الفصل الأول

أسباب النقل وتطوره

(١) مسببات النقل

لماذا يحتاج الإنسان إلى النقل؟ هذا السؤال العريض قد يحتاج إلى شرح يتَّسم ببعض الطول، وإن كانت الإجابة عنه في اختصار شديد هي أن الإنسان، وعالم الحيوان عامة، يتَّصف بصفة أساسية هي الحركة المستمرة؛ ليس فقط سعيًا وراء الغذاء، بل لأن الحركة جزء أساسي من تكوينه البيولوجي أيضًا؛ فالأطراف للحيوان والأرجل للإنسان أجزاء عضوية حية تتطلب الحركة آليًّا — وما دامت الحياة تسري في العروق والشرايين — إلا إذا أصيب الكائن الحي بمرض يُقعده عن الحركة.

والحركة المستمرة عند الإنسان قد أصبحت لها دوافع اقتصادية جوهرية بحكم الرغبة في الحصول على الغذاء في كل مراحل البشرية الحضارية، ومع التقدم الحضاري لم تعُد هناك دوافع اقتصادية مباشرة في تحركات كل فرد، وإن كانت هذه الدوافع الاقتصادية تهيمن على خلفية الحركة بحكم انتماء الفرد لمجموعة بشرية تتحرك من أجل أرض أحسن أو أوسع. وبعبارة أخرى: إن حركة القوات المتحاربة، رغم أنها قد لا تكون في حد ذاتها بدافع الحصول على مزيد من الغذاء للمحاربين، فإنها تخضع لخطة معينة في التوسع من أجل مزيد من المكاسب الاقتصادية لصالح القبيلة أو العشيرة أو الدولة.

وهناك أيضًا حركة قد تبدو بعيدة تمامًا عن الحركة الاقتصادية، مثل التحرك نحو مكان له قدسية خاصة في صورة الحج، أو التحرك لمجرد الترويح والنزهة واستكشاف ما يجهله الفرد من أماكن جغرافية أو خلوية، ولكن هذه الحركة في مجموع نتائجها أصبحت تكون نشاطًا اقتصاديًّا لعدد آخر من الناس يكونون دائمًا في نهاية مثل هذه الطرق؛ يستقبلون هؤلاء الزائرين ويقدمون لهم الخدمات اللازمة من مأوًى ومأكلٍ وملهًى.

ومجرد الحركة في حد ذاتها — وعلى الأخصِّ بعد تكاثف خطوطها في حضارة العصر الصناعي — قد أصبحت نشاطًا اقتصاديًّا يشغل وقت المتخصصين في صناعة وسائط النقل المختلفة من البدائية إلى الحديثة.

وقصارى القول أن الحركة عند الإنسان — فردًا أو جماعات، سلعًا أو أخبارًا — يسيطر عليها دافع اقتصادي أصيل، سواء عند الفرد أو الجماعة المتحركة، أو عند الجماعة المستقبلة لهذه الحركة، وبالرغم من هذا فإنه بالإمكان أن نفصِّل مسببات الحركة إلى أسباب منفصلة؛ لكي يمكن دراستها وتحديد نوع الحركة، مع الأخذ في الاعتبار بما سبق ذكره من ترابط هذه الأسباب المنفصلة ترابطًا حيًّا داخل الإطار الاقتصادي.

وأسباب النقل متعددة على رأسها: (١) البحث عن الغذاء عند الجماعات البدائية تكنولوجيًّا. (٢) التجارة الإقليمية والدولية. (٣) أغراض سياسية وعسكرية. (٤) أغراض ترفيهية ودينية ومعنوية. (٥) الحركة اليومية من المدن الرئيسية وإليها.

(١-١) البحث عن الغذاء عند الجماعات البدائية تكنولوجيًّا

سنتحدث بالتفصيل عن هذا الموضوع فيما بعدُ. ويمكننا أن نُلخِّص ما سبق قوله في أن الجماعات البشرية القديمة السابقة على الزراعة والرعي، والجماعات البدائية المعاصرة في غابات أفريقيا وصحاريها الجنوبية، وفي أمازونيا وجنوب الأرجنتين وشيلي وتيرادلفويجو، والقبائل المنتشرة في داخلية النطاق الغابي الكثيف في الملايو وبورنيو والفلبين وغينيا الجديدة (إيريان وبابوا)، وغالبية سكان مجموعات الجزر الباسيفيكية. هذه الجماعات كلها تمارس الانتقال الدائم والموسمي من أجل الحصول على الغذاء، في دوائر محدودة المساحة، أو تنتقل في قواربها وراء الأسماك في مساحات محدودة أيضًا من مياه الباسيفيك. أما حركة رعاة الإبل والبقر في السفانا وشمال أفريقيا والشرق الأوسط وصحاري منغوليا وسنكيانج، بالإضافة إلى رعاة الرَّنَّة في سيبيريا، والإسكيمو، صيادي الحيوانات البحرية في شمال أمريكا الشمالية؛ فحركتهم موسمية واسعة نسبيًّا، ومنتظمة سنويًّا.

ويشتمل انتقال هذه الجماعات غالبًا على: «أ» في حالة السكن المستقر في أماكن الوفرة النسبية كالواحات أو النطاق الاستوائي أو نطاق السفانا أو جزر الباسيفيك، يقوم الشبان بالتنقل إلى معسكرات موسم المطر أو الصيد الوفير، بينما تظل معظم الجماعة في أماكن سكنها الدائم. «ب» في حالة البداوة الكاملة كما هو الحال عند أقزام وسط أفريقيا وبشمن كلهاري في أفريقيا الجنوبية، وإسكيمو الشمال الأمريكي، ولاب شمال اسكندنافيا وجماعات رعي الرَّنَّة السيبيرية، تنتقل الجماعة بكاملها، كبار السن وصغارهم، من مكان إلى آخر وراء الصيد أو إلى مناطق معينة تحددها إيكولوجية حيوان الصيد أو حيوان الرعي في العالم القطبي.

ويختلف الانتقال عند كلٍّ من الفئتين؛ فإن البداوة الكاملة تستدعي نقل كل ما تملكه الجماعة في ترحالها الموسمي، أو ترحالها الدائم بحثًا عن الطعام عند جامعي الغذاء، بينما يقتصر التنقل في الحالة الأولى على معسكر الشباب فقط. ويترتب على اختلاف المستوى الحضاري عامةً اختلافٌ في حجم المنقولات؛ فهي شديدة البساطة عند الجماعيين، بينما تتعدد المنقولات عند الرعاة أو الزراع البدائيين لتشمل المسكن ومستلزمات الحضارة الأعلى من أوعية متعددة الأغراض، إلى الطعام المحفوظ، إلى الملابس والأسلحة وأدوات الإنتاج المختلفة. وفي حالة الزُّرَّاع البدائيين لا يُنقل المسكن المبني عادة من الأخشاب، بل يُترك ويُبنى غيره في المكان الجديد.

وبناءً على ذلك، فإن النقل عند الجماعيين لا يستلزم وسيلة نقل خاصة سوى النقل بواسطة الأفراد، وربما كان ذلك سببًا من أسباب قلة منقولاتهم. ويشترك الزراع البدائيون مع الجماعيين في قلة منقولاتهم. أما الرعاة فإنهم يستخدمون حيوان الرعي في النقل، إما للحمل وإما للجر أو لكليهما معًا.

وبرغم بساطة النقل عند الجماعات البدائية تكنولوجيًّا فقد كانت له آثار بعيدة بالنسبة لتعمير العالم؛ فإن الحركة المستمرة وراء الغذاء، سواء كانت للجماعيين أو الرعاة أو الزراع البدائيين، قد أدت طوال تاريخ الإنسانية إلى هجرات الشعوب الواسعة من أماكن محدودة على سطح الأرض، ليملئوا سطح القارات جميعًا بحثًا عن الغذاء. وهذه الهجرات قد تمَّت ببطء شديد. ولا شك أنها حدثت نتيجة تزايد العدد السكاني فوق موارد الإقليم الغذائية. وقد حدثت هذه الهجرات إما في صورة سلمية بسيطة وإما نتيجة الطرد بالقوة بواسطة جماعة وافدة غازية. ولكن هجرات الرعاة كانت دائمًا سريعة نسبيًّا نظرًا لاستخدام وسائل النقل الحيوانية بالإضافة إلى التنظيم العسكري الذي يكون أساس حياة البداوة.

(١-٢) التجارة الإقليمية والدولية

ظهرت التجارة مع تقدم المستوى الحضاري والاقتصادي واستقرار الناس فيما بعد الثورة الإنتاجية الأولى — الزراعة واستئناس الحيوان — ونمو التخصص الإقليمي والاجتماعي في أشكال الإنتاج، ونوع الحرفة. وهذا التخصص في حد ذاته قد سبَّب نشوء التبادل التجاري، وما زال كذلك حتى الآن. وقد ارتبط حجم التبادل التجاري أولًا بالاحتياجات المرغوبة، وثانيًا بسعة وسائل النقل.

وفيما يختص بمدى تنوع الاحتياجات، فإن ذلك كان محدودًا للغاية خلال معظم تاريخ الإنسان منذ اكتشاف الزراعة؛ ذلك أن الاكتفاء الذاتي كان هو النمط السائد في معظم مناطق الزراعة والرعي؛ فقد تأقلم الناس على أنواع الغذاء الذي يصنعه محصولهم الأساسي، وعلى أشكال الملبس الذي تُمدهم به ظروفهم الإنتاجية والبيئية، وعلى أشكال الملبس الذي يرتبط بإيكولوجية المكان، وعلى أنواع الأدوات والأسلحة المرتبطة بتكنولوجية الإنتاج. وفيما عدا هذا كان احتياج المترفين إلى بعض المعادن والأحجار النادرة، وبعض منتجات من الأواني والمنسوجات الفاخرة المنتَجة في أقاليم أخرى هو جُلَّ مكونات التبادل التجاري القديم. وفضلًا عن ذلك ظهرت الحاجة إلى بعض المنتجات الضرورية من خامات مناطق بعيدة؛ كالحديد والنحاس والأخشاب الجيدة وخامات العطور والبخور وغير ذلك.

ولما كانت وسائل النقل محدودة السعة برغم تعدد أشكالها من قوافل الحمير أو البغال أو الخيول أو الإبل أو الإنسان، إلى عربات الجر والزحافات، إلى السفن النهرية والسفن البحرية، فإن التبادل التجاري في معظم فترات التاريخ المكتوب للبشرية، كان محدود الحجم ينطبق عليه خير انطباق المثل الشائع: «ما خفَّ حمله وغلا ثمنه.»

أما التجارة فيما بعد العصر الصناعي فقد تغيرت صورتها تغيرًا جذريًّا عما كانت عليه من قبلُ؛ فإن الاحتياجات البشرية من أجل الصناعة والاستهلاك قد توسعت بصورة مذهلة، بحيث شملت كل أشكال الإنتاج من الغذاء إلى الكماليات بين ساكني المدن، بينما تتحدد السلع المعروضة في الأسواق الريفية إلى أنواع قليلة من السلع الغذائية مقابل كثير من السلع المصنَّعة. وكذلك أدى انقسام العالم إلى متقدم صناعي ومتخلف أو نامٍ يُنتج الخامات بصفة أساسية، إلى نمط عالمي محدد في التجارة؛ فالسفن المتجهة إلى دول الشمال الصناعية تحمل خامات زراعية ومعدنية، والسفن المتجهة إلى الدول المدارية والجنوبية تحمل سلعًا مصنعة، بالإضافة إلى بعض الأغذية الأساسية كطحين القمح أو الذرة، ومنتجات الوقود والطاقة المكرَّرة.

وقد تبع ذلك أن التجارة الدولية في عصرنا الراهن تحتكر القدر الأعظم من حركة النقل العالمية، وبناءً على هذا زادت حمولة وسائل النقل زيادة هائلة، سواء كان ذلك في القطارات أو الشاحنات أو السفن أو الطائرات، وما زالت سعة وسائل النقل في زيادة إلى مدًى لا نستطيع التنبؤ به.

وخلاصة القول أن التجارة والنقل هما في كل الأوقات عبارة عن وحدة وظيفية واحدة ذات شقَّين.

ويمكننا أن نشير في هذا المجال أيضًا إلى أن التوسع التجاري العالمي كان واحدًا من أهم الأسباب في الكشوف الجغرافية الكبرى، وفي بناء الإمبراطوريات الاستعمارية الكبرى، وفي الاستيطان الحديث لقارات العالم الجديد. وبهذا يشترك البحث عن الغذاء واتساع النشاط التجاري معًا في تعمير العالم بواسطة الهجرات الاستيطانية القديمة والحديثة.

(١-٣) الأغراض السياسية والعسكرية

بالرغم من أن الأسس الجوهرية في النقل ووسائله وطرقه تقاس على المعيار الاقتصادي ومدى عائد هذه الطرق ووسائل النقل، إلا أننا نلاحظ أن بعض أشكال النقل تبدو غير اقتصادية بالمعنى المفهوم؛ فهناك طرق تُمَد إلى أقاليم هامشية داخل الدولة الواحدة، والسبب راجع إلى خطة سياسية أو استراتيجية؛ فمثل هذا الطريق يقام إما من أجل تشديد قبضة الدولة على الإقليم النائي وتثبيت سلطانها فيه، وإما أن يقام من أجل سرعة الوصول إلى مناطق ذات منعة استراتيجية لحماية الدولة.

والأمثلة على ذلك كثيرة، على رأسها الخطوط الحديدية الأمريكية إلى داخل «الغرب البري أو الوحشي»، وطريق حديد سيبيريا والتركستان، وطريق حديد بشاور (الذي أقيم في الهند خلال الحكم الإنجليزي لتأمين الحدود الشمالية الغربية وإخضاع قبائل الباتان والسيطرة على ممر خيبر الاستراتيجي)، ومشروع فرنسا من أجل بناء خط حديدي من السنغال إلى النيجر، ومشروعها الذي لم يتحقق من أجل بناء خط حديدي من الجزائر إلى النيجر، والخط الحديدي السوداني الذي امتد إلى جنوب السودان مؤخرًا.

ومثل هذه الطرق برغم نشأتها العسكرية غير الاقتصادية سرعان ما تصبح محورًا لنشاط اقتصادي حديث يؤدي إلى تغيُّر في شكل الإنتاج في الإقليم الذي يمر به. وخير دليل على ذلك أن خط حديد سيبيريا قد أصبح الآن — وبعد مرور حوالي ٧٠ سنة على إنشائه — يجري داخل أكبر منطقة اقتصادية في العمق الأرضي السوفييتي.

وبالمثل فإن الأغراض العسكرية قد ساعدت دائمًا على نمو أشكال جديدة في وسائل النقل في حجمها أو كفاءتها أو سرعتها، فإن مبدأ استخدام العجلة (الدولاب) كوسيلة لتسهيل جر العربات بواسطة الحيوان، قد قفز سريعًا حينما استُخدمت العجلة في مركبات القتال الحيثية والفرعونية والآشورية، وفي حضارات الشرق الأوسط القديم عامة. وكذلك حظيت السفن والطائرات بدفعة تطور قوية خلال سباق التسلح قبل وخلال الحرب العالمية الأولى والثانية، وبصورة أكبر في فترة سباق التسلح التي يعيشها عالمنا المعاصر. وبرغم ما تؤدي إليه هذه المستحدثات من أضرار بالغة في الحروب، إلا أن الاستخدام السلمي لمنجزاتها يصبح فيما بعدُ نعمة كبرى على تقدم وسائل النقل.

(١-٤) الأغراض الترفيهية والدينية وغيرهما

باشتداد كثافة السكن والنشاط الاقتصادي الحديث في المدن تنشأ الحاجة الملحَّة إلى الترفيه في صور عدة؛ منها الاصطياف ورحلات عطلة نهاية الأسبوع والأعياد. وقد أدى هذا إلى امتداد طرق المواصلات إلى مناطق نائية في الجبال أو على سواحل البحار والبحيرات لم تكن تمتد إليها دون نشأة هذه المناطق الترويحية.

وباقتراب العالم من بعضه بواسطة التشابك الحضاري العالمي الراهن نشأت السياحة الدولية كوسيلة عملية لزيادة خبرة الأفراد بأجزاء العالم المختلفة. وقد أدت السياحة الدولية الراهنة إلى نمو سريع في وسائل نقل الركاب بحرًا وجوًّا وبرًّا، وساعدت على إنشاء شبكة عظيمة من الطرق السريعة في كثير من الدول لجذب السياح إلى داخلية البلاد، وإلى إبراز معالم الزيارة في الأماكن الأثرية ومناطق اللهو والترويح.

وخلاصة القول أن السياحة الدولية قد أصبحت جزءًا من نمط حياة الأفراد في كثير من الدول المتقدمة.

وأخيرًا فإن الإنسان منذ القدم — بارتباطه الغيبي بقداسة وبركة أماكن معينة، وارتباطه الديني بتعاليم تحث على الحج إلى أماكن محددة — قد ساعد على نشأة طرق معروفة تتجه إلى تلك الأماكن. وأشهر أماكن الحج والمزارات مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس، وبنارس، ولورد، وروما. وتنمو العناية بهذه الطرق وتتزايد بصفة مستمرة لتخدم المزيد من الحجيج.

(١-٥) الحركة اليومية إلى المدن الرئيسية

نظرًا لوظيفة المدن كمراكز خدمة رئيسية داخل أقاليمها، وكمناطق الصناعة الرئيسية، وكمراكز لنشاطات تجارية ومالية وثقافية وترفيهية وعلاجية، فإن هناك حركة دائمة يومية من إقليم المدينة إلى المدينة للاستفادة بهذه الخدمات. وهناك أيضًا حركة دائمة تجلب خامات الصناعة إلى المدن أو تنقل المنتجات المصنَّعة إلى الأسواق خارج المدن. ونظرًا لازدحام المدن عامة، فإن عددًا لا بأس به من سكان المدن يسكن الضواحي لأسباب كثيرة من أهمها رخص الأراضي والإيجارات. ويؤدي هذا إلى حركة انتقال كثيفة من مجال المدينة الخارجي إلى داخلها تُسمَّى حركة العمل اليومي، وهي حركة تؤدي إلى ضغط شديد على طرق المدينة.

جدول ١-١: المتوسط اليومي لعدد الركاب القادمين والمغادرين لمحطات السكك الحديدية الباريسية.
المجموع ٧٥٩ ألف راكب
(١) محطة سان لازار ٣٠٠ ألف راكب
(٢) محطة الشمال ١٣٥ ألف راكب
(٣) محطة الشرق ٨٥ ألف راكب
(٤) محطة أوسترليتز ٨٢ ألف راكب
(٥) محطة ليون ٧٢ ألف راكب
(٦) محطة مونبارناس ٤٠ ألف راكب
(٧) محطة الأنفاليد ٣٠ ألف راكب
(٨) محطة الباستيل ١٥ ألف راكب
fig1
خريطة ١-١: نموذج لحركة العمل اليومية في باريس (الحركة اليومية بواسطة السكة الحديدية فقط).

وحركة الانتقال في المدن ومحيطها تُمثِّل في الواقع أكثف حركة انتقال بالمقارنة بأيٍّ من مجالات النقل الأخرى، وإن كانت هذه الحركة محدودة المسافات بطبيعة تمركزها حول المدينة الواحدة. وقد أدى هذا إلى نشأة كل أشكال المواصلات الكثيفة (طرق برية سريعة، طرق حديدية، موانئ جوية) حول المدن وفي داخلها (أوتوسترادات وجسور وأنفاق وخطوط حديدية معلقة … إلخ). وتتضح هذه الصورة بكامل مشكلاتها في المدن الأمريكية الرئيسية، وفي المدن الأوروبية بصورة أقل حدة (انظر خريطة رقم ١-١).

(٢) التأثير المتبادل بين النقل والتجارة والتكتلات السياسية

إذا استثنينا وسائل النقل الجوي الحالية، فإننا نجد أن تكنيكية النقل عامة تنقسم إلى قسمين رئيسيين، هما وسائل النقل البري ووسائل النقل المائي. وإذا أردنا أن ندرس كلًّا من هذين القسمين على ضوء القوة المحرِّكة وشكل وسيلة النقل وبنائها ووظيفتها، فإننا نجد تقسيمات كثيرة لأساليب النقل العالمية.

وفي خلال تاريخ الإنسان على ظهر الأرض الذي يمتد إلى عشرات الآلاف من السنين نجد أن هناك تقسيمًا يؤدي بنا إلى التعرف على مرحلتين تاريخيتين في وسائل النقل؛ المرحلة الأولى طويلة جدًّا، وتبدأ من بداية التاريخ الإنساني إلى حوالي قرن مضى. أما المرحلة الثانية فهي شديدة القصر لا تتجاوز القرن، ومع ذلك فإنه قد ابتُكر فيها تنوع هائل، في شكل وسائل النقل ومبدأ الطاقة المستخدَمة لتحريك مركبات النقل المختلفة البرية والمائية على السواء، من البخار إلى آلة الاحتراق الداخلي إلى القوى الكهربائية، وأخيرًا بدايات استخدام الطاقة النووية. أما المرحلة الأولى الطويلة فقد تميزت بسيادة مبدأ موحَّد؛ هو استخدام الطاقات الطبيعية في تحريك المركبات البرية والمائية على السواء، فاشتملت على استخدام طاقة الانحدار الأرضي «الجاذبية الأرضية» وطاقة الانحدار المائي «قوى تيارات الماء النهرية والمحيطية والمد والجزر» وطاقة الرياح، والطاقات العضوية المتمثلة في الإنسان والحيوان.

وقد ترتب على اختلاف شكل الطاقة المستخدَمة بين المرحلتين التاريخيتين في النقل، وفي داخل كل مرحلة، اختلافات هائلة في شكل وبناء مركبة النقل ووظيفتها. وأكبر الاختلافات تنحصر في حجم المركبة وسرعتها. وبما أن الطاقات المحرِّكة الحديثة طاقات ميكانيكية غير عضوية ذات قوى غير محدودة بالقياس إلى الطاقات الطبيعية والعضوية التي كان يمكن استخدامها قديمًا، فإن المركبات صارت أكبر حجمًا وأكثر سرعة بدرجات غير متناسبة تمامًا مع حجم وسرعة المركبات في المرحلة التاريخية الأولى.

وصحيح أن للرياح طاقة تحريك عظيمة لا مثيل لها في قائمة المبتكرات الإنسانية، إلا أن استخدامها كان محدودًا جدًّا خوفًا من طاقتها المدمرة التي تظهر متكررة في صورة الأعاصير الجامحة. وحين تهب مثل هذه الأعاصير تبتعد المراكب الشراعية وغير الشراعية فورًا عن المنطقة؛ وبالتالي فإن استخدام وسائل النقل المعتمدة على الرياح كانت دائمًا تحت رحمة طاقة غير مستأنسة.

وكذلك ترتب أيضًا على سرعة المركبة في المرحلة التاريخية الثانية تغيُّر هائل في وظيفة النقل؛ فلم يعد الانتقال مشقة بالنسبة للأفراد، ولم يعد مغامرة بالنسبة للتجارة، ولم يعد النقل مضيعة للوقت في حالتَي الأفراد والبضائع. وبناءً على هذا كله حدث تغيُّر كمِّي وكيفي في وظيفة النقل الحديث، كان من آثاره ازدياد حجم التبادل التجاري العالمي بدرجة ساعدت بشدة على التخصص الوظيفي في النشاطات الاقتصادية في دول العالم وقاراته.

وكان من جرَّاء هذا أن نشأ اليوم شعار يتردد على الألسنة في كل يوم وكل مكان: «لقد انكمش العالم.» أو «نحن نعيش في عالم منكمش المسافات والمساحات.» أو «إنه لعالم صغير ذلك الذي نعيش فيه اليوم.» Shrinking, small World؛ فالمسافات قد قصُرت وتيسَّر الانتقال بسرعة غير معهودة، وبُنيت وسائل لنقل كل أشكال البضائع والسلع من الخامات ذات الأحجام الكبيرة (الناقلات البرية والمائية لخام الحديد أو النحاس أو غيرهما من المعادن، جرارات الأخشاب العملاقة التي تعمل في مناطق الثروة الغابيَّة، ناقلات البترول الخام والمكرر، أنابيب البترول والغاز، أسلاك التحميل العالية لنقل الطاقة الكهربائية، إلى جانب السفن والطائرات والقطارات العادية التي تنقل أشكالًا لا حصر لها من السلع والبضائع). ولم يعد غريبًا أن يعرف الإنسان في أي مكان أن هناك تخصصًا إقليميًّا في السلع المعروضة في الأسواق؛ كروم وموالح وطماطم البحر المتوسط، لحوم وأجبان المراعي العلمية في الدانمرك وهولندا والأرجنتين، أخشاب النطاق المخروطي في كندا واسكندنافيا والاتحاد السوفييتي، المكيفات المنتَجة في العالم الاستوائي؛ بن البرازيل وكاكاو أفريقيا وشاي آسيا، وغير ذلك كثير من التخصص الإقليمي في عالم الصناعة.

وخلاصة القول أن تطور وسائل النقل وتخصصها قد أدى إلى ربط العالم كله بشبكة كثيفة الخيوط من العلاقات التجارية، وساعد بصورة أو أخرى على إعادة توزيع أشكال النشاط الاقتصادي في أقاليم جغرافية متمايزة ومتخصصة.

ولئن كان تطور وسائل النقل يعد عاملًا مساعدًا على نمو الإمبراطوريات الاستعمارية خلال القرنين الماضيين، فإن هذه الإمبراطوريات بدورها قد ساعدت على نشأة الأنماط الاقتصادية المتخصصة عن سياسة عامدة. لكن وسائل النقل قد أدت خلال هذا القرن إلى سرعة انتقال الأفكار السياسية المختلفة؛ مما أدى بدوره إلى نشأة الحركات القومية في المستعمرات، وأفضى في النهاية إلى استقلال معظم هذه المستعمرات. وتحاول هذه الدول المستقلة — عن طريق سرعة الاتصال أيضًا، ماديًّا وفكريًّا — أن تستفيد قدر الإمكان من تخصصها النمطي في إنتاج محصول أو خامة معينة، بزيادة وتحسين الإنتاج، وأن تتغلب في الوقت نفسه على مساوئ التخصص النمطي بإضافة عناصر إنتاجية جديدة؛ محاصيل أو معادن أو طاقة محرِّكة، بالإضافة إلى الصناعة ولو على مقياس صغير.

وسوف يترتب على قرن المواصلات الحديثة والاستقلال والروح القومية والنزعة الإقليمية (فوق القومية المحدودة بحدود الدولة السياسية الحالية) تأثيرات مباشرة على التخصص الإقليمي العالمي الراهن في الإنتاج وأشكال استغلال الأرض في صورة تجميعات اقتصادية واسعة المساحة ومتعددة الإنتاج. وأكثر المؤشرات وضوحًا وأقربها إلى التحقيق ما زالت تقع ضمن مجموعة الدول المتقدمة، وأغلبها كان صاحب مستعمرات سابقة. وقد كان هذا نتيجة طبيعية لظروف هذه الدول التي تتمتع بتنظيمات اقتصادية متعادلة ذات جذور تاريخية عميقة نسبيًّا، ولعل مجموعة السوق الأوروبية المشتركة، ومجموعة السوق المشتركة للدول الاشتراكية، سوف تصبح النمط السلفي الذي سوف تسعى إليه كتل العالم الأخرى كالكتلة الأفريقية والكتلة العربية والكتلة اللاتينية.

والذي يهمنا في هذا المجال أن نمو هذه التكتلات بما فيها من محاولات التعادل الإنتاجي بدلًا من التخصص الإنتاجي البحت، سوف يؤدي إلى تغيرات عميقة في شبكة الاتصال العالمي الراهنة.

ويمكننا أن نتصور ماذا يمكن أن يحدث في عالم المواصلات على ضوء ما حدث تاريخيًّا في الماضي حينما كان التخصص الإنتاجي البحت هو الشكل الأساسي للتجارة، مثلًا في عهد الإمبراطورية البريطانية والكمنولث البريطاني كان هناك تخصص مواصلات بمقتضاه كانت ليفربول ميناء القطن الأول، وموانئ جنوب بريطانيا بما فيها لندن نهاية للسلع الاستوائية والمدارية مثل الكاكاو والشاي. وفي عهد الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية كانت مرسيليا هي الميناء الفرنسي الأول الذي يتعامل في المنتجات المدارية القادمة من المستعمرات الفرنسية في آسيا وأفريقيا.

وحينما تندمج عدة دول في تكتل اقتصادي، كالبنلوكس أو السوق الأوروبية المشتركة، فإن تغيرًا تدريجيًّا يطرأ على تخصص الموانئ ووظائفها الإقليمية، لكن هذا التخصص في حد ذاته قد يكون داعيًا إلى استمرار جذب خطوط الحركة والمواصلات إليه، إذا كان الموقع مركزيًّا والخلفية مناسبة للتغير الناتج عن التكتل الاقتصادي الجديد. وقد كان هذا حال ميناء روتردام الهولندي بالنسبة لكتلة السوق الأوروبية، ومثله في ذلك ميناء مرسيليا الفرنسي.

وفي وسعنا أن نتصور انخفاضًا كبيرًا في المنافسة بين الموانئ المتشابهة التوجيه في حالة استمرار الاندماج الاقتصادي وتدعيمه في أي منطقة يحدث فيها ذلك. والسبب الرئيسي وراء ذلك يرجع إلى أن مثل هذه الموانئ المتشابهة التوجيه — كهامبورج وروتردام والهافر ولندن — سوف تتغير وظائفها من موانئ قومية إلى موانئ إقليمية كلٌّ منها يخدم النشاط الاقتصادي في حدود خلفيته الطبيعية والبشرية، وفي مثل هذه الحالة تميل الحركة البرية إلى الانخفاض أو الزيادة تبعًا لحجم الخلفية الاقتصادية التي يخدمها كل ميناء على حدة. وفي هذا المجال أيضًا نلاحظ تناقصًا في الأهمية النسبية للموانئ المتطرفة مكانيًّا بالنسبة لحدود التكتل الاقتصادي كما حدث في هامبورج، برغم أنها كانت الميناء الألماني القومي الأول. وفي المقابل ترتفع الأهمية النسبية للموانئ المتمتعة بظهير بشري وإنتاجي كبير.

(٢-١) السوق الأوروبية كنموذج لتغيرات النقل

يعطينا ما حدث في أوروبا الغربية نموذجًا معاصرًا لما يحدث من تأثيرات التوجيه الاقتصادي على نمط النقل، ويلخص لنا ما سبق أن ذكرناه نظريًّا عن احتمالات التغير المرتبطة بإعادة توجيه الاقتصاد الأوروبي في صورة تسعى للتكامل. وفيما يلي دراسة مقتضبة عن الموانئ الرئيسية لدول السوق الأوروبية، كأحد مظاهر التغير في نمط النقل، علمًا بأن تغيرات مماثلة قد طرأت على توجيه خطوط النقل البرية والجوية لتخدم المناطق الكثيفة الإنتاج داخل كل دولة على حدة، وداخل التكتل الأوروبي بصفة عامة.

جدول ١-٢: تطور الحمولة المشحونة والمنزلة في الموانئ الرئيسية لدول السوق الأوروبية.*
الميناء ١٩٣٨ ١٩٦٥ حمولة ١٩٦٥
مجموعة الحمولة مليون طن ٪ من الموانئ الاثني عشر مجموع الحمولة مليون طن ٪ من الموانئ الاثني عشر بالنسبة إلى حمولة ١٩٣٨ (٪)
المجموع ١٥٣٫٣ ١٠٠ ٤٣٤٫٦ ١٠٠ ٢٨٣٫٥ +
روتردام «ﻫ» ٤٦٫٤ ٣٠٫٢ ١٢٢٫٧ ٢٨٫٥− ٢٦٤٫٦−
أنتفيرب «ب» ٢٣٫٦ ١٥٫٣ ٥٩٫٤ ١٤− ٢٥٢٫١−
مرسيليا «ف» ١٠ ٦٫٥ ٥٦٫٨ ١٣٫٤+ ٥٧٠٫٨+ +
هامبورج «أ» ٢٥٫٨ ١٦٫٧ ٣٥٫٣ ٨٫٣− ١٣٦٫٧− −
جنوا «ط» ٧٫٣ ٤٫٧ ٣٤ ٨+ ٤٦٧٫٩+ +
الهافر «ف» ٦٫٧ ٤٫٤ ٣٨ ٦٫٦+ ٥٧٠٫٥+ +
بريمن «أ» ٩ ٥٫٩ ١٧٫٥ ٤٫١− ١٩٤٫٥− −
دنكرك «ف» ٤٫٢ ٢٫٨ ١٦٫٣ ٣٫٨+ ٣٨٣٫٤+
نابولي «ط» ٢٫٩ ١٫٩ ١٥٫٥ ٣٫٧+ ٥٣٨٫٦+ +
فينسيا «ط» ٤٫٢ ٢٫٧ ١٤٫٦ ٣٫٤+ ٣٥٠٫٢+
أمستردام «ﻫ» ٥٫٧ ٣٫٧ ١٣٫٩ ٣٫٣− ٢٤٥٫٩−
روان «ف» ٧٫٧ ٥ ١٠٫٦ ٢٫٥− ١٣٧٫٣− −
ملاحظات: «ﻫ» = هولندا. «ب» = بلجيكا. «ف» = فرنسا. «أ» = ألمانيا. «ط» = إيطاليا.
تفسير العلامات في عمود ١٩٦٥: − = نقص في نسبة الحمولة من المجموع الكلي للموانئ الاثني عشر الواردة بالنسبة لنصيبها عام ١٩٣٨.
+ تساوي زيادة في نسبة الحمولة من المجموع الكلي للموانئ الاثني عشر الواردة.
تفسير العلامات في العمود الأخير: (−) أو (+) مقاسه إلى نسبة الزيادة الكلية لحمولة الموانئ الاثني عشر في ١٩٦٥ عن ١٩٣٨. (− −) تساوي نسبة نمو ما بين ١٠٠ بالمائة و٢٠٠ بالمائة فقط في الفترة المذكورة. (−) تساوي نسبة نمو بين ٢٠٠ بالمائة و٣٠٠ بالمائة. (+) تساوي نسبة نمو بين ٣٠٠ بالمائة و٤٠٠ بالمائة. (+ +) تساوي نسبة نمو أعلى من ٤٠٠ بالمائة في حمولة ١٩٦٥ بالنسبة لحمولة ١٩٣٨.
يلاحظ أن المقصود بالخطوط الرئيسية هي تلك التي يسير فيها خطان من خطوط المواصلات أو أكثر في اتجاه المحور نفسه، الخريطة نُقلت (مع بعض التعديل) عن: G. Parker, “The Logic oF Unity”, Longman, London 1968.
يوضح هذا الجدول (١-٢) دلالات كثيرة ليست في حاجة إلى تعليق، والمهم بالنسبة لموضوعنا أن نلاحظ:
  • (١)

    هبوط كبير في ترتيب الموانئ الألمانية، وهي في الحقيقة أقل الموانئ الأوروبية نموًّا نتيجة تقسيم ألمانيا (= تأثير على نشاط هامبورج) وتطرُّف الساحل الألماني بالنسبة للقلب الألماني الصناعي مقارنًا بقربه ويسر اتصاله بالبحر عن طريق الموانئ الهولندية والبلجيكية.

  • (٢)

    ارتفاع حاد في مجموعة الموانئ الفرنسية والإيطالية التي يبدو أنها كانت أكبر مستفيد من نشأة السوق المشتركة بحكم علاقات المكان لكلٍّ من الدولتين، ولوجود قلوب صناعية قومية مجاورة للموانئ القومية؛ منطقة باريس الصناعية يخدمها ميناء الهافر، ومنطقة تورينو-ميلانو الصناعية تخدمها جنوا.

  • (٣)

    بالرغم من النمو الهائل في حمولة ميناءي روتردام وأنتفيرب إلا أن هذا النمو كان أقل قليلًا من درجة النمو العامة للموانئ الاثني عشر. ويجب ألا ننسى أن الميناءين كانا من قبلُ موانئ رئيسية في أوروبا الغربية، حمولة التعامل فيهما كبيرة كميناءي ترانزيت لألمانيا والقلب الصناعي البلجيكي والفرنسي الشمالي؛ ومن ثم فإن هناك حدودًا لنسبة النمو لا تستطيع الموانئ تجاوزها إلا بمزيد من الاستثمارات الضخمة وبقصد أن تصبح موانئ شديدة الاحتكار. وهذا الأمر لا يتفق والخطوط العامة للسياسات القومية داخل وحدة السوق المشتركة.

  • (٤)

    هامبورج ومرسيليا طرفا النقيض في درجة النمو خلال الفترة المذكورة. وقد سبق أن شرحنا خلفية هامبورج المتدهورة والمتناقصة. أما مرسيليا فإنها وجدت نفسها في موقع ممتاز على البحر المتوسط كنهاية جيدة لخطوط الحركة الحديدية والبرية والأنبوبية التي تعبر دول السوق من الشمال إلى الجنوب (فرنسا، ألمانيا، هولندا). ويوضح الخريطتان ١-٢ و١-٣ وتكاثف خطوط الحركة المتجهة إلى مرسيليا والصورة الاحتكارية لهذا الميناء بالنسبة لجنوب السوق المشتركة دون أن ينازعها منازع. وبالرغم من نمو هائل لحركة ميناء جنوا المشابه لمرسيليا، إلا أنه يخدم جيبا إيطاليا (منطقة الصناعة في غرب لمبارديا) مسدودًا بواسطة جبال الألب من الشمال والغرب، بينما وراء مرسيليا طريق طبيعي مفتوح بامتداد الرون ورافده الساؤن في اتجاه طريق طبيعي آخر هو وادي الراين المؤدي إلى منطقة قلب الصناعة الألمانية في الراين الأوسط (شتوتجارت-مانهايم-فرانكفورت) وفي الراين الأدنى (الرور)، ومن ثم إلى المنطقة الصناعية الهولندية والبلجيكية، وبرغم التحسينات التكنولوجية التي تطرأ باستمرار على الطرق من جنوا إلى جنوب ألمانيا عبر جبال الألب في سويسرا والنمسا، إلا أن المتوقع أن تصبح مرسيليا روتردام أخرى لدول السوق الأوروبية، مطلة على البحر المتوسط.

    fig2
    خريطة ١-٢: المحاور الأساسية للمواصلات في دول السوق المشتركة.
fig3
خريطة ١-٣: صناعة تكرير البترول في أوروبا الغربية وخطوط الأنابيب الرئيسية. (١) خطوط ناقلات البترول الخام من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. (٢) أنابيب وخطوط ناقلات البترول الخام والمكرر السوفييتي. (٣) خطوط الأنابيب الرئيسية في أوروبا الغربية: لاحظ المحور الأساسي لخط الأنابيب العابر لدول السوق من روتردام إلى مرسيليا عبر ألمانيا الغربية. (٤) الحدود السياسية. (٥) معامل تكرير ذات طاقة سنوية أكثر من ٣٠ مليون طن. (٦) معامل تكرير طاقتها بين ٢٠ و٣٠ مليون طن. (٧) معامل تكرير طاقتها بين ١٥ و٢٠ مليون طن. (٨) معامل تكرير طاقتها بين ١٠ و١٥ مليون طن. (٩) معامل تكرير طاقتها أدنى من خمسة ملايين من الأطنان. (١٠) مجموع طاقة التكرير في كل دولة. الخريطة منقولة بإضافات عن: P. R. O’Dell “Oil and World Power”, Pelican, London 1970.

وعلى وجه العموم، فإن لدول السوق على القارة الأوروبية واجهتين بحريتين رئيسيتين ترتبطان بالمواقع الرئيسية للصناعة الأوروبية؛ الواجهة الأولى: هي تلك الممتدة من هامبورج إلى الهافر وتخدم مركز الثقل المتجمع في أوروبا الغربية، والواجهة الثانية: هي تلك الممتدة من مرسيليا إلى جنوا. وفيما عدا ذلك فإن الموانئ الأوروبية تخدم مناطق محلية مثل تريستا وفينسيا ونابولي في الجنوب، وشربورج ونانت في الغرب.

وقد سبق أن أوضحنا العلاقة بين مرسيليا وجنوا وبيَّنا تفوُّق خلفية مرسيليا بالقياس إلى جنوا، برغم وجود المنطقة الصناعية الإيطالية في خلفية جنوا. أما في الواجهة البحرية الشمالية بين هامبورج والهافر، فإننا نتبين بصورة لا تدعو لمزيد من الشرح، المكان المركزي لروتردام وأنتفيرت بالمقارنة بهامبورج والهافر؛ فالميناءان الأخيران يقعان في أماكن متطرفة بالنسبة لقلب الصناعة الأوروبية، ويخدمان التجمع الصناعي في شمال ألمانيا ومنطقة باريس على التوالي. أما روتردام وأنتفيرب فإنهما تقعان على البوابة المباشرة لحوض الراين والرور ومنطقة الصناعة البلجيكية الفرنسية.

وقد كانت روتردام — من قبل تكوين السوق الأوروبية — تحتل هذا المركز المتوسط، وكان حجم التعامل التجاري فيها أكبر من أي ميناء أوروبي آخر، وذلك برغم السياسات القومية في ألمانيا وفرنسا قبل وبعد الحرب العالمية الثانية مباشرة. وجاء تكوين السوق الأوروبية ليؤكد مرة أخرى أهمية المكان المركزي لروتردام ويجعلها في عام ١٩٦٥ أكبر ميناء في العالم من حيث حجم التجارة التي يتعامل فيها، ويعطيها نموًّا زاد عن مرتين ونصف ما كان عليه حجم التعامل في عام ١٩٣٨. وقد أمكن لروتردام أن تتعامل بكفاءة مع الحجم التجاري المتضاعف نتيجة الاستثمارات الضخمة من أجل التحسينات الشاملة الشاسعة في سعة الميناء والمخازن، والاستحداثات المستمرة في آلية الرفع والشحن والنقل.

ومن بين مؤشرات هذا الاستحداث إنشاء ميناء جديد كل الجدَّة على بُعد قليل من الميناء الأصلي في اتجاه مصب النهر أُطلق عليه اسم ميناء أوروبا Europoort. وبطبيعة الحال فإن المركز المتوسط لروتردام على الجبهة البحرية الشمالية لدول السوق الأوروبية ما كانت تصبح له هذه الأهمية المعاد تأكيدها بصفة مستمرة بدون الخلفية الواسعة للميناء؛ فروتردام هي — من الناحية الطبيعية والاقتصادية — ميناء الراين الأول بدون منازع، وترتبط بالراين (بما في ذلك الرور) بكافة خطوط الحركة من القديم إلى الحديث والمتناهي الحداثة. وأقدم وسائل الاتصال هو الراين وشبكته المائية الضخمة، وأحدث وسائل الاتصال هي خطوط أنابيب البترول وشبكة الطرق البرية السريعة.

وتشارك أنتفيرب ميناء روتردام في موقعه المركزي، لكن حجم التعامل في هذا الميناء قد بلغ نصف مثيله في الميناء الهولندي، وبرغم ذلك فإن نمو الحركة في أنتفيرب قد بلغ نحو مرتين ونصف ما كان عليه التعامل عام ١٩٣٨.

وخلفية هذا الميناء الرئيسية هي منطقة الصناعة البلجيكية الفرنسية، بحكم مسار نهر الشلد الذي تقع عليه، وبواسطة القناة الملاحية إلى منطقة لييج وشمال فرنسا الصناعي، ولكن أنتفيرب بدأت تمارس منافسة واضحة مع روتردام في إيجاد خطوط حركة حديثة وسريعة مع حوض الرور والراين بواسطة الطرق الحديدية والبرية.

وبرغم تطرُّف موقع الهافر بالنسبة للقلب الصناعي الأوروبي المشترك، إلا أن حجم التعامل فيها قد زاد بصورة أكبر مرتين مما حدث في روتردام وأنتفيرب، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى نمو ظهير صناعي جديد يمتد من باريس إلى الهافر على طول نهر السين، ويستفيد هذا النمو الصناعي من التكتل البشري في باريس ومن النهر كوسيلة نقل كثيف ورخيص.

أما هامبورج فإن تطرُّف موقعها بالنسبة للقلب الصناعي الأوروبي قد زاد عليه عامل سياسي أدى إلى انخفاض واضح في نمو حجم التعامل فيها بالقياس إلى الموانئ الأوروبية الأخرى؛ ذلك أن تقسيم ألمانيا إلى شرقية وغربية قد حرم هامبورج من التعامل مع ظهيرها الاقتصادي في حوض الألب، الذي كان يشتمل على مناطق الصناعة في تشيكوسلوفاكيا وإقليم سكسونيا وبرلين في ألمانيا الديموقراطية حاليًّا.

وقد كانت لندن هي أكبر موانئ أوروبا حركة وحجمًا في التجارة وعدد السفن، ولكن تكوين مجموعة السوق الأوروبية قد أدى إلى نمو هائل لميناء روتردام بحيث أصبحت الميناء الأول في كل القارة الأوروبية، على النحو الذي فصَّلناه عن موقعها.

ولكن ليس معنى هذا أن تسقط أهمية لندن كميناء بعد دخول بريطانيا السوق المشتركة؛ فهناك في أوروبا الغربية ما يُسمَّى باسم «المثلث الذهبي» الذي يقع بين المناطق الثلاث: باريس (فرنسا) في الجنوب، برمنجهام (بريطانيا) في الشمال، وحوض الرور (ألمانيا) في الشرق (انظر الخريطة رقم ١-٢). وفي هذا المثلث يتركز نحو ثلثَي ثروة أوروبا الصناعية؛ الميدلاندز والجنوب الشرقي من بريطانيا، المنطقة الصناعية الفرنسية ومنطقة الصناعة في دول البنلوكس، منطقة الصناعة الألمانية في الراين والرور. وفي داخل هذا المثلث تتناظر أهمية موقع كلٍّ من روتردام ولندن؛ وبالتالي سيصبح للندن دورها كميناء هام من موانئ التبادل داخل السوق الأوروبية، بالإضافة إلى تجارتها التقليدية مع الكمنولث البريطاني والعالم الخارجي.

ولا يقتصر الأمر على نمو موانئ على حساب الأخرى؛ وبالتالي نمو نمط مواصلات بحرية جديد، بل إن شبكات النقل البري والجوي والنهري في داخل التكتل الاقتصادي الواحد سوف يعتريها أيضًا تغيُّر نمطي ملحوظ نتيجة لسقوط أهمية الحدود السياسية الراهنة، فمثلًا سوف تتعدل شبكة الملاحة النهرية والقنوات في ألمانيا من توجيهٍ قومي إلى الموانئ الألمانية، إلى توجيه اقتصادي إقليمي طبيعي إلى نهر الراين ومن ثم إلى هولندا.

وليس بوسعنا أن نستطرد أكثر من هذا وإلا دخلنا عالم النبوءات، وهو عالم غير علمي؛ لكثرة العوامل غير المرئية المؤثرة في اتخاذ القرارات البشرية، وتشابك هذه العوامل تشابكًا يستحيل معه التنبؤ بطريقة استجابتها للقرارات والسياسات والخطط المرسومة.

ولكن يمكننا أن نُلخِّص صورة التغير العميق الذي سوف يحدث في المستقبل في نمط المواصلات والنقل من واقعة شديدة الحداثة، شديدة التأثير؛ فلقد قررت بريطانيا — بعد دخولها السوق الأوروبية المشتركة — أن يتغير خلال فترة زمنية محدودة، نظام المقاييس والحجوم والأوزان البريطانية إلى المقاييس والمعايير المترية، بل تعدى الأمر ذلك أيضًا إلى تعديل العملة إلى النظام العشري.

ولم يكن من السهل على الإطلاق أن يتخلى الإنجليز عن هذه الأنظمة التقليدية، التي يتغلغل أثرها ويتعمق إلى مستوى التعامل اليومي لكل فرد من سكان بريطانيا؛ مع الأخذ في الاعتبار بما هو معروف عن الروح المحافظة والاعتداد المتعجرف بكل ما هو بريطاني.

إن اتخاذ هذه الخطوة من جانب بريطانيا توضح استعدادها للتنازل من علياء سياستها الإنجليزية الصرفة وخضوعها للتغيرات التي تحدث في العالم المعاصر، وإدراكها أخيرًا أنها ليست سوى جزء من أوروبا الغربية وليست عالمًا بذاته.

وكذلك سوف يكون على بريطانيا أن تتنازل موانئها عن احتكارها لعدد من السلع العالمية، وأن تصبح موانئها فيما بعدُ جزءًا متكاملًا من مجموعة موانئ أوروبا الغربية، وربما تتخلى أيضًا عن نظام المرور التقليدي للسيارات لتتبع النظام الأوروبي للسير.

وبالمثل يمكننا أن نتصور تغيرات جذرية في نمط المواصلات في حالة قيام تكتلات اقتصادية فعلية في أجزاء أخرى من العالم. وبما أن وسائل النقل، وخاصة البرية والحديدية، في أجزاء كثيرة من العالم — باستثناء الولايات المتحدة وأوروبا واليابان — لا تكوِّن شبكة نقل كثيفة ومتكاملة، فإن ردود الفعل في تغيرات النقل في معظم أجزاء العالم يمكن أن تكون أعمق من التغيرات التي حدثت في أوروبا الغربية؛ ومن ثم فإن عمق الجذور التاريخية في نمط المواصلات في الدول المتقدمة يمكن أن نعدَّه عائقًا وعقبةً أمام الاستحداثات الواجب تنفيذها لمواجهة المواقف الاقتصادية الجديدة، بينما عدم وجود مثل هذه الخلفية التاريخية في النقل وكثافته، يعطي للدول الأخرى مرونة كبيرة في اتخاذ القرارات الخاصة بإنشاء شبكة النقل الحديثة بتكلفة أقل بكثير مما هو عليه الحال في الدول المتقدمة.

(٣) التطور العام لوسائل النقل

إن النقل بوسيلة أو أخرى يبدو أنه كان أمرًا ضروريًّا للإنسان منذ نشأته، وأبسط وسائل النقل المعروفة هي استخدام الأيدي في الحمل. وكذلك الأكتاف والظهر بدون استخدام أية وسيلة مساعدة أخرى. لكن يبدو أن الإنسان منذ القديم قد عرف استخدام نوع من الوعاء، وأنواع من الخيوط والأحبال ليتمكن من زيادة طاقته على الحمل ونقل الأشياء، برغم أن القوة المحرِّكة ظلت هي الطاقة العضلية التي تحرك الإنسان سيرًا على الأقدام.

ويتضح من هذا أن الإنسان قد تقدَّم منذ فترة طويلة جدًّا على أنواع الحياة الحيوانية، مثل الجوريلَّا والقرَدة العليا؛ فالجوريلَّا مثلًا لا تقدر على نقل أكثر مما تستطيعه يداها، ومن ثم تقضي الجوريلَّا معظم حياتها متنقلة ببطء من مكان إلى آخر لتأمين غذائها الذي تأكله على الفور وفي نفس مكان وجوده طبيعيًّا. وبالرغم من أن الجوريلَّا تقضي الليل دائمًا في مكان واحد، إلا أن هذا المكان لا يحتوي على أية أملاك سوى المكان.

وعلى النقيض تمامًا نجد المجتمعات الإنسانية حتى في أبسط صورها عددًا وحضارة؛ فالمجتمع الإنساني البسيط يقيم معسكرًا أو يحتل مكانًا محميًّا آمنًا (كهف أو حائط صخري أو مكان قريب من مصدر الماء) لبضعة أيام أو بضعة أسابيع، ويترك القادرون على النشاط والتجول المعسكر بحثًا عن الطعام، وبالرغم من أنهم يأكلون بعض ما يحصلون عليه من صيد أو نبات في مكانه، إلا أنهم يعودون بطعام إلى المعسكر لتغذية الأطفال وكبار السن، وبعض الطعام يعالَج بالتدخين أو الشيِّ ليمكن تخزينه بعض الوقت، أو إلى وقت الحاجة والشدة، وحينما تقل موارد الطعام في المنطقة ينتقل المعسكر كله إلى منطقة أخرى ذات وفرة غذائية، وفي خلال التنقل تُنقل بعض الممتلكات أيضًا مثل الخيمة أو السقف المصنوع من القش المجدُول على إطار من الأغصان، وغير ذلك مثل الأسلحة والأوعية والملابس الإضافية وأدوات الإنتاج والأدوات التي تُستخدم في الطقوس أو تلك المرتبطة بالعقائد والممارسات الدينية بصورها المختلفة.

فإذا كانت وسائل النقل محدودة وبسيطة فإن المجتمع يحتفظ بممتلكات محدودة قابلة للنقل، وكذلك يصبح المجتمع قليل العدد، إلا إذا كانت المنطقة وفيرة الغذاء بصورة متجددة، وهو أمر لا يدعو للتنقل.

ولا شك أن وسائل النقل وتنوعها يرتبط بالكفاءة التكنيكية عند المجموعات المختلفة، ويعكس مدى احتياجهم للنقل. ولكن النقل أيضًا عامل مهم في توسيع رقعة الأرض المستخدَمة ويؤدي إلى التخصص الإنتاجي في المناطق المختلفة. وقد ازدهرت كثير من الدول البدائية القديمة — كدولة الباجندا في أوغندا في أفريقيا، ودولة الإنكا في أمريكا الجنوبية — نتيجة لتنظيم محكم للطرق التي تربط أرجاء الدولة بالعاصمة. والمثال التقليدي على ذلك هو الدولة الرومانية التي ربطت أجزاء كثيرة من عالمها بالطرق الرومانية المعروفة. وفي مصر كانت ملاحة النيل وفروعه في الدلتا هي الطرق الرئيسية السريعة التي يحكم عبرها الفراعنة بلادًا ذات امتداد طويل، ويحمون جبهات واسعة من الألف الرابعة قبل الميلاد ضد غارات البدو الدائمة.

وليس لدينا أدلة على أن إنسان العصر الحجري القديم قد طور وسائل انتقال معينة وخاصة عبر الأنهار. ولعله كان يعبُرها مع جذوع الأشجار العائمة طبيعيًّا أو متعمدًا، ولكننا نملك أدلة على أن الإنسان في العصر الحجري الأوسط (حضارة ماجلموس في السويد) قد استطاع عمل الأرماث أو الطوافات rafts في منطقة بحيرات السويد الوسطى، وإلى جانب ذلك فإنه قد صنع قوارب بواسطة تجويف جذوع الأشجار بالطَّرق والدَّق أو الحرق، ولا تزال المجموعات البدائية تصنع قوارب مماثلة في جزر الباسيفيك وأنهار النطاق المداري والاستوائي.

لكن القوارب الحقيقية قد ظهرت لأول مرة — حسب معلوماتنا الراهنة — في خلال عصر النحاس في مصر منذ أكثر من ستة آلاف سنة، وهي قوارب مصنوعة من ربط قطع مجهَّزة من الأخشاب بعضها إلى بعض، كما كانت هناك قوارب كبيرة مصرية تعبر البحار المحيطة بمصر، وبرغم أن التجديف بواسطة الملاحين كان هو مصدر القوة المحرِّكة لمثل هذه القوارب الكبيرة، إلا أن الرسوم المصرية الملونة على الأواني قبيل عام ٣٠٠٠ق.م تضيف شراعًا إلى القوارب. وقد ظلت الملاحة البحرية على الأسس المصرية آلاف السنين، ولم يحدث فيها تطور إلى السفن الكبيرة المتعددة الأشرعة إلا حوالي تاريخ الكشوف الجغرافية الكبرى في القرن الخامس عشر، وهذا يعني أن النشاط البحري لعدد من شعوب البحر المتوسط قد تبنَّى مبدأ الملاحة المصري: الفينيقيون والإغريق والرومان، وأساطيل الدولة الرومانية الشرقية والدول العربية المتعددة في حوض البحر المتوسط.

أما النقل على الأرض فقد ظل لفترة طويلة جدًّا من حياة الإنسان قائمًا على أساس العضلات البشرية وحدها، وفي حوالي الألف السابعة قبل الميلاد انتقلت البشرية إلى العصر الحجري الحديث «النيوليتي» في الشرق الأوسط وهضاب إيران الغربية ومنطقة القوقاز. وأهم منجزات هذا الانتقال أن الإنسان استطاع لأول مرة أن يصبح منتجًا للغذاء بدلًا من الاعتماد على النتاج الطبيعي وحده. وإلى هذه الفترة التاريخية ترجع بدايات الزراعة واستئناس الحيوان معًا.

وسواء كان الحيوان الذي بدأ استئناسه هو الحمار أو البغل فإن الذي يهمنا هو أن إنتاج الغذاء بواسطة زراعة المحاصيل الغذائية قد أدى إلى السكن الدائم للمجموعات الزراعية في قرى ثابتة. وأصبح من الضروري نقل المحصول المنتج في الحقول لتخزينه في القرية؛ ومن ثم كان استئناس الحيوان جزءًا متممًا لعملية الإنتاج الزراعي، وليس منفصلًا عنه، حتى وإن كان الذين استأنسوا الحيوان أولًا جماعات غير زراعية الأصل.

وقد أدى انفصال مكان السكن عن الحقل، واستقرار السكن، وتأمين الغذاء ووفرته النسبية، إلى نمو عددي للجماعات المستقرة لأول مرة في التاريخ. ومع كبر حجم السكان وانقسامهم إلى تخصص إنتاجي بين المُزارع والتاجر والحاكم … إلخ. تعددت حاجات السكان إلى أشياء أخرى غير الغذاء؛ ومن ثم نشأت البعثات التجارية إلى أماكن مختلفة لجلب المنتجات المطلوبة من أقاليم قريبة أو بعيدة. «وقد كان هذا هو حال مصر دائمًا خلال العهود الفرعونية؛ حيث نظمت التجارة بواسطة إرسال بعثات وحملات تجارية إلى ساحل الليفانت وجزر إيجة والبحر الأحمر والمحيط الهندي والنطاق المداري الأفريقي.» وبعبارة قصيرة ظهرت التجارة، ومعها نمَت بسرعة طرق الاتصال البري والمائي، واتخذت المجتمعات المختلفة (دولًا أو مدنًا) كافة الوسائل لتأمين طرق المواصلات التي تهمها.

وسواء استخدم الحيوان في البداية للحمل أو الجر، فإن القفزة الأساسية في النقل البري حدثت عندما تم اختراع العجلة «الدولاب» في منطقة ما من الشرق الأوسط قبيل ٣٠٠٠ق.م؛١ فقد أدت العجلة إلى زيادة هائلة في حجم ما تحمله عربة يجرها الحيوان بالقياس إلى أي وسيلة سابقة للنقل البري. «أقدم الأدلة تشير إلى استخدام الحيوان للحمل وليس الجر في الشرق الأوسط في عصر النحاس، وإن كانت هناك أدلة من العصر الحجري الأوسط في فنلندا تشير إلى أن أصحاب هذه الحضارة قد اخترعوا أقدم عربة: الزحافة الجليدية في هذا العصر المبكر. وهناك احتمال وجود الزحافة فوق سهول الشرق الأوسط قبل ٤٠٠٠ق.م.»

وقد انتشرت العربة ذات العجلتين أو ذات العجلات الأربع في الشرق الأوسط. ولم تأتِ الألف الأولى قبل الميلاد إلا وقد انتشرت من الصين إلى أوروبا الغربية. وبالرغم من هذا الانتشار الجغرافي لعربة العجلات، إلا أن استخدامها كان محدودًا لتآكل وانفلاق كتلة الخشب الواحدة التي تكوِّن العجلة، ولم يُقدر للعجلة ذيوع الاستخدام إلا بعد أن أضيف إليها الإطار الحديدي الذي أعطاها عمرًا أطول، ومكَّن من تطويرها إلى العجلة المعروفة حاليًّا (المتكونة من قرص دائري مركزي تخرج منه قضبان خشبية في صورة أنصاف أقطار الدائرة لتلتحم في أطرافها البعيدة مع الإطار الخشبي الخارجي، الذي يزيد من صلابته وإحكامه إطار حديدي خارجي). ويبدو أن استخدام إطار الحديد في العجلات قد حدث حوالي ٢٠٠٠ق.م أو بعد ذلك بقليل بعد ذيوع وانتشار تكنولوجية صهر وطَرق الحديد في منطقة الأناضول والشرق الأوسط.

وبرغم انتشار العربة ذات العجلات إلا أن ذلك لم يقضِ على استخدام الحيوان في حمل البضائع، وخاصة في المناطق الوعرة التي لا تزال تُستخدم فيها حيوانات الحمل حتى الآن، أو المناطق التي لا توجد فيها طرق صالحة لسير العربات.

ومبدأ العجلة — برغم أنه يؤخذ على أنه أمر بديهي في الوقت الحاضر — إلا أنه على أكبر جانب من الأهمية في النقل وغير النقل. والواقع أن ابتكار العجلة عبارة عن انتصار هائل للحضارة الإنسانية، مثله في ذلك مثل انتصارات أخرى؛ كاكتشاف الزراعة والنار والطاقات المحرِّكة غير البيولوجية. والمبدأ في الأساس عبارة عن تحويل قوة أو حركة خط عمودي إلى حركة دائرية، وبتطبيق هذا المبدأ على النقل فإنه يؤدي إلى الإقلال إلى الحد الأدنى من الاحتكاك بالأرض؛ وبالتالي يمكن لوحدة الطاقة المحرِّكة أن تحرك أثقالًا كبيرة.

وعلى بساطة هذا المبدأ إلا أن اكتشافه كان أمرًا عسيرًا دون شك، وإلى الآن تمتلئ أشكالنا الحضارية المادية بهذا المبدأ من آلة البخار إلى القطار الحالي، إلى السيارة وإلى الطائرة. وبعبارة قصيرة فإن كل وسائل النقل البري الحالية تستخدم مبدأ العجلة.

وأخيرًا فإن أحدث وسائل النقل العادية هو النقل الجوي. وهو في الواقع أكثر وسائل النقل مثالية من حيث إن الطيران يخترق أقصر الخطوط عادة بين نقطتين، دون العوائق التي تواجه النقل البري (جسور – أنفاق – مدن – مستنقعات … إلخ) أو النقل البحري (مناطق العواصف أو التيارات أو الجزر أو السواحل التي تدور حولها السفن)، لكنه من حيث الحمولة أقل بكثير من القطارات والسفن؛ مما يرفع تكلفة النقل الجوي كثيرًا، سواء بالنسبة للأفراد أو البضائع.

ويمكننا أن نُلخِّص تاريخ التطور في وسائل النقل في واحد من أهم نتائج النقل؛ سرعة النقل والتنقل. وليس المقصود من السرعة مجرد السرعة في حد ذاتها ولكنها توضح بجلاء إمكانية انتقال الأفراد والسلع من مكان الإنتاج إلى مكان الاستهلاك في عالم شديد التشابك في علاقاته التجارية.

ففي المتوسط يقطع الإنسان على قدميه ما بين ٢٠ و٢٥ كيلومترًا في ٢٤ ساعة، باعتبار متوسط السرعة ٤-٥ كيلومترات في الساعة — إذا لم نأخذ في اعتبارنا طبيعة الأرض التي يخترقها (سهلية أو مضرَّسة شديدة الانحدار — رملية أو حصوية أو ترابية أو طينية — مكشوفة أو مليئة بالأدغال والأشواك والأشجار — مستقيمة أو تتعدد فيها العوائق المائية)، وباعتبار أن هناك طاقة محدودة للسير خلال اليوم الواحد قد لا تزيد في مجموعها عن خمس ساعات.

fig4
شكل ١-١: تطور العجلة (الدولاب): نماذج من الصين. (١) عجلة خشبية لا تدور حول محور. (٢) عجلة ثقيلة من ألواح خشبية تدور حول محور خشبي أو معدني. (٣) العجلة العادية (خشبية بإضافة إطار حديدي). الصورة الأولى نقلًا عن: R. Beals & H. Hoijer, “An Introduction to Anthropology” Collier, New York 1967. الصورة الثانية والثالثة معدَّلتان عن: Rudolf P. Hommel “China at Woak”, M.I.T., London. New ed. 1969.

وفي المتوسط تقطع العربات التي تجرها الحيوانات بين ٤٠–٨٠ كيلومترًا في ٢٤ ساعة باعتبار متوسط السرعة ١٠–١٨ كيلومترًا في الساعة وباعتبار طبيعة الطريق وانحداراته وضرورة تغيير حيوان الجر.

وفي المتوسط، ولأسباب خاصة، كان يمكن للرسل الذين يحملون أوامر أو رسائل بين القيادة العسكرية والحكم السياسي في الدولة الرومانية أن يقطعوا حوالي ٣٠٠ كيلومتر في ٢٤ ساعة على الطرق الرومانية، مع اعتبار ضرورة تغيير الجواد عدة مرات. وكذلك كان يمكن لعربة خيل أن تقطع بين ١٢٠ و١٨٠ كيلومترًا لأسباب مماثلة، وهي كلها أسباب وظروف غير عادية.

أما اليوم فإن سفينة سريعة يمكن أن تقطع ألف كيلومتر خلال ٢٤ ساعة، بينما يقطع قطار الحديد السريع ١٥٠٠ كيلومتر في تلك الفترة الزمنية، وتلف الطائرة حول الكرة الأرضية أيضًا خلال هذه الفترة (متوسط سرعة طائرة الركاب الحالية بين ٨٠٠ وألف كيلومتر في الساعة)، وفي كل وسائل النقل الحديثة لا توجد اعتبارات إنهاك الطاقة التي تميز الحركة البيولوجية عند الإنسان والحيوان؛ ومن ثم فإنه يتأتَّى لمثل هذه الوسائل أن تظل سائرة دون الحاجة إلى الراحة اللازمة للكائنات الحية.

(٤) نقل الأخبار

لم نتكلم حتى الآن عن نقل الأخبار بكافة صورها؛ وذلك لأنها تختلف كثيرًا عن نقل البضائع والأشخاص بحكم طبيعتها التي تستلزم وسائل أخرى غير وسائل النقل العادية، وخاصة قبل أن تكتشف الشعوب حروف الكتابة.

ولهذا يمكننا أن نقسم الأخبار المنقولة إلى قسمين أساسيين:
  • أولًا: نقل الخبر شفويًّا.
  • ثانيًا: نقل الخبر مكتوبًا.

والخبر الشفاهي بلا شك أسبق بكثير في تاريخه من الخبر المكتوب، ولا يزال إلى الآن من أهم وسائل نقل الخبر بعد أن تطورت تكنولوجيته بصورة مذهلة، لكن نقل الخبر شفاهة قد انتابه دورة حياة بدأت به ثم قلَّت أهميته. وأخيرًا عاد إلى مقدمة وسائل نقل الخبر في عالمنا المعاصر. أما نقل الخبر المكتوب فقد بدأ في فترة تاريخية أحدث بكثير جدًّا من النقل الشفاهي. ومنذ نشأته، وبرغم تقدم تكنولوجية النقل في هذا المجال، إلا أنه ارتبط أوثق الارتباط بالاستحداثات المختلفة التي طرأت على وسائل النقل العامة التي سبق شرحها.

(٤-١) الخبر المكتوب

وسوف نبدأ بهذا النوع من الأخبار برغم عدم سبقه تاريخيًّا على الخبر الشفوي. فمنذ عرف الناس الكتابة في سهول العراق ومصر، أصبح من الشائع أن ينقل الحكام والساسة والقادة أوامرهم كتابة إلى الولاة والعمال والقوات خارج العاصمة بواسطة رسول، سواء كان هذا الرسول شخصًا يسير على قدميه أم يمتطي صهوة حيوان (غالبًا من الحيوانات السريعة: الحصان والجمل على وجه التحديد)، أو أن تُنقل الرسالة بواسطة الحمام الزاجل، وكان يُمثِّل وسيلة سريعة جدًّا بالنسبة لذلك الوقت، وما زال الحمام الزاجل حتى الآن الرمز الذي نجده في مكاتب البريد في أنحاء العالم كناية عن سرعته وأهميته التاريخية في نقل الأخبار المكتوبة.

وفي الدول ذات المساحات الواسعة قديمًا — كمصر أو العراق وروما أو غيرها — كانت الدولة تهتم أيما اهتمام بتنظيم وسائل نقل الرسائل المكتوبة؛ فقد كانت هناك أبراج ومحطات لاستقبال الحمام الزاجل، ومحطات لتغيير جواد أو حيوان الرسول الذي يحمل هذه الرسائل، لضمان سرعة وصول الأخبار وانتظامها. وقد كانت الطرق بين هذه المحطات تُعرف باسم طرق الرسل أو الرسائل Kurierstrassen (من الأصل اللاتيني currere بمعنى يجري).
ومع استخدام الطرق بكثرة لنقل الأشخاص والبضائع بواسطة العربات التي تجرها الحيوانات، أصبح في الإمكان أن يضاف إلى وظيفة هذه العربة وظيفة نقل الرسائل الخاصة بالأفراد من بلد أو مدينة إلى أخرى. وخير مثال على ذلك تنظيم استخدام عربة نقل الأشخاص في أوروبا وفي العالم الجديد لنقل الرسائل من مكان لآخر خلال القرنين الماضين، وقد ترتَّب على شيوع نقل الرسائل بهذه الوسيلة أن أصبح يُطلق على هذه العربات في أحيان كثيرة اسم «عربة البريد»، وفي المناطق النائية أو الجبلية في البلاد المتقدمة — كسويسرا والنمسا وفرنسا وألمانيا — أصبحت هيئة أو مصلحة البريد هي الوريث الطبيعي لعربات الخيل القديمة؛ ولذلك نجد هذه الهيئات تدير أسطولًا من سيارات النقل العامة (الأتوبيس) تسير في خطوط منتظمة إلى المدن الصغيرة والضِّيَع التي لا تمر بها وسائل النقل الحديدي. وما زال يُطلق على هذه «الأتوبيسات» اسم البوستة Postwagen؛ مما يدل على أصلها التاريخي. وتقوم هذه الأتوبيسات بتأمين نقل الرسائل إلى جانب نقل الأشخاص إلى هذه الأماكن البعيدة، وفي لبنان أيضًا نجد هذا الشكل من وسائل النقل المشترك للبريد والأشخاص نظرًا لنقص المواصلات الحديدية.

ومع تطور وسائل النقل العامة من عربة الخيل إلى القطار أصبح القطار هو الوسيلة الرئيسية لنقل البريد داخل البلاد، ومع ميكنة وسائل النقل البري أصبحت هناك سيارات خاصة أو عجلات بخارية خاصة بمصلحة البريد لنقل الخطابات داخل المدن. وفي الدول ذات المساحات الكبيرة أصبح نقل الخطابات يتم بالجو نظير أجور أعلى قليلًا، كذلك شاركت السفن في نقل الرسائل منذ القديم، لكن عصر الطيران الذي نعيشه قد قضى على نقل الخطابات على المسطحات المائية إلا في حالات محدودة مثل مناطق الجزر الصغيرة المبعثرة في أرخبيل، كأرخبيل الجزر اليونانية أو الأرخبيلات المتعددة في المحيط الباسيفيكي. لكننا نلاحظ وجود مراكز جوية رئيسية في مثل هذه الأرخبيلات تُجمع فيها — أو تتوزع منها — الرسائل بحرًا إلى الجزر الأخرى. كذلك ما زال النقل المائي مهمًّا في نقل الرسائل في المناطق التي لا توجد فيها من وسائل النقل سوى المجاري النهرية كالنيل في النوبة أو السودان الجنوبي أو نهر الكنغو فيما بين كنشاسا وكيزانجابي في جمهورية زائيري، أو الأمازون في البرازيل، وفي هذه الحالة أيضًا يُطلق على البواخر النهرية اسم «البوستة».

ولم تعُد الرسائل البريدية قاصرة على الخطابات، بل أخذ الناس منذ فترة في استخدام البريد لنقل الطرود التي تحتوي على سلعة ما في صورة هدية أو سلعة محدودة لغرض الاستخدام الشخصي للفرد المرسل إليه، سواء من أحد معارفه أو من محل تجاري. ونظرًا لثقل الطرد بالنسبة للخطاب، فإن الطرود غالبًا ما تُنقل حتى اليوم نقلًا سطحيًّا — أي بالقطار والبحر — وهناك أيضًا طرود جوية، لكنها أكثر تكلفة في النقل إلا إذا كانت المسافة طويلة، أو أن المحتوى من المواد الهالكة. كما أن المسافات الطويلة تكاد تتساوى فيها تكلفة النقل الجوي والسطحي.

ونظرًا لتشابك العالم وكثرة الترحال والسفر والتعارف، نتيجة لسهولة الانتقال في عصرنا الراهن، فإن كمية الرسائل والطرود التي تنقلها وسائل النقل العامة قد تضخمت بسرعة هائلة للدرجة التي أُنشئت من أجلها وزارات أو هيئات شبه حكومية للبريد. وما زالت في بعض الدول الرأسمالية — وعلى رأسها الولايات المتحدة — عدة شركات كبرى للبريد. وفي المجموع — سواء كانت الهيئة البريدية حكومية أو شبه حكومية أو أهلية، فإن هناك عمالة كبيرة ومتزايدة في قطاع البريد لم يكن يحلم بها «الرسل» القدامى على صهوات جيادهم، وكميات هائلة متزايدة من الخطابات والطرود تبلغ آلاف المرات ما كانت تحمله «طرق الرسل» القديمة من رسائل وهدايا.

وبالرغم من كل ما حدث من تطوير في وسائل النقل، فإن عالمنا المعاصر ما زال يحتفظ ببقية واحدة من بقايا «الرسل» القدامى؛ تلك هي الرسائل الدبلوماسية التي لا تزال تُرسل وتُجمع بواسطة مبعوث خاص معتمد من وزارة الخارجية لدولة معينة؛ ليمر على عدد من مكاتب التمثيل السياسي والتجاري التابعين لدولته في عدة دول. ولا يزال مثل هذا الشخص يُسمَّى بالاسم القديم Courier مع إضافة صفة الدبلوماسية إليه. كما أن السفير أو المبعوث السياسي أو التجاري أو الثقافي في البعثات الدبلوماسية الدولية ما هو في جوهره إلا «رسول» مقيم بالخارج، يقوم بتبليغ «رسائل» دولته إلى سلطات الدولة التي يقيم فيها؛ فالتمثيل الدبلوماسي — بصفة عامة — لم يخرج عن فكرة مبعوث دولة إلى دولة أخرى، كما كان ذلك منذ مئات السنين بين القبائل والدول القديمة.

ومع خطورة المواقف العالمية الراهنة أصبح هناك «رسول» أو «مبعوث» خاص من قِبل حكومة ما، أو رئيس دولة ما، يُنتدب للقيام بتبليغ رسالة على مستوًى عالٍ إلى رئيس دولة أخرى، وبذلك نعود مرة أخرى إلى مبدأ إرسال الخبر بواسطة الرسول المؤقت الذي يجري بين عاصمة بلاده وعاصمة أو عواصم أخرى.

(٤-٢) الخبر الشفوي

قلنا إن نقل الأخبار بدأ منذ بداية البشرية شفاهة، والكلمة هنا لا تدل تمامًا على ما نقصده، فإنه يجب أن يُفهم منها أنها تعني كل وسائل نقل الخبر بغير واسطة الكتابة؛ وبهذا فهي تتضمن نقل الخبر بالكلمات المنطوقة أو الرموز.

وأول وأسرع وسائل نقل الأخبار هي بدون شك — داخل الدائرة المحلية — التفاهم بالكلام المنطوق؛ أي الحديث. وهذه الوسيلة هي أحسن وسائل نقل الخبر؛ لأنها تتضمَّن مواجهة شخصية بين حامل الخبر ومتسلِّمه. وبما أن أحد أهم صفات الإنسان هي الكلام، فإن نقل الخبر من شخص إلى آخر يؤدي إلى سرعة إذاعته على بقية الناس، إلا إذا كان مقصودًا أن يظل الخبر في طي الكتمان.

و«رسل» الملوك والزعماء القدامى والمبعوثون الخاصُّون للرؤساء الحاليين هم في الأساس ناقلو الخبر الشفوي. وكذلك كان إعلان الأخبار في الماضي في المدن والريف يتم بواسطة مندوب السلطة الذي يذيع البلاغ في الأسواق، حيث يتجمع الناس، مع ختام الخبر بالقول: والحاضر يبلغ الغائب. كما أن وظيفة رواة الأخبار في صورة القصائد والأشعار المحلية — مصحوبًا بآلة موسيقية غالبًا — كانت وظيفة هامة في المجتمعات القديمة والمجتمعات المنعزلة.

وفيما يختص بنقل الخبر من مكان بعيد إلى آخر — دون الالتجاء إلى الترحال والمواجهة الشخصية — ابتكرت كثير من القبائل البدائية في أفريقيا وأمريكا الشمالية والجنوبية (قبل دخول الأوروبيين) وسائل هوائية لنقل الأخبار، تُعرف في أفريقيا باسم تام تام Tam Tam، وهي عبارة عن دق الطبول بضربات معينة تتسمع إليها التجمعات المتباعدة، فتنقلها بدورها بدق الطبول أيضًا، وبذلك ينتشر الخبر بسرعة مذهلة وسط الأحراش أو الغابات أو السهول أو الجبال. وفي حالات أخرى كان يمكن نقل الخبر ضوئيًّا — بدون الحاجة إلى إذاعته، وخاصة في حالات الحرب بين القبائل — حتى لا يعرف الأعداء بتحركات قواتهم، وفي هذا كانت تُستخدم عواكس للضوء لنقل الإشارات المتفق عليها، أو استخدام الدخان بصورة متقطعة؛ في شكل رموز متفق عليها، لإعطاء الأخبار المرغوبة.

وفي العصر الحديث تطورت هذه الوسائل الشفاهية لنقل الأخبار تطورًا هائلًا بحيث تقطع المسافات الشاسعة في لحظة النطق بها، فإن جهاز الهاتف (التليفون) والهاتف المرئي قد حل محل نقل الخبر الشفوي كوسيلة من وسائل المواجهة الشخصية، وأصبح بالإمكان التحدث الشفوي بين شخصين تفصلهما آلاف الكيلومترات دون الحاجة إلى الانتقال الشخصي.

وكذلك نجد استخدام الموجات اللاسلكية (الراديو) قد أدى إلى إمكان نقل الخبر فور النطق به إلى أي مكان في العالم، بل إن التطورات الحديثة قد تمكنت من نقل الصوت البشري عبر الفضاء بواسطة الأقمار الصناعية، والحقيقة أن الراديو قد حل محل ناقل الأخبار المغني الجوال (من أمثال التروبادور في أوروبا في العصور الوسطى، أو الشعراء والقوالين والمداحين من الغجر وغيرهم في الشرق الأوسط)، ويضاف إلى قائمة مبتكرات نقل الخبر الشفوي التليفزيون، واستخدام الأقمار الصناعية في إمكانية توزيع الخبر المصور على أجهزة تليفزيونية في مساحة واسعة في وقت واحد للتغلب على قِصر مدى الإرسال العادي في هذه الأجهزة.

(٤-٣) وسائل مختلطة لنقل الخبر

وإلى جانب الوسائل السابقة الذكر، هناك أيضًا وسائل أخرى لنقل الخبر يشترك فيها الخبر الشفوي والمكتوب، ومن أوائل هذا النوع المختلط أن ينقل «رسول» الخبر شفاهة مدعمًا برسالة مكتوبة، وفي العصر الحديث نجد أن البرقيات يشترك فيها النوعان معًا، فمحتوى البرقية يُكتب عند إرساله أو توزيعه، ويُنقل بطريق سلكي (مورس أو هاتف أو تلكس) أو لاسلكي (راديو)؛ أي يُرسل بواسطة الرموز أو شفاهة أو الكتابة على البعد.

وكذلك الصحف والمجلات تنقل أخبارها شفاهة (المراسلون في صورة مقابلات شخصية أو التبليغ بمقابلاتهم تليفونيًّا أو برقيًّا، أو تلقِّي الأخبار من شركات الأخبار بواسطة البرقيات المرسلة بجهاز «التيكر» أو التليبرنتر)، ثم تُصاغ هذه المحتويات الخبرية كتابةً وتُطبع وتُوزع في صورة رسائل مكتوبة.

ولسنا نعرف ماذا يمكن أن يتم من تطورات في مجال نقل الأخبار، لكن الذي يهمنا هو أن العالم كله منذ القدم حتى اليوم تتزايد فيه أهمية الخبر بصورة كبيرة؛ مما يؤدي إلى اهتمامات متزايدة بهذه الوسيلة من وسائل النقل، خاصة مع الترابط والتشابك العالمي الراهن في مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والحضارية.

١  هناك آراء تُشير إلى أن منطقة السهول العظمى بين البحر الأسود والفولجا وحدود الصين — أي منطقة التقاء السهوب بحافة الغابات المعتدلة — هي الموطن الأول الذي اختُرعت فيه العجلة، وأن منطقة قارون «إيران» وسهول العراق هي أولى المناطق التي نعرف فيها يقينًا استخدام العجلة بين ٣٠٠٠ و٢٥٠٠ق.م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠