الفصل الثالث

سباق الخيل والروليت

أتحوَّلُ الآن إلى الحالة التي تتألف فيها القوائم من عناصر احتمالية، مثل «١٠٠ دولار إذا فاز الأحمر»، و«الأفوكادو إذا فاز بيجاسوس بالدربي». في الحالة الأولى، والتي تُمثَّل بالروليت، يتم إعطاء احتمالات، بينما في الحالة الثانية، وتُمثَّل بسباق الخيل، لا بد من استنتاج الاحتمالات.

(١) الموقف

تتمثل «احتمالية» نتيجةٍ ما في رقم يتراوح بين صفر و١، يقيس مدى أرجحية حدوث النتيجة، وكلما ارتفعت الاحتمالية كان حدوث النتيجة أكثر ترجيحًا. وعند الحدود القصوى، تشير احتمالية قدرها صفر ضمنًا إلى استحالة وقوع النتيجة، بينما تشير احتمالية قدرها ١ ضمنًا إلى اليقين. وللاحتمالات ثلاث خصائص أساسية؛ أولًا: الاحتمالات الخاصة بجميع النتائج الممكنة مجموعها ١. وعلى ذلك، إذا كانت جميع الفتحات في عجلة روليت تحتوي على ٣٦ فتحة لها مقدار الاحتمالية نفسه، فإن احتمالية استقرار الكرة عند أي رقمٍ تُساوي ١ / ٣٦. ثانيًا: إذا استحال وقوع نتيجتين معًا، فإن احتمالية وقوعهما تُساوي مجموع احتمال وقوع كلٍّ منهما بشكل منفرد. وعلى هذا، فإن احتمالية استقرار الكرة عند الرقم ٧ أو ١٢ تُساوي ٢ / ٣٦. وباستخدام هذه الخاصية بشكل متكرر، تكون احتمالية استقرار الكرة على رقم زوجي هي ١٨ / ٣٦ أو ٠٫٥. ثالثًا: احتمالية وقوع نتيجتين منفصلتين تباعًا هي ناتج احتمالات وقوع كلٍّ منهما. وعليه، تكون احتمالية استقرار الكرة على رقم زوجي مرتين على التوالي هي ٠٫٥ × ٠٫٥ أو ٠٫٢٥.

تُسمى عناصر القائمة في ظل الشك رهانات. و«رهان الاحتمالية» هو عبارة عن قائمة بالجوائز المحتملة ملحقٍ بكلٍّ منها احتماليةٌ. بالطبع لا بد أن يكون مجموع هذه الاحتمالات ١. مثال على ذلك القول: «١٠٠ دولار باحتمالية ٠٫٥، ولا شيء باحتمالية ٠٫٥»، أو بشكل مساوٍ: «١٠٠ دولار باحتمالية ٠٫٥، ولا شيء خلاف ذلك». ثمة مثال آخر هو: «لا شيء باحتمالية ٠٫٥، واللحم المقدد باحتمالية ٠٫٢٥، والجبن خلاف ذلك». ويمكننا كتابة هذين الرهانين، لنَقُل (س) و(ص) على النحو التالي:

١٠٠ دولار باحتمالية ٠٫٥، ولا شيء باحتمالية ٠٫٥.

و:

لا شيء باحتمالية ٠٫٥، واللحم المقدد باحتمالية ٠٫٢٥، والجبن خلاف ذلك.

على التوالي.

قد تتخيل أن نتائج الرهانات تتحدد بواسطة شخص خلْف الكواليس يقوم بتدوير عجلة روليت. فإذا كنت قد اخترت الرهان (س) واستقرَّت الكرة على رقم زوجي، تحصل على ١٠٠ دولار؛ وإذا استقرت على رقم فردي، فلا تحصل على شيء. أما إذا وقع اختيارك على الرهان (ص)، واستقرت الكرة على رقم في النطاق ما بين ١ إلى ١٨، تحصل على «الأفوكادو»؛ وإذا استقرت على رقم في النطاق ما بين ١٩ إلى ٢٧، تحصل على «اللحم المقدد»؛ وإذا استقرت على رقم في النطاق ما بين ٢٨ إلى ٣٦، تحصل على «الجبن».

سيكون من الملائم اعتبار القول «الأفوكادو باحتمالية قدرها ١» — والذي ستكون تسميته ببساطة «الأفوكادو» أمرًا أكثر طبيعية — رهانًا، وهو رهان يدعى «رهانًا محدد القيمة». كذلك قد تكون جوائز الرهان في حد ذاتها رهانات. والمثال على هذا الرهان، الذي تتمثل جوائزه في الرهان (س) والرهان (ص)، هو:

الرهان (س) باحتمالية ٠٫٦، والرهان (ص) باحتمالية ٠٫٤.

قد يُنظر إلى هذا «الرهان المركب» باعتباره «مزيجًا» من الرهانين (س) و(ص) الفرديين، اللذين يبلغ وزنهما ٠٫٦ و٠٫٤ على التوالي. ومثل هذا المزيج هو رهانٌ جوائزُه هي جميع جوائز الرهانين (س) و(ص)، والاحتمالات المرتبطة بجوائز الرهان (س) هي احتمالاته الأصلية مضروبة في ٠٫٦، والاحتمالات المرتبطة بجوائز الرهان (ص) هي احتمالاته الأصلية مضروبة في ٠٫٤. وبناءً عليه، على سبيل المثال، تكون الاحتمالية المرتبطة باﻟ ١٠٠ دولار، جائزة الرهان (س)، هي ٠٫٦ × ٠٫٥، أو ٠٫٣، والاحتمالية المرتبطة باللاشيء، وهي جائزة كلا الرهانين (س) و(ص)، هي (٠٫٦ × ٠٫٥) + (٠٫٤ × ٠٫٥) أو ٠٫٥. وهذا الرهان المركب أو المزيج يعادل الرهان البسيط:

١٠٠ دولار باحتمالية ٠٫٣، ولا شيء باحتمالية ٠٫٥، و«اللحم المقدد» باحتمالية ٠٫١، و«الجبن» باحتمالية ٠٫١.

كما هو موضح في الشكل ٣-١.
fig6
شكل ٣-١: رهان مركب.

مع وضع هذه المبادئ الأساسية في الاعتبار، يمكننا تحويل انتباهنا إلى الاختيار من بين الرهانات. ويمكننا الاعتماد مباشرة على مناقشة الفصل الثاني؛ فمجرد تغيير اسم أحد عناصر القائمة من «الهليون» إلى «١٠٠ دولار باحتمالية ٠٫٥، ولا شيء خلاف ذلك»؛ لا يمكن أن يغير أيًّا من نتائج ذلك الفصل. ومع ذلك، قد تكون الأمور هنا أكثر تعقيدًا. على سبيل المثال، إذا كنت تفضِّل الحصول على ١٠٠ دولار عن الحصول على لا شيء، فسيبدو طبيعيًّا أن تفضل الرهان الذي يمنحك ١٠٠ دولار باحتمالية ٠٫٩ ولا شيء خلاف ذلك، عن الرهان الذي يمنحك ١٠٠ دولار باحتمالية ٠٫١ ولا شيء خلاف ذلك، غير أن مفهوم العقلانية الذي ناقشناه في الفصل الثاني لم يكن يعني ذلك ضمنًا؛ ففي إطار هذا المفهوم، سيكون الأمر مشابهًا لوجوب تفضيلك «للدجاج» على «البط»؛ فقط لأنك تفضل «لحم التمساح» على «اللحم البقري».

والسبب في أن الأمور هنا قد تكون أكثر تعقيدًا: أن عناصر القائمة في ظل اليقين ليست لها بنية داخلية؛ ﻓ «الأفوكادو» هو ببساطة «أفوكادو». أما عناصر القائمة في ظل الشك، على الجانب الآخر، فلها بنية داخلية؛ إذ تتضمن جوائز واحتمالات على حد سواء. وهذا يعني أن ترتيبات الأفضلية في ظل اليقين هي نهاية الأمر؛ فلا يمكن أن تكون عقلانية أو لا عقلانية. ولكن يمكننا أن نتساءل بعقلانيةٍ ما إذا كانت ترتيبات الأفضلية في ظل الشك عقلانية. على سبيل المثال، يمكننا أن ننظر إلى الأنماط في التفضيلات الخاصة برهانات لها نفس الجوائز، ولكن باحتمالات مختلفة، مثل تلك التي تتضمن الحصول على ١٠٠ دولار أو لا شيء.

(٢) رهانات الاحتمالية

في ضوء هذه المناقشة، سوف أفترض أن الاختيارات من الرهانات يمكن تفسيرها بترتيب للأفضلية، وأتساءل عما يعنيه أن يكون هذا الترتيب عقلانيًّا. وما دمت لن ألقي بالًا لعلاقات التفضيل التي ليست ترتيبات — أي غير المتعدية — فسوف أشير من الآن فصاعدًا إلى ترتيبات الأفضلية ببساطة ﺑ «التفضيلات».

تأمل المثال التالي الذي يبدو أن به شيئًا خاطئًا.

(٢-١) مثال الخضراوات

أنت تفضل «الباذنجان» على «البروكلي»، ولكن في ظل علمك بأن الخدمة عشوائية، وأن أيًّا كان ما ستطلبه فهناك احتمالية قدرها ٠٫١ أن يأتيك بدلًا منه «قرنبيط»، فإنك تطلب بروكلي؛ أي إنك تفضل «البروكلي باحتمالية ٠٫٩ والقرنبيط خلاف ذلك» على «الباذنجان باحتمالية ٠٫٩ والقرنبيط خلاف ذلك.»

إن مشكلة اختياراتك في هذا المثال تكمن في أنه في الحالة الثانية تكون النتيجةُ (ﺟ) واحدةً في كلا الرهانين، ومع ذلك فأنت تدعها تؤثِّر عليك. سيبدو الأمر طبيعيًّا أكثر لو أنك، عند مقارنة الرهانين، تجاهلتَ الجوانب التي يتشابهان فيها وركزتَ على جوانب اختلافهما. بالطبع قد تفضل «احتمالية قدرها ٠٫٩ للنتيجة (ب)، واحتمالية قدرها ٠٫١ للنتيجة (ﺟ)» على «احتمالية قدرها ٠٫٩ للنتيجة (أ)، واحتمالية قدرها ٠٫١ للنتيجة (ﺟ)»، على الرغم من تفضيلك (أ) وحدها على (ب) وحدها (ربما لأن (ﺟ) تتماشى مع (ب) أكثر من (أ))، غير أن أيًّا من هذه الخيارات لا يُقدَّم؛ فإما ستحصل على ما طلبت، وإما ستحصل على (ﺟ). فإذا حصلت على ما طلبت، فلا يصبح ﻟ (ﺟ) أهمية؛ وإذا حصلت على (ﺟ)، فلا يهم ماذا طلبت. ولضمان عدم تعكير هذه التفاهات للصورة، قد نشترط أنك إذا ما كنت تفضل رهانًا على آخر؛ فإنك إذن تفضل أيَّ مزيج من الرهان الأول ورهان ثالث على مزيج من الرهان الثاني والثالث بنفس الأوزان. وهذا الشرط هو «شرط الاستبدال».

ولشرط الاستبدال دلالة ضمنية مباشرة؛ وهذه الدلالة هي أنك إذا كنت تفضل الحصول على ١٠٠ دولار على لا شيء، فإنك تفضل الرهان الذي يمنحك ١٠٠ دولار باحتمالية قدرها ٠٫٩ ولا شيء خلاف ذلك، على الرهان الذي يمنحك ١٠٠ دولار باحتمالية ٠٫١ ولا شيء خلاف ذلك. بشكل أكثر عمومية، إذا كنت تفضل رهانًا على آخر، فإنك تفضل مزيجًا من الاثنين على مزيج ثانٍ إذا، وفقط إذا، كان وزن الرهان الأفضل في المزيج الأول أكبر من وزن الرهان الأفضل في المزيج الثاني.

ثمة مشكلة من نوع مختلف تظهر في المثال التالي.

(٢-٢) مثال الفاكهة

أنت تفضِّل «التفاح» على «الموز»، و«الموز» على «الكرز» (و«التفاح» على «الكرز» بما أنك عقلاني)، غير أنك تفضل «الموز» على كل رهان يمنحك إما «التفاح» وإما «الكرز» الكريه، مهما كانت احتمالية الحصول على الأخير منخفضة.

تكمن مشكلة اختياراتك في هذا المثال في وجود قفزة في تفضيلاتك. تأمَّل تفضيلك فيما بين (ب) والرهان (س)، الذي يمنحك (أ) باحتمالية تُساوي (ﺣ)، و(ﺟ) باحتماليةٍ ما تُساوي (ﺣ). إذا كانت (ﺣ) أقل من ١، مهما قد تكون قريبة إلى ١، فإنك تفضل (ب)؛ ولكن حين تكون (ﺣ) تُساوي ١، بمعنى عندما يصبح الرهان (س) ببساطة (أ)، فإنك تفضل (ص). وهكذا فإنك تنتقل في مرحلةٍ ما من تفضيل رهان على الآخر دون المرور بالمرحلة المتوسطة من الحياد بين الاثنين. ويتضح هذا في الجدول:

٠٫٩ ٠٫٩٩ ٠٫٩٩٩ ١
الاختيار ب ب ب س

كان سيبدو مقبولًا أكثر أن تتغير تفضيلاتك بسلاسة بدلًا من القفز بهذا الشكل. ولإدراك ما يتضمنه ذلك بشكل عملي، أَعِدْ تفسير (أ) باعتبارها مليون دولار، و(ب) باعتبارها لا شيء، و(ﺟ) باعتبارها موتك. يتمثل الادعاء في أنك مقابل احتمالية (ﺣ) مرتفعة بما يكفي، ستُقْدم على الرهان الذي يمنحك مليون دولار بالاحتمالية (ﺣ)، وينتج عنه موتك خلاف ذلك. إذا كان ذلك يبدو مستبعدًا، فسَلْ نفسك ما إذا كنت ستعبر شارعًا مزدحمًا بالسيارات، متكبدًا بذلك احتمالية ضئيلة لأن تلقى حتفك؛ لالتقاط مليون دولار. بشكل عام، ستكون الإجابة: نعم. ولاستبعاد القفزات في التفضيلات، قد نشترط أنك إذا فضلت رهانًا على رهان ثانٍ، وفضلت الثاني على ثالث، إذن فهناك مزيج من الرهانين الأول والثالث تعتبره مساويًا للرهان الثاني. وهذا الشرط هو «شرط الاستمرارية»، ويعرف أيضًا ﺑ «شرط أرشميدس»؛ نسبة لعالم الرياضيات اليوناني أرشميدس (٢٨٧–٢١٢ق.م).

(قد نلاحظ بشكل عارض أن شرط الاستمرارية يقضي بالسماح للاحتمالات بالتباين والتنوع بشكل مستمر؛ لأنها إذا تنوعت فقط بدرجات قدرها ٠٫١، على سبيل المثال، إذن فقد تكون قد فضَّلت الرهان الذي يمنحك (أ) باحتمالية ٠٫٩ و(ﺟ) خلاف ذلك على (ب)، وفضَّلت (ب) على الرهان الذي يمنحك (أ) باحتمالية ٠٫٨ و(ﺟ) خلاف ذلك. وهذا بدوره يقتضي أن يكون هناك العديد من الرهانات الممكنة بشكل لا متناهٍ.)

علينا مرة أخرى التحقق من أن شرطَينا متَّسقان ومستقلان. وتجنبًا للتكرار، سوف أتناول مسألة الاتساق فقط؛ فالتحقق من الاستقلالية أمر واضح وبسيط. ويوضَّح الاتساق من خلال المثال التالي.

(٢-٣) مثال المكسرات

من خلال تأمُّل جميع الرهانات الممكنة التي تتضمن «اللوز» و«الجوز البرازيلي» و«الكاجو»، تفضِّل رهانًا على رهان ثانٍ، حينما يكون ضعفُ احتمالية الحصول على اللوز مضافًا إليه احتمالية الحصول على الجوز البرازيلي في الرهان الأول؛ أكبرَ من العدد المُناظِر في الرهان الثاني.

في هذا المثال تُفضل الرهان:

(أ) باحتمالية (ﺣ)، و(ب) باحتمالية (ق)، و(ﺟ) خلاف ذلك.

على الرهان:

(أ) باحتمالية (ر)، و(ب) باحتمالية (ل)، و(ﺟ) خلاف ذلك.

كلما كانت ٢ﺣ + ق أكبر من ٢ر + ل. لاحظ أن هذا يحدد تفضيلاتك فيما بين جميع الرهانات الممكنة التي تتضمن (أ)، و(ب)، و(ﺟ). ومن السهل توضيح أن شرطَي الاستبدال والاستمرارية مستوفيان.

لما كان شرطا الاستبدال والاستمرارية متَّسقين ومستقلين، ويبدو على الأقل أنهما يستبعدان المشكلات التي كنت قد حددتها، يمكنني القول بأن لديك «تفضيلات عقلانية»، فيما يتعلق بالرهانات، إذا كانت التفضيلات تَستوفي هذين الشرطَين.

ولتوصيف العقلانية، نحتاج إلى مفهوم «المنفعة المتوقعة». تذكَّر أننا افترضنا أن الاختيار من الرهانات يمكن تفسيره بترتيب للأفضلية؛ بمعنى أنه يعظِّم المنفعة (كما ناقشنا في الفصل الثاني). إذن لما كان بوسعنا تعيين منافع لجميع الرهانات، أمكننا بالتأكيد تعيينُها للرهانات المحددة القيمة؛ أي للجوائز. لنفترض أننا قد فعلنا ذلك. وعلى ذلك يتم إيجاد المنفعة المتوقعة لرهانٍ ما بضرب منفعةِ كل جائزة في الاحتمالية المرتبطة بتلك الجائزة، وجمع الأرقام الناتجة. على سبيل المثال، إذا كان لديك تعيين المنفعة:

س ١
ص ٣
ع ٢
إذن فالمنفعة المتوقعة للرهان:

(س) باحتمالية ٠٫٢، و(ص) باحتمالية ٠٫٣، و(ع) باحتمالية ٠٫٥.

هي (١ × ٠٫٢) + (٣ × ٠٫٣) + (٢ × ٠٫٥)، أو ٢٫١.

تذكَّر أننا نستطيع تعيين المنافع بطرق عدة؛ كل ما هو مطلوب أن يكون للجوائز الأفضلِ منافعُ أعلى. كمرجعية للمستقبل، لاحظْ أننا إذا ضاعفنا كل المنافع، فإننا نضاعف المنفعة المتوقعة لأيِّ رهان؛ وإذا أضفنا ٧ لجميع المنافع، فإننا نضيف ٧ للمنفعة المتوقعة لأيِّ رهان. على سبيل المثال، إذا فعلنا كلا هذين الأمرين، بذلك الترتيب، تكون المنفعة المتوقعة للرهان أعلاه هي ١١٫٢، والتي تعادل ضِعف المنفعة المتوقعة القديمة مضافًا إليها ٧، غير أننا إذا استبدلنا بجميع المنافع قِيَمَها التربيعية، فإن المنفعة المتوقعة الجديدة لا تكون مربَّع المنفعة المتوقعة القديمة؛ فالمنفعة المتوقعة الجديدة هي ٤٫٩، في حين أن مربع المنفعة المتوقعة القديمة يساوي ٤٫٤١.

سيكون ملائمًا لو أننا استطعنا تعيين منافع للجوائز بطريقةٍ تُمكننا من الحكم على الرهانات ببساطة على أساس منافعها المتوقعة؛ أيْ من خلال تفضيل رهان على رهان ثانٍ إذا، وفقط إذا، كان له منفعة متوقعة أعلى. وهذا يعني، على سبيل المثال، أنك كنت ستفضل الرهان السابق على الرهان الجديد:

(س) باحتمالية ٠٫٥، و(ص) باحتمالية ٠٫٣، و(ع) باحتمالية ٠٫٢.

لأن المنفعة المتوقعة للرهان الأصلي التي تبلغ، كما أشرنا، ٢٫١، تتجاوز المنفعة المتوقعة للرهان الجديد، والتي تُساوي ١٫٨. إذا أمكن تعيين المنافع بهذه الطريقة؛ فإن المنافع المعينة بهذا الشكل تسمى «المنافع العددية»، أو منافع برنولي؛ نسبة لعالم الرياضيات دانييل برنولي (١٧٠٠–١٧٨٢)، ويقال: إن للتفضيلات «خاصية المنفعة المتوقعة.»

إذا أمكننا تعيين منافع عددية على الإطلاق، يمكننا حينئذٍ تعيينها بطرقٍ عدة. هبْ أننا قد عيَّنَّا منافع عددية للجوائز بطريقةٍ ما. حينئذٍ يكون رهان (س) أفضل من رهان (ص) إذا، وفقط إذا، كان له منفعة متوقعة أعلى بموجب هذا التعيين. والآن نقوم بتعيين المنافع للجوائز بطريقة مختلفة، تكون المنفعة الجديدة المعينة لكل جائزة بموجبها ضِعفَ منفعتها المتوقعة القديمة مضافًا إليها ٧. إذن يكون للرهان (س) منفعة متوقعة جديدة أعلى من (ص) إذا، وفقط إذا، كانت منفعته المتوقعة القديمة أعلى؛ أي إذا، وفقط إذا، كان أفضل من (ص)؛ ومِن ثَمَّ تحتفظ المنافع العددية بخصائصها التمثيلية حين تُضاعَف ويضاف إليها ٧. وبشكل أكثر عمومية، تحتفظ المنافع العددية بخصائصها التمثيلية حين تُحول بما يعرف بالطريقة «الخطية»؛ أي عندما تُضرب في أي عدد موجب (أو تقسم عليه)، أو حين يضاف أي عدد موجب إليها (أو يُطرح منها). ومن الأمثلة المألوفة للتحويل الخطيِّ التحويلُ بين طريقتَي قياس درجات الحرارة؛ فالدرجات الفهرنهايتية هي ببساطة درجات مئوية مضروبة في ١٫٨، ثم أضيف إليها ٣٢ درجة.

على الجانب الآخر، لا تحتفظ المنافع العددية بخصائصها التمثيلية حين تحوَّل بطريقة غير خطية. ويُعزى هذا إلى أن تطبيق أي طرق تحويلية أخرى على المنافع لا يُسفر عن تحويل المنفعة المتوقعة بنفس الطريقة. على سبيل المثال، إذا كان لديك تعيين المنفعة:

س ٥
ص ٣
ع ٠

إذن فأنت تفضل (ص) (أي الرهان محدد القيمة الذي يمنحك (ص) باحتمالية قدرها ١) على الرهان الذي يمنحك (س) باحتمالية ٠٫٥ و(ع) خلاف ذلك، علمًا بأن المنفعتين المتوقعتين هما ٣ و٢٫٥، ولكن إذا استبدلت بهاتين المنفعتين قِيَمَهما التربيعية، تكون المنفعتان المتوقعتان هما ٩ و١٢٫٥؛ مما سيوحي خطأً بأنك تفضل الرهان على (ص).

افترض أننا عينا منافع عددية للجوائز بحيث يكون للجائزة (س) المنفعة (و)، والجائزة الأفضل (ص) المنفعة (ز)؛ لا بد بالطبع أن تكون (ز) أكبر من (و). إذا طرحنا (د) من هاتين المنفعتين، ثم قسمنا النتائج على ناتج طرح (و) من (ز) (وهو رقم موجب)، يصبح لدينا منافع متوقعة جديدة بموجبها تكون منفعة (ص) ١، ومنفعة (س) صفرًا. وهذا يعني أننا لو استطعنا تعيين منافع عددية من الأساس؛ فإن بإمكاننا القيام بذلك بطريقة تمنح المنفعة صفرًا لإحدى الجوائز، والمنفعة ١ لجائزةٍ ما أفضل.

تنطبق خاصية المنفعة المتوقعة في مثال «المكسرات»، والذي تُفضِّل فيه رهانًا على آخر حينما يكون ضِعف احتمالية الحصول على (أ)، بالإضافة إلى احتمالية الحصول على (ب) في الرهان الأول؛ أكبر من العدد المناظر في الثاني. فإذا قمنا بتعيين المنافع:

أ ٢
ب ١
٠
فإن المنفعة المتوقعة للرهان:

(أ) باحتمالية (ﺣ)، و(ب) باحتمالية (ق)، و(ﺟ) خلاف ذلك.

هي ٢ﺣ + ق، والمنفعة المتوقعة للرهان:

(أ) باحتمالية (ر)، و(ب) باحتمالية (ل)، و(ﺟ) خلاف ذلك.

هي ٢ر + ل. إذن، بما أنك تفضل الرهان الأول على الثاني إذا، وفقط إذا، كانت ٢ﺣ + ق أكبر من ٢ر + ل، فأنت تفضل الرهان الأول على الثاني إذا، وفقط إذا، كان له منفعة متوقعة أعلى. بعبارة أخرى، تتسم تفضيلاتك بخاصية المنفعة المتوقعة.

ولإدراك أن خاصية المنفعة المتوقعة ليست بالخاصية التافهة، عُدْ إلى مثال الخضراوات، الذي تفضل فيه (أ) على (ب)، ولكنك أيضًا تفضِّل الرهان (س) الذي يمنحك (ب) باحتمالية ٠٫٩ و(ﺟ) خلاف ذلك، على الرهان (ص) الذي يمنحك (أ) باحتمالية ٠٫٩ و(ﺟ) خلاف ذلك. ولما كنت تفضل (أ) على (ب)، يمكننا أن نعين منفعة قيمتها ١ ﻟ (أ)، ومنفعة قيمتها صفر ﻟ (ب). اكتب المنفعة المعينة ﻟ (ﺟ) بوصفها (ز). حينئذٍ فإن المنفعة المتوقعة ﻟ (س) تُساوي ٠٫١ز، والمنفعة المتوقعة ﻟ (ص) تُساوي ٠٫٩ + ٠٫١ز. وبما أنك تفضل (س) على (ص)؛ فإن خاصية المنفعة المتوقعة ستتطلب أن تكون ٠٫١ز أكبر من ٠٫٩ + ٠٫١ز، وهو الأمر المستحيل.

ينتظرنا مأزق مشابه في مثال الفاكهة، الذي فيه تفضل (أ) على (ب) و(ب) على (ﺟ)، لكنك تفضل (ب) على كل رهان يمنحك إما (أ) وإما (ﺟ). وبما أنك تفضل (أ) على (ﺟ)، يمكننا تعيين منفعة مقدارها ١ ﻟ (أ) و٠ ﻟ (ﺟ). اكتب المنفعة المعينة ﻟ (ب) بوصفها (ز). حينئذٍ بما أنك تفضل (أ) على (ب)، و(ب) على (ﺟ)، فلا بد أن تقع (ز) بين صفر و١. أنت كذلك تفضل (ب) على الرهان الذي يمنحك (أ) باحتمالية (ﺣ) و(ﺟ) خلاف ذلك، لكلِّ احتمالية (ﺣ) أقل من ١. ولما كانت المنفعة المتوقعة للرهان هي (ﺣ)، فإن خاصية المنفعة المتوقعة ستتطلب أن تكون المنفعة (ز) الثابتة، الأقل من ١، أكبر من كل منفعة (ﺣ) محتملة. ومرة أخرى، هذا أمر مستحيل.

ليس من قبيل المصادفة: (١) أن تنطبق خاصية المنفعة المتوقعة على مثال «المكسرات»، لا على مثالَي «الخضراوات» أو «الفاكهة»، و(٢) ألا يُستوفى شرط الاستبدال أو الاستمرارية (أو كلاهما) في مثالَي «الخضراوات» و«الفاكهة»، في حين يُستوفى كلا الشرطَين في مثال «المكسرات». فدائمًا ما تبقى خاصية المنفعة المتوقعة أينما يُستوفى الشرطان؛ أي كلما كانت التفضيلات عقلانية. وحينئذٍ يكون لدينا توصيف متكامل مفاده: أن التفضيلات الخاصة بالرهانات (الاحتمالية) تكون عقلانية إذا، وفقط إذا، كانت لها خاصية المنفعة المتوقعة.

(٢-٤) بعض الإضافات

تتغير الصورة نوعًا ما لو أصبح للزمن دور في الأمر. تأمل الرهانين اللذين يمنحك كلٌّ منهما مليون دولار بعد فترة عام (تحتسب من اليوم) إذا فاز رقم زوجي على عجلة الروليت، ولا يمنحانك شيئًا خلاف ذلك، غير أن الرهانين غير متماثلين؛ ففي الأول تدار عجلة الروليت اليوم، بينما في الثاني تدار بعد عام. هذان الرهانان ليسا غير متماثلين وحسب، بل من غير المحتمل أن يظن أحدهم أنهما متماثلان. وعادةً ما سوف تفضل الأول؛ لأن المعرفة بثروتك المستقبلية من شأنها أن تُمكِّنك من تخطيط حياتك على مدار العام المُقبل بشكل أكثر إفادة. فلو علمتَ أنك ستصبح ثريًّا، فقد تستنفد مدخراتك، أو تقترض على أساس المليون دولار المستقبلية التي تنتظرها في العام المقبل، غير أن النظرية اللازمنية التي طوَّرناها هنا لا يمكنها التمييز بين الرهانين؛ ومِن ثَمَّ لا تستطيع التعامل مع الاختيارات التي يدخل فيها الزمنُ الصورةَ بهذا الشكل.

حتى في إطار لا زمني، قد لا يكون كل شيء واضحًا ومباشرًا. تأمَّلْ تناقضًا ظاهريًّا يعرف بمفارقةِ آليه؛ نسبةً لموريس آليه (المولود عام ١٩١١)؛ عالم الاقتصاد الحائز على جائزة نوبل. أولًا: هل تُفضل الرهان (محدد القيمة) (د) الذي هو:

٢٤٠ دولارًا باحتمالية ١.

على الرهان (ﻫ) الذي هو:

٢٥٠ دولارًا باحتمالية ٠٫٣٣، و٢٤٠ دولارًا باحتمالية ٠٫٦٦، وصفر دولار باحتمالية ٠٫٠١؟

ثانيًّا: هل تُفضل الرهان (س) الذي هو:

٢٥٠ دولارًا باحتمالية ٠٫٣٣، وصفر دولار باحتمالية ٠٫٦٧.

على الرهان (ص) الذي هو:

٢٤٠ دولارًا باحتمالية ٠٫٣٤ وصفر دولار باحتمالية ٠٫٦٦؟

توقفْ لبرهة وفكِّر. إذا كنت تُفضل الرهان (د) على الرهان (ﻫ)، إذن يجب أن تفضل أيضًا (ص) على (س). ولِنرى السبب وراء ذلك، نقوم بتعيين منفعةٍ قيمتُها ١ ﻟ ٢٥٠ دولارًا وصفر للاشيء، ونكتب المنفعة المعينة ﻟ ٢٤٠ دولارًا بوصفها (ز). إذن إذا كنت تفضل (د) على (ﻫ)؛ فإن المنفعة (المتوقعة) ﻟ (د) — التي هي (ز) — لا بد أن تكون أكبر من المنفعة المتوقعة ﻟ (ﻫ)، والتي هي ٠٫٣٣ + ٠٫٦٦ز. وهذا يعني ضمنًا أن ٠٫٣٤ز لا بد وأن تكون أكبر من ٠٫٣٣. ولما كانت المنفعة ٠٫٣٤ز هي المنفعة المتوقعة ﻟ (ص) والمنفعة ٠٫٣٣ هي المنفعة المتوقعة ﻟ (س)، فإن هذا بدوره يقتضي ضمنًا تفضيلك للرهان (ص) على (س)، إذا كان لتفضيلاتك خاصية المنفعة المتوقعة.

غير أنه في إحدى التجارب، ادعت شريحة كبيرة — بشكل ملحوظ — من الناس تفضيل (د) على (ﻫ)، وكذلك تفضيل (س) على (ص). وهذا يعني أن تفضيلات هؤلاء الأشخاص لم يكن لها خاصية المنفعة المتوقعة، أو على نحو مساوٍ، لم تَستوفِ شرط الاستبدال أو شرط الاستمرارية (في الواقع لم تَستوفِ الأول). يبدو أن السبب في ذلك أن الناس يُولُون أهمية مبالَغًا فيها للنتائج ذات الاحتمالية بالغة الصغر (وقد يمتد هذا ليفسِّر سبب إقبال الناس على شراء تذاكر في مسابقات اليانصيب القومية التي تقدِّم جوائز ضخمة باحتمالات ضئيلة للغاية). فلْتفهمْ ما تشاء من هذا، واضعًا في ذهنك الاستجابات الممكنة للمفارقات التي أشرت إليها في الفصل الأول.

من الدلالات الضمنية لحقيقة أن المنافع العددية تحتفظ بخصائصها التمثيلية حين يتم تحويلها بطريقة خطية، وليس حين يتم تحويلها بطريقة غير خطية؛ أن الفروق في المنفعة صار لها الآن معنًى ما. فإذا كان الفارق بين المنافع في زوج من الجوائز أكبر منه في زوج ثانٍ من منظور طريقةٍ ما من طرق تعيين المنافع العددية، إذن فهو أكبر من منظور جميع الطرق. وهكذا يبدو أن المنفعة العددية قد توفر أساسًا للآراء الداعية لإعادة توزيع الثروة. ولعل أفضل معالجة لهذه المسألة تكون في السياق الذي تكون فيه جميع الجوائز مَبالغ مالية. وعلى هذا الأساس سوف أرجئ مناقشتها حتى الفصل القادم.

(٢-٥) رهانات الحالة

حتى الآن، كان هناك احتمالات معطاة. ولمناقشة الاختيار الذي لا تُعطى فيه احتمالات، نحتاج إلى مفهوم حالات العالم، أو ببساطة أكثر «الحالات». و«الحالة» هي تحديد كل شيء يتعلق باختيارك، ولستَ على يقين منه. في سياق سباق بين جوادين (وعلى فرض أن جوادًا واحدًا على الأقل سوف ينهي السباق ولا يوجد تعادلٌ)، قد تكون الحالات هي «ألكوف يفوز» و«باراثيا يفوز». كما يوحي هذا المثال، لا بد من تحديد الحالات بحيث تحدث واحدة، وواحدة فقط، منهما.

fig07
شكل ٣-٢: ألكوف لا يفوز؛ ألكوف الذي يمتطيه الكاتب هو الثاني من اليسار.
يعرَّف «رهان الحالة» بأنه قائمة بالجوائز المحتملة يصاحب كلًّا منها تحديد للحالة التي سوف يتم تلقِّيها فيها. والمثال في السياق الحالي سيكون «الفوز ﺑ ٢٠٠ دولار إذا فاز ألكوف، وخسارة ١٠٠ دولار إذا فاز باراثيا». ويمكننا صياغة ذلك على النحو التالي:

+٢٠٠ دولار إذا كان الفائز (أ)، و−١٠٠ دولار إذا كان الفائز (ب).

لو كانت الأرجحيات بالنسبة ﻟ ألكوف هي ٢ إلى ١ (أي الرهان بدولار للفوز بدولارين)، لَاستطعنا بمنطقٍ ما أن نطلق على هذا الرهان «راهن ﺑ ١٠٠ دولار على ألكوف». أما إذا كانت الأرجحيات بالنسبة ﻟ باراثيا ١ إلى ٢، فسيكون الرهان «راهن ﺑ ١٠٠ دولار على باراثيا»:

−١٠٠ دولار إذا كان الفائز (أ)، و+٥٠ دولارًا إذا كان الفائز (ب).

تتشابه رهانات الحالة مع رهانات الاحتمالية في أن كلًّا منها يحصي عددًا من الجوائز تقترن بها ظروف؛ الفارق هو أن الظروف الآن عبارة عن حالات لا احتمالات. وتتيح لنا الحالات التفكير بشأن الاختيار من بين الرهانات حين تكون الاحتمالات غير معطاة، وهو أمر على قدر من الأهمية؛ ففي جميع السياقات الشائقة تقريبًا تكون الاحتمالات غير معطاة؛ فأنت لا تُعطَى احتمالية فوز ألكوف، أو تعرُّض سيارتك للسرقة، أو انهيار سوق الأسهم.

كيف يمكنك الاختيار بشكل عقلاني من الرهانات حين لا تُعطى احتمالات؟ ثمة اقتراح معقول يتمثل في: (١) تعيين احتمالات ذاتية للحالات، ثم (٢) تعيين منافع للجوائز، ثم (٣) اختيار الرهان الذي يمنحك أعلى «منفعة متوقعة ذاتية» في ضوء هذه الاحتمالات. ولتوضيح هذا الإجراء، عُدْ إلى سباقنا وتأمَّلْ الاختيار بين الرهانين «راهن ﺑ ١٠٠ دولار على ألكوف» و«راهن ﺑ ١٠٠ دولار على باراثيا». فتقوم أولًا بتعيين احتمالات للحالات؛ لِنَقُل ٠٫٤ لفوز ألكوف و٠٫٦ لفوز باراثيا. بعد ذلك تعيِّن منافع للجوائز. وهناك ثلاث جوائز محتملة:

+٢٠٠ دولار (إذا راهنت على (أ) وفاز)
+٥٠ دولارًا (إذا راهنت على (ب) وفاز)
−١٠٠ دولار (إذا خسر جوادك)

بعد ذلك تُعيِّن منافع لهذه الجوائز، لنَقُل:

+٢٠٠ دولار ٥
+٥٠ دولارًا ٣
−١٠٠ دولار ٠

وأخيرًا، تقوم بحساب المنفعة المتوقعة لكل رهان في ضوء هذه الاحتمالات: ٢ إذا راهنت على ألكوف، و١٫٨ إذا راهنت على باراثيا. ولما كانت المنفعة المتوقعة الذاتية للرهان على ألكوف أكبر من نظيرتها بالنسبة للرهان على باراثيا؛ فإنك تراهن على ألكوف. إذا تصرفت بهذا الشكل، يكون لاختياراتك فيما يتعلق بالرهانات «خاصية المنفعة المتوقعة الذاتية». والمنافع التي تعيِّنُها عدديةٌ بالطبع، وقد يتم تحويلها بأي طريقة خطية، وإن كانت لا تُحوَّل بأية طريقة أخرى.

لإدخال بعض التنويع، سوف أعمل في هذا السياق بشكل عكسي؛ أي سأبدأ بافتراض خاصية المنفعة المتوقعة الذاتية، ثم أنظر أي شروط قد تدعم هذا. ولما كانت الحجج مماثلة — إلى حد كبير — لتلك القائمة في حالة إعطاء احتمالات؛ فلن أخوض في التفاصيل بنفس القدر في هذا الموقف.

الفكرة الأساسية بسيطة بشكل جميل، وتتمثل في أنه من خلال النظر إلى أنماط الاختيارات، يمكنك فك وتحليل المنافع والاحتمالات. فإنِ اخترت رهانًا تحصل من خلاله على «الأفوكادو» إذا أشرقت الشمس و«الجبن» خلاف ذلك، بدلًا من رهان تحصل فيه على «اللحم المقدد» إذا أشرقت الشمس و«الجبن» خلاف ذلك، فإنَّ هذا يشير إلى أنك تفضل «الأفوكادو» على «اللحم المقدد»؛ ومن ثَمَّ تُعين له منفعة أعلى. وأيضًا إذا اخترت رهانًا تحصل فيه على «الأفوكادو» إذا أشرقت الشمس و«اللحم المقدد» خلاف ذلك، بدلًا من رهان تحصل فيه على «الأفوكادو» إذا سقطت الأمطار و«اللحم المقدد» خلاف ذلك، فإن هذا يشير إلى أنك تَعتبر احتمال سطوع الشمس أكبر من احتمال سقوط الأمطار؛ ومن ثَمَّ تعين له احتمالية أكبر. ومن خلال إجراء العديد من هذه التجارب الفكرية بالشكل الكافي، يمكنك تعيين منافع لجميع الجوائز، وتعيين احتمالات لجميع الحالات. وبعد القيام بذلك، تتصرف تلقائيًّا وكأنك قد أُعطيتَ هذه المنافع والاحتمالات، وتختار بحيث تعظِّم منفعتك المتوقعة.

إذا كان لتفضيلاتك خاصية المنفعة المتوقعة الذاتية، فإن كلًّا من ميولك، التي تمثلها المنافع، ومعتقداتك، التي تمثلها الاحتمالات، ذاتية. كذلك تعد ميولك ومعتقداتك مستقلة؛ فأنت لا تُولِي شيئًا تقديرًا أكبر لأنك تعتقد أنه أكثر احتمالًا، أو تعتقد أنه أكثر احتمالًا لأنك تُولِيه تقديرًا أكبر. علاوة على ذلك، لا تعتمد المنفعة التي تعيِّنها لجائزةٍ ما على الحالة التي تتلقاها فيها؛ فالمائتا دولار تعني نفس الشيء بالنسبة لك، سواء فاز ألكوف أو خسر. وهذا الشرط الأخير قوي للغاية؛ فقد يكون مقبولًا في حالة السباق، ولكنه يبدو أقل قبولًا في مواقف أخرى.

تأمَّلْ، على سبيل المثال، المضاربة على سعر صرف اليورو، والذي يعبَّر عنه بسعر اليورو بالدولار. لتبسيط الأمور، سوف أفترض أن هناك حالتين محتملتين فقط: ارتفاع السعر وانخفاض السعر. لديك رهانان محتملان: شراء اليورو وبيع اليورو. في حالة الشراء وارتفاع السعر، تربح ١٠٠ دولار، ولكن في حالة الهبوط تخسر ١٠٠ دولار. أما في حالة البيع وارتفاع السعر، فإنك تخسر ١٠٠ دولار، ولكن في حالة الهبوط تربح ١٠٠ دولار. ويكمن التعقيد في هذا الموقف في أن رِبح ١٠٠ دولار عند ارتفاع سعر الصرف ليس كربح ١٠٠ دولار عند هبوط سعر الصرف؛ فتكلفة أي واردات تشتريها سوف تكون أعلى في الحالة الأولى عنها في الثانية. بشكل أكثر عمومية، تعتمد المنفعة التي تعيِّنها لجائزةٍ ما على الحالة التي يتم تلقِّيها فيها.

في ضوء هذا المثال، إذا كان هناك شعور بأن خاصية المنفعة المتوقعة الذاتية صعبة الوفاء أكثر مما ينبغي، فمن الممكن أن نقلل من طموحنا ونتيح للمنافع الاعتماد على الحالات. على سبيل المثال، بدلًا من تعيين منافع قيمتها، لِنَقُل صفرًا لخسارة ١٠٠ دولار، و١ لربح ١٠٠ دولار، يمكنك تعيين المنافع التالية:

ربح ١٠٠ دولار في حالة الهبوط ٤
ربح ١٠٠ دولار في حالة الارتفاع ٣
خسارة ١٠٠ دولار في حالة الهبوط ١
خسارة ١٠٠ دولار في حالة الارتفاع ٠

وبضرب هذه المنافع في الاحتمالات المرتبطة بها وجمع الأرقام الناتجة؛ نحصل على «المنفعة المتوقعة الذاتية المعتمدة على الحالة» لأي رهان. وإذا اخترت الرهان ذا أعلى منفعة متوقعة ذاتية معتمدة على الحالة، توصف تفضيلاتك بأن لها «خاصية المنفعة المتوقعة الذاتية المعتمدة على الحالة». ومن الواضح أن هذه الخاصية أضعف من خاصية المنفعة المتوقعة الذاتية (الكاملة).

ولمعرفة الشروط التي قد تدعم خاصية المنفعة المتوقعة الذاتية (سواء الكاملة أو المعتمدة على الحالة)، لا بد أن نتيح لجوائز رهانات الحالة أن تكون رهانات في حد ذاتها بشكل صريح، مثلما أتَحْنَا لجوائز رهانات الاحتمالية أن تكون رهانات. بعد ذلك يمكننا تأويل توليفات رهانات الحالة بشكل مُشابهٍ مباشرة لتوليفات رهانات الحالة. وهذا يتيح لنا بدوره تطبيق شرطَي الاستبدال والاستمرارية على رهانات الحالة. تذكَّرْ أن كلًّا من هذين الشرطَين يُعبَّر عنه في إطار التوليفات فقط، ولا يورد ذكرًا للاحتمالات.

وبمجرد أن ننتهي من ذلك، يمكننا على الفور توصيف خاصية المنفعة المتوقعة الذاتية المعتمدة على الحالة. ويكون للتفضيلات هذه الخاصية إذا، وفقط إذا، استوفت شرطَي الاستبدال والاستمرارية (مثلما يطبقان على رهانات الحالة).

غير أن شرطَي الاستبدال والاستمرارية لا يضمنان أن يكون للتفضيلات خاصية المنفعة المتوقعة الذاتية الكاملة. وهذا يتطلب شرطًا آخر، يتمثل في أنك إذا فضَّلت رهانًا على آخر في حالةٍ ما، فإنك تفضله في جميع الحالات. وهذا الشرط، المعروف ﺑ «شرط الحيادية»، أكثر تقييدًا بكثير من الشروط الأخرى التي تَعاملنا معها. هبْ أن الحالتين هما الشمس والمطر، وأن رهانًا (محدد القيمة) يعطي مظلة بشكل مضمون، وآخر يعطي زجاجة مياه بشكل مضمون. حينئذٍ قد تفضل، بالمخالفة لشرط الحيادية، المظلةَ في حالة المطر، والماء في حالة الشمس.

وبقدرِ ما قد يكون مقيدًا، فإن شرط الحيادية، بالاشتراك مع الشرطَين الآخرين، يمنحنا التوصيف الذي نبحث عنه؛ فالتفضيلات يكون لها خاصية المنفعة المتوقعة الذاتية الكاملة إذا، وفقط إذا، كانت تَستوفي شرطَي الاستبدال والاستمرارية (مثلما يطبقان في رهانات الحالة)، وشرط الحيادية.

والعلاقات بين المفاهيم المختلفة التي أرسيناها في هذا الفصل موضحة في الشكل.

fig08
شكل ٣-٣: خريطة الاختيار في ظل الشك تُظهر المنفعة المتوقعة (الذاتية)، إلى جانب علامات تمثِّل التوليفات، فيما تمثِّل الأسهم المزدوجة التكافؤ، وتمثِّل الأسهم الفردية التبعات الضمنية.

(٣) مزيد من الإضافات

ثمة شبيه لمفارقةِ آليه في سياق رهانات الحالة هي إشكالية تُعرف بمفارقة إلسبيرج. نفترض أن كرةً سيتم سحبها عشوائيًّا من جرة تحتوي على كرات حمراء وبيضاء وزرقاء. من المعروف أن ثلث الكرات حمراء، ولكن ليس معروفًا نسبة الكرات البيضاء (أو نسبة الكرات الزرقاء). أولًا: هل تفضل الرهان (د)، وهو:

١٠٠ دولار للكرة الحمراء ولا شيء خلاف ذلك.

على الرهان (ﻫ)، وهو:

١٠٠ دولار للأبيض ولا شيء خلاف ذلك؟

ثانيًا: هل تفضل الرهان (س)، وهو:

١٠٠ دولار للأبيض أو الأزرق ولا شيء خلاف ذلك.

على الرهان (ص) الذي هو:

١٠٠ دولار للأحمر أو الأزرق ولا شيء خلاف ذلك؟

توقَّفْ لبرهة وفكِّرْ. إذا كنت تفضل الرهان (د) على الرهان (ﻫ)، يجب أيضًا أن تفضل (ص) على (س). ولترى السبب في ذلك، قُم بتعيين منفعة قيمتها ١ للمائة دولار وصفر للاشيء، واكتب الاحتمالات التي تعيِّنها للكرة الحمراء والبيضاء والزرقاء بوصفها (ﺣ) و(ق) و(ر) على التوالي (ولاحظْ أنه ليس من الضروري أن يكون أيٌّ من هذه الاحتمالات الذاتية ١ / ٣). والآن إذا كنت تفضل (د) على (ﻫ)، فإن المنفعة المتوقعة للرهان (د)، التي هي (ﺣ)، لا بد أن تكون أكبر من المنفعة المتوقعة للرهان (ﻫ)، التي هي (ق). وهذا يعني ضمنًا أن (ﺣ) + (ر) لا بد أن تكون أكبر من (ق) + (ر). ولما كانت (ﺣ) + (ر) هي المنفعة المتوقعة للرهان (ص)، و(ق) + (ر) هي المنفعة المتوقعة للرهان (س)؛ فإن هذا بدوره يعني ضمنًا أنه إذا كانت تفضيلاتُك لها خاصيةُ المنفعةِ المتوقعة؛ فإنك تفضل (ص) على (س).

غير أنه في إحدى التجارب ادَّعت شريحة كبيرة من الناس أنهم يفضلون (د) على (ﻫ)، ويفضلون أيضًا (س) على (ص). وهذا يعني أن تفضيلات هؤلاء الأشخاص لم تكن لها أيضًا خاصية المنفعة المتوقعة الذاتية المعتمدة على الحالة، أو استوفت أيًّا من شرطَي الاستبدال أو الاستمرارية (الأول في الواقع). والسبب في هذا، على ما يبدو، أن الناس يفضِّلون إعطاءهم احتمالات على الاضطرار لاستنتاجها. ومرة أخرى، فلْتفهمْ ما تشاء من ذلك.

تُعنَى مفارقةُ آليه بِرِهانات الاحتمالية، فيما تُعنَى مفارقةُ إلسبيرج بِرِهانات الحالة. ثمة مفارقة ثالثة — تُعرف بمفارقة نيوكومب، ولكنها اشتهرت على يد الفيلسوف روبرت نوزيك (١٩٣٨–٢٠٠٢) — تُعنَى بالاختيار مع الشك بشكل عام. هبْ أنك أمام صندوقين؛ أحدهما مفتوح والآخر مغلق. عليك أن تختار إمَّا كلا الصندوقين وإما الصندوق المغلق فقط. يمكنك أن ترى ١٠٠ دولار في الصندوق المفتوح، ويقال لك إن كيانًا أسمى، دائمًا ما تصدُق تنبُّؤاته، قد وضع مليون دولار في الصندوق المغلق حال تَنَبُّئِه أنك ستأخذ ذلك الصندوق فحسب، ولم يضع شيئًا فيه حال العكس. هل تختار كلا الصندوقين أم الصندوق المغلق فحسب؟

يضع نوزيك هذه الإشكالية أمام عدد كبير من الناس، ويلاحظ أن «ما يجب فعله واضح وجلي تمامًا لجميع الأشخاص تقريبًا. تكمن الصعوبة في أن هؤلاء الأشخاص يبدو أنهم منقسمون بشكل شبه متساوٍ حِيالَ هذه الإشكالية، مع اعتقاد أعداد كبيرة أن النصف المعارض ليسوا سوى حمقى.» كان يبدو بالفعل أن أي شخص يختار الصندوق المغلق فقط هو مجرد شخص أحمق؛ فالكيان الأسمى وَضَعَ المليون دولار بالفعل أو لم يضعها؛ ومن ثمَّ يمكنك أن تختار كلا الصندوقين (مثلما فعل نوزيك بعد تحليل مطول)، غير أنك يجب أن تشكل استجابتك الخاصة (وفي قيامك بذلك قد تودُّ أن تفكر في أن عالِم الفيزياء الحاصل على نوبل؛ نيلز بور، (١٨٨٥–١٩٦٢)، حين سُئل لماذا يضع على جداره تميمة حظٍّ على شكل حدوة فرس؛ زُعِم أنه قد قال: «ليس الأمر أنني أُومِنُ بها، ولكنهم أخبروني أنها تؤتي مفعولها سواء آمن المرء بها أو لم يؤمن.»)

(٤) ملخص

يتضمن الاختيارُ مع الشك الاختيارَ من الرهانات، سواء حين تُعطَى احتمالات أو لم تُعطَ.

يقضي شرط الاستبدال بأنه حال تفضيل رهانٍ على ثانٍ، فإنك تفضل أيَّ مزيج من الرهان الأول ورهان ما ثالث على مزيج من الرهان الثاني والرهان الثالث بنفس الأوزان.

يقضي شرط الاستمرارية بأنه حال تفضيل رهان على ثانٍ والثاني على ثالث، فإن هناك مزيجًا من الأول والثالث تعتبره مساويًا للرهان الثاني.

يتم إيجاد المنفعة المتوقعة لرهان احتمالية عن طريق ضرب منفعة كل جائزة في الاحتمالية المرتبطة بتلك الجائزة وجمْع هذه الأرقام، ويكون للتفضيلات المتعلقة برهانات الاحتمالية خاصيةُ المنفعة المتوقعة إذا كنت تفضل رهانًا على ثانٍ إذا، وفقط إذا، كان له منفعة متوقعة أعلى.

التفضيلات المتعلقة برهانات الاحتمالية عقلانية؛ أي تَستوفي شرطَي الاستبدال والاستمرارية، إذا، وفقط إذا، كان لها خاصية المنفعة المتوقعة.

يتم إيجاد المنفعة المتوقعة الذاتية المعتمدة على الحالة لرهانٍ ما عن طريق ضرب منفعة كل جائزة، في الحالة التي يتم تلقِّيها فيها، في الاحتمالية الذاتية المرتبطة بالحالة، وجمع هذه الأرقام معًا، ويكون للتفضيلات المتعلقة بِرِهانات الحالة خاصيةُ المنفعة المتوقعة الذاتية المعتمدة على الحالة، إذا كنت تفضل رهانًا على ثانٍ إذا، وفقط إذا، كانت مثل هذه المنفعة المتوقعة لهذا الرهان أعلى، فيما يكون له خاصية المنفعة المتوقعة الذاتية (الكاملة)، إذا انطبق هذا حين تكون المنافع المعيَّنة للجوائز مستقلةً عن الحالات التي يتم تلقيها فيها.

يقضي شرط الحيادية بأنه حالَ تفضيلِك رهانًا على آخر في حالةٍ ما؛ فإنك تفضله في جميع الحالات.

يكون للتفضيلات خاصية المنفعة المتوقعة الذاتية المعتمدة على الحالة إذا، وفقط إذا، كانت تَستوفي شرطَي الاستبدال والاستمرارية (كما يطبقان على رهانات الحالة)، ويكون لها خاصية المنفعة المتوقعة الذاتية (الكاملة) إذا، وفقط إذا، كانت تَستوفي شرط الحيادية بالإضافة للشرطَين السابقين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠