الفصل الثامن

المسرحيات التراجيدية

الحبُّ والفقد في أعمال شكسبير
  • «روميو وجولييت»

  • «هاملت»

  • «عطيل»

  • «الملك لير»

  • «ماكبث»

  • «أنطونيو وكليوباترا»

روميو وجولييت

بينما قد نتوقَّع أن تكون كل أعمال شكسبير التراجيدية بالفعل «بديعة» و«مُثيرة للرثاء»، نجد أن وحدها مسرحية «روميو وجولييت» من كل الأعمال الواردة في «المطوية الأولى» التي تُمنَح هاتَين الصفتَين الإضافيتَين: «روميو وجولييت، المأساة الأبدع والأكثر إثارة للرثاء». (جدير بالذكر أنَّ عمل شكسبير التراجيدي العاطفي الوحيد الآخر يحمِل فقط عنوان «مأساة أنطونيو وكليوباترا».) الإشارة الوصفية تفيد بأن هذه المسرحية تمتلك أكثر من الحِصَّة التقليدية من الرثاء المأساوي. يُسَلِّم العنوان، على نحوٍ حاسم، بعدَم وجود أيِّ احتمال لأن يكون مصير العاشقَين الفيرونيَّين أيَّ شيءٍ إلَّا مأساويًّا. وحتى بدون تلك الإضافة في العنوان، كانت الصِّيَغ الباقية من القصة في الوقت الذي كان فيه شكسبير بصدَد الكتابة قد رسَّخَت بالفعل المسار المأساوي المحسوم لهذه العلاقة الغرامية. هذه الصِّيَغ تضمَّنَت القصيدة السردية الإنجليزية الشهيرة (والمصدر الرئيسي لشكسبير)؛ قصيدة آرثر بروك السردية «القصة المأساوية لروميو وجولييت» (١٥٦٢)؛ وقصة ويليام بينتر «روميو وجولييت» في مجموعة ترجماته النثرية «قصر الملذَّات» (المجلد الثاني، سنة ١٥٦٧)؛ وكتاب فرانسوا دي بيلفورست «قصص تراجيدية» (طبعة ١٥٧٦)؛ ورواية لويجي دا بورتو الإيطالية القصيرة «قصة عُثِر عليها مؤخرًا عن عاشقَين نبيلَين» (١٥٣٠)؛ وقصة ماتيو بانديلو «جولييت وروميو» (طبعة ١٥٥٤). وهكذا كانت حتميَّة موت العاشقَين مُقَدَّرة بواسطة الأعمال الأدبية السابقة على المسرحية، وفي افتتاحية مسرحية شكسبير ذاتها، وكأنها محاولةٌ لتبديد أي شكوك في هذا الشأن، تُقدِّم الجوقة مُلخَّصًا وجيزًا للحبكة وتُفصِح عن النهاية المأساوية: «حبيبان تَعبَس لهما الأفلاك، وتُذيقهما أسواطَ هلاك» (الفصل الأول، الاستهلال، السطر ٦)1 [ترجمة د. محمد عناني، وهي الترجمة التي اعتمدْنا عليها على نحوٍ أساسي في ترجمة الاقتباسات من المسرحية في هذا القسم، وإن كان ببعض التصرُّف اليسير في بعض المواضع].
يَتلقَّى روميو نذير سُوء بمصيره المُقَدَّر حسب الفَلَك والطوالعِ قُبيل التقائه بجولييت في حفْل عائلة كابيوليت الراقص: «فالآن أُوجِس خيفةً مما تُخبِّئه الطوالع في غدي، قدَرٌ رهيبٌ بعد هذا الحفل رهن «الموعد»» (الفصل الأول، المشهد الرابع، السطران ١٠٧-١٠٨، أقواس التنصيص الداخلية من عندي). يسترجع هاجسه اللحظة الغنائية الشهيرة عندما تقَعُ عينا الشاعر الإيطالي فرانشيسكو بتراركا لأَوَّل مرة على لورا، وهي الواقعة (الحقيقية أو الخيالية) التي أدَّت إلى تعاستِهِ البالغة وكذلك إلى أفضل سلسلة سونيتات عرفَتْها أوروبا، «إل كانتسونييري» (أي «القصائد الغنائية»، أو «الأنشودات»)، التي تشتمِل في المُجمَل على ٣١٧ سونيتة، بالإضافة إلى قصائد أخرى مكتوبةٍ باستخدام عددٍ من القوالب الشعرية الأخرى. تاريخ هذه الواقعة كان الجمعة العظيمة، السادس من إبريل، سنة ١٣٢٧:
كان اليوم الذي كانت فيه أشعَّة الشمس قد استحالت باهتةً،
إشفاقًا على مُعاناة صانعها؛
حينما وقعتُ أسيرًا (ولم أُقاوم)،
يا سيِّدتي، لعينَيكِ الجميلتَين اللتَين كبَّلَتاني.
(الأنشودة الثالثة)

نجِد هنا أن الصَّلب؛ آلام الصليب، حينما تتحوَّل السماء أثناء النهار إلى ظُلْمة لموت المسيح، هو بمنزلة الخلفيَّة الكئيبة للعاطفة الدُّنيوية التي سوف تغمر الشاعر حينئذٍ لدرجة أنه مأسور، ومُكبَّل، ومُفتون (إذ ليس بوسعه أن يُقاوم) بعينَي لورا. تحكي بقية أنشودات بتراركا عن حبِّ الشاعر المُلتاع وغير المُتبادَل للورا. بالطبع لم تكن تلك الأنشودات تُمثِّل مأساةً بالمعنى الحرفي للكلمة من ناحية التخصيص النوعي، رغم أنَّ الشاعر طُعِن بسهم كيوبيد في بدايتها، إلَّا أن طبيعتها التراجيدية المُتغلغِلة (إذ لا تُبادل لورا الشاعر حبًّا بحبٍّ أبدًا وتموت) رغم ذلك تَغلغلَت في مسرحية شكسبير التراجيدية العاطفية على كل المستويات.

لم يتوقَّع قُرَّاء بتراركا تحوُّلًا فجائيًّا إلى السعادة ولا رغبوا فيه، شأنهم في ذلك شأن جمهور مسرحية شكسبير. إنَّ مسألة كون نمَط استهلال مسرحية شكسبير هو نفسه عبارةً عن سونيتة تُعطي إشارةً إضافية، لا تقتصِر على أنَّ أحداث المسرحية لا يمكن إلا أن تنتهي بمأساة، وينطبِق الشيء نفسه على الطريقة التي تستخدم بها المسرحية استخدامًا فائقًا لإحداث تأثيرٍ مأساوي القوى الهائلة فيما تُحدِثه من دمار والمُتأصِّلة بعمق في «الحب» المأساوي للتقليد البتراركي: «القصائد التي تتدفَّق من قريحة بتراركا» (الفصل الثاني، المشهد الرابع، السطر ٣٣)؛ ومن ثَمَّ فقوة مسرحية «روميو وجولييت»، المُتأثِّرة تأثُّرًا شديدًا بالتقليد البتراركي، تعتمد من قبيل المفارقة، حسبما يرى هذا القسم، على القُدرة على التكهُّن بنهاياتها غير السعيدة وحتميَّة مُحصِّلتها المُحزنة.

•••

إنَّ مسرحية «روميو وجولييت» قد تُستخدَم وتُعالج ببراعة التقليد البتراركي لخدمة نهاية المسرحية المأساوية، إلَّا أن شكسبير يفعل ذلك دون اتِّباعِ هذا التقليد اتباعًا أعمى. ويتجلَّى اختلافه مع بتراركا في المقام الأول في الطريقة التي تتناول بها مسرحية «روميو وجولييت» العلاقات، في حين لا يفعل عمل بتراركا «إل كانتسونييري». إن سونيتات بتراركا لا تدور بالأساس حول لورا (التي ربما كانت شخصًا حقيقيًّا أو مزيجًا خياليًّا من النساء، المِثالِيَّات والحقيقيَّات) وإنما حول فكرة لورا المتسلطة على قلب الشاعر العاشق. وأَيًّا كانَت لورا، فإنها قَطعًا لم تكن المرأة الحقيقية التي أنجبت من بتراركا ابنَين غيرَ شرعيَّين. إنَّنا نلمح بين فَينة وأخرى لورا من بعيد، ولكن دونما أي محاولة لنقل مشاعرها، أو رغباتها، أو شواغلها. والواقع أن مسيرة حب بتراركا بكاملها مُقدَّمة برمَّتها من وجهةِ نظرٍ ذكورية. وقد وَصلَت شهرة سونيتات بتراركا إلى درجة أنها صارت نموذجًا سائدًا للحبِّ في العالم الغربي. وحتى في زمن شكسبير، كان من الشائع جدًّا اعتبار الشاعر/العاشق المُتنهِّد، النوَّاح مثيرًا للضحك. وهكذا فإنَّ مركوشيو يُضْعِف من النزعة الغنائية العاطفية للمسرحية باستخدامه للتورية البذيئة التي تقول إنَّ روميو «دون بطارخ» without his roe (الفصل الثاني، المشهد الرابع، السطر ٣٢)؛ إن roe تعني بطارخ وهي في نفس الوقت الجزء الأول من اسمه. المزحة الجناسية هنا تتعلَّق بالنُّضوب الجنسي؛ بعبارةٍ أخرى، إنه يقصد أن كل ما بقي من روميو Romeo هو الجزء الثاني من اسمه meo؛ وهي «تنهُّداته الحارة» (الفصل الأول، المشهد الأول، الأسطر ١١٨–١٢٠) البتراركية المُنشغلة بنفسها، التي تُعَدُّ علامته المُمَيِّزة، Me-Oh. وكما يقول روميو نفسه، «ما الحبُّ إلَّا دخانٌ يتصاعد مع الزفَرات الساخنة» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطر ١٧٧).

تتبَع روزالين، حبُّ روميو الأول، نمَط السيدة البتراركية؛ فهي باردة، ومُتَعَفِّفة، وبعيدة المنال، وتجعله يتصرَّف بنهجٍ بتراركي مُتوقَّع تمامًا؛ مما يجعل والداه يشعران بالقلق ببقائه مُستيقظًا طَوالَ الليل وحبْس نفسِه في غُرفته طَوالَ النهار. يُقَدَّم الحب البتراركي، في أكثر شكلٍ تقليدي له، في المسرحية على أنه حبٌّ مُتقلِّب؛ فسُرعان ما يستبدِل روميو بحُبِّه لروزالين حُبَّه لجولييت. على النقيض، بينما تظلُّ العبارات التي تصِف حُبَّ روميو وجولييت بتراركيةً على نحوٍ بارز، نجد أنهما ينخرِطان معًا في العلاقة؛ إن حبَّهما مُتبادَل، وهو أَمرٌ غير معهود في الحبِّ البتراركي. في لقائهما الأول، في المشهد الخامس من الفصل الأول، يتحاوران على مدى أربعة عشر بيتًا على نمَط السونيتات، وحديثهما ليس تأمُّلًا ذاتيًّا مُكتئِبًا وإنما هو حوارٌ ثنائي مُبهِج:

روميو : عفوًا لئن كانت يدي تلك الأثيمة قد مسَّت الحرَم المُقدَّس
في يدَيك فدنَّسَته؛ فلرُبَّما لي أن أُزيل خطيئة بخطيئة عذبة؛

إذ إن لي شفتَين كالحُجَّاج حمراوَين من فَرْط الخجل، وهما إذا طبَعا

هنالك قُبلةً مُستعذَبة، فلربما محَوَا خشونة ملمس الأيدي.
جولييت : يا أيُّها الحاجُّ الكريم، ظلمتَ كلَّ الظُّلم راحتك؛
فهي التي أبدت خَلاق العابدِين،

وكل قدِّيساتنا لهُنَّ أيدٍ لا تَني تمسُّها أيدي الحجيج،

وفي تلامُس الكفَّين للحُجَّاج قُبلةٌ مُقدَّسة.
روميو : لكنْ أمَا للحاجِّ والقدِّيسة المُثلَى شفاه؟
جولييت : بلى يا حاجُّ لكن يقتصِرْن على الصلاة!
روميو : فلنجعل الشفاه يا قدِّيستي العزيزة تفعل ما تفعله الأيدي؛
فها هما تُصلِّيان لكِ … وترجوان أن تُجيبي كيلا يحلَّ اليأس في قلبِ يقيني.
جولييت : لكن قدِّيساتنا لا تتحرَّكْن حتى ولو سمِعْنَ دُعاك.
روميو : إذن فلا تتحرَّكي، حتى أنال ثوابيَه.
(الفصل الأول، المشهد الخامس، الأسطر ٩٠–١٠٣)

تُختتم السونيتة، التي صرَّح فيها روميو بأنَّ الحبًّ هو دينه، بقُبلة. يُدبِّر شكسبير هنا نقلةً نوعية، مُغيِّرًا طبيعة العلاقة بين العاشق البتراركي ومعشوقته من علاقةٍ تُبدي فيها الأخيرة لامُبالاةً باردة إلى حبٍّ دافئ مُتبادَل غايته، كما تُسارع جولييت في الإشارة، هي الزواج: «إن كنتَ في حبِّكَ جادًّا وشريفًا، وتُريدني زوجًا عفيفًا» (الفصل الثاني، المشهد الثاني، السطران ١٤٣-١٤٤).

ويُعْرَب أيضًا عن التبادُلية الجوهرية للعلاقة بين الحبيبَين في موضوع الأضداد المُتكاملِين، وبخاصَّة في أفكارها المُعبِّرة بإلحاح عن العاطفة والروحانية. يرى روميو أنَّ «جولييت هي الشمس»، وهو ما يتلاءم مع ارتباط اسمها بشهر يوليو الصيفي وبيوم مولدها: «ستبلُغ الرابعة عشرة عشية يوم لاماس (يوم الرغيف)» (الفصل الأول، المشهد الثالث، السطر ١٨)، ويوم لاماس هو الأول من أغسطس، ممَّا يجعل يوم مولدها اليوم الأخير من يوليو. روميو، على النقيض، هو كالنجوم:
فلتُعطِني روميو حبيبي! أما إذا مِتنا، فخُذه واصطنع
منه نُجيماتٍ صغارًا كي نرى
وجه السماء وقد تجلَّى وازدهى،
والناس عافت بهرَجَ الشمس،
وباتت تعشَقُ الليل سُهارى.
(الفصل الثالث، المشهد الثاني، الأسطر ٢١–٢٥)
تندرِج هذه الصورة الذهنية في سياق قصيدة زفاف جولييت التي تستحثُّ فيها الوقت أن يمضي قُدمًا نحو الليل ونحو إتمام زواجها مع مجازِ عربةِ فايثون على أنها مُناظِرة للرغبة الجامحة الخارجة عن السيطرة. سُمِح لقائد العربة الطائش في هذه الأُسطورة بأن يقود عربةَ الشمس ليومٍ واحد، ولكنه فقَد السيطرة على الخيول وقُتِل بصاعقة:
هيا اركُضي خيل الزمان! وبالحوافر التي كالنار
أسرِعي لمنزل الشمس البعيد! إذ يُلهب الظهور بالسياط سائقٌ هُمام؛
هو فايثون الذي يحُثُّكنَّ نحو الغرب
كي تأتينَ فورًا بالمساء ذي الغمام.
(الفصل الثالث، المشهد الثاني، الأسطر ١–٤)

إنَّ مسألة كَون قصيدة الزفاف هذه واردةً بصيغة المُناجاة الذاتية في الفصل الأوسط من المسرحية تمنح جولييت محوريةً دراميةً ووجدانيةً تُشكِّل انْفِصالًا عن التركيز البتراركي الأحادي الجانب على المُعاناة المُتعلِّقة بالرجل.

لقد كرَّس شكسبير بالفعل قسطًا وافرًا من المسرحية لجولييت؛ فنحن نعرِف قصَّة حياتها من طفولتها المُبكِّرة من خلال المُربِّية الثرثارة، من الفِطام إلى الممات، ونشاهد شوقَها المُتلهِّف إلى فراش الزوجية وتوجُّساتها العميقة إزاء تناوُل الجرعة التي أعطاها إياها القسُّ لتضَعَها في حالةٍ تُحاكي الموت: «أفلا يُمكن أن تحوي القارورة سمًّا جهَّزه القسُّ بمكرٍ كي يقتلني؟» (الفصل الرابع، المشهد الثالث، السطران ٢٤-٢٥»؛ بعبارةٍ أخرى، ثَمَّةَ تركيزٌ بالِغ على الرغبة الأُنثوية والباطن الأُنثوي في أفكار ومشاعر جولييت، وليس فحسب — كما هو الحال في القالب البتراركي — على جمالها؛ سماتها الخارجية، باعتبارها بُغْيةً لرغبة روميو: «لقد تَدلَّت فوق خدِّ الليل مِثل جوهرة لألاءةٍ في أُذن بنتٍ حبشية» (الفصل الأول، المشهد الخامس، السطران ٤٢-٤٣). يُمثِّل هذا جزئيًّا ردَّ شكسبير على التركيز الجديد لِما بعد حِقبة الحركة الإصلاحية على الزواج باعتباره أسمى مهمَّةٍ في الحياة، على نقيض الزهد التبتُّلي بالابتعاد عن الزواج، الذي كان يتَّسِم به التقليد الرهباني في العصور الوسطي؛ فحتى رجال الكهنوت كانوا يُشَجَّعون في ذلك الوقت على الزواج، ويُؤكِّد العديد من كُتب الإرشاد من تلك الحِقبة على أهمية اختيار الشريك المُناسِب للزَّواج من أجل تحقيق وضعية السعادة الزوجية التي أُعْلِيَ من شأنها منذ عهدٍ قريب.

أيًّا كانت تعديلات شكسبير على النموذج البتراركي، فإنه يُبْقي منه، بنحوٍ جوهري، على الفكرة المأساوية المُتأصِّلة فيه، التي مفادُها أن المحبوبة هي أيضًا العدو. في النموذج البتراركي، السيدة هي خصم الشاعر لأنها لا تُبالي بقسوةٍ بمعاناته، بل إنها حتى تسعَد بها. يُعبِّر مركوشيو عن فِكرة ميول القتل هذه لدى السيدة البتراركية حينما يُصرِّح بأن روميو قد «طعنَته فتاةٌ بيضاء بعَينها السوداء» (الفصل الثاني، المشهد الرابع، السطران ١٣-١٤). يَكمُن دمار الشاعر العاشق وعذابه في اللَّامُبالاة التي تُبديها السيدة نحوَه، وتلك اللامُبالاة هي مبعث كآبته الشديدة، وتنهُّداته، ودموعه. يأخُذ شكسبير فكرةَ أنَّ المحبوبة هي أداة تدمير المُحِبِّ كما هي، بيْد أنه يجعلها تُعبِّر عن وضْع الصراع الطاحن في فيرونا الذي لا يتحيَّز لأيٍّ من الجنسَين، فنجد جولييت هي التي تقول: «كُتِب عليَّ غرام عدوٍّ مذموم» (الفصل الأول، المشهد الخامس، السطر ١٣٨). يتجلَّى مُجدَّدًا هذا الانقلاب في أدوار كلِّ جنسٍ في الديناميكية البتراركية عندما يصف روميو محبوبته بالشمس التي يَستحِثُّها على أن تُشْرِق وتفوق في تألُّقها ديانا، إلهة الشمس والعِفَّة، التي، رغم كونها عذراء، تُعتبَر جولييت مجازيًّا «راهبتها» أو عابدتها.
ما ذلك النور الذي ينساب عبر النافذة؟
قل إنه المشرق لاح، قل إنها جولييت بل شمس الصباح.
هيَّا اسطعي شمسي الجميلة وامحَقي البدرَ الحَسُود.
لقد بدا الشحوب في مُحيَّاه العليل أسفًا؛
إذ إنَّ إحدى راهباته فاقَته حُسنًا.
(الفصل الثاني، المشهد الثاني، الاسطر ٢–٦)

في هذه الصورة، يجعل شكسبير جولييت تمتلك القوَّة القاتلة التي كانت لدى لورا؛ معشوقة بتراركا، حتى وإن لم يعُد سُخطها مُوجَّهًا إلى الرجل الذي يُحبها. هذا التصوُّر الأدبي البارع يُضمَّن حتى في أسمى ثناءٍ للمحبوبة مَصرعَ منافِسةٍ ليست إلَّا أقل جمالًا، تلك التي، رغم أنَّ احتضارها ليس بسبب الحُبِّ غير المتبادَل وإنما بسبب الغيرة، تُصوَّر مع ذلك وكأنها مُكتئِبة، وهي المُعادِل الأُنثوي للعاشق البتراركي الذكوري، وهو دورٌ شغلَهُ كلٌّ من روميو وبنفوليو في بداية المسرحية.

روميو وجولييت عدُوَّان ليس بسبب أنَّ عاطفتهما غيرُ مُتبادَلة؛ فهي مُتبادَلة على نحوٍ رائع، ولكن بسبب قوًى خارجة عن العاشقَين نفسَيهما. ولأنَّ حُبَّهما يهدف إلى الزواج، فإنَّ العلاقة الغرامية بينهما هي علاقةٌ اجتماعية في جوهرها؛ أي إنها ليست مُنفصِلة عن القوى الاجتماعية وإنما مُنغمِسة فيها انغماسًا عميقًا. هذا البعد الاجتماعي يُناسب الدراما من ناحية كونها بطبيعتها نوعًا أدبيًّا أكثر اجتماعيةً من سلسلةٍ من السونيتات العاطفية، وهو ما يُميِّز عاشقَي شكسبير بنحوٍ قاطع عن بتراركا ولورا. وهكذا ففي حين أنَّ التعليلات الأدبية الخاصة بالقدَر هي السبب الرئيسي لموت العاشقَين، فإن، وبطابعٍ أكثرَ محلية، تَفشِّي وباء الطاعون — وهو خطرٌ حقيقي وقائم لجمهور شكسبير — يمنع روميو من استلام الرسالة المُرسلَة إليه في مَنفاه في مانتوفا؛ ولذا، لا يعرِف أنَّ موت جولييت الظاهري عَشِيَّة زواجها القسري من باريس ليس سوى نتيجة الشراب الذي وصفَهُ لها القسُّ لورانس. بيْد أنَّ العداوة غير المفهومة بين عائلتَي مونتاجيو وكابيوليت هي، أكثر من أي شيء، التي تحكُم بالفشل على علاقتهما، تمامًا مثلما تُفسِد المشهد الحضري لفيرونا. الغريب في الأمر أنَّ هاتَين العائلتَين ليستا مُتنازعتَين جَرَّاء اختلافاتهما عن بعضهما وإنما جرَّاءَ أَوجُه الشَّبَه فيما بينهما. إنهما، كما تُعلِن المسرحية في السطر الأول، «عائلتان «مُتماثلتان» في كرَم المَحتِد» (الفصل الأول، الاستهلال، السطر الأول، أقواس التنصيص الداخلية من عندي). هذه كراهيةٌ غير منطقية وقديمة، لم يُكشَف أبدًا عن سببها، وهي تضع روميو وجولييت، رغم الحبِّ الذي يجمعهما، في موضع العدوَّين مِثلما تضعهما راسخَين داخل البنية الاجتماعية لفيرونا، وليس خارجها.

ومِثل خاتمة مسرحية «هنري الخامس»، التي يُوَطِّد فيها هنري غزوه لفرنسا بالزَّواج من أميرتها، يمكن لتحالفٍ زوجيٍ أن يُمثل نهايةً طبيعية للعداء، ولكن أن «تتنكر لأبيك وترفض اسمك!» (الفصل الثاني، المشهد الثاني، السطر ٣٤)، فإن ذلك ليس خيارًا متاحًا في فيرونا؛ ولهذا السبب يجِب أن يكون الزَّواج سريًّا. إن ثورة كابيوليت عندما يُواجَه برفض جولييت أن تتزوَّج باريس هي إثباتٌ كافٍ لضرورة هذه السِّرية. ورغم أن الأب كان على وشْك أن يضرب ابنته؛ «أصابعي تتحرَّق لخنقكِ» (الفصل الثالث، المشهد الخامس، السطر ١٦٤)؛ فهو يكتفي بالتهديد بطردِها من المنزل، وبِجرِّها عبر الطرقات مثلما يُجَرُّ مُجرِمٌ أثيم على نقَّالة، وأخيرًا تمنَّت زوجته لابنتها الموت: «ليت الحمقاء تتزوَّج قبرها!» (الفصل الثالث، المشهد الخامس، السطر ١٤٠). تعكس خطبة كابيوليت العنيفة غضبًا من الحياة الواقعية اختبرَه عُشَّاقٌ كثيرون عندما خالفوا إملاءاتٍ أبويَّة بشأن الزواج. وعندما فَرَّ جون دون مع آن؛ ابنة السير جورج مور ذات الستة عشر (أو على أقصى تقدير السبعة عشر) ربيعًا سنة ١٦٠١، كتب الشاعر إلى حميه يستعطفه بقوله: «إنني أعرف أنك سوف تكون مُفعمًا بغضبٍ شديد عندما يصِلُك هذا الخطاب.» ويسأله أن يُحجِم عن إطلاق العِنان لغضبٍ عارمٍ على ابنته: «ألتمس منك بكلِّ تواضُعٍ ألا تجعلها تَستشعِر رهبة غضبك المُفاجئ إلى حدِّ أن تُودِي بها إلى التهلُكة.»2
بيْد أنَّ ثورة كابيوليت لا تعكس هذه المُقتَطفات من الواقِع فحسب، بل إنها تجعله في الوقت نفسه مُتوافقًا مع الشخصية الأدبية النَّمَطية المُسمَّاة «الأب الغاضب»، وهو الرجل المُسِنُّ الذي يُعارِض زواجًا قائمًا على الحب؛ مثل إجيوس في مسرحية «حلم ليلة منتصف صيف»، الذي كان مُصمِّمًا على جعل ابنته هيرميا تُعاقَب بالإعدام إن هي رَفضَت اختياره لزوجٍ لها. تبدأ مسرحية «روميو وجولييت» على نحوٍ مُشابِه لمسرحية «حلم ليلة منتصف صيف» بالسيناريو الكوميدي المُتعلِّق بمُتحابَّين يافعَين يواجهان عقباتٍ أبوية أمام ارتباطهما؛ وسوف تُحَلُّ المشكلات في السيناريو الكوميدي أثناء المسرحية حتى يمكن للنهاية أن تُحقِّق التسوية السعيدة بزواج المُتحابَّين.3 فيما يتعلَّق بالمجال الاجتماعي، قدَّم التركيز الكامل على التكامُل في البروتستانتية الإليزابيثية، وعلى شريك الحياة باعتباره «معينًا نظيرًا»، رفيقًا مغامرًا في رحلة الحياة، نهايةً بديلة للتَّعاسة الوحيدة التي صوَّرَتها الشاعرية العاطفية البتراركية. يتخيَّل كتاب هنري سميث «تحضير للزَّواج» (١٥٩١)، على سبيل المثال، نوع السعادة الزوجية التي لرُبَّما كان روميو وجولييت سيستمتِعان بها لو أنهما كانا قد بقيا على قيد الحياة:
في كلِّ الأمم اعتُبِر يوم الزواج أسعد يومٍ في حياتهم كلها، ولا يزال يُعتبَر هكذا من قِبَل الجميع، كما لو أنَّ شمس السعادة بدأت تُشرِق في ذلك اليوم علينا، عندما مُنِحْنا زوجةً صالحة؛ من أجل ذلك يقول المرء إنَّ الزواج يعني «البهجة»، لأنَّ شريكًا قد جاء ليجعل عُمرَنا بهيجًا.4

بيْد أن عاشقَي شكسبير، كما تُشدِّد الجوقة، لا يستطيعان النجاة من «أحقاد الماضي» (الفصل الأول، الاستهلال، السطر ٣)، الخاصة بآبائهم المُتعنِّتِين أو من إملاءات القدر، أو «النجوم». إنَّ الأمر يبدو كما لو أنَّ شكسبير أراد أن يُوجِّه قدْرًا كبيرًا من الانتباه، ليس إلى فكرة أنَّ هذه القصَّة كان «يمكن» أن تنتهي نهايةً سعيدة، وإنما إلى أن ذلك «لم يكن مُمكنًا»؛ أي إنه أَمرٌ مُحزِن، ولكنه محتوم.

يُفرَض على جمهور شكسبير أن يأخُذ جانب العاشقَين من المُستهل بواسطة كلمات الجوقة، التي تُوضِّح أنَّ العداوة القديمة بين عائلتَي مونتاجيو وكابيوليت هي الأداة الفتَّاكة لموت روميو وجولييت العنيف والسابق لأوانه، وهي فكرة يُدَعِّمُها باريس فيما بعدُ: «والمؤسف أن تستمرَّ العداوة بينكما طَوالَ هذه المدة» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطر ٥). الاستحداث الهائل من جانب شكسبير، رغم أن الجمهور الحديث يأخُذ هذا العنصر على أنه أَمرٌ مفروغ منه، هو أنَّ المسرحية قاطعة بشأن براءة العاشقَين وجُرْم والدَيهما. الأمر الجدير بالملاحظة بشأن هذه المسرحية وما يُميِّزها — إلى جانب فضائلها الأدبية الهائلة — بوضوحٍ عن صياغة آرثر بروك للقصة، هو تعاطُفها الجارِف مع العاشقَين الشابَّين. ارتأى بروك أنَّ العاشقَين في صياغته مُدانانِ تمامًا في المأساة التي حلَّت عليهما ليس لأنهما صاحَبا أعضاءً مُريبِين من رجال الدين الكاثوليك (القسُّ لورانس الذي زوَّجَهما) فحسب، بل لأنهما أيضًا خَدَعا وعَصَيا والدَيهما في شأن زواجهما في المقام الأول. في إنجلترا الإليزابيثية، كانت إحدى المُشكلات الاجتماعية المُلِحَّة لذلك الوقت هو الزواج القسري الذي جَعلَت فيه الاعتبارات المالية الأُسَر تسعى إلى مصاهراتٍ مُربحة لذُرِّيتهم. وربما تلعَب مسائل الانتماء الدِّيني دورًا أيضًا، رغم أنَّ التمازُج الواسع الانتشار بين الكاثوليكية المُتبقِّية وبروتستانتية الدولة كان يعني أنه كانت ثَمَّةَ دومًا مصاهراتٌ بين شركاءَ وعائلات من كِلا الجانبَين. هذه الشواغل مذكورة بالطبع في قصيدة بروك التي يُورِد فيها، كدليل على استحقاق العاشقَين للَّوم، أن جولييت تلقَّت سر «الاعتراف السري» الكاثوليكي. هذا يبدو مُجحِفًا بعضَ الشيء، وهو أقل ما يُمكِن أن يُقال؛ نظرًا لأنَّ العاشقَين إيطاليان ولِذلك هما، بالضرورة، كاثوليكيَّان. إن الحالة التي صنعها شكسبير في هذه المسرحية بشأن حُرية الاختيار والتحرُّر من الإكراه فيما يتعلق باختيار شريك الحياة لهي حالةٌ أَصبحَتْ بنحوٍ كبير هي القاعدة المُتَّبَعة حتى إنَّنا بالكاد نستطيع أن نتصوَّر فكرة أنه عندما كتب شكسبير مسرحية «روميو وجولييت» كان ذلك مفهومًا بعيدًا عن كونه مقبولًا عُمُومًا. وتُمثِّل العلاقة بين العاشقَين الأفكار الجديدة لتلك الحِقبة عن الزواج؛ ولكن مِمَّا يدعو إلى الأسى، أنها أفكار لا يمكن مُمارستها على نحوٍ كامل بسبب تَعَنُّت النظام القديم.

إنَّ الشباب هُم من يتعيَّن عليهم أن يُمارِسوا عُنف كبارهم؛ فحينما يقتل روميو تيبالت، في الفصل الثالث، عن طريق الخطأ، يَتمزَّق فجأة البناء الكوميدي الذي تبدأ به المسرحية، ومن تلك اللحظة، تُنْقَل المسرحية من خانة الكوميديا إلى الخانة التراجيدية. يُبدِّل موت مركوشيو وتيبالت إلى غير رجعةٍ مسار المسرحية.5 في الواقع يُطلِق مركوشيو وهو يُحتضَر تعليقًا منذرًا بالسُّوء عندما يلعن طرفَي العداء كليهما بقوله: «فليضرِب طاعونٌ أُسرتَيكما!» (الفصل الثالث، المشهد الأول، السطران ٨٧-٨٨). مركوشيو هو شخصيةٌ مُتألقة، لو كان كُتِب لها البقاء على قيد الحياة، كما أشار النُّقَّاد كثيرًا، لربما كان قد سيْطَرَ على العمل التراجيدي بأكمله. تكمُن «خفَّة رُوحه»، كما كان سيدعوها مُعاصرو حقبة أوائل العصر الحديث، في مَقدِرته على نسْج تشبيهاتٍ خيالية من لا شيء، كما يقول روميو: «يكفي، يكفي، يا مركوشيو! هذا كلام فارغ» (الفصل الأول، المشهد الرابع، السطران ٩٥-٩٦). في «كلام» مركوشيو، نجِد أنَّ صورَه الذهنية التي يتناوَل فيها الملكة ماب؛ السيدة الشديدة صغر الحجم «التي تُولِّد الأطفال عند الجان … تجرُّها مجموعةٌ من الذرَّات الصغيرة» (الفصل الأول، المشهد الرابع، الأسطر ٥٤–٥٧) هي في الواقع تصويراتٌ غير موضوعية لدرجة أنها تتنافى مع كلٍّ من المنطِق والرَّصانة، ولكنَّها أيضًا دليل على براعةٍ فائقة في الشعر الغنائي.
عندما نرى روميو مع مركوشيو، نجده في عالم شباب فيرونا وهم ينزلون إلى الشوارع، وهذا العالم يتعارَض تعارُضًا حادًّا مع المشاهد الداخلية المنزلية التي يُقدِّم شكسبير فيها جولييت؛ فنراها في البيت مع والدَيها أو مع مُربيتها، أو في الشُّرفة أو في غُرفة نومها، أو في الكنيسة. على النقيض، حتى عندما نلمح روميو مع والدَيه القلقَين في الفصل الأول، نجِدُه في الهواء الطلق، «تحت خميلةٍ مُلتفَّة من الجميز» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطر ١٠٨). في فيرونا، نرى أن تَوقُّد العاطفة، الذي نجده في علاقة الحب بين روميو وجولييت يُوَجَّه توجيهًا مُناسبًا نحوَ الحبِّ والزواج، كثيرًا ما يجد مُتنفَّسه في الأماكن العامة وعالم الشوارع الذكوري بنحوٍ ساحق. في وقت الصيف، «أيام الكلب»، أي الفترة التي تكون فيها كوكبة الكلب الأكبر في السماء وعندما تكون درجات الحرارة وحِدَّة المزاج في أحرِّ درجاتها، يُثير «تيبالت ذو الطبع الناري» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطر ٩٦)، الذي من عائلة كابيوليت، بنفوليو دافعًا إيَّاه إلى القتال؛ الأمر الذي سوف يؤدِّي في نهاية الأمر إلى مقتل مركوشيو. في هذه المرحلة من المسرحية، كان روميو قد تزوَّج من جولييت، وإن كان لا يزال يتعيَّن إتمام الزَّواج. على هذا الأساس، يُقِرُّ روميو برابطة النَّسَب بينه وبين تيبالت؛ «الدافع على حُبِّي لك»، باعتبارها دافعَه للمُهادَنة (الفصل الثالث، المشهد الأول، السطر ٥٣). ومع ذلك، لا تهدأ عدوانية تيبالت المُلتهِبة: «أيُّها الغلام، لن تغفِر هذه الكلماتُ الإساءات التي أَنزلتَها بي؛ لذا استَدِرْ واستَلَّ سيفَك» (الفصل الثالث، المشهد الأول، السطران ٥٧-٥٨). وفي حين قدَّم قتال الشوارع هذا طريقةً مُلائمة لتقديم المُبارَزات بالسيوف على خشبة المسرح، التي كانت قد أَصبحَت رائجةً لدرجةٍ عظيمة مع قُدوم أساطين المُبارَزة الإيطاليِّين إلى إنجلترا؛ مِثل فنسنتيو سافيولو، وجيرونيمو، تتوافق المُبارَزة بالسيوف أيضًا مع المشهد الحضري العنيف لمدينة لندن نفسها.6 عندما يتساءل مركوشيو المُحتضَر: «ما الذي جَعلكَ تتدخَّل في قتالنا؟ لقد غافَلَني ووجَّه إليَّ السيف من تحت ذراعِك» (الفصل الثالث، المشهد الأول، السطر ٩٠)، فإن مُلاحظاته تتشابَهُ تشابُهًا مُذهلًا مع الرواية المُتعلِّقة بالكيفية التي أدَّى بها الأمر بزميلَي شكسبير في الكتابة المسرحية توماس واتسون وكريستوفر مارلو أن يقتُلا ابن صاحب حانة، ويُدعى توماس برادلي، سنة ١٥٨٩. يُسجِّل تقرير الطبيب الشرعي بشأن تلك الحادثة أنَّ المُتقاتلَين، اللَّذَين كان بينهما تاريخٌ جيد التوثيق من العداء، كانا في شارع هوج لين، على مقربةٍ من مسرح «ذا ثيتر» الكائن في منطقة شورديتش. استَلَّ مارلو وبرادلي سيفَين، واستلَّ واتسون سيفًا في محاولةٍ للفصل بينهما و«الحفاظ على السِّلم العام.» إلا أنَّ تدخُّل واتسون زاد من غضب برادلي، الذي شعر أن الموقف عندئذٍ كان حالة مواجهةٍ بين اثنَين وواحد؛ وَمِن ثَمَّ جرح واتسون، الذي طعنه بضربةٍ قاتلة بعُمق ستِّ بوصات في صدرِه. وبحلول وقت كتابة شكسبير لمسرحية «روميو وجولييت»، كان مارلو شخصيًّا قد طُعِن في حانة. لربما كان الكاتب المسرحي المتوقِّد الذهن، المُتقلِّب — الذي كان، على حدِّ تعبير مايكل درايتون، كله «من هواء ونار»7 والذي كانت موهبته نظيرًا رائعًا لموهبة شكسبير — يُمثِّل هذا النوع من فورة الحياة العنيفة التي، مثل «مركوشيو» لا يبدو أنها تهدأ أبدًا لأي مدةٍ طويلة.

•••

إن مسرحية «روميو وجولييت» هي واحدة من الأعمال التي رسَّخَت شهرة شكسبير أثناء حياته. طُبعَت المسرحية، التي من المُحتمَل أن تكون قد كُتِبَت في عام ١٥٩٥، في ثلاثِ نُسخٍ مُختلفة أعوام ١٥٩٧ و١٥٩٩ و١٦٢٣، وحقيقةُ أنَّ صفحات نُسخة مكتبة بودليان من «المطوية الأولى» التي تحوي مشهد الشرفة قد بَلِيَت إنما تُدلِّل على رَواج تلك العلاقة العاطفية المأساوية فيما بين عامَي ١٦٢٣ و١٦٦٤؛ وحينذاك استبدلت المكتبة ﺑ «المطوية الأولى» «المطوية الثالثة». وظلَّ باقيًا أيضًا دليلٌ على إعجابِ قارئٍ آخر بالنص؛ وأعني بذلك الشاعر الاسكتلندي، ويليام دروموند، الذي وضع خطوطًا بأعلى الفِقرات الأكثر تأثيرًا في النُّسخة التي اشتراها سنة ١٥٩٩. في الواقِع إنَّ الشاعرية المُعقَّدة لتقديم شكسبير لقصَّة عاشقَين سيِّئَي الطالع — المُزيَّن بقدْرٍ كبير من التشبيهات والمُفعَم بالتورِيات — هو الذي جعل المسرحية ناجحةً نجاحًا طاغيًا لدى المُشاهدِين والقُرَّاء على السواء.

أوضحتُ أعلاه أن مُحصِّلة الشاعرية البتراركية ثابتةٌ بقَدْر المُلابَسات التاريخية للعداء؛ فيُشكِّل الأسلوب البتراركي هذه المأساة ويكفُل نهايتها «المُحزنة والمُثيرة للشفقة»، على الرغم من أن خاتمتها المنطقية، الإجمالية — حسبما هو مألوفٌ بصفتها قصةً حبٍّ تجمع زخمًا نحوَ لمِّ الشمل — هي الخاتمة الكوميدية. وكما كُنا قد أشرْنا، يستلزم الأسلوب البتراركي لمسرحية «روميو وجولييت» نهايتها المأساوية. ومع ذلك، عندما يُعيد ويليام دافينانت إحياء المسرحية بعد مجيء عصر استرداد الملكية الإنجليزية في ١٦٦٢ فإنها لا تُلائم أذواق ذلك العصر؛ فقد وصفها كاتب اليوميات صامويل بيبس بأنها «أسوأ [مسرحية] سمِعتُ عنها في حياتي.» وقد قدَّم جيمس هوارد، سالكًا هذا النهج، نُسخةً جديدة من المسرحية، تلك التي، في تحدٍّ كاملٍ لنص شكسبير، تُبقي الحبيبَين على قَيد الحياة.8

هاملت

وداعًا يا ابن يميني، وبهجتي؛
كانت خطيئتي هي الإفراط في الأمل لأجلِك، أيها الابن الحبيب.
أُعِرتَ لي لِسبعةِ أعوام، وها أنا أَردُّك.
وقد استُحقَّ ردُّك إلى القَدَر، في اليوم الحق.
أوه، لَيتَني الآن أفقِد كلَّ مشاعر الأُبوة! إذ لِم يتحسَّرِ الإنسان
على الحال الذي ينبغي عليه أن يَغْبِط!
أن يكون لدَيكَ ابنٌ أفلت سريعًا جدًّا من غضب وآلام العالم والجسد،
ولو لم يكن قد أَفلَت من أي شيء، أفلا يكفيه أنه أَفلَت من الشيخوخة؟
ارقُد في سلامٍ ناعم، وعندما تُسأل، قُل هنا أَرقَد بن
جونسون أفضل قطعة شِعرٍ لديه؛
التي لأجلها، من الآن فصاعدًا، لتكُن كلُّ عهوده هكذا،
ألَّا يُفرِط أبدًا في الوَلَع بما يُحب.9
لم يكتب شكسبير قصيدة «عن ابني الأول»، وإنما كتبها صديقه ورفيقه في الكتابة المسرحية، بن جونسون؛ ففي ربيع عام ١٦٠٣، ترك جونسون أُسرته في لندن مُتوجِّهًا إلى ضيعة روبرت كوتون الريفية في مُقاطعة هانتينجدونشير؛ حيث ظهر له طيفُ شخص؛ فقد ظهر أمامه ابنُه ذو الأعوام السبعة الذي كان يُسمَّى باسمه في «هيئةٍ رجولية» مع «علامة صليبٍ دَمَوي على جبهته كما لو كان شُقَّ بسيف.»10 كان جونسون مقتنعًا بأن الرؤيا كانت نذيرًا بموت الطفل. علل جونسون ذلك بأن بلوغ ابنه سن البلوغ في الرؤيا كان لأنه «سوف يكون بذلك النمو عند بعثه.»11 حاول أحدُ الضيوف الذين كانوا معه في قرية كُنينجتون، وهو ويليام كامدِن المُثقَّف الواسع الاطلاع، مُعلِّم جونسون السابق وصديقه، أن يُقنعه بأنَّ الرؤيا كانت «فقط هاجسًا من خياله ينبغي عليه ألا يجزع منه.» بيْد أنه سرعان ما وَصلَت رسائل من زوجة جونسون في لندن تُؤكِّد أسوأ مَخاوِفه: فقد مات ابنه بن، ضحية الطاعون الدبلي.
كانت تجربة وَفَيَات الأطفال مُنتشرةً في إنجلترا أوائل العصر الحديث، وكان الأطفال عُرضة بنحوٍ خاصٍّ لحالاتِ تفشِّي وباء الطاعون وأمراضٍ أخرى. والواقع أنَّ شكسبير نفسه كان قد نجا وهو طفلٌ بأعجوبةٍ من تفشِّي الطاعون في ستراتفورد. وفي العام الذي مات فيه بن الصغير، لم ينجُ في واحدة من دوائر لندن مُنفرِدة، وهي سان جيلز في كريبلجيت، من الثلاثة آلاف نسمة المُقيمِين فيها في يوليو من عام ١٦٠٣، إلا ستمائة بحلول ديسمبر التالي.12 وبالرغم من أنَّ مَرثاة جونسون المُؤثِّرة تزعُم بأنَّ حُزن الشاعر المرير يجعله يندَم على عمق ارتباطه الأبوي، فإنَّ الحزن على الفقيد الراحل لم يندرِج ضِمن الحالات العديدة للفقد. إنَّ قول جونسون «أوه، ليتني الآن أفقد كلَّ مشاعر الأُبوة!» يُمثِّل الرغبة في ألا يكون أبًا ومن ثَمَّ ألَّا يعود لاختبار هذه المُعاناة، ولكنه أيضًا يتضمَّن ضمنيًّا فكرة أنه كان من الأفضل أن يفقد أباه (كان والد جونسون قد تُوفِّي بينما كان الشاعر لا يزال رضيعًا) على أن يُكابد وفاة ابنه البكر.
إنَّ أبيات قصيدة جونسون التي تتساءل عن السبب في أنه ينبغي عليه أن يتحسَّر على الموت، «الحال الذي ينبغي عليه أن يَغْبِط» (البيت ٦)، مع الأخذ في الاعتبار مآسي الحياة، تتبَع منطق تأمُّلات هاملت الانتحارية في مُناجاته الذاتية الأشهر، «أكون، أو لا أكون» (الفصل الثالث، المشهد الأول، السطر ٥٥).13 هنالك، يتأمَّل هاملت «مصيبة» «العمر الطويل» (الفصل الثالث، المشهد الأول، السطر ٦٨) وأعباء الوجود التي لا مَفَرَّ منها؛ مثل «آلام حبٍّ يُقابَل بالازدراء» (الفصل الثالث، المشهد الأول، السطر ٧١)، والهموم المُلازِمة للتقاضي الذي يستغرِق أمدًا طويلًا، «بطء القانون» (الفصل الثالث، المشهد الأول، السطر ٧١). ورغم التطابُق الموضوعي بين تصوير كلٍّ من جونسون وشكسبير للموت على أنه يُمكن أن يكون حالًا مرغوبًا، عندما يُفحَص من منظور الحزن واليأس الهائلَين، فلا يُوجَد بخلاف ذلك إلا القليل ممَّا يربِط بين العملَين. كذلك، فرغم أنَّ رؤية جونسون تُكرِّر بعض القضايا المِحورية لأشهر عملٍ تراجيدي لشكسبير؛ كالعلاقة بين الآباء والأبناء وظهور طَيف، فإن الواقعة لا تحمِل، مع ذلك، إلَّا صلةً غير مُباشرة، وإن كانت مُدهِشة، مع مسرحية «هاملت»، التي كُتِبَت سنة ١٦٠٠؛ أي قبل نحو ثلاث سنواتٍ من وفاة بن الصغير. على العكس فالأمر الأكثر إلحاحًا هو «التبايُن» بين قصيدة جونسون ومسرحية شكسبير. شكسبير نفسه فقد ابنه الأول والوحيد، هامنت؛ شقيق جوديث التوءم ذا الأحد عشر عامًا، في أغسطس من عام ١٥٩٦؛ أي قبل كتابته لمسرحية «هاملت» بأربعة أعوام. ومع ذلك لم يكتُب أي مرثاةٍ عن موت هامنت. بيْد أن شكسبير قد كتب مسرحية، عبارة عن تأمُّلٍ عميق حول الموت، ويحمل عنوانها تقارُبًا فيما يتعلَّق بأسماء الأعلام مع اسم هامنت (وكان الاسمان قابلَين للتبادُل في هذه الفترة)14 إذ يكادان يكونان مُتطابقَين. على الرغم من ذلك، مسرحية «هاملت» ليست مسرحية عن فقْد الأطفال على خلاف، على سبيل المثال، مسرحية «حكاية الشتاء» أو مسرحية «كوميديا الأخطاء». بيْد أنها مسرحية تتعلَّق تعلُّقًا بالغًا بالآباء والذُّريَّة وبإرث الأب لابنه. لقد مات والد شكسبير سنة ١٦٠١، وحيث إنَّ «هاملت» كُتِبَت على الأرجح في العام السابق، فإنَّ ثَمَّةَ تصوُّرًا مُؤدَّاه أنَّ المسرحية هي الأخرى تُعَد تَوقُّعًا بهذا الفقد. هذه الروابط المُتعلِّقة بالسيرة الذاتية، وإن كان يصعُب تحديدها، تُثبِتُ فرضية هذا القسم، وهو أنَّ التراجيديا باعتبارها نوعًا أدبيًّا تؤدي العمل الثقافي المُتعلِّق بمُعالَجة مفهوم الحزن والموت. وقد كتَب شكسبير، الذي فقد ابنه، أعظم أعماله التراجيدية عن ابنٍ فقَدَ أباه، وفي هذا قد يكون قد أورث العالم «أفضل قِطَعِهِ الشعرية».

•••

في مسرحية «هاملت» يُبرِز شكسبير العمل الثقافي للتراجيديا بجعل الموت نقطة ارتكاز المسرحية؛ بعبارةٍ أخرى، تدور مسرحية «هاملت» «حول» الموت؛ أي إنَّ شكسبير اختار في تلك المسرحية أن يجعل الموت موضوعه المركزي، المُحرِّك بدلًا من أن يدَعَه يُمثِّل ببساطة، مِثلما يفعل في أعمالٍ تراجيدية أُخرى، مُجرَّدَ ذروةِ سلسلةٍ من الأحداث المأساوية التي قد لا تكون على نحوٍ خاصٍّ أو مباشرٍ مُتعلقةً به؛ على سبيل المِثال، الطموح في مسرحية «ماكبث»، التي يُرْفَع ستار مشهدها الأول عن الساحرات؛ والهَرِم في مسرحية «الملك لير»، التي تبدأ بجلوستر وابنه غير الشرعي وتقسيم المملكة؛ والزَّواج بين ذوي الأعراق المُختلفة في مسرحية «عطيل»، وهي مسرحيةٌ تبدأ بأنباء فِرار عُطيل مع حبيبته ديدمونة.

تنتهي كلُّ أعمال شكسبير التراجيدية بالموت، ولكن مسرحية «هاملت» وحدَها هي التي تبدأ أيضًا بتركيزٍ شديد بحالة فَقْدٍ تُشكِّل على الفور حدثًا شخصيًّا لبطل المسرحية وكذلك بظهور طَيف المُتَوَفَّى، وهو شبحُ والد هاملت على شُرفات الحصن أمام الحُرَّاس المُرتعبِين. عندما يلتقي هاملت نفسه بالشبح، يُكَلَّف بأن «انتقِم له من قتلةٍ شنيعة قُتلها!» (الفصل الأول، المشهد الخامس، السطر ٢٥) [ترجمة خليل مطران، وهي الترجمة التي اعتمدْنا عليها على نحوٍ أساسيٍّ في ترجمة الاقتباسات من المسرحية في هذا القسم، وإنْ كان ببعض التصرُّف اليسير في بعض المواضع]. إن هدف انتقام الشبح هو شقيقه، كلوديوس، الذي «تصيَّدَ قلبَ مليكتي، وَأَنزلها على حُكم شَهوَتِه، مع ما كان يبدو عليها من الأمانة والعِفَّة» (الفصل الأول، المشهد الخامس، السطران ٤٥-٤٦) وصَبَّ سُمًّا، «سائلًا فتَّاكًا» (الفصل الأول، المشهد الخامس، السطر ٦٤)، في أُذنه في أحد الأيام بينما هو مُستلقٍ نائمٌ في الحديقة. وجَّه مايكل نيل وستيفن جرينبلات الأنظار عن حقٍّ لحقيقة أنَّ الشبَح، في ختام مُقابلته مع هاملت، لا يَصيح قائلًا: «انتقِمْ لي» وإنما قال: «سلامًا، سلامًا، وإيَّاي فاذكُر» (الفصل الأول، المشهد الخامس، السطر ٩١).15 إن هذه الكلمات تستحضر حقًّا إلى الذاكرة كلمات ذبيحة القُدَّاس الإلهي الأفخارستية: «اصْنعوا هذا لِذِكْري»، وكذلك المُمارسة الكاثوليكية المُتعلِّقة بالصلاة لأرواح الموتى الموجودة في المَطْهَر؛ وهي حالةٌ انتقالية بين اللَّعن الأبدي والنعيم السماوي والتي لم يعُد الفكر اللاهوتي البروتستانتي يُقِرُّ بصحَّتِها. بيْد أن «إياي فاذكُر» قد تعكِس أيضًا الأبعاد الأكثر دُنيويةً ذات المعنى المقبول ثقافيًّا بأن الموتى — بخاصة أولئك الذين يموتون جرَّاء أسبابٍ طبيعية وعادية — يتمنَّون أن يَذكُرهم الأحياء؛ بأشعار الرثاء، وشواهد القبور، والخواتم التَّذكارية، وبالوصايا المُتعلِّقة بتوزيع مُمتلكاتهم، بالإضافة إلى الدلالات التقليدية واللائقة المُتعلِّقة بالملابس؛ مثل تلك التي يضعها هاملت إعلامًا بموت والده: «سائر ما يُعتدُّ من آلات الحِداد» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطر ٧٨)، و«دثارٍ أَسوَد كالمداد» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطر ٧٧)، و«أرديةٍ تُعبِّر عن الحزن» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطر ٨٦). وبغضِّ النظر عن اعتراضات جِرترود التي تُخالف ذلك؛ بأن «الموت نهاية كلِّ حي» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطر ٧٢)، فإن المسرحية «ليست» حول موتٍ جرَّاء أسبابٍ «طبيعية». ولِلمُفارَقة، إنَّ هذا يساعد على تقوية الفكرة القائلة بأن الموت بجميع أشكاله — سواء كان النتيجة المألوفة لضمور الجسد أو كان توقُّفًا فجائيًّا، أو مُباغتًا، أو عنيفًا للحياة — في الأصل وبنحوٍ كبير هو أَمرٌ «غيرُ طبيعي»؛ هو خلل، أو ما يَصِفُه هاملت بأنه «ذلك العالم المجهول الذي لا يرجع من تُخومه أحد» (الفصل الثالث، المشهد الأول، السطران ٧٨-٧٩).
بيْد أن الشَّبَح قد عاد. ورغم أنه كان قد تلَّقى طقس الدفن المسيحي اللائق، فإن «العظام المُطوَّبة» (الفصل الأول، المشهد الرابع، السطر ٢٦)، لوالد هاملت قد «مَزَّقَت أكفانها» (الفصل الأول، المشهد الرابع، السطر ٢٧). المدهش في الأمر أن هاملت لا يُخاطب هنا والده على أنه شبَح، وإنما باعتباره جُثَّةً عائدة إلى الحياة ما زالت بِنية هيكلها العُظمي مُتماسِكة. لقد وقع المُحرِّرون في حَيرةٍ جرَّاء تَكرارٍ يبدو غيرَ بارعٍ لكلمة burst (يمزق/يفغر) في النصوص المُتعدِّدة الباقية للمسرحية؛ إذ تظهر ثلاث مرَّات في خمسة سطور في طبعة قطع الربع الأُولى لعام ١٦٠٣:
أجبْني، لا تدعِ الجهل «يُمزِّق» كياني،
وخبِّرني لماذا «مَزَّقَت» عظامك، في تابوت الموت،
أكفانَها؟ لماذا «فغَر» القبر،
وقد رأيناك تُوارى فيه، في تُؤَدةٍ وسكون،
فكَّيه الرخاميَّين الرهيبَين؟
أيًّا كانت عيوب نصِّ طبعة قطع الربع الأُولى (وهو مَدارُ جدلٍ نقدي دائرٍ طال أمَدُه)، فإن التَّكرار مع ذلك يدلُّ على درجة تأكيد شكسبير على نوعٍ من التمزُّق العنيف من كِلا جانبَي القَبر. يُوجَد اتِّساقٌ عجيب هنا بين هاملت وعظام والده؛ فهو «الجهل يُمزِّق كيانه»؛ أي إنه يتمزَّق من أجل أن يعرِفَ كيف أُخرِج هيكلُ والده العَظمِيُّ نفسه من القبر؛ كيف «مزَّقَت عظامك … أكفانها؟» تنقل الصورة المُروعة فكرة أن القبور كثيرًا ما «تُقتَحَم» ولا يُهرَب منها. بالفعل يتوافق منظر القبر المَفلوق مع الحالات الكثيرة لاقتحام القبور في إنجلترا الإليزابيثية على يدِ أولئك الذين اعتَقدوا أنَّ النُّصُب الجنائزية «المُشيَّدة في الكنائس كما في أماكنَ عامةٍ أخرى لإظهار تذكُّر ذُرِّية الأشخاص المَدفونين هناك لهم»16 كانت وثنيةً. كانت المشكلة مُستفحلةً بما يكفي لدرجة أنَّ الملكة إليزابيث أَصدرَت «إعلانًا يحظُر تدمير النُّصُب الجنائزية الكنائسية» (عام ١٥٦٠). كذلك فإن النَّقْش على النُّصُب الجنائزي الخاص بشكسبير يبدو أنه يتوقَّع هذا النوع من التعدِّي: «اللعنة على من يُحرِّك عظامي.»17
يحمل كلٌّ من انتهاك حُرمة الموتى على يدِ الأحياء والبعث المُذهِل لوالد هاملت الراحل بين طيَّاتهما إخراج «جُثَّة ميِّت» (الفصل الأول، المشهد الرابع، السطر ٥٢)، ويُصاحبهما الكشف عن الأهوال التي لا بُدَّ أن القبر يُخفيها. في مسرحية «هاملت»، حسبما رأتْ سوزان زيمرمان، «يقترب شكسبير اقترابًا بارعًا من تجسيد غير المُجَسَّد … الجثة نفسها.»18 وفي إطار الغائية المسيحية كانت تُوجد فرضيةٌ مماثلة، وإن كانت أقل ترويعًا «بعض الشيء»، وهي أن الميت الذي «لَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ» سوف يخرج من قبره ويقوم عند «البُوق الأخير.»19 والواقع أن قُدَّاس الجنازة الإليزابيثي كان يُذَكِّر الرعايا المُصلِّين بما يكمُن في مستقبلهم البعيد: «سوف أقوم خارجًا من الأرض في اليوم الأخير، وسوف يُغطِّيني جلدي من جديد.»20 ومع أنه من الواضح أنَّ المقصود لهذا المقام أن يكون مقامًا جليلًا، فإن «كتاب الصلاة» يُقدِّم الصورة المُجْفِلة لهيكلٍ عظمي خارج من القبر ينبُت جلده فجأةً وهي الصورة التي تتوافق مع تصوير هاملت لوالِدِه الذي يُلْفَظ من فاه الموت:
… لماذا فغَر القبر،
وقد رأيناكَ تُوارى فيه، في تُؤَدةٍ وسكون،
فكَّيه الرخاميَّين الرهيبَين
لكي يقذِف بك إلى الخارج.
(الفصل الأول، المشهد الرابع، الأسطر ٤٨–٥١)

في حين أنه من الجليِّ أن الإخراج من القبر بهذا العنف هو حدثٌ خارج للطبيعة، فثَمَّةَ، في الفصل الخامس، تصويرٌ أكثرُ واقعيةً بكثير لعظام تُنبَش وحفَّار القبور، الذي يرى هاملت أنه لا يملك «إحساسًا بحساسية عمله» (الفصل الخامس، المشهد الأول، السطر ٦١)، وهو يقذِف بالجماجم لأعلى (إحداها يُعرَف أنها تخُصُّ، يوريك، مُهرِّجًا سابقًا تابعًا للبلاط الملكي) وهو يُفسِد بمرحٍ ترتيبَ أماكنِ دفنٍ قديمة بينما يَحفر قبر أوفيليا؛ فلا المُتوفَّى حديثًا؛ مثل والد هاملت، ولا من وُورِي التراب منذ زمنٍ طويل؛ مثل يوريك، يعيش في سلام، تحت الأرض بعيدًا عن الأنظار. المُثير للاهتمام، أنَّ جسَد الدبَّاغ، الذي تتلاقى مِهنتُه مع مهنة والد شكسبير، يظلُّ بلا فساد، محفوظًا مِثل الجلد الذي عَمِل عليه طَوالَ حياته. وعن طريق حفَّار القبور، يعود شكسبير إلى الأنشطة العادية والدُّنيوية، وبخاصَّة العمل اليدوي وليس الطقوس والشعائر الدينية التي تُحيط بالهول؛ بالفكِّ المفغور الذي هو الموت.

طَوالَ مسرحية «هاملت»، يفحص شكسبير الموتَ من كِلا جانبَي القبر؛ أي من وجهة نظر الملك الراحل ومن وجهة نظر ابنه المفجوع، الذي يَطَّلِع الجمهور على قُنوطه قبل حتى أن يرى شبَح والده وقبل حتى أن يُخبره هوراشيو عن أَمْر ظهور الشبح. يُعَبِّر هاملت، الذي يُجزِعه بالفعل أمر زواج والدته مُجدَّدًا، في مُناجاته الذاتية الأُولى عن رغبةٍ عميقة في الانمِحاء، في فَناء الذات، «آه، ليت هذا الجثمان، وما أصلبَهُ على الرزايا والكوارث، ليتَهُ يذوب، ويسيل، وينحلُّ إلى ندًى» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطران ١٢٩-١٣٠). إن معنى أو مغزى الموت، عند هاملت، هو أن الحياة بلا جدوى ولا معنى؛ «مُضنِية، وعتيقة، وبلا جَدوَى» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطر ١٣٣)؛ وحدَها الدوافع الأخلاقية — «وهكذا أمكن لضمائرنا أن تجعلنا جميعًا جُبناء» (الفصل الثالث، المشهد الأول، السطر ٨٢) — هي التي سوف تمنعه من قتْل كلوديوس وتمنعه، في هذه المرحلة من المسرحية، من إنهاء حياته بنفسه: «ليتَ بارئَ الإنسان لم يُحَرِّمْ عليه قتلَ نفسه» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطران ١٣١-١٣٢).

لَأَن يُوجَد بالفعل شيءٌ ما «فاسد في دولة الدانمرك» (الفصل الأول، المشهد الرابع، السطر ٩٠)، فإنَّ ذلك يجعل حداد هاملت يبدو في غير أوانه وغامضًا. يذكر كلوديوس أنَّ بولونيوس «قد أنبأني، يا مليكتي الحبيبة، أنه كشف عن الأساس والسبب الصحيح لكلِّ ما يشكوه ابنُكِ من عِلَّة» (الفصل الثاني، المشهد الثاني، السطران ٥٤-٥٥). بيْد أنَّ سبب سَقَم هاملت واضحٌ تمامًا لأُمِّه؛ «أخشى أنَّ الأمر لا يعدو السبب الرئيسي؛ وهو موت أبيه وتعجيلنا بالزواج» (الفصل الثاني، المشهد الثاني، السطران ٥٦-٥٧)، ومع ذلك تُناشِده أن يُهوِّن على نفسه مُستخدمةً العبارات المُبتذَلة التقليدية المُتعلِّقة بالوفاة التي عادةً ما تُخفي حقيقة الموت:

الملكة : أنتَ تدري أنه أَمرٌ عادي. إنَّ الموت نهاية كلِّ حي، وإنَّ الدُّنيا إنما هي مَجازٌ إلى الخلود.
هاملت : أجل يا سيِّدتي، إنه لأَمرٌ عادي.
الملكة : إن كان الأمر كذلك،
فلِمَ تخالُه غريبًا؟
(الفصل الأول، المشهد الثاني، الأسطر ٧٢–٧٥)
الواقع أنَّ المشهد الثاني من الفصل الأول هو المرة الأولى التي يرى فيها الجمهور أفراد أُسْرة الملك هاملت الثلاثة الأحياء كلهم؛ هاملت، وجِرترود، وكلوديوس. يُحاكي الحوار كلمات «كتاب الصلاة» الإليزابيثي عن حقيقة أنَّ الموت مكتوبٌ على كلِّ البشر في الصلوات التي كانت تُتلى بينما يُجلَب الجَسَد إلى القبر:
الإنسان المولود من امرأةٍ لا يملك إلَّا وقتًا قصيرًا ليحياه، وهو وقت مليء بالشقاء؛ فهو يرتقي، ويَنحسِمُ مثل زَهْرة؛ وَيَبرحُ كَالظِّل، وَلا يبقى في مُستقَرٍّ واحد. في وسط الحياة نحن في موت.21
يتَّبِع كلوديوس، هو الآخر، توجيه «كتاب الصلاة» بأن «يُطرَح التراب على الجسد من قِبَل بعض الواقفِين حوله»22 حينما يكاد يأمر هاملت بأن يتوقَّف عن الحِداد على والده: «نرجوك أن «تطرح أرضًا» هذا الحُزن الذي لا يُجدي» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطران ١٠٦-١٠٧، أقواس التنصيص الداخلية من عندي). وهكذا فإن أولئك الذين يظلُّون على قيد الحياة بعد موت الملك المُتوفَّى يقفون على سبيل المجاز حول قبره بطريقةٍ هي مُحاكاةٌ ساخرة للطقوس الخاصَّة بالموت والتي كان قد اختصرها بطريقةٍ مفاجئة جدًّا زواج جِرترود وكلوديوس.
بحلول عام ١٦٠٠، عندما كُتِبَت مسرحية «هاملت»، من المُحتمَل أن كاتبها نفسه قد كان ينهب نوعًا ما قبرًا مسرحيًّا بإحيائه ﻟ «حكايةٍ قديمة»،23 وأعني بهذا صيغةً أَقدمَ مجهولةَ المؤلِّف تُعْرَف باسم «أور-هاملت» أو «هاملت الأصل» والتي لم يُكتَب لها البقاء. وعلى حدِّ تعبير جون كيريجان، «يتساءل الأمير، لماذا يجعلُ الانقيادُ إلى الانتقام حياتَه مُطابقةً لشكلِ مؤَلَّفٍ رديءٍ قديمٍ ما (سوف يُفكِّر الجمهور في حكاية «أور-هاملت»)؟ لماذا هو في هذه المسرحية؟»24 بيْد أنه بعد أن يترك الشبَح هاملت، تَحيد المسرحية عن المسار النمطي للعمل التراجيدي المُتعلِّق بالانتقام. ولقد أشار النُّقاد بالفعل منذ وقتٍ طويل إلى أن مسرحية «هاملت» لا تدور بقدْرٍ كبير حول السعي وراء الانتقام بوصفه إنجازَها المتأخِّر. هذا الفعل المُؤجَّل ملائم لمسرحية حول الموت، عندما، بنحوٍ ما، لا يحدث شيء. إن الموت هو، على نحوٍ فيه مُفارقة، حالة من الاندثار وحالة من الانحلال البيولوجي النشِط على نطاقٍ واسع؛25 أي إن الفكرة السائدة في أوائل العصر الحديث عن الموت، حتى بدون مفهوم المَطْهَر الكاثوليكي، اشتَملَت على قدْرٍ مُعيَّن من مفهوم الحَياة المُعَلَّقَة؛ حيوية ما بعد الوفاة، أو على حدِّ تعبيرِ هاملت البشِعِ بعض الشيء: «إنما نُسَمِّن أنفسنا للديدان» (الفصل الرابع، المشهد الثالث، السطر ٢٢).

كما هو مُلائم تمامًا لمُفارقة الموت هذه، فإنَّ «الحدَث» المسرحي يتعلَّق بنحوٍ أساسي ﺑ «انعدام الفعل» من قِبَل هاملت؛ من أجل ذلك، وكتصوير هاملت للتحلُّل، بقوله «مؤتمر الديدان» (الفصل الرابع، المشهد الثالث، السطر ٢٠)، فإن الحبكة هي أيضًا موضعٌ مَلِيءٌ بِالحيَويَّة من التشابُك المُعقَّد. ينصرِف فِكر هاملت عن الانتقام في الأصل عن طريق انشغاله بمسألة استحقاق أُمِّه للَّوم على الرغم من أَمرِ الشبَح له بأنْ «لا تُلوِّث فكرك، ولا تَأْذنْ في داخِلتكَ لأية سانحةٍ تمَسُّ والدتك. دع لله عقابَها» (الفصل الأول، المشهد الخامس، السطران ٨٥-٨٦). يتطوَّر هذا التركيز المُفرِط على جُرم الأم مُتحوِّلًا إلى جفاءٍ ينطوي على كراهية للنساء بوجهٍ عام، وبخاصةٍ من كانت فيما مضى حبيبته، أوفيليا سيئة الحظ. وتقوم أحداثٌ مُتنوِّعة في الحبكة بمقام بدائلَ لقتل كلوديوس. ومن ضِمن تلك الأحداث، الانتقامُ الفاشل (يطعن هاملت، وهو مُختبئ خلف ستار، بولونيوس بدلًا من كلوديوس)؛ والشروع في القتل (إذ يُحاول كلوديوس أن يتخلَّص من هاملت المجنون ظاهريًّا بإرساله في رحلةٍ بحرية إلى إنجلترا مع روزنكرانتس وجيلدنتشترن، الذي يكتشف هاملت رسائله إلى الملك الإنجليزي التي يطلُب فيها منه قتل هاملت، فيُزيِّف هاملت رسالةً تطلُب قتْل روزنكرانتس وجيلدنتشترن قبل أن يعود إلى الدانمرك على مركبِ قراصنة)؛ والجنون («المسلك الغريب» (الفصل الأول، المشهد الخامس، السطر ١٧٠) من قِبَل هاملت)؛ وفقدان أوفيليا لعقلها بعدما يقتُل هاملت عن غير قصدٍ والدها؛ بولونيوس)؛ وتفكير هاملت نفسه في الانتحار وانتحار أوفيليا الفعلي بالغرَق. ومع ذلك فإنَّ الأدعى للاستغراب في النوع الأدبي المُتعلِّق بتراجيديا الانتقام هو أنه عندما تصِل فرقة من المُمثِّلِين إلى مدينة إلسينور، في استراتيجية تُمحِّص بالتأكيد الحدود المقبولة للانتقام كنوعٍ أدبي، يُقرِّر هاملت ألَّا يقتل الملك وإنما أن يختَبِر جُرْمه بأداءٍ تمثيلي لمسرحية «مصيدة الفئران» (الفصل الثالث، المشهد الثاني)، وهي مسرحيةٌ تُجسِّد جريمة قتل تُشبِهُ كثيرًا الجريمة التي ارتكبها كلوديوس. تُؤكِّد ردَّة فعل كلوديوس جُرمه، ومع هذا لا يتَّخِذ هاملت — الذي تظهر أمامه فرصةٌ مِثالية لقتل كلوديوس وهو يُصلِّي («الآن أستطيع أن أفعل فَعلتي»، الفصل الثالث، المشهد الثالث، السطر ٧٣) — إجراءً. في هذا الظرف، الذي ينطوي على التردُّد الأَوضَح في المسرحية، يُسَوِّغ مُماطلتَه في القيام بفعلٍ بفكرة أنه، على العكس من والده، الذي مات وهو يرى أنَّ «آثامي ما برحَت كلها على رأسي» (الفصل الأول، المشهد الخامس، السطر ٧٩)، فإنَّ صلاة كلوديوس قد تُجنِّبه الجحيم: «أثناء تطهيره لروحه من الإثم، وقد تأهَّب واستعدَّ للانتقال من العالم الفاني إلى العالم الباقي» (الفصل الثالث، المشهد الثالث، السطران ٨٥-٨٦).

وهكذا، فإنَّ المسرحية حافلة بالإبطاء الزاخر بالأحداث، والذي يُتيح لكلوديوس أن يبقى على قيد الحياة حتى حلِّ عقدة المسرحية عندما يتآمَر مع لايرتِس لقتل هاملت بِسَيفٍ رَفيعٍ مُثلمٍ مسمومٍ في سِجالِ مُبارَزة. يُجرَح هاملت؛ وتشرب جرترود من كأسٍ مسموم. وفي خِضَمِّ المبارزة، يُبَدَّل سيفا المُبارزة ويُصبح لايرتس هو الآخر ضحيةً للسُّمِّ. وبينما يأخذ السُّمُّ الزُّعاف وقتَهُ ليؤتي أَثرَه، عندئذٍ يكشف لايرتس عن مَكيدة كلوديوس لهاملت، ممَّا يجعله يقتل كلوديوس أخيرًا، ويعفو عن لايرتس، ويُوصي هوراشيو بأن يعيش حتى «تقُصَّ على الناسِ قِصتي» (الفصل الخامس، المشهد الثاني، السطر ٣٠٣). والواقع أنَّ القصة التي يُورثها هاملت تبدو أَهمَّ من حقيقة أنَّ هاملت أخذ أخيرًا بثأره.

وبينما كانت حبكة مسرحية «هاملت» بحقٍّ موضعَ افتتانٍ شديد منذ أن كُتِبَت للمرة الأولى، كذلك كانت لغة المسرحية. من المُهمِّ إن لم نعتبِر المسرحية ««أفضل» قطعةٍ شعرية» لشكسبير، (بما أنَّ تلك المُقارنات بين روائع شكسبير قد تكون مُثيرة لاستياء البعض) فأقلُّ شيء إذن أن «نعتبرها» شعرًا. ثَمَّةَ جزالةٌ وافرة في اللغة؛ حتى في النثر؛ فعندما يتساءل هاملت، غير عالِمٍ بموت أوفيليا: قبر مَن الذي يُحْفَر؟ يُجيب المُهرِّج بتلاعُبٍ في الألفاظ عن أنَّ الموت هو انطماس الهُوية؛ الهُوية الجنسانية في هذا الموضع تحديدًا:

هاملت : من الذي سيُدْفَن فيه؟
حفَّار القبور : شخصٌ كان يومًا امرأة، يا سيدي؛ ولكنَّها مَيِّتة، فلْترقُد روحها في سلام!
(الفصل الخامس، المشهد الأول، السطران ١٢٦-١٢٧)
يبدو أنَّ الحَيويَّة البادية في خِفَّة ظِلِّ حفَّار القبور تزيد من التمايُز الذي كان لدى مُعاصرِي حِقبة أوائل العصر الحديث بين the quick (الأحياء) والأموات. إذن، حتى في هذَين السطرَين النثريَّين القصيرَين، لدى شكسبير القُدرة على إعادة صياغة لغز الموت وفصله للرُّوح عن الجسد.
ومع ذلك فيُمكن القول بأنَّ موت أوفيليا، الذي تصِفه جِرترود، بعيدًا عن أنه كان مصرعًا يفتقِر إلى التشويق، هو الأكثر شاعرية في الأدب:
هناك شجرةُ صفصافٍ مالت بفرعِها فوق غدير،
يعكس أوراقَها البيضَ في صفحتِه.
أَقبلَت أوفيليا إليها ومعها أكاليلُ غريبة،
من وَردِ الغراب، والحَسَك والأُقحوان، والسحلب الأُرجواني
الذي يُطلق عليها الرُّعاة الأَفظاظ اسمًا وقِحًا
ولكنَّ فتَياتِنا البريئات يدْعونه «أصابع الرِّجال الموتى».
وبينما هي تَتسلَّق الشجرة لكي تُعلِّق ما تحمله من أكاليلَ
على أغصانها المُتأرجِحة، إذا بغُصنٍ حاقد ينكسِر،
وإذا هي تسقُط، هي وما تحمِل من عُشب وزهر، في ماء الغدير الباكي.
فانتَشرَت ثيابها على الماء، وحملَتها بُرهةً من الزمن كأنها جِنيَّة الغدير …
حتى ثقُلَت ثيابها بما تَشرَّبَته،
ونَزلَت بالمسكينة من أُغنيتِها الجميلة
إلى قَرارٍ من الطين.
(الفصل الرابع، المشهد السابع، الأسطر ١٦٤–١٨١)

حتى هنا بين طيَّات الشاعرية الرَّعوية لهذا الوصف، تظهر جُثث موتى إضافيةٌ على هيئة «فتَياتِنا البريئات» (وهن بناتٌ مُحتشِمات يتجنَّبن اللغة السوقية، ولكنَّهن أيضًا مَيِّتات)، و«أصابع الرجال الموتى» (الاسم الشائع للأزهار) وضمنًا، الأعضاء التناسُلية للرجال الموتى. يُوصَف كلٌّ من الفتَيات والرُّعاة «الأفظاظ» من ناحية طريقة كلامهم (المُنضبِطة والفاحِشة على الترتيب) وطبيعتهم الجنسية (الباردة أو الشهوانية بأشكالٍ مُتنوِّعة، والنقِيَّة أو النشطة جنسيًّا). ومثل الأشكال التي نجدها في الأسلوب الفني المُسمَّى «رقصة الموت» والتي كانت تُبيِّن بالصُّوَر ما جاء في كتب الصلاة التي نُشِرَت من قِبَل جون داي سنة ١٥٩٠، وحتى في غمرة شباب وخصوبة هؤلاء الشباب، نجد الموت يحُوم حولهم، وهم الذين يبدو في الأغلب أنهم كانوا يستمتعون بأزهار الصيف في مشهدٍ طبيعي رَعَوي خلَّاب، حينما أُتيحت لهم فرصة تسمية الأزهار. وفي أثناء ذلك، تحوَّلَت أوفيليا، الجُثة نفسها، إلى حورية ماءٍ قبل أن تغرَق في تُربة قاعِ الغدير.

بالطبع لم يَعنِ الهلاك الشائع جدًّا لأعدادٍ من السكان نتيجة للطاعون والأوبئة الأخرى أنَّ الناس في أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر سَلِموا من الوَفَيات العرَضية التي يبدو أن جِرترود تُلْمِح إليها أو من اليأس العميق الذي كان ذروته الانتحار؛ ففي شهر ديسمبر من عام ١٥٧٩، عندما كان شكسبير فتًى في الخامسة عشرة من عمره وبعد شهورٍ فقط من وفاة شقيقته، آن، ذات الثماني سنوات، غرِقَت امرأةٌ شابَّة كانت تُدعى كاثرين هاملت Katherine Hamlett في نهر أفون عند تيدنجتون، على بعد ميلٍ من بلدة ستراتفورد، بينما كانت تشرع في ملء دَلْوها بالماء. ومثل أوفيليا، قد «أحاطت بمَوتها الريبة» (الفصل الخامس، المشهد الأول، السطر ٢١٦)؛ أي إنه ربما كان انتحارًا. قُرِّر أنَّ الغرق، الذي يُذَكِّرنا كثيرًا بموت أوفيليا في «قرارٍ من الطين» (الفصل الرابع، المشهد الثالث، السطر ١٨١) كان عرضيًا (إذ اعتُقِد أنها انزَلقَت)، ولم يكن بسبب «قتل النفس» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطر ١٣٢)، وهو الاصطلاح القانوني الذي كان يُستخدَم للإشارة إلى الانتحار. إن عدم وجود اختلاف بين اسم أوفيليا الحياة الواقعية، كاثرين هاملت، واسم أمير الدانمرك إلَّا في حرفٍ ساكنٍ واحدٍ لَهو أمرٌ يسترعي انتباهنا لزامًا من جديد إلى نقاط التقاطُع بين الحياة الواقعية، أو بتعبيرٍ أدق، الوفَيات الواقعية، وإعادة صياغة شكسبير لها.

•••

باعتبار مسرحية «هاملت» أكثرَ عملٍ مُعترَف به لشكسبير، يُمكن أن نكون مُصيبِين في توقُّع أنها تملك نوعًا من الرسوخ النَّصِّي؛ أي تصوُّرٍ واضحٍ لما شَكَّل صيغة شكسبير النهائية والمكتملة للمسرحية، بيْد أنَّ هذا التوقُّع أبعدُ ما يكون عن الصحة؛ فمسرحية «هاملت» هي عبارة عن حقلِ ألغامٍ نَصِّي؛ إذ تختلف أول طباعة للمسرحية، وهي طبعة قَطع الرُّبع الأُولى التي ترجع لعام ١٦٠٣، كثيرًا عن الصِّيَغ الأخرى التي بقِيَت إلى الآن؛ فهي ضعيفة في نَظْمِها وأقصر بكثير، لدرجة أنه عادةً ما يُشار إليها باسم «طبعة قطع الربع الرديئة». ثَمَّةَ شكٌّ في أن طبعة قَطْع الرُّبع الأُولى هي نسخة لا يُعَوَّل عليها للمسرحية جَمَّعَها شخصٌ آخَر غيرُ شكسبير، رُبَّمَا يكون واحدًا أو أكثر من المُمثِّلِين الذين كانوا قد نَسَخوا المسرحية من ذاكرتهم غير المِثالية نقلًا عن الأداء المسرحي. وأَشهرُ مثالٍ على الاختلاف النَّوعي بين السطور التي ننسِبُها إلى مسرحية «هاملت» ومُرادفها المنقول في طبعة قَطع الرُّبع الأولى هو أنَّ عبارة «أكون أو لا أكون؛ تلك هي المشكلة» (الفصل الثالث، المشهد الأول، السطر ٥٥)، تُصبح «أكون أو لا أكون، ذلك هو بيت القصيد.» ومع ذلك، كان لطبعة قطع الربع الأُولى مدافعون عنها خاصةً لأنه ثبَتَ أنها مُحرِّكةٌ للمشاعر ومُؤثِّرةٌ في الأداء المسرحي على نحوٍ مُدهش. تُوجَد نظرياتٌ مُتعددة بشأن وضع طبعة قَطع الربع الأُولى، وبعض التكهُّنات بشأن ما إذا كانت ببساطةٍ هي صيغة شكسبير الأقدم للمسرحية. غير أنَّ جون جويت يُشير قائلًا: «إنْ كانت طبعة قَطع الربع الأُولى لمسرحية «هاملت» هي مُسوَّدةً أولى، فإنها تُمثِّل جانبًا غريبًا ومن ناحيةٍ أخرى غير معروف لكتابة شكسبير.»26 وفي عام ١٦٠٤، ظهرَت طبعة قَطع الربع الثانية، وهي صيغةٌ أخرى للمسرحية، مع زعمٍ مَفاده أنها طُبِعَت «حسب النسخة الصحيحة والكاملة.» هذا النصُّ يبدو حقًّا أنه أُعِدَّ من مخطوطة شكسبير أو من «مُسوَّداته»، وأُعيد طبعها في عام ١٦١١ (طبعة قطع الربع الثالثة). وفي «المطوية الأُولى» التي ترجع لعام ١٦٢٣ طُبِعَت نسخةٌ ثالثة من المسرحية وكانت تلك النسخة مُختلفةً اختلافًا كبيرًا عن كل النسخ السابقة. ولزيادة الأمور بلبلةً، يبدو أنه كانت تُوجَد، كما أشرْنا سابقًا، مسرحيةٌ مجهولة المؤلِّف تُسمَّى «هاملت» (التي عادةً ما يُشار إليها باسم «أور-هاملت») — والتي من المُحتمَل أنها كُتِبَت على يد توماس كيد — والتي هي أقدَمُ من كل هذه الصِّيَغ الأخرى. ويتَّسِم الجدل الأكاديمي حول هذا اللُّغز النَّصِّي بالتعقيد وإثارة الخلاف.27 ومع ذلك فإنَّ هذا الموقف يفرض علينا أن نضع في اعتبارنا أن أفكارنا حول السَّنَد النَّصِّي وعدم تغيير نصٍّ بعد طبعه قد تكون مختلفةً إلى حدٍّ كبير عن أفكار شكسبير ومُعاصرِيه.
لم تنشأ حبكة مسرحية «هاملت»، بالطبع، مع شكسبير أو مع المسرحية الأقدم، «أور-هاملت»، وإنما مع كتاب ساكسو جراماتيكوس «التاريخ الدانمركي» الذي يعود تاريخه إلى القرن الثاني عشر مع أنه لم يُطبع حتى عام ١٥١٤. لا شكَّ في أنَّ شكسبير اقتبس القصة من كتاب فرانسوا دي بيلفورست «قصص تراجيدية» (طبعة ١٥٧٠).28 تُقِّدم قصة مسرحية شكسبير، بما تتَّسِم به أحداثها من تعقيد، أدلةً على بيئةٍ تُنقَل فيها الأفكار، والقصص، والنصوص، والمسرحيات المُقدَّمة على خشبة المسرح بطُرُق يكاد يكون من المستحيل الآن إعادة تشكيلها؛ وَمِن ثَمَّ فإن شكسبير لم يُؤلِّف مسرحية «هاملت» في عُزلة عن ثقافته، وإنما بالأحرى من خلال الحوارِ معها.

عطيل

حسب النَّقش الموجود على قبر سوزانا شكسبير في كنيسة الثالوث المُقدَّس في بلدة ستراتفورد-أبون-أفون، فقد كانت امرأةً ورِعة وصالحة: «كان لدى السيدة هول الصالحة الحكمة للخلاص.» وكما ذكرْنا في الفصل الثاني، كانت شخصًا ذا ذكاءٍ مُفعمٍ بالحيوية، «فاقت بنات جِنسِها في الذكاء»، ولكنها أيضًا موصوفة بممارستها صفة الرحمة المسيحية المُثلى، بطريقة تتَّسِم بالاستعداد والتواضُع؛ فقد أظهَرَت في الحياة تعاطُفًا حاضرًا نحو الحزَانَى وقدَّمَت لهم مُواساةً شفوقة:
ألدَيكَ، إذن، أيُّها المارُّ، دمعةٌ قريبة،
تَبكيها على من بكتْ على كلِّ النائحِين؛
التي بكتْ عليهم، بل نَذرَت نفسها
لإسعادهم بتعزياتٍ حارَّة؟
سيحيا حبُّها، وستنتشِر رحمتها،
عندما يكون لَديكَ دمعةٌ قريبة تَذرِفها.
تزوَّجَت سوزانا زيجةً صالحة من الطبيب جون هول سنة ١٦٠٧، وبما أن شكسبير عيَّن الزَّوجَين مُنفِّذَين لوصيته وجعل سوزانا الوريثة الأساسية لممتلكاته، فلا بدَّ أنه كان زواجًا أسعدَه كثيرًا. واستنادًا إلى النَّقْش على شاهد قبر جون الذي يصف سوزانا بأنها «زوجةٌ مُخلصة»، فيبدو أنها هي وزوجها كانا زوجَين سعيدَين. مع ذلك، في عام ١٦١٣ تبدَّد لِفترةٍ وجيزة مشهد السعادة الزوجية هذا جرَّاء اتهامٍ مُفترًى بأنَّ سوزانا أُصيبَتْ بمرضٍ تناسُلي مُستفحل وأنها ارتكَبَت الزنا مع رجل في الخامسة والثلاثين يُدعى راف سميث، ابن صانعِ نبيذ كان يعمل في ستراتفورد بائع قُبَّعاتٍ وخردواتٍ ولوازم خياطة. كان لسميث صلاتٌ قوية بعائلة شكسبير؛ إذ كان ابن شقيق الأب الروحي لهامنت وجوديث شكسبير، هامنت سادلر. ردَّت سوزانا على هذه الاتهامات في الخامس عشر من يوليو من عام ١٦١٣ عندما أقامت دعوى تشهيرٍ على العائب فيها، جون لين، في المحكمة الكنسية بكاتدرائية ووستر، تلك التي جاء فيها: «منذ حوالي ٥ أسابيع أبلغ المُدَّعى عليه أن المُدعية أُصيبت بالسيَلان، وكانت غيرَ مُحتشمةٍ مع راف سميث.»29 مُمارسة «عدم الاحتشام» مع شخصٍ ما كانت تلطيفًا لغويًّا لكلمة الاتصال الجنسي، ولكن لين كان له سجِلٌّ فيما يتعلق بالسُّكر والسلوك المُخِلِّ بالنظام، ورَبِحَت سوزانا دعواها.
تاريخ هذه الواقعة يلي زمنيًّا مسرحية «عطيل» (التي قُدِّمَت على خشبة المسرح لأَوَّل مرةٍ ما بين عامَي ١٦٠٠ و١٦٠٤)30 بزهاء عِقد من الزمن، ولكنه مع ذلك تقارُبٌ زمني مُثير للاهتمام لأن المسرحية بالمِثل تدور حول زواج ابنة والتشهير بسُمعة زوجة. هربَ عطيل، الذي جعلته بسالته الحربية قائد جيش، مع ديدمونة، الأصغر منه كثيرًا في العمر، والابنة الجميلة لأحد الفينيسيِّين، والذي يُدعى برابانشيو. ورغم أن برابانشيو كان يدعو عطيل باستمرار إلى بيته، فإنه يُصاب بالذُّعر عندما يُوقِظه ياجو ورودريجو بفظاظة في منتصف الليل حاملَين نبأ الزَّواج. يتلاعَب ياجو، كجزءٍ من تخطيطه الخبيث، برودريجو الساذج، واعدًا إياه بأن يجعل ديدمونة في مُتناوَلِه جنسيًّا مُقابل مبلغٍ من المال. إضافةً إلى ذلك، نظرًا لأن ياجو يَغار من كاسيو لأنَّ عطيل جعله مُلازِمَه بدلًا منه ولأنه يعلم بسهولةٍ تَأثُّر كاسيو غير العادي بالكحول، فإنه يجعله مخمورًا في الحِصن بقبرص ويبدأ في الشجار الذي يقودُ إلى تجريده من رُتبته. بعد ذلك يقترح ياجو بمكرٍ أن يستعطف كاسيو ديدمونة كي تشفَعَ له عند عُطيل من أجل إعادته إلى رُتبته السابقة، وهو ما يستغلُّه ياجو بعد ذلك باعتباره دليلًا على أنها عشيقة كاسيو. كاسيو نفسه تعشقه عاهرة، وهي امرأةٌ اسمها للمُفارقة بيانكا (أي، البيضاء)، ويستغلُّ ياجو احتقار كاسيو لبيانكا لِولَع بيانكا به كجزءٍ من شبكة الخداع التي تُوقِع عطيل في شرك الاعتقاد بأن محبوبته وزوجته العفيفة غير مُخلصةٍ له. يُخطِّط ياجو لمُحادثةٍ من أجل أن يسمعها عطيل خلسةً فيفهم أن نِكاتِ كاسيو المُتهكِّمة على بيانكا تُشير إلى ديدمونة. وتسرق إميليا، زوجة ياجو وأيضًا خادمة ديدمونة، منديل سيِّدتها بإيعازٍ لَجوجٍ منه. ويدُسُّه ياجو في مخدع كاسيو وبعد ذلك يُظْهِر حيازة كاسيو له على أنها دليلٌ دامغ على خيانة ديدمونة الجنسية. يغتال ياجو — الذي حاوَل أن يُرتِّب لأن يجعل رودريجو يقتل كاسيو — رودريجو فيما يُظْهِر أنه يُعاوِنه. ويهرُب كاسيو دون أن يُصاب إلَّا بجرحٍ في ساقه، وهو ما يُتيح الفرصة لبرهنةٍ مُحركةٍ للمشاعر على حبِّ بيانكا له رغم محاولة ياجو أن يُلقي عليها بلائمة الإصابة. يُباغِت عطيل زوجته، غير عابئ بتوسُّلاتها ودُفوعها بالبراءة ويقذِفها علانيةً بالعُهر، ويخنقُها حتى الموت في فراشهما. تكشف إميليا، المذهولة من خداع ياجو، الأَمْرَ لعطيل، وكاسيو، والفينيسيَّين (مُواطِنَي مدينة البندقية لودفيكو، وجراشيانو (شقيق برابانشيو)، ومونتانو، حاكم قبرص، ولدى قيامها بذلك يطعن ياجو فيها واصفًا إيَّاها ﺑ «العاهرة» و«الدَّنِسة» قبل أن يقُتلها. يقتل عطيل نفسه، واقعًا على الفِراش الذي ترقُد فيه أيضًا ديدمونة الميِّتة في كنايةٍ مُؤثِّرة أخيرة عن جِماع العُرس: «قبل أن أقتُلكِ، قبَّلتُكِ: وما من سبيلٍ آخر إلَّا هذا، أن أقتُل نفسي، لأموت على قُبلتكِ» (الفصل الخامس، المشهد الثاني، السطران ٣٥٦-٣٥٧) [ترجمة جبرا إبراهيم جبرا، وهي الترجمة التي اعتمدْنا عليها على نحوٍ أساسي في ترجمة الاقتباسات من المسرحية في هذا القسم، وإن كان ببعض التصرُّف اليسير في بعض المواضع]. يُقتاد ياجو إلى السجن ليُعَذَّب حتى الموت بينما يُتْرَك كاسيو ليدافع عن المصالح الفينيسية في قبرص.
لسْنا بحاجة للاعتماد على التواريخ وحدَها لنعرِفَ أن ما يربط بين حالة سوزانا هول وحبكة مسرحية «عطيل» ليس مُصادفةً لا تُصدق. بالطبع؛ فلم تكن الحالات المُماثِلة لحالة سوزانا فريدةً من نوعها بالنسبة لعائلة شكسبير، وفي الحقيقة إنَّ وقوع تلك الحالات تَزايَد في ظلِّ أجواء الخصومة التي اتَّسَمَت بها إنجلترا في حقبة أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر. وما تُبرهِن عليه تلك الحالات هو أنه حتى زواج المرأة الفاضلة الناجِح قد لا يكون كافيًا لحماية سُمعتها. إضافةً إلى ذلك، إن الطبيعة الرحيمة، العطوفة التي تتشارك فيها ديدمونة مع السيدة هول (إذ نجدها توافق على التوسُّط نيابةً عن الملازم كاسيو المجرَّد من رتبته) تجعل «ديدمونة رقيقة الجانب» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطر ٢٥)31 عُرْضةً أكثر للتشهير. بيْد أن ما لا تشترك فيه ديدمونة مع ابنة شكسبير هو مُباركة المجتمع لزواجها؛ فهي، حسب الأعراف الاجتماعية الشائعة لكلٍّ من مدينة فينيسيا الخاصة بالمسرحية وإنجلترا أوائل العصر الحديث، لم تتخيَّر زيجةً مُتوافِقة، وإنما، بزواجها من مُوري (مغربي)، اختارت زيجةً مُريعة بَلغَت من سُوئها حدَّ أنها تُودِي بحياة والدها رغم التصديق عليها من قِبَل مجلس الشيوخ الفينيسي: «كان زواجُكِ قاتلًا له» (الفصل الخامس، المشهد الثاني، السطر ٢٠٣).

أخذ خيال شكسبير جمهوره بعيدًا جدًّا عن إنجلترا في هذه المأساة إلى مَشاهدَ طبيعية غريبة («كهوفٍ هائلة وصحارَى خاوية، ومقالعَ وَعْرة وصخور وشواهق تُلامس رءوسها السماء» (الفصل الأول، المشهد الثالث، السطران ١٤١-١٤٢)) يقطنها سكانٌ غريبون («أَكَلة البشر … والأنثروبوفاجيون، وأُناس تَنبُت رءوسهم من تحت أكتافهم» (الفصل الأول، المشهد الثالث، الأسطر ١٤٤–١٤٦))، وإلى مغامراتٍ عظيمة («إنجازات القتال والمعركة» (الفصل الأول، المشهد الثالث، السطر ٨٨))؛ أو «أحداثٍ مُثيرة من فيضانات وحروب»؛ أو «النجاة مرارًا بقَيد شعرة من الثغرة المُهدَّدة بالتهلكة» (الفصل الأول، المشهد الثالث، السطران ١٣٦-١٣٧). هذه هي القصص التي كان برابانشيو في السابق يسمعها من عطيل: «كان يدعوني إلى روايتها» (الفصل الأول، المشهد الثالث، السطر ١٣٤). تتَّسِم الخلفية الذي تتكشَّف عنها الأحداث المأساوية للمسرحية بالروعة والجسامة؛ الصراع الكبير بين الغرب والشرق، بين المسيحية الأوربية والإسلام، ولكن شكسبير يُوضِّح بجلاءٍ تامٍّ ذلك الصراع في دراما أُسرية عن المسار التراجيدي للعلاقات المُتضمَّنة بداخل تلك الأسرة. في هذا الأمر، تتوافق المسرحية مع النوع الأدبي الفرعي المُسمَّى التراجيديا العائلية. إن مسرحية «عطيل» هي، أكثر من أي شيءٍ آخر، عبارةٌ عن تراجيديا عن الزواج.

•••

إنَّ إحداث توافقٍ زوجي مُناسب كان شأنًا بالِغَ الجدية في إنجلترا في أوائل العصر الحديث. ونجد أن كُتُب الإرشاد السلوكي تحُثُّ على الزواج من شخصٍ مُماثل في «العمر، والمنزلة، والحال، والورع»؛32 أي شخصٍ شبيه بالمرء قدْر الإمكان من ناحية المركز الاجتماعي والمعتقدات الدينية، وكذلك أن يكون شخصًا في مرحلةٍ عمرية مُماثلة من حياته. ومع ذلك، تتزوَّج ديدمونة من شخصٍ مختلف عنها تمامًا؛ فهو رجلٌ أسودُ أكبرُ منها في العمر، تختلف خِبرته الحياتية كجُندي أشدَّ الاختلاف عن خبرتها الآمنة والهادئة في مدينة فينيسيا. بَيْد أنَّ عدَم تناسُبهما هو بالضبط ما يخلُق الشِّدة الشهوانية للعلاقة بينهما. وعندما يصِل الأمر ببرابانشيو إلى اللجوء إلى مجلس الشيوخ، مُتهِمًا عطيل بأنه سرق ابنتَه وسحَرَها، يصدِم أباها اعترافُ ديدمونة الصريح والنابع من القلب بانجذابها الجنسي بالتحديد لزَوجِها؛ إذ كان يعتقد أنه من المستحيل على ابنته، التي كانت قد رَفضَت «كل عزيزٍ ثري مُرسَل الشَّعْر من أُمَّتِنا» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطر ٦٨)، أن تُحبَّ الذي يُقَدِّر برابانشيو أنها «كانت تَفزَع من النظر إليه» (الفصل الأول، المشهد الثالث، السطر ٩٩). وتزداد مُعارضتها له عندما تطلُب من مجلس الشيوخ بأن يُسْمَح لها بأن تُرافق عطيل في مهمَّته في مواجهة الأتراك في قبرص حتى يتسنَّى لها أن تستمتع ﺑ «الحقوق التي من أجلها أُحِبُّه» (الفصل الأول، المشهد الثالث، السطر ٢٥٨).
انتَهكَت ديدمونة، بهروبها مع عطيل، في نظر الكثيرِين من مُعاصرِي حقبة أوائل العصر الحديث الوصية الخامسة التي تقول: «أكرِم أباك وأُمَّك.» يرى البعض، مثل جون ستوكوود الميَّال للبيوريتانية، أنَّ القضية كانت واضحة؛ إذ تُصَرِّح أطروحته، «معرض القديس بَرثُولَماوُس للآباء» (١٥٨٩) في عنوانها الفرعي أنه «لا يحقُّ للأبناء أن يتزوَّجوا، من دُون رضا والِدَيهم».33 كان أحد الشواغل الرئيسية لستوكوود أن يمتَثِل الأبناء لاختيار آبائهم فيما يتعلق بدِيانة شريك الحياة المُستقبلي. وعلى الرغم من أنَّ المذهب الكاثوليكي كان محظورًا رسميًّا وكانت البيوريتانية مُجرَّد توجُّهٍ في إطار المذهب البروتستانتي ولم تكن ديانةً مُنفصلة تمامًا، فقد ظلَّت تلك الاختلافات عقباتٍ أمام الزِّيجات المُتوافِقة. هذا شكلٌ من التجاوُز؛ وأعني تجاوُز الحدود الطائفية والمذهبية، لا تقترِفُه ديدمونة، في ظاهر الأمر، بزواجها من عطيل، الذي يُعَد، باعتباره موظفًا بالدولة الفينيسية، مُتحولًا للمسيحية. تُخالف ديدمونة، بِالأَحْرَى، افتراضاتٍ ضمنيةً حول الفصل الجنسي للأفارقة والأوروبيِّين. ورغم أنه كان ثَمَّةَ وجودٌ للسُّود في إنجلترا منذ العصور الرُّومانية، فعندما عُيِّنَت فرقةٌ عسكريةٌ أفريقية على سور هادريان، ورغم أنه كان يُوجَد أقليةٌ بالِغة الصِّغَر، وإن كانت ملحوظة، من الأفارقة في لندن المُعاصِرة لشكسبير، فعلى عكس برابانشيو، لم يكن ثَمَّةَ ما يدعو الإنجليز للقلق بشأن هروب بناتهم مع «الزُّنوج». ومع ذلك، عندما قدَّم ستوكوود حُجته المُؤيِّدة للتماثُل الدِّيني في الزواج، وخاصةً في الزواج بما يتماشى مع الميول الدينية للآباء، استخدَم تحريم الكتاب المُقدَّس للزواج من الوثنيِّين دليلًا على ذلك:
فيما يتعلق … بعدم التسليم لاختيار الأب في مسألة الدِّيانة المُخالفة، فالأَمر ثابتٌ قطعًا بحسب مشورة الرسول [القديس بولس]؛ حيث يأمُر بأنَّنا لا ينبغي أن نكون تحت نِير مع [نتزوج من] غير المؤمنِين، وهو الأمر الذي إذا كان ينطبق في حالاتٍ أخرى من شئون هذه الحياة، فيجِب بالأحرى أن يكون جبرًا في شئون الزواج؛ (أعني) الزواج الذي سوف يقع في المستقبل وليس الزِّيجات التي تمَّت بالفعل؛ لأنه ما إن تُعْقَد العُقدة فعلًا، حينئذٍ لا يكون عدم التناسُب، أو عدم التكافُؤ في الدين، مُسوِّغًا مشروعًا للانفصال.34

يرى ستوكوود — على عكس برابانشيو، الذي يُعَد احتجاجه إلى مجلس الشيوخ محاولة لإبطال الزواج — أنه ما إن تُعْقَد «عقدة» الزواج فإنه حتى «عدم التناسُب، أو عدم التكافُؤ» في أمور الدِّيانة لا يمكن أن يُستخدَما بصفتِهما تسويغًا من أجل فكِّها. بعبارةٍ أخرى، لا انفصام للرباط الزَّوجي، بمُجرَّد الدخول فيه. ومع ذلك، فالشأن الذي انطلاقًا منه يُسوِّق ستوكوود حُجَجَه ليس الزواج بين أشخاصٍ يعتنقون صنوفًا مختلفةً من المسيحية وإنما، اتباعًا للقديس بولس (الذي يُشير إليه بلقب «الرسول»)، بين المسيحيِّين وأولئك الذين لا يعتنِقون أيَّ شكلٍ من أشكال الاعتقاد اليهودي المسيحي على الإطلاق؛ أي «غير المؤمنِين»: «لا تكونوا تحت نِير مع غير المؤمنِين؛ لأنه أيُّ خلطة للبرِّ والإثم؟ وأيُّ شركة للنُّور مع الظلمة؟ وأيُّ اتفاقٍ للمسيح مع بليعال [الشيطان]؟ وأيُّ نصيب للمؤمن مع غير المؤمن؟ … لذلك اخرُجوا من وسطهم واعتزلوا، يقول الرب …» (رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس، الإصحاح ٦، الآيات ١٤–١٧).

كان تعبير «قرين النِّير» تعبيرًا شائعًا في أوائل العصر الحديث إشارة إلى الزوج/الزوجة، وكان يُشير إلى المُزاوَجة بين حيوانَي جرٍّ كان عُنُقاهما يُدْخَلان بحيث يَمُرَّان عبر هيكلٍ خشبي حتى يستطيعا أن يَدمُجا قوَّتَهما في سحْب المحراث؛ حيث من شأن الاقتران بين حيوانَين غيرِ مُتوافِقَين أن يثبت كونُه مُعوِّقًا أمام عمليةِ حِراثةٍ فعَّالة. في مسرحية «عطيل»، يطرح شكسبير حرفيًّا سؤال القديس بولس بشأن قُرناء النِّير أولئك: «وأية شركة للنور مع الظلمة؟» تُجيب المسرحية بإظهار أنه من ناحية التبايُن العِرقي في إطار هذه الزِّيجة على وجه التحديد، يُمكن للجمع بين النور والظلمة أن يكون جمعًا لنقيضَين يُكمل بعضهما بعضًا وليس جمعًا لضدَّين لا يمكن التوفيق بينهما كالخير (المسيح) والشر (بليعال). بيْد أن هذا ليس تأويل برابانشيو؛ فبينما يُصَدَّق على زواج عطيل وديدمونة من قِبَل الدولة، يَتوقَّع برابانشيو أنه يُنْذِر بانهيار النظام والتمدُّن: «فأفعالٌ كهذه إن أُجيزت، فلن يُصبِح رجال دولتنا إلَّا الأقنانَ وعبدةَ الأوثان» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطران ٩٨-٩٩). إن عُطيلًا، بالطبع، ليس عبدًا حاليًّا، ولكن شكسبير يُذَكِّر جمهوره الذي أغلبه من البروتستانت بأنه كان كذلك ويُحيل الجمهور إلى وقت ما قبل تحوُّله إلى المسيحية، حينما كان بالفعل وثنيًّا. ومع ذلك، فالآن عطيلٌ مُكلَّف من قِبَل مجلس الشيوخ الفينيسي بالدفاع عن قبرص ضِدَّ قُوى الأسطول التركي الكافرة المُعْتَدِية، وهو عدوانٌ بدأ، في الواقع التاريخي، في عام ١٥٦٩. هذا الزواج الذي ينتهك المعايير الاجتماعية المقبولة والقلاقل السياسية التي يُبرِزها، يُصبِحان هما الحُجَّة التي يستطيع حامل الراية، ياجو، أن يُعلِّق عليها مكيدته للثأر من عطيل من أجل ترقِيَته للفلورنسي مايكل كاسيو.

ما إن تنتقل الأحداث من مدينة فينيسيا إلى قُبرص، تُركِّز المسرحية تركيزًا تامًّا على تدمير ياجو للزَّواج. ونظرًا لأنَّ ديدمونة طاهرة الذَّيل من كل فعلٍ خاطئ، فلا يستطيع ياجو أن يُقيم الدليل على أنها ارتَكبَت الزِّنا مع كاسيو، ولكن يُمكِنه أن يتلاعب بافتراءٍ بظواهر الأمور. يُقَدَّم «الدليل العيني» الذي يطلُبُه عطيل على خيانة زوجته في هيئة المنديل الذي يعرف ياجو أنه «أَوَّل هديةٍ لها من المغربي» (الفصل الثالث، المشهد الثالث، السطر ٢٩٥). كتب توماس ريمر في نهاية القرن السابع عشر، في كتابه «رؤيةٌ مُوجَزة عن التراجيديا» (١٦٩٣)، يقول إنه شَعَر أن مسرحية «عطيل» كانت مسرحيةً مُبتذلة حول غسيلٍ وأنه كان ينبغي إعطاؤها عنوان «مأساة المنديل»: «قد يكون هذا تحذيرًا لكلِّ الزَّوجات الصالحات، بأن يعتنين جيدًا بِبَياضَاتهن.»35 ودفع بأنَّ أمورًا أكثر ممَّا يجب في المسرحية مُعلَّقة على سرقة منديل ديدمونة: «لو أنه كان مِشَد جورب ديدمونة، لربما كان المورِّي الحصيف قد شك في وجود خيانة، ولكن المنديل هو شيءٌ تافِهٌ بعيد الصِّلة؛ فلا يُمكن لأي أحمق من هذه الأنحاء [من] «موريتانيا» أن يُعطي له أي أهمية … بيْدَ أنَّنا نجد أنه قد خطَر في بال شعرائنا أن يصنعوا عملًا تراجيديًّا عن هذه «التفاهة».»36 من المؤكَّد أن ريمر مُصيبٌ في ملاحظة أنَّ شكسبير لم يختر دليلًا ماديًّا كان له روابطُ جنسية على وجه التحديد. إلَّا أنَّ المنديل يُشكِّل في المسرحية كلًّا من حلقة الوَصْل والفاصل بين الأمور الغريبة بطريقةٍ سحرية («ثَمَّةَ سِحرٌ في نسجه» (الفصل الثالث، المشهد الرابع، السطر ٧١)) وبين، وعفوًا على التعبير، الغسيل؛ الأمور المنزلية بطريقةٍ عادية. يُصبِح المنديل «المفقود»، الذي تأخُذُه إميليا بناءً على تحريضٍ بإلحاح من زوجها، بمنزلة اللُّب الرمزي للمسرحية، مُستودَع الرمزية الأسطورية. فضلًا عن ذلك، فإنَّ المنديل هو شيءٌ خاصٌّ وحميمي جدًّا، وليس «بعيد الصلة جدًّا» حسبما يحكم ريمر. أثناء شكِّه في الأمر، يُدبِّج عطيل الكلمات عن المنديل العزيز بالفعل كونَهُ كان هديةَ عطيل الأُولى لديدمونة؛ شيئًا «تُبقيه معها دائمًا وأبدًا، تُقَبِّله وتُحدِّثه» (الفصل الثالث، المشهد الثالث، السطران ٢٩٩-٣٠٠)؛ بحيث يُصبح تميمةَ فحولةٍ رهيبة:
بالضبط. ثَمَّةَ سِحرٌ في نسجه؛
فإنَّ كاهنةً عرَّافة عدَّت في الدُّنيا
للشمس في جريانها مائتَي دورة،
طرَّزتِ الوَشْي في نوبةٍ من وَحْيها،
والديدان التي أَفرزتِ الحرير كانت مُقدَّسة،
وجرى صَبغه بسائلٍ استقطرَهُ البارعون
من قلوب العذارى المُحنَّطات.
(الفصل الثالث، المشهد الرابع، الأسطر ٧١–٧٧)

سواء أكانت هذه الحكاية الساحرة عن الأصول العجيبة والرهيبة للمنديل تاريخًا حقيقيًّا أو مُجرَّد محاولة لبثِّ الرعب في نفس ديدمونة فهو أَمرٌ يمكن القول بأنه ليس بيتَ القصيد؛ وذلك لأن عطيلًا كان منذ البداية القصَّاص الغريب لرحلته التي هو بطلها، «أيام تَجوالي وتَرحالي» (الفصل الأول، المشهد الثالث، السطر ١٤٠)، «حتى منذ أيام صباي» (الفصل الأول، المشهد الثالث، السطر ١٣٣) حتى «وقوعي أسيرًا في يدِ العدُوِّ الوقِح، الذي باعني عبدًا» (الفصل الأول، المشهد الثالث، السطران ١٣٨-١٣٩). والآن، فيما يتعلَّق بالمنديل، يتحوَّل إلى صانع أساطير، وهو من يختلق حكاية، وفي الأسطورة عادةً ما نجد قصصًا مُتضاربةً فيما يتعلق بأصل الأشياء. وعلى هذا النحوِ نجِد في المشهد الثاني من الفصل الخامس أنَّ المنديل هو «هديةٌ قديمة، أعطاها أبي لأُمِّي» (الفصل الخامس، المشهد الثاني، السطران ٢١٤-٢١٥)، في حين أنه سالفًا، في المشهد الرابع من الفصل الثالث، أُعطي المنديلُ لأُمِّه على أنه تميمةٌ من أجل «إخضاع» أبيه (الفصل الثالث، المشهد الرابع، السطر ٦١). بيْد أن ديدمونة تفقد المنديل وهي تُبادر إلى «إخضاع» عطيل؛ في هذا الحالة، وهي تعتني بآلامه؛ بوجعٍ في الرأس ألَمَّ به جرَّاء قُرون الدَّياثة التي يعتقد أنه يضعها. وهو يصُدُّ محاولة زوجته لِعصْب رأسه بالمنديل، يُطيح عطيل بالمنديل، قائلًا: «منديلُكِ صغيرٌ جدًّا» (الفصل الثالث، المشهد الثالث، السطر ٢٩١).

«الشأن العائلي» مُمثَّل في المسرحية في المقام الأول عن طريق عالَم النساء؛ عالم المناديل والأَغطِية الذي يربط ديدمونة العفيفة ببيانكا الشبِقة جنسيًّا (ليس من الجليِّ كونها عاهرةً بالفعل حتى وإن كان كاسيو يُشير إلى نفسه بوصفه «زبونًا» لها). إن بيانكا مُطرِّزة أيضًا، ومن الواضح أنها مُطرِّزة تمتلك مهارةً كبيرة نوعًا ما؛ فعند اكتشاف كاسيو للمنديل، وهو لا يعلم أن هذا الغرَض دُسَّ في مَخدعِه على يد ياجو كجزءٍ من مَكيدته للإساءة إلى سُمعة ديدمونة، يُكَلِّف بيانكا بنسْخِ أو «نقل» شكل الفراولة الموجود على المنديل: «أحببتُ تطريزه؛ فقبل أن يُطلَب منِّي، إذا كان سيُطلب على الأرجح، فكَّرتُ في استِنساخه. خُذِيه وانقلِيه» (الفصل الثالث، المشهد الرابع، الأسطر ١٨٩–١٩١). هذه المهارة في أشغال الإبرة هي شيء تتشارك فيه بيانكا (التي يدلُّ اسمها، بغضِّ النظر عن عدم عفَّتِها، على النقاء) مع ديدمونة. وحتى في غمرة آلام الغَيرة يُقِرُّ عطيل ببراعة ديدمونة في فنون أشغال الإبرة النسائية: «ألا فلتُشْنَق، أنا إنما أقول عنها ما هي. ما أَرهفَها بإبرتها!» (الفصل الرابع، المشهد الأول، السطران ١٨٤-١٨٥).

ما يُقدِّره ياجو حق قدْره — وهو ما لا يفعله ريمر — هو حقيقة أنه في الزَّواج وفي المنزل، «الأمور التافهة»؛ وأعني بذلك الشئون المنزلية البسيطة، وبخاصة النسائية، تبدو أكبر ممَّا هي: «فللغَيران تكون الأمور التافهة الخفيفة خفَّة الهواء، أدلةً دامغة كبراهين الكُتُب المُقدَّسة» (الفصل الثالث، المشهد الثالث، الأسطر ٣٢٥–٣٢٧). بالفعل، يغدو عالم الأغطية مُتعاظِم الأهمية بينما تتكشَّف مكيدة ياجو. وقبل الكارثة المأساوية، تتجرَّد ديدمونة من ملابسها، مُتيحةً للجمهور أن يرى لمحةً من عالم النساء من الداخل، منظرٍ داخلي منزلي، مشهدٍ يحوي المنسوجات، وأَفرُخ الأَردية بدون دبابيس، وملابس النوم، المنسوجات التي هي نتاجُ عمل النساء وتُشكِّل بكل معنى الكلمة نسيج عالمهن. ليست دسائس ياجو وحدَها هي التي حطَّمَت عطيلًا وإنما أيضًا عدم أُلفَته بهذا العالم. يُصرِّح عطيل بأنه ليس مُعتادًا على «لغة السِّلْم «الناعمة»» (الفصل الأول، المشهد الثالث، السطر ٨٣، أقواس التنصيص الداخلية من عندي) وأنه قبلَئذٍ، بصفته مُحاربًا، كان «طليقًا» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطر ٢٦)، وأنه مُعتادٌ على لوازم المعيشة المُؤقَّتة للحملات العسكرية وليس على الأثاث المُمتِع داخل المباني المنزلية الفينيسية:
لقد جَعلَتِ العادة المُستبِدة، أيها الشيوخ المُبجَّلون،
من سرير الحرب بفُولاذه وصَوانه
فِراشي الناعم الريش والزغب.
(الفصل الأول، المشهد الثالث، الأسطر ٢٣٠–٢٣٢)
إنه ينظر بشكٍّ إلى الأَسِرَّة المصنوعة من الريش (كانت الأَسِرَّة «الناعمة الريش» هي أَنعمَ الأَسِرَّة المُتاحة؛ إذ كان ريشها يُنْخَل ليس أقل من ثلاث مرَّات)، والكمالِيَّات المنزلية العادية، وضمنيًّا، الحميمية الزوجية التي تُتيحها.37 ومع ذلك، فإنَّ مِحنة عطيل هي من نواحٍ كثيرة ليست سوى نسخةٍ مُتفاقِمة ممَّا هو على أيِّ حال موضوعٌ مألوف جدًّا عن تَحوُّل حياة المرء عند دخوله «حالة الزواج»، الذي يُعتبر أَهمَّ نقلةٍ في دورة حياة مُعاصرِي حِقبة أوائل العصر الحديث. في مسرحية شكسبير «ترويض النمرة»، التي هي بلا شكٍّ مسرحيةٌ تتناول الأمور العائلية، كما أشرْنا في الفصل السادس، يُغنِّي بتروشيو المُتزوِّج حديثًا جزءًا صغيرًا من أغنيةٍ مشهورة عبَّرَت تمامًا عن هذا الإحساس: «أين الحياة التي كنتُ أعيشها رغدًا؟» (الفصل الرابع، المشهد الأول، السطر ١٢٠)، وهي عبارةٌ مُتكرِّرة تعكس حَيرة الرجل الحديث الزواج.

مِمَّا له أهميةٌ حاسِمة أنَّ المُمتلكات المسرحية الرئيسية في مسرحية «عطيل» هي أغراضٌ منزلية مُرتبطة تحديدًا بجِماع العُرس. إنَّ «المنديل» أو «المنديل المُنقَّط بشكل ثمرة الفراولة» (الفصل الثالث، المشهد الثالث، السطران ٤٣٧-٤٣٨)، هو رمزٌ لمُلاءات فِراش الزفاف بعد الجِماع التي جرى العُرف على استخدامها بمنزلة دليلٍ على بكارة المرأة. يُشير كتاب روبرت بيرتون «تشريح المالَنْخُوليَا» (١٦٢١)، الذي يستخدم كلمتَي «منديل» و«مُلاءة» بالتبادُل كمُترادفَين، إلى أنَّ اليونانيِّين، واليهود، والأفارقة كانوا يحتفظون ﺑ «المُلاءة المُلطَّخة بالدم»؛ أي مُلاءة العُرْس التحتية، دون أن تُغْسَل. واحتَفظَت بها أيضًا ملكة إنجلترا كاثرين من أراجون، التي تمكَّنَت من تقديم المُلاءة الخاصَّة بها دليلًا عندما سعى هنري الثامن إلى تطليقها. وعندما تطلُب ديدمونة من إميليا قائلة: «ضعي على فِراشي مُلاءات عُرسي. تَذكَّري» (الفصل الرابع، المشهد الثاني، السطر ١٠٧)، لا نعرف، بالطبع، إن كانت المُلاءات، في غضون الفترة بين الهروب مع عطيل والوقت الحالي، قد غُسِلَت، أو، فيما يتعلق بمسألة جماع العرس؛ لا نعرف إن كان قد حدَث جماع عُرس الزواج أصلًا أم لا. وبالعودة إلى مدينة فينيسيا، بدا ياجو مُتشكِّكًا من هذا الأمر عندما سأل عطيلًا «هل تزوَّجتَ شرعًا؟» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطر ١١). هذا يتعارَض مع مُعايراته السابقة عند نافذة برابانشيو التي يُصوِّر فيها جِماع العرس تصويرًا بشعًا: «ابنتك والمغربي الآن مُتكوِّنان في شكل وَحشٍ ذي ظهرَين»؛ «الآن، في هذه اللحظة عينها، ثَمَّةَ كبشٌ أسودُ كبير، يطأ نَعجتَك البيضاء!» (الفصل الأول، المشهد الأول، الأسطر ٨٧-٨٨، ١١٦-١١٧). في قبرص أيضًا عندما يجتمع شمل الزوجَين ثانيةً، لا يُوضِّح مقطع عطيل الشعري المُبهَم ذو البيتَين الأمور كثيرًا: «إذا ما البيع تم، تلَتْه الثمار، وذلك الربح سنجنيه بيني وبينك بعدُ» (الفصل الثاني، المشهد الثالث، السطران ٩-١٠). «البيع» هو مُبايَعة أو اتِّفاق الزواج، ولكن الثمار أو الرِّبح، يُمكن أن يكون إما متعة العلاقة الجنسية الحميمية، أو ولادة طفل. إن كان جِماع العُرس قد حدَث بالفعل، فربما يكون طلَب ديدمونة الذي يأتي لاحقًا «إذا مِتُّ قبلكِ، فرجائي إليكِ أن تُكفِّنيني بإحدى تلك المُلاءات بالذات» (الفصل الرابع، المشهد الثالث، السطران ٢٢-٢٣)، هو دليل يُؤيِّد حقيقة أنَّ مُلاءات العُرس هي بمنزلة تذكير ودليلٍ مادي على عُذريتها في ليلة زفافهما؛ ومن ثَمَّ فهي علامة على عفَّتها الزوجية اللاحقة.

في تبايُنٍ واضحٍ مع حَيرة عطيل في مواجهة الحياة المنزلية وبالتَّبعية النساء والجنس، نجد ياجو، في المشهد الأول من الفصل الثاني، يتفاخَر بإلمامه بسهولةٍ بعالم «ربَّات البيوت» مع لمحةٍ ذكية من كراهية النساء تلك التي تعزف على وَتَر الارتباط بين مديرة المنزل ربَّة البيت، العفيفة، الدءوبة، وبين «الفاسقة»:
هيَّا، هيَّا، إنكنَّ خارج بيوتكنَّ صور،
أمَّا داخل حُجراتكن فأجراس، وفي مطابخكن قِططٌ وحشية،
في شكواكن أنتنَّ قدِّيسات، وإذا استأتُن، فشَيطانات،
في أشغالكنَّ المنزلية عابثات، أمَّا في الفراش، فسليطات!
(الفصل الثاني، المشهد الأول، الأسطر ١٠٩–١١٣)

يزعم ياجو هنا معرفته بما تمنحه النساء حقًّا اعتناءهن الجِدِّي؛ ليس لواجباتهن المنزلية وإنما لمُتعِهنَّ الجنسية، أو، بدلًا من ذلك، يُهمِلنَ التزاماتهن المنزلية وكذلك يَعتبِرْنَ أن ممارسة الجنس مع الزوج هي بمنزلة عملٍ غيرِ مرغوب فيه. في كِلتا الحالتَين، تَجاهَل ياجو تمامًا كُتب السلوك المنزلي بأحكامها المُتَكلفة الجِد عن السلوك المِثالي العفيف.

ومع ذلك، فإنَّ إميليا، بسرقتها الصغيرة، قد أطاعت، كزوجة بارَّة، أمر ياجو، بيْد أنها قد أَخلَّت أيضًا بثقة سيِّدتِها. كانت الأُسرة المعيشية في أوائل العصر الحديث — التي هي وحدة أكثر اتِّساعًا من الأُسرة المَعيشية في عصرنا — عبارةً عن تسلسُلٍ هرَمي من مجموعة من العلاقات التي يُرسِّخها ظاهريًّا تعاطُفٌ مُتبادَل بين القوَّامِين والتابعِين، سواء من خلال أواصر الزَّواج، أو القُربى، أو العمل ليس إلَّا. ولكن الأمر البالغ الأهمية هو أنَّ هذه العلاقات كانت ذات صلةٍ تناظُرية بعلاقات المجتمع ككل؛ ومن ثَمَّ كان التمرُّد واختلال النظام في الأُسرة المعيشية يُفهَمان عمومًا، كما هو الحال في مسرحية «عطيل»، ليس باعتباره مُناظرًا للاضطراب المدَني فحسْب وإنما كذلك باعتباره من العناصر المُشكِّلة له. مرةً تلوَ الأخرى، تُكرِّر المسرحية لغة التسلسُل الهرَمي المُناسب: «الحب»، و«الخدمة»، و«الواجب». يُؤكِّد عطيل نفسه في بداية المسرحية وكذلك في نهايتها على خدمته ﻟ «سادتي النُّبَلاء الذين عَرفتُ فيهم الطيبة دومًا» (الفصل الأول، المشهد الثالث، السطر ٧٨) في مجلس الشيوخ. والخدمة هي، في المقام الأول، ما يحمي زواجه من الإبطال على الرغم من تظلُّمات برابانشيو:
ليفعل ما شاء له حِقده؛
فالخدمات التي قمتُ بها للدولة،
ستعلو لِسانًا على شكواه.
(الفصل الأول، المشهد الثاني، الأسطر ١٧–١٩)
يُثبت صحَّة تقدير عطيل لشأنه عند سادته تمامًا ويُشير إلى حقِّه في الحلِّ المأساوي لعُقدة المسرحية بقوله: «لقد أدَّيتُ للدولة بعض الخِدمات وهم على علمٍ بها» (الفصل الخامس، المشهد الثاني، السطر ٣٣٧). في التسلسُلات الهرَمية للنظام الاجتماعي لحِقبة أوائل العصر الحديث، كان وضْع الخادم هو وضع لم يكن أي أحد (ولا حتى الملك الذي كان خادمًا للرب) مُستثنًى منه. كما أقرَّ ويليام جوج في أطروحة «عن الواجبات المنزلية» (١٦٢٢)، أن تكون خادمًا بالمعنى الشامل للكلمة كان وضعًا عامًّا و«ينطبق على الجميع مِثل أن يكون من خلال أي رابطةٍ مدنية خارجية، أو حق، يفرض عليهم خدمتهم لآخر.»38 ومع ذلك، فأولئك الذين ينطبق عليهم لقب «خادم» على النحو الأقل مجازيةً كثير وهو قيامهم بالعمل نيابةً عن آخر، الذي يُصاحبه قدْرٌ كبير من علامات الانصياع، عادةً ما يشاركون ياجو الشعور بالسُّخط على مذلَّة «ثَنيِهم للرُّكَب» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطر ٤٤). يُبدي ياجو، باعتباره تابعًا، سُخطه على واجبات الوظيفة باعتبارها «لعنة الخدمة» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطر ٣٤)، ويذُمُّ الرجل الذي يُؤدِّي واجباته نحوَه بإخلاصٍ على نحو «يُشبِه كثيرًا كونه حمار سيِّده» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطر ٤٧). بدلًا من ذلك، يتبع نهج «أشكال ومظاهر الخدمة» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطر ٤٩) فحسب. وفي ذلك، كما بيَّن فرانسيس إي دولان، مسرحية «عطيل» هي ببساطة تنويعٌ على غرار حبكة الأعمال التراجيدية العائلية مثل «أردين من فيفرشام» (١٥٩٢) المجهولة المُؤلِّف، التي يتآمَر فيها خادمٌ مؤتمَن، مثل «ياجو الأمين»، لقتْل سيِّده وذلك مع آخرِين، منهم زوجة سيِّده. نجد في الدراما العائلية، أن الشرَّ قريبٌ من البيت ويرتكِبُه «قُرَناء خطرون» وليس بعض «الغرباء» البادين للعِيان الذين يُتسرَّع في الشك فيهم.39
وفي ذلك، يُلائم ياجو المُغتاب النَّمَط المسرحي لشخصية الميكيافيلِّي، المُتآمِر بالشر، الذي كان تفسيرًا إنجليزيًّا سائدًا لكتاب نيكولو ميكيافيلِّي «الأمير»، وهو كتيبٌ للحُكَّام يحُثُّ على اتِّباع الدَّهاء السياسي والبراجماتية وليس على الفضيلة أو اعتباراتٍ أخلاقية لأولئك الذين تولَّوا مقاليد السلطة. ولكن دوافع ياجو تتجاوَز الطموح السياسي؛ فهو لا يشعُر بالغَيرة من تفضيل كاسيو فحسب، بل إن ياجو يُعرِب عن ريبةٍ لديه — وهو ما يَستقيه شكسبير من مصدره، وهو الرواية الإيطالية القصيرة «هيكاتوميثي» لجيرالدي سينثيو — بأن ثَمَّةَ إشاعة، قد تكون مستندةً على الصورة الثقافية النمطية عن الموري الشهواني الفاسق، مَفادُها أن عطيلًا قد أقام علاقةً جنسية مع إميليا: «لقد دار بين الناس أنه بين شراشفي أدَّى مهمَّتي. لستُ أدري أصحيح هذا، ولكنَّني لمُجرَّد الريبة في أَمرٍ مِثله، سأتصرَّف كأنَّني مُوقِن به» (الفصل الأول، المشهد الثالث، الأسطر ٣٨٦–٣٨٩). في أحيان أخرى، يُحَرِّضُ شرَّ ياجو اعتباراتٌ أكثر تجريدًا: «إنَّ في حياته جمالًا يوميًّا» (الفصل الخامس، المشهد الأول، السطر ١٩). هذه تبريرات شعَرَت أجيالٌ من القُرَّاء أنها لا تُضيف الكثير لدافعٍ كهذا؛ من أجل ذلك، يرى الشاعر الرومانسي صامويل تايلور كولريدج أنَّ ياجو كان يتَّصِف بما سمَّاه «حِقْد بلا دافع».40 لم يُرَ دافع ياجو على أنه حتمًا دافعٌ عنصري إلَّا في أواخر القرن العشرين. وحتى الآن، كان أمر تهميش البُعد العِرقي للمسرحية أكثر سهولة لأنه في القرنَين الثامن عشر والتاسع عشر كان يُعتقَد أنَّ عطيلًا لم يكن أسودَ حَقًّا على الإطلاق، أو حسب عبارة كولريدج الشهيرة، ليس «زنجيًّا حقيقيًّا»، وإنما كان عربيًّا من شمال أفريقيا.41
يَظهَر السِّجال في المسرحية بين الخير والشر أيضًا من ناحية النَّوع الأدبي الدِّرامي ذي النشأة المحليَّة للأعمال الدرامية الأخلاقية. في تقليد العصور الوسطى عن «معركة الأرواح»، تتقاتل ملائكة الخير والشر للظفَر برُوح المسيحي. في مسرحية «عطيل»، نجد لهذَين الكِيانَين نظيرَيهما في ياجو «نصف الشيطان ذاك» (الفصل الخامس، المشهد الثاني، السطر ٢٩٨)، وعطيل «الشيطان الذي يزداد سوادًا على سواد» (الفصل الخامس، المشهد الثاني، السطر ١٢٩)، وديدمونة «الملاك الذي يزداد نقاءً على نقاء» (الفصل الخامس، المشهد الثاني، السطر ١٢٨). ما يُعَقِّد السيناريو في مسرحية «عطيل» أن الشيطان الحقيقي هو رجلٌ أبيض، في حين أنه في التقليد الدِّرامي المحلي، كان الشيطان يُمَثَّل تقليديًّا على هيئة شخصٍ يضع مكياجًا أسودَ على وجهه. يُحَرِّف شكسبير سيناريو الدراما الأخلاقية أكثر مُستخدمًا الفرضية المُعادية للنساء ذات الانتشار الثقافي الواسع القائلة بأنَّ جمال النساء هو صورةٌ خادعة مُضلِّلة تهدف إلى اصطياد الرجال التُّعَساء الحظ. هذا هو التغيير في الفكرة المُعادِية للمرأة الذي نجده أيضًا في مسرحية «هاملت» والذي يُثبت صحتَّه في حالة ياجو، بأن «للشيطان مَقدرةً على أن يتَّخِذ مَظهرًا مُحبَّبًا» (مسرحية «هاملت»، الفصل الثاني، المشهد الثاني، السطران ٥٣٤-٥٣٥).42 يُفصِح برابانشيو أيضًا عن الفكرة القائلة بأن النساء مُخادِعاتٌ بطبيعتهن عندما يكتشف زواج ابنته السِّري، ويمكن القول بأن تحذيره لِعطيل يغرس أَوَّل بذرة شكٍّ حول عروسه: «لقد خَدعَت أباها، وربما تَخدعُكَ أنت أيضًا» (الفصل الأول، المشهد الثالث، السطر ٢٩٤).
تُعيد سونيتة شكسبير رقم ١٤٤، وهي إعادة صياغة لما نُشِرَ لأَوَّل مَرَّةٍ في كتاب بعنوان «الحاج المُغرَم» (١٥٩٩) وفي نسخةٍ مُنقَّحة في عام ١٦٠٩، أيضًا ذكر السِّجال الثلاثي للمسرحيات الأخلاقية: «لديَّ حبيبان؛ أحدهما للتفاؤل، والآخر لليأس» (البيت ١).43 إلَّا أنه في هذه التركيبة الغنائية، يُشكِّل الملاكان والشاعر ثلاثية حُب، تتكوَّن من الشاعر، و«إنسانٍ جميل الطلعة» (البيت ٣) الذي هو «ملاكي الطيب» (البيت ٦)، و«رُوح شريرة» (البيت ٧) التي هي «امرأةٌ بغيضة اللون» (البيت ٤). تتردَّد هذه اللُّغة نفسها قبيل نهاية مسرحية «عطيل» عندما يجزم جراشيانو؛ عم ديدمونة، لدى رؤيته لجُثَّتها، بأنَّ أباها هو الآخر ميت:
لو كان الآن حيًّا،
لدفعه هذا المشهد إلى اقتراف فعلٍ يائس،
أجل، إلى إقصاء مَلاك الخير عنه باللعنة،
والإعراض عن رحمة الرب.
(الفصل الخامس، المشهد الثاني، الأسطر ٢٠٤–٢٠٧)

تُلَخِّص هذه الأسطُر القليلة دراما النفس البشرية التي تُجابِه الاختيار بين الخير والشر، والنهاية هنا هي ذُروة المأساة في اللاهوت المسيحي التي تتمثَّل في الإبعاد المُطلَق عن الرب. هنا، كما في الأعمال الدرامية الأخلاقية للعصور الوسطى، المأزِق هو مأزِقٌ نموذجي للنفس المُتأرجِحة بين الخلاص واللعنة. هذا السيناريو، بالطبع، ليس جنسيًّا في التقليد الدرامي المحلي، في حين أنه في سونيتة شكسبير يتَّخِذ طابعًا جنسيًّا بشدَّة. ورغم هذا الاستحداث، لا تزال القصيدة تُحافِظ على الارتباطَين التقليديَّين للرُّوح الشريرة (الشيطان) بالسواد وللمَلاك بالبياض، وهو بالضبط الترميز اللَّوني الذي يُعتبَر مشكلةً في مسرحية «عطيل».

في مسرحية «عطيل»، أيضًا، تُستخدَم الموضوعات المحورية المتعلقة بتقليد الدراما الأخلاقية للتشديد على التماسِّ بين المحلي والأجنبي عندما يُترجَمان إلى مسألة الصراع العسكري بين المسيحية الغربية والإمبراطورية العثمانية؛ القوة العظمى في العالم في حقبة أوائل العصر الحديث. فَهِم مُعاصرو شكسبير هذا الصراع على أنه لا يقِلُّ عن كونه المعركة التي يخوضونها في سبيل إنقاذ رُوح العالم. إنَّ عطيل، باعتباره مُتحوِّلًا للمسيحية، يُؤيِّد كلًّا من الدين الذي وُلِد عليه والعقيدة التي اتَّبَعَها، واصفًا نفسه قُبيل نهاية المسرحية على نحوٍ غير مُباشر بأنه «كلبٌ مُختتَن» (الفصل الخامس، المشهد الثاني، السطر ٣٥٣)؛ ومن ثَمَّ يُشير إلى الأَثَر الذي لا ينمحي من هُويته غير المسيحية السابقة. وبهذا، تُقدِّم المسرحية نموذجًا للاختلاف الديني الذي يبدو مُختلفًا تمامًا عن الصراعات الطاحنة التي كان قد زُجَّ بالمسيحية الإنجليزية فيها، إلَّا أنه كان في الوقت نفسه مُناظرًا لها على نحوٍ يبعث على القلق. إنَّ شكسبير، إذن، لا ينقل فحسبُ بوعيٍ ذاتي تامٍّ منه تقليدًا مسرحيًّا محليًّا ويضعه في إطارٍ أجنبي، بل هو أيضًا يستخدم المنديل المفقود ليُكرِّر المجاز المحوري للمسرحية الأخلاقية، وتحديدًا التهديد الموجود دومًا باللعنة الأبدية: «أمَّا فقدانه أو التخلِّي عنه، «فخُسران مُبين»، لا يمكن لأي شيءٍ آخرَ أن يُضاهِيَه» (الفصل الثالث، المشهد الرابع، السطران ٦٨-٦٩، أقواس التنصيص الداخلية من عندي). تزيد لفظة Perdition (الخسران المبين، الهلاك، اللعنة الأبدية) من ربط المنديل بالسياق العالمي ﻟ «الهلاك التام للأسطول التركي» (الفصل الثاني، المشهد الثاني، السطر ٣) وبسقوط عطيل المأساوي: «فلتحلَّ عليَّ اللعنة الأبدية، إن لم أكن أُحبُّكِ!» (الفصل الثالث، المشهد الثالث، السطران ٩٠-٩١).

•••

نُشِرَت مسرحية «عطيل»، التي تُعتبَر واحدةً من أكثر مسرحيات شكسبير شهرةً وتقديمًا على خشبة المسرح، لأَوَّل مَرَّة في شكل قَطْع الربع في عام ١٦٢٢، وطُبِعَت ثانيةً بعد ذلك بعام، مع اختلافاتٍ نصِّية كبيرة، في «المطوية الأُولى». لم يكن بطل مسرحية «عطيل» الأفريقي أَوَّل شخصيةٍ سوداءَ على خشبة مسرح حقبة أوائل العصر الحديث؛ فقد ظهر الموريون الأشرار في مسرحية جورج بيل «معركة ألكازار» (١٥٨٨-١٥٨٩) وفي مسرحية «هيمنة الشهوة» (١٥٩٨-١٥٩٩) المشكوك في هُوية مؤلفها. كان شكسبير نفسه قد استمَدَّ من هذا التقليد الأدبي في تصويره لشخصية هارون الموري الخبيث في عمله التراجيدي السابق «تيتوس أندرونيكوس». إلَّا أنَّ شكسبير، حتى في ذلك العمل، كان قد بدأ يُعطي صبغةً إنسانية للصورة النَّمطية المسرحية بجعل هارون يُظهِر اعتناءً أبويًّا مُؤثِّرًا بابنه غير الشرعي. إلَّا أن إنسانية عطيل، خلافًا لهارون، مُكتمِلة اكتمالًا تامًّا. وعلى الرغم من أنَّنا يُمكِننا القول بأنه ارتَدَّ إلى البربرية التي تُنسَب بصورةٍ نمَطيَّة إلى الشخصيات ذات البشرة السوداء («سأقطعها نِتَفًا!» (الفصل الرابع، المشهد الأول، السطر ١٩٧)) عندما يسقُط في النهاية من حالة النعمة، فلا نجده في أي مرحلة من المسرحية ذلك الشرير المُبتدِع الشرَّ الذي يَحيق به. ولا ندري إن كان توسُّع شكسبير في شخصية عُطيل — بغضِّ النظر عن أَوجُه القصور في تجسيد شخصية رجلٍ أسود عبر مكياج وجهٍ أسود — كان نتيجةً لمُقابلاتٍ فِعلية مع بعضٍ من الأفارقة القلائل الذين تواجَدوا في لندن في أوائل العصر الحديث.44 لا شكَّ في أن معرفة شكسبير بالأماكن النائية اعتَمدَت بالكامل على قراءة مجموعةٍ مُتنوعة ومُثيرة للإعجاب من الكُتب، اشتَملَت على ترجمة السير توماس ليوكينور لكتاب الكاردينال كونتاريني «كومنولث وحكومة فينيسيا» (١٥٩٩)؛ وكتاب ريتشارد نولِس «التاريخ العام للأتراك» (١٦٠٣)؛ وقصيدة الملك جيمس «ليبانتو» (التي نُشِرَت لأول مرة سنة ١٥٩١)؛ وكتاب «التاريخ الطبيعي» لبلينيوس (قد يكون شكسبير قد قرأ ترجمة فيليمون هولاند لهذا الكتاب التي طُبعَت سنة ١٦٠١)؛ وكتاب «رحلات السير جون مانديفيل» (الذي أُعيد نشره سنة ١٥٨٢)؛ وكتاب السير والتر رالي «اكتشاف جيانا» (١٥٩٦)؛ وكتاب ليو أفريكانوس «التاريخ الجغرافي لأفريقيا» (١٦٠٠). في مسرحية «عطيل» لَبَّى شكسبير أذواق جمهورٍ مُتزايد الاهتمام بعالم يتجاوز حدود شواطئ إنجلترا ومع ذلك نجح في جعل ذلك العالَم غير الإنجليزي قَطعًا مُدرَكًا بواسطة موضوعات المسرحية المحلية تمامًا.

إنَّ القُدرة التراجيدية للمسرحية تنشأ في الواقع من الامتزاج المُثير بين المعتاد والغريب، بين المحلي والأجنبي. وما يُحوِّل الانتباه عن الطبيعة المحلية في جوهرها للمسرحية هو أنه في حين أن التابعِين الغدَّارِين، والزَّوجات المُفترَى عليهن، والشراشف المفقودة كانت مَظاهرَ مألوفة، بل وحتى عادية، للحياة في أوائل العصر الحديث في إنجلترا، فإنَّ سادة البيوت السُّود لم يكونوا كذلك. يَستخدِم شكسبير نهَم الجمهور لما هو أجنبي وغريب — خوفهم ونفورهم بالإضافة إلى انجذابهم للاختلاف العِرقي والجغرافي — لاستكشاف المُؤسَّسات الرئيسية في الحياة المنزلية الإنجليزية، من خلال استعارات المسرح المحلي.

الملك لير

«تكاد» مسرحية «هاملت»، كما رأيْنا، أن تكون سُمِّيت تيمُّنًا باسم ابن شكسبير المُتوفَّى. أمَّا في مسرحية «الملك لير»، فقد أعطى شكسبير واحدًا من أعظم شخصياته الشرِّيرة اسم شقيقِهِ الأحدث سنًّا منه بكثير، إدموند، الذي وُلِد سنة ١٥٨٠ والذي تَبِع شقيقه الأكبر الذائع الصِّيت إلى المسرح. كان لإدموند ابنٌ غيرُ شرعي، ولكنه على ما يبدو كان مُعترفًا به، وهو الذي ربما يكون قد تشارك مع والده في اسمه المسيحي، استنادًا إلى خطأ كاتب أبرشية القِدِّيس المُخلِّص في منطقة ساذرك في كتابة اسم «إدموند» على أنه «إدوارد».45 تُوفِّي الصبي في ١٢ أغسطس من عام ١٦٠٧: «إدوارد، ابن إدوارد شكسبير، ممثل؛ وضيع المَولِد.» لا نعرف كم كان عُمر الابن غير الشرعي لشقيق شكسبير، وإنما نعرف أنَّ وفاة والده سُجِّلَت في ديسمبر التالي: «إدموند شكسبير، مُمثِّل.» بالصدفة كان هذا بعد شهرٍ فقط من تسجيل مسرحية «الملك لير» (التي ربما أُلِّفَت في عام ١٦٠٤-١٦٠٥) في سِجِلِّ الورَّاقِين في ٢٦ نوفمبر من سنة ١٦٠٧ تحت عنوان «كتاب دعاه السيد ويليام شكسبير قصَّتَهُ عن الملك لير كما مُثِّلَت أمام جلالة الملك في بلاط قصر وايتهول في ليلة القِدِّيس إسْتِفَانُوس في عيد الكريسماس الماضي من قِبَل خُدَّامه الذين يُمثِّلون عادةً على مسرح «ذا جلوب» في حي بانكسايد».
إن مسرحية «الملك لير» هي المسرحية الوحيدة من بين المسرحيات التراجيدية لشكسبير التي تحتوي على حبكةٍ فرعية. أدمج شكسبير بعنايةٍ قصة الأخوَين غير الشقيقَين المُتنافِسَين، المُقتبَسة من عمل السير فيليب سيدني «أركاديا» (١٥٩٠) — الذي يُدعى الأخوان فيه ليوناتوس وبليكسيراتوس — مع قصة الملك لير وبناته. ومما يجدُر ذِكُره أن المسرحية تبدأ بتلك الحبكة. الشقيقان عند شكسبير هما ابنا دوق جلوستر، الحليف الكبير للير. الابن الأكبر هو الابن الشرعي إدجار، الذي هو أيضًا ابن لير بالمعمودية: «ابن أبي بالمعمودية … هذا الذي أسماه أبي، ابنك إدجار» (الفصل الثاني، المشهد الأول، السطران ٩١-٩٢).46 الابن الأصغر، إدموند، هو نجل جلوستر غير الشرعي، المُنكَب على الشر. يُماثل سقوط جلوستر، الأب الجليل الذي له تاريخٌ جنسي مُتقلِّب، سقوط لير عندما ينحاز بحماقةٍ إلى جانب ابنه الشرِّير غير الشرعي على حساب ابنه الشرعي الصالح. بيْد أن الجمهور يشهَدُ عند ابتداء المسرحية جلوستر وهو يمزح، على مسمعٍ من إدموند، بشأن الكيفية التي جاء بها «ابن العاهرة» إلى العالم عبر بعض «اللهو» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطر ٢٢) الذي ربما كان فسقًا، ولكنه بالتأكيد غير مشروع. وحيث إن إدجار «يكبُر هذا بزُهاء سنة» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطران ١٨-١٩)، فإن جلوستر إما كان أرملًا في الوقت الذي يُشير إليه بلطفٍ بأنه وقت «صنع» إدموند (الفصل الأول، المشهد الأول، السطر ٢٢)، أو إنه كان لا يزال مُتزوِّجًا من أم ابنه الشرعي ووريثه. يرى جلوستر أن إدموند هو مَبعثُ خزيٍ له؛ إذ يقول عنه: «لطالما خَجِلتُ من الاعتراف به» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطر ٩)؛ لذا عندما يتحدَّث إدموند في مُناجاته الذاتية عن الظُّلم الواقع على النَّسل غير الشرعي في بداية المشهد الثاني، تصطبغ المودَّة المعهودة بين الشخصية الميكيافيلِّية المُدبِّرة المكائد (الشخصية التي يُحبُّ الجميع أن يكرهها) والجمهور بدرجةٍ غير عادية من التعاطُف.
المشهد القصير في مَطلع الفصل الأول عن الأخوَين غير الشقيقَين، المولود أحدهما «ولادةً شرعية» والآخر الذي «جاء إلى الدُّنيا مع بعض المُجون» (الفصل الأول، المشهد الأول، الأسطر ١٨–٢٠)، هو مشهدٌ جوهري فيما يتعلَّق ببعض موضوعات هذا العمل التراجيدي المحورية، وتحديدًا الموضوعات المُتعلِّقة بالآباء، والتنافُس الأخوي، وطبيعة السلطة؛ «النظام القانوني». إنَّ مسرحية «الملك لير» هي مسرحية عن عائلتَين مُضطرِبتَين، بِلا أم.47 يتسبَّب ردُّ كِنت المُتحيِّر على إقرار جلوستر المُبهَم بأُبوته لإدموند، «لم أفهمك» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطر ١١)، في الوجود الوحيد المُدرَك بجلاءٍ لذِكر الأمِّ في هذه المسرحية التي لا وجود فيها للأُمَّهات:
أُمُّ هذا الفتى فهِمَتني، يا سيدي؛
فارتفَع بطنُها، وإذا هي تجد، يا سيدي،
ولدًا لِمهدِها قبل
أن تجد زوجًا لفراشها.
أتشمُّ خطأً فيما جرى؟
(الفصل الأول، المشهد الأول، الأسطر١٢–١٥) [ترجمة جبرا إبراهيم جبرا، وهي الترجمة التي اعتمدنا عليها على نحوٍ أساسي في ترجمة الاقتباسات من المسرحية في هذا القسم، وإن كان ببعض التصرُّف اليسير في بعض المواضع]
وحيث إنه من المُسَلَّم به أنَّ الأمَّ غير المُسمَّاة ﻟ «ابن العاهرة» هذا، هي عاهرة، فإنها مُستهان بقدراتها الإنجابية، ويُنظَر إليها على أنه يمكن التخلُّص منها بعد استعمالها. بالإضافة إلى ذلك، لم تكن لفظة «عاهرة» كلمة يُمكن أن تُستعمل لوصف البغايا فقط وإنما أيضًا لوصف أي امرأةٍ يُعتقد أنها قد مارَسَت اتصالًا جنسيًّا خارج روابطِ الزوجية، أو أيضًا، أي امرأةٍ على الإطلاق.48 وقُبيل نهاية المسرحية، عندما يكون شرُّ إدموند قد صار واضحًا تمامًا وأبوه قد أُصِيبَ بالعَمى على نحوٍ شنيع، يقول إدجار لأخيه غير الشرعي إنه، رغم ذلك، ثَمَّةَ عدالةٌ كونية من نَوعٍ ما تعمل حتى في هذا الفعل الشنيع:
عادلةٌ هي الآلهة، وهي من لذيذ معاصينا
تصنع أدواتٍ لعذابنا؛
فالبُقعة الظلماء الخبيثة التي أَنطَفكَ منها
كلَّفَته عينَيه.
(الفصل الخامس، المشهد الثالث، الأسطر ١٦٨–١٧١)

«لذيذ معاصينا» في هذه الحالة هو فعلةُ ممارسة الجِماع مع أم إدموند التي تبدو وكأنَّ لا ضرر منها. «البقعة الظلماء الخبيثة»، الموضع المشئوم الذي منه حُبِل بإدموند، هو رَحِم أُمِّه وربما أيضًا بيتُ دعارة أو ماخورٌ ربما كان جلوستر قد نشد فيه المُتعة الجنسية. يُؤكَّد أيضًا على هذا الارتباط بين الانحلال الجنسي الذكوري، باعتبار أنه هو ما يجعل الرجال عُرضةً للتدنيس، والتوالُد الأُنثوي، عندما يلتقي لير الذي أصابه الاضطراب العقلي بجلوستر الذي أصابه العمى، والذي يَتعرَّف عليه لير عن طريق تشبيهه بكيوبيد الضرير الذي كان يُستخدَم في شعارات المواخير: «افعل ما بدا لك يا كيوبيد الضرير، لن أُحب» (الفصل الرابع، المشهد السادس، السطر ١٣٤).

تُقَدِّم «الملك لير»، التي هي مسرحيةٌ حول مأساة صراع الأجيال وعداء الأبناء والتي تدور أحداثها في عالمٍ يكاد يكون خارج نطاق الزمن، وهو عالم بريطانيا القديمة في حقبةِ ما قبل المسيحية، انتقادًا شديد القسوة لنظام سيادة الأب، حتى وإن كانت تُظهِر أنَّ الآباء الجبَّارِين هم بعضٌ من أكبر ضحايا هذا النظام: «قالوا لي إنني كل شيء؛ هذه أكذوبةٌ فاضحة» (الفصل الرابع، المشهد السادس، السطران ١٠٣-١٠٤).

في الحبكة الرئيسية، التي هي عبارةٌ عن مأساةٍ مُتعلِّقة بالأبوة، نجد لير الهَرِم وقد قسَّم مملكته بين بناته الثلاث وفي المُقابل يطلب أن يعرف مِقدارَ حُبهِنَّ له. تقدِّم جونريل وريجن اللئيمتان الإجابة المُتملِّقة المُتوقَّعة. وعندما تُسأل كورديليا، أصغر بنات لير، وابنته المُفضَّلة، وغير المُتزوِّجة، عما يمكنها قولُه للتفوُّق على تصريحَي شقيقتَيها المُبالَغ فيهما بحُبِّهما المُفرِط لأبيهما، ترفض التحدِّي، وتكون إجابتها على مطلَب أبيها المُتسلِّط ببساطة: «لا شيء يا سيدي» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطر ٨٧). وبعد ذلك تحتجُّ بقولها: «لمَ تزوجَتْ إذن أختاي، إن صحَّ ما قالتاه، من أنهما «لا تُحبَّان سواك؟»» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطران ٩٩-١٠٠، أقواس التنصيص الداخلية من عندي). وفي ثورةٍ غاشمة، يطرُد لير كورديليا من قلبه ومن مملكته، ونتيجة لذلك أيضًا، يلفظها أحدُ خُطَّابها، وهو دوق برجندي. ويتَّخِذها ملك فرنسا، الذي يُدْرِك طهارتها بغضِّ النظر عن أنها الآن قد صارت بلا متاعٍ تأتي به لزَوجها عند الزواج، عروسًا له. يُحاول إيرل كِنت أن يدافع عن كورديليا، ولكن لأنه هو الآخر يُثير غضب لير، فإنه يتنكَّر حتى يبقى في عون الملك الذي أقصاه، في حين تستمرُّ جونريل وريجن في إساءة مُعاملة أبيهما كما هو مُتوقَّع.

مُهرِّج لير، الذي لا يظهر في المسرحية إلَّا بعد أن تكون كورديليا قد ذَهبَت إلى فرنسا، هو الوحيد الذي له حُرية ٱلتكلُّم بالحقِّ أمام صاحب السلطان. يجد لير نفسه غايةً في الغضب وبلا مأوًى في فلاة أثناء عاصفة، وهي تجربة تُلْهِب في البداية غضبه على شرور النساء، ولكن آخر الأمر تُعطيه منظورًا أخلاقيًّا عن مِحنة البشرية. إن أكثر ما يُشير إلى تطهر لير؛ أي فَهمه الجديد للكيفية التي يطغى بها «مَثَل السلطة العظيم» (الفصل الرابع، المشهد السادس، السطر ١٥٤) على الضُّعفاء، هو تعاطُفه مع البغايا وغضبُه مِن نفاقِ مَن يُعاقِبُهن:
لِمَ تَجلِد تلك البَغي؟ عرِّ ظهركَ أنت؛
فأنت مُلتهِب الشبَق لتفعل معها
ما أنت تجلِدها من أجله.
(الفصل الرابع، المشهد السادس، الأسطر ١٥٧–١٥٩)

وبعد أن يُحقِّق هذا المستوى الإنساني للغاية من التبصُّر، تصِل كورديليا لإنقاذ أبيها، ولكن يُقبَض عليها وتُشنَق وكأنها مُجرمةٌ مُعتادة للإجرام. تشهد خاتمة المسرحية لير يحتضِن جثمانها، ويمسك لها بمرآة ليَرى إن كانت ما زالت تتنفَّس، في رجاءٍ عقيم منه بعَودتها إلى الحياة.

يعرض أيضًا مسار هذه الحبكة تأمُّلًا شكسبيريًّا آخر في طبيعة السلطة والمُلك؛ فعندما يتخلَّى لير عن العرش، يقول له المُهرِّج: «جعلتَ من كلتا ابنتَيك أُمًّا لك؛ إذ حين أَعطيتَهما العصا وأَنزلتَ سراويلك …» (الفصل الأول، المشهد الرابع، الأسطر ١٦٣–١٦٥). في مسرحية «ريتشارد الثاني»، قسَّم الملك إنجلترا إلى ثلاثة أجزاءٍ حتى يمكن له أن يُصبِح مالِك أرضها، وفي مشهد خلْعِه يأخذ مرآةً ليرى إن كان لا يزال بمقدوره أن يُمَيِّز صفاتِ السيادة في صورته. إنَّ نهاية ريتشارد هي نهايةٌ مأساوية، ولكن في حين أنَّ انحلاله الأخلاقي هو المُقوِّض لسُلطته، فإنَّ حماقته لا تُدمِّر علاقاته الأُسرية تدميرًا بالغًا. قد يكون ريتشارد «مغلوبًا» (الفصل الخامس، المشهد الأول، السطر ٣١) مثل لير فيما يتعلَّق بالحُكم، ولكنه، بخلاف لير، يحظى بالتبجيل والاحترام في بيته؛ فزوجته، إيزابيل، لا تزال تُحبُّه وتَوَدُّ أن «تُنعشه وتُحييه بدموع الحُبِّ المُخلِص» (الفصل الخامس، المشهد الأول، السطر ١٠). إن إيزابيل هي التي تُحذِّره من الرضوخ، في كلماتٍ تُشبِهُ كلمات المهرج في مسرحية «الملك لير»، قائلةً: «فكيف تقبل أنت العقاب خانعًا مِثل التلميذ، وتُقَبِّل العصا التي تضرِبُك» (مسرحية «ريتشارد الثاني»، الفصل الخامس، المشهد الأول، السطران ٣١-٣٢). ومِمَّا له مغزاه أن المُدرِّس هنا، وليس الأم، هو من يُنفِّذ العقاب. في واقع الأمر، إنَّ ما يأذن في مسرحية «الملك لير» بواحدةٍ من أكثر النتائج كآبةً وبؤسًا في تاريخ التراجيديا هو أنَّ العائلة والدولة يقترنان اقترانًا وثيقًا.

يرى صامويل جونسون، مُحرِّر أعمال شكسبير في القرن الثامن عشر، أن خاتمة المسرحية كانت «مُناقضة للأفكار الطبيعية عن العدل»،49 وبالفعل فإنَّ النهاية المأساوية أُغفِلَت، طيلة قسطٍ كبير من تاريخها المسرحي، لصالح الخاتمة السعيدة. إنَّ حلَّ شكسبير التراجيدي لعقدة المسرحية هو حلٌّ ينفرِد به شكسبير تمامًا ولا يُشارِكه فيه أيٌّ من مصادره. ومِمَّا لا شكَّ فيه أنه لا بُدَّ أن الكارثة المأساوية قد كان لها وقْع المفاجأة على جمهور شكسبير، الذي إما كان يعرف الأصول الشعبية للحبكة الرئيسية أو أصولها الأسطورية التاريخية، بما في ذلك كتاب هولينشيد «تاريخ إنجلترا واسكتلندا وأيرلندا» (١٥٧٧)، الذي يذكر أن الملك لير قد حكم حوالي سنة ٨٠٠ قبل الميلاد.50 الحبكة الرئيسية حول البنات الثلاث اللواتي أَمَرهنَّ أبوهنَّ أن يُفصِحن عن مقدار حُبِّهنَّ له كانت جزءًا من التراث الشعبي الذي تزعم فيه الأختان الشرِّيرتان بأنهما تُكنَّان لأبيهما مشاعرَ مُبالغًا فيها وتجيب الابنة الصالحة، إجابةً غريبة نوعًا ما، بأنها تُحِبُّه كالملح. وفي التراث الشعبي يسعد الملك وابنته باجتماع شملهما في نهاية القصة. وهذا ينطبق كذلك في حالة كتاب جيفري مونماوث الذي يرجع إلى القرن الثاني عشر بعنوان «تاريخ ملوك بريطانيا»، الذي يموت فيه لير بعد أن يبلُغ أرذل العمر وتُصبح كورديليا ملكة، ومع ذلك فثَمَّةَ إضافةٌ مأساوية لتلك القصة: وهي أنها تُسجَن بعد ذلك على يدِ أبناء أختَيها المُتمرِّدِين وتنتحِر في السجن. ظَهرَت صيغٌ أخرى من هذه الرواية شِبه التاريخية في مَظلمَةٍ شعرية خيالية كتَبَها جون هيجينز تنقل وجهة نظر «كورديلا» في طبعة سنة ١٥٧٤ من كتاب «مِرآة للقضاة» وفي قصيدة ويليام وارنر «ألبيونز إنجلاند» (١٥٨٦). بالإضافة إلى ذلك، يُوجد مَصدرٌ درامي لنصِّ شكسبير، وهو مسرحية قُدِّمَت على مسرح «ذا روز» سنة ١٥٩٤ وطُبِعَت سنة ١٦٠٥ بعنوان «الوقائع التاريخية الصحيحة للملك لير وبناته الثلاث، جونريل، وريجن، وكورديلا». غير أنَّ خطة لير في هذه المسرحية هي أنْ يُزوِّج كورديلا برجلٍ لا تريده.

المشكلة الأساسية لمسرحية شكسبير ليست أن لير، مثل شكسبير نفسه، لديه بنات وبالتالي ليس لديه ابنٌ يُمكنه أن يُورِّثه المملكة بكاملها، وإنما أنَّ أملاك لير يتعين أن تبقى كوحدةٍ واحدة، ليس «بعدما» يموت، وإنما «قبل» وفاته. وفي هذا الشأن، قد تكون حبكة شكسبير قد تأثَّرَت على الأرجح بمُصادفةٍ أخرى مُتعلِّقة بالأسماء (بالإضافة إلى تلك المُتعلقة باسم «إدموند»)، وهي مُصادَفةٌ يبدو أنها تنتمي إلى الفنِّ أكثر من انتمائها للحياة. كتب أحد أتباع إليزابيث الأولى، يُدعى برايان آنيسلي، وصِيَّته في عام ١٦٠٠ مُورِّثًا مُعظَم ثروته لابنته الصُّغرى غير المُتزوِّجة، كورديل. طَعنَت ابنتاه الأكبر سِنًّا المُتزوِّجتان في صحة الوصية استنادًا على إصابة والدهما الهَرِم بالجنون، ولكن الغلبة كانت مع ذلك لكورديل. إنَّ التَّشابُه جَلِي، ولكن شكسبير هو الآخر كانت له تجربته الخاصة مع والدَيه الطاعنَين في السن؛ فكلاهما بلغ السبعين، وكان أبوه قد مات سنة ١٦٠١ ودُفِنَت أُمُّه سنة ١٦٠٨؛ أي بعد عامَين من كتابة شكسبير لمسرحية «الملك لير». كانت جونريل وريجن قد لاحظتا بالفعل التدهوُر التدريجي الذي أصاب لير: «إنكِ تَرينَ ما أكثر تقلُّباته في شيخوخته. وما لحَظناه منها ليس بالقليل» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطران ٢٩٠-٢٩١).

مع تقدُّم المسرحية، تُصبح الأختان الشرِّيرتان خاليتَين من التعقيد وكأنهما شخصيتان في قصةٍ خيالية، مع أنه يُتاح للجمهور في بداية المسرحية أن يُلقي نظرة على علاقتهما بأبيهما؛ فثَمَّةَ مرارةٌ غيرُ مُصطنَعة في كلام جونريل، والتي ظهر بجلاء سببها؛ «كان دومًا يُحبُّ أُختنا أكثر مِنَّا» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطر ٢٩٢). إن معرفة جونريل وريجن الوثيقة بوالدهما الشارد هي معرفةٌ دقيقة بطريقةٍ مُقنعة: «إنه كان أبدًا قليل المعرفة بنفسه» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطران ٢٩٤-٢٩٥)؛ «لقد كان في أفضلِ أيامه وأعقلِها شديد الاندفاع» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطران ٢٩٦-٢٩٧). لذا عندما تشتكي جونريل من أنَّ فرسان والدها ومُرافقِيه هم «رجالٌ كلهم عربدة وخلاعة»، لدرجة أنهم يجعلون قصرَها «أشبَهَ بالحانة أو الماخور» (الفصل الأول، المشهد الرابع، الأسطر ٢٣٣–٢٣٦)، فإنَّ الجمهور يتذكَّر ما كشفه جلوستر بشأن ماضيه في افتتاحية المسرحية. كشأن جونريل وريجن، نجد أن إدموند، أيضًا، هو شخصيةٌ أكثر تفهُّمًا في البداية؛ فهو يفعل الأمر الذي ما زالت تفعله المجموعات المُهمَّشة وذات الثقافة المُضادة؛ أي إنَّهُ يأخذ التسمِيات المهينة التي تُطلَق عليه — «ابن طبيعي (ابن سِفاح)» و«ابن زنا» — ويُعيد صياغتها في هيئة هُوية شخصيةٍ إيجابية: «فيا أيتها الآلهة، شُدِّي أزْرَ أولاد الحرام!» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطر ٢٢). إنه لا يعترِض فقط على «العُرف» و«حَذلَقة الأُمم» اللذَين يحُطَّان من قدْر أولئك الذين يُولدون خارج إطار رباط الزوجية، وإنما أيضًا على حقِّ البكورة ذاته، وهو وضعٌ قد تسبَّب في الحسرة لِلكثيرِين من الأبناء الشرعيين تمامًا في إنجلترا: «إنني تأخرتُ بالميلاد عن أخي، اثنَي عشر أو أربعة عشر شهرًا» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطر ٦).

وهكذا فإنَّ لير وجلوستر قد يكونان بالفعل واهنَين ويُرثى لهما نتيجةً للقسوة المُسلَّطة عليهما من قِبَل نَسلِهما الشرِّير أثناء المسرحية، ولكنهما يبدآن المسرحية في هيئة الأبوَين حادَّي الطبع، المُستبدَّين اللذَين يُجابهان أي إبداءٍ لمناهضة سُلطتهما بوابلٍ من العُنف اللفظي. عندما يخدع إدموند والده ويقوده إلى الاعتقاد بأن إدجار يسعى إلى أنْ «يُدير الدخل» في سنوات شيخوخة والده، يكون رد جلوستر عبارةً عن تقريعٍ مُطوَّل: «يا نذلٌ كريهٌ! يا نذلٌ، شاذٌّ، مقيتٌ، وحشيٌّ، بل أَحَطُّ من الوحشي!» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطران ٧٦-٧٧). ويشتمل إبعاد لير لابنته «المُفضَّلة» على قَدحٍ أكثر هولًا بكثير:
أو ذاك الذي يجعل من أبنائه طعامًا
يَنهمه نهمًا، أقرب إلى قلبي،
وأكثر إثارةً لِشفقَتي ومَدعاةً لِعوني،
منكِ أنتِ، يا من كنتِ يومًا ابنتي.
(الفصل الأول، المشهد الأول، الأسطر ١١٨–١٢١)
إن لير سوف يتصادق مع آكلٍ لِلُحوم البشر يأكل أطفاله قبل أن يُقَرِّب كورديليا منه. والمُفارقة أن لير قد أصبح قَطعًا مِثل الشيء الذي يستقبحه؛ فهو يُشبِع شهيَّته للغضب على حساب ابنته. ومن هذه النقطة فصاعدًا، يتباعد الخير والشر دراميًّا في المسرحية، ويستفحل الشر. وبعد أن تنبذ جونريل وريجن لير، يكتشف أخيرًا أنهما هدفٌ أنسبُ لغضبه من كورديليا. ومع ذلك، فطبيعةُ غضبه لا تتغيَّر، وإن كان الآن البغض العنيف للنِّساء يزيده تفاقمًا:
إنهنَّ قناطرُ من الخَصْر فما دونه،
وإن يكُنَّ من فوق الخَصر نساء. ولكن الآلهة لا تملك منهن
إلَّا ما يعلو الزُّنَّار، وكل ما دونه إن هو إلا مِلك الشيطان؛
هناك الجحيم، هناك الظلام، هناك حفرة الكبريت،
نارٌ وسَفْعٌ، ونَتَنٌ وسَقَم. أُف، أف، أف! آه، آه!
(الفصل الرابع، المشهد السادس، الأسطر ١٢١–١٢٥)
تُلخِّص لُغة لير فيما يتعلَّق بابنتَيه الكُبريَين مضمون النظام الأبوي بأَسْره، وهو المضمون الذي يتَّسِم بخوفٍ من النساء وبُغضٍ لهن؛ إذ يُسَلِّم بأن بشريَّتهن لا تعدو أن تكون ظاهرية. هذا كان جزءًا من لغة الحياة اليومية لعالم شكسبير، ومع أنَّ هذه الكلمات قد تنطبق تحديدًا على العاهرات، اللواتي كان ارتباطهن بالتهاب الأعضاء التناسُلية، «حُفرة الكبريت»، هو الأكثر قُربًا، فإنها كانت تُستخدَم أيضًا فيما يتعلَّق بكلِّ النساء بما أن من الفرضيَّات الأساسية لمُعاداة المرأة أن كل النساء سواء. ويُجَسِّد تصويرهن هنا بأنهنَّ مخلوقاتٌ شيطانية نصفُ بشرية، نصفُ حيوانية، الأوصاف المُتَّسِمة بالاستقطاب لأم إدموند من ناحية أنها حسناء، «غير أنَّ أُمَّه كانت جميلة» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطر ٢١)؛ ومن الناحية الأخرى بأنها، «البُقعة الظلماء الخبيثة» للحمل (الفصل الخامس، المشهد الثالث، السطر ١٧٠).51
يلعن لير إمكانية أن تُصبح ريجن أُمًّا حينما يتضرَّع إلى الإلهة الطبيعة أن «تُنْزِل العقم» برحِمها. ويُشير إلى خصوبة «جسمها المُنحطِّ» بأنها القابلية ﻟ «الإفراخ»، وهي كلمة لا تُستخدَم عادةً فيما يتعلق بالتكاثر البشري، وإنما تُعْتَبر جزءًا من مفردات تربية الحيوانات (الفصل الأول، المشهد الرابع، الأسطر ٢٧٠–٢٧٣). إن التعبيرات الثقافية المُبتذَلة التي يُكرِّرها لير، مثل المُعادلة بين المهبل وفُوَّهة الجحيم، حُفرة الكبريت المُستعِرة، كانت تعبيراتٍ مُنتشِرة، وربما يدلُّ مجيئها على لسانه بهذه السهولة على بعض عيوبه كأبٍ لِبنات. ومع ذلك، فهذا الخطاب المُعادِي للمرأة لم يكن فقط جُزءًا من إرث مُعاداة المرأة الموروث من العصور القديمة والوسطى، وإنما أيضًا جزءًا من جدلٍ شمل عموم أوروبا حول النساء عُرِف باسم «قضية المرأة»، الذي، كما أشرْنا فيما يخصُّ مسرحية «ترويض النمرة»، اتخذ شكل حربِ نشراتٍ بَدأَت في منتصف القرن السادس عشر. ولنأخذ مثالًا بارزًا سيئ السمعة، وإن كان مثالًا يلي زمنيًّا المسرحية؛ ففي عام ١٦١٥ ارتأت نشرة جوزيف سويتنام «إدانة النساء بما يتَّسِمن به من فِسق وتفاهة ووقاحة وخيانة.» أن «بين أثدائهن وَادِي الدمار، وفي مضاجعِهنَّ يُوجَد جحيم، ولَوْعَة، وندم.»52
ومع ذلك فإن أَوْج عنف المسرحية ليس لفظيًّا وإنما جَسدِي. إنه عندما تُقتلَع عينا جلوستر على خشبة المسرح بناءً على أَمْر جونريل. يُكبَّل جلوستر إلى كرسي بينما يُشوِّهه كورنوول، زَوج ريجن الشرِّيرة: «اخرج، أيُّها الهُلام النجس» (الفصل الثالث، المشهد السابع، السطر ٨٢). الصوت الوحيد الذي يرتفع اعتراضًا هو صوتُ خادمٍ يُحاوِل أن يُوقِف الانتهاك، وهو الذي يُقتَل على يد ريجن، ولكن شجاعته هي واحدةٌ من لحظات الوفاء القليلة في المسرحية:
لقَد خَدمتُكَ منذُ كنتَ طفلًا،
ولكني ما أدَّيتُ لكَ خِدمةً خيرًا
من نهيكَ الآن عما تهمُّ به.
(الفصل الثالث، المشهد السابع، الأسطر ٧٢–٧٤)
من حيث التسلسُل الهرَمي في أوائل العصر الحديث، لم يكن رب العائلة مُتحكِّمًا في كلِّ النساء والأطفال في عائلته فحسب، وإنما أيضًا في «جميع» أفراد أُسرته المعيشية. وخادم كورنوول، في تذكيره لسيِّدِه بأن كان في خِدمته منذُ «كان طفلًا»، يُعيد باختصارٍ مشهد مقاومة كورديليا لِلير؛ إذ يَثْبُت بما لا يدع مجالًا للشكِّ أن هذا النوع من العِصيان هو فعلٌ حسن، كما يُدرِك لير فيما بعدُ: «إن قولهم «نعم» و«لا» لكلِّ شيءٍ قلتُ عليه «نعم» و«لا» لم يكن تمسُّكًا بأهداب الدين [عن اقتناع]» (الفصل الرابع، المشهد السادس، الأسطر ٩٨–١٠٠). بالإضافة إلى ذلك، بسبب نمط التفكير المُناظِر الذي ساد في إنجلترا الإليزابيثية، كان للمقاومة داخل الأُسرة المعيشية بُعدٌ سياسي باعتبارها ضربًا من الخيانة العائلية.53 يتبيَّن لنا مرةً تلو أخرى في المسرحية أنَّ هذا النوع من الخيانة «هو» أَمرٌ مُبرَّر باعتباره ردًّا على الاستبداد لأنَّ كلَّ الحكام، الملكيِّين والأُسريِّين منهم، بشر، غيرُ معصومِين، وعُرضة للضعف، والشيخوخة، وتضاؤل القدرة على التصرُّف العقلاني. يُنقِذ إدجار — الابن المطرود والمُكرَه على أن يَتنكَّر في هيئة توم الفقير، وهي هيئة شحَّاذٍ مجنون — جلوستر من انتحاره المُزمَع من على جرف دوفر. ويُعيد إلى الأذهان، وهو يقتاد أباه من يدِه، واحدًا من أشهر التصويرات الكلاسيكية لرأفة الأبناء بآبائهم؛ وتحديدًا رأفة إنياس الذي يحمل أنخيزِس، والده الكفيف، على كتِفِه خارجًا من مدينة طروادة المُحترِقة.
أحد أكثر المَشاهد المُثيرة للمشاعر في المسرحية، والذي كان مبعث أوسعِ جدل، هو مشهد لير نفسه وهو يحمل جثمان كورديليا: «يدخل لير حاملًا كورديليا ميتةً بين ذراعَيه» (الفصل الخامس، المشهد الثالث، السطر ٢٥٥). تَركَّز النقاش النقدي المُتعلِّق بالمسرحية بشأن ما إذا كانت هذه الخاتمة المُقبضة بشدَّة، والتي يمكن القول بأنها عدَمية، حيث «كلُّ شيء جهم، ومُظلم، وفاتِك» (الفصل الخامس، المشهد الثالث، السطر ٢٨٧)، تُقِرُّ بأي شيء ينطوي على تكفيرٍ عما سبق. تكشف المسرحية بالتأكيد عن تشكُّكٍ وَثَني أو كلاسيكيٍّ قديم من شأنه أن يكون مستحيلًا لولا الإطار الوثني الذي تدور فيه أحداث المسرحية، وهو ما يُشبه التوجُّهات التي تشتمل عليها ترجمة مارلو لمَرثيَّة أوفيد في وفاة الشاعر تيبولوس: «عندما تختطف الأقدار الرديئة رجالًا أخيارًا، فإنَّ الخواطر الدفينة تمنعني من الاعتقاد بأن ثَمَّةَ إلهًا» (الكتاب الثالث، المرثية ٨، السطران ٣٥-٣٦).54 في نهاية المسرحية، والمَيتان يُحملان بعيدًا عن خشبة المسرح، نجد أن المَقطعَين المسجوعَين اللَّذَين يتلفَّظ بهما إدجار يلتجِئان بالفعل إلى تصنُّعٍ زائد بوضوح يُعلن عن خُلاصة للمسرحية بشأن الأرواح التي أُزهِقَت بالفعل:
علينا أن نخضع لِوَقْر زماننا المحزون هذا،
وأن نقول ما نشعُر به، لا ما ينبغي أن نقوله.
أكبرُنا قد فاقَنا بما عانى؛ نحن الشباب
لن نرى كلَّ ما رآه، لا ولن نُعمَّر بقدْر ما عُمِّر.
(الفصل الخامس، المشهد الثالث، الأسطر ٣٢٢–٣٢٥)
قُدِّمَت مسرحية «الملك لير» في البلاط الملكي في شهر ديسمبر من عام ١٦٠٥ وطُبِعَت في عام ١٦٠٨ في شكل قَطع الرُّبع بعنوان «الوقائع التاريخية الصحيحة للملك لير». بيْدَ أنه يبدو أنَّ شكسبير قد عدَّل هذه المسرحية تعديلًا كبيرًا، لأنه في «المطوية الأُولى» التي ترجع إلى عام ١٦٢٣ ظَهرَت نسخة بعنوان «مأساة الملك لير» كانت تعديلاتها وتصويباتها على النُّسخة الموجودة في طبعة قَطع الرُّبع الأُولى لعام ١٦٠٨، التي طُبِعَت بشكلٍ سيئ، عظيمةً إلى حدِّ أن بعض الباحثِين ذهبوا إلى أنَّ هذَين ليسا مُجرَّد نصَّين مُختلفَين وإنما مسرحيتان مختلفتان.55 وعلى الرغم من أنه يُوجَد جدلٌ كبير حول ما إذا كانت التغييرات فيما بين طبعة قَطع الرُّبع الأُولى و«المطوية الأُولى» هي بالفعل تغييرات أُجرِيَت على يد شكسبير، كما يُبيِّن ستيفن جرينبلات، «فثَمَّةَ توافقٌ مُتزايد في الآراء بين الباحثِين على أنَّ نصَّ عامِ ١٦٠٨ لمسرحية «الملك لير» يُمثِّل المسرحية كما كتبها شكسبير أولًا وأن نصَّ عامِ ١٦٢٣ يُمثِّل تنقيحًا كبيرًا.»56 ظلَّت النُّسختان المُتَمَايِزتان، مع حُجية كلٍّ منهما، مُتداوَلتَين طَوالَ القرن السابع عشر؛ الأمر شكَّل حقل ألغام تحريريًّا للأجيال اللاحقة. ومن القرن الثامن عشر وحتى إصدار طبعة أكسفورد للأعمال الكاملة لشكسبير في عام ١٩٨٦، اختار المُحرِّرون الجمع بين النصَّين؛ فمُعظَم الطبعات هي عبارة عن خليطٍ من نَصِّ عامِ ١٦٠٨ والمسرحية المُنقَّحة لاحقًا المطبوعة في «المطوية الأُولى». الأمر المُدهِش بشأن هذه القصة المُتعلِّقة بالنصِّ هو أنه من الواضح أن شكسبير أعاد صياغة بعض الأفكار، ربما تلبيةً لضغط فرقته، أو لِتجاوُب الجمهور، أو لمجرد تغيُّر رأيه في الموضوعات المطروحة. إنَّنا نرى في حالة هذه المسرحية ربما على نحوٍ أوضح من أي مسرحيةٍ أخرى أن نصَّ المسرحية؛ السيناريو، حتى وإن كان قد طُبِع بالفعل، لم يُفهَم من قِبَل مُؤلِّفه على أنه نقشٌ على حجَر؛ لا تغيير فيه ولا تعديل، وإنما على أنه شيءٌ أكثر عضوية يُمكن إعادة تشكيله وفق الظروف أو الأفكار المُتغيِّرة؛ بعبارةٍ أخرى، إن الفن لا يصل أبدًا إلى مُنتهًى ما دامت الحياة مُستمِرَّة.

ماكبث

حسبما بيَّنَت مورييل برادبروك منذُ فترةٍ طويلة أن شكسبير، خلافًا لبن جونسون، «لم يُطلَب منه أبدًا أن يكتب مسرحيةً قناعية للبلاط، لا من قِبَل الملك جيمس ولا أي أحدٍ آخر.»57 كانت مسرحيات البلاط القناعية عبارة عن احتفالات، تتَّسِم بالمُغالاة، بالقِيَم الأرستقراطية، وخاصةً بسُلطة الحاكم المُطلَقة، وثرائه، وعظمته. تكلَّفَت مسرحية جونسون القناعية احتفالًا بمنح الأمير تشارلز لقب دوق يورك مبلغًا مُذهلًا بلغ ٢١٠٠ جنيه، ولكن استثمار البلاط في المسرحية القناعية لم يكن مُجرَّد استثمارٍ مالي؛ فحسبما يُشير ستيفن أورجيل، فإن المسرحية القناعية «أعطت مَعْنًى أعلى لحقائق السياسة والسلطة؛ إذ أَوجدَت قصصها الخيالية أدوارًا بطولية لقادة المجتمع.»58 وفي حين أن جونسون كتب أيضًا للمسرح التجاري، فإنه بحلول عام ١٦٠٣، كان قد أصبح بالفعل شاعر حفلاتِ بلاطِ النُّخبة، وحصل على الرعاية القوية لإيزمى ستيوارت؛ ابن عمِّ الملك، ولورد أوبيني.
على النقيض، كان شكسبير على نحوٍ واضح شاعرًا للمسارح العامة، حتى حين كانت مسرحياته تُقَدَّم في البلاط بأَمرٍ ملكي. حَصلَت فرقة شكسبير على مرتبةٍ جديدة هي «خدَم الملك» بعد تولِّي جيمس الأول العرش سنة ١٦٠٣؛ حينئذٍ صُرِّح لهم بأن «يُمارسوا بِحُريةٍ فنَّ ومهنة تمثيل الأعمال الكوميدية، والتراجيدية، والتاريخية، والفواصل الترويحية، والمسرحيات الأخلاقية، والرعوية، والأعمال المسرحية وما إلى ذلك … لِيَعرِضوا ويُمارسوا علنًا ما لدَيهم على أفضل نحو.»59 بيْد أنه كانت تُوجد حدودٌ مُقَيِّدة بصرامةٍ للحُرِّيات فيما يتعلق ﺑ «فن ومهنة التمثيل»، وحين أدَّت الفرقة في ذلك العام نفسه مسرحية بن جونسون التراجيدية الرومانية «سقوط سيجانوس» مع وجود شكسبير ضِمن طاقهما (ربما في دور الإمبراطور، تيبيريوس)، استُدعي جونسون أمام مجلس شورى الملك بتهمتَي اتِّباع العقيدة الكاثوليكية والخيانة، ولم يُعفِه من العقاب إلَّا تدخُّل اللورد تشامبرلين؛60 وبالتالي، فإن صِلات جونسون بالبلاط لم تمنحه حريةً مُطلقة، لكنها أتاحت له على الأقل قدْرًا ضئيلًا من الحماية من أسوأ العواقب المُترتِّبة على التعرُّض لسخط أصحاب النفوذ. من المُستبعد أن يكون شكسبير، الذي لم يكن معروفًا للبلاط بقدْر جونسون، قد حظِيَ بحمايةٍ مُماثلة.
في العام التالي مباشرةً لنكسةِ مسرحية «سقوط سيجانوس»، وَقعَت فرقة شكسبير في المشاكل من جديد، هذه المرة بسبب تقديمهم مسرحيةً تصِف النجاة المزعومة لجيمس الأول بأعجوبةٍ من ألكساندر روثفن؛ شقيق إيرل جاوري، والذي ثَمَّةَ اتفاقٌ عامٌّ على أنه كان قد حاول اغتياله في اسكتلندا سنة ١٦٠٠. لا يُعرَف مُؤلِّف مسرحية «مأساة جاوري» كما أنَّ النصَّ فُقِد في طيَّات التاريخ. ومع أنها قُدِّمَت مرَّتَين، فإن كاتب الرسالة الإخبارية جون تشامبرلين يُورِد أن «بعض المستشارِين الكبار مستاءون كثيرًا منها، لذلك يُعتقَد أنها ينبغي أن تُمْنَع.»61 ومن المؤكَّد أن المسرحية لم تُقَدَّم ثانيةً أبدًا. ومع ذلك فإن مخاوف المجلس إزاء تمثيل مُحاولاتٍ لقتل الملك لم تكن في غير محلِّها بنحوٍ كامل؛ فبعد عامٍ واحد فقط، في الخامس من شهر نوفمبر من عام ١٦٠٥، أمكن بِشِقِّ الأنفس تجنُّب مؤامرة البارود، التي كانت ستُؤدِّي إلى تفجير مبنى البرلمان في اللحظة التي كان جيمس سيُلقي فيها خطابه الافتتاحي.

وبالتالي تبدو مسرحية «ماكبث»، التي هي بنحوٍ واضحٍ مسرحيةٌ يَعقوبية تدور حول قتل ملك، اختيارًا مُستبعدًا لشكسبير وفرقته في حوالي سنة ١٦٠٦ (مع أنها لم تُنشَر حتى عام ١٦٢٣ في «المطوية الأُولى»). تتناول المسرحية، التي أُلِّفَت لحاكمٍ جديد ونظامٍ جديد، اغتيال ماكبث للملك الصالِح دنكَن بتحريضٍ من زوجته الطامحة إلى العرش، الليدي ماكبث. ابتكر شكسبير، آخذًا كتاب رافايل هولينشد «تاريخ إنجلترا واسكتلندا وأيرلندا» مصدرًا رئيسيًّا له، ويُكمِله، ضِمن مَصادرَ أُخرى، كتاب جورج بوكانان «تاريخ اسكتلندا» (١٥٨٢)، شخصيةً شريرةً، مُتعطشةً للسلطة، ومع ذلك يجِد الجمهور أن أفعالها ودوافعها مُثيرةٌ للتعاطُف. ومع أنَّ تَوجُّه الجمهور الملكي يُشكِّل بالفعل الموضوعات والقضايا الرئيسية للمسرحية، التي تتناول التاريخ الاسكتلندي وليس الإنجليزي، وأحد شخصياتها الرئيسية، وهو بانكو، هو أحد أسلاف الملك جيمس، فإن المسرحية أبعدُ ما تكون عن التملُّق؛ فشكسبير يعرض على المسرح أكثر شيء كان جيمس يخشاه؛ وهو قتْل الملك بتحريضٍ من الساحرات، «أخوات القدَر»، اللواتي تُشجِّع نبوءاتُهنَّ المُبهَمة المُلغِزة، التي ترى ماكبث ملكًا مستقبليًّا، الأخير على سفك «الدم الذهبي [الملكي]» للملك المُتوَّج. الأكثر من ذلك، أن المسرحية تكاد تكون دراسةً تحذيرية في مسألة السُّلطة المُفرِطة وعدالة التمرُّد في حالات كتلك. في مسرحية «ماكبث» يُناقِش شكسبير بجراءة أكثر مبدأً مُقدَّرًا لدى جيمس، وهو مبدأ الحق الإلهي للملوك. تسبر المسرحية بتعمُّقٍ أكبر غَور تساؤلات اهتمَّ بها شكسبير منذ بداية حياته المهنية حول هوية الأشخاص وماهية الأشياء التي تحديدًا تُشَكِّل، وتمنح، وتكفل ذلك الحق، والأمر الأخطر من ذلك هو ماهية الأمور التي تُهدِّد بتقويضه. ولا تَشِي المسرحية بأي تَطلُّعات لا لجماليات ولا لأيديولوجيات المسرحية القناعية.

لم يُعيَّن جيمس السادس ملك اسكتلندا خلفًا لإليزابيث إلَّا وهي على فراش الموت، وذلك كونه ابن ماري ملِكة الاسكتلنديين المذمومة التي أُعْدِمَت. وكانت قضية مَن الذي سيرث العرش الإنجليزي بعد إليزابيث واحدةً من أكبر المُشكِلات العالقة طَوالَ أغلبِ عهدها الذي بلغ خمسةً وأربعين سنة. والسبب في ذلك، كما بيَّن شكسبير تكرارًا في مسرحياته، أنَّ انتقال السلطة السيادية كان دومًا أضعَفَ حلقاتها، ومن شأن كيفية تسليم تلك السلطة أن تُحدِّد مدى ومُدَّة إمكانية الاحتفاظ بها والحِفاظ عليها. ورغم أن أزمة الخلافة حُلَّت نهائيًّا باعتلاء جيمس للعرش، فلا تزال ثَمَّةَ قصة لتُروى حول ما يمكن أن ندعوه مسار نَسَبه الطويل إلى المُلْك؛ إذ كيف آلَ الأمر بملكٍ اسكتلندي، أجنبي، إلى الجلوس على العرش الإنجليزي؟ ومع أنَّ أحداث المسرحية تجري قبل مولد جيمس بقرون، فإنَّ شكسبير يستخدِم مسألة الحقِّ الإلهي هذه — تلميحًا «إلى العرش الإنجليزي» بقدْر ما هي بشأن العرش الاسكتلندي — مُقَدِّمًا بطريقةٍ غير مُباشرة ما قد نراه التاريخَ الاسكتلندي السابق على اختياره.

كان جيمس نفسه مُنشغلًا بهذه الأمور؛ كونه مُثقفًا رغم غرابه أطواره؛ فقد كتب ثلاث أطروحاتٍ تحمل علاقةً مباشرة بمسرحية شكسبير: «القانون الحقيقي للممالك الحرة» (١٥٩٨)، و«الهِبة الملكية» (التي أَوَّل طبعةٍ إنجليزية منها نُشِرَت سنة ١٦٠٣)، و«دراسة الشياطين» (١٥٩٧). كانت الحُجَّة التي يتناولها كتاب «القانون الحقيقي للممالك الحرة» هي أنَّ الملوك كانوا، تبعًا لمثال العهد القديم، مُختارِين من قِبَل الرب، وأن مُخطَّط العناية الإلهية للربِّ كان يفرض عليهم أن يحكموا. كُتِبت أطروحة «الهبة الملكية»، التي هي عبارةٌ عن دراسة في الطبيعة العملية للمُلك، لابن جيمس الأكبر ووريثه، الأمير هنري، الذي كان أميرًا شابًّا رائعًا كان يُبَشِّر بأن يكون الحاكم المثالي، ولولا وفاته في عُمر الثامنة عشرة، لكان بالتأكيد قد حقَّق نجاحًا أفضل من شقيقه الأصغر، الذي أصبح لاحقًا الملك تشارلز الأول. على النقيض، وَصفَت أطروحة «دراسة الشياطين» مخاوف جيمس بشأن ضَعف مُلكه. ذهبت حُجة الكتاب إلى أن الشيطان سعى إلى الانقلاب على النظام الإلهي؛ ومن ثَمَّ، فإنَّ الساحرات — مثل المرأة الاسكتلندية التي وُجِد معها دُميةٌ من الشمع تمثل جيمس ومغروزٌ فيها دبابيس — كُنَّ يُهدِّدن النظام الراسخ للرب، الذي كان على رأسه جيمس نفسه. بالفعل كانت النساء هُنَّ أعظمَ أعداء حُكم جيمس، وقد استجوب هو بنفسه الساحرات اللواتي كنَّ قد سَعين، حسبما يُزعَم، إلى قتله في اسكتلندا. ضمَّ هؤلاء النساء امرأةً اعتَرفَت تحت التعذيب بأنها ومائتَين أُخرياتٍ خُضنَ كلُّهن البحر في مصفاة بِنِيَّة جلب كارثة لسفينةٍ ملكية. لربما كانت أم جيمس، التي شاع اعتبارها ساحرةً من قِبَل بعض البروتستانتيِّين الإنجليز، عقبَتَه الأعظم أمام اعتلاء العرش الإنجليزي، وكان قد انفصل عنها وهو رضيع، ولكن بعد وقتٍ قصير من وصوله إلى إنجلترا عَهِدَ إلى ماكسيميليان كولت بنَحْت التِّمثال الذي نصبَهُ في دير وستمنستر بالقُرب من قبر إليزابيث الأولى في المُصَلَّى الذي بناه جَدُّهم. في عام ١٦١٢، عندما اكتَملَت المقبرة، أعاد دفن رُفاتِ أمه، التي دُفِنَت في البداية بكاتدرائية بيتربورو بعد إعدامِها.

وفي انحرافٍ له مغزى عن هذه المُلابسات التاريخية، النقيصة الحقيقية لماكبث في مسرحية شكسبير من ناحية كونه قائدًا هي أنه تحت إمرة نساءٍ، وهنَّ الأخوات الخارقات للطبيعة وزوجته؛ الليدي ماكبث. يُكْتَب النصر لمَاكْدَف؛ الغريم الذي يهزم ماكبث في النهاية؛ لأنه يحلُّ ألغاز القُوى الأُنثوية الخارقة للطبيعة ببراجماتية ذكورية. وعندما يُحاط بماكبث في نهاية المسرحية ويُحاول أن يتَّخِذ مَلاذَه الأخير في أن الساحرات تعهَّدنَ بأن «ما من وليد لامرأة» (الفصل الرابع، المشهد الأول، السطر ٨٠)62 يمكن أن يهزمه، يرُدُّ مَاكْدَف بأنه لم يُولَد ولادةً طبيعية وإنما بجراحةٍ قيصرية. من ناحية، يمكن رؤية أن المسرحية تُصوِّر عالمًا فيه انتقال السلطة في نظامٍ أبوي يُمكن أن يقَع دون اللجوء إلى النساء على الإطلاق؛ عالمٍ بلا أمهات؛ نظامٍ يُمكنه تجنُّب استخدام النساء بمنزلة «وسطاء» في نظامٍ قائم على حق البكورة الأبوية. ومن الناحية الأخرى، تُلِحُّ المسرحية إلحاحًا لافتًا على ذِكر تفصيلات الولادة والفطام؛ أي الجانب المادي المُجسِّد للأمومة.
إن كان كشفُ مَاكْدَف عن ولادته غير الطبيعية يبدو أمرًا نسائيًّا مُثيرًا للفضول في الحبكة، فإنه يُشير إلى صورٍ عديدة سابقة في المسرحية: شبَح الرضيع المتوَّج؛ «طفلٌ خنيق بالولادة، وَضعَته في خندقٍ أمُّه القوَّادة» (الفصل الرابع، المشهد الأول، السطران ٣٠-٣١) الذي وجد سبيله إلى قِدْر الساحرات. والشيء الأبرز هو تصوير الليدي ماكبث على أنها شخص، باعترافها هي ذاتها، يمتلك القدرةَ على ارتكاب أشنع الفعلات وهي قتل الأطفال:
لقد كنتُ يومًا مُرْضعًا وإني لأعرِف
كم جميلٌ أن أُحبَّ الطفل الذي أُرْضِع:
لكنتُ، وهو يبتسم في وجهي،
انتزعتُ حلَمتي من لَثَته الطرية،
وهَشمتُ دماغه …
(الفصل الأول، المشهد السابع، الأسطر ٥٤–٥٨) [ترجمة جبرا إبراهيم جبرا، وهي الترجمة التي اعتمدْنا عليها على نحوٍ أساسي في ترجمة الاقتباسات من المسرحية في هذا القسم، وإن كان ببعض التصرُّف اليسير في بعض المواضع]
إن خطأ الليدي ماكبث هو أنها عندما تتخلَّى عن قُدرتها على الإنجاب؛ سعيًا للاستيلاء على السلطة بالقوة، فإنها بغير قصدٍ تَتنازَل عن القوة الوحيدة التي تملكها. نجدها تتوسَّل إلى «الأرواح التي ترعى خطط القتل والدمار» أن «انزعِي جِنسي عنِّي هنا» (الفصل الأول، المشهد الخامس، السطر ٤٠)؛ أي أن تُخلِّصها مما يُفترَض أنه أضعف وأرهف الخِصال المُميِّزة للنساء، وبخاصة النساء اللواتي هنَّ أُمَّهات؛ ومن ثَمَّ فإنها تصبح مُتَّسِقةً مع الساحرات ذوات اللُّحى، اللواتي ترمز خُنثويتهنَّ إلى أُنوثتهِن المُختلَّة؛ إلى أنوثةٍ متحالفةٍ مع قوى الظلام. بيْد أن الليدي ماكبث وهي تتخلَّى عن الأنوثة السوية، تستحضر صورة لرعاية الأمِّ تتعلَّق بشدَّة بالحياة المنزلية، ومع ذلك لها قُدسية وحُرمة: «كم جميل أن أُحبَّ الطفل الذي أُرْضِع» (الفصل الأول، المشهد السابع، السطر ٥٥). ومع ذلك، فإن هذه الذكرى المتعلقة بالإرضاع هي أيضًا لافتة في هذه الفترة لِسببٍ مُغاير تمامًا، وهو أنَّ النساء الأرستقراطياتِ والميسوراتِ عادةً لم يكُنَّ يُرضِعنَ وإنما كن، مثل الليدي كابيوليت في مسرحية «روميو وجولييت»، يستأجِرنَ مُرضعةً لِتُرضع أطفالهن. ومع أن استئجار أحدٍ للقيام بعملٍ حميميٍّ كهذا هو أَمرٌ غريب جدًّا على الجمهور المُعاصر، فإنه كان مُمارسةً مُعتادة حتى الحرب العالمية الأولى. كان الموضوع مَثارَ جدلٍ في القرن السابع عشر عندما بَدأَت تبرُز الحُجج المُؤيِّدة لإرضاع المرأة لأطفالها. اشتَملَت الأطروحة المُؤثِّرة لرجل الكنيسة ويليام جوج التي تحمل اسم «الواجبات المنزلية» (١٦٢٢) على بابٍ مُطوَّل عن فضائل إرضاع النساء لأبنائهن. وفي العام نفسه نُشِرَت أُطروحة إليزابيث كلينتون «الإرضاع عند كونتيسة لنكولن»، والتي ارتأت أن «إرضاع [النساء] وتغذية أطفالهن من صُدورِهن لَهُو أَمرُ الرب.» أكَّدَت كلينتون أيضًا على الرغبة «الطبيعية» من جانب الأم لإرضاع طفلها: «إن عاطفة الأمِّ شديدةُ الارتباط بمُوجب قانون الطبيعة برضيعها الغَض؛ إذ لا تجِد في نفسها القُدرة على حرمانه من أن يَرضَع من ثديَيها، ولا حتى عندما تكون مُعرَّضةً لخطَر أن تفقد حياتها، جرَّاء هذا الأمر.» النساء اللواتي «يرفُضنَ إرضاع أطفالهن.» «يُخالِفنَ الطبيعة.» وهن «أكثر وحشيةً من الحيَّات.»63 قد تكون الليدي ماكبث، بالطبع، أكثرَ وحشيةً من حيَّة، لكنها قد «أَرضعَت». حُجَّتها القائلة بأنها سوف تقتل دنكَن، إن كانت قد أَقسمَت أن تفعل، تقوم على حقيقة أنها كانت أُمًّا مُثابرة، وابنةً صالحة أيضًا على ما يبدو. ينْبَثِق تورُّعها عن قتل دَنْكَن بنفسها بدلًا من حثِّ زوجها على القيام بالأمر، من الشَّبَه بينه وبين والِدها وهو مُستلقٍ نائمًا في سريره.

عَزمُ الليدي ماكبث على القتل أكثرُ إثارةً للفزَع من الصورة الذهنية التي تستحضِرها الساحرات للبَغيِّ التي تقتُل المولود الذي أَنجبَته في الحُفرة لأنَّ تلك الظروف — على الأقل هذا ما يستطيع المرء تَصوُّره — ربما كانت أخف. في تلك الفترة، كانت النساء بالفعل يرتكبنَ جريمة قتل المواليد؛ إذ كُنَّ يتخلَّين عن رُضَعائهن ويترُكنَهم في العَراء، ولكن السجلَّات القضائية نادرًا ما كانت تُظهِر مستوى العُنف الذي عبَّرَت عنه الليدي ماكبث. شَهِدت فترة أوائل القرن السابع عشر ارتفاعًا حادًّا في المُحاكمات الخاصة بقتل الأطفال، والأَمرُ المُذهِل بنحوٍ خاص بشأن هذه الإحصائيات هو أنها تقترِن بانخفاضٍ في أعمال الاضطهاد المُتعلقة بمُمارسة السحر؛ بعبارةٍ أخرى، كانت الاتهامات تُوجَّه إلى النساء بسبب كونهنَّ أمهاتٍ سيئات وليس بسبب كونهنَّ ساحرات، وهذه تحديدًا هي العلاقة بين هذَين الشكلَين من الانتهاك والإجرام الأُنثويَّين اللذَين يُعالجهما شكسبير في مسرحية «ماكبث».

فعلى الرغم من أنَّ النساء هامشياتٌ فيما يتعلق بتاريخ السلطة الأَبوية، فهُن لا غِنى عنهنَّ من أجل استمراره، وأزمة ماكبث تتمثل في أنه ليس له وريث. كان لليدي ماكبث طفل، ولكن لا تُطلِعنا المسرحية عمَّا حدَث له وما إذا كان قد عاش أم لا. بيْد أن الليدي ماكبث تستخدِم بالفعل ضميرًا للمُذكَّر للإشارة إليه، ««لَثَته الطرية» (الفصل الأول، المشهد السابع، السطر ٥٧). من المُحتمل، إذن، أن تكون عازمةً على قتل وريثٍ للعرش من أجل الاستحواذ على السلطة فيما يتعلق باللحظة الراهنة. تُولي المسرحية اهتمامًا بسِلْسِلة النَّسَب أكبر من ذلك الذي تُوليه للسلطة الراهنة، ويمكن القول إن هذا هو نفسه حال تاريخِ حِقبة أوائل العصر الحديث؛ لأنَّ السلطة الراهنة تُصبح هَشةً حالما لا يكون في استطاعتها تأمينُ استمراريَّتها. هذه القدرة على إنشاء (إعادة إنشاء) السلطة تُشكِّل أيضًا مصدر سلطة بانكو؛ فهو رأس سُلالةٍ من الملوك حتى مع أنه لن يكون هو نفسه ملكًا، وهذا، بالطبع، هو السبب في أنه لا بُدَّ لماكبث أن يعمل على اغتياله. الأمر المهم هو أن فليانس؛ ابنه الصغير، يَهْرُب؛ وهروبه ونجاته يُتيحان في النهاية لجيمس نفسه أن يكون ملكًا مُتوَّجًا على إنجلترا وأيرلندا فضلًا عن اسكتلندا. لا يُوضِّح شكسبير هذا الأمر صراحةً، والسبب في ذلك ببساطة هو أنه ليس بحاجة لأن يفعل؛ فالأمر واضح وضوحًا بديهيًّا في عالم تعتمد فيه السلطة اعتمادًا شديدًا على النَّسَب.

في حين أن مسرحية «ماكبث»، تبعًا لإحدى وجهات النظر، هي عبارة عن مأساة «رجلٍ عظيم» كما وصفها إيه سي برادلي في كتابه «التراجيديا الشكسبيرية» (١٩٠٤)،64 ويعني بذلك أنها قصة بُزوغِ وأُفولِ نجمِ بطلِها الذي تحمل اسمه، الذي هو عبارة عن رجلٍ عظيم له عيبٌ قاتل؛ فهي، من وجهةِ نظرٍ أُخرى، مثل مسرحية «عطيل»، قصة زواجٍ مأساوي؛ وذلك لأنَّ الليدي ماكبث وزوجها يمتلِكان ما تُعَدُّ ميزةً مشكوكًا فيها وهي كونهما أكثرَ زوجَين مُتقاربَين في زواجٍ مُستقرٍّ في أعمال شكسبير. نجد ماكبث يحُثُّ خُطاه إلى البيت لمشاطرة خبر نبوءة الأخوات؛ فزوجته هي شريكته في المؤامرة وموضِع ثقته، ولكن عندما يتسبَّب ضميره في جعله يتردَّد عندما يصل إلى مرحلة اغتيال الملك، نجدها تُحرِّضه على ارتكاب جريمة القتل بطعنها في رجولته: «عندما جرؤت على ذلك، كنت حقًّا رجلًا» (الفصل الأول، المشهد السابع، السطر ٤٩). وبالطبع، فإن البطل في «مأساة الرجل العظيم» يتعيَّن إظهارُه بمظهر العظَمة في بادئ الأمر، قبل الانهيار المأساوي. يُؤسِّس شكسبير لأَمرِ بسالةِ ماكبث من مرحلةٍ مُبكِّرة في المسرحية، في الأنباء التي تَرِد عن المعركة بين قوات الملك والمُتمرِّدِين، الذين يقودهم سيد كَوْدُور الحالي. وحتى قبل ظهوره على خشبة المسرح، يُوصَف ماكبث أولًا وقبل كلِّ شيء باعتباره رجلًا متزوجًا، بأنه عريس إلهة الحرب: «إلى أن جابَهَه عريس بيلونا، مَكسُوًّا بالدروع» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطر ٥٥). قد يبدو هذا الاقتران الأُسطوري للوهلة الأولى زواجًا مختلفًا اختلافًا كبيرًا عن حال زواجه بعيدًا عن أرض المعركة، بيْد أن ثَمَّةَ وجهًا تكون فيه الليدي ماكبث بمنزلة بيلونا المحلية. ومما يُثير الاهتمام أن الإلهة الرومانية هي التصوير القوي الإيجابي الوحيد للأُنوثة في المسرحية، وهي على النقيض من الليدي مَاكْدَف، على سبيل المثال، ليست ضحية ولا أُمًّا، بل أداة لسفك الدماء.

كحال نفوذ الساحرات باعتبارهنَّ تهديدًا للسيادة الشرعية، يتضاءل نفوذ الليدي ماكبث خلال المسرحية مع دُنُوِّ بادرة الترتيب الإلهي واقتراب نهاية الطغيان. بدلًا من ذلك، يُعذِّب الإحساس بالذَّنب الملكة الشيطانية ويُسيطِر عليها الوسواس القَهري بأن تغسل يدَيها من الوصمة الدموية جرَّاء ذنبِ قتلِ دنكن. وقُرب نهاية المسرحية، نعرف أنها قد «قضت على حياتها، بيدَيها العاتيتَين» (الفصل الخامس، المشهد التاسع، السطران ٣٦-٣٧).

في حين كان تركيز المسرحية على الشر والقوى الخارقة للطبيعة ثمرة العديد من الخُرافات المسرحية، فمن المُهمِّ التأكيد على أن السحر كان قضيةً حقيقية ومطروحة في أوروبا في حقبة أوائل العصر الحديث. يُقَدِّر المُؤرِّخون أن ما يُناهِز الستين ألف شخصٍ في أوروبا في حِقبة أوائل العصر الحديث كانوا ضحايا لما يُسمَّى هوَس الساحرات. إن مُعظم ضحايا عمليات الاضطهاد على خلفية السحر كُنَّ نساءً عجائز، كسيحاتٍ، لا حول لهن ولا قوة، وغالبًا ما كُنَّ قد تعرَّضنَ بالفعل للنبذ الاجتماعي، ورغم كونِهنَّ مُهمَّشاتٍ بالمعنى الحرفي للكلمة، فقد أصبحن رمزيًّا محورياتٍ باعتبارهنَّ كَباشَ فداءٍ لمجموعةٍ من الأمراض الاجتماعية والمصائب اليومية. وفي حين أن بعض هؤلاء النساء قد سعَينَ دون شكٍّ إلى تمكين أنفسهن عن طريق مُمارسة السحر الأسود، فإن الغالبية كُنَّ غيرَ مؤذِيات، ومُسِنَّات، ومُعْدِمات. وكان التهديد الذي اعتُبِر أن هؤلاء النساء يُمثِّلنه غيرَ مُتناسبٍ على الإطلاق مع الواقع الاجتماعي؛ فقد أصدر مُقيما الدعاوى على الساحرات الألمانيان هاينريش كرامر وجيمس سبرنجر كتابًا موجزًا باسم «مطرقة الساحرات»، ذاك الذي انتشر في كلِّ أنحاء أوروبا ويتحدَّث بالتفصيل عن السحر لصالح أولئك الذين يُفتِّشون عن الساحرات ويُلاحِقونهن، ولكن بحلول القرن السابع عشر تضاءل الاعتقاد في وجود الساحرات، وبَزغَت نزعةٌ من الشك الصحي حول حقيقة مُمارسة السحر. وكان الكتاب الأبرز في إنجلترا في هذا المجال هو كتاب ريجينالد سكوت «اكتشاف السحر» (١٥٨٤). وقد تحوَّل جيمس نفسه — الذي كان في اسكتلندا مؤمنًا بشدةٍ بفاعلية الشر الذي تبتغي الساحرات إلحاقه بالآخرِين — إلى مُتشكِّكٍ في وقتٍ ما بعدما اعتلى عرش إنجلترا. ويبدو أنَّ النساء اللواتي يُبْحِرن في مَصافٍ قد فقدْنَ سُلطانهن على الملك الجديد.

لا يُنَحِّي شكسبير أبدًا عن ماكبث مسئولية قتل دنكن، ولكن كونه عُرْضة للتأثير الأُنثوي يجعل أفعاله قابلةً للتفسير على الأقل، إن لم تكن أقلَّ جُرمًا؛ فأفعاله ليست شريرةً من أجل الشرِّ نفسه وإنما نتيجة للطموح الذي أَجَّجَته الساحرات وزوجته. إن امتلاكه لضميرٍ يقِظ، وبخاصة في المراحل الأُولى من انحداره في طريق الوحشية — فنجده يَتردَّد بشأن قتْل دنكن ويتطلَّب الأَمرُ إقناعه ودفعه إلى القتل لأنه ليس بالأَمر اليسير عليه — يكشف عن استطاعته فِعلَ أمورٍ أخرى غير الشر؛ فعندما يَهذي ماكبث قائلًا: «أخنجرٌ هذا الذي أرى أمامي [؟]» (الفصل الثاني، المشهد الأول، السطر ٣٣)، يشهد الجمهور ثورة الضمير الذي يُحاول جاهدًا أن يخمدها. يتَّخِذ ماكبث خيارًا مشئومًا باختيار قتل دَنكن، ولكنه يختار أن يستمرَّ في سبيل الشر ذاك بنحوٍ مُستقلٍّ تمامًا عن زوجته والأخوات. والأمر الذي يُثْبِت إدانته بما لا يدَع مجالًا للشكِّ هو أنه يضطلع بالدور الذي يُميِّز حضاريًّا النساء وهو دور قاتل الأطفال، مُغتال «الأطفال» (الفصل الرابع، المشهد الثالث، السطر ٢٠٤)؛ «الأفراخ الجميلة» (الفصل الرابع، المشهد الثالث، السطر ٢١٨)؛ فيشرع في قتل فليانس الصغير ويَأمُر بقتل الليدي ماكدف وابنها الناضِج قبل أوانه. وعند هذه النقطة، لم يعُد ثَمَّةَ نساء ليُلْقَى باللوم عليهن: «لقد خطوتُ في الدمِ، وخُضتُ فيه بعيدًا؛ فحتى لو لم أخُضِ المزيد، لكان النكوص مُرهِقًا كما المُضِي» (الفصل الثالث، المشهد الرابع، الأسطر ١٣٥–١٣٧). إن عدم إمكانية الرجوع عن اختيارٍ شرير، بغضِّ النظر عن المشقَّة الكائنة في القيام به، وعواقبه على الحياة الباطنية للفرد هما السبيلان اللَّذان يُعيد بهما شكسبير الحياة إلى حدثٍ هامٍّ في التاريخ الاسكتلندي، بغض النظر عن الشكِّ في صحة الوقائع الخاصة به؛ فهذا هو التاريخ من داخل قلب الأطراف الفاعلة فيه. ومن هذا المنظور، فإن الاستقامة الأخلاقية وحدَها هي التي يُمكن أن تكفُل حقَّ الملوك في الحكم.

أنطونيو وكليوباترا

على الرغم من أنه منظورٌ غريب على وجهة نظرنا، فيظلُّ من الثابت، من وجهة نظر التسلسُل الهرَمي الإليزابيثي واليعقوبي، أنه ربما كان أعظم إنجاز لشكسبير هو الوضع الاجتماعي الذي أهَّلَه له نجاحه في المسرح وليس وسيلة تحقيقه له؛ فبعد نضال شكسبير لنَيل شعار النَّبالة نيابةً عن والده، كما طالعنا في الفصل الرابع، كان له تجربةٌ شخصية ليس فقط من ناحية التكلفة المالية وإنما أيضًا المؤهِّلات الثقافية التي كانت تتطلَّبها منزلة النبالة المُبيَّنة في كتاب هنري بِيتشام «الرجل النبيل الكامل» (١٦٢٢)، الذي هو بمنزلة دليلٍ لكلِّ الأمور التي يتوجَّب على رجلٍ نبيل حسن الثقافة أن يعرفها. ومن بينها اختبارٌ ثقافي نعرِف أن شكسبير اجتازه بنجاحٍ باهر، وهو القدرة على تحديد ما يمكن أن نُميِّز به كليوباترا؛ وهو «الأفعى»؛ أي الحيَّة التي انتَحرَت بواسطتها.

وممَّا يُثير الاهتمام أن بِيتشام لا يُقدِّم إرشاداتٍ موازية بشأن كيفية التعرُّف على أنطونيو. يرجع هذا إلى أن أنطونيو، من بين النُّبلاء الرومان من العصور الكلاسيكية القديمة المُسجَّلة سيرتهم في كتاب بلوتارخ «تراجم نُبلاء الإغريق والرومان» (الذي ترجمه توماس نورث سنة ١٥٧٩)، والذي هو مصدر شكسبير عن أنطونيو وكليوباترا، لا يُوجَد في سيرته رغم كونها بارزةً أي شيء يمكن اتِّخاذه ليرمُز بوضوحٍ شديد إليه مثلما تملك الملكة المصرية. إن كليوباترا كانت متميزة بنحوٍ ملحوظ ويمكن بسهولةٍ التعرُّف عليها. قد يقول أحدهم إن «لها» صورةً ذهنية، أو إن لدَيها نوعًا ما نزعةً متأصِّلة لأن تُصبِح صورة. في واقع الأمر، إن أحد أشهر المقاطع في مسرحية شكسبير، والمأخوذ مباشرةً من ترجمة نورث، لا ينقل كليوباترا بالطابع الخاص لوصف الفرد — فعلى سبيل المثال، نحن لا نعرِف لَون شعرها أو عينَيها — وإنما كصورةٍ مُتألِّقة لملكةٍ مُتوَّجة يتخطَّى جمالها حتى جمال أكثر التمثيلات المثالية المُتخيَّلة لفينوس في الفن:
أمَّا شخصها،
فقد كان يقصُر عن وصفه كلُّ بيان؛ كانت ترقد في
خيمتها، المُوشَّاة بخيوط الذهب،
فبدَتْ أجمل من فينوس ربَّة الجمال التي أبدعها الخيال
ففاق بها ما تُبدِع الطبيعة.
(الفصل الثاني، المشهد الثاني، الأسطر ٢٠٧–٢١١)65 [ترجمة د. لويس عوض، وهي الترجمة التي اعتمدْنا عليها على نحوٍ أساسي في ترجمة الاقتباسات من المسرحية في هذا القسم، وإن كان ببعض التصرُّف اليسير في بعض المواضع]

عندما يموت أنطونيو قبل كليوباترا في الفصل الرابع، فإن وفاته المُبكرة (على الأقل من ناحية البناء التراجيدي) تُشكِّل تكثيفًا إضافيًّا لقوة الحضور الطاغية بالفعل لكليوباترا؛ ففي استعارةٍ مُناسبة للدلالة على تفوُّقها، نجد فينوس تُخْضِع مارس، وهما الإلهان الوثنيان الأُسطوريان اللَّذان يُشبَّه بهما أنطونيو وكليوباترا.

في قصيدة شكسبير السردية «فينوس وأدونيس» ذات الشعبية الهائلة، التي ترجع إلى عام ١٥٩٣، كانت فينوس قد تفاخَرت بهذا الانتصار وبأنها قد اقتادت مارس، قرينها المسلوب اللُّب، في «سلسلة بلون الورد» (البيت ١١٠)، وفي مسرحية «أنطونيو وكليوباترا»، نجد أنطونيو، الذي يُشبَّه من بداية المسرحية بمارس المُصفَّح («المُدَرَّع») مفتونًا، مثله مثل الجمهور، بمرأى كليوباترا ذات البشرة الداكنة («السمراء في لون النحاس»):66
وقد كانت عيناه الجميلتان تِلكُما،
تبرُقان على حشود الحرب وجنود الوَغى
كأنهما عينا مارس المُدرَّع. فإذا هما الآن كسيرتان،
وإذا هما الآن تنصرِفان بالولاء
والتفاني إلى وجه امرأةٍ سمراءَ في لون النحاس.
(الفصل الأول، المشهد الأول، الأسطر ٢–٦)

لا تُقدِّم كليوباترا — التي تسلُب «العمود الثالث الذي ارتكزت عليه الدنيا» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطر ١٢) قوَّته — استعراضًا للجمال الأُنثوي فحسب، وإنما أيضًا لسُلطان الأُنثى. كان نظير ذلك في إنجلترا في عصر شكسبير هو الصورة المَصوغة بعناية لإليزابيث الأولى التي كانت قد تُوفِّيَت مؤخرًا، سنة ١٦٠٣؛ أي قبل كتابة مسرحية «أنطونيو وكليوباترا» بثلاثة أعوام (التي لم تُطبَع حتى عام ١٦٢٣ في «المطوية الأولى»). كان سلطان إليزابيث قد جُسِّد في الشخصيات المُؤلَّهة جلوريانا، وسيريز، وديانا، وكانت، مثل كليوباترا، بؤرة الاهتمام الفاتنة لرعاياها الإنجليز. ولم تكن إليزابيث وحدَها من اختَبرَت قالب السلطة الأبوية الذي كان يفترض أن السلطة والأُنوثة أمران يستبعِد أحدهما الآخر، وإنما أيضًا فَعلَت ماري تيودور وماري ملكة اسكتلندا. بيْد أن ما حدث نتيجة هذه العوارض التاريخية والبيولوجية — عدد كبير حقًّا من الحُكَّام الإناث في فترةٍ زمنية قصيرة — كان أن النموذج الذكوري قد اتَّسع ليستوعب الملكات الإناث دون إحداث تعديلٍ جوهري في وضع النساء في المجتمع. وبالفعل، استمرَّ ذلك الوضع حتى تغيَّر في المقام الأوَّل نتيجة حدوث تحوُّلات في الأوضاع الاقتصادية.

تحايَلَت إليزابيث على منع النظام الأبوي للحكم الأُنثوي باختيارها للعفَّة الأبدية؛ ومن ثَمَّ تكيَّفَت مع أحد النماذج السائدة للعفَّة الأنثوية. أتاحت لها هذه المُناوَرة الأيديولوجية أن تستأثِر بوفاء رعاياها القديم للتقديس الكاثوليكي للعَذراء المُباركة الذي كان قد فقد مصداقيته في ذلك الوقت، والذي كان قد جسَّد المُفارَقة الإلهية للأُمومة العذراء. استلزم تقديس إليزابيث، الذي تُرجِم إلى رموزٍ وثنية ودنيوية دالَّة على العفَّة والسلطة الأُنثوية، ولاءً من رعاياها حتى إنه كان أشبهَ ما يكون بالحماس الدِّيني. كذلك استَخدمَت التكوين الاستقطابي للصفة النسوية لصالحها. فَهِم هذا البناء الاستقطابي النساء على أنهنَّ «إمَّا» عفيفات «أو» غير عفيفات، مع عدَم الاعتقاد في وجود أمرٍ وسط بين الأَمرَين. ومن ثَمَّ مثلت ماري ملكة اسكتلندا، التي وُصِمَت بأنها عاهرةٌ كاثوليكية، النقيض لطهارة إليزابيث الجنسية التي لا جدال فيها.

لذا، مع أن الإنجليز كانوا على درايةٍ جيدة بمسألة وجود النساء في موضع السلطة، اقتَصرَت معرفتهم المباشرة على ماري، الزوجة الورِعة لملك إسبانيا؛ وماري ملكة اسكتلندا، البغِي المخلوعة، التي انتُزِعت منها السلطة؛ وإليزابيث البالغة العفَّة. إن كليوباترا في مسرحية شكسبير هي، على النقيض من هذه السوابق التاريخية، امرأةٌ ذات سلطةٍ دنيوية «و» جنسيةٍ هائلة. لا يُوجد أي نموذج للنساء في السلطة يُلائم المرأة اللَّعوب، ملكة مصر غير المتزوِّجة، عشيقة يوليوس قيصر، وبطليموس، وبعد ذلك أنطونيو، الأم لأولادٍ من كلٍّ من قيصر وأنطونيو. تنجح كليوباترا في تجسيد النفوذ السياسي المُمتلئ بشهوانيةٍ غير مألوفة، وحتى عندما يصِمها أنطونيو بأنها «البغي التي تقلَّبَت بين أحضان ثلاثة» (الفصل الرابع، المشهد الثاني عشر، السطر ١٣)، لا تحتمل الإهانة التي قد نتوقَّع أنها تُواكب ذلك الدور.

وثَمَّةَ أَمرٌ بالغ الأهمية وهو أن مسرحية «أنطونيو وكليوباترا» لا تدور فقط حول امرأةٍ فاتنة، مُعَقَّدة، بل الأهم من ذلك، أنها مسرحية حول «إلهة». تُشبَّه كليوباترا مرارًا وتكرارًا ليس بفينوس فحسب، وإنما أيضًا بالإلهة المصرية العظيمة إيزيس، بينما تُشَبَّه وصيفة كليوباترا، كارميان، بأسلوبٍ فيه تجديفٌ نوعًا ما بمريم العذراء. كما أشرْنا سابقًا، كان شكسبير قد استكشف الأنوثة المُفرِطة في وقتٍ سابق في مساره المهني في القصيدة السردية «فينوس وأدونيس»، ولكن التجسيد الدرامي للأُنوثة الإلهية المُرتبطة بعِظَم قَدْر كليوباترا، ما تحمله من «الأشواق إلى الخُلْد» (الفصل الخامس، المشهد الثاني، السطر ٢٨٠)، كان يُمثِّل تحدِّيًا أكبر؛ وبالفعل، منذ زوال المسرح الذي يمثل فيه الرجال أدوار النساء، لا شكَّ في أن المُمثِّلِين والمُخرِجِين وجدوا الأمر كذلك. قد يبدو الأَمرُ وكأن التحدي الأكثر إلحاحًا الذي شكَّلَته شخصية كليوباترا على مسرح حِقبة أوائل العصر الحديث هو العثور على ممثلٍ شابٍّ لديه ما يلزم دراميًّا للنجاح في إنجازٍ ليس فقط العاطفة الفتية المُقنِعة التي يتطلَّبها الدور النسائي الرئيسي في مسرحية «روميو وجولييت» وإنما أيضًا المشهد المُغري للغريزة الجنسية الأُنثوية الناضجة وغير المألوفة أمام جمهورٍ ينتمي إلى الحِقبة اليعقوبية وهو الذي ليس على اقتناعٍ تامٍّ بالقدرات الشعورية أو الفكرية للنساء. بيْد أن المسرح الذي يُمثِّل فيه الرجال أدوار النساء ربما يكون، خلافًا لهذا التوقُّع، قد ساعد على تمكين تصوير مثل هذا التعقيد الأُنثوي. تفادت الصفة النسوية، المُكثَّفة عن طريق ارتداء ملابس الجنس الآخر، ببراعةٍ الحاجةَ إلى تشخيصٍ طبيعي. تتعلق المسرحية بالأساس بمرتبةٍ موصوفة وصفًا لا مُتناهيًا، ومذمومة، ومُقدَّسة من الأُنوثة المتَّسِمة بالمُبالغة والتكلُّف، وهي التي ربما لم يكن من الممكن أن يتوفَّر لها مُقوِّمات الوجود دراميًّا إلا في مسرحٍ كلُّ مُمثليه من الذكور وهو ما ينطوي على مُفارقة. السبب في هذا أنه من المُرجَّح أن تضخيم الأنوثة التقليدية البيولوجية على مسرحٍ كلُّ مُمثليه من الذكور كان أكثر معقوليةً مما لو كانت امرأةٌ حقيقية هي التي لعبت الدور.

يتصدى شكسبير، إذن، للمأزق الخاص الذي تُبرِزه الملكة المصرية في مسرحه الذي كُلُّ مُمثليه من الذكور ويستخدمه كأداة لتقديم ليس مجرَّد امرأةٍ بشرية وإنما امرأة بمقوماتٍ إلهية. إنه ينطلق من فرضية أن خشبة المسرح التي كلُّ مُمثليها من الذكور لا تُشكِّل قيدًا وإنما أداة تمكين، بل إنه حتى يمكن القول إنها هيكلٌ ضروري لتصوير الأُنوثة الإلهية. فضلًا عن ذلك، فإنه يجعل كليوباترا نفسها هي التي تنزع أي شكٍّ من صدور الجمهور بشأن قُدرة المُمثل الذكر الذي يلعب دورها على القيام بالدور كما ينبغي:
يُمثِّل أشخاصنا في الملاهي المُمثِّلون المَهَرة
ويرتجلون فينا النكات ويُصوِّرون
مآدب الإسكندرية، فيُظهِرون أنطونيو
على المسرح سكران؛ ويمثل
غلامٌ حادُّ الصوت كليوباترا
العظيمة في هيئة بغِي.
(الفصل الخامس، المشهد الثاني، الأسطر ٢١٥–٢٢٠)
مما لا شكَّ فيه أن مخاوف كليوباترا بشأن إساءة التجسيد المُضحكة، في سياق مسرح أوائل العصر الحديث والممارسة الراسخة فيه المُتعلِّقة بتمثيل أدوار النساء، لَهي مخاوفُ لها أساس؛ فكلَّما كان المُعاصرون يشتَكون بشأن تجسيد النساء، لم يكن قصور المظهر الأُنثوي من جانب فتيان المُمثِّلِين هو ما كانوا يُعلقون عليه وإنما القصور الصوتي؛ كتقطُّع الأصوات أو انخفاضها أكثر ممَّا ينبغي؛ ومن ثَمَّ، فإنه عندما يصِل المُمثلون إلى إلسينور، نجد أن ما يشغل هاملت هو جودة صوت الصَّبي الذي يُؤدِّي دَور امرأة والذي كبِر كثيرًا منذ رآه آخر مرة لدرجة أن صوته ربما يكون قد تقطع: «أرجو ألا يكون صوتك … قد تصدَّع كعملةٍ ذهبية ضاعت قيمتها» (الفصل الثاني، المشهد الثاني، السطران ٤٢٦-٤٢٧).67 من الأهمية بمكانٍ الإشارة إلى أن كليوباترا لا تستخدِم كلمة boy (غلام) في الاستشهاد السابق كاسم، بل كفِعل، كما في قول to boy greatness (أن تستصغر العظمة)؛ بمعنى أن المقاييس المُقتضَبة لصفات الرجولة اليافِعة غير قادرة على بسط مداها الفني ليصِل إلى أبعد من كوميديا مُبتذَلةٍ عن بغِي.68
وبالطبع لم يكن تجسيد أُنوثة كليوباترا الإلهية سوى مشكلةٍ واحدة مُثارة من المشكلات المتعلقة بتجسيد الشخصيات التي واجهها مسرح أوائل العصر الحديث؛ ففي مسرحية «هنري الخامس»، يُواجه شكسبير صعوبةً في تصويرِ حرارةِ وَطيس المعركة داخل حدود المسرح «الخشبي المُستدير» (المقدِّمة، السطر ١٣).69 تتقلَّص بالضرورة مقادير الواقع المادي في المسرح، الذي يفتقر، كما ينبغي له أن يفعل، إلى القُدرات التقنيَّة على توصيل القصة التي يَحكيها بإقناعٍ يتَّسِم بالمُحاكاة بأي وسيطٍ آخر سوى اللغة. تتطلَّب مسرحية «أنطونيو وكليوباترا»، التي تتجاوز بكثير «ميادين فرنسا المُترامية الأطراف» (مسرحية «هنري الخامس»، المقدمة، السطر ١٢)، في تحدٍّ لكل قواعد المُلاءمة الكلاسيكية، ملحمةً لم يسبِق لها مثيل، مُتَّسعًا بانوراميًّا في تصوير الإقليم الرُّوماني من مركزه إلى الامتدادات الشاسعة لمُحيطه المصري، «النطاق الواسع للإمبراطورية المترامية الأطراف» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطران ٣٤-٣٥). ومن أجل استيعاب هذا النطاق الإقليمي، أنشأ شكسبير بناءً دراميًّا يتَّسم بتغييراتٍ سريعة في مشاهده الثلاثة والأربعين: ثلاثة عشر مشهدًا في الفصل الثالث وخمسة عشر مشهدًا في الفصل الرابع، على سبيل المثال.

فيما يتعلق بالتاريخ السياسي للإمبراطورية الرومانية، تحذو المسرحية حذو مسرحية «يوليوس قيصر» في تناوُل حِقبة الحروب الأهلية الرومانية؛ أي الحقبة التالية لموت قيصر ولكن السابقة على إقامة الإمبراطورية الرومانية تحت حكم أغسطس، الذي كان يُعرَف سابقًا باسم أوكتافيوس قيصر. يحكم أعضاء الحكومة الثلاثية؛ أنطونيو، وأوكتافيوس، ولِبيدوس، الإمبراطورية في ذلك الوقت، على الرغم من أن بومبي، ابن الغريم السابق لقيصر المُتوفَّى، يُهدِّد حاليًّا حكومتهم. تُظهِر المسرحية أنطونيو في «صَبابته» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطر ١)؛ أي في مَخاض عشقه الجامح للملكة المصرية بينما تظلُّ زوجته، فولفيا، في روما. يُمكن تلخيص الحبكة في أنها المعركة بين مُثُل الوسطية، والاعتدال، والبسالة الذكورية الرومانية من جهة وعالم المُتعة والشهوانية النشوانة الأُنثوي المصري من الجهة الأخرى. تكشف كليوباترا عن أن أنطونيو في لحظاتهما الحميمية ارتدى ملابسها، «مئزري وردائي» (الفصل الثاني، المشهد الخامس، السطر ٢٢)، وأنها اتَّشحَت بعَتاده العسكري: «حُسامه الذي يدعوه فيليبان» (الفصل الثاني، المشهد الخامس، السطر ٢٣). إن أنطونيو، بالطبع، ليس أول من سقط فريسةً لاستئثار كليوباترا بقوَّة عضو التذكير المرموز إليه بالسيف: «لقد جَعلتُ قيصر العظيم يُلقي حُسامه على الفراش» (الفصل الثاني، المشهد الثاني، السطر ٢٣٨). بيد أن أنطونيو لا يستطيع أن يتعافى ويجد نفسه مُنغمِسًا في علاقته الجنسية معها: «ألا فلتذُب روما في نهر التيبر» (الفصل الأول، المشهد الأول، السطر ٣٤). يتَّهِمه زميلاه في عضوية الحكومة الثلاثية بإهمال واجباته. غير أن أنطونيو يخوض أيضًا حربًا مع نفسه؛ فهو يعرِف أنه «حتمٌ عليَّ أن أخرج من حبائل هذه الملكة الساحرة» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطر ١٣٥)؛ لذلك، فهو أيضًا بطريقةٍ ما في حالة حربٍ مع كليوباترا. إنه «يميل إلى المرَح»، ويستمتع بسعادةٍ بمُصاحبة حبيبته، إلى أن «بدأ فجأةً في التفكير في روما» (الفصل الأول، المشهد الثاني، السطران ٨٧-٨٨). في روما يُوجَد الواجب بينما «في الشرق أجد مُتعتي ونعيمي» (الفصل الثاني، المشهد الثالث، السطر ٣٩).

عندما تموت فولفيا، يعود أنطونيو إلى روما. ويُعَدُّ تعبير كليوباترا عن الفقد واحدًا من أكثر التعبيرات المُحرِّكة للمشاعر في الأدب: «وا أسفاه، إن ذاكرتي تهجُرني كما فعل بي أنطونيو» (الفصل الأول، المشهد الثالث، السطر ٩٢). ما يُثير جزَع كليوباترا هو أنَّ أنطونيو في الوقت الذي كان فيه بعيدًا عنها، تزوَّج من أوكتافيا؛ أخت أوكتافيوس قيصر. ومع ذلك فحتى هذا لا يمكن أن يُقْعِده عن مصر وعن كليوباترا، التي هو مُتوَّج معها الآن حاكمًا مشتركًا للإمبراطورية الشرقية. شكَّل اتحاد القادة الثلاثة منهم أيضًا ملوكًا بسلطانٍ أدنى. يشتبك أوكتافيوس، الذي يُثير هذا الأمر سُخطه، مع أنطونيو في معركةٍ بحرية عند أكتيوم، ولكن كليوباترا تدور بسُفنها في لحظةٍ حاسمة وتُبحِر مُبتعدةً، تاركةً أنطونيو ليقاتل وحيدًا. وبجُبن، يتبَعها «مثل ذَكرِ بطةٍ برية مُتيَّم بالعشق» (الفصل الثالث، المشهد العاشر، السطر ٢٠). حتى إينوباربوس؛ قائم مقام أنطونيو المؤتمَن، عندما يُدرك حالته المُستعصية، ينشَقُّ وينضم إلى أوكتافيوس الذي يدحَر أنطونيو. ومع ذلك، وفي دلالةٍ هامة، لا تحين هزيمته إلا بعد أن كان بالفعل قد سلَّم مختارًا نفسه الرومانية؛ العقلانية، والعسكرية، والتي تتَّسِم بحسِّ الواجب، لِغواية كليوباترا الجنسية التي تنزِع عنه رجولته. تلجأ كليوباترا إلى معبدها وتبعث بخبرٍ (كاذب) إلى أنطونيو مَفادُه أنها لقِيَت حتفَها.

في هذه المرحلة من المسرحية، ينخرِط أنطونيو انخراطًا تامًّا في عالم الأسطورة بدلًا من عالم التاريخ الروماني، الذي سعي جاهدًا حتى هذه اللحظة إلى الاعتصام به. يتخيَّل أنطونيو الموت طقوسَ زواجٍ ويتخيَّل نفسَه عريسًا مُشتاقًا، يسعى «إلى فِراش عروسه» (الفصل الرابع، المشهد الرابع عشر، السطران ١٠١-١٠٢). وفي إعادة النظر التي يُقدِّمها أنطونيو لأسطورة الملكة الأفريقية، ديدو، والمُحارب الطروادي إنياس، الذي هجرها، نرى الثنائي الشهير الآن وقد اجتمع، على ما يبدو، شملُهما بسعادة ويجوبان الحقول الإليزية معًا، وهو الحال الذي لم يكونا عليه أبدًا في ملحمة فرجيل (التي يظلَّان بنحوٍ صريح فيها بلا وفاق):70
إني قادمٌ يا مَليكتي […] انتظريني.
حيث تفترِش الأرواحُ الرَّياحين، هناك نخطُر معًا
في سعادة وبهاء فتَشخَص إلينا الأشباح الأخرى.
وينفضُّ الجميع من حول ديدو وحبيبها إنياس،
وسيكون المأوى كله لنا.
(الفصل الرابع، المشهد الرابع عشر، الأسطر ٥٠–٥٥)

إن تخيُّل أنطونيو المُنتحَل من فرجيل عن الحياة الأُخرى هو تخيُّل تُنقَل فيه بحبوحة عيش ورفاهية مصر إلى عالمٍ بلا جاذبية، «حيث تفترش الأرواح الرياحين» وحيث يُصبحان فيه، وهما يخطوان برشاقةٍ عبر المروج الإليزية («المأوى»)، محطَّ الأنظار بطريقةٍ كانت، في الوجود الدُّنيوي، حكرًا على كليوباترا دون سواها. يُشير تلاعُب شكسبير اللفظي بكلمتَي «أشباح» و«مأوى» (ملجأ) كذلك إلى نُسختَين أثيريَّتَين من نفسَيهما غير مُثقلتَين بالضغوط الثقال للوجود المادي. ومن الملائم تمامًا أن تختلف أسطورة أنطونيو عن أسطورة فرجيل، الذي كان الشاعر الرسمي لنظام الإمبراطور أغسطس الروماني، كما كان يعرف المُثقَّفون من جمهور شكسبير. وهكذا، فإن أنطونيو حتى وهو في مَخاض موته يربط مصيره بكليوباترا والأُسطورة ويُدير ظهره للتاريخ ولروما؛ فقد اكتمل الآن تحوُّلُه إلى قرين الإلهة.

حينما يخِر أنطونيو ساقطًا على سيفه، بطريقةٍ رومانية، فإن مشهد النهاية الخاص به في الفصل الرابع، مع ذلك، ليس بمشهدٍ مشين؛ فهو يُنهي حياته، بعد أن يُؤتَى به إلى المعبد ليموت بين أحضان كليوباترا، وهو عاشقٌ كبير ومحاربٌ عظيم. لا تتبرهن منزلته عند الموت بشهادته هو فحسب؛ «رومانيٌّ أنا قَهرَني روماني، فسَقطتُ سقوط الأبطال» (الفصل الرابع، المشهد الخامس عشر، السطران ٥٩-٦٠)، بل أيضًا بشهادة الحُرَّاس الذين كانوا حوله: «لقد هَوى النجم» (الفصل الرابع، المشهد الرابع عشر، السطر ١٠٧). إن تخصيص الفصل الخامس لكليوباترا — التي تنتحِر بوضع الأفعى السامَّة، التي تنطوي على دلالةٍ رمزية، على صدرِها قبل أن يصِل أوكتافيوس ليأمُر بأن يُدفن العاشقان معًا — يدُلُّ على أن تركيز شكسبير في المأساة العاطفية مُنصبٌّ على شخصيته الأُنثوية (وهو الأمر الواضح بجلاءٍ أكبر حتى ممَّا عليه الحال في مسرحية «روميو وجولييت»).

على الرغم من أنَّ عاطفة أنطونيو وكليوباترا هي عاطفةٌ تنطوي على علاقةٍ آثمة تنتهي بانتحار كليهما، فإن علاقتهما لا تزال العلاقة الباقية الأنجح في الأعمال التراجيدية لشكسبير. يحذو نصُّ شكسبير بعناية حَذْو نصِّ نورث، ومع ذلك، في تغييرٍ هام عن قصة بلوتارخ — التي فيها تموت فولفيا ويكون أنطونيو قد تزوَّج ثانيةً بالفعل عندما يشرع في علاقته مع كليوباترا — يُغيِّر شكسبير تسلسُل الأحداث ليجعل موت فولفيا وزواج أنطونيو من أوكتافيا بمنزلة أزمةٍ درامية في علاقته بكليوباترا. وهذا أمر بالغ الأهمية في البرهنة على أن المحارب أنطونيو يتَّسِم بالتقلُّب تمامًا مثل كليوباترا. لكنها، رغم تقلُّبات سلوكها، مُخلصة وصادقة في حُبِّها لأنطونيو؛ لذلك عندما يشكو أنطونيو في معركة أكتيوم قائلًا: «لقد خَدعَتني كغجريةٍ أصيلة، ولعِبَت بي حتى انتهيتُ إلى دمارٍ ليس بعده من دمار» (الفصل الرابع، المشهد الثاني عشر، السطران ٢٨-٢٩)، لا يملك المرء إلَّا أن يشعُر بأنه رغم كونه «العمود الثالث الذي ارتَكزَت عليه الدنيا»، لا يملك حُججًا وجيهة تدعم موقِفَه.

انتهاء المسرحية بموت كليوباترا وليس بأنطونيو يتبع المسار الأُسطوري وليس القواعد التقليدية المعروفة للبناء التراجيدي، التي تستلزم انتهاء أجل البطل في الفصل الأخير. ولأن شكسبير، كما سبق أن أشرْنا، لا يألو جهدًا في التشديد طَوالَ المسرحية على أن كليوباترا هي تجسيد إيزيس؛ إلهة القمر المصرية، التي تكتسي كليوباترا بثيابٍ تُحاكي شخصيتها «ثياب الربَّة إيزيس» (الفصل الثالث، المشهد السادس، السطر ١٧)، فإن بقاءَها حتى الفصل الأخير مُتَّسقٌ مع أسطورة هذه الإلهة؛ ففي الأسطورة المصرية، استعادت إيزيس الجسد المُقطَّع لشقيقها التوءم وحبيبها، أوزوريس. كانت قصَّتُهما قد تُرجِمَت على يد فليمون هولاند سنة ١٦٠٣ نقلًا عن كتاب بلوتارخ «الأخلاق»؛ لذا فإنَّ هُوية إلهة كليوباترا هي الهُوية التي يمكن لكليوباترا أن تُجسِّد فيها جميع أشكال التناقُضات. على سبيل المثال، على الرغم من أنها تُصاب بحَرْقٍ شَمسِي وتشيخ «أنا التي، على يد عاشقي فيبوس اسوَدَّ جسدي، وحُفِرَت فيه أخاديدُ الزمن العميقة» (الفصل الأول، المشهد الخامس، السطران ٢٩-٣٠)، في عالم لم يكن يُقَدِّر إلَّا الشباب المُكتسِي ببشرةٍ بيضاء، فلا يزال صحيحًا أنها «امرأةٌ لا تُبلي نضارتَها السنون، ولا يَنفَد لها فنٌّ فيعافها العاشق» (الفصل الثاني، المشهد الثاني، السطران ٢٤٥-٢٤٦). إن طبيعتها الأُفعوانية المُلتوية هي طبيعةٌ مُتحدةٌ مع طبيعة الإلهة: «حيَّة النيل العريق الخاصة بي» (الفصل الأول، المشهد الخامس، السطر ٢٦)، وحتى حينما تكون «شهوانية» (مُستثارة أو منحلَّة جنسيًّا)، فإنها تكون مُباركة من قِبَل «الكهنة الصالحِين» (الفصل الثاني، المشهد الثاني، السطران ٢٤٩-٢٥٠). ليس الأمر، إذن، أن النُّعوت التي تنطوي على كراهيةٍ للنساء لا تنطبق عليها؛ على العكس، فهي تُذَم بأنها مثل «غَجَرية» (الفصل الرابع، المشهد الثاني عشر، السطر ٢٨)، و«ذاتُ سحرٍ فتَّاك» (الفصل الرابع، المشهد الثاني عشر، السطر ٢٥)، و«عاهرة» (الفصل الثالث، المشهد السادس، السطر ٩٧)، و«بغِي» (الفصل الرابع، المشهد الثاني عشر، السطر ١٣)، و«مُتقلِّبة» (الفصل الثالث، المشهد الثالث عشر، السطر ١١٥)، و«دنَس» (الفصل الثالث، المشهد الثالث عشر، السطر ١١٨)، بل بأنها مثل فضَلات الطعام: «كاللُّقمة الباردة على مائدة قيصر القتيل» (الفصل الثالث، المشهد الثالث عشر، السطران ١٢١-١٢٢)، ولكن في جوار النيل، حيث السيادة لإيزيس، الذي فيه يُفَرَّق جسد أوزوريس، فإن هذا الطين لا يعلَق. تبقى كليوباترا الخاصة بمسرحية شكسبير «بلا نظير» (الفصل الخامس، المشهد الثاني، السطر ٣١٥).

هوامش

(1) All references from Romeo and Juliet are from William Shakespeare, Romeo and Juliet: Texts and Contexts, ed. Dympna Callaghan (Boston: Bedford/St. Martin’s, 2003).
(2) Reproduced in Callaghan, ed. Romeo and Juliet, pp. 296-7.
(3) See, for example, Harry Levin, “Form and Formality in Romeo and Juliet,” in Shakespeare and the Revolution of the Times (New York: Oxford University Press, 1976), pp. 103–20.
(4) Callaghan, ed., Romeo and Juliet, 313-14.
(5) Susan Snyder, The Comic Matrix of Shakespeare’s Tragedies (Princeton: Princeton University Press, 1979), pp. 56–70.
(6) See Callaghan, ed., Romeo and Juliet, pp. 196–8.
(7) See Dympna Callaghan, “Marlowe’s Last Poem,” in Marlowe the Craftsman, ed. M.L. Stapleton and Sarah Scott (Aldershot: Ashgate, 2010), pp. 159–78.
(8) See Jill L. Levenson, Shakespeare in Performance: Romeo and Juliet (Manchester: Manchester University Press, 1987), pp. 17-18.
(9) Ben Jonson, “On My First Son,” in Richard Dutton, ed., Epigrams; and, The Forest (New York: Routledge, 2003).
(10) Quoted in Richard Harp and Stanley Stewart, The Cambridge Companion to Ben Jonson (Cambridge: Cambridge University Press, 2000), p. 2.
(11) Quoted in Harp and Stewart, Ben Jonson, p. 2.
(12) David Riggs, Ben Jonson: A Life (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1989), p. 97.
(13) All references to Hamlet are from William Shakespeare, Hamlet: The Texts of 1603 and 1623, ed. Ann Thompson and Neil Taylor (London: Arden Shakespeare, 2006).
(14) See Stephen Greenblatt, Will in the World: How Shakespeare Became Shakespeare (New York: Norton, 2004), p. 311.
(15) Stephen Greenblatt, Hamlet in Purgatory (Princeton: Princeton University Press, 2001), p. 241; Michael Neill, Issues of Death (New York: Oxford University Press, 1997), p. 244.
(16) Excerpted from Romeo and Juliet: Texts and Contexts, ed. Dympna Callaghan (New York: Bedford/St. Martin’s 2003), p. 437.
(17) Samuel Schoenbaum, William Shakespeare: A Documentary Life (Oxford: Oxford University Press, 1975), p. 250.
(18) Susan Zimmerman, The Early Modern Corpse and Shakespeare’s Theatre (Edinburgh: Edinburgh University Press, 2005), p. 18.
(19) Book of Common Prayer (1559), excerpted from Callaghan, Romeo and Juliet, p. 430.
(20) Book of Common Prayer (1559), excerpted from Callaghan, Romeo and Juliet, p. 430.
(21) Quoted in Callaghan, Romeo and Juliet, p. 430.
(22) Quoted in Callaghan, Romeo and Juliet, p. 430.
(23) This was Ben Jonson’s disparaging remark about Pericles.
(24) John Kerrigan, Revenge Tragedy: Aeschylus to Armageddon (Oxford: Clarendon Press, 1996), p. 15.
(25) See Michael Neill’s observations on the cemetery as a location, “at once a place of oblivion and a site of memory” (Issues of Death, p. 234).
(26) John Jowett, Shakespeare and Text (New York: Oxford University Press, 2007), p. 97.
(27) For a thorough account of the textual issues see Thompson and Taylor, Hamlet, pp. 74–91.
(28) These stories were published over a period of time, but 1570 is probably the date of the one that bears upon Hamlet.
(29) See Samuel Schoenbaum, Shakespeare: A Compact Documentary Life (New York: Oxford University Press, 1987), pp. 236-7.
(30) Michael Neill, ed., Othello (Oxford: Oxford University Press, 2006), p. 2. Some scholars suggest that the later date, 1604, is probably more accurate on grounds that Shakespeare seems to have read Richard Knolles, History of the Turks, which was not published until 1603.
(31) All references to Othello are from William Shakespeare, Othello, ed. E.A.J. Honigmann (Walton-on-Thames: Thomas Nelson and Sons, 1997).
(32) William Gouge, Of Domesticall Duties (London, 1622) STC/12119, p. 188.
(33) John Stockwood, A Bartholmew Fairing for Parentes, to Bestow upon Their Sonnes and Daughters, and for One Friend to Give unto Another: Shevving that Children are Not to Marie, Without the Consent of their Parentes, in Whose Povver and Choise it Lieth to Provide Wives and Husbandes for Their Sonnes and Daughters (London, 1589) STC/23277, title page.
(34) Quoted in Dympna Callaghan, ed., Romeo and Juliet: Texts and Contexts (Boston: Bedford/St. Martin’s, 2003), p. 271.
(35) Thomas Rymer, A Short View of Tragedy (London, 1693) Wing/R2429, p. 135.
(36) Rymer, Short View, pp. 140, 145.
(37) Dympna Callaghan, “Looking Well to Linens: Women and Cultural Production in Othello and Shakespeare’s England,” in Jean Howard and Scott Shershow, eds, Marxist Shakespeares (New York: Routledge, 2001), p. 59.
(38) Gouge, Domesticall Duties, p. 160. See also David Schalkwyk, Shakespeare, Love and Service (Cambridge: Cambridge University Press, 2008), pp. 245–61. For full-length studies of servitude, see Mark Thornton Burnett, Masters and Servants in English Renaissance Drama and Culture: Authority and Obedience (New York: St Martin’s Press, 1997) and David Evett, Discourses of Service in Shakespeare’s England (New York: Palgrave Macmillan, 2005).
(39) See Frances E. Dolan, Dangerous Familiars: Representations of Domestic Crime in England, 1550–1700 (Ithaca: Cornell University Press, 1994), p. 67.
(40) Honigmann, Othello, p. 34.
(41) Samuel Taylor Coleridge, Lectures and Notes on Shakspere and Other English Poets (London: 1883), p. 386.
(42) William Shakespeare, Hamlet: The Texts of 1603 and 1623, ed. Ann Thompson and Neil Taylor (London: Arden Shakespeare, 2006).
(43) William Shakespeare, Sonnet 144, in Katherine Duncan-Jones, ed., Shakespeare’s Sonnets: The Arden Shakespeare (London: Methuen Drama, 2010).
(44) See Dympna Callaghan, “Othello was a White Man: Properties of Race on Shakespeare’s Stage,” in Dympna Callaghan, ed., Shakespeare Without Women: Representing Gender and Race on the Renaissance Stage (New York: Routledge, 2000), pp. 75–96.
(45) See Samuel Schoenbaum, William Shakespeare: A Documentary Life (Oxford: Oxford University Press, 1975), p. 26.
(46) Laurie Maguire points out that the anachronism of having a godparent in a pre-Christian play is typically Shakespearean: Shakespeare’s Names (New York: Oxford University Press, 207) 189, fn. 25. All references to King Lear are from William Shakespeare, The Arden Shakespeare: King Lear, ed. R.A. Foakes (London: Thomas Nelson and Sons, 1997).
(47) For a fuller discussion of absent mothers more generally, see Mary Beth Rose, “Where Are the Mothers in Shakespeare? Options for Gender Representation in the English Renaissance,” Shakespeare Quarterly 42. 3 (1991): 291–314.
(48) See Kay Stanton, “Made to Write Whore Upon? Male and Female Use of the Word ‘Whore’ in Shakespeare’s Canon,” ed. Dympna C. Callaghan, The Feminist Companion to Shakespeare (Oxford: Blackwell, 2000), pp. 91-2.
(49) H.R. Woudhuysen, Samuel Johnson on Shakespeare (London: Penguin, 1989), p. 222.
(50) See Catherine Belsey, Why Shakespeare? (New York: Palgrave, 2007).
(51) Janet Adelman points out that Lear fantasizes that his daughters are bastards in an attempt to separate himself from them but that he ultimately cannot sustain the fantasy. See Suffocating Mothers: Fantasies of Maternal Origin in Shakespeare’s Plays, Hamlet to The Tempest (New York: Routledge, 1992), p. 109.
(52) Joseph Swetnam, The Araignment of Lewde, Idle, Forward, and Unconstant Women: Or the Vanitie of Them, Choose You Whether (London: STC/23533), p. 16.
(53) See Frances E. Dolan, Dangerous Familiars: Representations of Domestic Crime in England: 1550–1700 (Ithaca: Cornell University Press, 1994), p. 12 on Lear’s attempt to displace responsibility for familial disorder onto demonic agents.
(54) Ovid’s Elegies in The Complete Works of Christopher Marlowe, ed. Fredson Bowers, 2 vols. (1973; Cambridge University Press, 1981).
(55) On the striking differences between the two texts in relation to the death of Cordelia see John Jowett, Shakespeare and Text (Oxford: Oxford University Press, 2007), p. 3.
(56) Stephen Greenblatt et al., eds, The Norton Shakespeare 2nd edn (New York: W.W. Norton, 2008), p. 2326.
(57) M.C. Bradbrook, Shakespeare: The Poet in His World (New York: Columbia University Press, 1978), p. 181.
(58) Stephen Orgel, The Illusion of Power: Political Theater in the English Renaissance (Berkeley: University of California Press, 1975), p. 38.
(59) E.K. Chambers, The Elizabethan Stage (Oxford: The Clarendon Press, 1974), Vol. 2, pp. 208-9.
(60) The evidence for Shakespeare’s role in Jonson’s play survives in the list of actors that was published in Jonson, The Workes (1616).
(61) John Chamberlain, The Letters of John Chamberlain, ed. Norman Egbert McClure, 2 vols (Philadelphia: American Philosophical Society, 1939), Vol. 1, p. 199.
(62) All references to Macbeth are from William Shakespeare, Macbeth: The Arden Shakespeare, ed. Kenneth Muir (Walton-on-Thames, Surrey: Thomas Nelson and Sons, 1997).
(63) Elizabeth (Knyvett) Clinton, Countess of Lincoln, From The Countess of Lincoln’s Nurserie (Oxford: 1622).
(64) A.C. Bradley, Shakespearean Tragedy: Lectures on Hamlet, Othello, King Lear, Macbeth (London: Macmillan, 1904). p. 377.
(65) All references to Antony and Cleopatra are from William Shakespeare, Antony and Cleopatra: The Arden Shakespeare, ed. John Wilders (London: Routledge, 1995).
(66) William Shakespeare, Shakespeare’s Poems: Venus and Adonis, The Rape of Lucrece and the Shorter Poems, ed., Katherine Duncan-Jones and H.R. Woudhuysen (London: Arden Shakespeare, 2007).
(67) William Shakespeare, Hamlet: The Texts of 1603 and 1623, ed. Ann Thompson and Neil Taylor (London: Arden Shakespeare, 2006).
(68) See Juliet Dusinberre, “Squeaking Cleopatras: Gender and Performance in Antony and Cleopatra,” in James C. Bulman, ed., Shakespeare, Theory, and Performance (New York: Routledge, 1996).
(69) William Shakespeare, King Henry V: The Arden Shakespeare, ed. T.W. Craik (London: Routledge, 1995).
(70) See Wilders, Antony and Cleopatra, p. 67; and Laurie Maguire, Helen of Troy: From Homer to Hollywood (Oxford: Wiley-Blackwell, 2009), p. 30.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠