الفصل السادس عشر

كيف استقبلته الآنسة بيتسي

أخيرًا، وفي اليوم السادسِ بعد هروبه، وصل إلى مدينة دوفر؛ حيث وقف بحذائه البالي، وجسمه المكسوِّ بنصف الملابس، الذي لفحته الشمس وعلاه التراب، وبدا أن الصورة الخيالية قد تلاشت كما يتلاشى الحلم، وشعر بخوفٍ وتشاؤم.

قابل ديفيد بعضَ الصيادين وسألهم إن كان بإمكانهم أن يُخبروه أين تعيش الآنسة تروتوود. قال أحدهم إنها تعيش في منارة ساوث فورلاند لايت، وإن هذا قد تسبَّب في حرق سالفَيها حرقًا سطحيًّا؛ وقال آخر إنها قد رُبطت بإحكامٍ في الشمندورةِ الكبيرة خارج الميناء، ولا يمكن زيارتُها إلا عند المدِّ النصفي؛ وقال آخرُ إن بعض الناس قد رأوها راكبةً على مكنسةٍ عندما هبَّت الرياحُ الشديدة الأخيرة، وإنها توجهت مباشرةً إلى مدينة كاليه الفرنسية.

بعد ذلك سأل سائقي عربات الأجرة، فسخروا منه أيضًا؛ ثم سأل أصحاب المتاجر، لكنهم، ودون أن يسمعوه، قالوا إنه ليس لديهم ما يقولونه له.

لقد نفدت نقودُه كلُّها، ولم يكن يستطيع أن يستغنيَ عن أي ملابس أخرى ليبيعَها. وهو يشعر بالجوع والعطش والإرهاق، وكان أكثر تعاسةً وحرمانًا من أي وقتٍ مضى.

جلس ديفيد ليستريح على عتبة محلٍّ خالٍ قُرب ساحة السوق، وبينما هو كذلك مرَّ سائقُ عربةِ أجرةٍ من أمامه وسقطَ منه غطاءُ حصانه. فناوله ديفيد إياه، وكان في وجه الرجل شيءٌ من الوُدِّ شجَّعَ ديفيد على أن يسألَه إن كان يعرف مكان سكن الآنسة تروتوود.

قال الرجل: «تروتوود، دعْني أتذكرْ، أنا أعرف هذا الاسم. إنها سيدةٌ كبيرة، أليس كذلك؟»

قال ديفيد: «بلى، كبيرةٌ نوعًا ما.»

«ظهرها متيبِّسٌ نوعًا ما، أليس كذلك؟»

من جديدٍ قال ديفيد بلى.

«وتحمل حقيبةً، وهي سيدة فظَّةٌ، وتُعنِّفُ الناس بقسوة؟»

وقع قلبُ ديفيد داخل صدره؛ حيث كانت هذه هي أوصافها التي حدَّثتْه عنها بيجوتي ووالدتُه.

قال الرجل: «اسمع، إذا صعِدتَ بهذا الاتجاه،» وأشار بسَوطه إلى المرتفعات، «وظللتَ تسير حتى تصل إلى بعض المنازل التي تُواجه البحر، فأظن أنك ستعرف مكانها. وبرأيي أنها لن تقبل استضافتَك، لذا خُذ هذا البنس.»

قبِل ديفيد البنس شاكرًا، واشترى به رغيفًا صغيرًا، وبدأ يأكله وهو متوجهٌ إلى حيث أرشده الرجل، حتى وصل إلى المنازل التي تُواجه البحر. وهناك دخل محلًّا صغيرًا قريبًا منه، وسأل الرجل الواقف خلف طاولة البيع، والذي كان يزنُ بعض الأرز لإحدى الفتيات، إن كان يعرف أين تسكن الآنسة تروتوود.

أسرعت الفتاة تقول: «سيدتي؟ ماذا تريد منها أيها الصبي؟»

«أريد التحدث معها، إذا سمحتِ.»

«لتشحذَ منها، هذا ما تقصده.»

قال ديفيد: «لا، في الواقع.» وحينئذٍ احمرَّ وجهُه للغاية من شدة الحياء، ولم يقل شيئًا آخر.

وضعت الفتاةُ الأرز في سلَّةٍ صغيرة وخرجت من المحل، وقالت لديفيد إنه بإمكانه أن يتبعها إذا كان يريد أن يعرف أين تعيش الآنسة تروتوود.

لم يحتَجْ ديفيد لإذنٍ آخر، وتبِعها إلى أن وصلَا بعد قليلٍ إلى بيتٍ صيفيٍّ صغيرٍ جميلٍ جدًّا له نوافذُ قوسيةٌ مبهجة؛ وأمامه فِناءٌ أو حديقةٌ صغيرةٌ مربعة الشكل مكسوةٌ بالحصى ومليئة بالأزهار، والتي تحظى بعنايةٍ دقيقةٍ وتفوح منها روائحُ مُبهجة.

قالت الفتاة: «هذا هو منزل الآنسة تروتوود، الآن قد عرفتَه، وهذا كلُّ ما أستطيع قوله.» وأسرعتْ بالدخول إلى المنزل، تاركةً ديفيد أمام البوابة ينظر بحزن من فوقها ناحية نافذة الردهة؛ حيث رأى كرسيًّا كبيرًا جعله يتخيَّل أن عمَّتَه ربما تكون جالسةً في تلك اللحظة في حالةٍ مروِّعة.

كانت رِجلاه ترتجفان من تحته. وحذاؤه في حالةٍ مثيرةٍ للشفقة. وقبَّعتُه متغضنةً منحنية. أما قميصه وبنطاله الملطَّخان بسبب الحرِّ والعَرَقِ والعُشب — فضلًا عن أنهما كانَا ممزَّقَين — كانَا من الممكن أن يُفزعَا الطيور فلا تقترب من حديقة الآنسة تروتوود، وقد وقف كأنه فزَّاعةٌ عند بوابة الحديقة. كما لم يكن شعرُه قد صُفِّف أو مُشِّط منذ غادر لندن. وتحولت بشرتُه إلى اللون البُنِّيِّ من لفح الشمس. وهو مُغطًى من رأسه إلى قدمَيه بغبارٍ أبيض. فأخذت ديفيد رجفة عندما فكَّر في تقديم نفسه بهذه الحال لعمَّته المرعبة.

وفي واحدةٍ من النوافذ العليا رأى ديفيد فجأةً رجلًا متوردَ الوجه، حسن المنظر، أشيب الشعر؛ وقد غمزَ له بعينه، وأومأ برأسه، وضحك، ثم انصرف.

أقلقه هذا التصرف الغريب للغاية لدرجة أنه فكَّر في أن ينسلَّ بعيدًا؛ وفي تلك اللحظة خرجت من المنزل سيدةٌ تعقد وِشاحَها فوق قبعتها، وفي يدَيها قفَّازان من قفازات الحدائق، وقد ربطت حول خاصرتها جِرابًا يُشبه مريلةَ مُحصل الضرائب، وهي تحمل في يدها سكينًا كبيرة. فأدرك ديفيد على الفور أنها الآنسة بيتسي، لأنها خرجت من المنزل تمشي ببطءٍ واختيال تمامًا كما وصفتها أمُّه مرارًا بأنها جاءت تمشي ببطءٍ واختيالٍ في حديقةِ منزل روكاري في قرية بلاندستن.

قالت الآنسة بيتسي، وهي تهزُّ رأسها، وتشقُّ الهواء شقًّا طويلًا بسكينها: «انصرف! ارحل! لا أولادَ يأتون هنا!»

فنظر إليها ديفيد وقلبُه يكاد يخرج من فمه من شدة الخوف، وذلك عندما سارت إلى أحد أركان حديقتها، وتوقفت لتقتلع جذرًا صغيرًا لأحد النباتات هناك. حينئذٍ، دفع اليأسُ ديفيد إلى التهور، وتقدَّم برفقٍ حتى وقف إلى جوارها، ولمسها بأصبعه.

وبدأ يقول: «من فضلك يا سيدتي.»

قفزت الآنسة بيتسي من مكانها ورفعتْ عينَيها.

«من فضلك يا عمَّتي.»

صرخت الآنسة بيتسي بنبرةٍ ملأها الدهشةُ: «ماذا؟»

«من فضلك يا عمتي، أنا ابن أخيكِ.»

قالت الآنسة بيتسي: «يا إلهي، يا رحمن!» وافترشت أرضَ ممر الحديقة.

«أنا ديفيد كوبرفيلد، من قرية بلاندستن، من مقاطعة سافُك؛ حيث أتيتِ، ليلة مولدي، ورأيتِ والدتي الغالية. إنني في غاية الحزن منذ ماتت. لقد تجاهلونني، ولم يُعلِّموني شيئًا، وتركوني أواجه الحياة بنفسي، ووضعوني في عملٍ لا يُناسبني. لقد جعلني هذا أفرُّ إليكِ. حيث تعرضتُ للسرقة في بداية رحلتي، ومشيتُ الطريق كلَّه على قدميَّ، ولم أنَمْ على سريرٍ قط مذ بدأت الرحلة.» وهنا أخذتْه نوبةُ بكاء، وظل يبكي وكأنما قلبُه سينفطر.

ظلَّت الآنسة بيتسي تُحدِّق فيه في ذهولٍ حتى بدأ يبكي، وهنا نهضتْ مسرعةً، وأمسكتْ به، وأدخلته إلى الردهة، وفتحت خزانةً طويلة، وأخرجت منها عدة زجاجاتٍ وأخذت تصبُّ من كل واحدة منها في فمه. وبعد ذلك أرقدته، وهو لا يزال يبكي، على الأريكة، ووضعت شالًا تحت رأسه، والمنديل الذي في رأسها تحت قدميه، خشيةَ أن يوسخ الغطاء؛ ثم جلست، وظلت تهتف مرةً بعد مرةٍ: «ارحمنا يا الله!» وراحت تُطلق تلك الهتافاتِ مثلما تُطلق البنادقُ طلقاتِها في الجنازات العسكرية.

وبعد مدةٍ دقَّت الجرس؛ وقالت للفتاة التي قابلتْه في المحل: «جانيت، اصعدي إلى الطابق العلوي، واحملي تحياتي للسيد دِك، وأخبريه أني أودُّ التحدث معه.»

راحت جانيت تُحدِّق في دهشة إلى ديفيد الممدد على الأريكة متيبسَ الجسد، لكنها ذهبت تُبلِّغ الرسالة، بينما راحت الآنسة بيتسي تذرَعُ الغرفة ذهابًا وإيابًا إلى أن جاء الرجل الذي كان قد غمزَ له من النافذة العلوية ودخل الردهة وهو يضحك.

فقالت الآنسة بيتسي: «سيد دِك، لا تتحامق، لأنه ما مِن أحدٍ يستطيع أن يكون أكثرَ حكمةً منك، عندما تريد هذا. لذا لا تتحامق، مهما حدث.»

أصبح الرجل جادًّا فجأة.

وقالت الآنسة بيتسي: «سيد دِك، لقد سمعتَني وأنا أذكر ديفيد كوبرفيلد، أليس كذلك؟ والآن لا تدَّعي أنه ليست لديك ذاكرةٌ، لأنني أعرف أنك تتذكر كل شيء.»

قال السيد دِك: «ديفيد كوبرفيلد؟ ديفيد كوبرفيلد؟ يا إلهي، بلى، بالتأكيد، ديفيد بلا شك.»

قالت الآنسة بيتسي: «حسنًا، هذا ولدُه؛ ابنه. كان سيُشبه أباه أشد ما يمكن أن يكون الشبه، إذا لم يكن شبيهًا جدًّا بأمِّه كذلك.»

قال السيد دِك: «ابنه؟ ابن ديفيد؟ حقًّا.»

تابعت الآنسة تروتوود كلامها قائلةً: «نعم، وقد تصرَّف تصرفًا رائعًا. لقد هرب. والسؤال الذي أطرحه عليك هو، ماذا أفعل معه؟»

قال السيد دِك متأمِّلًا: «يا للعجب، لو كنتُ مكانكِ، لكنتُ» — ونظر إلى بدن ديفيد المتسخ — «لكنتُ نظفتُه.»

قالت الآنسة بيتسي: «جانيت، لقد أرشدنا السيد دِك للتصرف السليم. سخِّني الحمَّام.»

ذهبت جانيت لتجهز الحمَّام، وفجأةً تجهمت الآنسة بيتسي وبدا عليها السخط، وصاحت: «جانيت! أبعدي الحمير!»

وهنا أسرعت جانيت على السلَّم وكأنما كان المنزل يحترق، واندفعت كالسهم إلى أرض خضراء صغيرةٍ أمام المنزل، وأخذت تُبعد حمارَين مسرَّجَين، تمتطيهما سيدتان، وقد تجرَّأتَا على جعل حماريهما يطآن الأرض بحوافرهما؛ بينما اندفعت الآنسة بيتسي خارج المنزل، وأمسكت لجامَ حمارٍ ثالثٍ، يركبه طفل، وأخرجته من الأرض، ولطمت أُذُنَي الولد صاحبِ الحمير الذي تجرَّأ على إحضارها إلى هنا.

لم يعلم ديفيد قط إن كان لعمته أيُّ حقٍّ قانونيٍّ في المرور دون الآخرين في تلك الأرض؛ لكنها قررتْ أنها تمتلك ذلك الحق، وكانت تُنفق ساعاتٍ من وقتها في إبعاد الحمير. وقد تكرر هجوم الحمير المباغت ثلاث مرات قبل أن يُجهَّز الحمَّام، وتكرر إسراع الآنسة بيتسي وجانيت بالخروج من المنزل لإبعاد الحمير.

وقد أراح الاغتسالُ ديفيد للغاية، لأن عظامه كانت تؤلمه بسبب النوم في عراء الحقول؛ وبعدما اغتسل، ألبسته الآنسةُ بيتسي وجانيت قميصًا وبنطالًا من ملابس السيد دِك، ووضعتَا حول جسده شالَين كبيرين أو ثلاثة؛ وقدمتَا له بعضَ الحساء ليشربه، وأجلستاه على الأريكة، حيث غرِق في النوم سريعًا. وبينما هو نائمٌ رأى في حلمه فيما يبدو أن الآنسة بيتسي جاءت وانحنتْ فوقه، وأبعدت شعرَه عن وجهه، ووضعت رأسه في وضع مريحٍ أكثر، وهمست تقول: «الفتى الجميل!» و«الفتى المسكين!» وهي تنظر إليه.

استيقظ ديفيد أخيرًا، وعندئذٍ جلسوا يتناولون ديكًا مشويًّا وحلوى البودينج على الغداء، حيث جلس ديفيد على المائدة وقد بدا هو نفسه وكأنه ديكٌ مكتَّف، وهو ملفوفٌ في بنطال وقميص السيد دِك، وشيلان الآنسة بيتسي.

كان ديفيد متلهفًا جدًّا لمعرفة ما ستفعله معه الآنسة تروتوود؛ لكنها تناولت غداءها في صمت، ولم تزِدْ على أن ظلت تهتف بقولها «ارحمنا يا الله!» كلما وقعت عيناها عليه.

كانت الآنسة بيتسي امرأةً طويلة القامة قاسية الملامح، لكنها جميلة أيضًا، رغم ما كانت تبدو عليه من تجهمٍ شديد. ولها عينان متألقتَان للغاية وشعرُها أشيب اللون، وهي ترتدي فستانًا بلون نبتة اللافندر شديد الأناقة، مثل كلِّ شيءٍ آخر في المنزل.

وكان رأسُ السيد دِك الأشيبُ منحنيًّا بطريقةٍ لافتة للنظر، وعيناه الواسعتان تنظران نظراتٍ بلهاء حولهما، بينما هو يُخشخش بنقوده في جيبيه، وكأنما يفتخر جدًّا بذلك. فاعتقدَ ديفيد أنه يبدو مخبولًا بعضَ الشيء.

وفي النهاية أُزيل غطاءُ المائدة، ووُضع عليها بعضُ عصير الكريز، الذي شرب منه ديفيد كأسًا؛ ثم بعد ذلك جعلته الآنسة بيتسي يقصُّ عليها كلَّ ما حدث له، وراحت تسأله أسئلةً كثيرةً، وتأمر السيد دِك بالإنصات لردوده جيدًا.

فقالت الآنسة بيتسي، بعدما انتهى ديفيد من سرد قصته: «ما الذي دفع تلك الطفلة المسكينة التعيسة كي تتزوجَ من جديد! لستُ أدري.»

قال السيد دِك: «ربما وقعتْ في غرام زوجها الثاني.»

كررت الآنسة بيتسي العبارة: «وقعتْ في غرامه! ماذا تقصد؟ بأي حقٍّ فعلتْ هذا؟»

قال السيد دِك وعلى وجهه ابتسامةٌ متكلفة، بعد قليلٍ من التفكير: «ربما فعلتها من أجل المتعة.»

قالت الآنسة بيتسي: «المتعة، حقًّا! لقد تزوجتْ من قبل. لقد رُزقتْ طفلًا؛ أوه، كان هناك طفلان عندما ولدتْ هذا الصبي الجالس هنا! فماذا أرادت أكثر من هذا؟ وها هي ذي تلك المرأةُ ذات الاسم الوثني، بيجوتي هذه؛ لقد تزوجتْ بعد ذلك. لأنها لم ترَ ما فيه الكفاية من الشرور التي تُلازم هذه الأمور، لقد تزوجتْ بعد ذلك هي الأخرى، كما يروي هذا الصبي.» ثم هزَّت الآنسةُ بيتسي رأسها، وقالت: «أرجو فقط أن يكون زوجها من أولئك الأزواج الذين تعجُّ بهم الجرائد، الذين يضربون زوجاتِهم بقضبان إحماء النار، وأن يبرحها ضربًا بقضيبٍ من تلك القضبان.»

لم يُطِق ديفيد سماع عمته تتمنى مثل هذه الأمنية لعزيزته بيجوتي، وأخبر الآنسةَ بيتسي كم كانت بيجوتي طيبةً، وصادقةً، ووفيةً، ومخلصة؛ وأنها تحبُّه كثيرًا، وأنها أحبَّت والدتَه كثيرًا؛ وأنه كان سيلجأ إليها لحمايته لولا منزلتُها الاجتماعية المتواضعة، والتي جعلته يخشى أنه ربما يسبِّب لها بعض المتاعب؛ وعندما تذكَّر ديفيد طيبة بيجوتي، انهارَ، ووضع وجهه بين كفَّيه على المائدة وانخرط في البكاء.

قالت الآنسة بيتسي: «حسنًا، حسنًا، إن الصبيَّ محقٌّ في الوقوف بجانب من وقفوا بجانبه.» كانت تضع يدها على كتفه، وقد تشجَّع ديفيد، وأوشك أن يطوقَها بذراعَيه ويتوسل إليها أن تحميَه، لكنها صاحت فجأةً: «جانيت! حمير!» وأسرعت بالذهاب وجانيت في عقبها، وفاتته الفرصةُ في تلك اللحظة، لأنها لم تتكلم عن شيءٍ، إلى أن حان موعدُ تناول الشاي، سوى عن عزمِها على إقامة دعاوى تعدٍّ على أملاك الغير على جميع أصحاب الحمير في دوفر.

بعد احتساء الشاي جلسوا بجوار النافذة إلى أن أحضرت جانيت الشموع وأنزلت الستائر.

قالت الآنسة بيتسي، وقد بدت عليها ملامحُ الجد: «والآن يا سيد دِك، سوف أسألك سؤالًا آخر. انظُر لهذا الصبي! ما الذي قد تفعله معه الآن؟»

قال السيد دِك، وهو ينظر إلى ديفيد بوجهٍ مرتبك: «ماذا أفعل مع ابن ديفيد؟»

ردَّت الآنسة بيتسي: «نعم! مع ابن ديفيد.»

قال السيد دِك: «يا إلهي، نعم. أفعل معه؛ سوف أجعله ينام.»

قالت الآنسة بيتسي بنبرة المبتهج بالنصر: «جانيت، إن السيد دِك يُرشدنا للتصرف السليم مرة أخرى. إذا كان السرير جاهزًا، فسنصعد به إليه.»

قالت جانيت إنه على أتمِّ الجاهزية، وتقدَّمتهم الآنسة بيتسي، وتبعها ديفيد، وجانيت في الخلف.

وفي منتصف الطريق إلى الدور العلوي توقفت الآنسة بيتسي وسألت ما رائحة الحريق هذه؛ فأجابتها جانيت بأنها تحرق الملابس البالية التي جاء بها ديفيد إلى المنزل.

أراح ردُّها ديفيد.

وكانت الغرفة جميلةً تُطلُّ على البحر الذي يتلألأ نورُ القمر من فوقه.

وهكذا تلا ديفيد صلواته واستكان في الملاءات الناصعة البياض التي تكسو السرير الصغير ذا الستائر البيضاء، فتذكَّر كلَّ الأماكن المهجورة التي نام فيها تحت سماء الليل، وراح يدعو من جديدٍ ألَّا يعود شريدًا مرةً أخرى أبدًا، وألَّا ينسى المشردين أبدًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠