الفصل الخامس عشر

رحلته الزاخرة بالأحداث

لكنَّ وعيَه الذاهلَ عاد إليه بعدما وصل إلى طريق كينت روود؛ فجلس ديفيد على عتبة باب منزلٍ من مجموعة منازل متلاصقةٍ هناك، وكان مرهَقًا ومنهَكًا للغاية، وراح يتساءل ماذا عساه يصنع.

كان الظلام قد حلَّ في هذا الوقت، ودقت الساعات معلنةً تمام العاشرة عندما جلس يستريح على العتبة؛ لكن من حسن الحظ أنها كانت ليلةً صيفية، والجو جميل.

ورغم كلِّ ما كان فيه من الأسى لم ينوِ الرجوع؛ ولم يخطر بباله قط أن يرجع؛ وحالما التقط أنفاسه نهضَ وواصل السير.

ولم يكن في جيبه سوى ثلاث قطع نقدية من فئة نصف البنس، تبقَّت من الأجرة التي تقاضاها في الأسبوع الفائت؛ لكنه ظل يمشي مُجهَدًا على نحوٍ بائس، إلى أن مرَّ مصادفةً على محلٍّ صغيرٍ مكتوب فوق بابه أنه يشتري الملابس الرجالية والنسائية المُستعملة. فأوحتْ لديفيد تجربتُه الصغيرةُ مع السيد والسيدة ميكوبر أنَّ هذا المكان ربما يكون وسيلةً لزيادةِ نقوده الضئيلة؛ لذا توجه إلى الشارع الجانبي المجاور، وخلع الصديري الذي يرتديه، وطواه بشكلٍ أنيقٍ تحت ذراعه، وعاد إلى باب المحل، حيث كان صاحب المحل جالسًا يدخن وهو يرتدي قميصًا بلا سترةٍ فوقه.

قال ديفيد: «من فضلك، أريد بيع هذا بسعرٍ مقبول.»

تناول السيد دولوبي — كان دولوبي هو الاسم المكتوب فوق باب المحل — الصديري، وأوقف غليونه على قاعدته مقابل حافة الباب، ودخل إلى المحل، وتبعه ديفيد، حيث أزال السيد دولوبي الجزأين المحترقين من فتيلَي شمعتين بأصابعه، وبسط الصديري على المنضدة، وراح ينظر إليه، ثم رفعه في الضوء، وراح ينظر إليه، ثم قال:

«ما السعر الذي تطلبه في هذا الصديري الصغير؟»

رد ديفيد بتواضع: «أوه! أنت أعلم مني يا سيدي.»

قال السيد دولوبي: «لا يمكنني أن أكون مشتريًا وبائعًا أيضًا، حدِّدْ سعرًا لهذا الصديري الصغير.»

لمَّح ديفيد بعد شيءٍ من التردد: «هل ثمانية عشر بنسًا …»

طواه السيد دولوبي ثانيةً، وأعاده له. وقال: «لو دفعتُ فيه تسعة بنساتٍ حتى فسأكون قد سرقتُ من قوت أسرتي.»

خاب رجاء ديفيد، لكن لم يكن من الأمر بُدٌّ؛ وقال إنه سيأخذ تسعة بنساتٍ ثمنًا للصديري. فأخرج السيد دولوبي تسعة بنسات، دون أن يمنع نفسه من بعض التذمُّر. وتمنى له ديفيد ليلةً سعيدةً، وخرج من المحل والمال في يده، وأغلق أزرار سُترته على قميصه.

ظلَّ ديفيد يمشي دون انقطاعٍ وهو مُجهَدٌ إلى أن وصل إلى مقاطعة بلاكهييث — بلاكهييث، حيث توجد مدرستُه القديمة؛ سِيلم هاوس — وأحسَّ أنه يريد أن ينام هذه الليلة وراء السور عند الجزء الخلفي من المدرسة، في ركنٍ كانت توضع فيه كومة تبنٍ كبيرة. حيث تصوَّر ديفيد أن قرْبه الشديد من الأولاد، ومن غرفة النوم التي كان يحكي فيها القصص سيؤنسه نوعًا ما.

كان ديفيد قد قضى يومًا شاقًّا في العمل، وأصبح مُرهَقًا للغاية، لكنه أخيرًا وجد مدرسة سِيلم هاوس. فراح يدور بحذرٍ حول السور القديم، وينظر إلى النوافذ ليرى إن كانت جميع الأضواء مُطفأة. وبعد ذلك وجد الركن الذي فيه التبن هناك، واستلقى على الأرض إلى جواره، لأول مرةٍ في حياته، دونما سقفٍ فوق رأسه.

وقد نام ديفيد نومًا عميقًا؛ إذ كان منهكَ القوى، ورأى نفسه في الحلم ينام على سرير مدرسته القديم، ويتحدث مع الأولاد في الغرفة؛ واستيقظ فزِعًا يصيح «ستيرفورث! ستيرفورث!» ووجد نفسه جالسًا ممدَّدَ الرِّجلين على الأرض، يُحدِّق في النجوم المضيئة المتلألئة فوقه.

وأحسَّ ديفيد بخوفٍ لا يعرف مصدره؛ إذ إن الليل موحِش وساكِن للغاية، فنهضَ وراح يتجول؛ لكنه كان متعَبًا جدًّا، وبعد قليلٍ رقد مرةً أخرى، ونام حتى أيقظه رنينُ جرسِ الاستيقاظ في مدرسة سِيلم هاوس.

كان يود لو أن هناك أملًا في رؤية ستيرفورث يخرج من المدرسة، أو حتى ترادلز؛ لكن هذا كان محفوفًا بمخاطر كبيرة، فانسلَّ بعيدًا بينما طُلاب السيد كريكل يستيقظون من نومهم، وانطلق يسير على الطريق الطويل المغبرِّ الذي علم أنه طريق مدينة دوفر عندما كان واحدًا منهم.

إنه صباح يوم الأحد، وقد سمع ديفيد أجراس الكنيسة تدق بينما هو يمشي متثاقلًا، وقابل في طريقه الناس الذاهبين إلى الكنيسة. فاشترى ديفيد بعضَ الخبز، وظلَّ يواصل السير، حيث قطع في ذلك اليوم ثلاثةً وعشرين ميلًا، مرَّ خلالها على كثيرٍ من المسافرين سيرًا بالأقدام.

وقد أغراه بيتٌ أو بيتان صغيران تتدلَّى خارجهما لافتةٌ مكتوبٌ عليها «غرف للمسافرين» بالمبيت هناك؛ لكنه كان يخشى أن يُنفق البنسات القليلة التي معه، وواصل التقدم بمشقةٍ حتى وصل إلى بلدة تشاتَم، وزحف في النهاية فوق شيءٍ يُشبه منصة المدفع مكسوٍّ بالعشب وبارز من بين أحد الأزقَّة، حيث كان هناك خفيرٌ يسير ذهابًا وإيابًا. فرقد بقرب أحد المدافع، وهو مسرورٌ برفقة خُطى الخفير، ونام نومًا عميقًا حتى الصباح.

لكنَّ قدمَه كانت متيبسةً ومتقرحة، وأُصيب بدوارٍ شديدٍ من قرع الطبول ومسيرات الجند، وأحسَّ أنه لن يستطيع أن يتقدمَ كثيرًا في رحلته ذلك اليوم.

ولم يتبقَّ معه سوى قليل من البنسات، ورأى أن أفضل شيءٍ يمكنه فعله، قبل ارتحاله عن تشاتَم، أن يبيع سترته. لذا خلعها وحملها تحت ذراعه — وهو سعيدٌ أنه كان في الصيف وأن الجو دافئ — وبدأ يبحث عن محلٍّ مناسب.

كان يوجد الكثير من محلات الملابس المستعملة في كل مكان؛ لكنه أراد أن يعثر على مكانٍ صغيرٍ مثل محل السيد دولوبي؛ وفي النهاية تجرَّأ ودخل محلًّا صغيرًا متواضعًا عند ناصية زقاقٍ قذر. تعيَّن عليه أن ينزل درجتين أو ثلاثة ليدخل إلى هناك، فنزل وقلبه يخفق.

حيث صاح رجلٌ عجوزٌ قبيح: «أوه، ماذا تريد؟» وأمسك ديفيد من شعره.

كان رجلًا عجوزًا شكله مخيف، ويرتدي صديريًّا قذرًا من الصوف، وتفوح منه رائحةٌ كريهةٌ جدًّا بسبب شراب الرَّم. «آهٍ يا عيناي، آهٍ يا أطرافي، ماذا تريد؟ آهٍ يا رئتاي آه يا كبدي، ماذا تريد؟ أوه، كح، كح!»

كانت الكلمة الأخيرةُ كالحشرجة في حلقه.

قال ديفيد وهو يرتعد: «كنتُ أريد أن أعرف إن كنتَ ترغب في شراء سترة؟»

صاح الرجل العجوز: «حسنًا، هات السُّترة! آهٍ لقلبي الذي تأكله النار، أرني السترة! آهٍ يا عيناي، آهٍ يا أطرافي، أَخرجِ السترة!»

وهنا أخرجَ يدَيه المرتعشتَين، اللتين كانتَا كمخلبَي طائرٍ ضخمٍ، من شعر ديفيد، ووضع نظارة على عينيه.

صاح الرجل العجوز، بعدما فحصها: «حسنًا، كم ثمن السترة؟ أوه، كح! كم ثمن السترة؟»

ردَّ ديفيد مستجمعًا شجاعته: «نصف كراون.»

صاح الرجل العجوز: «آهٍ يا رئتاي آهٍ يا كبدي! آهٍ يا عيناي، لا! آهٍ يا أطرافي، لا! بل ثمانية عشر بنسًا. كح!»

كان يتكلم بطريقةٍ رتيبةٍ نوعًا ما تنتهي بطبقة صوتٍ ذات درجة عالية، وفي كل مرة يقول «كح» كانت عيناه تبدوان وكأنهما تقفزان خارج رأسه.

قال ديفيد متلعثمًا، وقد سرَّه أن أنهى الصفقة: «سآخذُ الثمانية عشر بنسًا.»

صاح الرجل العجوز، وهو يُلقي بالسترة على أحد الأرفف: «آهٍ يا كبدي! اخرُج من المحل! آهٍ يا رئتاي، اخرج من المحل! آهٍ يا عيناي، آهٍ يا أطرافي — كح — لا تطلب مالًا؛ فلنتقايض.»

كان ديفيد مذعورًا للغاية؛ لكنه قال له بتواضعٍ إنه يريد مالًا، وإنه ما من شيءٍ آخر سيُفيده، ولكنه سينتظره، كما أراد، خارج المحل، وإنه لا يرغب في استعجاله. وهكذا خرج من المحل، وجلس في الظل عند الزاوية.

بعد قليلٍ جاء الأولاد الذين في الشوارع يُناوشون البائع عند المحل، وراحوا يصيحون قائلين إن الرجل العجوز قد باع روحه للشيطان، ويزعقون قائلين: «إنك لستَ فقيرًا، يا تشارلي، كما تدَّعي. أَخرج ذهبك. هيَّا! إنه في بطانة الفراش، يا تشارلي. هيَّا مزِّقه ودعنا نأخذ بعض الذهب.»

ثم أرادوا أن يعطوه سكينًا ليفعل ما طلبوه منه، لكنَّ هذا أسخطه كثيرًا لدرجة أنه خرج من المحل مسرعًا يجري خلفهم، وجعلهم يهربون بعيدًا.

ظل الأولاد طوال اليوم يضايقونه حينًا بعد حين، وظل هو طوال اليوم يهجم عليهم هجماتٍ مفاجئةً مسعورة.

حاول الرجل العجوز مِرارًا أن يُقنع ديفيد بالموافقة على المقايضة، وخرج ذاتَ مرةٍ بقصبة صيد، لكنَّ ديفيد رفضها، وتوسَّل إليه والدموع في عينيه أن يُعطيَه المال أو السترة؛ بعد ذلك خرج بآلة كمان، ثم بقبعةٍ مرفوعة الحافة، ثم بمزمار؛ لكنَّ ديفيد رفضها جميعًا، وجلس في يأس.

في النهاية، وكي يتخلص منه الرجلُ العجوز، بدأ يدفع له نصفَ بنسٍ بنصف بنس، حتى وصل المبلغ إلى شلن كامل خلال ساعتين.

fig4
شكل ١٥-١: كان يندفع خارج المحل ويجري خلفهم ويجعلهم يفرون.

وبعد فترة صمتٍ طويلةٍ، راح يختلس النظر خارج المحل وقد بدا منظرُه بشعًا، وصاح قائلًا: «آهٍ يا عيناي، آهٍ يا أطرافي! هل ستقبل ببنسين إضافيين؟»

قال ديفيد: «لا أستطيع، لو فعلتُ هذا فسأتضور جوعًا.»

«آهٍ يا رئتاي آهٍ يا كبدي! هل ستقبل بثلاثة بنسات؟»

قال ديفيد: «لو كان أستطيع لرضيتُ من دون أي شيء، لكنني في أشدِّ الحاجة إلى المال.»

«يا إلهي، كه … كح! هل ستقبل بأربعة عشر بنسًا؟»

كان ديفيد خائرَ القوى ومنهكًا للغاية؛ فقد جلس هناك طيلة اليوم، لذا قبِل بهذا العرض؛ وأخذ المال من مخلبه بيدٍ لم تخلُ من ارتجاف، وانصرف وهو يشعر بجوعٍ وعطشٍ لم يشعر بمثلهما قبل ذلك قط، وأنفق ثلاثة بنساتٍ على الشاي؛ وعندما أحسَّ بتحسن مزاجه بعد ذلك، راح يسير وهو يعرج حتى قطع سبعة أميالٍ من طريقه، إلى أن وصل إلى جدول ماء صغيرٍ غسل فيه قدميه اللتين تؤلمانه، ثم رقد تحت كومة تبنٍ كبيرةٍ ليقضيَ تلك الليلة.

امتدَّ طريقه في صباح اليوم التالي بين سلسلةٍ متواليةٍ من حقول الجنجل والبساتين. حيث كانت ثمار التفاح الناضجة تتدلَّى من الأشجار، بينما عمَّال جني نبات الجنجل منهمكون في العمل. وقد رأى ديفيد المكان جميلًا، فقرر أن ينام بين نباتات الجنجل تلك الليلة. لكنَّ المسافرين سيرًا على أقدامهم الذين قابلهم في الطريق أخافوه، لأن بعضهم راح ينظر إليه بشراسةٍ شديدة.

إذ التفتَ رجلٌ شرسُ المنظر — يعمل سمكريًّا — ترافقه امرأةٌ، وحدَّق في الصبي، ثم صرخ بصوتٍ هائلٍ طالبًا منه أن يعود، مما جعل ديفيد يتوقف وينظر وراءه.

قال السمكري: «تعالَ إلى هنا عندما أناديك، وإلا شققتُ بدنك الصغير.»

أحسَّ ديفيد أن من الأفضل أن يعود، وبينما يسير لاحظَ أن عين المرأة كانت سوداء.

قال السمكري وهو يُمسك قميص ديفيد بيده المسودة: «إلى أين أنت ذاهب؟»

«أنا ذاهبٌ إلى دوفر.»

سأله السمكري وهو يُحكم قبضته على القميص: «ومن أين أنت؟»

قال ديفيد: «من لندن.»

«ماذا تعمل؟ هل أنت لصٌّ؟»

قال ديفيد: «ﻟ… لا.»

قال السمكري: «لو تباهيتَ عليَّ بأمانتك سأكسر رأسك. هل معك ثمنُ كوبٍ من الجعة؟ لو كان معك فأَخرجه قبل أن آخذه أنا.»

كان ديفيد سيُخرجه على الفور، لولا أن هزَّت المرأة رأسَها له هزًّا رفيقًا وحركت شفتَيها دون صوتٍ بكلمة «لا.»

قال ديفيد: «أنا فقيرٌ جدًّا، وليس معي مال.»

قال السمكري، وهو ينظر له بتجهمٍ شديد، لدرجة أن ديفيد كاد يخشى أن يكون قد رأى المال في جيبه: «ماذا! ماذا تقصد؟»

قال الصبي متلعثمًا: «سيدي.»

قال السمكري: «ماذا تقصد بارتداء منديل أخي الحريري؟ هاتهِ الآن!» وخلعه من على رقبة ديفيد في الحال، ورمى به إلى المرأة.

أخذت المرأةَ نوبةٌ من الضحك، وكأنها حسبت أن هذه مزحة، وقذفت المنديل مرةً أخرى إلى ديفيد، وأومأت برأسها إيماءةً خفيفةً، مثلما فعلت من قبل، وحرَّكت شفتَيها من دون صوتٍ بكلمة «اذهب.»

لكنَّ السمكري جذب المنديل من يد الصبي، وأرخاه على رقبته هو، والتفتَ إلى المرأة وسبَّها، وضربها.

أرعبت هذه المغامرةُ ديفيد كثيرًا، لدرجة أنه عندما كان يرى أيًّا من هؤلاء الناس قادمًا فيما بعد، كان يرتدُّ راجعًا إلى أن يجد مخبأً، فيختبئ فيه حتى يغيبوا عن نظره.

ظل ديفيد يواصل السفرَ سيرًا على قدمَيه، لكن، رغم كلِّ الصعوبات التي واجهها في رحلته، فقد كان يُريحه ويحدُوه إلى المواصلة الصورةُ التي تخيَّلها لعمَّته الصارمة وهي تلين تحت تأثير جمال والدته الشابة الفاتنة، وتضع يدها برفقٍ على شعرها الجميل.

كانت تلك الصورةُ تُرافقه عندما استلقى لينام بين نباتات الجنجل؛ وحتى عندما استيقظ في الصباح؛ وظلتْ أمامه طوال اليوم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠