيح الأخطاء المطبعية، وإدخال بعض التصحيحات وتوجيهات الحركة على المسرح.

تاجر البندقية

في السونيتة ١٢٨ لشكسبير، يقول الشاعر إنه يحسُد لوحة المفاتيح التي تلمِسها عشيقته، ويتمنَّى لو كان بمقدوره أن ينال نفس التواصُل الحميمي الحسِّي معها كتلك المفاتيح («المفاتيح» الراقصة) التي تعزِف عليها:
وإذ تَتعرَّضان لهذه الإثارة، تُغيِّران حالهما
وموقفهما مع تلك المفاتيح الراقصة
التي تَسير عليها أصابعكِ في مشيةٍ رقيقة،
تجعل المفاتيح في نعيمٍ لا تعرفه شفتاي النابِضتان بالحياة.
وما دامت تلك المفاتيح الأنيقة سعيدةً للغاية بما هي فيه،
فلتُعطيها أصابعكِ، ولتُعطيني شفتَيك لأُقبِّلهما.
(السونيتة ١٢٨، الأبيات ٩–١٤)39 [ترجمة بدر توفيق]
نظرًا لأنَّ المرأة في هذه السونيتة موسيقية، ولأنها بعد ذلك تُوصف بأنها «بغيضة اللون»، جعل البحث عن «الهوية الحقيقية» للسيدة السمراء في عمل شكسبير «السونيتات» إيه إل راوس، وآخرِين، يعتقدون أنها الشاعرة أميليا لانير، التي كان لقَبُها قبل الزواج باسانو، والتي وُلِدَت في عائلةٍ من المُهاجرين اليهود من البندقية الذين كانوا يعملون كموسيقيِّين في البلاط وصانعِين للآلات الموسيقية والذين قَدِموا إلى إنجلترا في عام ١٥٣١.40 كانت لانير عشيقة اللُّورد هنري هونسدون لكنَّها زُوِّجَت إلى موسيقيٍّ آخر، هو ألفونسو لانير، بعدما صارت حُبلى بطفلٍ من هونسدون. ومع ذلك فالأَهمُّ من هذه المُلابَسات الشخصية هو أنها كانت شاعرةً اشتمل عملُها على قصيدةٍ طويلة مُؤثِّرة تُمجِّد الرحمة الإلهية، اسمُها «يحيا الرب، ملك اليهود»، والتي نُشِرَت في عام ١٦١١، بعد عامَين فقط من نشْر عمل «السونيتات» الخاص بشكسبير في عام ١٦٠٩. وقد ورد فيها أنَّ المسيح هو «رحمة الرحمات» (البيت ٦٤٦)، الذي «وَجدَت رحمته سبيلها إلينا لتجعلنا مُباركِين للغاية» (البيت ٥٣٣). وفي الصَّلْب، «فاضت النعمة، والحب، والرحمة كثيرًا، لقد استمررتَ على الصليب، وإن كان إلى الموت» (البيتان ٤٧٨-٤٧٩). وكون الرب وهبَ العالم رحمةً إلهية، فإنه الآن يُسَرُّ بأعمال الرأفة الإنسانية: «فِعال الرحمة هذه لطيفة جدًّا، وغالية جدًّا، عنده؛ فهو ربُّ الحياة والحب» (البيتان ١٣٦١-١٣٦٢).41 ورغم أن القصيدة تحتوي على مسحةٍ لاهوتية أكثر تحديدًا من مُعالجة مسألة الرحمة في مسرحية شكسبير «تاجر البندقية»، فإنها مع ذلك تتَّسِق مع حديث بورشيا عن الرحمة، وهو أحد أشهر الأحاديث في مجموعة كتابات شكسبير، والذي تقول فيه:
ليس في الرحمة إلزام وقهر:
إنها كالغيث يَنهلُّ رقيقًا من السماء
على ما تحتها. بُوركَت تلك الفضيلة مرتَين:
إنها تُبارك الرحيم مثلما تُبارك المُسترحِم.
(الفصل الرابع، المشهد الأول، الأسطر ١٨٠–١٨٣)42 [ترجمة د. محمد عناني، بتصرف]
إن وصف بورشيا للرحمة ﺑالرقة gentle وبأنها غير يهودية Gentile (وهو جناسٌ مُستمرٌّ في المسرحية) — قائم بمنزلة القوة التي تُبْطِل كلَّ سلطةٍ وقتيَّة. وهكذا فإنَّ الأنوثة مُتَّحِدة مع الرحمة على نحوٍ يتوافق مع تركيز لانير على النساء المُتعاطفات ساعة الصَّلب. إن الروابط من هذا النوع بين قصيدة لانير «يحيا الرب، ملك اليهود» ومسرحية شكسبير «تاجر البندقية» هي دون شكٍّ روابطُ عرضية (لا سيما بالنظر إلى أن مسرحية شكسبير وقصيدة لانير تفصِل بينهما فترةٌ زمنية قد تصِل إلى عَقدٍ كامل من الزمن). رغم ذلك تظلُّ تلك الروابط مُثيرة للاهتمام. إنَّ حقيقة أنه كان يُوجد في لندن امرأةٌ شاعرة موسيقية موهوبة، من أصولٍ يهودية من البندقية كَتبَت عن طبيعة الرحمة المسيحية في مَقَام آلام المسيح ومَوته يزيد من تعقيد الأفكار التي لَدَينا سواء بشأن نُدرة اليهود في إنجلترا أو بشأن الحدود الفاصلة بين الهُويات الدينية. ولا يُوجد دليلٌ على أن لانير دَخلَت في علاقةٍ غيرِ شرعية مع شكسبير على الإطلاق، ولا على أن تأدية مسرحيات شكسبير بالبلاط أدَّى به إلى الالتقاء بها هناك مُطلقًا. إن قَدْرَها فيما يتَّصِل به يتمثل في وجودها في تلك الدوائر في حدِّ ذاته. لا يُمكننا أن نقول إن شكسبير عرف لانير ولكن نظرًا إلى اتِّساع صلاتها الأرستقراطية وكذلك الفنية، ونظرًا لما نعرفه عنها وعن عائلتها، يُمكننا أن نقول إنه من المُستبعَد أن شكسبير لم يُصادف يهودًا، من الذكور والإناث على حدٍّ سواء، في لندن.43

يُولي شكسبير أهميةً كبيرة في المسرحية لابنة شَيلوك؛ جيسيكا، التي تُعَد، على الأقل من منظورنا المُتشكِّل فيما بعد الهولوكوست، واحدةً من أقلِّ الشخصيات إثارةً للتعاطُف في أعمال شكسبير، والتي أُغرِمَت بحبِّ المسيحي لورِنزو. كانت القصص القصيرة المُسمَّاة «إل نوفيلينو» (١٤٧٦) المنسوبة إلى ماسوشيو سالرنيتانو المصدر الذي استقى منه شكسبير هذا الجُزء من القصة، مع أن الشخصية الموازية لجيسيكا في قصص سالرنيتانو لا تعدو أن تكون ابنةَ رجلٍ بخيل، لا ابنة يهودي. تقول جيسيكا للانسيلوت جوبو؛ خادم والدها، الذي يلوذُ هو نفسه بالفِرار من المنزل: «منزلنا جحيمٌ» (الفصل الثاني، المشهد الثالث، السطر ٢)، لكن ما تقصِده مُبْهَم. ربما تقصد ببساطة أنها ظروفٌ معيشية تعيسة تعاسةً شديدة، أو بدلًا من ذلك «نظرًا» لأنه بيت يهودي تُمارَس فيه الطقوس والشعائر اليهودية، فإنه ملعون؛ أو قد يكون الأمر مزيجًا من هذا المعنى وذاك. وحينما تهرُب جيسيكا، تأخُذ معها صُررًا من الذهب ونفائسَ أخرى. ونعرف بعد ذلك أنها بدَّدت عن عمدٍ هذه الثروة بطريقةٍ تنطوي على بذخٍ فاحش، ويبدو أنَّ مَسلكها يَنِمُّ عن شكلٍ من أشكال الانتقام من والدها: «سمِعتُ أنَّ كريمتكَ أَنفقَت ثمانين دوقيةً في ليلةٍ واحدة بجنوا» (الفصل الثالث، المشهد الأول، السطران ٩٨-٩٩).

لم يكن شكسبير وحده مَن أَبرَز شخصية المرأة اليهودية؛ فتعرِض مسرحية كريستوفر مارلو «يهودي مالطا» قصَّةَ يهودي وابنته الجميلة. شخصية كريستوفر مارلو المحورية؛ باراباس، عبارة عن صورةٍ كاريكاتورية ليهودي رُسِمَت من منظورٍ مُعاد بفجاجة للسامية. مُجدَّدًا تصاعَدَت بشدَّة المُعاداة للسامية في عام ١٥٩٤ عندما اتُّهِم الطبيب الخاص بالملكة إليزابيث، اليهودي البرتغالي رودريجو لوبيز، الذي كان يعيش في لندن منذ عام ١٥٥٩، بتسميم مَرضاه وبتدبير مؤامرةٍ تستهدِف حياة الملكة. ومِمَّا يُعَقِّد الهوية الدِّينية للرجل حقيقة كونه عُمِّد قسرًا في البرتغال. وقد وُلِدَت زوجته؛ سارة، في إنجلترا، وهي ابنة دنستان أنِس، وهو «مُوَرِّد وتاجر» يهودي كان عضوًا في شركة جروسارز النقابية الخاصَّة بمهنة البقالة ومواطنًا لندنيًّا. كان لوبيز، شأنه في ذلك شأن والد سارة أيضًا، يُمارس طقوس الديانة اليهودية سرًّا، وعند مُحاكمته، سِيقت مسألة اعتناقه سرًّا للدِّيانة اليهودية باعتبارها دليلًا على جُرْمه. تَعرَّض لوبيز للجرِّ بالخيول ثُمَّ الشَّنْق ثم تقطيع الأوصال إلى أربعة أجزاء في قرية تايبيرن في السابع من يونيو، سنة ١٥٩٤ أمام حشدٍ اتَّسَم بالتهكُّم والعدائية. في أعقاب قضية لوبيز، قُدِّمَت مسرحية «يهودي مالطا» خمس عشرة مرةً في مسارحَ مُكتظَّة بالجمهور، على الرغم من أنها كانت في ذلك الوقت مسرحيةً قديمة.

على الرغم من أنَّ اليهود كانوا قد نُفوا من إنجلترا في عام ١٢٩٠ ولم يُعَد قَبول عودتهم رسميًّا حتى فترة خلو العرش، فقد كان لا يزال يُوجَد كنيسٌ يهودي في لندن، وكان هناك زُوَّارٌ يهود وحتى بعض المُهاجرِين يتعبَّدون هناك. كان يُوجَد أيضًا يهود تحوَّلوا إلى المسيحية؛ إذ كان هذا شرطًا للإقامة في إنجلترا، التي كان اعتناق اليهودية فيها يُعَدُّ جناية. وفي حين أن البعض قد يكون تحوَّل بالفعل تحوُّلًا غيرَ مُصطنَع، فإنَّ ثَمَّةَ نسبةً يُرجَّح أنها كانت من اليهود المُستترِين، أو بعبارةٍ أخرى، اليهود الذين قدَّموا أنفسهم على أنهم مسيحيون وامتثلوا ظاهريًّا للكنيسة الرسمية من أجل البقاء على قَيد الحياة والعمل في إنجلترا. مما لا شكَّ فيه أن بعض اليهود اعتنقوا المسيحية اعتناقًا مُخلصًا من صميم قلوبهم. ومع ذلك فإنَّ المُتحولِين دينيًّا كانوا دومًا مَوضع شك، أيًّا كانت ميولهم الرُّوحية الحقيقية. كان أساس مسألة مُعاداة السامية برمَّتِها قائمًا على إيمان المسيحيِّين بأنَّ اليهود قد قتَلوا المسيح. ظلَّ هذا الاعتقاد الراسخ قائمًا رغم كونه مُناقضًا لعِلم اللاهوت الذي رأى أنَّ كلَّ البشر، بسبب طبيعتهم الآثِمة، قد شاركوا في مَوت المسيح على الصليب، وأضِف إلى ذلك أنه لو لم يكُن قد مات، لَما كان ثَمَّةَ خلاص؛ وبناءً على ذلك فإنَّ كراهية المسيحيِّين لليهود لم يكن لها أساسٌ حتى عند التطبيق المُتشدِّد للمنطق العقائدي.

يعرض شكسبير مسرحية «تاجر البندقية» على خشبة المسرح وسط مشاعر الكراهية الدِّينية والعُنصرية التي كانت مُنتشرة في لندن الإليزابيثية. إن باسانيو المُبذِّر، المَدين بالفعل لأنطونيو، حريصٌ على تحقيق مكاسبَ ماديةٍ بالزواج من بورشيا؛ فهي «سيدة ورِثَت ثروةً طائلة» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطر ١٦١)، والحاجة إلى اقتراض مبلغ، يُعادل ثلاثة آلاف دوقية، ليستثمِرَه في مُغامرة الزواج هذه هي ما يقوده إلى أن يطلُب من أنطونيو هذا القرْض الإضافي. ولمَّا كانت استثمارات الأخير كلها في البحر، فإنه كان مُجبرًا على أن يطلُب المال من عَدُوِّه البغيض، شيلوك. يُوافِق شيلوك، لكن شروط العقد بينَهُ وبين أنطونيو ليست مالية؛ فهو لم يطلُب أيَّ فوائد ولكن طلَبَ رطلًا من «لحمه الطازج» (الفصل الأول، المشهد الثالث، السطر ١٤٦). والغرَض من هذا الأمر أن يُستخْدَم بمنزلةِ ضمانة، في حالة ما إذا تخلَّف أنطونيو عن سداد الدين وهو أمر يبدو من غير المُرجَّح. يُفلِح باسانيو في تودُّده لبورشيا في قصر بلمونت، بعد أن اجتاز اختبارًا وضعَهُ والدها الراحل حيث يتعيَّن على الخُطَّاب أن يختاروا صندوقًا من ثلاثة صناديق. عندما يختار أميرُ مراكش الأَسوَدُ البشرة الصندوق الذهبي، تُفصِح بورشيا عن ارتياحٍ يفضح بعضًا من مشاعر البُغض العُنصرية الأخرى لدى هذا المجتمع: «يا ليتَ كلَّ من بِلَونه يختار كاختياره» (الفصل الثاني، المشهد السابع، السطر ٧٩). يُحْسِن باسانيو باختيار الصندوق المصنوع من الرصاص الذي يحوي صُورتها، والذي يحمل نقشًا مكتوبًا يقول: «من يختارني لا بدَّ أن يُعْطي ويُخاطر بكلِّ ما يملِك» (الفصل الثاني، المشهد السابع، السطر ١٦). ولكن، هل حقًّا باسانيو هو من يُخاطر بكلِّ شيء، أم إنه يُبدِّد أموال الغير فحسْب؟ يبدو اختيار باسانيو غير مدفوعٍ بالجشع، وإنما هو يُلِحُّ على أنطونيو أنْ يُعطِيَه المال بمنطق المُقامر بأنه هذه المرة سوف يرقُب استثمارَه «مُراقبةً أكثر حصافة» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطر ١٤٢):
في أيام دراستي، عندما كنتُ أَفقد سهمًا،
كنت أُطلِق آخر في نفس الاتجاه،
وبنفس الطريقة، وأرقُبه مُراقبةً أكثرَ حصافة،
حتى يقَع ناظري على الأول وأعثُر عليه، وبالمُخاطرة بالثاني بعد الأول،
كثيرًا ما كنتُ أهتدي إلى الاثنَين …
(الفصل الأول، المشهد الأول، الأسطر ١٤٠–١٤٤)
مُنكِر لِذاتِه لأن يتحمَّل مُخاطرةً مالية وتضحيةً شخصية من أجل باسانيو، ولكنَّهُ أيضًا معادٍ بنحوٍ مُتطرِّفٍ للسامية:
يا أيُّها السنيور أنطونيو!
لطالما قابلتَني في بورصة الريالتو،
وطالما سخِرتَ بي ولُمتَني على الربا،
وطالما احتملتُ ذلك صابرًا،
فالاحتمال طبْع هذه العشيرة!
كم قُلتَ إني كافرٌ وسفاحٌ وكلب!
وكم بَصقتَ فوق جُوخ سُترتي
لأخْذِ رِبْح من حلال ثروتي!
(الفصل الأول، المشهد الثالث، الأسطر ١٠٢–١٠٩)
إن شيلوك مُرابٍ. ومع أن مزاولة المُراباة كانت مُحرمةً رسميًّا من قِبَل العقيدة المسيحية، فقد كانت، رغْم ذلك، مُنتشِرةً، وكان مُعدَّل الفائدة في إنجلترا الإليزابيثية عشرة بالمائة. اعتُبِرَت «المُراباة المُحرَّمة»، كما يدعوها شكسبير في «السونيتات» (السونيتة ٦، البيت ٥)، بمنزلة «تكثير» للمال؛ بمعنى استخدام المال لتوليد المزيد من المال؛ وهذه، في الواقِع، هي واحدة من الآليات الرئيسية التي ترتكز عليها الرأسمالية. هذه لا محالة هي الكيفية التي يُدْرِك بها أنطونيو مسألة المُراباة: «نسلًا من معدنٍ عقيمٍ ربحًا وربًا من قرضٍ أعطاه صديقًا؟» (الفصل الأول، المشهد الثالث، السطر ١٢٩). وفي حين أن المَسيحيِّين في المسرحية يُدلِّلون على أن ليس لأحدهم صلةٌ بمثل هذه المُمارسات، نجد أنه عندما تُعبِّر بورشيا عن حُبِّها لباسانيو، فإنها هي الأخرى تَستخدِم على وجه التحديد لُغة «الفائدة»:
لو كنتُ أفضلَ سِتِّين مرَّةً ممَّا أنا عليه،
وأَجملَ ألفَ مرة، وأَغنَى عشرةَ آلافِ مرة،
حتى أبلُغ الغاية في تقديركَ لي
بفضل خِلالي وجمالي، وثروتي وعزوتي …
(الفصل الثالث، المشهد الثاني، الأسطر ١٥٣–١٥٧)

هذه اللغة تساعد على بيانِ أن، في الحقيقة، كل الروابط، بما في ذلك الروابط الوجدانية والعاطفية في الظاهر، في البندقية هي بطريقةٍ أو بأخرى، في نهاية المطاف، روابطُ اقتصادية. علاوةً على ذلك، فإنَّ المُعاملات المالية تُوسِّع كثيرًا رابطة العلاقات في المدينة وتعمل على مَحوِ حدود الهويات المُنفصلة. ومن ثَم، فحينما تصِل بورشيا إلى المحكمة وتتظاهر بعدَم قُدراتها على تمييز أنطونيو من شيلوك، فإنَّ الحضور مُجبَرون على عدم الاكتفاء بالنظر إلى وجه التَّشابُه الأساسي فيما بينهم، وإنما أيضًا إلى المستوى الذي يُمكن عنده أن يُدرَك أنه لا يمكن التمييز بينهما: «أيهما التاجر هنا، وأيهما اليهودي؟» (الفصل الرابع، المشهد الأول، السطر ١٧٠). مع ذلك، تستنِد القواعد التي يتَّبِعها أنطونيو عوضًا عن ذلك على الاختلاف المُطلَق بينه وبين شيلوك وعلى التبادُلات بين «الأصدقاء»، وهو مصطلح كان في أوائل العصر الحديث أكثر شمولًا في مدلوله من مدلوله الحديث لدَينا. فلم يكن «الأصدقاء» مُجرَّد أُناسٍ يَأْلَفهم المرء ويُمْضي الوقت معهم؛ بل كانوا عبارة عن شبكةٍ من الرُّفَقاء، مجموعة مُتلاحِمة لها مصالح اقتصادية مُشتركة يسعى المرء لتوطيد الروابط معها — وبخاصة المالية منها — والتي كانت بالفعل راسخة. إن إدراك أنطونيو للصداقة هو ما «يُخَفِّض قيمة الفائدة هنا لدَينا في البندقية» (الفصل الأول، المشهد الثالث، السطران ٤٠-٤١). هذا يعني أنَّ أنطونيو يُلحِق الضَّرَر بعمل شيلوك بإقراضه للمال دون تقاضي فائدة.

عندما يُبرِم شيلوك الاتفاق على ألَّا يتقاضى فائدةً من أنطونيو وإنما أن يتقاضى منه رطلًا من لحمه، نجده يسخَر منه، ويدعوه «عقْدنا المُضحِك» (الفصل الأول، المشهد الثالث، السطر ١٦٩). عند هذه المرحلة من المسرحية ليس واضحًا ما إذا كان لديه دوافعُ شريرة، ولا تُصوِّره المسرحية على أنه ضحيةٌ بريئة للاضطهاد والعنصرية. ومع ذلك فإن شكسبير يُضفي عليه طابعًا إنسانيًّا، وتأثيره على الأحداث يزيد كثيرًا عن وقتِ تواجُدِه على خشبة المسرح؛ فهو يظهر في خمسة مَشاهِد فقط. وأيًّا ما كانت نواياه حينما أبرم العقد مع أنطونيو، فإنه يأخُذ على نفسه عهدًا بالانتقام من كلِّ المسيحيِّين بعدما هَربَت جيسيكا خفيةً مع لورنزو. لم تسرِق جيسيكا مالًا من والِدها فحسْب وإنما أيضًا سَرقَت خاتمًا من الزبرجد كانت أُمُّها الراحلة قد أعطتْهُ لوالدها قبل أن يتزوَّجا، وهو الخاتم الذي بادَلَتْه جيسيكا بقِرد:
قد عَذَّبْتَني يا توبال. لقد كان خاتمي الزبرجدي؛
لقد أعطَتْني إيَّاه ليحا قبل زواجنا.
ولم أكن لأُفرِّط فيه ولو أُعْطيتُ مُقابِلَه ما لا يُحصى من القرود.
(الفصل الثالث، المشهد الأول، الأسطر ١٠٩–١١١)

من الواضح أنَّ الرابطة بين شيلوك وليحا تتجاوز الأمور المادية؛ لقد كانت حقًّا لا تُقدَّر بثمن. وعلى الرغم من أن عويل شيلوك «وا بنتاه! ودوقياتي! وا بنتاه!» (الفصل الثاني، المشهد الثامن، السطر ١٥)، يُلْمِح بأنَّ الاثنتَين مُتساويتان، فإنَّ التناقُض بين الطريقة التي يعتزُّ بها شيلوك بخاتمه باعتباره ذكرى غاليةً من زوجته وبين مَكيدة الخاتم التي يُلْحِقُها شكسبير بمشهد المحكمة هو تناقُضٌ توجيهي. يتخلَّى باسانيو وجراشيانو بسهولة عن خاتمَي زوجتَيهما اللذَين أقسَما على الحفاظ عليهما. الخاتم هو أمرٌ رمزي، ويُوحي — أو في الواقع يُعَرِّف في حالة «الشِّعر» المنقوش على الخاتم الذي تُعطيه نيريسا لجراشيانو، الذي يقول «أحبِّيني، ولا تَترُكني» (الفصل الخامس، المشهد الأول، السطر ١٥٠) — بنهاية حلقةٍ من التبادُل، وهي نهاية لا تتوافَقُ حتى مع مُعاملات السوق المُتزايدة، والمُختلطة.

عندما تهرُب جيسيكا مع مسيحي، نجدها تنتهِزُ الفرصة بابتهاجٍ لِتسرق والدها وتُبدِّد ثروته. لا يُهيِّئه هذا لأن يكون مُتفهِّمًا عندما تفشل سُفن أنطونيو في العودة. وعندما لا يستطيع أنطونيو أن يُسدِّد القرض، يُطالب شيلوك برطلٍ من لحمِه حسب اتفاقهما. في هذا الموضع، يُكرِّر شيلوك دور بطريرك العهد القديم، إبراهيم، الذي تُوضَع طاعته للرب مَوضع الاختبار عندما يُطلَب منه أن يذبح إسحاق. ويتدخَّل ملاكٌ لإنقاذ الصبي، بعدما يرى استعداد إبراهيم للالتزام حتى بأكثر الأوامر الإلهية صعوبةً للاستيعاب. يرتبِط شيلوك أيضًا بالمُمارسة اليهودية لطقوس الختان، التي اعتقد المسيحيون أنها شكَّلَت نزعةً عُنصرية نحوَ الاستخدام الإجرامي لِلسكِّين. يكاد أنطونيو أن يُلاقي حتْفه لولا تدخُّل بورشيا، التي تظهر في قاعة المحكمة مُتنكِّرة في هيئة محامٍ شابٍّ موهوب، بحضور تابِعتِها نيريسا، التي تنتحِل شخصية كاتب المحامي التابع لبورشيا. يحقُّ لشيلوك أن يأخُذ رطل اللَّحم الخاص به من أنطونيو، لكن دون قطرة دمٍ واحدة لأنَّ ذلك لم يكُن مذكورًا في الاتفاق.44

حسب قول القديس بولس، فإن الناموس القديم للعهد القديم مهَّد السبيل لتدبير الرحمة الجديد في العهد الجديد، ومهَّد نصُّ الناموس سبيلًا إلى رُوحه. وبينما يُشار تَكرارًا إلى هذا التحوُّل في المسرحية، فإنَّ المسيحيِّين مع ذلك يُصوَّرون على أنهم قُساةٌ وعديمو الرحمة، حتى حين يَستخدمون خطاب الرحمة. يُبرهِن شيلوك، من جهته، على عدم تأثُّره بفِكرة الرحمة نفسها، مهما كانت بلاغة التعبير عنها. وليس ثَمَّةَ قيمةٌ مادية تُعادِل سُخطه من تعرُّضه للتحقير من قِبَل المسيحيِّين ورغبته في تحقيق العدالة؛ فعندما يرفُض عرض بورشيا بأن تدفع له ثلاثة أضعاف المبلغ لتُخَلِّص أنطونيو، فمن الواضح أنَّ دوافعه، أيًّا ما كانت، إجراميةً كانت أو شريرة، ليست مالية. فهو لا يُظهِر الرحمة ولا يتلقَّاها. وحينما، في نهاية المسرحية، تصِل سُفن أنطونيو، تُخفَّف عقوبة إعدام شيلوك إلى إفقاره؛ إذ تُصادَر أملاكُه وأمواله كلها. لا يستحقُّ شيلوك إلا نَزرًا يسيرًا من الرحمة؛ وهي حقيقة تَستطيبها الشخصيات الرئيسية في المسرحية. وفضلًا عمَّا سبق، إنه يُحرَم من ديانتِه، ويُجبَر تحت إكراهٍ شديد أن يفعل ما فَعلَتْه ابنته مُختارةً، وهو أن يتحوَّل إلى المسيحية.

بِغَضِّ النظر عن القصَّة التي ابتدَعَها شكسبير للمسرح، ظلَّ هناك تجَّارٌ يهود إنجليز، مثل عائلة أنِس التي صاهرها دكتور لوبيز، بالإضافة إلى فنانِين وموسيقيِّين مثل عائلة باسانو. استمرَّ اليهود في مُزاولة أعمالهم ومُمارسة فنونهم الإبداعية، وغالبًا ما كان ذلك بنجاحٍ كبير، ولعلَّ ذلك يرجِع إلى أنه في لندن في أوائل العصر الحديث كان يُوجَد ثَمَّةَ شعور بوجوب وجود علاقاتٍ اقتصادية وثقافية مُتبادَلة بين الجميع. وبالفعل، في عام ١٦٠١ نجد ويليام، نجل دنستان أنِس، مثل شيلوك ولكن في عصرٍ مُتأخِّر، يدخُل في اتِّفاق أمام المحكمة العُليا البحرية قيمتُه ثلاثة آلاف جينه لتمكين مجموعة من تُجَّار أمستردام اليهود البرتغاليِّين من استعادة بضائعهم من ستِّ سُفن من مدينة إمدن أُخِذَت غنيمة في سُفن الملكة.45 كان هذا هو الواقع الاقتصادي الجديد في لندن؛ حيث، كما هو الحال في بندقية شكسبير، «مدينة قِوام ثروتها تجارتُها مع الأُمَم الأخرى» (الفصل الثالث، المشهد الثالث، السطران ٣٠-٣١).

•••

نُشِرَت مسرحية «تاجر البندقية» لأول مرة في طبعة بقَطْع الرُّبْع في عام ١٦٠٠ على يد تاجر الكُتب توماس هايز، وظَهرَت في عام ١٦١٩ مع تِسع مسرحياتٍ أخرى طُبِعَت بواسطة ويليام جاجارد ومُجدَّدًا في «المطوية الأولى» في عام ١٦٢٣.

ضجةٌ كبيرة حول لا شيء (أو جعجعة بلا طحْن)

إن عبارة: «إنَّ العُذريات هذه … تُماثِل العدَم والعدَم يُماثِلها.»46 تُمثِّل عبارةً ساخرة من أواخر القرن السابع عشر. تدلُّ الكلمة المِفتاحية في عنوان مسرحية شكسبير المُلْغَز «لا شيء nothing» على المشاكل المادية والمعرفية التي تُحيط بفكرة «العدم»، بالإضافة إلى مُعادلة تلك الفكرة في ثقافة أوائل العصر الحديث بالعُذرية الأُنثوِيَّة. العُذرية، التي تُكافئ «العدم أو اللاشيء»، هي بؤرة الحبكة الرئيسية؛ حيث يَتَّهِم كلاوديو زورًا وعلانيةً هيرو بعدم العِفَّة، في الوقت الذي كانا فيه على وشك الزواج؛ إذ يدَّعي خيانتها، ليس مع رجلٍ واحد فحسب وإنما مع كثيرِين، وأنها انخَرطَت في هذه الخيانة حتى في ليلة عُرسهما ذاتها. وما إن تسمع هيرو باتهام كلاوديو حتى تسقُط من فورها في غَشْيةٍ ويُظَنُّ أنها ماتت. تغدو اتهامات كلاوديو لهيرو قابلةً للتصديق ليس فقط عن طريق دليل لفَّقَه الشرير دون جون، أخو السِّفاح غير الشقيق لدون بيدرو أمير أرجون، وإنما أيضًا بسبب هشاشة شرَف الأُنثى نفسه. فشرَف الذَّكر، أو «الرجولة»، يُمكن إثباته عن طريق البسالة في المعركة والفِعال النبيلة الأخرى، بيْد أن شرَف الأُنثى، بسبب أنه يتألَّف بِرُمَّتِهِ من الاستقامة الجنسية، فلا يمكن إثباته بسهولة. فالعُذْرية (غشاء البكارة) «تُماثِل العدم»، فيما يتعلَّق بكونها أمرًا رمزيًّا أكثر من كونها سمةً جسدية يسهُل تمييزها. ولأن العُذْرية كانت «عدمًا» حقيقيًّا، أو ماديًّا أو موضوعيًّا، فقد كانت، إنْ شِئنا أن نصوغ الأمر بلغةٍ نظرية أكثر، بصورةٍ أساسية رمزًا دونما مَرجِع. وعلى الرغم من مشكلات التحقُّق والتثَبُّت المُلازِمة لاستخدام فضِّ غشاءِ البكارة كدليلٍ على البتولية، ظلَّ، مع ذلك، وَهْم ثقافة الاستقامة الجسدية موجودًا.
إنَّ عبارة «ضجَّةٌ كبيرة حول لا شيء.» كانت أيضًا تعبيرًا يُضرَب به المثل قُصِد منه، آنذاك كما هي الحال الآن، وجود جلبةٍ كثيرة حول شأنٍ تافِه. في هذه المسرحية، يستكشف شكسبير مَخاطر هشاشة الشرَف الأُنثوي على النساء ويستكشِف المضمون الثقافي والقانوني لعِفَّتِهن. كذلك فإنَّ كلمة nothing كانت تُمثِّل جناسًا مع كلمة noting (المُراقبة)؛ بمعنى التسجيل والملاحظة المُدقِّقَين، ونجد شخصياتٍ عديدة في المسرحية تختلس السمع أو تُراقب أحداثًا حاسمة، التي هي بمنزلة قُوًى دافعةٍ مُهمَّة للحبكة، بيْد أن الهدف الأساسي لهذه الملاحظات، في الأغلب الأعم، هو «عدم» هيرو. وهكذا فإنَّ كشف كَيد دون جون يعمل على إثباتِ عفَّة هيرو باعتبارها حقيقةً راسِخة. يستخدِم شكسبير «العدَم» أكثر من مرَّة فيما يتَّصِل بهذا المعنى الماجن؛ وهو الأعضاء الجنسية الأنثوية. يتهكَّم هاملت ببراعةٍ على أوفيليا فيما يتعلق ﺑ «العدم» الذي يقَع بين أرجُل الصبايا:
هاملِت : سيدتي، هل أضعُ رأسي في حِجرك؟
أوفيليا : كلا يا مولاي.
هاملت : أتَظنِّين أني قصدتُ مُضاجعةً كفِعال القرويِّين country matters؟
أوفيليا : لا شيء دار بخَلَدي يا مولاي.
هاملت : ما أَجملَه من تصوُّر أن ينام المرء بين أرجُل الغِيد!
(الفصل الثالث، المشهد الثاني، الأسطر ١٠٩–١١٥)47
يُوحي تلاعُب هاملت الجناسي في كلمِتَي cunt (مهبل) وcountry (قروي) أيضًا بعالمٍ ريفي رعوي، يختلف كثيرًا عن مدينة إلسينور، التي لم يتعرَّض فيها الجنس للتشويه بالكلية. في مُخيِّلة القرويِّين، على الأقل (على الرغم من أنَّ الأمر ليس كذلك في الواقع الاجتماعي للحياة الريفية)، أنَّ الجنس يحمل بالًا، ومآلًا، أقلَّ منه في البلاط الأرستقراطي؛ حيث يعتمد الزواج الأرستقراطي، كما هو شأنه في مدينة مسينا في مسرحية «ضجةٌ كبيرة حول لا شيء»، على الشَّرَف الأنثوي. وفي عالمٍ لا بُدَّ فيه من نقل الممتلكات والنفوذ إلى نسلٍ شرعي فقط؛ فإنَّ «العدم/اللاشيء» الأنثوي يستحوِذ على أهميةٍ تجريدية هائلة. في مسرحية «الملك لير»، عبارة كورديليا «لا شيء يا مولاي» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطر ٨٧) ردًّا على مُطالبة والدها إيَّاها بأن تُحدِّد مقدار حُبِّها له، هي عبارةٌ مُجرَّدة من التورية.48 فكلمة «لا شيء» على لسان كورديليا تنِمُّ عن المدلول الفلسفي ﻟ «اللاشيء» وهو أنه فارغ فراغًا مُطلقًا وتفعل ذلك في مُواجهة ادِّعاء لير المُضلِّل بأنَّ «لا شيء من لا شيء» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطر ٩٠). ومُجدَّدًا، في مسرحية «حلم ليلة مُنتصَف صيف»، airy nothing (اللاشيء اللا مُدْرَك) هو جوهر الإبداع الأدبي على وجه التحديد: «فقلَم الشاعر … يمنح اللاشيء اللا مُدْرَك وجودًا وهوية» (الفصل الخامس، المشهد الأول، السطران ١٥-١٦).49 هذه الصورة تُحاكي المفاهيم السائدة عن التكاثُر البيولوجي، وتحديدًا أن الرجال (كما في عبارة «قلم الشاعر» أو كلمة «الشيء»، والذي نقيضه «اللاشيء»، اللَّذَين يرمزان إلى القضيب الذكري) استحدثوا حياةً جديدة من «اللاشيء اللَّامُدرَك»، بينما كان الرَّحِم مُجرَّد وعاءٍ سلبي. «اللاشيء» هنا يُشير أيضًا إلى كلِّ ما يتجاوز وكلِّ ما يسبِق القُدرات الدلالية للُّغة ذاتها. بيد أن ما تعمل هذه الدلالة الكبرى على تحقيقه ليس فصل المعنى الإباحي من المعنى العميق لمفهوم «اللاشيء»، وإنما بالأحرى منح الجنسانية الأنثوية ثِقلًا غير مُتناه؛ وهو اللاشيء اللَّامُتناهي. هذا، إذن، التناقُض المُعقَّد ثقافيًّا ﻟ «اللاشيء» الذي يُلمِح إليه اسم مسرحية شكسبير الذي يبدو بسيطًا.
تحتوي الأغنية التي غنَّاها بلتازار في مسرحية «ضجَّةٌ كبيرة حول لا شيء» على اللازمة الموسيقية Hey nonny, nonny (هاي نوني نوني)، التي تُعْتَبَر تنويعًا دارجًا على كلمة nothing (اللَّاشيء) المُعادلة للأعضاء الجنسية الأنثوية:
أيَّتُها الغيد اكفُفنَ عن التأوُّه والتنهُّد؛
فدَيدن الرجال، الخِداع والضلال؛
قدَم لهم في البحر، وقدَم في البر،
ولا نبات عندَهم إلى آخر الدَّهر.
حسبُكن تحسُّرًا وتنهُّدًا، واتركْنَهم وشأنهم،
وابتغِين لهوًا ومرَحًا
وانثَنِين عن أناشيد الحُزن،
إلى أغاني الأفراح، والطرَب وأنشِدْنَ: هاي نوني نوني.
(الفصل الثاني، المشهد الثالث، الأسطر ٦٢–٦٩)50 [ترجمة عباس حافظ، وهي الترجمة التي اعتمَدْنا عليها على نحوٍ أساسي في ترجمة الاقتباسات من المسرحية في هذا القسم، وإن كان ببعض التصرُّف اليسير في بعض المواضع]
تطرَح القصيدة الغنائية فكرةً مُضادَّة في مواجهة الفكرة السائدة القائلة بأنَّ النساء هنَّ محلُّ الشك جنسيًّا، ولكنَّها أيضًا تستنِد مُجدَّدًا إلى الموضوع الرئيسي لاسم المسرحية. كانت عبارة «كلمات «نوني» هذه التي تُذْكَر بالفُحش القذِر من القول»، كما ارتأى أحد المُعلِّقِين المُعارِضِين، تُشير إلى ما سمَّاه العالم اللغوي جون فلوريو «فتحة المُتعة الخاصَّة بالنساء، أو فرْج المرأة، أو قصر المُتعة.» أورد مُراقبٌ آخر مُلاحظةً مفادُها أنَّ السيدات تعلَّمنَ أن يرقصْنَ رقصة لافولتا، التي كانت تتضمَّن حركة وثْب، والتي أحيانًا ما كانت تغدو «عاليةً جدًّا، لدرجة أنك يُمْكِن أن ترى فروجهن.»51 وفي حين أن الأعضاء الجنسية الأنثوية، حسب هذه الرواية، كان يمكن أحيانًا أن تُرى في أماكنَ عامَّة، فإن مُعضلة العفَّة كانت أنها لا يمكن تمييزها بصريًّا. قد يَنِمُّ مظهر هيرو الخارجي الجميل عن براءتها، هكذا يرى منطق كلاوديو، ولكنها مع ذلك مُذنبة.
وأنتم يا من تنظرون إليها،
ألا تُقسِمون إنها لعذراء،
حين ترَون هذه المظاهر الخارجية؟ ولكنها ليست كذلك.
(الفصل الرابع، المشهد الأول، الأسطر ٣٧–٣٩)
كان هذا بالضبط هو المنطق الذي أباح «الكشف عن العُذرية» أو الفحص الجائر لأجساد النساء المَشكوك في ارتكابهنَّ البغاء في لندن أوائل العصر الحديث. تُظهِر الأغلبية الساحِقة من السجلَّات التي ما زالت موجودةً أنَّ النساء اللواتي كانت عِفَّتهنَّ مَوضع شكٍّ كُنَّ يتعرَّضنَ للقبض عليهن، وفحصِهن، وتوجيه الاتِّهام إليهن. وفي حالاتٍ نادِرة فقط تُبرِّئ السجلَّات امرأةً كانت، مِثل آن بروك، مسجونةً في سجن برايدويل سنة ١٦٠٤ على جُرمٍ أَصرَّت على أنه تهمةٌ باطلة. كان دفاعها أنها «عذراء وأنها عاشت باستقامةٍ دَومًا لغايةِ الآنَ.» وهو ادِّعاءٌ دَعمَتْهُ، على غير المعتاد، القيِّمةُ على السجن.52 وفي عالم المسرح الخيالي، تُتيح مسرحية شكسبير الكوميدية لهيرو براءةً مُشابهة وغير مُتوقَّعة الحدوث بنفس القدْر.
في نهاية المسرحية، عندما يُسَلِّم كلاوديو بأنه ظَلَم هيرو وأنه يجب عليه، تكفيرًا عما اقترف، أن يتزوَّج امرأةً يوافق على «ألا يرى» وجهها إلى ما بعد إتمام طقوس الزواج، يُوافِق على أن يتزوَّج عروسه حتى وإن تبيَّن أنها «حبشية» (الفصل الخامس، المشهد الرابع، السطر ٣٨). وبحُكم مَيل تلك الحقبة إلى مُعادلة البشرة السوداء بالفساد الأخلاقي، فإنَّ التلميح هنا هو إلى أنَّ كلاوديو النادم بشدَّة قد تعلَّم درسه وأنه ليس مُستعدًّا للزواج من امرأة لا يَروق له مظهرها فحسْب ولكن ربما حتى من امرأةٍ مشكوك في عُذريتها؛ امرأة قد تكون بالفعل على الحال التي اتَّهَم بها هيرو بغير وجه حق؛ أي أنْ تكون «امرأةً آثمةً ثبَتَ الجُرم عليها» (الفصل الرابع، المشهد الأول، السطر ٤٤). ومع ذلك فإنَّ اللغة التي يستخدمها كلاوديو، ما إن يتكشَّف له أن عروسه الغامضة هي هيرو، في واقعة زواجه الثانية هذه حتى تُقوَّض هذه الفكرة:
أواه، يا هيرو المُحبَّبة، إن صورتك لتبدو الساعة
في تلك المعالم النادِرة التي أحببتُها أول مرة.
(الفصل الخامس، المشهد الأول، السطران ٢٤٣-٢٤٤)
تُردِّد اللغة بدقَّة صدى اتِّهامه لهيرو في عرسهما: «لا تملك من شرفِها غير أماراته ومظهره» (الفصل الرابع، المشهد الأول، السطر ٣٣). بعبارةٍ أخرى، يظلُّ حبُّ كلاوديو سطحيًّا ومُنشغلًا بالمظاهر. قد يتذكَّر الجمهور أنَّ نِيَّة كلاوديو في الزواج من هيرو استتبَعَتْ أولًا وقبل كلِّ شيءٍ تحرياتٍ سريةً عن قِيمتها المالِيَّة، عندما حاول أن يكتشِف ما إذا كانت الوريثة الوحيدة لأبيها. كَذَلك، لم يتولَّ كلاوديو بنفسه أمر خطْبِ ودِّها وإنما جعل دون بيدرو المُقَنَّع يقوم بالأمر من أجله. وهو أيضًا باعترافه شخصيًّا شخصٌ مُتبلِّد المشاعر نوعًا ما. وعندما يُحاول ليوناتو والد هيرو أن يجد تفسيرًا عقلانيًّا للاتهاماتِ الموُجَّهة إلى ابنته في يوم عرسها، يُفترَض أنه لا بُدَّ وأن يكون كلاوديو هو من أغوى هيرو، وأنها بصدَدِ اتهامها بممارسة الجنس قبل الزواج، الأمر الذي من شأنه من وجهة نظر ليوناتو أن «يُخفِّف من إثم الاستباق» (الفصل الرابع، المشهد الأول، السطر ٥٠). ومع ذلك فإنَّ كلاوديو يُسارع إلى استبعاد هذا الاحتمال وينفي نفيًا قاطعًا أن يكون قد أظهر أي مشاعرَ جنسية نحوها على الإطلاق: «بل رحتُ كأخٍ لأُخته أُبدي لها الإخلاص الحيَّ والحبَّ النقي» (الفصل الرابع، المشهد الأول، السطران ٥٣-٥٤). وبما أن التودُّد على وجه التحديد «ليس» شكلًا من أشكال الأُخوَّة، فلا مفرَّ من وجود شيءٍ مُتعلِّق بسِفاح المحارم في اللغة المُرتبِكة التي يستخدمها كلاوديو لنفي أيِّ شغفٍ جنسي بالمرأة التي كان مخطوبًا لها. إن كلمة semblance (مظهر) التي يَستخدِمها كلاوديو فيما يتعلَّق بهيرو تُوحي هي الأخرى بلَباقة رجال البلاط، المَهارات الجمالية والدبلوماسية لرجل البلاط التي حدَّدها بالداساري كاستيليوني في كتابه «رجل البلاط»، الذي ترجمه إلى الإنجليزية السير توماس هوبي في عام ١٥٦١؛ فعندما يَتودَّد دون بيدرو إلى هيرو وعندما يتحايَل أصدقاؤهما على بياتريس وبنديكت إلى أن يعترِفا بِحبِّهما أحدهما للآخر، فإنَّ هذه الحِيَل هي عبارةٌ عن مُخادَعات وحِيَلٍ حميدة لطيفة؛ كالأكاذيب البيضاء. الوجه الآخر للتمثيلية المُصطنَعة، مِثل الموقف الدرامي القصير الذي يُؤدَّى أمام نافذة هيرو، هو أنها تمتلك المقدِرة على الخداع والتمويه. إن شكسبير عند هذه المرحلة بصدَد سَبْر غَور معضلة التجسيد المُتأصِّلة في الوسط المسرحي الذي يَستخدِمه.
في الأساس، تطرح المسرحية بالفعل مُعضلة الحقيقة؛ الحقيقة بشأن الناس وحقيقة الصور الذهنية؛ الحقيقة من الناحية التقديرية؛ ففي سيناريو يعكس بإحكامٍ الغدْر الأصلي المُتمثِّل في جعل كلاوديو ودون جون يستمِعان خلسةً لأكاذيبَ منظَّمة، فإن الشخصيات الكوميدية المُبهَمة — الشرطي دوجبري، ودوريته — تصِل على نحوٍ أقربَ ما يكون إلى أي شخصٍ في المسرحية إلى إدراك الحقيقة. يستمع هؤلاء الخُرْق عرضًا إلى الحقيقة عندما يتصادَف استماعهم لمُحادثةٍ بين الشرِّيرَين. إن أسلوب شكسبير الساخر فيما يتعلق بالدورية لهو مأخوذ مباشرةً من الحياة، التي تَحمَّل فيها أناسٌ مُعْوِزون، عادةً ما يكونون مُعتلِّي الصحة وذوي بنيةٍ جسدية ضعيفة، مسئولية حراسة أو عَسِّ الشوارع طوال الليل.53 ولكن على غرار دوجبري، أستاذ ظاهرة إساءة استعمال الألفاظ قبل حتى أن يُصاغ للظاهرة مُصطلح، كثيرًا ما قام هؤلاء الأشخاص غير الواعِدين باعتقالاتٍ وأنفذوا القانون بفاعليةٍ كبيرة.54 إن استيعاب دوجبري وفارجس لمَكيدة دون جون لهو معجزة في حدِّ ذاته؛ إذ يفهمان تَهكُّم بوراشيو عن الزي: «إلى أيِّ حدٍّ يبدو الزيُّ لصًّا مُشوَّهًا.» على أنه إشارة إلى شخصٍ شرير. «أعرف المُشوَّه هذا؛ لقد كان لصًّا لئيمًا خلال السنوات السبع الماضية، وإن كان يرُوح ويغدو كأنَّهُ السيد المُهذَّب؛ إنني أتذكر اسمه» (الفصل الثالث، المشهد الثالث، الأسطر ١٢٢–١٢٤). مرةً أخرى، يُصِرُّ شكسبير على مسألة عرض المشكلات الأخلاقية والعملية في وسطه المسرحي — الجنوح إلى تأويل اللغة لتعني شيئًا لا تقوله. ومع ذلك فإنَّ كلمات دوجبري تَتردَّد أصداؤها في السجل التاريخي لما كان يجري في شوارع لندن؛ فمارثا ماموث، وهي من «عاهرات الليل المعروفات»، قالت لشرطي حاول القبض عليها إنه «رجلُ زي» وعَرضَت عليه أن تذهب معه إلى البيت، على الرغم من أن هذا الشرطي تحديدًا كان معروفًا بقُدرته على مُقاومة التملُّق والإغراء.55

ظاهريًّا، تنتهي المسرحية نهايةً سعيدة بأنَّ كلَّ شيءٍ أصبح على ما يُرام بغض النظر عن سلسلة وقائع سوء الفهم أو سوء التفسير التي تُشكِّل الأحداث. ومع ذلك لا يزال ثَمَّةَ شعورٌ مُتوطِّد بأن كلاوديو كان دومًا على أتمِّ استعدادٍ للاعتقاد في خيانة هيرو، منذ أول لحظةٍ سمع فيها بالاتهام المُلفَّق؛ إذ يُبْقي كلاوديو أثرًا ما في النفس يُوحي بأن الحلَّ الكوميدي المُتعارَف عليه لعُقدة المسرحية لا يُنهي المسألة. كَذَلِك، فإنَّ الإذلال العَلَني جرَّاء قذفِهِ لهيرو كان «يمكن» بالفعل أن يقتُلها: «لقد مزَّقتَ بإفكك قلبَها تمزيقًا.» «لقد ماتت، قتلَتها افتراءات الأوغاد» (الفصل الخامس، المشهد الأول، الأسطر ٦٨-٦٩، و٨٨). لا يُجَنِّب هيرو العارَ والنبذ الاجتماعي اللذَين كانت ستتعرَض لهما إلَّا موتُها الزائف. وفي هذا الشأن، تُنبئ المسرحية بمقتل ديدمونة المُفترَى عليها على يدِ عُطيل، وبالطعن في شرَف هيرميوني في مسرحية «حكاية الشتاء». وتُبْعَث الأخيرة، مِثل هيرو، من موتٍ ظاهري.

تقَع أحداث المسرحية في حِقبةٍ تتَّسِم بالعودة إلى الدِّيار من الحملة العسكرية على دون جون المُتصالِح ظاهريًّا وتُجسِّد تحوُّلًا من القتال إلى الغَزَل حيث تحلُّ المُغازلة، والحب، والزواج محلَّ القتال. ومع ذلك ففي حالة هيرو وكلاوديو تبدأ «حربٌ» جديدة لا تزال مُميتة. إنَّ هذا ليُشكِّل حقًّا ضغطًا على حدود حلِّ العقدة الكوميدي الاعتيادي لدرجة أنَّ هذه الشخصيات لا تُحتوى إلَّا بنحوٍ سيئٍ وغير مُريح داخل ضوابط هذا النوع الأدبي.56

ما يَعمل على تصاعُد المُزاوجة التراجيدية في الأساس للحبكة الرئيسية هو الزوجان الكوميديان في الحبكة الفرعية، بياتريس وبنديكت، اللَّذان لا تُعَلَّق عداوات الحرب بينهما بقَدْر ما تتحوَّل إلى المعركة الدائمة بين الجنسَين. إن بياتريس وبنديكت هما شريكان مُتناحِران في لُعبة الحب، وتعمل المسرحية على إظهار تحفُّظهما وعدائيتهما الظاهرة تجاه بعضهما في صورة عاطفةٍ جنسية تكادُ تكون مكشوفة. تَنْذر بياتريس نفسها للعزوبة لأنَّ الخضوع لزَوج، من بني آدم، مخلوقٍ من طين، هو أمرٌ غير وارد: «ألا يُحزن المرأة أن تُسيطِر عليها كتلةٌ من التراب؟» (الفصل الثاني، المشهد الأول، السطران ٥٦-٥٧). وهي تنقُض، بالطبع، هذا النَّذْر ما إن تتيقَّن من حُبِّ بنديكت الصادق لها: «فإني لَمُنصِفتُكَ، ومُروِّضة قلبي النافِر على لمس راحتك الحانية» (الفصل الثالث، المشهد الأول، السطران ١١١-١١٢). هذه نتيجةٌ تُناسِب الكوميديا لا لشيءٍ إلَّا لأنَّ بياتريس تحتفظ بفاعِليَّتها، وهي التي تُروِّض قلبها، وليس زوجها. إنَّ العبارات المُتبادَلة المُشبَعة بالشهوة بين هذَين العاشقَين مُغلَّفة برُوح العَداء المُتبادَل، وتمتلئ بخِفَّة ظلٍّ مصدرُها «مُناوشة مزاح» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطر ٥٦).

ومع ذلك، عندما تحُثُّ بنديكت وتطلُب منه أن «اقتل كلاوديو» (الفصل الرابع، المشهد الأول، السطر ٢٨٨) بسبب غضبِها حيال الظلم الذي وقَع على قريبتها، فإنَّ هذا لا يُؤدِّي سوى إلى تكثيف المعنى الدالِّ على الغُبن المُفجِع الذي ارتُكِب في حقِّ هيرو. إن سُخط بياتريس على عجْز النساء في مُواجهة مثل هذه الإساءات («ربَّاه، لو أني كنتُ رجُلًا، لأكلتُ قلبه على الملأ أكلًا!» (الفصل الرابع، المشهد الأول، السطران ٣٠٤-٣٠٥)) يُبيِّن أيضًا أنْ لا سبيل لشرَف الأُنثى التي يُطْعَن في عفَّتِها يكفُل لها العدالة، ولا حتى ما يُطلِق عليه فرانسيس بيكون «العدالة البربرية» للثأر؛57 ففي نهاية المطاف، من ينتقِص من هيرو هو الحاكم نفسه، دون بيدرو، الذي يصفها بأنها «عاهرةٌ وضيعة» (الفصل الرابع، المشهد الأول، السطر ٦٥). القلق العميق في ثقافة أوائل العصر الحديث بشأن قضية الأُبوَّة الشرعية جعلت جميع النساء مُرْتابًا في أَمْرِهِن جنسيًّا لأنه لم يكُن باستطاعة الرجال إثبات أنَّ أطفالَهم؛ أي ورَثَتهم، هم بالفعل من أصلابهم. ومِثلما يُصرِّح بنديكت عندما يقطع على نفسه عهدًا بأنْ يحيا حياة العُزُوبِيَّة، «وإذ كنتُ أظلِمُهنَّ بالشكِّ فيهن، فسوف أُنصِف نفسي ولن أثِقَ بأيِّ امرأة» (الفصل الأول، المشهد الأول، الأسطر ٢٢٥–٢٢٧). نوع «الظلم» الذي يتحدَّث عنه هو، بالطبع، بالضبط الذي يقترِفُه كلاوديو بالتشهير العنيف والعَلَني بِهيرو: «لا تُعطِ صديقًا لك هذه البرتقالة العفنة» (الفصل الرابع، المشهد الأول، السطر ٣١). فضلًا عن ذلك فإنَّ اتهامات كلاوديو لها طابع الاتهامات المُوجَّهة في قاعَة المَحكمة تمامًا:
كلاوديو : مَن ذلك الذي كان يتحدَّث إليكِ ليلة أمس؟
تحت نافذتكِ بين الثانية عشرة والواحدة؟

إن كنتِ حقًّا عذراء، فأجيبِي عن هذا السؤال.
هيرو : لم أتحدَّث إلى أي رجلٍ في تلك الساعة يا مولاي.
(الفصل الرابع، المشهد الأول، الأسطر ٨٣–٨٦)

استنادًا إلى الاعتقاد المغلوط بأن هيرو هي من شُوهِدت وهي «تُكلم وغدًا مجرمًا من نافذة مَخدعها» (الفصل الرابع، المشهد الأول، السطر ٩١)، فإنها تُعتبَر مُذنبة. إنَّ المرأة التي كانت تُطِلُّ من النافذة لم تكن، بالطبع، هيرو وإنما وصيفَتها، مارجريت؛ لذلك، أصبحت هيرو، مِثل امرأة سجن برايدويل، في موضع شُبهة بدعوى كونها في المكان الخطأ والزمان الخطأ؛ إذ إنَّ مشاهدة امرأة ليلًا في لندن كانت سببًا وجيهًا للشكِّ في أنها من «عاهرات الليل»؛ أي عاهرة تسعى لِنيل زبائن؛ ومن ثَمَّ فإن توجيه الاتهام إلى هيرو هو بالفعل «ضجةٌ كبيرة حول لا شيء»؛ أي تُهمة مُلفَّقة، واتهام لا أساس له.

لقد تَلقَّى المعنى المُزدوَج لكلمة nothing (العدم/اللاشيء) اهتمامًا نقديًّا أكثر بكثيرٍ من كلمة ado (ضجَّة). ومع ذلك فإن كلمة ado اشتَملَت بقوَّةٍ هي الأخرى على مدلولاتٍ جنسية. على سبيل المِثال، عندما، في ٢٥ أبريل من عام ١٥٣٠، ببلدة سانت آيفز بمقاطعة هانتينجدونشير، زَعمَت جوان مارتين من أتون أنَّ روبرت بلَنْدِل عقد معها عقد زواجٍ غير رسمي قبل أن يتسبَّب في حملها، استُخْدِم لفظ ado للتعبير عن الدخول بها: ««سوف أتزوَّجكِ وإن أنتِ سمحتِ لي، «فسأدخل» بكِ (ado)، وقالت إنَّني بالتأكيد لن أرتبط بأحد إلا أنت.» وعلى ذلك «دخل» بها» (أقواس التنصيص الداخلية من عندي). حُكِم بأن الزَّوجَين مُقترنان بقرانٍ شرعي وأُمِر بعقد مراسم زواجهما قبل شهر أغسطس التالي، وإلَّا صدَر ضدَّهما قرار بالحرِمان الكنسي.58 وفي ١٦٠٩، قُدِّمَت آن إيليف إلى المُحاكمة بداعي مُمارستها البِغاء مع شابٍّ ولكنها «أنكرت بثقةٍ أن يكون قد سبَقَ أن «دَخلَت» (to doe) به أو دخل بها.» (علامات التنصيص الداخلية من عندي).59 وهكذا فقد كان لفظ ado أو to do تعبيرًا عاميًّا دارجًا للدلالة على الاتِّصال الجنسي، وكانت السجلَّات الواردة من سجن برايدويل و«محاكم الفسق» (المحاكم الكنسية التي تعاملَت كثيرًا جدًّا مع حالات سوء السلوك الجنسي) تستخدِمه على نحوٍ مُتكرِّر. لكلِّ ذلك يظلُّ لفظ ado أقل أهمية في المسرحية من لفظ nothing، الذي يُعَد إثباته، في شكل عُذرية هيرو، هو غاية ومُبتغى المسرحية.
حتى في أثناء أكثر مُنعطفات أحداث المسرحية خطورة، فإنَّ الإصرار الجناسي على المعاني المُتعدِّدة للفظ nothing (العدم/اللاشيء) لا يلين؛ وعليه نجد دون بيدرو في الفصل الخامس يقول لليوناتو: «إنها [هيرو] متهمة ﺑ «لا شيء»، سوى ما كان حقيقيًّا، وثبت بالدليل القاطع» (الفصل الخامس، المشهد الأول، السطران ١٠٤-١٠٥، أقواس التنصيص الداخلية من عندي). في حالة الزيجات الأرستقراطية، عادةً ما كان يُقَدَّم الدَّمُ المأخوذ من غشاء البكارة المفضوض كدليلٍ ليس فقط على إتمام العلاقة الزوجية وإنما أيضًا على بكارة المرأة. وأحيانًا ما كانت أغطية فِراش العُرْس تُعْرَض على الملأ بعد ليلةِ العُرْس، واستطاعت كاثرين من أراجون أن تُقَدِّم غطاء فِراش عُرسِها المُلطَّخ بالدماء دليلًا على الدخول بها بعد ما يُناهز ثلاثين عامًا من زواجها من الملك هنري الثامن عندما رفع دعوى للتطليق. هذا الدليل كان حاسمًا نظرًا لأنها كانت مُتزوِّجةً في السابق من شقيق هنري الراحل، آرثر. ومع ذلك فإن آرثر تُوفِّي عن عمر يُناهز الخامسة عشرة بعد بضعة شهور فقط من الزَّواج وتمسَّكَت كاثرين بالقول بأنها كانت قد شاركَته الفِراش لسبع ليالٍ فحسْب أثناء تلك الفترة وأنها تزوَّجَت هنري وهي «بحالةٍ سليمة وليس بها شائبةٌ مِثلما كان حالها عندما خَرجَت من رحم أمها.»60 وقد جَسَّد شكسبير هذه الواقعة التاريخية من عصر آل تيودور الحديث العهد في مسرحية «هنري الثامن»؛ حيث تتحدَّى الملكة هنري أن يُنكِر أنها كانت «عَذراءَ خالصة» وقتَ زواجهما لإقامة الدليل على شرعية الزواج. كانت الملكة كاثرين تقِف على أرضٍ أكثر صلابةً من عشرات النساء اللاتي «أُجريت لهنَّ كُشوفُ عُذرية» على يد قابلاتٍ عندما كُنَّ يَمثُلن أمام المحاكم بتُهمة سُوء السلوك الجنسي. تُظْهِر السجلَّات الخاصة بسجن برايدويل، على سبيل المثال، أنَّ القيِّمات على السجن كنَّ يفحصن أجساد النساء المُشتَبه فيهن لاكتشاف إذا ما كُنَّ «عذارى» أو «غير عذارى».61 كثيراتٌ من هؤلاء النساء لم يُتَّهمنَ بأي جريمةٍ مُحدَّدة، وإنما كُن، كما أشرْنا سابقًا، في المكان الخطأ وفي الزمان الخطأ، وبعد أن يتعرَّضْنَ لوَيلة كشف العذرية كان يثبُت أن أغلبهنَّ «غير عذارى»، أو «وَضِيعات»، أو «فاسدات الأخلاق»، أو «غير شريفات»، أو «غير مُخلِصات»، أو «غير مُستقيمات»، أو «فاسِقات»، أو «فاسدات»، أو «عاهرات».62 تلك كانت نوعية الأدلَّة التي يُؤتَى بها ضِدَّ النساء في الواقع القاسي لشوارع لندن.

هيرو؛ كونها «امرأةً آثِمة ثبتَ الجُرم عليها» (الفصل الرابع، المشهد الأول، السطر ٤٤)، هي النسخة الأرستقراطية للمرأة التي كانت تُحشَد ضدَّها أدلةٌ مادية؛ فعندما يسمع الأمير، دون بيدرو، هيرو تُنكِر أنها تحدَّثَت إلى وغدٍ من نافذتها في الليلة السابقة لليلة زفافها — وهو شيء يَعتقِد مخطئًا أنه شهِدَه بأُمِّ عينيه — يَتَلَفَّظ بالضبط بنفْسِ لُغة إصدار الأحكام المُستخدَمة في سجلَّات سجن برايدويل: «حسن، إذن، أنتِ غير عذراء» (الفصل الرابع، المشهد الأول، السطر ٨٦). يُوجَد صِنفٌ وثيق الصِّلة جدًّا من التلاعُب بالكلِمات والقائم على الكلمات المَنفيَّة في مسرحية «الصاع بالصاع» عندما يُؤتى بماريانا أمام الدُّوق بعد حِيلة الفراش التي تُتمِّمُ بها خطبتها لأنجيلو. يُوجِّه لها الدُّوق سلسلةً من الأسئلة عن حالتها الزوجية؛ هل هي عذراء، أم امرأة مُتزوِّجة، أم أرملة؟ عندما تجيب قائلةً: «ولا ذاك يا مولاي» (الفصل الخامس، المشهد الأول، السطر ١٨٢)، يقول الدُّوق: «أنت إذن «لا شيء»» (الفصل الخامس، المشهد الأول، السطر ١٨٥، علامات التنصيص الداخلية من عندي)؛ وبالتالي فإنَّ ماريانا ليست مُنعدمة الحالة الاجتماعية فحسب، وإنما، على الأقل في عَين المجتمع، مُنعدِمةٌ من أي وجودٍ ذاتي بالكلية. يُمكن لنساء إنجلترا أوائل العصر الحديث أن يكُنَّ مُتزوِّجات أو أرامل، ولكن لا يُمكن لهنَّ أن يكنَّ مُجرَّد «غير مُتزوِّجات». إنما كُن إمَّا أبكارًا غير مُتزوِّجات، «عذارى» أو «لا»؛ أي «غير عذارى». من الكلمات الدالة على هذه الحالة، تُستخدم كلمة «عَفِنة» (الفصل الرابع، المشهد الأول، السطر ٣١) وكلمة «عاهرة وضيعة» (الفصل الرابع، المشهد الأول، السطر ٦٥) للإشارة إلى هيرو المُفتَرى عليها، ولكن كان يُوجَد المزيد من الكلمات، منها: بغِيٌ، ومُومس، وفاجرة، وساقطة. هذه الكلمات كانت أيضًا جزءًا من القاموس الخاص بالدعارة في أوائل العصر الحديث، والذي لم يُميِّز بين النساء اللواتي كن يتلقَّين أجرًا مُقابل مُمارسة الجنس مع رجال لم يكُنَّ متزوجاتٍ منهم، والنساء اللواتي لم يكُنَّ يتلقَّين أجرًا.

وعليه فإنَّ الخروج من نطاق المعايير المقبولة للأنوثة يعني أن تُصبح المرأة نوعًا من النقيض الاجتماعي. ومن المُثير للاهتمام أنه تُوجَد امرأةٌ أخرى تُوصف بأنها «لا شيء»، شخصيةٌ شبحيَّة في النسخة المطبوعة الأولى لنص مسرحية «ضجةٌ كبيرة حول لا شيء» وهي إنوجين زوجة ليوناتو؛ ومن ثَمَّ، فهي، على الأرجح، أم هيرو. وهي تظهر في التوجيهات المسرحية للمَشاهِد الأولى لكلٍّ من الفصلَين الأول والثاني. إن وجود شخصيةٍ لا تظهر أبدًا ومع ذلك مذكورة في مرحلةٍ مُبكرة من المسرحية إنما يُضيف مزيدًا من التعقيد نظرًا لأن اسم إنوجين مُشتَقٌّ من كلمةٍ سلتية وهي inghean، والتي تعني «عذراء».

•••

من المُحتمَل أن تكون مسرحية «ضجةٌ كبيرة حول لا شيء» قد كُتِبَت في عام ١٥٩٨، وطُبعت بقطع الرُّبع في عام ١٦٠٠. إن مصدر شكسبير للحبكة المُتعلِّقة بالمرأة التي اتُّهِمَت زورًا بعدَم العِفَّة هو القصة الثانية والعشرين في عمل الإيطالي ماتيو بانديلو «القصص»، والتي إمَّا أن يكون شكسبير قد قرأها بلُغتِها الأصلية الإيطالية أو باللُّغة الفرنسية في الكتاب الثالث من عمل بيلفورست المُسمَّى «قصصٌ تراجيدية» (١٥٥٩). وثَمَّةَ مصادرُ أُخرى من بينها ملحمة سبنسر الشعرية «ملكة الجن» (الكتاب الثاني، المقطع الرابع) وقصيدة لودوفيكو أريوستو «أورلاندو الهائج» (١٥١٦). تُرْجِمَت الأخيرة في عام ١٥٩١ على يدِ ابن الملكة بالمعمودية، السير جون هارينجتون، وطَبعَها مُعاصرٌ آخَر لشكسبير من بلدة ستراتفورد-أبون-آفون، وهو ريتشارد فيلد. ومع ذلك فإن تقديم هذا الموضوع في مسرحية «ضجةٌ كبيرة حول لا شيء» يطرح واحدًا من أكثر الأسئلة جِذرية في أعمال شكسبير: هل يمكن أن يحمي القانون امرأةً قُذِفَت بالباطل؟ رغم كلِّ الشكوك المُتعلِّقة بكلاوديو، فإنَّ إجابة المسرحية عن هذا السؤال بالإيجاب هي في النهاية ما يجعلها مسرحيةً كوميدية في المضمون وكذلك القالب.

كما تشاء

طُبِعَت مسرحية «كما تشاء» لأول مرة في «المطوية الأولى» التي ترجِع لعام ١٦٢٣، ولا يُعْرَف التاريخ الدقيق لتقديمها على المسرح. ومع ذلك، ففي طبعةٍ حديثة العهد للمسرحية، ترى جولييت دوسينبير أن هذا لم يحدُث على مسرحٍ عام، إنما في البلاط الملكي، بعد عشرة أيام فقط من انتقال الملكة وحاشيتها إلى قصر ريتشموند في يوم الثلاثاء البدين، في ٢٠ فبراير من عام ١٥٩٩.63 من أجل الافتتاح العظيم الشأن هذا، استخدم شكسبير قصةً حديثة النشر ورائجة (إذ كان قد نُشِر منها أربع طبعاتٍ بحلول عام ١٥٩٩) مصدرًا لحبكته؛ وأعني بذلك قصة توماس لودج الريفية «روزاليند» (١٥٩٠)، المكتوبة بصيغة النثر التي تَتخلَّلها مقاطعُ غنائية. مرةً أخرى تُوجَد ثَمَّةَ صِلة بروبرت جرين الموجودة بصمته في كلِّ شيء، الذي قد يكون قد قاد كتاب لودج إلى النشر بينما كان مُؤلِّفه بعيدًا في البحر. إنَّ مسرحية «كما تشاء» تكاد أن تكون عملًا موسيقيًّا مبكرًا؛ إذ تحتوي على أغنياتٍ أكثر من أي مسرحيةٍ أخرى في هذه المجموعة من المسرحيات، ونبرتها الإجمالية، بغض النظر عن بضع إشاراتٍ كئيبة، هي نبرة «مزاجٍ مرح» (الفصل الرابع، المشهد الأول، السطر ٦٣). إن أكثر تلك المسرحيات التي يصِفها النُّقَّاد بأنها مسرحياتٌ كوميدية مرحة (رغم أن هذا التعبير لا يعني بالطبع أنَّ هذه المسرحيات تخلو تمامًا من اللحظات الحزينة) حيويةً، هي هذه المسرحية الكوميدية التي تُؤكِّد، على حدِّ تعبير الناقد سي إل باربر، الطريقة التي بها الابتهاج «يُنْشِئ الخبرة».64

تقوم المسرحية على المُقابلة بين الريف والبلاط، وعلى المقابلة بين قيود التحضُّر، وبخاصَّة تلك التي يفرضها حُكامٌ ظالمون، وحرِّيات الحياة الريفية. استولى الدُّوق فريدريك على منطقة نفوذه من شقيقه الأكبر، الدُّوق سينيور الحاكم الشرعي، في حين أن أوليفر، الابن الأكبر للسير رولاند دي بويز، ووريث مُلكه بكامله، يُسيء مُعاملة شقيقه الأصغر، أورلاندو، ويسعى لأن يُقتل في مباراة للمصارعة مع شارل، مُصارع الدُّوق العِملاق، الذي سبق أن أصاب بإصاباتٍ بليغة الأبناء الثلاثة الأقوياء لرجلٍ مُسن. ومع ذلك يهزِم أورلاندو شارل بأعجوبة ويفعل ذلك مُباشرةً بعد أن التقى بروزاليند، ابنة الدُّوق المنفي، وأُغْرِم بها. سرعان ما يعرف أورلاندو أنه يتعين عليه أن يهرُب اتقاءً لغضب الدُّوق الغاصب للحكم، رغم انتصاره، بينما تُؤمَر روزاليند بأن تهرُب لأن الدوق فريدريك يخشى أنها إن بقِيَت فإنَّ شعبيَّتها سوف تُذَكِّر الناس بأبيها، فتهرُب وهي ترتدي ملابسَ رجل، وتُرافِقها رفيقة طفولتها، سيليا، ابنة الدُّوق فريدريك، التي تتنكَّر في هيئة خادمة من أصولٍ مُتواضِعة، والتي تحمل اسم ألينا. تَضطرُّ شرور المجتمع هذه الشخصيات إلى التِماس ملاذٍ في عالم خارج نطاق المدنية، وهو عالم الغابة الأخضر. وهناك تَستخدِم المسرحية رخصة الكوميديا، والإبعاد، والطَّرْد لاستجلاء بعضٍ من أعمق الأسئلة السياسية في عصر شكسبير، بل وفي عصرنا، عن طبيعة الحرية السياسية.

تقع الأحداث المحورية في المسرحية في يوتوبيا الغابة التي نُفي إليها «الدوق المسن»:
يُقال إنه أصبح في غابة أردين،
مع العديد من أصحابه السُّعداء، وإنهم يَحيَون هناك
مثل روبن هود الإنجليزي المُسِن. ويقال بأن العديد
من النبلاء الشباب يتوافدون أسرابًا يوميًّا عليه، ويُمضون الوقت
بلا هَمٍّ ولا غَم، تمامًا كما كان يحصُل في العصر الذهبي.
(الفصل الأول، المشهد الأول، الأسطر ١٠٩–١١٣) [تعريب ج. يونس، وهي الترجمة التي اعتمَدْنا عليها على نحوٍ أساسي في ترجمة الاقتباسات من المسرحية في هذا القسم، وإن كان ببعض التصرُّف اليسير في بعض المواضع]

في الثقافة الشعبية، كانت غابة شيروود في مقاطعة نوتنجهامشير، التي تقع على حدود مقاطعة ووريكشير التي ينتمي إليها شكسبير، هي الموقع الأسطوري لروبن هود ورجاله السعداء، الذين كان الدافع الوحيد وراء تجاوُزاتهم في مواجهة النظام الاجتماعي السائد، طبقًا للاعتقاد السائد، هو محاولة رفْع ظُلمه. إن غابة أردين هي تمثيل لِجَنَّة عدن، فضلًا عن الإطار الكلاسيكي للأدب الرعوي المُستمدِّ من الشاعر ثيوقريطس، الذي كان قد اكتسب شعبيته في إنجلترا منذ عهدٍ قريب بفضل عمل إدموند سبنسر «تقويم الرُّعاة» (١٥٧٩). أيضًا تتكشَّف الطبيعة الأدبية الشديدة العُمق للغابة في استدعاء المسرحية لعصرٍ ذهبي مُقتبَس عن «التحوُّلات» لأوفيد و«أناشيد الرعاة» لفرجيل. ومن المُفارقة أن يَصُوغ فنُّ الأدب البلاطي خطاب عالم الطبيعة السائد. وممَّا تتَّسِم به أيضًا مسرحية «كما تشاء»، مثل مسرحية «ضجةٌ كبيرة حول لا شيء»، هو تَأثُّرها بقصيدة «أورلاندو الهائج» للكاتب الإيطالي أريوستو، التي ترجمها السير جون هارينجتون؛ ابن الملكة بالمعمودية، في عام ١٥٩١، وبعمل السير فيليب سيدني النثري «أركاديا» (١٥٩٠)، بالإضافة إلى عمل «مينافون» لروبرت جرين (١٥٨٩)، الذي أُعيد طبعه بعد ذلك في عام ١٥٩٨ تحت اسم «أركاديا جرين». إنَّ العالم الرعوي في هذه الأعمال الأدبية هو الطبيعة مُصوَّرةً بواسطة الصنعة الأدبية، ويحوي عالم الطبيعة الخاص بشكسبير، غير الواقعي على نحوٍ مُماثل، أسدًا، وثعبانًا، بالإضافة إلى شجرة زيتون ونخلة. وعن طريق هذه الأساليب، يُتاح لجمهور شكسبير أن يهرب من ضغوط الحياة الحضرية، إلى جانب الشخصيات المنفية في المسرحية، نحو نسخةٍ مُحسَّنة ومثالية للعالم الريفي الذي ربما كان كثيرون منه لدَيهم حنين له.

بالتأكيد كانت غابة أردين مُفعمةً بحنينٍ شخصي وأدبي لدى شكسبير؛ فاسمُ أردين يُعيد إلى الذهن غابة أردين التي عرفها في طفولته في مقاطعة ووريكشير. بالإضافة إلى ذلك، اسم أردين كان لقب عائلة أمِّه، ورغم أن أباها؛ روبرت، كان مجرَّد فلاحٍ من قرية ويلمكوت يملك أرضًا يزرعها، فإن العائلة زَعمَت أنها امتَلكَت صلاتٍ بآل أردين الأرستقراطيِّين من ضاحية كاسل برومويش، وبالفعل، تقدَّم شكسبير بطلبٍ حتى تُصبح تلك الصِّلة مُمثَّلةً على شعار النبالة الخاص به. تغدو الغابة الفرنسية، غابة الأردينز الموجودة في عمل لودج، في المسرحية هي جنَّة الريف الإنجليزي، وإن كانت هي أيضًا المكان الذي يُسجِّل عِلل الحياة الريفية، كالمجاعة، ومُلَّاك الأراضي الغائبِين، وبَليَّة تسعينيَّات القرن السادس عشر — تسييج الأراضي المَشاع. تُعَدُّ المسرحية أيضًا، من ناحيةٍ ما، تأبينًا ومديحًا لكريستوفر مارلو، الذي كتب واحدةً من أروع القصائد الغنائية الرعوية في العصر الإليزابيثي، «هلُمِّي لنعيشَ معًا وتكوني حبيبتي»، والذي يُشار إليه مرتَين في سياق المسرحية: «أيها الراعي الراحل، لقد أدركتُ الآن قوة كلامكَ القائل: «من ذا الذي أَحَب، إلا من أَحَب لأول نظرة؟»» (الفصل الثالث، المشهد الخامس، السطران ٨٢-٨٣). إن «كلامك»، هنا هو جملةٌ مُقتبَسة من قصيدة مارلو «هيرو وليندر». الإشارة الثانية إلى منافس شكسبير الكبير تُشير بوضوح إلى ملابسات وفاته في عام ١٥٩٣ التي ذُكِر في شهاداتٍ من ذلك الوقت أنها نتيجة لمُشاجرةٍ عنيفة مُتعلقة ﺑ «تسوية حساب»، أو بعبارةٍ أخرى، حساب إقامته في نُزل: «إنه لأمرٌ يقضي على المرء أكثر مما تقضي عليه تسويةُ حساب كبيرة في غرفةٍ صغيرة» (الفصل الثالث، المشهد الثالث، السطران ١٢-١٣).

ومع ذلك، فالأهم هو أن الغابة تتلاءم مع مفهوم عصر النهضة المُتغلغِل الخاص بالعالم المقلوب رأسًا على عقب؛ عالمٍ معكوس جُعِل فيه عالي كلِّ التسلسُلات الاجتماعية الهرمية السائدة سافِلَها. كان هذا النوع من السلوك المعكوس سِمةً جوهرية من سمات الاحتفالات الشعبية، وقام الانعكاس المؤقَّت بوظيفة صمام أمانٍ لضمان أنَّ من شأن التسلسُل الهرَمي القمعي أن يكون أقل عُرضةً للهجوم عليه من قِبل أولئك الذين يقمعهم. ومع ذلك فقد كان قائمًا على الدوام خطر وجود احتمالٍ بعدم احتواء الاستياء الشعبي من جديد إذا ما أُطْلِق في هذه المناسبات وألا تستطيع النُّخب الاجتماعية إعادة الأمور إلى نصابها إذا ما انقَلبَت رأسًا على عقب. هذا هو عالم الكرنفالات الفوضوي، الذي لا تُعَطَّل فيه القيود الاجتماعية الاعتيادية فحسْب وإنما أيضًا ربما تُلغى تمامًا؛ فبِنية الاحتفال الصاخبة المُتَجاوزة للقيود بطبيعتها كثيرًا ما قدَّمَتِ الظرف المناسب للشغب والفوضى كذلك.

كانت الآثار السياسية المُترتِّبة على العالم المعكوس عميقة الغَور، وهي بارزة من مُستهلِّ المسرحية نفسه عندما يتحسَّر أورلاندو على حاله كونَه ابنًا أصغر يتيمًا حُرِم من التعليم والمُعاملة المُناسبَين لمكانته. وهكذا تبدأ المسرحية بانتقادٍ لواحدٍ من النظم المُؤسِّسة للبنية الاجتماعية الإنجليزية، وهي البُكورة، والتي طبقًا لها، كان الميراث، وبخاصة الأراضي، يبقى كوحدةٍ واحدة عن طريق نقل الأملاك برمتها إلى الابن الأكبر:
إن العُرف السائد
يُعطيك الحقَّ في أن تكون أرفع مقامًا مِنِّي بحُكم كونكَ
المولود البكر، ولكن هذا التقليد نفسه لا يَسلُبني
أصلي، ولو وُجِد عشرون أخًا بيننا.
في كياني من أبي بمقدار ما فيك، رغم أني أُقِرُّ
بأنك بحُكم مجيئك إلى العالم قبلي مُؤهَّلٌ أكثر مِنِّي لتُصبح مثله جليلًا.
(الفصل الأول، المشهد الأول، الأسطر ٤٣–٤٨)
هذا على وجه الخصوص جزءٌ هام من الحبكة لأنه ليس موجودًا في المصدر الذي استقى منه شكسبير؛ حيث نجد أن شخصيات توماس لودج غير خاضعةٍ لقانون البكورة الإنجليزي. يُجسِّد أورلاندو مبدأ الحق الطبيعي، وهو مصطلحٌ مُعقَّد في ذلك العصر، بيْد أنه مصطلح يُشكِّل على نطاقٍ واسعٍ أساسًا لنقاشات عن حرية الرأي والحق في الحياة؛ فهو يُلخِّص الاعتقاد الراسخ بأن «الحق والعدل أمران فطريان لدى البشر باعتبارهما جزءًا من طبيعتهم ذاتها.»65 وإذ يمتلِك أورلاندو شعورًا فطريًّا بالعدل، فإنه يتَّسِم بصلاحٍ نابع من ذاته، وبإحسان، حينما يأخُذ معه إلى غابة أردين الخادم المُسِن آدم، الذي طرده شقيقه. هذا يتناقض تناقُضًا ملحوظًا مع أوليفر، الذي يصِف نفسه بأنه «الأخ بالولادة» لأورلاندو (الفصل الأول، المشهد الأول، السطر ١٣٦). يرمي أوليفر شقيقه بالبُهتان حتى يُقنِع شارل أنه ينبغي أن يقتُله في الحلبة:
إنه أعندُ
شابٍّ في فرنسا، وإنه واسعُ المطامع،
ومن الأقران الذين يحسُدون في الآخرِين خِصالَهم،
ويمكُر لي خفيةً وبِشرٍّ أنا أخوه بالولادة.
(الفصل الأول، المشهد الأول، الأسطر ١٣٣–١٣٦)
يستغل أوليفر فكرة القانون الطبيعي لخدمة مصالحه الخاصة، ولكن في هذا السياق، تُعطي كلمة «بالولادة» إيحاءً بأن أوليفر أخٌ غير شرعي؛ ومن ثَمَّ تُلقي ظلالًا، وإن كان على نحوٍ لا شعوري، على مُطالبته بالميراث الشرعي. في المقابل، مع إقرار أورلاندو مرتَين بشرعية ادِّعاء أوليفر بالأفضلية، وقبوله «التقليد» و«العُرف السائد» الذي يدعم ادِّعاءه، فإنه يتمسَّك مع ذلك بحقِّه الشرعي، المُصدَّق عليه قانونًا بمُوجب وصيَّة أبيه (الفصل الأول، المشهد الأول، الأسطر ٦١–٦٣). إن الانتقاد المُتضمَّن بذكاء في حديث أورلاندو هو أنَّ حقَّ البُكورة لم يأخذ في الاعتبار احتمالية وجود أخوةٍ كبارٍ سيئِين. حضَّتِ الكنيسة والدولة على طاعة كل من هُم أرفع منزلةً، سواءً في العائلة أو في التسلسُل الهرَمي المدني، وقامتا بذلك دونما النظر إلى الطبيعة الخاصَّة بالفرد المُتولِّي للسلطة. فضلًا عن ذلك، فإنه من المفهوم أنَّ العصيان في أي مَوضعٍ في التسلسُل الهرَمي له عواقبُ من شأنها تقويض البنية الاجتماعية بكامِلها. كان يتعيَّن التعبير عن طاعة الربِّ بالخضوع للحاكم، وحيثما تَعارضَت شريعة الربِّ مع تشريع الحاكم، كان يبدو أن الحل الوحيد هو النفي. وهكذا كانت الزوجات مُكلَّفات بالطاعة حتى للأزواج الذين يتَّسِمون بالعنف والوحشية، والخدَم مُكلَّفون بالصبر على السادة الطُّغاة، والمحكومون مُكلَّفون بطاعة الحكام الأشرار، والإخوة الأصغر بالخضوع ﻟ «الأخ [الإخوة] الطاغية [الطغاة]» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطر ٢٧٧). إنَّ كتاب ويليام تيندل «طاعة الرجل المسيحي» (١٥٢٨) وكتاب جون بونيت «بحثٌ مُوجَز في السلطة السياسية، والطاعة الواجبة على المحكومِين تجاه الملوك وغيرهم من الحكام المدنيِّين» (١٥٥٦) يُعَدَّان، كلٌّ منهما بطريقته الخاصة، محاولةً إنجليزية لِتبيُّن طبيعة الخضوع السياسي. وبينما كانت هذه العقيدة في مصلحة أولئك الذين كانوا في السلطة، فإنها لم تكن في مصلحة الأتباع، وخاصةً عندما كانوا مُعرَّضِين إمَّا للطغيان السياسي أو العائلي. ويُعَدُّ من أكثر نصوص هذه الحقبة جذريةً، والذي نُشِر بدون اسم كاتبه بسبب الطبيعة التحريضية لِحُججه، منشور «دفاع [عن الحرية] في مواجهة الطغاة: أو عن السلطة الشرعية للأمير على الناس وسلطة الناس الشرعية على الأمير» (١٥٧٩). ترجع دمغة الناشر لهذا النصِّ إلى أدنبرة، ولكنه طُبِع لاحقًا في إنجلترا في عامَي ١٥٨١ و١٥٨٩، وبترجمةٍ جزئية من اللاتينية في عامي ١٥٨٨ و١٦٢٢.66 يُلِح هذا النص على ضرورة وجود قيودٍ على سُلطة الحاكم. ورغم سُمعته السيئة في كل أنحاء أوروبا، فقد كُتِب في فرنسا ولم يُتَرْجَم بالكامل إلى الإنجليزية حتى عام ١٦٤٨.
أدَّى الصراع الدِّيني الذي ابتُليَت به أوروبا أثناء تلك الحقبة إلى تفاقُم مشكلة ولاء الناس لحُكَّامهم. وكان البابا، حينما حرَم كنسيًّا إليزابيث الأولى في عام ١٥٧٠، قد أوجب بالضرورة على كلِّ الكاثوليك الإنجليز أن يتخلَّوا عن الولاء للتاج؛ وعلى ذلك فإن حوار أورلاندو مع أخيه مَصوغٌ بلُغة الأطروحات القانونية والسياسية؛ ومثال ذلك عبارة «العُرف السائد». يحُثُّ منشور «الدفاع» السابق الإشارة إليه، الذي يدفع على نفس المنوال بأنَّ سلطان الملوك ينبغي تخفيفه، على أن «عُرف كل الأمم تقريبًا»، يرسم حدود المنصب السياسي.67 في مسرحية «الملك لير»، يتلفَّظ إدموند اللئيم والنغل، الذي يُمثِّل «أخًا بالولادة» آخر، الذي كانت صيحة الاستنفار الخاصة به هي «قفي الآن أيتها الآلهة لأولاد الحرام!» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطر ٢٢)، بعبارةٍ مُماثلة هي «عُرف البشر وتقاليدهم» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطر ٤)، ويقصد بذلك عادات الناس الغريبة، في نقده المُقنَّع لهيكل وانتقال السلطة السياسية.68 وهكذا، يُصاغ احتجاج أورلاندو على «العُرف السائد» بلُغة الراديكالية السياسية.

عندما يتغلَّب أورلاندو على شارل في مباراة المصارعة، فإنه لم يُطِح بنجاحٍ بطغيان أخيه فحسب، بل أعاد أيضًا تجسيد واحدةٍ من أكثر اللحظات جلالًا في القصة الرعوية التَّوراتية، قصة الصَّبي راعي الغنم «المليح»، داود، الذي بُحِث دربه إلى المُلك هو الآخر في منشور «الدفاع». كان داود، مثل أورلاندو، أصغر أخوته. تَغلَّب داود، الذي لم يكن يحمل سيفًا ولا لبسَ درعًا، على العملاق الفلسطيني، جليات، بعد أن كان ثلاثةٌ من إخوته (الذين يُناظرون الثلاثة الضحايا السابقة لشارل) قد خاضوا القتال في مُواجهة الجيش الفلسطيني ولكن دون إحراز نجاح. كان انتِصار داود، مثل انتصار أورلاندو، مُخالفًا لكلِّ التوقُّعات: «لا تستطيع أن تذهب إلى هذا الفلسطيني لتحاربه لأنك غلامٌ وهو رجلُ حربٍ مُنذ صِباه» (سفر صموئيل الأول، الإصحاح ١٧، الآية ٣٣). تُبْطِل بسالة داود حقَّ البكورة الإنجليزي لأنها مُستمدَّة من حقيقة أنه مُختار من الرب ومُقَدَّر له أن يكون ملك إسرائيل ومؤسِّس سُلالة النَّسَب التي تُنجز غايتها بميلاد المسيح، الذي يُوصف بأنه «نورٌ أبديٌّ من سُلالة داود»، على حدِّ تعبير مُؤلِّف منشور «الدفاع».

أولئك الذين روَّجوا للمفاهيم التقليدية المُتعلِّقة بالتسلسُل الهرَمي والطاعة فعلوا ذلك إيمانًا بأنهما هبةٌ من الرب؛ فالربُّ هو من اختار الملوك والربُّ هو من نصَّبَ كل الحكام والولاة الدنيويِّين. إنَّ إدخال شكسبير لفكرة قصة داود وجليات في بداية المسرحية يُزعزع هذا التسلسل الهرَمي لأنَّ داود هو الأصغر والأدنى شأنًا في بيت أبيه. إن داود مُختار، على حدِّ صياغة ترجمة جنيف لسنة ١٥٦٠، «من وسط إخوته» بعد أن يُرْفَض إخوته الأكبر سنًّا كقادةٍ لشعب إسرائيل. عندما يكون واضحًا أنه لا أحد من إخوته اختِير من الربِّ ليقود شعب إسرائيل، يُسأل والد داود إن لم يكن له فعليًّا أبناءٌ آخرون إلَّا هؤلاء، فيرد قائلًا: «بقي بعدُ الصغير وهو ذا يرعى الغنم» (سفر صموئيل الأول، الإصحاح ١٦، الآية ١١). إن «الصغير»، الابن الصغير الذي جاء مُتأخِّرًا، هو المُختار، ويتمثَّل عُنوان مُلْكه في أنه راعي غنَم، وهو ما سيُصبِح أحد أكثر إعادات التشكيل المسيحية جذريةً لمسألة السيادة. وفي حين أنَّ الأدب الرعوي الكلاسيكي هو في المقام الأول نوعٌ أدبي شُخوصه الرئيسيون هم الرُّعاة، فإنه اكتسب انعكاساتٍ جديدةً في إطار التقليد اليهودي المسيحي؛ ففي المقام الأول، في العهد الجديد، يظهر المسيح في صورة شكلٍ بديل جذري لِلسلطة والنفوذ؛ فيسوع هو الراعي الصالح الذي يقود قطيعه، وهو الذي لا يفرض على الآخرِين نفوذه ولا قُوَّته وإنما يُطالِب بدلًا من ذلك بترتيبٍ معكوس، مُعلنًا أنه، مِثلما في حالة الأبناء الأصغر، «هكذا يكون الآخرون أَوَّلِين والأولون آخرِين» (إنجيل متى، الإصحاح ٢٠، الآية ١٦). في المسرحية، يُجَسَّد الدوق سينيور صاحب الحقِّ في الحكم تجسيدًا واضحًا في صورة الراعي الصالح: «ويُقال بأنَّ العديد من النُّبلاء الشباب «يتوافدون أسرابًا» يوميًّا عليه، ويُمضون الوقت بلا هَمٍّ ولا غَم، تمامًا كما كان يحصل في العصر الذهبي» (الفصل الأول، المشهد الأول، الأسطر ١١١–١١٣، أقواس التنصيص الداخلية من عندي). أيضًا، عندما تتحوَّل روزاليند إلى جانيميد الأسطوري، فإنها تضطلع بدور راعي غنمٍ طرواديٍّ يافِع.

هذه هي تحديدًا «الوجبة الطيبة» — وهو عرض يطرَح أسئلة بشأن مسألة السلطة القائمة — التي تُقدَّم للملكة. لحُسن الحظ، أنه في قصر ريتشموند، قد تُفَضِّل الملكة أن تتماهى مع شخصية الملك الريفي المَنفي (إنَّ إدموند سبنسر أشار إليها بوصفها «إليزا، ملكة الرُّعاة جميعًا» في نشيد رُعاة شهر أبريل في عمله «تقويم الرعاة» المنشور في عام ١٥٧٩). بالإضافة إلى ذلك، أَعربَت إليزابيث نفسها أكثر من مرَّةٍ عن هذه التخيُّلات؛ فعند الحديث عن سجنها في قلعة وودستوك على يدِ أختها، ماري تيودور، اعتَرفَت بأنها «تمنَّت لو أنها كانت حلَّابة.»69 أيضًا، في الجلسة الختامية للدورة البرلمانية في الخامس عشر من مارس، سنة ١٥٧٦، قالت: «لو أنَّني كنتُ حلَّابةً أحمل سطلًا على ذراعي، ومن عامَّة الناس بلا قيمةٍ تُذكر، ما كنتُ لأتخلَّى عن عُزوبيتي لأتزوَّج أعظم الملوك.»70 قامت إليزابيث، بالطبع، بالدورَين — دور الملكة الخيِّرة والعادلة ودور الحاكمة المُستبدَّة — بينما تستغرِق في تخيُّل مهربٍ إلى حياةٍ ريفية أبسط. ثَمَّةَ مثالٌ جيد على هذه المُقابلة بين الصورتَين المُتنافِستَين للسيادة الأنثوية يَرِد في لوحة هانز إيورث المُسمَّاة «إليزابيث الأُولى والربَّات الثلاث» (١٥٦٩).71 أبدت سوزان دوران مُلاحظاتها على هذه اللوحة فقالت: «المقابلة المحورية في هذه اللوحة ليست بين إليزابيث وفينوس، وإنما بين عالم أُسرة تيودور المظلم، المنغلق، الرسمي، الموضوعة فيه الملكة والسيدتان الأرستقراطيتان المُصاحبتان لها، وبين العالم الرعوي البهيج الذي تسكُنُه الربَّات …».72 شاع في تلك الفترة القول بأن فترة حُكمها بالكامل باعتبارها الملكة العذراء كانت بمنزلة عَودة إلى العصر الذهبي الذي تَكهَّن به فِرجيل في نشيد الرعاة الرابع، ولكن من وجهة نظر الكثير من مُعاصرِي حقبة أوائل العصر الحديث كانت فترة حكمها أيضًا انتهاكًا لنظام الحُكم الذكوري الصحيح وكانت بالأحرى فترةً شائنة وليست بهيجة.

العالم المقلوب رأسًا على عقب هو كذلك العالم الذي فيه النساء على القمة، وتُبْرِز مسرحية «كما تشاء» دور ارتداء ملابس الجنس الآخر باعتباره المُحرِّك المحوري لحبكتها؛ ومن ثَمَّ فإنَّ الأداء الحديث للمسرحية، والذي عادةً ما يستعين بمُمثلةٍ أنثى لتلعب دور روزاليند، قلَّل من شأن مسألة اشتهاء المُماثل في الجنس، الذي يُعَد تعَدِّيًا شنيعًا على الحدود المقبولة اجتماعيًّا، والذي يُمثِّل مفتاح الفكاهة في المسرحية. إن كون الممثل الذي يؤدي دور روزاليند امرأةً في العادة في التقديمات العصرية للمسرحية لَهو اختيارٌ تمثيلي أكثر تحفُّظًا. من المألوف، مِثلما في أداء بيجي أشكروفت النموذجي على خشبة مسرح «أولد فيك» في عام ١٩٣٢، أن يُلْبِس القائمون على المسرحية روزاليند حذاءً جذَّابًا طويل الرقبة يصِل إلى الفخذَين ورداءً ضيقًا؛ أي بعبارة أوضح، إنهم يُقدِّمونها في نُسخةٍ مُعدَّلة وأنثوية من اللباس الذكوري الذي يُبرِز بصفةٍ خاصَّة جاذبِيَّتها الأنثوية بدلًا من ازدواجية هُويتها الجنسية.

تربط أواصر صداقةٍ عميقة بين سيليا وروزاليند بالرغم من العداوة بين أَبوَيهما، وتُضفي اللغة الغنائية التي تصِف صداقتهما، على المسرحية أملًا من البداية. ومع ذلك، ومن منظور ميتا مسرحي، فإننا نجد شابَّين يرتديان ثياب الجنس الآخر يُفصِحان عن ارتباطهما على نحوٍ لا انفصام له بلغةٍ عادةً ما كانت تُستخدَم لوصف الزواج، والذي فيه «يصير الاثنان واحدًا». ومثل جانيميد، الصبي الذي خطفه جوبيتر ليُصبح ساقي الخمر الخاص به، تضطلع روزاليند بدور يتَّسِم تحديدًا بالمِثلية، وتلعبه حتى نهايته في مُقابلاتها مع أورلاندو، التي تدَّعي فيها، مثل مأبون، لعب دور المرأة، حتى تُعلِّمه المُغازَلة. هذه المُغازَلة الساحرة تعمل على التركيز على لغة الحب المُتصنَّعة، وخاصة تلك المُقتبَسة من الشعر الغنائي العاطفي البتراركي، التي يُغطي بها أورلاندو الغابة — بل في الوقت نفسه على الطريقة التي يُمكن بها استثمار ذلك الاصطناع البلاغي في مشاعرَ حقيقية. إنَّ الأدوار الجنسانية مقدمةٌ على نحوٍ اعتباطي نسبيًّا على مدار المسرحية؛ فيمكن لروزاليند أن تلعب دَورها كرجلٍ أو امرأة، وفيبي، التي تُغْرَم بجانيميد الذكر وترسل «له» قصائدَ عِشق، يُمكنها عوضًا عن ذلك أن تُحوِّل رغبتها إلى عاشقها الولهان، سيلفيوس، عندما يتكشَّف لها استحالة الاقتران بجانيميد. وقبل وقتٍ طويل من إفصاح جوديث بتلر عن مفهوم الهُوية من ناحية كونها أداءً تمثيليًّا، زعم جاك زعمًا لا يختلف عنه عندما قال: «الدنيا مسرح كبير، وكل الرجال والنساء ليسوا سوى مُمثِّلِين، لهم مخارجهم ومداخلهم على ذلك المسرح، وكل واحدٍ منهم يلعب في حياته أدوارًا عديدة» (الفصل الثاني، المشهد السابع، الأسطر ١٤٠–١٤٣). المسرح، بعبارة أخرى، هو المُضاهاة المِثالية للحياة، والأدوار، بما في ذلك الأدوار الجنسية، التي يُمثلها البشر خلالها، مُتعدِّدة ومُختلفة.

الأمر الأكثر جذرية، في غابة أردين، أنَّ الحرية السياسية تقترن بالإمكانيات الحِسِّية غير المُقيَّدة للحياة الريفية. روزاليند هي واحدة من أكثر بطلات شكسبير حيويةً، وفي نهاية المسرحية نراها تُنظِّم طقوس الزواج الختامية للمسرحية التي يترأسها هَيمن، إله الزواج. يرفع الاقتران من شأن حتى أكثر هؤلاء الأزواج هزليةً، وهما راعية الماعز، أودري، والمُهرِّج تَتْشستون؛ بِعِبَارَة أُخْرَى، ترجع المسرحية إلى قيم السلوك المُتحضِّر من أجل إضفاء القداسة على هذه الزيجات. إن حالات الاقتران هذه ليست بالزيجات المُخِلَّة للنظام التي أدانها تَتْشستون فيما سبق باعتبارها «تغرير بأُنثى حمل ذات اثنَي عشر شهرًا بجمعها بكبشٍ هَرِمٍ ديوثٍ ذي رأسٍ مُحْدَوْدِبةٍ، وهو جمعٌ بعيدٌ عن كل قرانٍ مقبول.» عندما اتُّهِم الراعي كورين بالقوادة بين الغنم (الفصل الثالث، المشهد الثاني، الأسطر ٧٨–٨٠). ومع ذلك، لا يزال مبدأ التوليد الحيواني الطبيعي هذا مشارًا إليه في المشهد الأخير على لسان جاك الحزين عندما يستحضِر موكب الحيوانات وهي تمشي اثنَين اثنَين إلى داخل فُلْك نوح: «لا شكَّ في أنَّ طوفانًا آخر يُوشِك أن يقع، وأنَّ هؤلاء الأزواج مُقبلون على الفُلك زوجًا في إثر زوج. وها هو زوجٌ من أغرب الوحوش …» (الفصل الخامس، المشهد الرابع، الأسطر ٣٥–٣٧). كان من شأن جمهور أوائل العصر الحديث أن يعرِف أنه في مسرحيات الأسرار الخاصة بالعصور الوسطى، بالرغم من هذا الموكب المُنظَّم، فإن الاقتران المُضطرِب هو اقتران نوح، الذي كانت زوجته السيئة الطبع؛ أكسور، أكبر عقبةٍ على الإطلاق أمام خطَّة زوجها لإنقاذ الجنس البشري. إنَّ اسمها غير مذكور في الكتاب المُقدَّس، ولكنها أُعطيت فيما بعدُ هذا الاسم، وهو ببساطة الكلمة اللاتينية التي تعني «زوجة». وبصفة نوح وزوجته مُمثِّلَي التحضُّر على الفُلك، فقد كانت كل أزواج الحيوانات على وجه الأرض تَتفوَّق عليهما. وتُشدِّد مسرحية «كما تشاء» أيضًا على العلاقة المُعقَّدة بين الناس والحيوانات باعتبارها الشاهدَ الأَوَّلِيَّ على السيطرة البشرية على عالم «الطبيعة» وذلك باستخدام الكوميديا لاستكشاف عواقبِ ذلك الفرض للسيطرة من جانب البشر على الحيوانات.

الليلة الثانية عشرة، أو سَمِّها كما تشاء

سنُجْري التحرُّش بالدُّبِّ مُجدَّدًا، وسنهزأ به حتى نُثخِنه.

(«الليلة الثانية عشرة»، الفصل الثاني، المشهد الخامس، السطران ٩-١٠)73
كانت حلبة رياضة تعذيب الدِّبَبة (وهي رياضةٌ دموية ترفيهية يُقيَّد فيها دُبٌّ ويُطلَق عليه كلابٌ لإثارته ومُهاجمته) في حديقة باريس جاردن بلندن، التي أُقيمت بأمر من الملك هنري الثامن في سنة ١٥٢٦، تكاد تكون إلى جوار مسرح «ذا جلوب»، ولكن التجاوُر المادي لم يكن يُمثِّل صِلتها الوحيدة بالمسرح اللندني؛ فكشأن مسرحَي «ذا فورشن» و«ذا روز»، كانت تلك الحلبة «في قلب إمبراطوريةٍ تجارية» ويُديرها المُتعهِّد المسرحي فيليب هينسلو وزوج ابنته إدوارد ألين.74 كانا كذلك مُنخرطَين انخراطًا نشطًا في تقديم عروض تعذيب الدِّبَبة كنوعٍ من الترفيه وإبَّان حُكم الملك جيمس حصلا على مَنصبَي الهيمنة والإشراف على الدببة المُربِحَين بامتياز من الملك.75 وبعد حادثةٍ في حديقة باريس جاردن في سنة ١٥٨٣ أدَّت إلى وفاة العديد من الناس، فَسَّر البروتستانتيون المُتزمِّتون (أي البيوريتانيون المُتشدِّدون الذين كانوا يميلون إلى رفض كُلِّ أشكال الترفيه العام وليس فقط تلك المُتعلِّقة بالقسوة تجاه الحيوانات) الحادثة على أنها عقاب العناية الإلهية الواقع على المُتفرِّجِين. ومع ذلك فيبدو أن أغلب الإليزابيثيِّين كانوا يجدون أنَّ هذا النوع من القَسْوة لا بأس به، وليس ذلك فحسْب بل أيضًا مصدرًا لتسليةٍ هائلة. وهم، في هذا الشأن، يتشابهون كثيرًا مع السير توبي بلِتش، وماريا، والسير أندرو إجيتشيك، وفابيان؛ شخصيات الحبكة الفرعية لمسرحية «الليلة الثانية عشرة» الذين يبحثون عن بهجتهم في إعنات مالفوليو، مدير المنزل البيوريتاني إلى حدودٍ قصوى قاسية وغيرِ مُعتادة. يدفعهم إلى ذلك جزئيًّا رفضه لإقامة عروضٍ لتعذيب الدِّبَبة على أملاك سيدة المنزل، أوليفيا، التي هي أيضًا ابنة شقيق السير توبي: «كما تعرِف، لقد أوقعَني في مشكلة مع سيدة المنزل ذات مرة عندما نَظَّمْتُ عرضًا لتعذيب الدِّبَبة ها هنا» («الليلة الثانية عشرة»، الفصل الثاني، المشهد الخامس، السطر ٨). من الواضح أن أوليفيا هي الأخرى لا تقبل بهذه الرياضة، ولكن السير توبي يستقرُّ رأيه على أنه من الأفضل استبدال مالفوليو بالدب، ويتوقَّع مُبتهجًا العُنف الذي يُمكنهم إلحاقه به: «سنَهزأ به حتى نُثخِنه» (الفصل الثاني، المشهد الخامس، السطر ١٠).

كانت حلبة تعذيب الدِّبَبة، على الأقل من وجهة نظر الكاتب المسرحي، في منافسة مع خشبة المسرح، وكان يُطلَق على الدِّبَبة أنفسهم «وحوش التسلية». إنَّ الأمر يبدو كما لو أن شكسبير في مسرحية «الليلة الثانية عشرة» كان يتأمَّل في طبيعة الترفيه «الاحتفالي»، وقام بذلك في عملٍ هو بالأساس عملٌ موسيقي. إذا كانت الحبكة الفرعية تُعالِج الطريقة التي يجد بها المُشاهدون مُتعةً في القسوة التي تُلحَق بالآخرِين، فإن الحبكة الرئيسية تتناول عناصِر التكلُّف المَسْرَحي الذي كثيرًا ما اعترض عليه مُنتقِدوه البيوريتانيون في «المسرحيات الفاسقة»، وبصفةٍ خاصة، عناصر الكوميديا البذيئة والفاحشة ومسألة ارتداء المُمثِّل لملابس الجنس الآخر التي كانت سِمةً لا مفرَّ منها للمسرح الذي لا يضمُّ إلَّا مُمثِّلِين ذكورًا.

قُدِّمَت المسرحية للمرة الأُولى للاحتفال بعيد الليلة الثانية عشرة، يوم تطهير مريم العذراء، في الثاني من فبراير، عام ١٦٠٢؛ إلَّا أنَّ مكان هذا الأداء الأَوَّل لم يكن المسرح العام وإنما كان قاعة إحدى جمعيات الحقوق الأربع في لندن؛ «ميدل تمبل». كانت «ميدل تمبل» هي أيضًا جمعية الحقوق التي كان ينتمي إليها السير جون ديفيس (الذي مُنِح إجازة المُحاماة في عام ١٥٩٥)، وهو الذي نَظَم الوصف الشعري التالي عن مَيل طُلَّاب جمعيات الحقوق إلى مُشاهدة عروض تعذيب الدِّبَبة:
بوبليوس طالب القانون العام،
كثيرًا ما يترك كتبه، ولأجل تسليته،
يذهب إلى حديقة باريس جاردن،
حيث تسلُب لُبَّه بهجةٌ لا مَثيل لها
عندما يكون وسط الكِلاب والدِّبَبة؛
حيث، بينما يتجنَّب الصيحاتِ التي تُطالِب الكلاب بتعذيب الدُّب،
يُغَطِّي صُدرته الساتان وبِنطالَه المُخمَلي،
بَصقٌ يأتي من الأعلى …
ومن العدل أيضًا أن تسقُط عليه هذه القذارة؛
فهو الذي من أجل هذه التسلية القذِرة قد ترك كُتبه …
(جون ديفيس، «قصائد قصيرة ساخرة» (عام ١٥٩٤ تقريبًا))76

لا تعليم هذا الشاب ولا ملابسه الناعِمة التي من الساتان والمُخمَل يَمنعانه من النزول وسط الكلاب فيما يُقَدَّم على أنه نشاطٌ ترفيهي قذِر ولكنه كذلك مُستهجَن شبه هَزْلي؛ وبالتالي فلربما كان إعنات مالفوليو مثل الدب أمرًا معروفًا للكثير من طلَّاب الحقوق ضِمن مُتفرِّجي شكسبير الأوائل على المسرحية.

تتَّسِم هذه القصيدة الوصفية القصيرة عن تعذيب الدِّبَبة بالأهمية لأنه في نهاية المسرحية يظلُّ مالفوليو غاضبًا من إساءة مُعاملته ويترك خشبة المسرح دون أن يتصالح مع سيدته وأفراد منزلها. كذلك، يَنِمُّ توعُّده بالانتقام، الذي أطلقه أثناء مُغادرته، بأنه واعٍ تمامًا لأنه قد أُطلِقَت عليه الكلاب المُتمثِّلة في طُغمة من الأوغاد وكأنه دب: «سوف يَحيق ثأري ﺑ «طُغمتكم» كلِّها» (الفصل الخامس، المشهد الأول، السطر ٣٧٧، أقواس التنصيص الداخلية من عندي). ومن خلال استخفاف مالفوليو بالمصالحة واستعادة الانسجام الهزليَّين، يُشدِّد شكسبير على تعقيدات الضحك، وعلى أن الكوميديا كنوعٍ أدبي لا تشمل كلَّ ما هو سارٌّ ومُبهج، كالزَّواج واجتماع شمل الإخوة المُفترقِين، فحسب، وإنما تشمل أيضًا مشهد التسلية الدموية المُفعَم بالشر.77
إن الكيد بمالفوليو لَهو، بالطبع، أَمرٌ ثانوي مُلحَق بقصة التوءمَين المُفترِقَين عن بعضهما والتِباس الهُوية. كان هذا يستنِد بالأساس على مسرحيةٍ كوميدية إيطالية تُسمَّى «المخدوعون» (١٥٣٧) والتي عُولِجت أيضًا في قصةٍ لبانديلو في عام ١٥٥٤. وربما يكون شكسبير قد توصَّل إلى نُسخة بانديلو الإيطالية عن طريق الترجمة الفرنسية التي قام بها بيلفورست في عمله «قصص تراجيدية» (١٥٧١)، وقرأ قصة بارنابي ريتش «أبولونيوس وسيلا» في كتاب بعنوان «وداعًا للمِهنة العسكرية» (١٥٨١). وفي حين يَتكبَّد شكسبير هذه الديون الأدبية التي يمكن تمييزها بوضوح في الحبكة الرئيسية، فإن الحبكة الفرعية المُتعلِّقة بسكان منزل أوليفيا بكاملها من ابتكاره. ومن المُثير للاهتمام أيضًا أنَّ التعليق المُعاصِر الوحيد عن المسرحية الذي وصل إلى أيدينا، والذي كتبَهُ طالب قانونٍ آخر هو جون مانينجهام، لا يُركِّز على الحبكة الرئيسية وإنما على اللعبة القاسية التي مُورِست على حساب مالفوليو:
في عيدنا كان لدَينا مسرحية تُسمَّى «الليلة الثانية عشرة، أو سمِّها كما تشاء» والتي تُشبِهُ كثيرًا مسرحية «كوميديا الأخطاء» أو مسرحية «منَكمي» لبلاوتوس، لكنها أكثر شبهًا وقريبة لعملٍ إيطالي يُدعى «المخدوعون». و[كان] فيها خدعةٌ جيدة وهي جعْل مدير المنزل يظنُّ أنَّ سيدته … تُحبُّه، عن طريق تزييف خطابٍ على أنه من سيِّدته يحوي عباراتٍ عامَّة، تقول له فيه أكثر ما تُحبُّه فيه، وتصِف تعبيرات وجهه عند الابتسام، وملبسه، وغير ذلك، وبعد ذلك عندما حاول أن يَتصرَّف بناءً على ذلك، جعلوه يعتقِد أنهم تصوَّروا أن به جِنة.78

إن ذكر مانينجهام لمسرحية شكسبير الأقدم «كوميديا الأخطاء»، التي تُبرِز زوجَين من التوائم، يجعل من الواضح أنه كان على معرفةٍ كاملة بالسوابق الكلاسيكية والمَصادِر المُعاصرة للحبكة الرئيسية التي تعتقد شخصيتها المحورية، فيولا، أنها (مثل ابنة شكسبير، جوديث) التوءم الباقية بعد موت توءمها. انفصل فيولا وسيباستيان، التوءمان الشقيقان اللَّذان فقدا أبوَيهما و«المُتطابقان» على نحوٍ غير مُتوقَّع، بعد تحطُّم وغرق سفينة. تعتقد فيولا أنَّ شقيقها قد غرق، وتلبس ملابس رجالٍ لتُقدِّم نفسها تحت اسم سيساريو في بلاط الدوق أورسينو، حيث تحصُل على عملٍ كوصيف. يعهد إليها أورسينو بمُغازلة الليدي أوليفيا الثرية نيابةً عنه. كانت أوليفيا قد نذَرت نفسها لحياة العزوبية بسبب موت شقيقها، ولكن بالرغم من هذا، تُغْرَم بحُبِّ فيولا المُتنكِّرة. ولا تُحَل هذا المُعضِلة إلا عندما يدخل سيباستيان لاحقًا في المسرحية، ومع ذلك، حتى الحل النهائي لعقدة الرواية، تعتقد أوليفيا أنها قد تزوَّجَت من سيساريو/فيولا، التي بدورها مُغرَمة بمخدومها، أورسينو. تُحَلُّ التشابُكات الرومانسية للمسرحية، ولكن الخصومات المُتولِّدة في الحبكة الفرعية لا تُسَوَّى أبدًا. مالفوليو هو عدُوُّ المرَح الصاخب، عدو «الكعك والجعَّة» (الفصل الثاني، المشهد الثالث، السطر ١١٥)، وعدوٌّ في نهاية الأمر للكوميديا نفسها. تستكشف المسرحية انحراف ولا معقولية الرغبة التي تُفهَم على أنها اشتياقٌ شهواني وتوقٌ اجتماعي. في الوقت نفسه، يبدو أنَّ المسرحية تُلقي على نحوٍ مُثير نظرةً خاطفة على حياة شكسبير ذاتها؛ فالعنوان «الليلة الثانية عشرة، أو سمِّها كما تشاء» يتضمَّن توريةً تتعلق بالاسم المسيحي لِمؤلِّف المسرحية، بل إنه حتى قد يُسجِّل وعيًا ذاتيًّا مُعيَّنًا بشأن سعيه المُضني والمُكلِّف نحو التقدير الاجتماعي في مجمع شعارات النَّبالة، والذي كان موضوع الفصل الرابع.

تبدأ الكوميديا، فعليًّا، بنبرةٍ حزينة. لا يُظْهِر المشهد الافتتاحي حُطام السفينة، والذي يُدَّخَر للمشهد الثاني من المسرحية (رغم أن التقديمات الحديثة للمسرحية عادةً ما تعكس الترتيب)، وإنما يُظْهِر أورسينو، الذي يستمع إلى موسيقى تُشبِع الكآبة الشديدة التي يُعانيها: «اعزف هذا الجزء من جديد؛ فلقد كان له انحدارٌ مُتدرِّجٌ حزين» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطر ٤). «الانحدار المُتدرِّج الحزين» هو انخفاضٌ تدريجي كئيب في اللَّحن يُناسِب على السواء شخصية أورسينو، بصفته دوق إقليم إيليريا (وهو اسم مكانٍ يُوحي بالنشاز وعدم الانسجام، كلحنٍ غير مُدوزَن أو سيئ غنائيًّا) وكذلك مسرحيةً تبدأ بأورسينو وأوليفيا، اللَّذَين تُفضي بهما الكآبة والحزن إلى اعتكافٍ وعُزلة. تكبح الحيوية الهزلية المُتوهِّجة للمسرحية جماح هذه الصِّفات في روابط الفصل الخامس الزوجية، لكنها لا تُبدِّدها كليةً. ومع ذلك فإنَّ عنوان المسرحية يُشير إلى اختتام احتفالات عيد الكريسماس، وهي مُناسَبةٌ كثيرًا ما يُحتَفَل بها عن طريق إحداث انقلابٍ كرنفالي في النظام في الحياة اليومية المُعتادة؛ إذ ينقلب العالم رأسًا على عقب؛ ومن ثَمَّ فهو عالم تسُود فيه النساء، وهو عالمٌ خيالي يُمكن فيه تحقيق الأمنيات.

في الإطار المُوسيقي لإقليم إيليريا، تأخُذ فيولا، الناجية من السفينة الغارقة، لنفسها هُوية وهي ليست هُوية شاب، كما يتصوَّر الجمهور العصري عادةً، وإنما بالأحرى هُوية خَصِي، هو سيساريو. وبالرغم من الأغاني الكثيرة في مسرحية «الليلة الثانية عشرة»، فإننا فعليًّا لا نسمع فيولا تُغني إطلاقًا، مع أنها تُخبِرنا تحديدًا أن ملكاتها الصوتية هي التي أرشدَتْها إلى اختيار هذا التنكُّر بالذات وإلى تقديم نفسها إلى الدوق على أنها «خَصِي» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطر ٥٦) والسعي إلى الحصول على وظيفةٍ في بلاطه. اسم «فيولا» هو نفسه اسم آلةٍ موسيقية وهذا الاسم يتكرَّر صداه عن طريق إعادة ترتيب الحروف، مثل تنويعةٍ موسيقية، عبر هُويات الشخصيات الأخرى، أوليفيا ومالفوليو. عندما يصِف مالفوليو «سيساريو»، الوافد حديثًا بصفته المبعوث من بلاط أورسينو، يَنصبُّ التركيز من جديد على خصائصها الصوتية، على «قصبتها» pipe. وهذه أيضًا مِزحة عن أعضائها التناسُلية الضئيلة؛ إذ كانت كلمة pipe في اللغة الإنجليزية في أوائل العصر الحديث مُرادفة لقضيب الرجل. يعلق أورسينو، هو الآخر، على الخصائص الصوتية لفيولا قائلًا:
من يقول إنكَ رجل،
لا بُدَّ أنه لا يُلاحِظ كم أنت يافع.
إن شفتَيك ناعمتان وحمراوان كشَفَتَي الإلهة ديانا.
وقصبتكَ الصغيرة (صوتك الناعم) مثل فتاةٍ شابة، عالٍ وواضح،
وبقية أعضائك تُماثل أعضاء امرأة.
(الفصل الأول، المشهد الرابع، الأسطر ٣٠–٣٤)

التورية الفاحشة المعهودة في كلمتَي «قصبة»، و«أعضاء امرأة» تعمل على إحداث تشويشٍ حتى في هُوية الأعضاء التناسُلية؛ إذ إن الإشارة الخُنثوية هنا هي أن فيولا/سيساريو تمتلك كلًّا من «القصبة» أو العضو الذكري و«الأعضاء» الأنثوية. وكونها خصِيًّا يُشير أيضًا إلى المُمارسة المسرحية الأوروبية المُتعلِّقة بالاستعانة بالمغُنِّين الخصيِّين؛ أي المُغنِّين الذين تعرَّضوا للإخصاء قبل أن تُصبِح أصواتهم خشنة. ومع ذلك، لم يكن الإخصاء يُمارَس في إنجلترا إلَّا للدَّواعي الطبية. وتمامًا مِثلما في مسرحية «كما تشاء»، التي تصير روزاليند فيها جانيميد المتعلق تعلُّقًا قاطعًا باشتهاء المُماثل في النوع، فإنَّ تنكُّر فيولا في هيئة خَصِيٍّ يُضيف مزيدًا من التعقيد، بل يُضيف أيضًا جاذبيةً مُثيرة للتنكُّر. يُوحي هذا بأن، في المسرح، كما في إيليريا، إشباع كلِّ أشكال الخيارات الشهوانية، مِثلما توحي عبارة «كما تشاء»، يمكن تحقيقه.

التنكُّر، والارتباك المتعلق بشأن الهوية الجنسية، وبشأن الأغراض والمقاصد الجنسية الملائمة، هو القاطرة الدافعة لكوميديا المسرحية، كما هو مُتوقَّع من الفوضى المُرخَّص بها لعيدٍ احتفالي، وكل شيء في المسرحية ينْحُو نَحْوَ الحلِّ النهائي لعقدتها؛ نحو عودة النظام والتسلسُل الهرَمي:
إلامَ سيئول كلُّ هذا؟ إنَّ سيدي يُحبِّها حبًّا جمًّا،
وأنا، يا لي من مسخٍ بائس، أُحِبُّه بنفس القدْر،
وهي واهِمة بما فيه الكفاية بحيث تقَع في غرامي.
كيف سيكون مآل هذا الحال؟ بتَظاهُري بأنَّني رجل،
فإنَّ حُبِّي للدُّوق بلا أمل،
وكَوني امرأة (وللأسف أنَّني امرأة!)،
فيا لَضيعة تنهُّدات أوليفيا المسكينة!
أيُّها الزمن، أنت وحدَك كفيلٌ بحلِّ هذا الأمر، لا أنا،
يا لها من عقدةٍ يصعُب عليَّ حلُّها!
(الفصل الثاني، المشهد الثاني، الأسطر ٣٢–٤٠)
إنَّ فيولا، التي لا هي رجل ولا هي امرأة، تُشكِّل حقًّا، على الأقل في ضوء العقلية المُعاصرة لحقبة أوائل العصر الحديث، «مسخًا بائسًا»؛ أي فلتة من فلتات الطبيعة. يغزو سيساريو، الذي يُعْهَد إليه بصفته وصيفًا أمر التودُّد إلى أوليفيا نيابةً عن سيِّدِه، على الفور قلب أوليفيا. عادةً ما تعجز التقديمات الحديثة عن تناوُل الجانب العدائي حقًّا لهذا التودُّد على الرغم من أنه كان مدار الكثير من النقد المُناصِر لحقوق المرأة للمسرحية؛79 فأوليفيا وريثة، وهي الحاكمة بأمرها لمنزلها الخاص، الوضع الذي كان من شأن مُعاصرِي حقبة أوائل العصر الحديث أن يفهموه بوصفه «امرأة لها اليد العليا»، ومن البداية، نجدها عاقدة العزم — بطرُق تُذكِّرنا بشدَّةٍ برفض الملكة العذراء التنازُل عن السلطة لرجل — على ألَّا تتزوَّج أي أحدٍ يكون ««أعلى» منها منزلةً». في البداية، يبدو هذا القرار مُرادفًا للرغبة في ألَّا تتزوَّج على الإطلاق؛ إذ يبدو من غير المعقول أن تتحاشى أوليفيا الزَّواج ممَّن هم في «أعلى» الهرَم الاجتماعي بدافعٍ من رغبةٍ في الزواج من شخص في «أدناه» بدرجاتٍ عديدة؛ فنجدها تُغرَم بحبِّ شابٍّ عديم الرجولة بلا جدال وهو أيضًا خادم، وإن يكن/تكن شخصًا مُهذَّبًا: «بيْد أني لا أزال في منزلةٍ مقبولة؛ فأنا شخصٌ مُهذَّب» (الفصل الأول، المشهد الخامس، السطران ٢٩٤-٢٩٥). قد نتجاوز عن هذا الأمر باستثناء أنَّ مدير المنزل، مالفوليو، دون رحمة يُشَهَّر به بسبب أوهامه المُتعلِّقة بالزواج من أعلى السُّلَّم الاجتماعي من سيدته أوليفيا، مع أنه يسرد أمثلةً سبَقَ أن حَدثَت فيها مِثل تلك الزيجات المُتجاوزة لقواعد السُّلَّم الاجتماعي: «تزوَّجتِ الليدي ستراتشي خادِمها المسئول عن غُرفة ثيابها» (الفصل الثاني، المشهد الخامس، السطران ٣٩-٤٠). لربَّما كان من شأن هذا أن ينسجم لدى جمهور أوائل العصر الحديث مع وقائع من الواقع قُلِب فيها بالتالي الهرَم الاجتماعي رأسًا على عقب.
إنَّ مالفوليو، الذي يعني اسمه «سيئ الطبع»، هو بالفعل «بيوريتانيٌّ نوعًا ما» (الفصل الثاني، المشهد الثالث، السطر ١٤٠)، يؤمن بأنه ينبغي ألا يكون هناك «كعك ولا جعَّة» (الفصل الثاني، المشهد الثالث، السطر ١١٥)، وكذلك لا مزيد من رياضة تعذيب الدِّبَبة، وشخصيته مُشَكَّلة بحيث تُناقِض رُوح المسرحية الكرنفالية البهيجة في ماهيتها. كان من المُتعارَف عليه أن تُظهر كرنفالات أوائل العصر الحديث تمثالًا بدينًا، ذا وجهٍ مُتورِّد للدلالة على الكرنفال، مقرونًا باللَّحم وكلِّ المُتَع الجسدية، في حين كان نظيره الصارم، «جاك أولينت» يُجسِّد الجوهر الهزيل، المُنكِر للذات لفترة الصوم التقليدية في الأسابيع الستَّة السابقة على الاحتفال بعيد الفصح. مالفوليو هو بالضبط هذا الشكل الأخير، وشخصيته مُشَكَّلَة على خلاف شخصية السير توبي بلِتش، الذي اختِير اسمه ببراعة، والذي يأخُذ مالًا من السير أندرو إجيتشيك بدعوى إحالة التِماسه إلى أوليفيا. تُوصَف ماريا، وصيفة أوليفيا، بأنها بينثيسيليا، ملكة الأمازونات؛ وعلى ذلك فهي تقوم بدَور مَظهرٍ آخرَ للسيادة الأنثوية في هذا العالم الذي تَنقلِب فيه الأمور رأسًا على عقب، مع أنها هي الأخرى تُرَوَّض في نهاية الأمر بالزواج من السير توبي. تكتب ماريا خطابًا مُبهمًا بخطِّ يدِ سيِّدتها، ذاك الذي — كما نبَّأها حَدْسُها — يَخْدَع مالفوليو ويُؤدِّي به إلى الاعتقاد الخاطئ بأن أوليفيا تُحبُّه وترغب فيه. يُراقب الجمهور ومعه مُقترِفو هذا المقلب بينما تقود أفكار مالفوليو القائمة على التمنِّي صاحبها أكثر وأكثر إلى غياهب درْب إساءة الفهم المسدود. في هذه المرحلة من المسرحية، يكون حُمق مالفوليو، ونِفاقه، وخاصةً تَطلُّعاتِه الاجتماعية، هي المسئولة في المقام الأول عن جعله أضحوكة؛ فهو يُصدِّق بقوةٍ أن أوليفيا تتمنَّى أن تراه مُرتديًا اللباس المُضحِك المكوَّن من زوجٍ من الجوارب الصفراء ذي حمالاتٍ مُتقاطعة، وجعَلَه خياله المخبول يملأ فراغات الخطاب: «إم أو إيه آي يُسيطر على حياتي» (الفصل الثاني، المشهد الخامس، السطر ١٠٩). وعلى الرغم من أن الخطاب غير مُوقَّع، فإنه يُستنتَج، في واحد من أكثر المقاطع إفراطًا في الإباحيةً في أعمال شكسبير، أن «هذا هو حرف السي الخاص بها، وحرف اليو الخاص بها، وحرف التِّي الخاص بها» (الفصل الثاني، المشهد الخامس، السطر ٨٨). هذه المزحة غالبًا لا يُدركها الجمهور الحديث، إلا أنه لم يكن ليفوِّتَ طلَّاب الحقوق الذكور بجمعية ميدل تمبل للقانون أن يعرفوا أن كلمة cut التي تُوجَد حروفها في الاستشهاد السابق كانت إشارةً بذيئة إلى أعضاء التناسُل الأُنثوية.

مالفوليو مسئول بالفعل عن تأويله الخاطئ السافر للخِطاب وعن جوانب ضَعف الشخصية التي تجعله عُرضة للوقوع فريسةً لهذا الخطاب في المقام الأَوَّل. ما ليس واضحًا هو استحقاقه لِقسوة السجن الذي يَنتُج عن الادِّعاء المُلفَّق بالجنون؛ فأن يُزجَّ به في السجن في زنزانةٍ مُظلمة لَهو أَمرٌ لا يراه غالبية الجمهور العصري على أنه عقوبةٌ مناسبة لقوله لأرستقراطيٍّ ثمِل إنَّ سلوكه غير مقبول. من ناحيةٍ أُخرى، يبدو أن نفاق مالفوليو يستحقُّ العقاب، وحاله المُتمثِّل في كونه «بيوريتانيًّا» يجعله في مصافِّ التعصُّب الديني. وتُمثِّل الكيفية التي ينبغي بها التعامُل مع هذا النوع من التعصُّب مُشكلةً في مجتمعنا المُعاصر بقَدْر ما كانت في مجتمع شكسبير.

بيْد أنه بينما يظلُّ مالفوليو خارج دائرة الصِّلات الشهوانية المُدهِشة التي تخلُص إليها المسرحية، فإنه ليس بمُفرده؛ ففيستي، المهرج، وأنطونيو، القبطان البحري ورفيق سيباستيان، هما بالمِثل بدون رفيقة، وبعض الخسائر، مثل خَسارة شقيق أوليفيا، لا يمكن إصلاحها. وفي حين أن اسم المهرج فيستي نفسه (وهو دَورٌ ربما يكون قد لعبه روبرت أرمين) يدُلُّ على عالم الاحتفال، فإنَّ مزاحه دومًا ما يصطبغ بالكآبة حتى مع قيام نِكاته وأُغنياته بدَور ربط أجزاء المسرحية معًا وإعطائها سِمة العمل الكوميدي. عادةً ما يكون المُهرِّج هو الدخيل، ووضعه المُتنائي يُتيح له أن يتطلَّع إلى العالم بِعينَي أحمق، وهو منظورٌ لا يستطيع أن يَحوزه أولئك المُنغمِسون أشدَّ ما يكون الانغماس في مكائده. أمَّا أنطونيو، في المقابل، فيُعتبَر مسألةً مُختلفة تمامًا؛ فقد ضحَّى بحياته في سبيل سيباستيان، ويبدو أنَّ لدَيه نوعًا من الارتباط المِثلي به الذي تُبديه الشخصية الكئيبة التي تحمِل نفس الاسم نحوَ باسيانو في مسرحية «تاجر البندقية». إنَّ طرح المسرحية الجاد لمِثل هذا المشهد المِثلي لهو أَمرٌ مُشارٌ إليه أيضًا عندما يُمسِك أورسينو يدَ فيولا بينما كانت لا تزال مُرتديةً لملابسَ ذكورية. وهي، بالفعل، لا تعود حقًّا إلى ارتداء «ملابسها النسائية» في أي مرحلةٍ في المسرحية (الفصل الخامس، المشهد الأول، السطر ٢٧١).80
في قراءةٍ مُهمَّة للمسرحية، تذهب إنديرا جوش إلى أنَّ عدَم قُدرة مالفوليو على الاندماج في التوافُق الاجتماعي فيما يتعلَّق بالكوميديا يُشَكِّل نقد شكسبير للمفهوم القائل بأنَّ الضَّحِك هو أداة تقويمٍ اجتماعية. تُشير جوش أيضًا إلى أن السير توبي وحاشيته ليسوا مشمولِين في المُصالحة النهائية للمسرحية وأن البيوريتانيِّين وكارهي البيوريتانيِّين مُعرَّضان على حدٍّ سواء للهجاء الساخر. ومع ذلك فالأمر الواضح هو أن ثَمَّةَ أنواعًا مُعيَّنة من الضحك — كالتحرُّش بإنسانٍ مِثلما يُفْعَل مع الدِّبَبة، على سبيل المثال — «لم تعُد مقبولة». إن جميع الشخصيات المحورية تنبذ نوع المِزاح الذي اشترك فيه العَرابِدة؛ السير توبي، والسير أندرو إجيتشيك، وفابيان؛81 بعبارةٍ أخرى، يبدو أن مشاعر تعاطُف شكسبير كانت مع الدِّبَبة؛ فربما يكون مشهدٌ لتعذيبها قد انطبع في ذاكرته منذ حتى حداثة أيامه. كان شعار «الدب والعصا غير المستوية» مُستخدمًا من قِبَل إيرلات ووريك على مدى أجيالٍ على شعار النَّبالة الخاص بهم (ولاحقًا أصبح مُتَضمَّنًا في شعار المقاطعة)؛ ومن ثَمَّ، فربما كان شكسبير في ستراتفورد على درايةٍ كبيرة به.
أمَّا مالفوليو، الذي يُطلَق سراحه في النهاية من سجنه، فيترك خشبة المسرح مع نَذرِه المُفعَم بالمرارة الذي أوجبه على نفسه بالثأر. بالطبع، بالاستفادة من استخلاص العِبَر من وقائع التاريخ، نعرِف أن البيوريتانية مُمثَّلةً في مالفوليو نفَّذَت بالضبط ثأرها من حرية المسارح المُخِلَّة بالنظام عندما أُغلِقَت المسارح على يد نظام الحكم الجديد في عام ١٦٤٢.82

الصاع بالصاع

في مسرحية «الصاع بالصاع»، أمسك أنجيلو، المُفرط الحماسة، مُؤقَّتًا بزِمام حكومة فيينا من الدُّوق فنسنتيو. في ظلِّ نظام أنجيلو الصارم، قُبِض على كلاوديو بتُهمة مُمارسة الفحشاء، وهي جريمة سوف يُقطَع رأسه جرَّاءَها. ولو أنَّ العقوبات المشدَّدة على التجاوُز الجنسي، التي هي موضوع مسرحية «الصاع بالصاع»، كانت موجودة في ستراتفورد في ثمانينيَّات القرن السادس عشر، لربَّما كان شكسبير، الذي تزوَّج من آن هاثاواي بعد خمسة شهور من جعلها حُبلى، قد وجد نفسه في نفس موقف كلاوديو: «في خلال ثلاثة أيام، سيُقطَع رأسه» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطران ٥٣-٥٤).83
بالطبع، في إنجلترا، لم تكن عقوبات الفجور الجنسي بهذه الشِّدَّة. ومع ذلك، في أماكنَ أخرى في أوروبا، كان الأمر مختلفًا تمام الاختلاف، بخاصة في الحكومة الدينية البروتستانتية في جنيف في عهد جون كالفِن، الذي تشابهَت حكومته كثيرًا مع حكومة فيينا في ظلِّ حُكم أنجيلو. كان مُواطنو جنيف قد أقسموا في مايو من عام ١٥٣٦ بأن يعيشوا مُمتثلِين لشريعة الرب، وناشدوا كالفِن؛ المُصلح الفرنسي الكبير، أن يُساعدهم على فعل ذلك. لم تكن جهود كالفِن التشريعية تهدُف إلى تغيير السرائر وإنما إلى تقويم الطبيعة البشرية من الخارج إلى الداخل. باءت مُحاولته الأُولى بالفشل، ولكنه لاحقًا دُعي إلى العودة للمدينة ليتولَّى تلك المسألة مرةً أخرى. كانت جنيف في عهد كالفِن مُطهَّرة من المُغرِيات والرذائل؛ سواء أكانت شنيعة أو لا ضرَرَ منها؛ كان احتساء الخمور، والرقص، ولعب النرد محظورًا، بالإضافة إلى المُغالاة في اللبس.84 في عام ١٥٤٣، على سبيل المثال، استُدعي فرانسوا دي بونيفار للمُثول أمام العدالة بجريمة لَعِب لُعبة «التريك تراك» (تيك تاك) مع الشاعر كليمن مارو، وفي عام ١٥٦٢، ورغم أنه كان يُعاني من عجزٍ جنسي، أُجبِر من قِبَل قضاة التحقيق على الزواج من فتاةٍ شابة، كانت في السابق راهبة، تلك التي كانت مُديرة منزله. وفي غضون ثلاث سنوات من الزواج، انتَحرتِ المرأة غرقًا، وقُطِع رأس خادم بونيفار لارتكابه الزنا معها.85 ثَمَّةَ تشابُهٌ لافت هنا مع مسرحية شكسبير، التي نجد فيها لوسيو، الذي يعتبر الجنس نشاطًا ترويحيًّا غير ضار، يُسمِّيه «لعبة تيك تاك» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطران ١٦٢-١٦٣). وسواء عرف شكسبير بحادثة بونيفار تحديدًا أم لم يعرف، فمن المؤكد أنَّ تلك القصص عن عدالة جنيف كانت ستجد سبيلها إلى إنجلترا لأنه كانت تُوجَد مجموعةٌ إنجليزية في المنفى هناك إبَّان حُكم ماري تيودور؛ شقيقة إليزابيث الكاثوليكية. عاد هؤلاء المنفيُّون بعد اعتلاء الملكة البروتستانتية للعرش في عام ١٥٥٨ وجلَبوا معهم — بالإضافة إلى الكتاب المُقدَّس باللغة الإنجليزية الذي كانوا قد نشروه في جنيف الناطقة بالفرنسية في مايو من عام ١٥٦٠ — تعصُّبًا مُتجدِّدًا للقضية البروتستانتية. كان من المُرجَّح أن تكون هذه المجموعة بعَينها قد صفَّقَت استحسانًا لِلعقوبات المُشدَّدة على النقائص الأخلاقية وأن تكون قد ضَغطَت لِتبنِّيها على الأراضي الإنجليزية عندما عادوا. يزداد كثيرًا احتمال معرفة شكسبير بحُكم كالفن الدِّيني لأنه، أثناء وقت كتابة مسرحية «الصاع بالصاع»، كان يعيش في شارع سيلفر ستريت ضِمن مجتمع اللاجئِين الهوجونوت الفرنسيِّين.

وإن لم تكن إنجلترا مثل جنيف، فإنها أيضًا لم تكن ملاذًا آمِنًا للزُّناة ومُرتكبِي الفواحش. كان الزِّنا والفحشاء من الجرائم التي كانت تُعاقِب عليها دومًا المحاكم الكنسية. ومع ذلك لم تكن إدارة بيوت الدِّعارة، وهي الجريمة التي يُتَّهَم بها بومبي في المسرحية، أبدًا ضمن إطار الولاية القضائية الكنسية وإنما كانت دومًا مسألةً تخُص السلطات العلمانية، كما هي في فيينا شكسبير التي يأمر فيها أنجيلو بأن «سوف تُهدَم كل البيوت في ضواحي فيينا» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطر ٧٧). تلك هي «بيوت السوء» (الفصل الثاني، المشهد الأول، السطر ٦٧) أو بيوت الفسق، التي كانت على أرض الواقع في ضاحية ساذرك اللندنية تقِف ملاصقةً لمسرح «ذا جلوب»، ولكن من المُحتمَل أيضًا أن يُقْصَد بها مسارح وحانات باعتبارها «مُنتجعات» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطر ٨١).

كانت المسارح مُجاورة جغرافيًّا لمواخير منطقة بانكسايد، المعروفة باسم «المغاطس»، ولأشكالٍ عدَّة أخرى من ألعاب المجون، ومصارعة الدِّيَكة، وتعذيب الدِّبَبة، وشُرب الخمر. كانت التصرُّفات الجنسية السيئة في كلِّ مكان. في بعض البلدات، كان ثَمَّةَ معاركُ بشأن ما إذا كانت دُور القضاء أو الكنيسة تملك الولاية القضائية المُلائمة على القوَّاديِن، والعاهرِين، والزُّناة، وبخاصة عندما اعتبَرَ قُضاة التحقيق المحليون المُتحمِّسون أن العقوبات الكهنوتية غاية في اللِّين. ومع ذلك فالدِّعارة على النطاق المُجسَّد في مسرحية «الصاع بالصاع» كانت قضيةً مَعنيَّة بها في الأساس لندن وحدَها.

تنتهي مسرحية «الصاع بالصاع» بسلسلةٍ من الزيجات الشرعية، وإن كانت تنطوي على إشكالياتٍ كبيرة. هذه الزِّيجات هي ما يضع المسرحية تحت التصنيف الأدبي للكوميديا، علاوةً على أنه بالرغم من كلِّ المؤشرات التي تُؤدِّي للعكس، نجد، في النهاية، أن الوفاة الوحيدة في المسرحية هي وفاةٌ ناتجة عن أسبابٍ طبيعية. كان خيطا الحبكة الرئيسية للمسرحية، الحاكم المُتنكِّر وقاضي التحقيق الفاسد، مَعروفيَن بالفعل لدى جمهور حقبة أوائل العصر الحديث. وتشتمل مصادر شكسبير للحبْكة على عمل جيوفاني باتيستا جيرالدي سينثيو المُسمَّى «هيكاتوميثي» (١٥٦٥) ومسرحيته التي نُشِرَت بعد وفاته «إيبتيا» (١٥٨٣). كذلك استقى من مسرحية جورج ويتستون المُسمَّاة «القصة الصحيحة البديعة لبروموس وكاساندرا» (١٥٧٨) وقصته في كتاب «سبعة أيام من النقاشات اللطيفة» (١٥٨٢)، الذي أُعيد نشره باسم «أوريليا» في عام ١٥٩٢.

تسرد مسرحية «الصاع بالصاع» الكوميديا الاجتماعية لحياة الناس في المدينة التي يعيشونها داخل وخارج إطار القانون، بالإضافة إلى إقامة العدل من أعلى منصبٍ في البلد نزولًا حتى المناطق الحضرية البائسة. ومع ذلك، وبالرغم من البناء الهزلي للمسرحية وأنماط شخصياتها الهزلية — مثل الشُّرطي الأخرَق على نحوٍ سيئٍ إيلبو، وصاحبة بيت الدعارة، والسيدة أوفردون (التي تزوَّجَت تسع مرات و«جاوزَت الحد» overdone بزوجها الأخير، الذي هو الآن مُتوفَّى)، والقوَّاد، وبومبي، والسجين المخمور صعب المِراس، وبرناردين — فإن الكوميديا فيها لا تتحاشى أبعاد الحياة المريرة، والمُنحطَّة على نحوٍ كئيب، التي يُحتمَل أن تكون مأساوية، والتي لا بدَّ أن تُصاحِب عالم المواخير، والسجون، والحكومة الفاسدة. إن مشكلة الجو العام هذه، التي تفاقَمَت عمدًا بواسطة التحالُفات الزوجية غير الواعدة في ختام المسرحية، هي السبب في أنَّ النقَّاد عادةً ما يُشيرون إلى المسرحية على أنها «كوميديا قائمة على الإشكاليات».
يتألَّف انتهاك كلاوديو من تسبُّبه في حَمل حبيبته، جولييت. لاحقًا في المسرحية، يحتج كلاوديو بأنهما في واقِع الأمر مُتزوِّجان، وإن لم يتم زواجهما في الكنيسة:
بمُوجَب عقدٍ صحيح،
استَبَحتُ لنفسي فراشَ جولييت.
إنكَ تعرفها، في الواقع هي زوجتي،
غير أنَّنا لم نُشِع هذا الخبر للناس
حسبما تقتضي الطقوس الشكلية.
(الفصل الأول، المشهد الثاني، الأسطر ١١٨–١٢٢) [ترجمة دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان]

كان العهد الشفهي بين الزوجَين، فيما يُعرف بالاتفاق السري، وبخاصة ذلك الذي كان موجودًا فيه شهود، يُعَدُّ عقدًا زوجيًّا مُلزِمًا له الصفة الشرعية والقانونية في زمن شكسبير، بالرغم من وجود مَساعٍ في تلك الحِقبة لفرض التصديق الكنسي. ومع ذلك كان ردُّ فِعل كلاوديو المبدئي على سجنه هو إقراره بالجُرم، ليس فقط ردًّا على تُهمة مُمارسة الفحشاء، وإنما أيضًا على «التُّخمة» أو الشَّرَه الجنسي، وهو نوعٌ من الشَّهوة المحمومة (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطر ١٠٣). في أثناء ذلك، تذهب إيزابيلا، شقيقة كلاوديو، التي انضمَّت حديثًا إلى دَيرٍ بصفتها مُترهبِنةً مُبتدئة، إلى أنجيلو لتلتمِس الإبقاء على حياة شقيقها. يزعم أنجيلو، الذي يدعم مرارًا وتكرارًا أفكار البيوريتانيِّين، أنه مُحصَّن من الإغراءات الجنسية ويعتقِد أنَّ أفعال سوء التصرُّف الجنسية تستحقُّ أغلظ العقوبات. ومع ذلك، يُحاول أنجيلو، بعدما يستحوذ عليه التِماس إيزابيلا المُفعَم بالحماس باسم شقيقها، أنْ يُكْرِهها على مُمارسة الجنس معه: إن هي ضاجعَته، فإنه سوف يُبقي على حياة كلاوديو. ودون علم أنجيلو، تستعين إيزابيلا بماريانا، حبيبته السابقة التي هجرَها، لِتحلَّ محلَّها في فراشه. غير أنه بالرغم من اعتقاد أنجيلو بأنَّ الصفقة الجنسية قد أُتمِمَت، فإنه مع ذلك يأمُر بإعدام كلاوديو. يُنقَذ كلاوديو عن طريق استبدال كلاوديو ببراعةٍ بجثَّة رجل كان قد مات في السجن بأسبابٍ طبيعية. تنتهي المسرحية باقتران كلاوديو وجولييت، وأنجيلو وماريانا، والأكثر إدهاشًا بعرْض الدُّوق فنسنتيو لإيزابيلا بالزواج منها؛ وهو العرض الذي يكون ردُّها عليه ألَّا تنطِق، بغرابة، ببِنتِ شَفَة. إن التعديلات الجوهرية التي أدخلها شكسبير على مصدره هي تعديلاتٌ مُهمَّة؛ ففي نُسخة ويتستون نجد أن شقيقة الرجل المُدان ليست راهبة في الكنيسة، وأنها، على العكس من إيزابيلا، تتنازل عن عُذريَّتها للمُفوَّض من أجل إنقاذ حياة شقيقها.

كحال لندن، يشيع في فيينا، التي تُصوِّرها المسرحية، الفساد الأخلاقي والمادي. والإشارات العديدة في المسرحية إلى الأمراض التناسُلية لَهي دلالة على الانحلال السياسي. وفي إطار هذا المشهد الحضري المُعتلِّ مجازيًّا وحرفيًّا، يطرح شكسبير أسئلةً مُقلِقة بشأن العلاقة بين الإخضاع السياسي والجنسي، وبشأن ما إذا كان، أو بالأحرى إلى أي درجة، الحفاظ على السلطة السياسية يعتمِد على التحكُّم في الغريزة الجنسية. وفي المقام الأول، مسرحية «الصاع بالصاع» هي مسرحية عن النفاق الأخلاقي؛ الرذائل الفردية للشخصيات العامة، وهي تطرح واحدًا من أكثر التساؤلات إلحاحًا في عصرها: هل تستحقُّ التجاوُزات الجنسية المؤاخذة من قِبَل الدولة؟

•••

استُخْدِمت العبارة الشهيرة للقديس بولس «التزوُّج أصلح من التحرُّق» (رسالة القديس بولس الأولى إلى أهل كورنثوس، الإصحاح ٧، الآية ٩) لقرونٍ بوصفها دليلًا من النصوص المُقدَّسة على سمُوِّ حياة العزوبية على الزواج. ومن منظور تعاليم القديس بولس، بما أن عِقاب الفجور الجنسي هو اللَّعنة الأبدية، فإن أولئك الأشخاص الذين كانوا غيرَ قادرِين على البقاء طاهرِين ينبغي أن يتزوَّجوا؛ ومن ثَمَّ كان الزواج بديلًا أدنى من الحالة الحياتية الأعلى والتي نبذَت الجنس بالكلية. وردًّا نوعًا ما على الفوضى الجنسية التي سادت أحيانًا في مُجتمعات الرهبنة في العصور الوسطى — التي لم تصمد أمامها نُذُور التبتُّل — وعلى حكمٍ رهباني انحاز للزُّهد الشديد، رَفعَت البروتستانتية من شأن الزواج إلى أعلى منزلةٍ في الحياة، فاعتبرَتْها السبيل المُفضَّل للإنسان المسيحي في رحلته إلى الله. وبعد تصفية هنري الثامن للأديرة، حلَّ نموذج العفَّة بالزواج والسعادة الزوجية في العالم العلماني محلَّ نموذج التبتُّل المُنعزِل المنذور لله.

بينما كان من المُمكن تأييد العقد الشفهي، الذي دخل فيه جولييت وكلاوديو، في المحاكم، عادةً ما كان من الصعب على امرأةٍ حُبلى أن تُثبِت أن والد طفلها قد أبرم اتفاقًا كهذا قبل أن تحبل بالطفل. أدَّى هذا إلى كلِّ أنواع النزاعات في المحاكم الكنسية حول ما اتُّفِق عليه وما لم يُتَّفَق عليه. ومِمَّا لا شكَّ فيه أن «عقدًا شفهيًّا» يُمكن أن يحظى بقَبول المرأة حتى لو كان المأرب الحقيقي للرجل هو علاقة إغواءٍ وقتية وليس علاقة زواجٍ طويلِ الأمد. يُقدِّم لنا شكسبير مقارنةً مُثيرة للاهتمام بين جولييت حبيبة روميو في مسرحية «روميو وجولييت»، التي بادَرَت بتحديد الشروط التي ستقوم عليها علاقتها مع حبيبها، وجولييت حبيبة كلاوديو؛ إذ تقول الأُولى: «إن كنتَ في حبِّك جادًّا وشريفًا، وتُريدني زوجًا عفيفًا» (الفصل الثاني، المشهد الثاني، السطران ١٤٣-١٤٤)، وعندما يتبيَّن عدم رغبة روميو في المُغادرة، تستفسِر بوضوحٍ أكثر قائلة: «وكيف في هذا المساء أُطفئ الظمأ؟» (الفصل الثاني، المشهد الثاني، السطر ١٢٦).86 كذلك، تضاربت فكرة العقد السري؛ أي الاتفاق الشفهي بين الزوجَين، مع الفهم الجديد للزواج الذي طرأ في تلك الفترة. كان الزواج علامةً على النُّضْج الاجتماعي، وكان الدخول فيه تغييرًا لحالة المرء بطريقةٍ قاطعةٍ وعامة. وفشِلَت بنحوٍ كبير الزيجات السرية، التي لم تُبرَم أو يُصادَق عليها علانيةً بطريقةٍ ما، في أن تكون سِمةً عامَّة. لا نعرِف إن كان شكسبير وآن هاثاواي قد أبرما عقدًا غير رسمي أم لا قبل زواجهما الكنسي، ولكنَّنا نعرف أنه مع اكتساب الزواج لأهميةٍ دينية واجتماعية أكبر في ظلِّ البروتستانتية، شَهِدتِ الضوابط القانونية والكهنوتية التي تحكم الزواج تغيُّرًا عظيمًا؛ ومن ثَم كان ثَمَّةَ ضغطٌ أكثر بكثيرٍ من أجل عقد الزيجات في الكنيسة. وكانت مسألة بدْء جسَد المرأة في إظهار دليلٍ مرئي على إتمام الدخول بها دون مُباركة الكنيسة أو المجتمع أمرًا شائنًا بدرجةٍ كبيرة.

مع أن إنجلترا في أوائل العصور الوسطى لم تُعْدِم مُرتكبي الفحشاء، فإنها نفَّذَت بمنتهي الصرامة عقوباتٍ قاسية وفي بعض الأحيان مُغلَّظةً على سُوء السلوك الجنسي. وهذه العقوبات لم تمتدَّ إلى قطع الرأس، إلَّا لو تصادف أن كانتِ المجرمة المزعومة تعيسةَ الحظِّ كونها مُتزوجةً من هنري الثامن، كما في حالة آن بولين، والدة إليزابيث الأولى. وقُبيل وفاة شكسبير، أمرت المحكمة الكنسية توماس كويني، المتزوِّج حديثًا بابنة شكسبير جوديث، بأن يقوم بكفَّارة على الملأ وهو يتَّشِح بمُلاءةٍ بيضاءَ لثلاثةِ أيامِ آحادٍ مُتتابِعة، وهي عقوبةٌ كانت تُلغى عند دفع غرامةٍ قيمتها خمسة شلنات. كان كويني قد أنجب طفلًا من امرأة تُدعى مارجريت ويلر، التي دُفِنَت مع طفلها في الخامس عشر من مارس، سنة ١٦١٦. عانت ويلر ورضيعها من أكثر عواقب الاتصال الجنسي غير المشروع إيلامًا. وكما هو الحال غالبًا في حالة الجرائم الجنسية ما قبل الزواج، سُوِّيَت مسألة الاتصال الجنسي غير المشروع الخاصة بشكسبير عن طريق الزواج الذي لولاه لكان من شأنه أن يَتعرَّض للإدانة من قِبَل محكمةٍ كنسية، والتي كانت تُعْرَف عادةً (كما أشرنا سابقًا) باسم «محكمة الفسق».

كذلك كان التجاوُز الجنسي يُعَدُّ من القضايا السياسية المُلحَّة؛ فكان تقريبًا كل برلمان في دورته في تلك الفترة يهتمُّ بسنِّ تشريعٍ مُتعلق به. من المُحتمَل أن يكون شكسبير قد عرف على الأقل واحدًا من التقديمات البديلة لقصته، لا سيما عمل توماس لوبتون الذي يحمل اسم «الجزء الثاني والصياغة المُحكمة للكتاب المُعنوَن «أروع من أن يُصَدَّق»» (١٥٨١). المرأة التي تُقدِّم التماسًا إلى القاضي في هذه النسخة مُتزوِّجة من المُتَّهم (الشخصية المعادلة لشخصية كلاوديو) وبالتالي تُكْرَه على الزنا، وهو مثالٌ آخر على التجاوُزات الجنسية التي كان يدور حولها جَدلٌ مُحتدِم. وفي عام ١٦٢٦، حاول عضو البرلمان عن دائرة إكستر، «المُتَّسِم بالصرامة في احترام القواعد»، إجناتيوس جوردان أن تُطبَّق عقوبة الإعدام على الزنا، لكن لم يُمرَّر قانونه، ولكن ذلك لم يَثنِه عن المحاولة مُجدَّدًا في عام ١٦٢٨، آملًا في النجاح هذه المرة مع الاقتراح الأكثر اعتدالًا بفرْض مائة مارك غرامة على السادة النُّبلاء والجَلد لكلِّ مَن عَداهم. حث عضوٌ آخر في المجلس، وهو جون بيم، على تقديم الدعم للقانون المُقترَح بقوله بأنه «بما أن هذا الإثم استدعى عقوبة الربِّ على هذه الأرض، فينبغي عليهم إسناده إلى لجنةٍ لمزيد من الدراسة.» إن عبارة commit it التي استخدمها يمكن أن تعني أيضًا حرفيًّا «ارتكابه». لُوقِيَ طلب بيم بضحكٍ صاخبٍ وصيحات من الأعضاء مُستخدمِين نفس عبارة بيم ولكنهم كانوا يقصدون المعنى الحرفي. لكن لم يُعجِب ذلك إجناتيوس جوردان وأبدى ازدراءه لموجة المرح وخاطب رئيس المجلس قائلًا: «لقد كنتُ دومًا أتوقع أن يُلاقي هذا القانون الكثير من المُعارضة، ولكن، سيدي الرئيس، هذه القضية ليست بالأمر المُضحك.» انتهز السير إدوارد كوك الفرصة ليوضِّح الأمر أكثر بالزعم بأن المجلس في واقع الأمر لم يُعارض القانون، واستخدم نفس عبارة بيم قاصدًا أن «يُسندوه إلى لجنة». وأوضح كوك كلامه قائلًا: «أقصد أنَّنا ينبغي أن نُسنِد القانون إلى لجنة ولا أقصد أن نرتكب هذا الإثم.»87 غَنيٌّ عن القول إنَّ القانون لم يُمرَّر؛ لكلِّ ذلك، كانت الاقتراحات بالمزيد من التشريعات المُتَّصِلة بالجنس سمةً ثابتة من سِمات برلمانات كلٍّ من العصرَين الإليزابيثي واليعقوبي، مع استمرار الأعضاء البيوريتانيِّين في الضغط من أجل الإصلاح الأخلاقي رغم الرفض المُتكرِّر لمُحاولاتهم لتمرير تلك التشريعات.
ارتأى العديد من الرجال في مجلس العموم أنَّ النقاش بشأن السلوكيات الجنسية غير اللائقة قد مسَّهم هم شخصيًّا. في عام ١٦٢٥، أُدينت فرانسيس ابنة كوك بتُهمة الزنا، وإن كان ذلك في ظلِّ الظروف المُخفَّفة المتعلقة بإجبارها على الزواج على يد كوك نفسه عندما كانت لم تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها؛ إذ كانت فرانسيس قد زُوِّجَت إلى السير جون فليرز؛ الأخ غير الشقيق المَعتوه لأكثر النُّبلاء نفوذًا في البلاد، وهو دوق بكنجهام. كان شريكها في جريمة الزنا عضوًا بالبرلمان، وهو السير روبرت هوارد، الذي حُرِم كنسيًّا، بينما غُرِّمَت فرانسيس خمسمائة مارك وحُكِم عليها بالقيام بكفارة على الملأ.88
عندما يتساءل بومبي: «هل يعني فخامتكم أن يُخصي ويُعقَّم كل شباب المدينة؟» (الفصل الثاني، المشهد الأول، السطران ١٩١-١٩٢)، فإن تساؤُله يُشير إلى استحالة تقنين الرغبة رغم المحاولات المُتكرِّرة من السلطات لفعل ذلك. المُثير للاهتمام أن «الإخصاء والتعقيم» — وهو تعبير يرتبط بتربية الحيوانات — يُشير إلى كلا الجنسَين على الرغم من أن كلمة «شباب» عادةً ما تُشير فقط إلى الذكور. وإذا ما أُخِذ سؤال بومبي على محملٍ حرفي، فإنه يقترح الإخصاء باعتباره الحلَّ الوحيد الحقيقي، ولكن المُحال؛ من أجل كلِّ ذلك، نجد أن بعض مُعاصرِي شكسبير دعَوا إلى التشويه الجسدي — وهو ما يُعَدُّ حرفيًّا «أكثر القوانين إيلامًا» (الفصل الأول، المشهد الثالث، السطر ١٩) — مُعتبرِين أنه عقوبةٌ مناسبة. فنجد مثلًا أنَّ ويليام لامبارد في كتابه «تجوال في مقاطعة كِنْت» (١٥٧٦)، أيَّد جدْع أنوف المُتجاوزِين. هذا الشكل من أشكال العقوبة يتردَّد صداه مرةً أخرى في مسرحية «الصاع بالصاع» عندما يلاحظ كلاوديو أن أنجيلو في مَسعاه لإقامة علاقةٍ جنسية مع شقيقته في مُقابل حياته يحاول أن «يجدع أنف القانون» (الفصل الثالث، المشهد الأول، السطر ١١٠)؛ أي أنْ يُشوِّه القانون نفسه. أخيرًا، في عام ١٦٥٠، في جمهورية أوليفر كرومويل الإنجليزية التي يسيطر عليها البيوريتانيون، مُرِّرت عقوباتٌ صارمة لسوء السلوك الجنسي وأُدْخِلَت في إطار القانون في إطار «[التشريع] المعني بقمع المعاصي الممقوتة المُتمثِّلة في الفسق بالمحارم، والزنا وارتكاب الفحشاء.» وكما يوضِّح آر إس وايت، لم يكن هذا زيغًا بيوريتانيًا ما، بل مُحصِّلة ما يربو على القرن من الضغط السياسي.89
يُجسِّد كلٌّ من أنجيلو وإيزابيلا الكبت الجنسي في المسرحية؛ فإيزابيلا قد اختارت حياة الرهبنة، «أبتغي قيودًا أكثر صرامةً على راهبات سانت كلير» (الفصل الأول، المشهد الرابع، السطران ٤-٥). أمَّا أنجيلو فكان مُتبتِّلًا، قبل أن تُهيِّج إيزابيلا رغبته، ويُعبِّر الدوق عن ثِقته فيه، المُعتمِدة في جانبٍ منها على الاعتقاد بأنه من المُستحيل أن «سهْم الحبِّ الطائش، يمكن أن ينفُذ من هذا الصدر المنيع» (الفصل الأول، المشهد الثالث، السطران ٢-٣). هذا السطر، كشأن سطورٍ كثيرة أخرى في المسرحية، هو صورةٌ جنسية تمامًا، وهي في هذه الحالة صورةٌ مُتعلِّقة بعدَم قابلية النفاذ وﺑ «السهم الطائش» الذي يُوحي بالقضيب، بل إنَّ لغة إيزابيلا نفسها أكثر احتواءً على إيحاءاتٍ جنسية؛ فهي ترفُض، مُستعينةً بتصويرٍ جنسي لا يُقاوَم، استعطاف كلاوديو بألا تنزل على رغبات أنجيلو حتى تُنقذ حياته:
لو حُكِم عليَّ بالموت، فأهلا بالسياط تجرحني؛
فأحسبها جواهر أتزيِّن بها.
وإني أُعرِّي نفسي للرَّدى، وأحسبه فراشًا وثيرًا طالما اشتقتُ إليه،
قبل أن أُخْضِع جسدي لهذا العار.
(الفصل الثاني، المشهد الرابع، الأسطر ١٠١–١٠٤)

إن السياط، والجواهر، والتعرِّي، والفراش، والاشتياق، والخضوع، والعار، والجسد، كلها كلمات تُفصِّل بوضوح الفعل الجنسي نفسه الذي تُعاني إيزابيلا الأَمَرَّين من أجل تجنُّبه. تدُلُّ كلماتها على ما أَطلَق عليه فرويد «مُعاودة ظهور المكبوت»؛ فهي تُقدِّم استعراضًا مازوخيًّا وإباحيًّا لجسدها العاري («أُعرِّي نفسي») الذي يُثيره عذابٌ جنسي إزاء احتمال كبتٍ شديد. التزمُّت الذي ينطوي على رغبةٍ غير سوية، الذي يُنبئ به تصميمها على أن تظلَّ مُحْصَنَة، يُشبِه لغة التدابير العقابية لتلك الحِقبة في مُواجهة الإباحية الجنسية في أنه يُكرِّر تَكرارًا حتميًّا ما يسعى إلى اقتلاعه. تُقدِّم إيزابيلا أيضًا صورةً مِرْآتيَّةً معكوسةً للغة أنجيلو الساديَّة الواردة في موضعٍ سابق في المسرحية عندما يقول لإيسكالوس: «أتمنَّى أن تجد مُبرِّرًا جيدًا لجلدهم بالسياط جميعًا» (الفصل الثاني، المشهد الأول، السطر ١١٧). أنجيلو، من هذا المنظور، مُشترِك بالفعل مع إيزابيلا في خطابٍ عقابي حِسِّي، يُوحي بوجود حالةِ اتفاقٍ طبيعية بين رغباتهما أكثر من حالة التنافُر الأكثر مباشرةً بين الجاني والضحية.

وكذلك فإنَّ لُغة شكسبير هنا تروي لنا القصة بطرقٍ أخرى. كان الجَلْد بالسوط من الأمور البارزة بصفةٍ خاصة في المحاولات التشريعية العديدة الساعية إلى ردع السلوك غير الأخلاقي؛ ففي عام ١٥٧٩ في مدينة بيري سان إدموندس، حدَّدت لجنةٌ من قُضاة الصلح عقوبات ارتكاب الفحشاء، والزنا، والفسق بالمحارم، والتي كانت: التقييد لمدة أربعة وعشرين ساعة في عمود الجَلد، وقصَّ شعر الرأس، و«ثلاثين جلدةً مُنفَّذة تنفيذًا جيدًا حتى يتفصَّد الدم.»90 هذه، إذن، هي «جواهر» إيزابيلا؛ فهي تُشير إلى عقوبة «الجلد بالسوط والتجريد من الثياب» العلنية المعهودة بلذَّةٍ مازوخية شهوانية لا تختلف كثيرًا في مضمونها عن اللغة الساديَّة لقُضاة الصلح التابعِين لمدينة بيري سان إدموندس. كان الجلد بالسوط هو العقوبة الروتينية للنساء اللائي يُحْكَم عليهن بارتكاب الفحشاء، ولكنها عادةً لم تكن تُطَبَّق على الرجال.91 وحينما أُعيدت مُناقشة الأحكام المتعلقة بالنُّغُولَة في قانون إعانة الفقراء لسنة ١٥٦٧ في عام ١٥٩٦، نشأ خلافٌ بشأن ما إذا كان القانون الأصلي يقصد عقابًا بدنيًّا لِلمجرمِين من الذكور أم مجرَّد حبسهم. أشار أحد أعضاء البرلمان في يومياته إلى أن «كثيرِين انتهجوا فكرًا مُتحررًا؛ إذ ارتَأَوا ترك الأمر لتقدير قاضي الصلح بأن يَحوز سُلطة جَلد الشخص الذي ينتهك القانون.»92 وأعرب بعض أعضاء البرلمان عن قلقهم إزاء كون الجلد سلوكًا «استعباديًّا»؛ ومن ثَمَّ، فهو عقوبةٌ غير لائقة بالرجال النُّبلاء؛ مثل لوسيو، الذين لم يفعلوا شيئًا، على الأقل من وجهة نظرهم، إلَّا أنهم أَطلَقوا العِنان لشهوات الشباب. وفي عام ١٥٩٣ أُبدِيَت اعتراضاتٌ على المُقترَح الذي مَفادُه أن يُجْلَد آباء أبناءِ السِّفاح مع أُمَّهاتهم. كان مصدر القلق نابعًا من أنَّ الجزاء «قد يُصادف أن يُصيب رجالًا نُبلاءً أو رجالًا من ذوي المنزلة الرفيعة، الذين لا يليق وضعهم في مثل هذه المهانة.»93 في الفصل الثاني (الفصل الثاني، المشهد الأول، السطر ٢٠٧) يتلقَّى بومبي القَوَّاد تهديدًا بالجلد بالسوط من قِبَل إيسكالوس القاضي التابع للدوق، ولكنه بالتأكيد ليس رجلًا من ذوي المنزلة الرفيعة. مع ذلك، يعتمد لوسيو الشهواني على وجه التحديد على حماية طبقته الاجتماعية، ولم يتحمَّل أي تبعاتٍ لأُبوته لطفلِ سفاح، «لقد حَملَت منه السيدة كيت كيبداون أثناء عهد الدوق، وتعهَّد بأن يتزوَّجها. إن عمر طفلهِ عامٌ وربع العام …» (الفصل الثالث، المشهد الثاني، السطران ١٦٠-١٦١). يُظْهِر لوسيو احتقارًا تامًّا للنساء، ويحتفظ بمقْتٍ خاص للمُومِسات. ارتأى بعض أعضاء البرلمان بعقلانيةٍ أكثر أنه قد يُتَّهَم رجالٌ أبرياء زورًا وأن قضاةً سيئِين أو فاسدِين قد يميلون إلى جَلدِهم على أي حال: «قد يُنفِّذون هذه العقوبة التهذيبية بسُوء نِيَّة على شخصٍ لم يُخالف القانون إذا ما اتُّهِم من عاهرة.»94 وفي النهاية، لم يُصادَق على النصِّ الخاص بالجلد، ولكنَّ كاتب يومياتٍ مجهولًا لخَّص هذه المسألة المُحيِّرة بالقول: «أُثير لغطٌ كثير فيما يتعلق بكيفية التوصُّل إلى حلٍّ لهذه المسألة.»95
على الرغم من أن كُتَّاب سيرة شكسبير الذاتية تكهَّنوا بأنه هو نفسه كان يتردَّد على المواخير، فنجد أن مسرحية «الصاع بالصاع» بالتأكيد لا تأتي على ذِكر أيِّ مَشاهد هناك. ومع ذلك فقد استعان شكسبير بمشاهدِ مواخيرَ في مسرحية «بيريكليس» عندما بدأ التعاوُن مع قاطنٍ آخَر من قاطني شارع سيلفر ستريت، صاحب الماخور الذي صار مؤلِّفًا مسرحيًّا، جورج ويلكينز.96 ولا يُوجد في المسرحية أيُّ أَثَر من إباحية قصيدة توماس ناش «اختيار عيد الفالانتين» التي تتَّسِم بالوَضاعة المُبهجة، والتي تُشير أيضًا إلى أَثَر القانون على «المهنة». في تلك القصيدة، نجد أن فرانسيس، العاهرة الشابة المُولَع بها تومالين، قد أُبْعِدَت بواسطة السلطات إلى «بيتٍ للدِّعارة في شارع أبر جراوند». كان شارع أبر جراوند في حي المسارح؛ «الضواحي الدَّنِسة الآثمة» لمنطقة ساوث بانك، كما دعاها توماس ديكر في منشوره «العام العجيب» (١٦٠٣).

لا يدفع كلاوديو، كما سبق أن أشرْنا، على الفور ببراءته عند القبض عليه، وهو في هذا يتناقض مع الرجل الذي يبدو سعيدًا في زواجه في المسرحية، الشُّرطي إيلبو؛ فالأخير ينفي بشدَّة — وإن كان يفعل ذلك بلغةٍ تتَّسِم بإساءة استخدامٍ للألفاظ تتعارض مع مقصده — أنه أقام علاقاتٍ جنسية مع زوجته («اشتبه فيَّ معها») قبل زواجهما: «أنا يُشتبَه فيَّ معها قبل أن أتزوَّجها؟ لو سبق أن اشتُبِهَ فيَّ معها أو فيها معي، لما كنتُ الضابط المسكين لدى الدوق» (الفصل الثاني، المشهد الأول، الأسطر ١٤٥–١٤٨). وعلى الرغم من أن زوجة إيلبو «المُخلِصة» لا تظهر كشخصية في المسرحية، فإن الحوار في المشهد الأول من الفصل الثاني — الذي يحاول فيه دون جدوى أن يُبلغ عن طبيعة الجريمة التي ارتكبها بومبي بحقِّها — يُقدِّم مشهدًا قصيرًا مُضحكًا؛ فنظرًا لأن السيدة إيلبو كانت في مرحلةٍ مُتقدِّمة من الحمل، فقد أرغمها تَوقُها الشديد إلى البرقوق المُجفَّف المطبوخ على أن تَمُرَّ بمنزل بومبي السيئ السمعة؛ ومن ثَمَّ أتى أحد زبائنه، وهو السيد فروث، فِعلًا ما يتعذَّر تحديده جعلها تبصُق في وجهه. خَرَق إيلبو في استخدام اللغة يمنعه من الإسهاب في تفصيل الأمر، وفي النهاية يصرِفه إيسكالوس، الذي يُنهي مُقابلتهما بمحاولة استبدال ضابطٍ أكثر جدارة به. ربما تكون زوجة إيلبو مثالًا شكسبيريًّا نادرًا نوعًا ما على الإخلاص الجنسي الأُنثوي بين الطبقات الدُّنيا، لكنَّنا لا نستطيع التيقُّن من ذلك؛ فرواية زوجها الخرقاء والقاصرة لفظًا للأحداث تجعل ظروف زيارتها لهذا المكان السيئ السُّمعة ضبابية بعض الشيء، بكلِّ معنى الكلمة، وتجعل إيلبو نفسه من الحماقة بما يكفي لأن يكون ديُّوثًا ساذجًا؛ أو بعبارةٍ أخرى، رجلًا يجهل خيانة زوجته حتى وإن كانت معروفةً للجميع عداه. على الجانب الآخر، في حال كان هناك إخلاصٌ وسعادة في علاقة إيلبو وزوجته، يبدو حينذاك أنَّ الفضيلة والذكاء لا يجتمِعان.

تتَّسِم هذا الواقعة بالأهمية في المسرحية لأنها تُفصِّل حقيقة العدالة على أرض الواقع وفي الشوارع، وليس في مسائل القانون التجريدية النُّخبوية. فضلًا عن ذلك، في خِضَم الساقطات، والأوغاد، والعاهرات، والقَوَّادين، نجد (احتمالًا) صورة الزوجة العفيفة الوَلود التي تُقاوِم مفاسد المدينة الجنسية الدَّنِسة، وصورة زوجٍ صائن لزوجته يسعى لسعادة عائلته. على النقيض، ورغم أنَّ كلاوديو وجولييت ينتميان إلى مرتبةٍ اجتماعية أرفع، ورغم أنهما مُتزوِّجان، على نحوٍ قانونيٍّ ما، فإنَّ طابع علاقتهما هو طابعٌ مُتعلِّق بنَهَمٍ جنسي، «الإفراط» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطر ١٠٤)، وليس علاقةً زوجية تتَّسِم بالرضا.

وثَمَّةَ أَمرٌ هام وهو أنه عندما يُقرُّ كلاوديو بأنه مُذنبٌ ويقول إن الأمر لا يَعدو كونه يدفع ثمن «الحُريَّة الزائدة عن الحد» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطر ١٠٢)، فإن مقولته مُحمَّلة بمعنًى سياسي يُشير إلى الاعتقاد الذي كان سائدًا في أوروبا بكاملها في أوائل العصر الحديث بأنَّ «الحرية» أعظم خطرًا من الكبت. لم تكن المشكلة، كما ارتآها الكثيرُ من المُفكِّرِين القانونيِّين، تكمُن في القانون في حدِّ ذاته، الذي كان بالفعل صارمًا، وإنما في أن تطبيقه قد يُفسح المجال للتساهُل (على سبيل المثال، نادرًا ما كان يُعْمَل بالتشريعات الإنجليزية الخاصَّة باللواط). يتمثَّل «استبداد» أنجيلو (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطر ١٣٦) بالمِثل في أنه يسعى إلى إعادة الحياة إلى سُلطاتٍ تشريعية مَيِّتة:
هذا الحاكم الجديد
يُعيد إحياء كلِّ العقوبات التي أثبَتَها القانون،
والتي بقِيَت، مِثل درعٍ غير مصقول مُعلَّق على الحائط لزمنٍ طويل،
حتى دارت بها البروج تِسعَ عشرة دورةً،
دون أن تُطبَّق …
(الفصل الأول، المشهد الثاني، الأسطر ١٣٨–١٤٢)
إن المقارنة التي يُجريها كلاوديو في هذا الموضع هي بين إجراءاتٍ قانونية غير مُستخدمة ودرعٍ صدئ، يسعى أنجيلو الآن أن «يصقُله» بِحميةٍ تشريعية. إن مفهوم التطهير التشريعي الذي يُستعان به فيما يتعلق بالرِّجس الأخلاقي لهو مفهومٌ شائع ثقافيًّا؛ ففي كتاب سيميون جراهام «تحليل المزاجات»، دائمًا ما تُوصف أيضًا حجرات نوم النساء المُومِسات بأنها «غير مصقولة (وَسِخة).» هذه اللغة تعيد إلى الأذهان تلك اللغة التي استخدمها هاملت لتعنيف أُمِّه عندما زارها في الغرفة التي تتشارك فيها في ذاك الوقت مع زوجها الثاني: «عرقٌ مُنتِن يتصبَّب على فِراشٍ مُلوَّث، كله فساد ودَنَس» (الفصل الثالث، المشهد الرابع، السطران ٨٣-٨٤).97
أحد أكثر الجوانب المُذهِلة لإنجازات كالفِن التشريعية في جنيف هو أنه لم «يغير» كثيرًا من قوانين المدينة بقَدْر ما «طبَّقها» ببساطة تطبيقًا كاملًا.98 وفي إنجلترا، احتجَّ ويليام لامبارد — الذي عُيِّن في منصب أمين سجلَّات كنيسة رولز في عام ١٥٩٧ وأمين السجلَّات في بُرج لندن في عام ١٦٠١ (كان البرج عبارة عن مكتبة وسجن في الوقت نفسه)، قبل ثلاث سنوات فقط من عرض مسرحية «الصاع بالصاع» في البلاط الملكي — من مُنطلقٍ يُشبِهُ كثيرًا مُنطلق أنجيلو، بأنه كان من اللازم انتزاع السلطة القضائية من قبضة الأساقفة لأنهم كانوا قد فشِلوا في صَون «مصلحة الحاكم»، وكنتيجةٍ مُباشرة لتهاوُنهم في إنفاذ القانون «يزداد الفجور فيما بين رعاياه تزايدًا مُفرطًا.»99 شدَّد لامبارد على سيادة القانون باعتبارها الركيزة الأساسية للنظام الاجتماعي؛ فهي بمنزلة «الأدلة الخارجية المَرجعية والمُوجِّهة لحياتنا وسلوكياتنا الاجتماعية.»100 شكَّل «الفجور»، وتحديدًا السلوك الجنسي غير المُنضبط، تهديدًا لسيادة القانون ذاتها من وجهة نظَر لامبارد وآخرِين مِثله.
كان هذا، بالطبع، نفس الشخص المدعو لامبارد الذي كانت الملكة قد اشتكت إليه بشأن مسرحية «ريتشارد الثاني» ونفس الشخص الذي نادى بجدْع الأنوف عقابًا على السلوكيات الجنسية غير اللائقة. إنَّ لامبارد هو بالفعل شخصيةٌ مُثيرة للاهتمام؛ ففي أواخر الثلاثينيَّات من القرن الماضي، كان يُعتقَد أنَّ إحدى أطروحاته كانت تحوي توقيعًا أصليًّا لشكسبير؛ وهو الأمر الذي ما زال مَوضع خلاف. فضلًا عن ذلك، زعم بعض كُتَّاب السير الذاتية أنه من المُحتمَل أن يكون شكسبير قد عرف لامبارد إمَّا بسبب الشئون القانونية الخاصَّة بجون شكسبير بالمحكمة العُليا، وإمَّا لأنه كان مسئولًا عن أوجه الترفيه وقتما كان طالبَ قانونٍ بجمعية لِنكولِن للحقوق.101 يبدو الاحتمال الأول ضربًا من فرْط التكهُّن، ولكن نظرًا لأنَّ لامبارد ظلَّ على صِلة بجمعيات الحقوق وأصبح «عضو مجلس إدارة»؛ أي من كبار المحامِين بجمعية لِنكولِن للحقوق، فإن الاحتمال الثاني ممكنٌ جدًّا. من المؤكَّد أنَّ عمل لامبارد يرتبِط بالقضايا الجدلية الرئيسية في عصره، وبما أنَّ مسرحية «الصاع بالصاع» هي مُعالجةٌ ثقافية مُتعلقة بهذه النقاشات، فربما يكون شكسبير قد قرأه بالفعل، رغم أن علاقته بالمسرحية لا تتوقَّف على ذلك الأمر.

ممَّا يُثير الاهتمام أن ثَمَّةَ عملًا آخر من أعمال لامبارد له أهميةٌ كبيرة فيما يتعلق بمسائل التشريع والحرية التي يُعالجها شكسبير؛ ففي عام ١٥٨٤ كتب لامبارد عملَه المؤثِّر الذي يحمل عنوان «مُلاحظات بشأن إجراءات وامتيازات مجلس العموم»، وهو عبارة عن أُطروحةٍ أيَّدَت تقليد حرية التعبير في البرلمان. عُمِّمَت هذه الأطروحة على شكل مخطوطة إلى أن طُبِعَت أخيرًا في عام ١٦٤١، عندما كانت البيوريتانية قد حقَّقَت انتصارها الأكبر. ارتأى لامبارد، مثل العديد من مُعاصري حِقبة أوائل العصر الحديث، أن الحرية السياسية لم تمتدَّ إلى السلوك الجنسي. في الواقع، إنه حتى دفاع لامبارد عن الحرية السياسية في شكل الامتيازات البرلمانية كان يستهدف حرية مناقشة أزمة الخِلافة (مسألة مَن مِن شأنه أن يَخْلُف إليزابيث العزباء) من أجل الحيلولة دون احتمال مجيء حاكمٍ كاثوليكي. يقودنا هذا إلى موضوع المسرحية الرئيسي الآخر؛ ألا وهو موضوع الحاكم المُتخفِّي.

يكفُل الإطار المجازي المعروف المُتعلق بالحاكم الُمتخفِّي أَمْر وضع الحبكة في عالم الأدب الخيالي وليس في واقع لندن في أوائل القرن السابع عشر؛ إذ إنَّ هذا الموضوع يبدو بعيدًا عن واقع شكسبير التاريخي أكثر من موضوع رجل القضاء الفاسد ومن قضية السيطرة الجنسية. غير أنه في الواقع عندما قام جيمس الأول والملكة آن بمسيرتهما الملَكية الأُولى عبر لندن في الخامس عشر من مارس، سنة ١٦٠٤، نجد أنهما خطَّطا لزيارةٍ سِريَّة إلى بورصة التجارة الملكية، وهي المبنى الضخم الذي يُشكِّل سوقًا داخليَّا والذي شيَّده توماس جريشام. كان الزَّوجان الملكِيَّان يأمُلان في أن يشاهدا التجار دون أن يُلاحظهما أحد، ولكن تسرَّبَت أخبار عن زيارتهما، وأحاطت بهما الحشود على أمل إلقاء نظرةٍ خاطفة عليهما.102 ومع ذلك فأهمية موضوع الحاكم المُتنكِّر باعتباره أداةً من أدوات الحبكة، الذي وفقًا له يمنح التنكُّر الحاكمَ أفضلية المُراقَبة المُستَتِرة والمُتلصِّصة لرعاياه، لا تكمُن في المقام الأول في هذا الإطار الموضعي تحديدًا. المسألة الأكثر أهمية من ذلك بكثير، في إطار أول أداءٍ مُسجَّل للمسرحية بالبلاط الملكي في ليلة عيد القديس ستيفن، في السادس والعشرين من ديسمبر من سنة ١٦٠٤، والقضية السياسية الأبرز في تلك الأيام، كانت مسألة انتقال السلطة التي كانت قد حَدثَت للتوِّ فيما بين النظامَين الإليزابيثي واليعقوبي. وبغض النظر عن الأهمية العَرَضية لزيارة الملك جيمس لبورصة التجارة الملكية، تكمن الأهمية البالغة لمجاز الحاكم «المُتنكِّر» في أنه يُثير مشكلةَ كيفيةِ تقييمِ حاكمٍ جديد هو بمنزلة كيانٍ مجهول وكيفية إتمام مسألة نقل السلطة بين حاكمَين. إن الملكة، طَوالَ فترة حكمها الطويلة، تَشَبَّثَت بعنادٍ برفضها لاختيار خليفةٍ لها. ولم تُحدِّد اسم جيمس باعتباره «وريثًا» لها في العرش إلَّا على فِراش مَوتها. كان جيمس، رغم كونه بروتستانتيًّا، نجل ابنة عمِّ إليزابيث الاسكتلندية، ماري، التي كان يُنظَر إلى كوارثها الجنسية باعتبارها جزءًا لا يتجزَّأ من سُوء حُكمها الكاثوليكي كملكةٍ لاسكتلندا، والتي وصلَت حياتها العامرة بالفضائح إلى نهايةٍ مُبكِّرة عندما أَمَرت إليزابيث بقطع رأسِها في قلعة فوذرينجي في سنة ١٥٨٧؛ ومن ثَمَّ فإن الموضوع الأدبي البارز الخاص بالحاكم المُتنكِّر يُعيد صياغة مشكلةٍ سياسية بالالتفاف حول مسألة ولاية العهد تمامًا؛ إذ يُتعامل مع مشكلة الحاكم الجديد بجعل الحاكم القديم متاحًا، وذلك تحسُّبًا لأن تسُوء الأمور. وهكذا فعَودة الدوق مُتنكرًا هي برُوفَة لعملية نقل السلطة التي لا بدَّ وأن يحلَّ أوانها يومًا ما؛ كونها حدثًا لا مفرَّ منه مقترنًا بوفاة الحاكم.
مع عودة الدوق باعتباره الحاكم الشرعي يعود العدل، الذي يُقيمه، مثل قضاة جنيف، بأن يأمر لوسيو بأن يتزوَّج «مُومِستَه»، وأن يتزوَّج أنجيلو ماريانا (التي كان وعده بالزواج منها قد أُخلِف عندما فُقِد مهرها في البحر)، وأن يتزوج كلاوديو، مُجدَّدًا، من جولييت. ويأمر بالأساس، أيضًا، إيزابيلا بأن تتزوَّجه، وليس واضحًا إلى أي درجةٍ كان لدَيها الحق في رفض عرضٍ جاء في سياق هذا القائمة من فرمانات الزواج الدوقية. ويأمر أيضًا بَرناردين، الذي لم تُفلِح معه كلُّ القوانين، الكنسي منها والمدني، أن يذهب مع الراهب من أجل إرشاده بشأن كيفية إصلاح أحواله. وفي هذه الإقامة غير المُرضِية نوعًا ما للعدل، يُبدي الدوق اللِّين، الذي كان يُعتبر أحد جوانب الامتياز الملكي، والذي كان يعمل على تعزيز سلطة الحاكم بالتأكيد على تلك الحالات التي كان فيها الرعايا مُعتمِدِين اعتمادًا كاملًا على حاكمهم للحصول على الحرية. اختَبر الملك جيمس هذا الامتياز عام ١٦٠٤، وفي كل برلمانٍ فيما بين عامَي ١٥٨٤ و١٦٠١، كانت الملكة إليزابيث هي الأخرى قد مَنحت «عفوها البالغ الكرم وغير المشروط.»103 وفي عام ١٥٩٣، كانت الملكة إليزابيث حاضرةً في مجلس اللوردات حينما تُلي الأمر بشأن عفوٍ عام بخصوص أولئك الرعايا المُعرَّضِين للعقوبات العادلة على جرائمهم، «التي لا يُمكن بأي حال تحريرهم أو تخليصهم منها إلَّا بعظيم رحمة جلالتها.»104 في الواقع، إنَّ عفو الدوق يتجاوز عفو الملكة السالف الذكر الذي لم يمتدَّ إلى قضايا «الفحشاء والزنا»، كما أنه لم يشمل الخيانة العُظمى ولا القتل.105 ومثل مُرتكبي جرائم القتل في إنجلترا الإليزابيثية، كان إلزاميًّا على مُرتكبي الفجور والزُّناة أن يتحمَّلوا تبِعة جرائمهم كاملة. إن كون الجرائم الجنسية كان معلومًا أنه لا يمكن الصَّفْح عنها مثل الخيانة والقتل، لَيوحي بنحوٍ غريب بأن الجرائم الجنسية تُعادل هاتَين الجريمتَين. تُوحي المسرحية، على نحوٍ ما، بأن الزواج «هو» نوعٌ من العقوبة. ولقد فهِمَه لوسيو دومًا بالتأكيد على أنه كبحٌ لحريته.
يُشير عنوان مسرحية «الصاع بالصاع»، التي نُشِرَت في «المطوية الأولى» في عام ١٦٢٣، نفسه إلى جزءٍ مُبهَم ومُعقَّد ورد في الكتاب المُقدَّس بشأن آليات العدالة الإلهية، والذي كان نصُّه كما يلي في طبعة سنة ١٥٨٧ لإنجيل جنيف:

وقال لهم: «انظروا ما تسمعون! بالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم ويُزاد لكم أيها السامعون؛ لأن من له سيُعطى، وأمَّا من ليس له فالذي عِندَه سيُؤخذ منه.»

(إنجيل مرقس، الإصحاح ٤، الآية ٢٤)

تستكشف المسرحية نطاق السلوك الجنسي من الزُّهد والكبْت إلى الحرية الجنسية المُطلَقة العنان دون حلِّ المشكلة بطريقةٍ أو بأخرى. إن كون الشخص الوحيد الذي ينعم بزواجٍ سعيدٍ في المسرحية هو الشرطي إيلبو الذي من المُحتمَل أن يكون مخدوعًا لَهو بالفعل كوميديا حزينة.

هوامش

(1) Samuel Schoenbaum, William Shakespeare: A Documentary Life (New York: Oxford University Press, 1975), p. 23.
(2) Schoenbaum, Documentary Life, p. 25
(3) Frances E. Dolan, ed., The Comedy of Errors (New York: Penguin, 1999), p. xxxi.
(4) Aristotle, Poetics, trans. Stephen Halliwell (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1995), p. 1449a.
(5) All citations from The Comedy of Errors are from William Shakespeare, The Comedy of Errors, ed. R.A. Foakes (London: Methuen & Co. Ltd., 1962).
(6) All references to Hamlet are from William Shakespeare, Hamlet, ed. Ann Thompson and Neil Taylor (London: Methuen, 2006).
(7) T.S. Dorsch ed., The Comedy of Errors, updated edition, revised with a new introduction by Ros King (Cambridge: Cambridge University Press, 2004), p. 12.
(8) George Redmonds, Christian Names in Local and Family History (National Archives: Kew, Surrey, 2004), p. 48. See also, Scott Smith-Bannister, Names and Naming Patterns in England 1538–1700 (New York: Oxford University Press, 1997).
(9) J.L. Vivian, ed., Visitations of Devon (Exeter: H.S. Eland, 1895), p. 856.
(10) On this kind of “disguised” duplication of names, see Redmonds, Christian Names, pp. 48-9.
(11) Walter C. Metcalfe, ed., The Visitations of Essex (Harleian Society, London, 1878), pp. xiii, 321-2.
(12) Charles Whitworth, ed., The Comedy of Errors (New York: Oxford University Press, 2002), pp. 7–9.
(13) Laurie E. Maguire, Studying Shakespeare: A Guide to the Plays (Malden: Blackwell, 2003), p. 15.
(14) See Stephen Greenblatt, Will in the World (New York: W.W. Norton, 2004), pp. 130-1.
(15) Montaigne was afflicted with gallstones, a condition from which his father also suffered. Michel de Montaigne, “Of the Resemblance Between Children and Fathers,” The Essayes or Morall, Politike and Millitarie Discourses: of Lo: Michaell de Montaigne, trans. John Florio (London: 1603, STC/18041), p. 447.
(16) Montaigne, “Resemblance,” p. 450.
(17) For an inspired reading of the problem of marriage in Ephesus, a place whose name bespeaks its own complex Christian and pre-Christian history, see Laurie Maguire, Shakespeare’s Names (Oxford: University Press, 2007), pp. 164–72.
(18) Whitworth, The Comedy of Errors.
(19) In contrast, Stephen Greenblatt makes the case for Errors as “one of the earliest of Shakespeare’s plays.” Stephen Greenblatt et al. eds, The Norton Shakespeare, 2nd edn (New York: Norton, 2008), p. 719.
(20) All references to The Taming of the Shrew are from William Shakespeare, The Taming of the Shrew: A Norton Critical Edition, ed. Dympna Callaghan (New York: W.W. Norton, 2009).
(21) William Shakespeare, King Lear, ed. R.A. Foakes (Walton-on-Thames: Arden Shakespeare, 1997).
(22) William Shakespeare, Pericles, ed. Stephen Orgel (New York, Pelican, 2001).
(23) Ovid’s Metamorphoses: The Arthur Golding Translation 1567, ed. John Frederick Nims with a new essay, “Shakespeare’s Ovid,” by Jonathan Bate (Philadelphia: Paul Dry Books, 2000).
(24) John Donne, Letter to Sir George More, in Dympna Callaghan, ed., Romeo and Juliet: Texts and Contexts (Boston: Bedford/St. Martin’s, 2003), p. 296.
(25) British Library, Additional MS 15227, f. 16.
(26) See Lynda E. Boose, “Scolding Brides and Bridling Scolds: Taming the Woman’s Unruly Member,” in Shrew, ed. Callaghan, pp. 174–86; and Frances E. Dolan, “Household Chastisements: Gender, Authority, and ‘Domestic Violence’,” in Shrew, ed. Callaghan, pp. 164–73.
(27) Sig. S3r.
(28) William Shakespeare, Love’s Labour’s Lost: The Arden Shakespeare (London: Methuen, 1983; 1st edn. 1951).
(29) Quoted in James M. Dutcher and Anne Lake Prescott, eds, Renaissance Historicisms: Essays in Honor of Arthur F. Kinney (Newark: University of Delaware Press, 2008), p. 79.
(30) Richard Hillman, Shakespeare, Marlowe and the Politics of France (New York: Palgrave, 2002), p. 5.
(31) Robert Codrington, translated the Memoirs in 1651; two years after England had been rid of its own glittering royals. Memoirs of Margaret de Valois, Queen of Navarre, Containing the Secret History of the Court of France for Seventeen Years, viz., from 1565 to 1582, During the Reigns of Charles IX and Henry III, Written by Herself, in a Series of Letters (London: H.S. Nichols, 1895), pp. 226-7.
(32) References to Shakespeare’s poems are from William Shakespeare, Shakespeare’s Poems: Venus and Adonis, The Rape of Lucrece and the Shorter Poems, ed. Katherine Duncan-Jones and H.R. Woudhuysen (London: Arden Shakespeare, 2007).
(33) Francis Meres, Palladis Tamia: Wit’s Treasury (1598), p. 282.
(34) All citations from A Midsummer Night’s Dream are from William Shakespeare, A Midsummer Night’s Dream: Texts and Contexts, ed. Gail Kern Paster and Skiles Howard (Boston: Bedford/St. Martin’s, 1999).
(35) See A.D. Nuttall, Shakespeare the Thinker (New Haven: Yale University Press, 2007), p. xi.
(36) See Jane Dawson, “Knox, John (c.1514–1572),” ODNB.
(37) See Susan Frye, “The Myth of Elizabeth at Tilbury,” Sixteenth Century Journal 23 (1): 95–114.
(38) BL Harley MS 6395; quoted Katherine Duncan-Jones, Shakespeare’s Life and World, p. 48.
(39) William Shakespeare, Shakespeare’s Sonnets: The Arden Shakespeare, ed. Katherine Duncan-Jones (London: Methuen Drama, 2010).
(40) David Bevington, “A. L. Rowse’s Dark Lady,” in Marshall Grossman, ed., Aemilia Lanyer: Gender, Genre, and the Canon (Lexington: University Press of Kentucky, 1998), pp. 10–28.
(41) Aemilia Lanyer, The Poems of Aemilia Lanyer, ed. Susanne Woods (New York: Oxford University Press, 1993).
(42) All references to The Merchant of Venice are from William Shakespeare, The Merchant of Venice: The Arden Shakespeare, ed. John Drakakis (London: Methuen Drama, 2010).
(43) For a splendid contextualization of Jews in the play, see M. Lindsay Kaplan, ed., The Merchant of Venice: Texts and Contexts (Boston: Bedford St. Martin’s, 2002), especially pp. 248-9.
(44) See James Shapiro, Shakespeare and the Jews (New York: Columbia University Press, 1996), ch. 4.
(45) Samuel Edgar, “Anes, Dunstan (c.1520–1594),” ODNB.
(46) Gordon Williams, A Dictionary of Sexual Language and Imagery in Shakespearean and Stuart Literature (London: Athlone Press, 1994), p. 961.
(47) William Shakespeare, Hamlet: The Texts of 1603 and 1623, ed. Ann Thompson and Neil Taylor (London: Arden Shakespeare, 2006).
(48) William Shakespeare, The Arden Shakespeare: King Lear, ed. R.A. Foakes (London: Thomas Nelson and Sons, 1997).
(49) William Shakespeare, A Midsummer Night’s Dream: Texts and Contexts, ed. Gail Kern Paster and Skiles Howard (Boston: Bedford/St. Martin’s, 1999).
(50) All references to Much Ado About Nothing are from William Shakespeare, Much Ado About Nothing: The Arden Shakespeare, ed. A.R. Humphreys (London: Methuen Drama, 1981).
(51) Williams, Dictionary of Sexual Language, p. 954.
(52) Paul Griffiths, Lost Londons: Change, Crime, and Control in the Capital City 1550–1616 (Cambridge: Cambridge University Press, 2008), p. 273.
(53) Griffiths, Lost Londons, p. 353.
(54) Griffiths, Lost Londons, p. 353.
(55) Griffiths, Lost Londons, p. 356.
(56) Leo Salinger classifies Much Ado along with Merchant of Venice, All’s Well That Ends Well, and Measure For Measure as problem comedies. Carol Neely points out that what clearly places it in this category is its “broken nuptials”: Carol Thomas Neely, Broken Nuptials in Shakespeare’s Plays (Urbana: University of Illinois Press, 1993, 1st edn 1985), p. 39.
(57) Michael Kiernan, ed., Sir Francis Bacon: The Essayes of Counsels, Civill and Morall (Cambridge, MA, 1985), p. 16.
(58) Paul Hair, ed., Before the Bawdy Court: Selections from the Church Court and Other Records Relating to the Correction of Moral Offences in England, Scotland and New England, 1300–1800 (London: Elk, 1972), pp. 55-6.
(59) Griffiths, Lost Londons, p. 274.
(60) Quoted in, C.S.L. Davies and John Edwards, “Catherine of Aragon (1485–1536)”, ODNB.
(61) Griffiths, Lost Londons, pp. 270-1.
(62) Griffiths, Lost Londons, p. 272.
(63) William Shakespeare, As You Like It: The Arden Shakespeare, ed. Juliet Dusinberre (London: Methuen, 2006) pp. 7, 37. All quotations are from this edition.
(64) C.L. Barber, Shakespeare’s Festive Comedy: A Study of Dramatic Form and Its Relation to Social Custom (Princeton: Princeton University Press, 1990).
(65) R.S. White, Natural Law in English Renaissance Literature (Cambridge: Cambridge University Press, 1996), pp. 72, xvi, xiii, 104–6.
(66) On its impact in Shakespeare’s England, see Andrew Hadfield, Shakespeare and Republicanism (Cambridge: Cambridge University Press, 2005), p. 33; Junius Brutus, A Defence of Liberty Against Tyrants, ed. Harold Laski (London: Bell and Sons, 1924).
(67) Vindiciae Contra Tryannos, ed. and trans. George Garnett (Cambridge: Cambridge University Press, 1994), p. xliii.
(68) All references from King Lear are from William Shakespeare, King Lear: The Arden Shakespeare, ed. R.A. Foakes (Walton-on-Thames: Thomas Nelson and Sons, 1997).
(69) John Foxe, Acts and Monuments, ed. Stephen Reed Cattley (London: 8:619, 1837). This narrative first appeared in Foxe’s 1570 edition.
(70) Leah S. Marcus, Janel Mueller, and Mary Beth Rose, ed., Elizabeth I: Collected Works (Chicago: University of Chicago Press, 2000), p. 170.
(71) Hans Eworth, Elizabeth I and the Three Goddesses, “The Royal Collection: Royal Palaces, Residences and Art Collection.”
(72) Susan Doran, “Virginity, Divinity, and Power: The Portraits of Elizabeth I,” The Myth of Elizabeth, ed. Susan Doran and Thomas S. Freeman (New York: Palgrave Macmillan, 2003), p. 176.
(73) All references to Twelfth Night are from William Shakespeare, Twelfth Night: The Arden Shakespeare, ed. J.M. Lothian and T.W. Craik (London: Methuen Drama, 1981).
(74) Barbara Ravelhofer, “‘Beasts of Recreacion’: Henslowe’s White Bears,” ELR 32 (2002): 287–323, at 288.
(75) Ravelhofer, “‘Beasts of Recreacion,’” p. 288.
(76) Quoted in Ravelhofer, “‘Beasts of Recreacion,’” p. 290.
(77) Ralph Berry argues that blood sport is intrinsic to festive comedy, “Twelfth Night: The Experience of the Audience,” in Shakespeare and the Awareness of the Audience (London: Macmillan, 1985), p. 74.
(78) John Bruce, ed., The Diary of John Manningham (Westminster: Camden Society, 1868), p. 18.
(79) See, for example, Valerie Traub, Desire and Anxiety (1992), pp. 130–43; Jean Howard The Stage and Social Struggle in Early Modern England, Ch. 5 and Dympna Callaghan, Shakespeare Without Women: Representing Gender and Race on the Renaissance Stage, Ch. 1 (New York: Routledge, 2000), pp. 26–48.
(80) Stephen Orgel, Impersonations: The Performance of Gender in Shakespeare’s England (Cambridge: Cambridge University Press, 1996), p. 64.
(81) Indira Ghose, Shakespeare and Laughter: A Cultural History (New York: Manchester University Press, 2008), p. 117.
(82) Ravelhofer, “‘Beasts of Recreacion,’” p. 292.
(83) References to Measure for Measure are taken from William Shakespeare, Measure for Measure, ed. Ivo Kamps and Karen Raber (Boston: Bedford/St. Martin’s, 2004).
(84) A.W. Ward, G.W. Prothero, and Stanley Leathes, The Cambridge Modern History: The Reformation (Cambridge: Cambridge University Press, 1903) Vol. 2, p. 368.
(85) E. William Monter, Calvin’s Geneva (New York: John Wiley and Sons, 1967), p. 17.
(86) References to Romeo and Juliet are taken from William Shakespeare, Romeo and Juliet, ed. Dympna Callaghan (Boston: Bedford/St. Martin’s, 2003).
(87) Conrad Russell, Parliament and English Politics 1621–1629 (Oxford: Clarendon Press, 1979); see also Chris R. Kyle, Theater of State: Parliament and Political Culture in Early Stuart England (Stanford: Stanford University Press, 2012).
(88) Russell, Parliament, p. 277.
(89) R.S. White, Natural Law in English Renaissance Literature (Cambridge: Cambridge University Press, 1996), p. 170.
(90) Keith Thomas, “The Puritans and Adultery: The Act of 1650 Reconsidered,” in Donald Pennington and Keith Thomas, eds, Puritans and Revolutionaries: Essays in Seventeenth-Century History Presented to Christopher Hill (Oxford: Oxford University Press, 1978), p. 266.
(91) Thomas, “Puritans and Adultery,” p. 267.
(92) David M. Dean, Law-making and Society in Late Elizabethan England (Cambridge: Cambridge University Press, 1996), p. 268.
(93) Dean, Law-making, p. 268.
(94) Dean, Law-making, p. 268.
(95) Dean, Law-making, p. 268.
(96) See Charles Nicholl, The Lodger Shakespeare: His Life on Silver Street (New York: Penguin, 2007), p. 223.
(97) References to Hamlet are from William Shakespeare, Hamlet, ed. Ann Thompson and Neil Taylor (London: Methuen, 2006).
(98) Monter, Calvin’s Geneva, p. 152.
(99) Quoted in White, Natural Law, p. 171.
(100) Quoted from (Lambarde, Ephemeris, p. 76) by J.D. Alsop, “Lambarde, William (1536–1601)” ODNB.
(101) See Peter Ackroyd, Shakespeare: The Biography (New York: Nan A. Talese, 2005).
(102) J.W. Lever, ed., Measure for Measure (London: Methuen, 1965), p. xxxiv.
(103) Dean, Law-making, p. 55.
(104) Quoted in Dean, Law-making, p. 56.
(105) Dean, Law-making, p. 55.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠