الفصل الثامن

الحدود والسلاسل وقابلية التنبؤ

أذكر أنني أخبرت ستيف بشأن سلاسل المعلومات في مؤتمر الرابطة الأمريكية للنهوض بالعلم في عام ٢٠٠٠ في واشنطن العاصمة، حيث ألقى هاريسون وايت خطابه عن السياقات الاجتماعية، الذي دفعنا لبدء العمل على مشروع شبكات الارتباط مع مارك، وأثناء تجولنا بأرجاء حديقة الحيوان الوطنية صبيحة أحد أيام الآحاد الباردة في انتظار استيقاظ القِردة من نومها، اتفقنا على أن إحدى أكثر السمات الخادعة لمشكلة السلاسل تتمثل في اتسام النظام معظم الوقت بالاستقرار التام، حتى في وجه الصدمات الخارجية المتكررة، لكن بين الحين والآخر، ولأسباب لا تبدو واضحة مسبقًا أبدًا، تتجاوز إحدى هذه الصدمات الحدود على صورة سلسلة.

يبدو أن العامل المحوري في أي سلسلة هو أنه عندما يتخذ الأفراد قراراتهم، بشأن كيفية التصرف أو بشأن ما يشترونه، فهم يتأثرون ليس فقط بماضيهم ومداركهم وتحيزاتهم، بل أيضًا بعضهم ببعض، ومن ثم لا يمكن فهم السلوك الجمعي، بدءًا من الصيحات الجديدة وصولًا إلى الفقاعات المالية، إلا من خلال استيعاب ديناميكيات القرارات مع المؤثرات الخارجية عليها. ومرةً أخرى، تكمن في أعماق المشكلة شبكة؛ تلك الشبكة المتشعبة من الإشارات والتفاعلات التي ينتقل من خلالها المؤثر من شخص لآخر. وقد فكرت أنا وستيف، فيما بيننا، كثيرًا بشأن الكيانات المعدية التي تنتشر عبر الشبكات، لكن ما ورد على ذهننا أغلب الوقت هو أن ما نتحدث عنه هو الأمراض البيولوجية؛ كنقص المناعة البشرية والإيبولا، أو فيروسات الكمبيوتر. أجرينا بعض الدراسات — كجزء من بحثي لرسالة الدكتوراه — عن نشوء التعاون في شبكات العالم الصغير وعن حالة خاصة تُعرَف باسم «نموذج المقترعين» (وهي حالة مشابهة لمسألة الارتفاع الحاد لمستوى الصمت التي درستْها نويل-نيومان)، لكننا لم نفكر آنذاك في أيٍّ من هاتين المشكلتين باعتبارهما مرتبطتين بالعدوى.

الآن يبدو جليًّا أن العدوى في أي شبكة تمثل عنصرًا محوريًّا لظهور التعاون أو بروز إحدى فقاعات السوق، شأنها في ذلك شأن تفشي وباء نتيجة لمرض ما، لكنها ليست النوع نفسه من العدوى. وهذه النقطة مهمة للغاية؛ لأننا عادةً عندما نتحدث عن مشكلات العدوى الاجتماعية نستخدم مفردات الأمراض، فنصف الأفكار بأنها «معدية»، وصور انتشار الجريمة بأنها «وبائية»، ووسائل الوقاية من مخاطر السوق بإقامة «مناعة» ضد الأزمات المالية. ما من شيء خاطئ في هذه الصفات، عند النظر إليها كاستعارات؛ فهي، في نهاية المطاف، جزء من المخزون اللغوي، وكثيرًا ما تعبر عن الفكرة العامة بوضوح. لكن يمكن أن تكون الاستعارات مضللة؛ لأنها توحي أيضًا بأن الأفكار تنتشر من شخص لآخر بالطريقة ذاتها التي تنتشر بها الأمراض؛ أي إن كل صور العدوى متشابهة جوهريًّا، وهذا غير صحيح، وبوسعنا أن ندركه عندما نفكر ثانيةً في الجوانب النفسية لصنع القرار.

(١) نماذج حدود القرارات

تصور نفسك في إحدى تجارب سولومون آش، ومعك سبعة أفراد آخرين، تلقى بعضهم تعليمات بالإجابة عن السؤال الذي سيُطرَح عليهم إجابةً صحيحة، وهي (أ)، في حين يجيب البعض الآخر الإجابة الخاطئة، (ب)، عن عمد. لست على علم بذلك، لكن لا أهمية لذلك في البداية؛ لأنك ما إن ترَ الشريحة حتى تثق تمامًا أن الإجابة هي (أ). لكن قبل أن تتمكن من التعبير عن رأيك، عليك أن تنتظر أن ينطق الآخرون جميعًا بإجاباتهم، وفي تلك الأثناء من الجائز أن تغيِّر رأيك. تصوَّر الآن أن ستة من بين الأفراد السبعة قد صوتوا للإجابة (أ)، الأمر الذي يعزز رأيك، في حين صوَّت شخص واحد للإجابة (ب). ذلك الشخص أحمق بالطبع، وسيسخر منه الجميع، وما من سبيل لتغيِّر رأيك، وإذا صوَّت شخصان للإجابة (ب)، فمن المحتمل ألا يتغير شيء؛ فستظل الأغلبية داعمة لرأيك الطبيعي، ومن ثم ليس هناك سبب لتشك في نفسك، أما إذا صوَّت ثلاثة أو أربعة أشخاص للإجابة (ب)، فربما يبدأ القلق في التسرب إلى نفسك. ما الذي يحدث؟ كيف يمكن لمجموعة من الناس أن تنقسم على نفسها إلى هذا الحد بشأن أمر على هذا القدر من الوضوح؟ ما الذي غفلت عنه؟ قد تظن حينها أنك لست على يقين تام، وإن كنت عديم الثقة بالذات، فقد تغيِّر رأيك، لكن ربما تكون واثقًا حقًّا من إجابتك، فلا يزعزعك شيء عن قرارك. حسنًا، والآن ماذا إذا صوَّت خمسة أفراد للإجابة (ب)، أو ستة، بل ماذا إذا أجاب الأفراد السبعة جميعهم بتلك الإجابة؟

ما المرحلة التي سينهار عندها يقينك؟ ما المرحلة التي ستعلن فيها إذعانك ذهنيًّا وتسلِّم فيها بأنك لا تستوعب ما يفهمه الآخرون جميعًا؟ ربما لن تفعل ذلك أبدًا؛ فبعض الناس لا يغيرون رأيهم مطلقًا، لكن في المواقف التي نحمل فيها شكًّا ما في نفوسنا، حتى لو كان بسيطًا للغاية، يفعل أغلبنا ذلك؛ هذا بالتأكيد ما أشارت إليه تجارب آش. وعند دراسة النتائج التي توصل إليها آش بمزيد من التعمق نكتشف أمرًا أكثر إثارة؛ فقد أثبت، بتغيير عدد الناس في الغرفة، أن نزعة الخاضعين للتجربة للموافقة على رأي الأغلبية كانت مستقلة إلى حد بعيد عن العدد المطلق للأفراد، فلم يكن مهمًّا هل ثلاثة أفراد أم ثمانية أجابوا إجابة معينة؛ المهم أنهم أجمعوا عليها. الأمر الثاني الذي لاحظه آش أنه في حال ظهور أي صدع بسيط في حائط الإجماع هذا — أي إذا تلقَّى فرد واحد من الأغلبية تعليمات بأن يجيب إجابة صحيحة، ومن ثم يتفق مع الشخص الخاضع للتجربة — فسوف تعود إليه ثقته في الغالب، ومن ثم يشهد معدل الأخطاء تراجعًا حادًّا.

تكشف هذه التنويعات حول نتيجة آش الرئيسية عن بعض المعاني الخفية المهمة للقاعدة العامة التي تنص على أن الكائنات الاجتماعية تعير بعضها بعضًا اهتمامًا عند اتخاذ القرارات؛ أولًا: ليس العدد المطلق لمن يتخذون خيارًا معينًا هو الذي يلزم المرء باتباع نهجهم، بقدر ما هو العدد النسبي، أو الجزئي، من الناس الذين يفضلون أحد البدائل على غيره. ولا يعني ذلك أن حجم العينة لا علاقة له بالأمر، فإذا التمست القليل فقط من الآراء قبل اتخاذ قرار ما، فسوف يحمل كل رأي قيمة أكبر مما إذا التمست آراء الكثير من الناس، لكن ما إن يُحدَّد عدد المجاورين لك، ويُعرض الخيار؛ الخيار (أ) في مقابل الخيار (ب)، يكون العدد «النسبي» للمجاورين لك ممن يختارون (أ) بدلًا من (ب) هو الدافع وراء قرارك. ثانيًا: يمكن أن يكون للتغيرات الطفيفة في نسبة المجاورين لك ممن يتخذون خيارًا واحدًا بدلًا من الآخر تأثير هائل على قرارك النهائي. على سبيل المثال، عندما نسمع شائعة ملفقة، قد نرغب عن تصديقها، لكننا عندما نسمع الشائعة نفسها من مصدر ثانٍ، وربما ثالث، نميل في مرحلة ما للانتقال من الشك إلى القبول (ربما على مضض)، ومرة أخرى نتساءل: كيف يمكن لهذا العدد الكبير من الناس أن يجانبهم الصواب؟

ومن ثم، مع أن اتخاذ قرار ما يمكن اعتباره نوعًا من «الإصابة بعدوى» فكرة معينة، فإن آلية العدوى هنا مختلفة تمامًا عن العدوى بمرض ما؛ ففي الأمراض ينطوي التعرض لشخص واحد مصاب بالعدوى على القدر نفسه من احتمالية الإصابة مهما يكن عدد حالات التعرض غير الناجحة التي حدثت قبل ذلك. بعبارة أخرى، تحدث حالات العدوى بالأمراض على نحو «مستقل» بعضها عن بعض. على سبيل المثال، في حالة الأمراض المنقولة جنسيًّا، إذا أقام شخص ما علاقة جنسية مع آخر مصاب بالعدوى، وحالفه الحظ في ألا يصاب بها، فإن احتمالية تجنبه للضرر في المرة التالية التي يتعرض فيها هذا الشخص للعدوى، لن تزيد أو تقل؛ فكل مرة مستقلة بذاتها. يعرض الشكل ٨-١ رسمًا بيانيًّا يعكس الاحتمالية المتزايدة للإصابة بالعدوى، ومع أن هذه الاحتمالية تكون ثابتة في حالة الأعداد الكبيرة من المتجاورين المصابين بالعدوى، فمع كل حالة تعرُّض إضافية تزيد الاحتمالية الكلية لتعرض الأعداد الصغيرة للعدوى بالقدر نفسه تقريبًا.
fig43
شكل ٨-١: احتمالية الإصابة بالعدوى في نموذج انتشار الأمراض القياسي تعتمد على عدد الأفراد المجاورين للمرء المصابين بالعدوى.
على النقيض من ذلك، العدوى الاجتماعية مشروطة إلى حد بعيد؛ إذ يعتمد تأثير رأي شخص معين — ربما على نحو هائل — على الآراء الأخرى التي تُلتمس. على سبيل المثال، يمكن أن يمثِّل رأي سلبي بشأن أحد المرشحين المحتملين لوظيفة ما القشة التي تقصم ظهر البعير إذا جاء في أعقاب ملاحظات سلبية سابقة، أو قد يُتجاهل تمامًا إذا تبعه عدد وافر من التقارير الإيجابية؛ لذا فإن قاعدة القرار الاجتماعي تشبه ما هو موضح في الشكل ٨-٢، حيث تزيد احتمالية اختيار النتيجة (أ) ببطء شديد في البداية مع زيادة نسبة المجاورين الذين يختارون (أ)، قبل أن تقفز سريعًا عند تجاوز «الحد الحرج». نظرًا لهذا التحول المفاجئ من بديل لآخر، نطلق على هذا النوع من قواعد القرارات «قاعدة الحدود»، وهي القاعدة التي يعبِّر فيها موضع حد الشخص عن مدى سهولة تأثره. يقع الحد، في تجارب آش، قريبًا للغاية من الرقم واحد؛ ذلك لأن أي شيء أقل من الإجماع المطلق أدى إلى عدد قليل للغاية من الأخطاء من جانب الخاضعين للتجربة، لكن في المواقف الأخرى التي يشوبها قدر أكبر من الشك، مثل اختيار جهاز كمبيوتر جديد أو التصويت لأحد الأحزاب السياسية، حيث قد يبدو أفضل بديل مبهمًا، يمكن أن تكون قيم الحدود أقل بكثير.
fig44
شكل ٨-٢: احتمالية اختيار (أ) في مقابل (ب) في صناعة القرار اجتماعيًّا، وذلك وفقًا لنسبة الأفراد المجاورين الذين يختارون (أ). عند الوصول إلى «الحد الحرج» للفرد، تقفز احتمالية اختيار (أ) سريعًا من الصفر تقريبًا إلى حوالي واحد.

ثمة سبل أخرى لاستنباط قواعد الحدود، المتوافقة مع الأنواع المختلفة للمؤثرات الخارجية التي تناولناها في الفصل السابق. على سبيل المثال، يمكن تمثيل قرار تبنِّي تقنية جديدة بقاعدة حدود إذا كانت هذه التقنية عرضة لمؤثرات السوق الخارجية. لا أهمية هنا لاختلاف أصل المؤثرات الخارجية عن مؤثرات المعلومات الخارجية المستخدمة في تجارب آش. في مثال جهاز الفاكس، كل ما يهم فيما يتعلق بقرار الشراء (بجانب التكلفة) هو أن تمتلك نسبة معينة من الناس الذين تتواصل معهم (أو ترغب في التواصل معهم) أجهزة فاكس، بالإضافة لذلك، فإن احتمالية تبنِّي مثل هذه التقنية يمكن أن تتغير سريعًا، إذا زاد عدد الأفراد المالكين للفاكس — كنسبة من إجمالي عدد من تتواصل معهم — ليتجاوز الحد الذي يصبح فيه الشراء ذا مغزى اقتصادي.

يمكن أيضًا استنباط قواعد الحدود من مؤثرات التنسيق الخارجية في المعضلات الاجتماعية، حيث لا تستحق تكلفة المساهمة في المصلحة العامة وحدها ما يُبذَل في سبيلها من عناء، إلا عندما يساهم عدد كافٍ أيضًا من الأفراد الآخرين. يعتمد الوضع الفعلي لحد الفرد بدقة على مدى اهتمام ذلك الفرد بالمكاسب المستقبلية مقارنةً بالربح قصير الأجل للتصرف على نحو أناني، وأيضًا مدى التأثير الذي يرى أنه يحدثه. من الممكن أن يكون لدى الأفراد حد مرتفع يجعلهم لا يشاركون مطلقًا، بصرف النظر عما يفعله الآخرون، أو حدٌّ منخفض يدفعهم للمشاركة دائمًا. المهم هنا هو أنه مهما تكن ماهية هذا الحد أو كيفية وصوله لهذه الدرجة على وجه التحديد، فكل شخص له حد ما.

ولهذا من الأهمية بمكان فهمُ نماذج حدود صناعة القرار. ومع أنه قد يوجد الكثير من السبل لاستنباط إحدى قواعد الحدود — سواء من منطق نظرية الألعاب أو رياضيات العوائد المتزايدة أو الملاحظة التجريبية — فما إن يترسخ وجودها حتى لا يكون هناك داعٍ لأن نشغل بالنا بكيفية استنباطها، ونظرًا لأن اهتمامنا منصب على صناعة القرار الجماعي، فإن كل ما نحتاج إلى معرفته بشأن قاعدة صناعة القرار ذاتها هو أنها تتسم ببعض السمات الأساسية لصناعة القرار الفردي. ما يعنينا الآن هو «النتائج» على مستوى «مجموعة الأفراد». بعبارة أخرى، عندما يبحث الجميع عن إشارات حول ما يجب فعله، وتصدر عنهم هم أنفسهم إشارات، فما شكل القرار الذي من المرجح أن تُجمِع عليه مجموعة الأفراد ككل؟ هل سيظهر التعاون أم سيظل الوضع الراهن كما هو؟ هل ستؤدي سلسلة البيع إلى تحول الأسعار إلى فقاعة غير مستقرة أم سيسود حس بقيمة جوهرية ما؟ هل سينجح أحد الابتكارات التكنولوجية أم يفشل؟ هذه هي نوعية الأسئلة التي يمكن أن نأمل أن تجيب عنها النماذج البسيطة القائمة على قواعد الحدود. ونظرًا لأن قاعدة الحدود تعبر عن العديد من مواقف صنع القرار اجتماعيًّا، فأيًّا كان ما ستعبر عنه بشأن صناعة القرار الجماعي فسيُطبَّق بصرف النظر عن كثير من التفاصيل.

(٢) تحديد نقاط الاختلاف

رغم ما ذُكِر سابقًا، فإن بعض التفاصيل مهمة بالفعل، وأهم شيء هو أنه في مشكلات العدوى الاجتماعية بكافة صورها، يجدر بنا أن نضع في حسابنا ملاحظة أساسية مفادها أن «البشر مختلفون». يتمتع البعض — أيًّا كان السبب وراء ذلك — بإيثار يفوق ما يتسم به الآخرون، ولديهم الاستعداد لتحمل تكلفة شخصية أكبر لدعم فكرة لم تحظَ بعدُ بفرصة للنجاح. هؤلاء هم متظاهرو لايبزيج، والمحتجون بميدان السلام السماوي، ومريدو القس الألماني مارتن لوثر، وأتباع الزعيم الأمريكي مارتن لوثر كينج؛ جميعهم وضعوا حياتهم وحريتهم على أكفِّهم في معركتهم للدفاع عما يؤمنون به، ونادرًا ما ينتهي بهم المآل منعَّمين بحياة رغدة، لكنهم يلعبون الدور المحوري في الريادة، أما البعض الآخر، فيتَّسمون بالتعاطف والرغبة في المشاركة، لكن ليس قبل أن تتضح إمكانية نجاح الفكرة، وتقل تكاليف الانضمام إليها، وثمة فئة أخرى لا تنضم إلى الفكرة إلا عندما يبدو النجاح مؤكدًا تمامًا؛ فيخشون أن يفوتهم جني ثماره.

من الأمور المهمة أيضًا من منظور صناعة القرار أن الأفراد يملكون بوجه عام مستويات مختلفة من المعلومات أو الخبرات المرتبطة بإحدى المشكلات، ومن ثم من السهل أن يتأثر بعضهم بسهولة أكبر مقارنة بآخرين. يختلف الناس أيضًا من حيث قوة قناعاتهم، بصرف النظر عما إذا كانوا أكثر معرفة أم لا؛ فبعض الناس مبتكرون بطبيعتهم؛ يحلمون دائمًا بأفكار جديدة أو استخدامات مبتكرة للمنتجات الموجودة بالفعل، أما البعض الآخر الأقل ابتكارًا، فيبحثون باستمرار عن أحدث الأدوات أو الصيحات، آملين في تحقيق الربح من استثمار مبكر أو التفاخر فحسب أمام أصدقائهم، لكن يواصل آخرون التمسك بما يفهمونه بالفعل، رغم محاولات تغيير العالم من حولهم. ومعظمنا في المنتصف بين هذا وذاك، تشغلنا حياتنا لدرجة لا تسمح لنا بقضاء وقت طويل في الابتكار أو البحث عن المبتكرات، لكن يسعدنا دائمًا الانضمام إلى الآخرين ما إن يصبح خطر الظهور بمظهر الحمقى في أدنى مستوى له.

مع أن تنوع تفضيلات الناس وأمزجتهم أمر معقد في الحياة الواقعية، فمن اليسير نسبيًّا التعبير عنه في نموذج الحدود الذي سبق لنا تناوله، وعلى عكس معظم النماذج في الفيزياء (بل في الاقتصاد أيضًا) حيث يُعَد الأفراد متماثلين بوجه عام، يمكن للأفراد هنا في شبكتنا أن يكون لهم حدود مختلفة، حيث يمكن تفسير «التوزيع العام للحدود» (الموضح مثال عليه في الشكل ٨-٣) كقياس للتنوع في مجموعة الأفراد ككل. وهذا النوع من التنوع، الذي يمكن أن نطلق عليه «التنوع الجوهري»، يبدو مهمًّا في انتشار سلاسل المعلومات؛ بطرق مدهشة في بعض الأحيان. على سبيل المثال، يؤدي وجود مجموعة متنوعة كبيرة من الحدود الشخصية في مجموعة الأفراد إلى زيادة فرص المنتجات أو الأفكار الجديدة في الانتشار بصورة كبيرة.
fig45
شكل ٨-٣: يعكس توزيع احتمالية الحدود بمجموعة الأفراد تنوع الخصائص الفردية.

ثمة نوع آخر من التنوع على درجة من الأهمية: إذا كان انتباه بعضنا لبعض مهمًّا إلى هذا الحد، فلا بد أن «عدد» من ننتبه إليهم مهم أيضًا. على سبيل المثال، عندما أشتري ملابس جديدة، أصطحب معي في أغلب الأحيان امرأة ما، خشية أن تتسبب احتمالية اتخاذي قرارات بشأن ملابسي دون رقابة في إصابتي بالفزع وهجر فكرة الشراء. من الأمثل لي أن أصطحب معي أكثر من امرأة واحدة، ليس فقط لأن ذلك سيحدث العجائب في مظهري، بل أيضًا لأن العديد من الآراء من المحتمل أن تؤدي إلى معلومات يمكن الاعتماد عليها على نحو أكبر، لكن عادة ما يُعد إقناع أكثر من واحدة من صديقاتي بالمجيء معي للتسوق أمرًا صعبًا جدًّا، ومن ثم يجب عليَّ تحري الدقة عند اختياري لصديقتي؛ فرأيها — في ظل عدم تمتعي بذوق راقٍ في الملابس — يكون قاطعًا، وما سينتهي بي الحال مرتديًا إياه يكون تحت رحمتها تمامًا. في مواقف أخرى، بدءًا من اختيار فيلم معين، أو زيارة مطعم ما، أو شراء جهاز كمبيوتر محمول جديد، أو تعيين مرشح محدد في وظيفة ما، قد نلتمس مجموعة مختلفة من الآراء تعتمد على أهمية القرار لنا والوقت المتاح أمامنا، لكن لا تعد الآراء الكثيرة أفضل دائمًا، فكلما زاد عدد الآراء التي نلتمسها لاتخاذ قرار ما، تراجع مدى تأثرنا بأي منها، ومن ثم قلَّ تأثير أي اقتراح منفرد.

يمكن اعتبار الإحصائيات الإجمالية؛ كاستطلاعات الآراء أو حصص السوق لمنتج معين، من نفس نوعية المعلومات المنقولة اجتماعيًّا التي نحصل عليها من أصدقائنا، لكنها تنتشر بين عدد أكبر من الأفراد. كثيرًا ما تروِّج شركة فورد لسيارتها «إكسبلورر» تحت مسمى «السيارة الرياضية متعددة الأغراض الأكثر مبيعًا في أمريكا»، لتشير ضمنًا إلى أنه إذا نالت السيارة إعجاب هذا العدد الكبير من الناس، فسوف تنال إعجابك أنت أيضًا. يعد سعر سهم ما مثالًا آخر على هذا الأمر: فكلما زاد عدد الأشخاص الذين يريدون شراء الأسهم في السوق كلها، ارتفع سعرها. ظاهريًّا، يبدو أن هذا النوع من المعلومات العامة ينبغي أن يكون أكثر موثوقية من طرح الأسئلة فحسب على أصدقائك؛ فهي صادرة عن عينة كبيرة من الناس.

مع ذلك، فكثيرًا ما نتأثر على نحو متفاوت بالآراء أو الأفعال الصادرة عن زملاء أو مصادر أو معارف أو أصدقاء مقربين لنا. على سبيل المثال، عند اتخاذ قرار بشأن شراء جهاز كمبيوتر محمول شخصي أو ماكنتوش، ستبدو حقيقة تفوُّق الكمبيوتر الشخصي على الماكنتوش من حيث المبيعات عالميًّا أمرًا غير ذي صلة إذا كان كل من تعمل معهم يستخدمون الماكنتوش. في الواقع، أشارت إحدى حملات الدعاية الحديثة لشركة آبل إلى أنك إذا كنت محاسبًا (أي «مضجر، ممل، يتحاشاه الآخرون في الحفلات»)، فستستخدم الكمبيوتر الشخصي على الأرجح، أما إذا كنت تعمل في الفن أو التصميم أو الأزياء (أي «عصري، أنيق، دائم الانشغال»)، فأنت على الأرجح تستخدم جهاز ماكنتوش. تتمثل الرسالة هنا في أن المعلومات التي يمنحها لك أصدقاؤك تكون أهم من أي معلومات عامة أخرى قد تحصل عليها؛ وذلك لأنها أكثر صلة بك أنت؛ لذا فإن طرح الأسئلة على عدد قليل للغاية من الأفراد قد يكون سيئًا؛ وذلك لأنك تجعل نفسك عرضة للأخطاء، لكن طرحها على عدد كبير للغاية من الأفراد أمر سيئ أيضًا؛ لأن المعلومات ذات الصلة تضيع في هذه الحالة وسط الزحام.

بالإضافة إلى ذلك، فإن شبكات المعلومات الاجتماعية مهمة، ليس فقط لأنها تساعدنا في اتخاذ قرارات فردية أفضل، بل أيضًا لأنها تسمح للأمور التي أُدركَت في أحد السياقات بالانعكاس على سياق آخر، ونظرًا لأن هذا النوع من الانعكاس يعد أمرًا محوريًّا في ديناميكيات السلاسل، فإن للشبكات الاجتماعية مكانة جوهرية في عملية تحول شيء بسيط إلى شيء مهم. عندما طرحت شركة «ثري كوم» الإصدار الأول لها من أجهزة «بالم بايلوت»، لم يشترِها سوى المولعين بالتكنولوجيا، وهذه المجموعة الصغيرة من الناس — الذين انتمى أغلبهم إلى فئة المهندسين والعاملين في مجال التكنولوجيا في وادي السليكون ومنطقة خليج شمال كاليفورنيا المحيطة به — لم تكن بحاجة لتوجيه من أحد لكي يمتلكوا أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا، فقد كان ما يعنيهم حقًّا هو الابتكار نفسه؛ فوجب عليهم امتلاكه، بصرف النظر عما إذا ابتاعه آخرون أم لا. لكن المولعين بالتكنولوجيا حقًّا، شأنهم شأن المولعين بأحدث صيحات الأزياء والمتابعين المخلصين لها، يندر وجودهم نسبيًّا، بل إنهم نادرون لدرجة تجعل من العسير عليهم إنجاح منتج جديد وحدهم، لكنهم إذا تمكنوا من إعلاء شأن هذا المنتج في عالمهم الصغير حتى ينعكس على العوالم الصغيرة الأخرى التي يتصلون بها، فقد تعطي كل هذه العوالم الصغيرة هذا المنتج الدفعة التي يحتاجها ليدخل العالم الأكبر ويصبح سلسلة. لكن على أي صورة يجب أن يكون اتصالهم؟

(٣) السلاسل في الشبكات الاجتماعية

كان ذلك هو السؤال الذي بدأتُ في العمل للإجابة عنه. في النهاية، كان ما أردته هو التوصل إلى السمات المحددة للشبكات الاجتماعية — مثل وجود المجموعات والمجتمعات، ونزعة الأفراد للاتصال عبرها — التي تعزز من نمو أثر مبدئي بسيط إلى حركة عالمية. إذا أراد شخص ما — على سبيل المثال — إشعال ثورة أو بدء صيحة جديدة، فكيف ينبغي عليه أن يبادر بها؟ هل توجد نقاط ضعف في الشبكات إذا اسْتُهدِفَت على النحو الصحيح تمامًا، تتحول الصدمة البسيطة إلى وباء، ويشكِّل كل قرار متعاقب الظروف المؤدية إلى القرار التالي؟ وإن كان الأمر كذلك، فهل يمكن استغلال هذه المعرفة لتعزيز احتمال ظهور سلسلة ما؟ أو الحيلولة دون ذلك الظهور؟ هل يمكن لهذا المنطق نفسه أن يتسع ليشمل نظمًا مصممة هندسيًّا، كشبكات الطاقة، لتقليل احتمالية حدوث عطل متسلسل، مثل العطل الذي حدث في شهر أغسطس من عام ١٩٩٦؟ هل يمكن إنشاء جدران الحماية، بصورة ما، في الشبكات على النحو نفسه تقريبًا الذي تقام به في المباني لاحتواء الحرائق؟

كانت هذه كلها أسئلة جيدة، لكن مع تعمقي أكثر في المشكلة، صار من الجلي أن الإجابات لن تأتي بسهولة؛ فالعدوى الاجتماعية أكثر تناقضًا مع المنطق من العدوى البيولوجية؛ ذلك لأنه في نماذج الحدود، يعتمد تأثير تصرف شخص ما على الآخر اعتمادًا كبيرًا على المؤثرات الأخرى التي تعرَّض لها هذا الشخص الآخر. أما في انتشار الأمراض — كما سبق وأوضحنا — فلسنا بحاجة للقلق بشأن هذا التأثير؛ لأن كل حالة عدوى يُنظَر إليها على نحو مستقل عن أي حالة أخرى، لكن في العدوى الاجتماعية، يمكن أن يُحدِث هذا الأثر اختلافًا هائلًا.

يمكن لمجموعة منعزلة من الناس — طائفة دينية كالطائفة الداودية مثلًا — أن تحافظ على معتقدات غير قابلة للتصديق على الإطلاق ما دام أفرادها يظلون في سياق يمكنهم في إطاره تعزيز بعضهم لبعض باستمرار، ومنع بعضهم بعضًا من التفاعل مع العالم الخارجي، لكن لهذا السبب ذاته، تظل أفكارهم محصورة في المجموعة ذاتها التي ظهرت فيها. على النقيض التام من ذلك، يمكن للأفراد المشتركين في الكثير من المجموعات المختلفة على نحو متزامن أن يخبروا أنواعًا أكثر من الناس بأفكارهم، والوصول أيضًا إلى مجموعة أشمل من المعلومات، لكن يقل احتمال سيطرة أي رؤية عامة واحدة عليهم، وقد يضطرون أحيانًا إلى إقناع الآخرين بأفكارهم بأنفسهم، دون الاستعانة بدعم الآخرين إلا فيما ندر؛ لذا فإن انتشار الأفكار، على عكس انتشار الأمراض، يتطلب الموازنة بين تماسك المجموعات والاتصال فيما بينها.

من الحقائق الغريبة التي عرفتها أثناء دراستي بجامعة كورنيل بشأن إيثاكا أن المدينة تدعم عملة بديلة، تُعرَف باسم «إيثاكا آورز»، وهي عملة يمكن جنيها وإنفاقها في عدد من المتاجر في وسط المدينة. ومع أن هذا النظام قد يبدو غريبًا، فقد استمر ثابتًا لما يزيد عن عقد من الزمان، لكنه ظل أيضًا قاصرًا على نطاق شديد المحلية، بل لم ينتشر ليصل إلى الأعمال التجارية المحيطة بحرم جامعة كورنيل. عندما تركتُ إيثاكا في عام ١٩٩٧، وانتقلت في البداية إلى نيويورك (كباحث ما بعد الدكتوراه بجامعة كولومبيا)، أذكر أن بنكَي سيتي بنك وتشيس مانهاتن كانا يحاولان أيضًا طرح نوع ما من العملات البديلة — بطاقة نقدية إلكترونية — في الجانب الغربي العلوي من مانهاتن، ومع الترويج المكثف الذي أجراه اثنان من أكبر البنوك في البلاد، فشل هذا البديل — الأفضل افتراضيًّا — للنقود الورقية في الانتشار.

هناك الكثير من الاختلافات بين هذين المثالين، لكن أكثر هذه الاختلافات ملاءمةً لهذه المناقشة هو أنه في إيثاكا، تتسم شبكة العملاء والباعة باتصالها الوثيق، مما يمكنها من تحقيق الاستمرارية لنفسها، وعلى النقيض، تتسم منطقة الجانب الغربي العلوي من مانهاتن باندماجها الوثيق مع باقي نيويورك، ومن ثم لا يرى أحد مصلحة في التعامل بالبديل المحلي للنقد، لكن لو كانت البطاقات النقدية قد انتشرت بالجانب الغربي العلوي، لبدا من المعقول أن ينتشر هذا الابتكار — على عكس «إيثاكا آورز» — للسبب نفسه بالضبط الذي فشل نتيجةً له. ومرة أخرى، يبدو أن نجاح أحد الابتكارات يتطلب تبادلًا بين التعزيز المحلي والاتصال العالمي، وهذا المتطلب يجعل العدوى الاجتماعية أصعب كثيرًا في فهمها من العدوى البيولوجية التي يكون فيها الاتصال هو الأهم.

بعد قدر لا بأس به من البحث غير المثمر، سلَّمتُ بأنه مع بساطة نموذج الحدود، كان لا بد من تبسيطه أكثر إذا كنت أرغب في استبعاد التعقيدات التي يتسم بها الهيكل الجماعي من مفهوم السلاسل التي تنتشر عبر شبكات الارتباط؛ لذا قررت البدء بشبكة ليس بها أي هيكل جماعي على الإطلاق: رسم بياني عشوائي. ومع أن الرسوم البيانية العشوائية ليست نماذج جيدة تمامًا للشبكات الاجتماعية الحقيقية، فهي مع ذلك نقطة جيدة للبدء بها. وعاهدت نفسي بأنني ما دمتُ لا «أقتصر» على الرسوم البيانية العشوائية، فسيكون من الجيد استخدامها نقطة انطلاق لاستكشاف التمثيلات الأكثر واقعية للشبكات، وكما سنرى، تصبح الأمور أكثر تعقيدًا حتى مع الرسوم البيانية العشوائية نفسها، لكن يظل بإمكاننا تعلم بعض الدروس العامة المذهلة منها.

نظرًا لأن النسخة الفنية لنموذج الحدود تجريدية إلى حد ما، فسيكون من المفيد استخدام مصطلح «انتشار الابتكارات» المنطقي، الذي قدمه إيفريت روجرز في ستينيات القرن العشرين. ومع أن كلمة «ابتكار» ترتبط عادةً بطرح تقنيات حديثة، يمكن استخدام المفهوم للإشارة إلى الأفكار والممارسات كذلك، ومن ثم يمكن أن يكون الابتكار عميقًا للغاية، مثل فكرة حديثة ثورية أو مبدأ اجتماعي جديد يدوم لأجيال، أو قد يكون تافهًا تمامًا، كدراجة الأرجل (السكوتر) أو أحد تصميمات الأزياء التي لن تحظى بشعبية إلا لموسم واحد فقط. يمكن أن يكون أي شيء بين هذا وذاك فعليًّا، بما في ذلك العقاقير الطبية الجديدة، وتقنيات التصنيع الحديثة، ونظريات الإدارة الحديثة، والأجهزة الإلكترونية الجديدة. وبناءً عليه، يمكن استخدام مصطلح «المبتكرون» للإشارة ليس فقط إلى الأفراد الذين يقدمون أجهزة حديثة، بل أيضًا إلى مؤيدي الأفكار الجديدة، أو بصورة أعم، أي صدمة بسيطة تهز كيان أي نظام اتسم فيما مضى بالسكون. وتشمل عبارة «المعتنقون الأوائل»، التي تُستخدَم غالبًا لوصف الأفراد الذين يتبنون أي خدمة أو منتج جديد، ويرشحونه للآخرين، جميع الرواد والمناصرين وأتباع الثائرين أيضًا. والمعتنقون الأوائل، كهواة التقنية في وادي السليكون، ليسوا سوى أفراد كان لهم أسبقية التأثر بأحد المنبهات الخارجية.

ومع ما تثيره مفردات روجرز من أفكار، فهي ليست دقيقة بما يكفي لتجنب الالتباس. على سبيل المثال، قد يكون من الصعب تحديد هل الأفراد تبنوا فكرة جديدة لأنهم كانوا أكثر ميلًا لها مسبقًا بطبيعتهم (لديهم حد منخفض)، أو لأنهم كانوا عرضة لتأثيرات خارجية قوية للغاية (تصادف وجود أعداد كبيرة من المعتنقين السابقين للفكرة في الحي الذي يقطنون به). قد يبرر أيٌّ من هذين التفسيرين الاعتناق المبكر للفكرة، لكن كلًّا منهما يحمل معنى ضمنيًّا مختلفًا تمامًا فيما يتعلق بالأفراد قيد البحث. في أغلب الأحيان، نقبل ببساطة أن مصطلحات من قبيل «المبتكرون» و«المعتنقون الأوائل» تحمل معاني غير موضوعية، ونستخدمها بأي وسيلة تناسب هدفنا وقت استخدامها، لكن نظرًا لأن لدينا إطارًا رياضيًّا دقيقًا نستعين به في عملنا، يمكن أن نقدم ما هو أفضل، وإذا أردنا تحقيق أي تقدم، فسوف نحتاج إلى ذلك.

لذا، من الآن فصاعدًا، سيشير مصطلح «المبتكر» إلى نقطة تلاقٍ تشهد نشاطًا عشوائيًّا في بداية «دورة الابتكار». عندما تبدأ الدورة، تكون كل نقطة تلاقٍ غير نشطة (خاملة)، ثم يُحفَّز الابتكار عن طريق الاختيار العشوائي لنقطة أو أكثر (تمثل البذرة الأولى) بحيث تنشط (تتحول إلى وضع التشغيل)؛ هؤلاء هم المبتكرون. يمكن الآن أيضًا تعريف «المبتكر المُبكِّر» بأنه نقطة تلاقٍ تتحول من حالة الخمول إلى النشاط تحت تأثير جارٍ واحد نشط. نظرًا لرغبتنا في فهم سرعة تأثر الشبكات بالسلاسل، نصف نقاط التلاقي التي تمثل المعتنقين الأوائل في هذه الحالة بالتحديد بأنها «سريعة التأثر»؛ إذ يمكن تنشيطها بأقل قدر ممكن من التأثير من نقاط التلاقي المجاورة لها في الشبكة. تكون كل نقاط التلاقي الأخرى في هذه الأثناء «مستقرة» (مع أن هذه النقاط المستقرة أيضًا — كما سنرى فيما بعد — يمكن تنشيطها في ظل الظروف المناسبة)؛ لذا يمكن أن تتسم نقاط التلاقي بسرعة التأثر على أيٍّ من النحوين التاليين: إما لأن لها حدًّا منخفضًا (ومن ثم ميلًا مسبقًا للتغير)، أو لأن عدد نقاط التلاقي المجاورة لها قليل للغاية، لكن كلًّا منها له تأثير قوي.

في الواقع، يمكن أن يكون للمعتنقين الأوائل أي حد على الإطلاق، ما دام لديهم عدد قليل كافٍ من المجاورين. قد يبدو هذا فارقًا غريبًا، لكنه جدير بالفهم؛ لأنه يغير توجهنا في تناول المشكلة بالكامل، فبدلًا من الحكم على المعتنقين الأوائل في ضوء حدودهم، يمكننا التركيز على درجتهم التي — كما أوضحنا في الفصل الرابع — تشير إلى عدد المجاورين لهم. على سبيل المثال، في الشكل ٨-٤، لنفترض أن الحد الخاص بنقطة التلاقي (أ) يبلغ الثلث. في الجزء العلوي يوجد للنقطة (أ) ثلاث نقاط تلاقٍ مجاورة، إحداها نشطة، ونظرًا لأن هذه النقطة الوحيدة النشطة تشكل ثلث عدد النقاط المجاورة للنقطة (أ)، يتم الوصول إلى حد النقطة (أ) وتنشط، ومن ثم يصير (أ) معتنقًا أولًا. على النقيض من ذلك، في الجزء السفلي، تمتلك النقطة (أ) الحد نفسه، لكن لديها هنا أربع نقاط تلاقٍ مجاورة بدلًا من ثلاث، ونظرًا لأن النقطة النشطة الوحيدة المجاورة لها لا تشكل الآن سوى ربع مجموع النقاط المجاورة، فلن تنشط النقطة (أ)، ومن ثم يمكن أن يكون حد الثلث، اعتمادًا على درجته، منخفضًا بما فيه الكفاية لتصبح النقطة (أ) معتنقًا أولًا، أو لا. بعبارة أخرى، يمكن القول إنه في حالة حد الثلث، تكون «الدرجة العليا الحرجة» لنقطة التلاقي (أ) هي ثلاثة، حيث تتحدد هذه الدرجة بوصفها الحد الأقصى لعدد النقاط المجاورة التي يمكن أن تمتلكها نقطة تلاقٍ واحدة، ويظل من الممكن تنشيطها بواسطة «أي» نقطة مجاورة، وإذا كان حد النقطة (أ) أقل من ذلك (الربع، مثلًا)، فسترتفع الدرجة العليا الحرجة (أربعة)، والعكس. الجدير بالذكر هنا هو أنه فيما يتعلق بأي حَدٍّ، يمكننا دائمًا تعيين درجة عليا حرجة مكافئة، وإذا كان لدى نقطة التلاقي عدد من النقاط المجاورة أكبر من الدرجة العليا الحرجة لها، فستكون مستقرة أمام تأثيرات النقاط المجاورة الفردية، وإن لم يكن الأمر كذلك، فستكون سريعة التأثر؛ لذا فإن تغير الدرجة — مثل الملاحظة التي أوضحناها من قبل بأن بعض الناس لديهم عدد أكبر من الأصدقاء أو يلتمسون ببساطة عددًا أكبر من الآراء مقارنةً بالآخرين — أمر محوري لاستقرار الأفراد، ومن ثم لديناميكيات السلاسل.
fig46
شكل ٨-٤: لأي حد من الحدود، يمكن تنشيط أي نقطة تلاقٍ بواسطة نقطة مجاورة واحدة إذا كانت درجتها أقل من الدرجة العليا الحرجة المكافئة لحدها أو مساوية لها. يكون هنا لنقطة التلاقي (أ) حد الثلث، ومن ثم يكون مقدار الدرجة العليا الحرجة هو ثلاثة. في الجزء العلوي تمتلك النقطة (أ) ثلاث نقاط تلاقٍ مجاورة، ومن ثم تنشط، أما في الجزء السفلي، فلديها أربع نقاط تلاقٍ مجاورة، ومن ثم تظل غير نشطة.

(٤) السلاسل والتخلل

في ظل هذا الإطار، يمكن الآن تحديد مسألة ظهور سلسلة المعلومات داخل مجموعة من صانعي القرار من عدمه تحديدًا دقيقًا. في شبكة الأفراد التي ننتمي إليها، يكون لكل فرد حد داخلي ومجموعة من المجاورين بالشبكة ينتبه إليهم. في بداية أي دورة ابتكار، يُطرَح ابتكار واحد في مكان ما داخل الشبكة، ثم لا بد أن يحدث أحد الأمرين التاليين قبل انتهاء الدورة: إما أن يختفي الابتكار تدريجيًّا، أو ينفجر ليصبح سلسلة معلومات.

لكن ما المدى الذي يجب أن يصل إليه انتشار الابتكار قبل أن يوصف بالسلسلة؟ يتمثل مفتاح الإجابة عن هذا السؤال في شيء سبق لنا التعرف عليه، وهو: مفهوم التخلل. تذكر أنه في سياق الحديث عن انتشار الأمراض، كان تعريفنا للوباء هو وجود تكتل واحد متصل؛ التكتل المتخلل، الذي يشغل جزءًا لانهائيًّا من الشبكة مهما يكن حجمها. وبالمثل، عندما ينشأ تكتل متخلل في سياق عدوى اجتماعية، يكون النظام عرضة لحدوث «سلسلة عامة». تنشأ سلاسل أصغر حجمًا طوال الوقت؛ فكل صدمة، في الواقع، تؤدي إلى ظهور سلسلة بحجم معين، حتى إن اقتصرت على المبتكر وحده فقط، لكن السلاسل العامة هي الوحيدة التي تنمو على نحو ذاتي الاستدامة بالفعل، ومن ثم تغير من حالة النظم بالكامل، وبناءً عليه، وكما انصب اهتمامنا من قبل على الأوبئة أكثر من ظهور الأمراض نفسها، فإن السلسلة «العامة» هي التي تعنينا الآن.

لكن، على عكس انتشار الأمراض، حيث تحمل كل نقطة تلاقٍ القدر نفسه من احتمالية أن تكون جزءًا من تكتل مصاب بالمرض، لدينا الآن نوعان من نقاط التلاقي — سريعة التأثر والمستقرة — علينا التفكير فيهما على نحو منفصل. إذا تخيلنا ما سيحدث عند طرح ابتكار ما على مجموعة غير نشطة مبدئيًّا من الأفراد، فسنرى أنه لن يتمكن من الانتشار إلا عندما يكون المبتكر الأول متصلًا بمعتنق أول واحد على الأقل. من الواضح أنه كلما زاد عدد المعتنقين الأوائل في مجموعة الأفراد، زاد احتمال انتشار الابتكار، وكلما كبر حجم التكتل المتصل للمعتنقين الأوائل لهذا الابتكار، اتسعت دائرة انتشاره، وإذا تصادف أن التكتل سريع التأثر الذي «يصيبه» الابتكار (أي التكتل الذي يحتوي على مبتكر ما) متخلل عبر الشبكة، فسيؤدي هذا الابتكار إلى ظهور سلسلة عامة، ومن ثم إذا احتوت الشبكة على «تكتل متخلل سريع التأثر»، فمن المحتمل أن تنشأ سلاسل عامة بها، والعكس صحيح؛ إن لم تحتوِ الشبكة على تكتل متخلل سريع التأثر، فدائمًا ما ستختفي السلاسل تدريجيًّا دون أن تنشِّط سوى جزء بسيط من مجموعة الأفراد.

ومن ثم اختُزلت مسألة تحديد هل السلاسل الناجحة يمكن أن تظهر داخل أحد النظم أم لا إلى مسألة إظهار هل للتكتل المتخلل سريع التأثر وجود أم لا وحسب. وصدق أو لا تصدق، فقد حققنا تقدمًا هائلًا في هذا الشأن؛ فمن خلال تحويل ما كان في الأصل ظاهرة ديناميكية (مسار كل سلسلة من صدمة أولية بسيطة إلى حالتها النهائية) إلى نموذج تخلل ثابت (أحجام التكتلات سريعة التأثر)، يَسَّرنا من مهمتنا كثيرًا دون أن نفقد جوهر تساؤلنا الأساسي. لكنها لا تزال مشكلة صعبة. شهدت الصور المختلفة لنماذج التخلل تقدمًا هائلًا خلال الثلاثين عامًا الأخيرة، لكن لم يتم التوصل إلى حل عام على الإطلاق. في الواقع، نظرًا لأن علماء الفيزياء هم من طوروا فكرة التخلل، ولأن تطبيقات الفيزياء تتضمن عادةً شبيكات منتظمة، فليس معروفًا عن التخلل في بِنى الشبكات المعقدة، كالشبكات الاجتماعية، سوى أقل القليل.

في هذا الجانب تحديدًا، أثبتت بنية الرسوم البيانية العشوائية متناهية البساطة أهميتها. في الواقع، عند هذه المرحلة من التفكير في المسألة أدركتُ أنني بحاجة لفهم السلاسل في الرسوم البيانية العشوائية أولًا، وفي تلك الأثناء أيضًا، عملت بالتعاون مع مارك وستيف على التوصل إلى الأساليب الرياضية اللازمة لحساب خصائص اتصال الشبكات العشوائية (انظر الفصل الرابع)، وهي الأساليب التي عدَّلناها فيما بعد بمساعدة دانكن كالاواي بهدف دراسة التخلل في سياق قوة الشبكة (انظر الفصل السادس)، واتضح، بالمصادفة، أن الأدوات نفسها يمكن تطبيقها إلى حد بعيد على مسألة البحث عن تكتلات متخللة سريعة التأثر، لكن ليس على نحو تام؛ لأننا نتعامل الآن مع نوع مختلف من التخلل، ومثلما يوضح الشكل ٨-٤، فإن نقاط التلاقي ذات العدد الكبير من النقاط المجاورة تميل للاستقرار أمام تأثيرات النقاط المجاورة الفردية، ونقاط التلاقي المستقرة، بطبيعتها، لا يمكن أن تكون جزءًا من أي تكتل سريع التأثر، ومن ثم، يحتاج التكتل سريع التأثر للنفاذ بفعالية في غياب أكثر نقاط التلاقي اتصالًا في الشبكة. وليس من المدهش أن يكون لهذا الانحراف عن التخلل القياسي مؤثرات هامة على النتائج.
مع ما تتسم به التفاصيل الرياضية لهذا الأسلوب من فنية عالية، فإن النتائج الرئيسية يسهل فهمها من خلال التفكير فيما يُعرَف باسم «الرسم البياني الطوري»، الذي يعرض الشكل ٨-٥ مثالًا عليه. يمثل المحور الأفقي متوسط قيمة توزيع الحدود؛ أي المقاومة المعتادة لأحد الأفراد لفكرة جديدة، أما المحور الرأسي، فهو متوسط عدد المجاورين بالشبكة (الدرجة) الذين ينتبه إليهم المرء، ومن ثم يلخص الرسم البياني الطوري جميع الأنظمة الممكنة التي يمكن تمثيلها في الإطار البسيط للنموذج. كل نقطة على السطح المستوي تمثل نوعًا محددًا من النظم، مع كثافة معينة للشبكة من ناحية، وحدٍّ متوسط للأفراد من ناحية أخرى، وكلما انخفض الحد المتوسط، زاد ميل الأفراد للتغيير، ومن ثم يمكن للمرء أن يتوقع ارتفاع السلاسل على نحو أكثر تكرارًا على الجانب الأيسر من الرسم البياني (حيث تكون الحدود منخفضة) مقارنةً بالجانب الأيمن، وهذا، بالطبع، ما نراه بالفعل، لكن العلاقة هنا معقدة نظرًا لوجود الشبكة التي يلزم للسلسلة الانتشار بأرجائها.
fig47
شكل ٨-٥: الرسم البياني الطوري لنموذج السلاسل. تتساوى كل نقطة بالسطح المستوي مع خيار معين من المعاملات المتغيرة (القيمة المتوسطة للحد، والعدد المتوسط للنقاط المجاورة، أو «الدرجة»). يمكن للسلاسل العامة أن تحدث داخل الخط المتصل (نافذة السلسلة)، لكن ليس خارجه، وتتماشى حدود نافذة السلسلة مع التحولات الطورية في سلوك النظام. تمثل النقطة (ح) حالة النظام التي تصبح فيها السلاسل العامة غير ممكنة، وبدءًا من النقطة (ح)، يمكن الحث على ظهور السلاسل العامة، إما بتخفيض الحد المتوسط للأفراد (السهم الأيسر) من خلال زيادة الجاذبية المتأصلة في الابتكار، أو التقليل من كثافة الشبكة (السهم السفلي).
يرجع سبب تسمية الشكل ٨-٥ بالرسم البياني الطوري إلى أن الخط الأسود المتصل يفصل الحيز الخاص بجميع النظم الممكنة إلى طورين. تمثل المنطقة المظللة الموجودة داخل الخط إحدى مرحلتي النظام التي يمكن للسلاسل العامة أن تحدث فيها. ليس بالضرورة أن تحدث — وهذا مهم — لكنه أمر ممكن. أما خارج الخط، على العكس، لا يمكن للسلاسل العامة أن تحدث على الإطلاق، ومن ثم فإن حدود «نافذة السلسلة» الجلية هذه تشير إلى وجود ثلاث طرق يمكن من خلالها منع ظهور السلاسل؛ الطريقة الأولى واضحة: إذا كان الحد الخاص بكل شخص عاليًا، فلن يتغير أحد على الإطلاق، وسيظل النظام مستقرًّا مهما تكن كيفية اتصاله، وعندما لا يكون الأمر كذلك، يظل من الممكن منع ظهور السلاسل عن طريق السلسلة نفسها، من خلال طريقتين: إما أنها ليست جيدة الاتصال على نحو كافٍ، أو قوية الاتصال «للغاية» (وهذا هو الجزء المثير للدهشة).
السمة الأخرى المهمة للرسم البياني الطوري هي أنه بالقرب من أي حد لنافذة السلسلة، يمر النظام بتحول طوري، وتعد هذه إحدى السمات القياسية لأغلب مشكلات التخلل، لكن ما يجعل هذا النوع من التخلل مختلفًا عن النوع الذي تناولناه في الفصل السادس هو أن نافذة السلسلة لها حدان: حد علوي، حيث يكون اتصال الشبكة قويًّا؛ وحد سفلي، حيث لا يكون الاتصال قويًّا على الإطلاق. هذه الخاصية وحدها تجعل السلاسل مختلفة عن الأوبئة، حيث يزيد الاتصال القوي من احتمالية انتشار الأمراض دائمًا (إذا وضعنا رسمًا بيانيًّا طوريًّا للأوبئة، فسيظل الحد الأدنى موجودًا، في حين سيختفي الحد العلوي)، ومع ذلك، تظل الاختلافات كبيرة بالفعل، وكما سنرى، فإن التحولات الطورية التي تحدث عند كل حد من الحدين مختلفة جوهريًّا، ومن خلال دراسة طبيعة هذه التحولات الطورية، يمكننا التنبؤ بأنواع السلاسل التي يمكن أن تحدث، وحجمها، ومعدل حدوثها.

(٥) التحولات الطورية والسلاسل

نلاحظ عند الحد السفلي لنافذة السلسلة، حيث يكون اتصال الشبكة ضعيفًا، تحولًا طوريًّا يتشابه كثيرًا مع التحول الطوري الذي تناولناه في الفصل السادس لنماذج العدوى البيولوجية، وتفسير ذلك هو أنه عندما يكون لنقاط التلاقي جارٌ واحد فقط في المتوسط، فستظل على نحو شبه دائم أدنى من الدرجة العليا الحرجة لها، ومن ثم سريعة التأثر بالتأثيرات الجديدة، مهما يكن الحد الخاص بها. مع ذلك، ونظرًا لأن الاتصال منعدم في الشبكة، فلا يمكن لهذه التأثيرات الانتشار على نحو كبير. نتيجة لذلك، تتسم الابتكارات بميلها للانتشار مبدئيًّا، لكنها دائمًا ما تُحتوى داخل التكتل المتصل الصغير الذي تبدأ داخله، ولا يظهر التكتل المتخلل سريع التأثر إلا عندما تصبح الشبكة كثيفة على نحو كافٍ، لكن نظرًا لأن «معظم» نقاط التلاقي لا تزال سريعة التأثر في هذا النظام، فإن التكتل المتخلل سريع التأثر يكون في الحقيقة مماثلًا للمكون الضخم للرسم البياني العشوائي الذي تناولناه في الفصل الثاني ثم السادس من هذا الكتاب.

ومن ثم بالقرب من الحد السفلي، تكون العدوى الاجتماعية مساوية إلى حد بعيد للعدوى البيولوجية؛ ذلك لأنها تمر بالتحول الطوري نفسه الذي تمر به الأوبئة، وهكذا يكون الدمج بين نوعَي العدوى صحيحًا في بعض الظروف؛ نظرًا لأن الاختلافات بين النوعين من النماذج لا تؤثر في الناتج، وللسبب نفسه — وهو أن اتصالية الشبكات، وليس مرونة صانعي القرارات الأفراد، هي العقبة الرئيسية أمام نجاح السلاسل — فمن الصحيح أيضًا أنه في الشبكات ضعيفة الاتصال، يتفاوت الأفراد المتصلون اتصالًا قويًّا في تأثيرهم على انتشار العدوى الاجتماعية. تعكس هذه الملاحظة الثانية التفكير المعتاد حول انتشار الابتكارات، الذي وفقه يُعَد قادة الرأي والفاعلون المركزيون أكثر المروجين فعاليةً لتقنية أو ممارسة أو فكرة جديدة.

على سبيل المثال، يؤكد الكاتب والصحفي مالكولم جلادويل في كتابه الصادر قريبًا بعنوان «نقطة التحول»، على الدور الذي يلعبه الأفراد ذوو الاتصال القوي في العدوى الاجتماعية، ويستخدم مالكولم في هذا الكتاب مصطلح «نقطة التحول» بمعنى يتفق تقريبًا مع مفهوم السلسلة العامة، ومع أنه يبني أفكاره عن انتشار الأفكار على المقدمة المنطقية القائلة إن العدوى الاجتماعية لا تختلف في كيفية عملها عن العدوى المرضية، فإن ملاحظاته تتفق بوجه عام مع الملاحظات المتعلقة بنموذج الحدود، شريطة أن تكون شبكة صانعي القرار ضعيفة الاتصال. وتتمثل «عوامل الاتصال» التي يتناولها جلادويل في النوعية الفريدة للأفراد الاستثنائيين اجتماعيًّا الذين لا يحتفظون بأعداد ضخمة من المعارف فحسب، بل أيضًا تمتد علاقاتهم عبر العديد من المجموعات الاجتماعية المختلفة. في عالم لا يمتلك فيه الناس سوى عدد قليل من الأصدقاء، أو يلتمسون عددًا قليلًا للغاية من الآراء عند اتخاذ القرارات، يبدو عامل الاتصال العرضي ذا أهمية كبيرة حقًّا.

لكن يمكن أيضًا إضعاف التأثيرات عندما تكون الشبكة قوية الاتصال؛ فمثلما أوضحنا من قبل، كلما زاد عدد الأفراد الذين يضع المرء أفعالهم وآراءهم في الاعتبار قبل اتخاذ قرار ما، تراجع تأثير أيٍّ منهم عليه؛ لذا عندما ينتبه «الجميع» لأشخاص آخرين عديدين، فلن يمكن لمبتكر واحد يعمل وحده أن ينشِّط أيًّا منهم. هذه السمة هي التي تفرق بين العدوى الاجتماعية والبيولوجية، التي فيها يكون لاتصال الشخص العرضة للعدوى بشخص واحد مصاب بها التأثير نفسه، بصرف النظر عن عدد الآخرين الذين يتصل بهم هذا الشخص العرضة للعدوى. ويجدر التذكر هنا أنه في العدوى الاجتماعية، ما يَهُم هو العدد النسبي للأفراد المجاورين «المصابين بالعدوى» في مقابل «غير المصابين بها»؛ أي النشطاء في مقابل غير النشطاء، ومن ثم مع أن الشبكات قوية الاتصال قد يبدو، ظاهريًّا، أنها تدعم انتشار جميع أنواع التأثير، فإنها لا تدعم بالضرورة سلاسل التأثير الاجتماعي؛ لأن جميع الأفراد في هذا النوع من الشبكات يتسمون بالاستقرار محليًّا، ومن ثم لا يمكن ظهور السلاسل في المقام الأول.

إذن، الشبكات التي لا تتمتع بالاتصال الكافي تحول دون ظهور السلاسل العامة؛ لأن السلسلة لا يكون أمامها سبيل للقفز من أحد التكتلات سريعة التأثر إلى آخر، والشبكات التي تتمتع باتصال قوي للغاية تمنع أيضًا ظهور السلاسل، لكن لسبب آخر؛ أنها تعلق في نوع من الركود، حيث تقيد كل نقطة تلاقٍ تأثير أي نقطة أخرى وتصبح هي نفسها مقيدة، ومن ثم فإن الملاحظة المثيرة التي توصلنا إليها سابقًا يمكن صياغتها الآن على نحو أكثر دقة: في العدوى الاجتماعية لا يتعرض النظام للسلاسل العامة إلا عند تحقيق التوازن، على النحو المحدد في نافذة السلسلة الموضحة في الشكل ٨-٥، بين الاستقرار والاتصال العام.

(٦) تجاوز الصدع

لكن تحمل لنا العدوى الاجتماعية مفاجأة أخرى؛ فعند الحد العلوي لنافذة السلسلة، تكون كثافة نقاط التلاقي سريعة التأثر كافية لأن تحتوي الشبكة على تكتل متخلل سريع التأثر، وفي هذه الحالة المتقلقلة، يكون النظام مستقرًّا محليًّا في كل مكان تقريبًا ما عدا حول التكتل سريع التأثر نفسه، ونظرًا لأنه داخل النافذة بالضبط، لا يشغل التكتل سريع التأثر سوى جزء صغير من الشبكة الكلية، فإن فرصة ظهور ابتكار واحد تكون صغيرة، ومن ثم ستندر السلاسل للغاية، وسيبدو النظام معظم الوقت وكأنه ليس مستقرًّا على المستوى المحلي فحسب، بل على المستوى العام أيضًا، لكن بين الحين والآخر — وقد يعني ذلك مرة في المائة أو في المليون — يظهر ابتكار عشوائي في التسلسل سريع التأثر، ليحث بذلك على ظهور سلسلة ما. لا يختلف ذلك كثيرًا عما يحدث عند الحد السفلي، حيث تندر السلاسل العامة أيضًا، لكن ما إن تنتشر السلسلة حتى يختلف السيناريوهان سريعًا.

تذكر أنه عند الحد السفلي، تنتشر السلسلة حتى تشغل التكتل سريع التأثر، ثم تنفد الأماكن التي يمكنها الوصول إليها، ومن ثم لا تشغل السلاسل سوى جزء صغير نسبيًّا فحسب من الشبكة الكاملة، أما عند الحد العلوي، ونظرًا لأن الشبكة تكون قوية الاتصال للغاية، يندمج التكتل سريع التأثر للمعتنقين الأوائل على نحو وثيق بباقي الشبكة (أو ما يطلق عليه روجرز «الأغلبية المبكرة» و«المتأخرة»). هذا العدد الأكبر من الأفراد يظل مستقرًّا فيما يخص المبتكرين الأفراد، لكن ما إن يُنَشَّط التكتل سريع التأثر بالكامل حتى تتعرض نقاط التلاقي المستقرة هذه «لعدد كبير» من المعتنقين الأوائل، ووجود هذه التأثيرات النشطة المتعددة كافٍ لتجاوز حدود نقاط التلاقي، بما في ذلك المستقرة منها تمامًا، فتبدأ في النشاط هي الأخرى.

هذا الحدث، عند وقوعه، هو الذي يطلق عليه الكاتب والمستشار التجاري جيفري مور «تجاوز الصدع»، ويشير بذلك إلى الوثبة التي يحتاج أي ابتكار ناجح (كأجهزة «بالم بايلوت» التي ذكرناها سابقًا) إلى القيام بها من المجتمع المبدئي للمعتنقين الأوائل إلى العدد الأكبر من عامة الناس. عند الحد الأدنى ما من صدع لتجاوزه، كل ما هنالك هو تكتلات مختلفة الحجم من المعتنقين الأوائل. عند الحد العلوي فقط، يكون من المهم ليس فقط أن يعثر المبتكر على معتنقين مبكرين، بل أيضًا أن يكون هؤلاء المعتنقون في موضع يمكِّنهم من إحداث تأثيرهم الجماعي على الأغلبية المبكرة والأغلبية المتأخرة، وفي نموذج الحدود يمثل تجاوز الصدع تطورًا مثيرًا بلا شك؛ لأن أي سلسلة تنجح في الإطاحة بالتكتل سريع التأثر ستنتشر بالضرورة إلى «الشبكة بالكامل»، لتحث على ظهور سلسلة ذات درجات عامة. وبلغة الفيزياء، يكون التحول الطوري عند الحد العلوي تحولًا طوريًّا غير متصل؛ لأن الحجم النموذجي للسلاسل الناجحة يرتفع في الحال من صفر (وهو ما يشير إلى عدم وجود سلاسل على الإطلاق) إلى النظام بالكامل.

من ثم تكون السلاسل عند الحد العلوي لنافذة السلسلة أندر وأكبر حجمًا من تلك الموجودة عند الحد السفلي، الأمر الذي يؤدي إلى نوع مختلف نوعيًّا من عدم القدرة على التنبؤ. إن أغلب الابتكارات التي تظهر في الشبكات بالقرب من الحد العلوي تختفي تدريجيًّا قبل انتشارها على نطاقات واسعة، حيث يقمعها الاستقرار المحلي لنقاط التلاقي الفردية. يمكن لهذه الأوضاع الاستمرار إلى الأبد تقريبًا، مما يدفع أي ملاحظ إلى استنتاج أن النظام مستقر بالفعل، ثم فجأة يطغى تأثير ما — كان يبدو في بادئ الأمر مشابهًا للتأثيرات الأخرى — على الشبكة بالكامل. ليس بالضرورة أن يكون هناك أي شيء مبشر بشأن المبتكر الذي أثار هذه السلسلة أيضًا، على عكس الحال عند الحد السفلي — حيث تلعب عوامل الاتصال دورًا مهمًّا في الربط بين التكتلات سريعة التأثر — لا تكون الاتصالية هي المشكلة في الحد العلوي، ومن ثم فإن احتمالية إثارة السلاسل بواسطة فرد ذي عدد متوسط من المجاورين تتساوى مع احتمالية إثارتها بواسطة فرد يثير اهتمام الكثير من الناس، وعندما يسيطر الاستقرار المحلي على انتشار السلاسل بقدر أكبر مقارنةً بالاتصالية، يكون الاتصال الجيد أقل أهمية من الاتصال بأشخاص يمكن التأثير عليهم بسهولة.

تخبرنا هذه السمات الخاصة بنافذة السلسلة ببعض الدروس غير المتوقعة بشأن انتشار الابتكارات، قد يكون أكثرها إثارة للدهشة هو أن السلسلة الناجحة ليس لها علاقة كبيرة بالخصائص الفعلية للابتكار، بل للمبتكر أيضًا، مثلما نظن. ففي إطار نموذج السلاسل على الأقل، ما من شيء يميز الصدمة التي تسفر عن ظهور سلسلة عامة عن أي صدمة أخرى، وإنما يحدث كل النشاط بفضل اتصالية التكتل سريع التأثر الذي يرتبط به المبتكر الأوَّلي. وما يزيد من صعوبة مشكلة تحديد النجاح هو أن التكتل المتخلل سريع التأثر، عند ظهوره، يكون سمة عامة للنظام؛ خيط محير مجدول بجميع أنحاء الشبكة. ليس من المهم فقط أن يكون لدى فرد معين جارٌ واحد سريع التأثر أو أكثر، بل أيضًا أن يكون لدى كل من هؤلاء المجاورين أيضًا جار أو أكثر سريع التأثر، وهكذا، ومن ثم، حتى إذا تمكنت من تعيين المعتنقين الأوائل المحتملين، فلن تتمكن من معرفة ما إذا كانوا جميعًا متصلين أم لا، إلا إذا كان بإمكانك رؤية الشبكة أيضًا.

لا يعني ذلك أن عوامل مثل الجودة والسعر والعرض ليست مهمة، فعند تغيير حدود تبنِّي الابتكارات لدى الأفراد في المجموعة، يمكن أن تؤثِّر السمات المتأصلة للابتكار أيضًا على نجاحه أو فشله. الفكرة هنا هي أنه نظرًا لأن الحدود لا تحدد وحدها الناتج، فلا يمكن للجودة والسعر والعرض فعل ذلك أيضًا. في المناطق الموضحة بالشكل ٨-٥، أعلى ويمين نافذة السلسلة (النقطة ح على سبيل المثال)، يمكن تغيير النظام لجعله أكثر عرضة لظهور السلاسل، إما عن طريق تخفيض الحد المتوسط للتبني (السهم الأيسر) أو تحجيم اتصالية الشبكة (السهم السفلي). بعبارة أخرى، يمكن أن يكون لبنية الشبكة تأثير كبير أيضًا على نجاح أحد الابتكارات أو فشله، شأنها شأن جاذبية الابتكار نفسه، بل داخل نافذة السلسلة نفسها، يتعلق قدر كبير من مصير الابتكار على الصدفة العشوائية؛ فإذا أصاب التكتل المتخلل فسينجح، والعكس صحيح. ومع رغبتنا في الاعتقاد أن الجودة المتأصلة للفكرة أو المنتج هي التي تحدد أداءه فيما بعد، بل الأسلوب الذي يُعرض به، فالنموذج يوضح أنه لتحقيق أي نجاح هائل يمكن العثور دائمًا على محاولات على القدر نفسه من الجدارة، لكنها فشلت في جذب ما يزيد عن قدر ضئيل من الانتباه، وربما تكون بعض الابتكارات — مثل هاري بوتر ودرجات رازور وفيلم بلير ويتش بروجكت — قد أصابت التكتل سريع التأثر الصحيح، في حين لم تفعل أغلب الابتكارات الأخرى ذلك. وبوجه عام، لن يفرق أحد بين هذا وذاك إلا بعد انتهاء النشاط كله.

(٧) وجهة نظر غير خطية للتاريخ

إن الفكرة القائلة إن النتائج لا يمكن فهمها جيدًا إلا في إطار تفاعلات الأفراد، الذين يصدر عن كلٍّ منهم في الوقت عينه رد فعل معين لقرارات الآخرين وأفعالهم، تقدم لنا رؤية مختلفة تمامًا للسبب والنتيجة مقارنةً بتلك التي اعتدنا عليها بوجه عام. من وجهة النظر التقليدية، عند نجاح شيء أو شخص ما، نفترض أن حدود هذا النجاح ترتبط نسبيًّا بأهمية أو ميزة ما متأصلة في هذا الشيء أو الشخص؛ فالفنانون الناجحون عباقرة مبدعون، والقادة الناجحون أشخاص ذوو رؤى، والمنتجات الناجحة هي بالضبط ما يبحث عنه المستهلكون. مع ذلك، فلا يمكن إطلاق صفة النجاح إلا بعد وقوع الحدث، ومن اليسير الاتسام بالحكمة عند الحكم على الشيء بعد حدوثه، ومن ثم فإن نظرتنا التقليدية للعالم القائمة على النتائج تدفع بنا إلى عزو نجاح شيء ما إلى الخصائص التي يعكسها أيًّا كانت، سواء اعتُبرت هذه الخصائص متميزة مسبقًا أم لا.

ما لا ندركه بوجه عام هو أن الشيء نفسه بالضبط، بما يحمله من الخصائص ذاتها، يمكن أن يفشل فشلًا ذريعًا بسهولة، إلى جانب أننا لا نضيع الكثير من الوقت في التندم على العدد الكبير من الابتكارات الفاشلة التي كان من الممكن أن تتنافس على النجاح إذا اختلفت الظروف التي ظهرت فيها اختلافًا قليلًا فحسب. بعبارة أخرى، يميل التاريخ إلى تجاهل الأشياء التي «كان من الممكن» أن تحدث، لكنها لم تحدث. من الواضح أن ما حدث بالفعل يكون أكثر صلة بظروفنا الحالية مما لم يحدث، لكننا لدينا نزعة أخرى للافتراض بأن الناتج الفعلي كان «مفضلًا» على جميع الاحتمالات الأخرى، ومن هنا يمكن للطرق التي ننظر بها إلى العالم أن تجعلنا نرى العشوائية خطأ على أنها نظام، ومن ثم، من وجهة النظر العلمية، إذا أردنا فهم ما يمكن أن يحدث في المستقبل، ينبغي علينا التفكير ليس فقط فيما حدث بالفعل، بل أيضًا ما كان من الممكن أن يحدث.

ليس الدور المهم الذي تلعبه الصدفة والظروف في التاريخ بالفكرة الجديدة، لكن مفهوم سلسلة المعلومات يشير إلى شيء أكثر إدهاشًا؛ أن المعطيات والنتائج لا يمكن أن ترتبط على نحو متناسب، أو حتى متفرد، فإذا آمن مليار شخص بدين معين، فسنفترض أنه منزَّل من السماء، وإلا فلماذا يؤمن به مليار شخص؟ وإذا تمتع عمل فني ما بشهرة أكبر بكثير من عمل آخر، فلا بد أنه أفضل بكثير، وإلا فلماذا يتحدث عنه الجميع؟ إذا احتشدت أمة ما حول أحد القادة لتحقيق أهداف عظيمة، فلا بد أن هذا القائد عظيم، وإلا فلماذا اتبعه الجميع؟ ومن ثم مع أن العظمة (أو الإلهام أو الشهرة) تتحقق فعليًّا بعد وقوع الحدث دائمًا، فإن مفهومنا عن الأمر هو أن هذه الميزات متأصلة من البداية في مصدر التغيير العظيم، وتمثل سمة متأصلة به.

مع ذلك، فقبل وقوع الحدث، نادرًا ما تكون النتيجة التي يمكن لأي مجموعة من الظروف أن تؤدي إليها واضحة. ولا يرجع السبب فقط إلى أن العظمة، كالعبقرية، يصعب الحكم عليها، أو يساء فهمها في بعض الأحيان، بل لأنها لا تمثل أبدًا سمة متأصلة من البداية؛ فهي إجماع توصل إليه عدد كبير من الأفراد، يلاحظ كلٌّ منهم آراء الآخرين بقدر ما يصدر من أحكام مستقلة، فقد يؤمن الناس بشيء ما ببساطة لأن آخرين مؤمنون به، وقد يتحدث الناس عن شيء ما لأن آخرين يتحدثون عنه، وقد يحتشدون حول قائد ما لأن آخرين يحتشدون حوله. ينطوي هذا النوع من العدوى في صناعة القرار على سلسلة معلومات، الأمر الذي يجعل العلاقة بين السبب الأوَّلي والتأثير النهائي شديدة الغموض.

من الناحية النفسية، قد يصعب قبول وجهة النظر هذه؛ فكل عصر يحتاج إلى رموزه، مثلما تحتاج كل ثورة إلى قادتها، لكن نزعتنا إلى عزو تأثيرٍ ما للمبتكرين يتناسب مع النتيجة النهائية التي توصلوا إليها، تتجاهل الآلية التي تحوَّل من خلالها تأثيرهم الفعلي إلى حركة جماهيرية. هذا هو الحال مع سوق الأوراق المالية؛ فعند ظهور حدث مهم في السجل التاريخي، نحاول دائمًا العثور على ما سبقه، وعندما نعثر على شيء ما — حتى وإن كان تافهًا — نعلق عليه أهمية كبيرة. ويشير آيزيا برلين إلى أن استياء تولستوي من التاريخ المدون، خاصة التاريخ العسكري، قد نبع من رؤيته المتعمقة بأنه في خضم أحداث الحرب، لا يمتلك أحد — بما في ذلك القادة العسكريون — أي فكرة عما يجري، ويعتمد التوازن بين المنتصر والمنهزم على الحظ أكثر من اعتماده على قوى القيادة أو الاستراتيجية، لكن بعد انتهاء الحرب، وظهور الطرف المنتصر، ينال القائد المنتصر (بالمصادفة) كل المجد.

من هذا المنظور، ما كان شعور تولستوي حيال العلم في أواخر القرن العشرين ليختلف عن شعوره حيال الحرب في أوائل القرن التاسع عشر، فمنذ أن أعلنت مؤسسة سيليرا، برئاسة جيه كريج فينتر، والاتحاد ذو التمويل الحكومي، برئاسة فرانسيس كولينز وإريك لاندر، عن توصلهم جميعًا إلى نتيجة واحدة في وضع خريطة الجينوم البشري، تنازع كلٌّ من فينتر وكولينز ولاندر على استحقاق التقدير عن هذا الاكتشاف. في الحقيقة، ما من أحد فيهم يستحق التقدير: فقد كان مشروع الجينوم تعاونًا بين المئات، إن لم يكن الآلاف، من العلماء المجدين، الذين بدونهم ما كان سيوجد أي تقدير يمكن توزيعه. وفي الهندسة المعمارية لا يختلف الوضع كثيرًا؛ فيحظى كلٌّ من فرانك لويد رايت وإيرو سارنين وفرانك جيري بتقدير رفيع نظرًا لتصميماتهم المذهلة، لكن بدون فرق العمل من المهندسين الموهوبين وعمال البناء الجادين الذين حولوا رسومهم الهندسية إلى واقع، ما كان أيٌّ من هؤلاء المهندسين سيتمكن من تنفيذ أي شيء على الإطلاق. إن العمل البارز يصعب فهمه على نحو مباشر، ومن ثم فإن عقولنا تستجيب بتمثيل مشروع كامل أو فترة زمنية كاملة من التاريخ في صورة شخص أو جزء واحد؛ رمز ما. إن صناعة الرموز حيلة معرفية معروفة (وإحقاقًا للحق، فالكثير من رموزنا أفراد موهوبون للغاية بالفعل)، لكنها من الممكن أن تتسبب في تضليل حدسنا عندما نحاول فهم أصول السلوك الجمعي، بالمقارنة بالسلوك الفردي.

من الأمثلة الأكثر واقعية أنه في أوائل عام ١٩٩٩، عندما كان شون فانينج طالبًا يبلغ من العمر تسعة عشر عامًا في جامعة نورث إيسترن، صمم كودًا لمساعدة صديق له على تنزيل الملفات الموسيقية بتنسيق «إم بي ثري» من الإنترنت، كانت النتيجة أن البرنامج، الذي أطلقوا عليه اسم نابستر، صار ظاهرة بين عشية وضحاها؛ إذ جذب ملايين المستخدمين وأثار غضب جميع العاملين في مجال التسجيلات، ليدخل فانينج بذلك الدوامة العالمية التجارية والقانونية والأخلاقية الصاخبة، ولفترة من الوقت على الأقل كان فانينج محط الأضواء؛ يبجله البعض ويحقره البعض الآخر، وصارت مقولاته تقتبس في صحف الأعمال، وصورته تحتل أغلفة المجلات، لكن في النهاية، وبعد إجباره على فرض رسوم مقابل خدمات مشاركة الموسيقى، نجح فانينج وخدمة نابستر (التي لم يعد لها وجود تقريبًا الآن) في عقد اتفاق مع شركة النشر العالمية العملاقة بيرتلسمان. مجهود مذهل حقًّا لشاب لا يزال في مرحلة الدراسة الجامعية، أليس كذلك؟! الحقيقة هي أنه ليس كذلك، لكن مجهود من هو إذن؟

لا شك أن البرنامج الذي اخترعه فانينج كان بارعًا، لكن تأثيره الهائل لم يأتِ نتيجة أي براعة خاصة يتسم بها الكود نفسه، أو أي رؤية خاصة لفانينج؛ الذي كان يساعد صديقًا له فحسب؛ إن التأثير الهائل لنابستر جاء نتيجة الأعداد الهائلة من الناس الذين أدركوا أن هذا هو بالضبط ما كانوا يبحثون عنه، وبدءوا في استخدامه. لم يتوقع فانينج الطلب غير المسبوق على ابتكاره، وما كان بإمكانه توقع ذلك، بل على الأرجح أيضًا أن الملايين من الأفراد الذين استخدموا نابستر في النهاية لم يعلموا برغبتهم في تنزيل الموسيقى مجانًا من الإنترنت إلا عندما برزت الإمكانية أمامهم لفعل ذلك، فكيف أمكن لفانينج أن يعلم ذلك؟ في الحقيقة، لم تكن هناك حاجة لذلك، كل ما كان عليه فعله هو طرح فكرته، وما إن صارت في المتناول حتى التقطها القليل من الناس وبدءوا في استخدامها، ليسمع بها عدد آخر من الناس ويبدءون في استخدامها بدورهم، وكلما زاد عدد الأفراد الذين استخدموا نابستر، زاد عدد الأغاني المتاحة، ومن ثم صارت الخدمة أكثر جاذبية ووضوحًا للآخرين.

إذا لم يبدأ شخص آخر سوى فانينج والقليل من أصدقائه في استخدام نابستر، أو إذا لم يكن لديهم مجموعات جيدة من الأغاني، أو لم يعلموا ما يكفي من الأشخاص الآخرين الذين لديهم مثل هذه المجموعات، فربما ما كان نابستر ليرى النور أبدًا. فبصورة ما، تحتم أن تسير الظروف المحيطة بنابستر على هذا النحو بالضبط ليحقق النجاح، ولو كان تنزيله مكلفًا، أو استخدامه مستحيلًا، أو الطلب على الشيء الذي صُمِّم من أجله منخفضًا للغاية — مثل حل معادلات التفاضل أو ترجمة البولندية إلى الإيطالية — ما كان سيشتهر بهذا القدر على الإطلاق. وبلغة نموذج الحدود، كان لزامًا على حد التبني أن يكون منخفضًا بما فيه الكفاية لينتشر نابستر، لكن إلى حد ما أيضًا، وربما إلى حد بعيد، كان نجاح نابستر مستقلًّا عن هيئته وأصله، ومع تلقي فانينج، باعتباره المبتكر، معظم الاهتمام، فإن المحرك الحقيقي لتحول نابستر من مجرد فكرة إلى ظاهرة كان الأشخاص الذين استخدموه.

(٨) القوة للناس

إن المبتكرين والثائرين — بعبارة أخرى، من يتصرفون من منطلق الضمير والأيديولوجية والإبداع والشغف — هم المكون الرئيسي في أي سلسلة عامة؛ فيشكلون البذرة أو نقطة الانطلاق التي تنتشر منها السلسلة، لكن — وهذا ما يجعل السلاسل صعبة الفهم — البذرة وحدها «لا تكفي». في الواقع، فيما يتعلق بنجاح السلسلة أو فشلها، فإن بذور التغيير، شأنها شأن نظيراتها في عالم الأحياء، شائعة ومتوفرة، قد تحتوي البذرة التي تسقط على الأرض على مخطط لشجرة وافرة الأزهار، ومن ثم فهي تتحمل، نظريًّا، المسئولية المطلقة عن المنتج النهائي، لكن تحولها إلى شجرة يعتمد اعتمادًا شبه كامل على الخصائص الغذائية للمادة التي تهبط عليها. تنشر الأشجار بذورها بأعداد هائلة لسبب معين؛ أن واحدة فحسب من بين هذا العدد الكبير ستنمو وتثمر، وهذه البذرة لا تحمل ميزة خاصة متفردة، بل ستنمو لأنها هبطت في المكان «المناسب». ينطبق الأمر نفسه على البذور الاجتماعية؛ فالمبتكرون والمحرضون السياسيون موجودون دائمًا، ويحاولون على الدوام بدء شيء جديد وإعادة تشكيل العالم حسب مخيلتهم، لكن ما يجعل من الصعب التنبؤ بنجاحهم هو أن النجاح في كثير من الحالات لا يتعلق بالأساس برؤيتهم المحددة أو سماتهم الفردية بقدر ما يتعلق بنموذج التفاعلات الذي تظهر وسطه محاولاتهم المغيرة للواقع.

ليست هذه العبارة صحيحة دائمًا، شأنها شأن أغلب التعميمات. يُحدِث الأفراد في بعض الأحيان أثرًا عميقًا للغاية، فيبدو أن تأثيرهم مسلَّم به حقًّا. عند نشر بحث أينشتاين الأصلي عن النسبية الخاصة في عام ١٩٠٥، قلب النظام العلمي السائد طوال الثلاثمائة عام السابقة، ومنذ ذلك الوقت صارت عظمة أينشتاين أمرًا مؤكدًا، وأحدث كل من ديكارت ونيوتن وحدهما ثورة في وجهات النظر العلمية العالمية في عصريهما؛ ديكارت بالهندسة التحليلية ونيوتن بنظرية الجاذبية. بعبارة أخرى، في بعض الأحيان، يتطلب الأثر العميق سببًا عميقًا بالدرجة نفسها، إلا أن هذا النوع من الاكتشافات نادر تمامًا، ومعظم التغيير الاجتماعي والعلمي لا تصنعه قفزات معرفية هائلة لأفراد عباقرة. إذا أراد المرء إحداث انهيار جليدي بأحد الجبال، يمكنه إسقاط قنبلة ذرية عليه، لكن ليس ذلك ضروريًّا، ولا تبدأ الانهيارات الجليدية في العادة بهذا الشكل، فبدلًا من ذلك قد يتسبب اصطدام متزلِّج واحد على الجليد بالجبل الخاطئ في الوقت الخاطئ من اليوم في انهيار عنيف لا يتناسب مطلقًا مع سبب حدوثه.

من الواضح أن الأمر نفسه ينطبق على الصيحات الثقافية والابتكارات التكنولوجية والثورات السياسية والأزمات المتعاقبة وانهيارات أسواق المال وغيرها من صور الجنون والهوس والأعمال الجماعية. المهم هنا هو عدم التركيز على المنبه ذاته، وإنما على بنية الشبكة التي يعمل عليها هذا المنبه، ولا يزال أمامنا الكثير من العمل في هذا الشأن. تذكر أن الشبكات العشوائية ليست هي التمثيل الأفضل للشبكات الحقيقية، وثمة محاولات جارية حاليًّا لتعميم أبسط نماذج السلاسل على شبكات واقعية تتضمن البنية الجمعية والهوية الاجتماعية الفردية ومؤثرات وسائل الإعلام. تعد قاعدة الحدود تمثيلًا مثاليًّا إلى حد بعيد لصناعة القرار الاجتماعي، وستتطلب عددًا من عمليات التجويد إذا أردنا تطبيقها على أي موضوع محدد، لكن حتى في وقتنا الحالي، تعد بعض الأفكار العامة ممكنة.

قد تكون السمة الأبرز لنموذج السلاسل هي أن الظروف الأولية التي لا يمكن تمييزها بعضها عن بعض قبل الحدث قد يكون لها نتائج مختلفة تمامًا حسب بنية الشبكة، من ثم لا يمكن التعويل على الجودة (التي يمكن ترجمتها هنا بحد التبني) كعامل تنبؤ بالنجاح، بل حتى النجاح الهائل لا يعد بالضرورة علامة على الجودة العالية. يمكن أن يتولد الفارق بين الابتكار الناجح للغاية والفشل الذريع بواسطة ديناميكيات التفاعل بين الفاعلين الذين قد لا تكون لهم أي علاقة بإيجاد هذا الفارق. لا يعني ذلك أن الجودة لا أهمية لها؛ فهي مهمة بالفعل، شأنها شأن الشخصيات والعرض، لكن في العالم الذي يصنع فيه الأفراد القرارات ليس بناءً على ما يصدرونه من أحكام فقط، بل ما يصدره الآخرون أيضًا، لا تكفي الجودة وحدها.

(٩) عودة إلى القوة

بالإضافة إلى تأثير السلاسل العامة على النظم المتصلة بشبكات من ناحية إمكانية التنبؤ، يمكن أيضًا لفهمها أن يلقي بالضوء على مسألة قوة الشبكات التي تناولناها في الفصل السادس. في بعض الأحيان، قد تتعرض النظم التي تتسم بكثرة أجزائها المعتمدة بعضها على بعض والتي تتفاعل بطرق معقدة، كشبكات الطاقة الكهربائية والمؤسسات الكبيرة، لأعطال كبيرة مفاجئة مع كل الاحتياطات المتخذة للحيلولة دون ذلك. يطلق عالم الاجتماع تشارلز بيرو، الذي تناول بالدراسة سلسلة من الكوارث التنظيمية، بدءًا من الانصهار الجزئي لقلب المفاعل النووي بجزيرة ثري مايل وصولًا إلى انفجار المكوك الفضائي تشالنجر، على هذه الأحداث «حوادث عادية»؛ فهو يرى أن الحوادث لا تقع بسبب أخطاء استثنائية أو إهمال يتعذر الصفح عنه، بل تقع لأن عددًا من الأخطاء المعتادة تمامًا تراكمت، وربما تجمعت على نحو غير متوقع نتيجة للأعمال الروتينية والإجراءات المكتبية والاستجابات التي تحافظ في الوضع الطبيعي على سير الأمور بسلاسة. ومع أن هذه الحوادث قد تبدو استثنائية، فإن أفضل سبيل لفهمها هو اعتبارها عواقب غير متوقعة لسلوك معتاد، ومن ثم فهي ليست عادية فحسب، بل حتمية أيضًا.

قد يبدو موقف بيرو، الموضح في كتابه «حوادث طبيعية»، متشائمًا بعض الشيء، لكنه يتشابه إلى حد بعيد مع الصورة المزمنة لعدم القدرة على التنبؤ الراسخة في نموذج السلاسل، وهذا التشابه ليس مَجازيًّا فقط؛ فمع أننا استقينا قاعدة الحدود من سمات عملية صناعة القرار الاجتماعي، فيمكن أن تظهر الحدود في سياقات أخرى أيضًا. فمتى كان من الممكن التعبير عن «حالة» نقطة تلاقٍ في شبكة ما على صورة خيار بين بديلين — مصاب بالعدوى أو معرض للإصابة بها، نشط أو غير نشط، عامل أو متعطل — يعتمد على حالة نقاط التلاقي المجاورة، فإن المسألة تتعلق في جوهرها بالعدوى، ومتى عكست العدوى اعتمادًا متبادلًا بين حالات النقاط المتجاورة، بمعنى أن نتيجة أحد التأثيرات (مثل التعطل) يزيدها أو يقللها تأثير آخر، ستنشأ قاعدة للحدود، ومن ثم فإن نموذج السلاسل يمكن تطبيقه ليس فقط على سلاسل القرارات الاجتماعية، بل أيضًا على سلاسل الأعطال في الشبكات المؤسسية، بل شبكات الطاقة أيضًا، ومن ثم فإن السمة الرئيسية لنموذج السلاسل — المتمثلة في أن النظم المستقرة ظاهريًّا يمكن أن تعكس فجأة سلسلة ضخمة — يمكن تفسيرها أيضًا على أنها تعبير عن هشاشة النظم المعقدة، بما في ذلك تلك التي تبدو قوية.

منذ بضعة أعوام طرح كلٌّ من جون دويل، وهو عالم رياضيات في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، وجين كارلسون، وهي عالمة فيزياء في جامعة كاليفورنيا في سانتا باربارا — نظريةً لما أطلقا عليه «التحمل الأمثل» لتفسير توزيعات الحجم المرصودة لمجموعة كبيرة من الظواهر؛ بدءًا من حرائق الغابات وصولًا إلى انقطاع الكهرباء، وكانت أبرز النتائج التي توصلا إليها هي أن النظم المعقدة في العالم الواقعي تتسم بالقوة والضعف في الوقت ذاته، فنظرًا لحاجة هذه النظم إلى البقاء في العالم الواقعي، فهي قادرة على تحمل الصدمات بكافة أشكالها، إما لأنها صُمِّمت لهذا الغرض أو لأنها تطورت لتفعل ذلك. وإن لم تتمكن من فعل ذلك، فسيجب تعديلها أو ستنتهي من الوجود، لكن كما هو الحال مع نموذج السلاسل الذي أوضحناه من قبل، يكون لدى أي نظام معقد نقطة ضعف، إذا أُصيبت على النحو الملائم، فستتسبب في انهيار الكيانات المصممة بعناية ودقة هائلة، وما إن تظهر إحدى نقاط الضعف هذه حتى نهرع عادةً لإصلاحها، وهو ما يعزز قوة النظام على نحو محدد (يتولى الانتخاب الطبيعي التعامل مع نقاط الضعف بطريقته الخاصة). لكن أوضح دويل وكارلسون أن هذا لا يقضي على الضعف المتأصل في النظام، بل يستبعده فقط حتى يأتي يوم آخر، وربما حادث من نوع مختلف تمامًا.

تعد الطائرات مثالًا جيدًا لهذه الظاهرة المتمثلة في الجمع بين القوة والضعف في الوقت عينه. عندما يظهر عيب ما في تصميم إحدى الطائرات الهامة، ويتسبب أحيانًا في سقوطها، يعين المحققون أصل هذه المشكلة بالتحديد، وتخضع كل طائرة من هذا النوع في العالم للفحص والتعديل، إن لزم الأمر، للحيلولة دون تكرار هذه المشكلة. في العموم، يكون ذلك الإجراء فعالًا، وهو ما يتبدى في الندرة النسبية للعيوب المتكررة المؤدية لتحطم الطائرات، لكنه لا يمنع حوادث الطائرات كليةً؛ يرجع ذلك إلى سبب بسيط، وهو أن أفضل إجراءات الصيانة نفسها في العالم لا يمكن أن تضمن وقوع أخطاء لم يعلم أحد بوجودها بعد.

الطائرات أمر هين للغاية مقارنة بالكيانات المؤسسية الضخمة، مثل إنرون وكيه مارت، اللتين أعلنتا فجأة وعلى نحو غير متوقع إفلاسهما في غضون شهر واحد بين ديسمبر ٢٠٠١ ويناير ٢٠٠٢، وهو الوقت الذي أنهيت فيه كتابة هذا الفصل، ومن ثم، في العالم الواقعي، لا يمكن لأي قدر من التخطيط الحذر، بل العلم المتطور، أن يحول دون وقوع الكوارث بين الحين والآخر. هل يعني ذلك أن علينا الاستسلام؟ بالطبع لا، ولم يُشِر أيٌّ من بيرو أو دويل أو كارسلون إلى انعدام الأمل، لكن المهم هو إثراء مفهومنا عن القوة، فلا يجب علينا تصميم نظم تتجنب الأعطال قدر الإمكان فحسب، بل علينا أن نتقبل أيضًا فكرة أن الأعطال تحدث مع ما نبذله من جهود قصوى، وأن النظام القوي فعلًا هو الذي يمكنه النجاة عند وقوع الكارثة، وسنتناول مفهوم القوة باعتبارها سمة مزدوجة للمؤسسات المعقدة — تمنع الأعطال من ناحية وتُعِد المؤسسة لها من ناحية أخرى — في الفصل التالي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١