الفصل الرابع

كان رأسه وهو رضيع كبيرًا جدًّا وعلى شكل زيتونة، أما باقي جسمه فكان خفيفًا مثل رغيف الخبز؛ فقد كان بإمكاني أن أحمله بيد واحدة، وأطلقت عليه بوجل أو بيجل أو السيد بي أو لاجالاجا (لأنه كان يُحدِث هذا الصوت)، أو باه! (فقد كان يحب أصوات حرف البي). ومع تقدُّمه في العمر، نشأت بيننا لغة خاصة بطقطقة اللسان نتحدَّث بها أنا وهو فقط، وكلُّ ما كان يبدو أننا نقوله: «أهلًا، إنه أنا، أطقطق إليك، ولك فقط؛ لأني أنا وأنت فقط نتحدَّث بلغة الطقطقة.» ويردُّ (أو أردُّ أنا) على ذلك، على ما أظن: «نعم، مرحبًا، أراك هناك، وأنا أردُّ لك الطقطقة، وأحبُّ أن نتحدث بلغتنا الخاصة، وفي الواقع أجد الأمر ممتعًا.» وهذا أمر ممتع لكلٍّ منَّا.

كنتُ أصفِّق بيدي له وكان هو يردُّ عليَّ بالتصفيق؛ وكان يحب على نحوٍ خاصٍّ أن أجعله يصفِّق بيده أسرع مما يستطيع بنفسه. كان من المستحيل التقاط صورة منضبطة له، إلا بالمصادفة، وحينها كان يشبه فرانك سيناترا الابن وهو في قمة نشاطه. وبَدَتْ رائحته كأنه شيء مخبوز في فرن دافئ، وحتى هذا اليوم تشع من رأسه الرائحة اللذيذة لحلوى زاجنت. لم يزحف قطُّ، ولكنه بدأ يمشي عند سن الثانية والنصف.

كان البيت كابوسًا منظمًا، فلا يمكنك أن تستمر في الحياة وأنت أب لطفل معاقٍ إن لم تكن منظَّمًا، وكانت زوجتي منظمة. كانت هناك سلال الغسيل التي بها الألعاب في كل دور من أدوار بيتنا، وكانت لوحات النشاط البلاستيكية معلَّقَة على ظهر الكراسي في المطبخ وفي حجرة المعيشة، وكانت صينيات الحقن وأنابيب التغذية موجودة في الأدوار العلوية والدور السفلي، وكانت هناك مجموعة من الحفاضات في خزانةٍ بجوار الباب الأمامي، وكانت هناك أعداد كبيرة من زجاجات الأدوية والمراهم في الخزانات وفوق أسطح المناضد.

كان يحب لمس الأشياء؛ لذا كانت الشرائح الثلاث السفلية لكل ستارة نافذة في المنزل مدمَّرة، ويبدو أن وعيه الأكثر تطوُّرًا كان يوجد في يديه، فيما يستطيع أن يمسكه بها؛ كمفتاح الإضاءة العبقري، وبكرة ورق الحمام المبهرة، وأي شيء يُصدِر صوتًا أو ضوءًا؛ لذا كان يعرف الأشياء التي يمكنه لمسها فقط.

أفضل ما في الأمر هو طريقة انفجاره في الضحك وانخراطه في حالةٍ من البهجة لسببٍ ما غامض، وهو ما كان يعجب مَن يرونه. (لأول وهلة كنتُ أشك أنه كان يدْعَك عضوه الذكري بين فخذيه، وهو ما يُعَدُّ مصدرًا تقليديًّا للمتعة عند كل الأولاد.) ومع تقدُّمه في العمر، أصبح أكثر مكرًا؛ إذ كان يحب إلقاء الأشياء الموجودة على الطاولات والأسطح المستوية، ولا سيما تلك المؤمَّنة جيدًا. كان يسعى وراء كئوس الخمر التي يبدو أنها كانت تبهر عينيه؛ لذا أطلقنا عليه الرجل الرزين. كان يُشتت انتباهك لشيء ما، ثم يلقي بالمحتويات الموجودة على سطحٍ ما ثم يتمايل برأسه طربًا، في لحظة يكون فيها أذكى من أي إنسان آخَر. هل هذا مشروعه السري، ليوضِّح لنا أنه أحيانًا ذكي بما يكفي بحيث يمكنه أن يخدعنا؟ لم يكن يدهشني هذا. كانت رغباته غير واضحة، ولا يمكنه الإفصاح عنها، ولكن لا يعني هذا أنه ليس لديه رغبات.

أصبح متجولًا عظيمًا ومحظوظًا، وفيما يلي سرد لإحدى الأمسيات:

يبلغ من العمر خمس سنوات. (وفي أفضل حالات جسمه من القوة والامتلاء، يبدو أنه يبلغ من العمر ثلاث سنوات.) أتركه في رواق مطوق في أسفل سلالم منزل أنيق خاص بصديق لي بينما نتناول العشاء، أعلم أنه لا يمكنه صعود السلالم ولا يمكنه فتح الباب.

بعد عشر دقائق، أسمع صوت رنين، صوتًا جميلًا، صوت انكسار الهواء، ولكنه صوت غير عادي بحيث يجعلك تنهض لترى ما يحدث. إنه ووكر، فَعَل ما لا نتصوره وصعد السلالم وفتح الباب، والآن يكسر كئوس الخمر السبع الأخيرة الموضوعة على طاولة القهوة النوجوشية بفرح وعن عمد، ولا أثر لخدش عليه، وأصبحنا نطلق على هذه الأمسية ليلة الزجاج المكسور (في إشارة إلى العمليات التي نفَّذَها النازيون ضد مصالح وبيوت اليهود في ألمانيا والنمسا بين التاسع والعاشر من نوفمبر عام ١٩٣٨).

لم تكن هذه مزحة مضحكة على وجه الخصوص، ولكنك إذا قضيتَ مدةً طويلةً مع طفل معاق، طفل من غير المفترض أن يعيش ومع ذلك فقد غير بقاؤه حياتك تغييرًا جذريًّا — خصوصًا إذا كان هذا الطفل هو طفلك — تشعر أنك بإمكانك كسر القواعد المتبعة، فالولد يعيد تنظيم العالم. إن مشكلة تعاسة شخص معين بشأن وظيفته أو عدم قدرته على إيجاد امرأة توليه ما يراه قدرًا كافيًا من الاهتمام؛ تتلاشى أمام مشكلة كيف نمنع ووكر من تحطيم رأسه. تقل أهمية رأي الآخَرين أكثر فأكثر كلما سرتَ أكثر في الشارع ومعك ولد يلفت منظره الأخرق الانتباه، يحملق ويبتسم بالطريقة نفسها؛ وهكذا تتحدد حياة المرء فجأةً بالضروريات الأخرى.

على سبيل المثال أستخدمُ كلمة «متأخر» بالرغم من أنها لا تُستخدَم أبدًا لوصف الشخص المعاق؛ فهي لا تُعَدُّ وصفًا كافيًا عند إطلاقها على إنسان، ولكنها تثير المشاعر إذا وصفتَ بها تصميمًا لا حياة فيه، وخاصة جانبًا مستعصيًا من جوانب السلوك البيروقراطي. أحيانًا أستخدمها في حفلة ما وأستشعر من الشخص الذي أتحدث إليه بأنه يرتد إلى الخلف، بالرغم من صعوبة إدراك هذا، لمجرد الظهور المفاجئ لما يفترض أنها كلمة لا تصلح للاستخدام في هذا السياق، أراه يلاحظ الاستخدام ولكنه يقرِّر ألا يردَّ؛ لأنه يعلم أن لي ابنًا معاقًا: عليه أن يعتقد أنه إذا استخدمها شخص ما، فإنه يستطيع هو أن يستخدمها أيضًا. إنها تحتاج لأن تكون لها استخدامات جديدة.

كان يحب النساء، وكلما كانت المرأة أجمل، كان أفضل. وحتى وهو طفل صغير كان يرفع يديه ليُحمَل — لم يتمكَّن من الجلوس بمفرده حتى بلغ عامًا تقريبًا — أو فيما بعدُ، كان يلقي بنفسه في حجر المرأة وفي الحال يحملق في حافة الثوب عند العنق، ثم كان يتحسس جسمها. ظننتُ أن هذا أمر عرَضي، ولكن صديقات جوانا لاحظن أن هذا كان عن قصدٍ. كان يحب كل ما يلمع، ويقربه بأصابعه إلى عينيه القلقتين. وأطلق عليه أصدقاؤنا «الصائغ».

أتحدث هنا عن أصدقائنا المقربين، أما الآخرون — وعلى الأقل في السنوات القليلة الأولى — فلم أذكر لهم الصعوبات التي يعاني منها ووكر على الإطلاق. لم أكن أخجل منه، ولكن لم أُرِد الإشفاق ولم أُرِد له أن يشعر أنه في حاجة إليه أيضًا.

ظل في عقلي، ليس فقط كشيء سلبي، أو كمصدرٍ للقلق، ولكن كطلسمٍ عقلي. وبالطبع ينطبق هذا على ابنتي، ولكني كنتُ دائمًا ألحق بهايلي، في حين أن ووكر كان يتحرك ببطء ويمكن ملاحظته من وقفته، وتظهر هالته؛ حقيقة وجوده، في كل مكان بصورة غير متوقعة: في كلمات أغنية لنيل يونج في صالة الألعاب الرياضية: «البعض مكتوب لهم السعادة/والبعض مكتوب لهم المجد/والبعض مكتوب عليهم الوحدة/مَن يمكنه أن يخبرك بما هو مكتوب لك؟» وبين ثنايا مقال لنورمان ميلر كنتُ أقرؤه أثناء واحدة من نوبات الأرق التي تصيبني، وكان يظهر في حوارات الآخَرين. في إحدى المرات في حفلة كوكتيل — في الصيف الذي بلغ فيه ووكر ثلاث سنوات — سمعت رجلًا أعرفه معرفة جيدة يحاول منذ وقت طويل أن يشرح لصديق آخَر كيف يتواصَل الناس مع ابني. وقال: «من الصعب وصف ذلك — وكان يحمل مشروبًا في يده — والده لديه لغة الغمغمة الخاصة به، ويبدو أن هذا يفي بالغرض كأي لغة أخرى.» لا أدري إن كان يستحسن ذلك أم لا، ولكنها كانت المرة الأولى التي أسمع فيها أن ما أقوم به مع ووكر يمكن وصفه كلغة.

غالبًا ما كنتُ أتساءل إذا ما كان التقدُّم الذي يحرزه ووكر نتاج خيالنا، وأن الروابط التي نرى أنه يقوم بها هي محض اختراعنا. هل كان يقول فعلًا: «هيه هيه» حين تكون هايلي قريبة منه، أم كان يتنفس فقط؟ وحين أودِّعه عند الخروج وأنحني لأقبِّله، هل كان يقول فعلًا: «باي»، أم كان يتنفس فقط؟ وسمعتها جوانا كذلك؛ إذ قالت: «قال فعلًا باي!» ثم قالت: «سأبكي!» مما يدل مرة أخرى على الإفراط الشعوري اللحظي الذي كان يميز حياتنا. كان يجعل الناس يشعرون بالأشياء، ولكن هل كان يشعر هو بأي شيء؟ هل فعلًا يوجد تكوين الولد الطبيعي الذي كنتُ أراه تحت مظهره المتبلِّد، تحت بركة عقله الراكدة تمامًا؟ أم هذا هو ما أتمناه وحسب؟ تولَّدَتْ لديَّ قناعة كبيرة بأن محاولتنا لتصوُّر كائن كامل من أجزاء جسمه غير مكتملة النمو هو عمل من أعمال الإيمان المفرط، والذي لا يختلف عن أي عمل من أعمال شخص متطرف في حماسه؛ لا يختلف مثلًا عن أم الداعية الذي يقدِّم برامج تليفزيونية في هيوستن والتي قابلتها في إحدى المرات، والتي أخبرتني بعبارات مؤكدة أن الجنة حق، وأنها ستذهب إليها، وأن الرب قد زيَّن لها مكانها فيها، كما فعل لكل عباده المؤمنين، وذلك وفق رغباتها الشخصية. قالت ذلك وكأن الأمر واقع، وكأنها تصف جنتها المفضلة: «ستكون جنتي مليئة بالماء؛ لأني أحب الماء.» توقُّع ساذج، ولكنها كيف تختلف عن جوانا وعني؟ مَن لا يريد أن يؤمن بوجود الجنة؟ ولكن هذا لا يعني أنها موجودة.

غير أن هذه الأسئلة المستمرة، المتعلقة بووكر — هل يقصد ما يفعل أم لا؟ — كانت أيضًا نموذجًا، إطارًا نصوِّر به العالم البشري، طريقةً للعيش.

في الصيف الذي بلغ فيه ووكر اثنتي عشرة سنة، قمنا بإجازتنا الطويلة الأولى دونه. كان ذلك نفس الصيف الذي تعلَّمَ فيه أن يردَّ بنجاح في معظم المرات على طلب ضرب الكف بالكف عاليًا. وبينما كان ووكر في مدينة تورونتو في معسكرٍ لذوي الإعاقات العقلية، ذهبتُ أنا وجوانا وهايلي لقضاء أسبوع في منزل أخي تيم في بلدة روكبورت، في منطقة كيب آن، شمال بوسطن. كنَّا نقضي أنا وتيم فصولَ الصيف في البلدة عندما كنَّا صبيين، مع والدينا وأخواتنا، وتعلَّمنا هناك السباحة والإبحار وأن نأكل الكركند بطريقة صحيحة، وأن نشعر بالسعادة لوجودنا بجوار البحر. أصبحنا مستقلين في حياتنا هناك، وكذلك صديقين.

كان المنزل يطلُّ على المحيط، وهو عبارة عن مبنًى مربع رائع يطل على المحيط الأطلنطي عند جزيرة تاتشر، وهي منطقة ضحلة خطيرة جدًّا لدرجة أنها تحوي ليس فقط منارة واحدة لكن منارتين. هذا المنزل أحد الأماكن المفضلة لديَّ والذي يذكرني دائمًا بووكر: كان معنا في أول فصل صيف نقضيه في هذا المنزل، قبل أن يتملكه تيم، أول فصل صيف نستأجره أنا وهو معًا. وُلِدَ ووكر في شهر يونيو، قبل موعد ولادته الطبيعي بخمسة أسابيع، ولكننا سافرنا بالسيارة إلى بوسطن في شهر أغسطس على أي حال، وكان عمر ووكر حوالي ستة أسابيع — وذلك قبل أن نعرف أن هناك مشكلة به — حين كان يبدو لنا فقط أنه طفل صعب في إطعامه، وكنَّا نرى حينئذٍ أن بإمكاننا التعامل مع أي شيء بصورة عادية. ولمدة أسبوعين كانت زوجتي تجلس على كرسي في مطبخ المنزل المستأجر بجوار البحر، تحاول أن تُدخِل بعض السوائل في فم ابننا الصغير الغريب، بينما تحملق في المنارتين المتطابقتين في الشكل.

كان للكرسي وسائد خضراء وأذرع من الخيزران. نظرْتُ إلي الطفل كثيرًا في أول فصل صيف من حياته ورسمتُ له لوحةً بالألوان المائية، وصنعَتْ زوجتي فيما بعدُ إطارًا لها وعلَّقتها على حائط حجرة نومنا، بالقرب من السرير إلى جانبي. ولمدة طويلة كانت أول شيء أراه حين أستيقظ في الصباح، وقصدَتْ زوجتي بذلك أن تكون مجاملة لي، ولكنني لا أستطيع أن أمنع نفسي من أن أتساءل إن كان قصدها هو التنبيه: لا تنسَ الولد!

الآن هو في الثانية عشرة من عمره؛ وقد عدنا إلى جوار البحر، لأول مرة من دونه، ولم يَعُدِ الكرسي موجودًا أيضًا. في اليوم الأول استيقظتُ في الصباح قبل الجميع وهبطتُ عبر الصخور الجرانيتية إلى المحيط للاستحمام عاريًا. كان المحيط هائجًا وكان من الصعب النزول إلى الماء والخروج منه مرة أخرى. وبعد ذلك سلكتُ طريقي عائدًا إلى الدُّش الموجود خارج المنزل ونظفت جسمي من الأملاح، ولبست ملابسي، وأعددتُ قهوة، وقرأتُ الصحيفة، ونظرتُ إلى البحر. كنتُ بمفردي، وشعرت كأنني في الجنة، ولم أفكر حتى في الساعات التي قضيتها في تلك الغرفة مع الولد، في السنوات الاثنتي عشرة الماضية. أشعر بالسعادة؛ لأنه ما زال هناك مكان، ملاذ من نوع ما، حيث لا يمكن أن أشعر بقلقي عليه، حيث يمكن أن أنساه على الأقل مؤقتًا. لكني أفتقده دائمًا حين يحدث هذا، ودائمًا ما يكون هناك، كما أنه الآن في ذاكرتي عندما تذكرتُه وهو رضيع في المطبخ المجاور للبحر. يا لها من رفاهية، رفاهية عدم القلق! رفاهية ألا يكون ووكر في عقلك أو يلح على تفكيرك! من دونه، ولفترة قصيرة أتمكَّن من فعل كل شيء كما كنتُ أفعله من قبلُ، بخطواتٍ محدَّدةٍ، بالطريقة التي تتبعها حين لا يكون لديك طفل معاق.

لكن حتى هناك وجدني ووكر. في ذلك الصباح١ بعدما عدتُ من السباحة في البحر، وأخذتُ أتجول في المنزل، بدأت أتصفح كتيبًا عن الأعمال المعروضة بمعرض لوحات إدوارد هوبر. عاش هوبر بالقرب من هنا بمدينة جلوستر، وقد استوحى بعض لوحاته المشهورة من الخلفية المحلية الأصيلة والرزينة هنا. وفي عام ١٩٤٧، سألت السيدة فرانك بي ديفيدسون هوبرَ عن رأيه في الفن التجريدي، ولم يكن الفنان التمثيلي العظيم متأثرًا؛ فقال للسيدة ديفيدسون: «هناك مدرسة للرسم الزيتي تُسمَّى التجريدية أو غير الواقعية، وهي مستمدة بدرجة كبيرة من أعمال بول سيزان الذي حاوَلَ إنشاء «رسم مجرد»؛ أي فن يستخدم الشكل واللون والتصميم بشكلٍ منفصلٍ عن تجارب الإنسان في الحياة وارتباطه بالطبيعة. في رأيي مثل هذا الهدف يصعب أن يحقِّقه بشر. وسواء أردنا ذلك أم لا، فنحن جميعًا مرتبطون بالأرض، بتجاربنا بالحياة وتفاعلات العقل والقلب والعين، ومشاعرنا لا تتكون البتة من الشكل واللون والتصميم؛ وبهذا فإننا نترك جانبًا كبيرًا من الحياة أظن أنه من المهم التعبير عنه بالرسم، والذي لا يمكن التعبير عنه في الأدب.»

أول مرة أقرأ فيها هذه الفقرة في ذلك الصباح — كان هذا قبل وقت الإفطار — اعتقدتُ أن هذا هو خطئي تمامًا مع ووكر؛ أحاول أن أرى فيه أشياءَ ليست فيه، أحداثًا «مستقلة عن الحياة وارتباطي بالطبيعة»، فنحن تجريديون فيما يتعلق بووكر، نُصر على أن هناك لوحة زيتية، فكرة مترابطة — ولو كانت في شكل راديكالي — لا يستطيع أحد آخَر رؤيتها. أخذت أعيد قراءة الفقرة، وكلما قرأتها، بدأت أقتنع أكثر بأنه لا يوجد سوى فرق ضئيل بين ما كان يحاول أن يرسمه هوبر على القماش أو الورق، وما كنَّا نحاول أن نفعله مع تبلُّد ووكر: كنَّا نصف ما شاهدنا ثم نحاول تحديد ماذا يعني وكيف جعلنا نشعر، وهل كان حقيقيًّا أم لا.

يمكن أن تمرَّ ساعة هكذا، بسبب مجرد التفكير فيه.

***

في البيت، وفي جولاته في المنطقة المجاورة لنا مع أولجا، كان لووكر دائرة كبيرة من المعارف. يقترب مني أشخاص حتى الآن ويقولون لي: «أنت والد ووكر!» يشعرني هذا بذكائه. كان أنيقًا في ملابسه أيضًا؛ إذ كانت أولجا تشتري له أحدث الملابس من محلات جاب في مناسبات أعياد ميلاده، ومن حين لآخَر كنتُ أذهب خلسة لأشتري له شيئًا ما بنفسي. ولا أستطيع وصف سعادتي حين اشتريت له أول قميص يناسب الأولاد الكبار؛ إذ بَدَا أنيقًا ورائعًا، واشتريتُ له سترة تزلج برتقالية، واشتريت له أول بنطال جينز، وأول بنطال كاكي اللون، وأول حذاء رياضي، وأول قبعة رياضية، وسترة طيار ذات ياقة فرو، وكنت أشتري له «تي شيرت» من أي مكان أسافر إليه. اشتريت له فانلة داخلية أصغر من يدي، ونظارة شمسية لم تعجبه، وقبعة وقفازات (ملقاة كلها جانبًا رغم أنها جديدة)، وجوارب وأحزمة هندية مطرزة بالخرز؛ كل رموز مرحلة الصبا العادية، كل ما نرغب أن يكون لديه، وليس ما يرغب فيه هو. في يوم من الأيام سآخذه مع والدي وأخي لأشتري له أول رابطة عنق. أعلم أن هذا لا جدوى منه؛ لأن الصدرية التي يرتديها لالتقاط لُعابه ستغطيها، ولكن لعل هذا يكون الطقس الذكوري الوحيد الذي يمكن أن نمنحه إياه.

مكتوب في دفتر كنتُ أدوِّن فيه ملاحظاتي:

٢٧ ديسمبر عام ١٩٩٧

عليَّ أن أولي اهتمامًا أكبر بغذاء ووكر. كان لديه موعد مع الطبيب قبل أن نسافر للاحتفال بالكريسماس هنا في ولاية بنسلفانيا، وأصابت طبيبَ الأطفال الدهشةُ من كونه لا يزال عاجزًا عن المشي، أو لا يمشي، أو يزحف، أو يسعى لالتقاط الأشياء ويضعها في فمه، أو يحاول إطعام نفسه وابتلاع أي شيء مكوَّن من أجزاء، أو تكديس المكعبات. وتملَّكَه رعبٌ أكبر حين وجد أن ووكر يزن فقط ٢٠ رطلًا؛ مما يعني نصفَ ما ينبغي أن يكون عليه في هذه السن — سن العام والنصف — أو ثُلثَيْه في أفضل الأحوال. الشيء المرعب الجديد هو أن عدم قدرته على زيادة الوزن ستؤثِّر في نموه العقلي، حتى ولو كان وزنه مناسبًا؛ لذا استغرقتُ وقتًا طويلًا بعض الشيء أحاول معرفة كيف أصنع كاسترد بالبيض، التي رأت ممرضة أنها ستزيد من وزنه، ولكن أصابته نزلة برد شديدة، وضعف في قدرته على البلع؛ مما يعني أنه كثيرًا ما يتقيَّأ بعد تناول الوجبة. أستطيع أن أرى أنبوب التغذية يلوح في مستقبلنا أنا وهو، وبالرغم من ذلك أخشى عليه في المقام الأول من الوحدة. ومؤخرًا، بدأتُ أرى أنه يدرك ذلك أيضًا؛ بمعنى أنه يدرك فجأةً أنه ليس مثل أي شخص آخَر، ولو عن غير وعي.

يبدو أني على وشك البكاء، لذا سأذهب.

عندما بلغ ووكر عامه الثالث، بلغ سجله الطبي عشر صفحات.

ظهرت عليه مجموعة من الاعتلالات مبكرًا، كاعتلال في الصدر، والتهاب رئوي، وإمساك، وآلام مستمرة بالأذنين، وتقشير بالجلد، ولم يكن ينام. كنا نراه طفلًا لطيفًا، وإن كان يبكي كثيرًا.

على الأقل، المكان المتاح لك أن تطرح أسئلة فيه عن حالته هو مكتب الطبيب، وكانت العودة إلى البيت بعد ذلك تشبه الدخول في ردهة طويلة لمكان لن تضيء أنواره أبدًا. قالت زوجتي إنها كانت تشعر «كما لو أن ستارة عازلة للصوت قد أُسدِلَتْ أمامنا.» بالتأكيد أي أزمة مع أي طفل تسدل هذه الستارة؛ فيقل اهتمامك، ويكون هدفك أمامك مباشرة. وتختلف حالة ووكر في أن الستارة مُسدَلة دائمًا. قبل ووكر كان المستقبل مثل سلسلة من التحديات الواضحة، يمكن التغلُّب على كلٍّ منها، تفضي في النهاية إلى مجدٍ (ربما ناقص). وبعد ولادة ووكر أصبح المستقبل جامدًا وحزينًا ويحمل كثيرًا من الالتزامات حتى نفارق الحياة؛ وهو ما يثير النظرة المتشائمة لما يمكن أن يحدث له حينئذٍ.

في وقت مبكر — وهذا الأمر شائع أيضًا في الأسر التي لديها أطفال مصابون بمتلازمة القلب والوجه والجلد — اتفقنا أنه لا ينبغي أن تكون هايلي مسئولةً عن ووكر بوصفها بالغةً. لكنها تقبَّلَتْ حالته وكانت تتعامل معه بكل هدوءٍ ودون ضيق. وفي أحد الأيام سألتها: لماذا ترين أن ووكر لم يستطع المشي أو التحدُّث في سن الثانية؟ فقالت: «استطعت المشي عندما كان عمري سنة واحدة؛ لأني وُلِدت بعينين مفتوحتين، ولكن ووكر وُلِد بعين واحدة مفتوحة فقط.» كان عمرها حينئذٍ أربع سنوات.

كان تشخيص حالة ووكر بأنها متلازمة القلب والوجه والجلد جيدًا في ذلك الوقت، ولكن توصيف الحالة لم يُحسِّن من صحة ووكر. أصبحت ملحوظات الدكتور ساوندرز متكررة؛ وكانت الكلمات «محتقن» و«يسعل» و«التهاب الأذن» و«توقُّف النمو» تظهر في كل مرة يدوِّن فيها ملاحظاته. وفي الشهر الثامن عشر لم يكن ووكر يتحدَّث، ولا يفهم أي كلمات، ولا يستطيع المشي، ولم تصدر عنه أي إيماءات فيما عدا رفع ذراعيه؛ بمعنى «لأعلى»، وابتسامة من آنٍ لآخَر. كتب ساوندرز «تأخُّر في النمو» بخطٍّ كبير في سجله. ولم يكن هناك وقت في اليوم يكفي لأن ننتظر ووكر حتى يأخذ أجزاء الطعام الصغيرة التي يمكنه بلعها؛ ولذلك طلب ساوندرز تركيب أنبوب تغذية. فحتى يشتد عوده، لن يتمكَّن من تناول الطعام، ولأنه لا يستطيع الأكل؛ لذا لن يشتد عوده. وقد سهَّلَ أنبوب التغذية إعطاء ووكر القائمة الطويلة من الأدوية التي احتاجها لعلاج حالة الارتجاع التي أصابته وعدوى الأذن والأرق وتوتر أعصابه وأنواع الطفح الجلدي التي كانت تصيبه: بنفسج بلوري وهيدروكورتيزون وأموكسيسيلين وأزيثروميسين وكلاريثروميسين وإيريثروميسين (والتي تُعَدُّ الأكثر شموليةً فيما يخص قوة المضاد الحيوي) وسيسيبرايد وكيفليكس وبيتنوفيت وفلامازين ولاكتولوز وكوليس وهيدرات الكلورال. تبدو هذه الأسماء مثل أسماء سفراء لمؤتمرٍ بين المجرات من الكائنات الغريبة. ساءت حالة الإمساك المزمن التي يعاني منها (كانت عضلاته ضعيفة للغاية لدرجة أنها لا تستطيع تحريك الفضلات عبرها بصورة طبيعية) بتعاطيه هيدرات الكلورال المطلوب لحالته أيضًا، وقد كان مطلوبًا للتعامل مع هذه الحالة تناولُ ثلاثة عقاقير لا عقَّار واحد، وهي: اللاكتولوز بوصفه مادة سكرية مُسهِّلة، ووكوليس بوصفه مادة مثل الديناميت، والأقماع الشرجية التي تقوم بعملية الإخراج النهائي. وقد كانت تلك العقاقير تستغرق خمس دقائق حتى يبدأ مفعولها.

لا يوجد شيء متعلق به كان طبيعيًّا؛ فمثله مثل معظم الأطفال، أصابه طفح جلدي بسبب الحفاض، لكن لأن هذا ووكر — ابني غير الطبيعي — كانت المشكلة كبيرة جدًّا؛ الأمر الذي استدعى بقاءه يومًا في المستشفى. وكان هناك شمع كثير جدًّا في أذنيه لدرجة أنه يمكننا به عمل متحف من الشمع. ولمدة عشرة أشهر، ظهرت عنده بثور مؤلمة في قدميه أعاقت مشيه الذي كان يعاني من مشاكل بالفعل، وكانت تمتد إلى ثلاث بوصات، ولونها أصفر، وتظهر سواء كان يرتدي جوارب أم لا، وسواء كان يرتدي أحذية أم لا، ولكنها اختفت سريعًا كما ظهرت سريعًا، ولم يفسِّر لنا الأطباء السبب.

كان تشخيص حالة ابني على أنها متلازمة القلب والوجه والجلد يعني مزيدًا من المواعيد مع الأطباء والاختصاصيين: اختصاصي الأذن، وطبيب العيون، واختصاصي الأمراض الجلدية، واختصاصي الارتجاع المعدي، وطبيب الأعصاب، وطبيب القدم، والمعالج الوظيفي والمعالج السلوكي، وطبيب الأسنان، واختصاصي الوراثة، وطبيب القلب، وعيادات التغذية والنوم، وحتى عيادة علاج سيلان اللعاب. وقد توصَّلوا إلى النتيجة التالية (وأنا جاد جدًّا فيما أقول): «السيدة براون، ابنكِ يسيل لعابه.» واحتاج طبيب الأسنان إلى إعطاء ووكر مخدرًا كاملًا لتنظيف أسنانه. ويُعَدُّ علاج الفم والأسنان مهمًّا إذا كان سيتعلم الكلام، ولكن بعد عامين لم يتكلم، ثم تحولنا إلى لغة الإشارة، لكنه لم يستطع القيام بالتواصل بالعين الضروري لتعلُّم الإشارات، وكانت مهاراته الحركية الدقيقة في مستوًى لا يساعد على تعلُّم تلك اللغة على أي حال. وفي ذلك الوقت بدأ يَلْكُم رأسه بقوة، ولم يشجع هذا المعالجين على استكمال العلاج، ولم يتمكن طبيب العيون من الحصول على قراءة دقيقة لحالة عيون ووكر، ولم يستطع ووكر التعبير عن حالته، وكذلك الحال نفسه بالنسبة إلى السمع، هذا بالإضافة إلى الإحدى عشرة زيارة إلى مكتب الدكتور ساوندرز في عام ١٩٩٨ بمفرده، وزيارات إلى قسم الطوارئ، وكان ووكر يقوم بزيارة طبية كل أسبوع. كان هذا يحدث إذا كان يتمتع بصحة معقولة إلى حدٍّ ما.

قال لنا الخبراء إننا من الأفضل أن نركِّز على تنمية قدراته الحركية الأساسية؛ فهو إذا تعلَّم المشي، على الأقل، فيمكنه تنويع بيئته وتحفيز نفسه، وسيكون أقل اعتمادًا بكثير على الآخَرين لبقية حياته. وكانت العبارة بالتحديد: «لبقية حياته.» ولكي نعلِّمه ذلك، اتجهنا إلى علاج فنزويلي خالص ومكلِّف لثلاث مرات في الأسبوع لمدة عامين، وتضمنت طريقة «ميديك» تعليقه بالمقلوب وسحب رجليه في أوضاع غير طبيعية. يعيش المتخصِّص الوحيد في هذه الطريقة في المدينة، إيثر فينك، على بُعْد ٤٥ دقيقة بالسيارة منا، في منطقة مجاورة شمال تورونتو تسكنها طائفة يهودية تُسمَّى الحسيديم، والتي بها عدد كبير من الأطفال المعاقين. إنه عالم آخَر، وأصبحْتُ فجأةً جزءًا منه.

كره ووكر الجلسات، وبدأ بالصراخ لحظة أن سحبناه إلى مدخل عيادة إيثر فينك، ولكنه تعلَّمَ المشي، على الأقل تمكَّن من ذلك، وباستطاعته أن يكون اسمًا على مسمًّى (فكلمة ووكر Walker تعني الشخص الماشي)، ولعل هذا هو سبب إصرارنا على تعلُّمه المشي.

***

الغريب أن كل هذه الظلمات يمكن أن تبدِّدَها بضع نقاط ضوء، حيث إن ردَّ الفعل وحده كان مهمًّا؛ فابتسامة منه أو نوبة بهجة تنتابه كانت تنير مسائي.

أتذكر كم كنتُ فخورًا حين ذهب إلى المدرسة أول يوم؛ فببلوغه سن الثالثة التحق ببرنامج «الْعَبْ وتعلَّمْ»، وهو برنامج رعاية يدمج الأطفال المعاقين مع الأطفال العاديين. تمكنت من التعرف على آباء الأطفال المتأخرين في ساحة سيارات المدرسة حين كنتُ أذهب إلى توصيل ووكر؛ يبدون كما لو أن قنبلة قد انفجرت لتوِّها في المقعد الخلفي لسيارتهم. كانوا في أمَسِّ الحاجة إلى التواصُل ويتوقون إلى قول الحقيقة. وفي مساء أحد الأيام، قابلت بالمصادفة امرأةً توفيت منذ عامين ابنتُها المعاقة إعاقةً شديدة والتي كانت تبلغ من العمر ١٤ عامًا. قالت: «هل تعرف أول شيء فعلته عند عودتي من الجنازة؟ قلتُ لزوجي: «مهلًا، دعنا نتضاجع!» وقد طلقَته فيما بعدُ.»

ذُكِر في أول بطاقة متابعة لووكر في برنامج «الْعَبْ وتعلَّم» ما يلي:

يستمتع ووكر باستكشاف الأشياء عن طريق إمساكها بيديه، ويقلِّب الأشياء بين أصابعه حين ينظر إليها، وبدأ أيضًا في ضرب الأشياء معًا.

تقوم فكرة هذا البرنامج على أساس أن دمج الأطفال العاديين مع نظرائهم المعاقين يزيد من حساسية العاديين ويُلهِم المتأخرين، وتفتخر المدرسة بوجود اختصاصي علاج بالتكامل الحسي يعمل بدوام كامل (غالبًا ما تسيطر الحواس على إدراك الأطفال المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد لما حولهم؛ لذا يتعيَّن أن يتكيفوا معها، حتى لو كان هذا مجرد الإحساس بشخص آخَر يلمس جلدهم) واختصاصي علاج وظيفي، يُعلِّم المفاهيمَ الأساسية للاندماج الاجتماعي مثل الجلوس مع الآخَرين أثناء تناول وجبة الغداء. ومما أدهشني أن ووكر بدأ يصبح ببطء أكثر جرأةً وميلًا للاختلاط بالآخَرين. وكانت هيئة التدريس (كلهن نساء) معلمات مخلصات متخصصات في التدريس للمعاقين، وكنَّ متفائلات يرين أملًا في كل شيء. ذُكِر ما يلي في إحدى بطاقات المتابعة:
في المجمل، ينطق الحروف المتحركة المفتوحة وتركيبات الحروف الساكنة والمتحركة — والتي قد تشمل أيًّا من الأصوات التالية b, n, d, l, y — بإضافة الصوت «آه»، وبالرغم من أنه لا يبدأ تواصُلًا مع الآخَرين، فهو يستمتع بأقرانه من حوله، وحين يمسك أحدُ أقرانِه بيده، تبدو عليه السعادة.

تأثَّرْتُ تأثُّرًا كبيرًا بالسطر الأخير؛ هو بحاجة إلى مَن يقف بجانبه.

لكي تُبدي الحكومة المحلية في أونتاريو أنها حريصة على تقديم التعليم المناسب، فقد كانت تصرُّ على عمل تقييم لكل الأطفال، والتقييم كان يعني المعايير. وفي المرة الأولى التي رجع فيها ووكر إلى البيت من برنامج «الْعَبْ وتعلَّم» ومعه بطاقة متابعة في حقيبة الظهر الخاصة به، عرفنا أنه يتحسَّن في العمليات الحسابية. العمليات الحسابية! تحسُّن! حينئذٍ ضحكنا ضحكًا شديدًا ثم قبَّلْنَاه وقلنا له: «أحسنْتَ يا ووكر! اثنان واثنان يساوي أربعة!» فعلنا هذا لمدة طويلة، وتمسكنا بهذا الشيء باعتباره ممتعًا ونادرًا. بالطبع، كنَّا ندرك أنه لم يكن يقوم بعمليات حسابية بالمعنى الحرفي الذي نعرفه، ولكنها كانت قصة أتى لنا بها يمكن أن يقدِّرها أي شخص، جزء من تفاصيل حياته ظهَرَ من خلف الستارة العازلة للصوت.

ما لا أستطيع أن أفهمه هو ما الذي كانت تعنيه الأعمال الروتينية التي كان يقوم بها في هذا البرنامج بالنسبة إليه، هل علم أنه كان «يرسم» حين كان المعلم يوجِّهه في استخدام يديه أثناء الرسم؟ كان له صديق، يُدعَى جيرمي، ولكن هل كان يعرف ما معنى صديق؟ كان يجلس إلى الطاولة مع الأطفال الآخَرين في وقتِ تناول الوجبات الخفيفة — أحببتُ ذلك — ولكن هل شعر بصحبة الأطفال؟ ما الذي كان يحدث تحت هذا الجلد السميك، وخلف هذا القلب المتضخم؟ لم أكن أبالي إذا لم يُلقِ الكرة أو يضايق أخته أو يتزلج بجواري أو يمزح أو يواعِد بنتًا (بالرغم من أني كنتُ سأحب هذا لو فعل)، كان كل ما يهمني هو معرفة إن كان لديه إحساس بنفسه، بحياته الداخلية. وكان يبدو هذا أحيانًا أكثر الأسئلة إلحاحًا بالنسبة إلي.

***

منذ مجيئه من المستشفى إلى البيت طفلًا رضيعًا وعمره يومان، كانت الليالي تمر علينا بصعوبة. إذا كان دور جوانا أن تجعله ينام وتنام معه، كنتُ أوصِّل أولجا إلى شقتها بالسيارة، ثم نتبادل الأدوار الليلة التالية. وكانت الليالي التي لم نكن نعمل فيها على رعاية ووكر مناسبات مهمة: كنت أخطط أسبوعي بناءً على ذلك، بالرغم من عدم الثقة في إتمام تلك الخطة. (إذا حدث أن كان أحدنا مضطرًّا للسفر في مهمة عمل — وهذا أمر كان يحدث لكلينا على الأقل بضعة أيام كل شهر — يتولَّى الآخَر رعاية ووكر وحدَه، ليلةً تلو الأخرى. وكان هذا أمرًا مُنهِكًا، ولكن هذا جعلنا نعتز بالليالي التي كان ينام فيها، كما لو أنها مِنَح رائعة وغير متوقَّعة؛ فأربع ساعات خالية بالنسبة إلينا كانت تعني نومَ ليلةٍ لأي شخص آخَر.) وبعد توصيل أولجا إلى شقتها، أُصبح حرًّا؛ فأذهب لأتناول مشروبًا، أو أتمشى، وفي معظم الوقت كنتُ أعود إلى البيت وأدخل بهدوء، وأُغلق مفتاح الباب الأمامي الثقيل بيدي، تاركًا حذائي بجوار الباب، آمِلًا أن أنام دون إيقاظه، ودون سماعه وهو يصرخ أو يَلكم رأسه، فهو لديه قدرة على التسلل إلى عقلي بمجرد أن أفتح كتابًا أو أبدأ كتابة خطاب، وبمجرد أن أسمعه، يخطفني؛ فلم أكن أستطيع تحمُّل صوت معاناته المطَّرِدة. ولكن إذا كان نائمًا وأستطيع أن أظل مستيقظًا، فيمكنني أن أقرأ، وكنت أقوم بذلك بنهم، ولم أقدِّر قطُّ قيمة الكلمات والكتب والوقت وحياتي العقلية أكثر مما كنتُ أفعل في هذه الليالي المُختَلَسة. دانتي، كتاب «تاريخ التأخُّر العقلي»، كُتُب عن الصمم والتهتهة، روايات عن رعاة البقر والأشرار، ويوميات دبلوماسيين، ومذكرات كازانوفا. (ادعى كازانوفا أنه لم يتكلم حتى سن الخامسة، ثم عندما تكلَّم، كان موجودًا على سفينة بخارية صغيرة، تعبر قناة جراند كانال في مدينة فينيسيا. وقال، إذا لم تخني ذاكرتي: «الأشجار تتحرك!» وبدلًا من أن يفرح والداه أن ولدهم المتأخِّر قد تكلَّم أخيرًا، عنَّفاه بقوةٍ على الفور لغبائه، وصاحَا: «السفينة هي التي تتحرك!» وحينها نطق كازانوفا جملته الثانية: «حسنًا إذن، من الممكن أن تكون الأرض هي التي تدور حول الشمس!» أقِرُّ بأنه مرَّتْ عليَّ أيام تمنَّيْتُ انفراجة مشابِهة تحدث لووكر. بالتأكيد كنت أُجمِّع قصصًا.) وقرأت خطابات تشسترفيلد لابنه، والروايات البوليسية الرتيبة لتشسترتون، وكل ما يصرفني عمَّا أنا فيه: إيلمور ليونارد وتشاندلر وروث وأبديك، وكتب عن الآباء وتجميع القصص المماثلة والهوس، والمقالات التي تتناول الموضوعات المختلفة للحياة الشخصية وحياة الفنانين والمليونيرات، وبالطبع كل الأبحاث العلمية حول متلازمة القلب والوجه والجلد، فضلًا عن الصحف. توضِّح إحدى صور ووكر المفضَّلَة لديَّ من تلك الأيام ووكرَ وهو يجلس في حجري وأنا أجلس على كرسي الحديقة القابل للبسط، ونحن في كوخ أحد الأصدقاء شمال تورونتو، الذي يوجد بجوار بحيرةٍ ساكنةٍ. أقرأ الصحيفة، وأفتح صفحاتها، ويبدو عليَّ علامات العبوس، ويستند ووكر إلى صدري، يضحك كالمجنون. كان كلانا سعيدًا في ذلك الوقت.

***

كنتُ أنا وجوانا نحلم بالإجازات، ولكن البُعْد عنه كان معقَّدًا. لم نكن نتركه هو وهايلي بالليل مع أولجا إلا عندما بلغ من العمر ثلاث سنوات، ولكننا لم نكن نرغب في ذلك: كانت أولجا تجتهد كما ينبغي، وكان من الصعب أن نطلب منها المزيد. بدلًا من ذلك، أخذناه معنا: أنا وجوانا وهايلي وَوُوكر وغالبًا أولجا؛ قافلة الرعاية الصغيرة الخاصة بنا.

أشارت إحدى الدراسات المبكرة حول متلازمة القلب والوجه والجلد أن طبقة الميالين حول أعصاب الأطفال المصابين بهذه المتلازمة غير كافية؛ مما يؤدِّي إلى توجُّه قدرٍ زائدٍ عن الحد من المعلومات إلى مخهم: كانت قلة المخرجات لديهم نتيجة لوجود إفراط في المدخلات، بمعنى وجود شبكة أعصاب ضعيفة التحكُّم والتنظيم. كان هذا منطقيًّا في نظري؛ ففي السيارة أو الطائرة، أثار النظر من النافذة ووكر، وجعله لا يتوقَّف عن الحركة، وكان لا يطيق الجلوس في هدوء. ففي الطائرة كان ينظر من النافذة ويضحك، وينظر إلى يديه، وينظر من النافذة مرة أخرى، ويضحك مرة أخرى، ثم يضم ركبتيه ويرفعهما لأعلى، ثم يتكتل في الكرسي، ويميل إلى جانبه، ثم يرجع للوضع الطبيعي مرة أخرى، ثم ينظر من النافذة مرة أخرى، ثم يلكم رأسه، ثم يقع على جنبه ضاحكًا بصخب، ثم يمد نفسه على الكرسي الزلق الأملس (كان يحب الانزلاق عديم الاحتكاك للتنجيد)، ثم قام بكل هذا مرة أخرى، ثم شرع في الصراخ، واستغرق هذا دقيقتين. كان يبدو أنه لا يستطيع التحكُّم في كل ما كان يؤثِّر فيه، وقد كان هناك الكثير من تلك الأشياء.

أَحَبَّ إقلاعَ الطائرة وخروج سيارتنا من ساحة الانتظار، وأحبَّ الإغلاقَ الآلي لنوافذ السيارة وهو في المقعد الخلفي، وإلقاءَ الأشياء من السيارة حين يظن أن أحدًا لا يراه (وهو ما كان يحدث كثيرًا). وأحيانًا عندما أعمل في البيت على طاولة حجرة الطعام، محاولًا سبر أغوار الأبحاث العسيرة على الفهم حول علم الوراثة أو علم الأعصاب، كان يدخل الحجرة ويجلس في حجري ويقبل بهزة أو هزتين مني، ثم بعد عشر ثوانٍ، ينهض وينصرف. كنت أسمع أولجا في المطبخ وأتساءل: «إلى متى سيستمر هذا؟» حتى وإنْ كنتُ سعيدًا بالمقاطعة. ثم كان يعود بعد عشر دقائق، ويكرِّر ما فعله مرة أخرى: الإيقاع الغريب للولد الغامض.

كانت تلك هي الأيام السعيدة، أما في الأيام غير السعيدة فقد كان يجلس معي، متعلِّقًا بذراعي أو راقدًا بجواري، يتأوه أو ينوح أو يبكي. وحين كان الثلج يتساقط بغزارة على نحوٍ يمنعه من الخروج في عربة الأطفال الخاصة به، كان ينفجر غضبًا، ويرقد على الأرض ويضربها برأسه. أتذكر الشكل الدقيق لهذه الضوضاء من الذاكرة.

في الأيام السعيدة كنا نختلس الوقت أنا وزوجتي لنختلي بأنفسنا، كان لدى صديقينا كاثرين وجون كابينة قديمة بجوار بحيرة شمال تورونتو، في منطقة تُسمَّى مسكوكا، على بُعْد ساعة ونصف بالسيارة من هنا. دَعَوَانا للذهاب هناك مرات ومرات، غالبًا مع زوجين آخَرين، هما تيكا وآل. أصبح هناك عالم ثانٍ لنا، ملاذ عطلات نهاية الأسبوع. يمكنك أن ترى على بُعْد أميال بطول المياه من جزيرتهم مساحاتٍ لا نهاية لها من الأشجار الرائعة.

أخذْنا هايلي وووكر وأولجا. تولَّتْ أولجا رعايةَ الولد، وجلستْ معه في الشرفة الخارجية المسقوفة لكابينة صغيرة بجوار شاطئ البحيرة، طفا لحن أغنية «هل تتدلى أذناك لأسفل؟» وكلماتها من تلك الشرفة عبر المياه مرات ومرات ومرات مثل نسمات الحب، وغالبًا كان هناك نسيم يهزه. وفي وقت متأخر من المساء قد يجدف في الماء، ولكن ليس بحماس زائد، ولكنه كان يحب أن يكون بصحبة أحد عندما يكون بجانب المياه. وكان يحب أن ينسلَّ إلى حجري وكأنه في زورق كياك، يجرجر يديه على جانبي مثل الحشرة التي تتحسس السطح الرطب لعالمها. تحدَّثْتُ إليه في أذنه قائلًا: «هل ترى الأشجار، وكيف أن الخضرة مختلفة هنا؟ أو هل ترى الزحلوقة المائية؟ ستحبُّ ذلك فعلًا.» كان يحب أن نتحدث إليه، وكان يحب أشياء كثيرة، أو كان يبدو كذلك. كنت أثرثر في أذنه باستمرار، ولكن لم أكن أهتم بكونه لم يرد قطُّ. جعلني أقترب منه؛ ولأسباب غير واضحة كنت ممتنًّا له لذلك، وسأكون كذلك دائمًا. إلى أين كان يمكن لي أن أذهب من دونه؟ فقد كان ولدًا صغيرًا، لا حول له ولا قوة، يعتمد على الآخَرين، مَن يكون معه هو عالمه، وأحببتُ أن أكون عالمه، إذا سمح لي بذلك. وكان يصطدم شعره المجعد بأسفل ذقني ونحن نطفو معًا في القارب.

في أوقات المساء، بعد تناول العشاء، كان ووكر ينضمُّ إلينا ثانيةً من الشرفة الخارجية المسقوفة التي كان يجلس فيها. أتذكر أول مرة فعل هذا، وكيف أنه كان يذهب إلى الجميع عن قصدٍ؛ يصعد إلى حجر كاثرين، واضعًا رأسه على كتفها، ثم ينزل ويذهب إلى سِوار تيكا الفضي ليعبث به (كانت هي التي أطلقت عليه «الصائغ»)، ثم يصل إلى آل، ثم إلى جون، ثم إليَّ، ثم إلى أمه وأخته وأصدقائها وعالمه. قام بجولاته، ثم تسلَّل عائدًا إلى أولجا، أو تجوَّلَ بجوار أضواء جهاز الاستريو وأصواته، أو فتح الباب السلكي الأمامي للاستمتاع بوقت المساء في الخارج. أتصور — هذه هي الكلمة الوحيدة التي يمكنني استخدامها هنا — أنه يريد أن نعرف أنه يحبنا. يستعيد أصدقاؤه الكبار تلك الأيام الآن بوصفها رحلة فريدة ومستحيلة قمنا بها جميعًا معًا. قال لي أحدهم ذات مرة: «كانت أوقات الصيف تلك استثنائية، بالرغم من أنني غير متأكد أني كنتُ أعرف أنها كانت كذلك في حينها.»

أما باقي الوقت فكنتُ أقضيه في القراءة والحديث والسباحة والطهي، والشرب؛ غالبًا كنتُ أشرب الجين بنهمٍ حين لا يكون الدور عليَّ في رعايته ليلًا، للاستفادة الفورية من اللحظة (فلم يكن لدي وقت لأضيعه). فكل دقيقة وأنا خالٍ فيها كانت تبدو لي مثل الياقوت الأزرق، غير أنني شعرت بوخزة من تأنيب الضمير، ليس لأني لا أتحمل المسئولية؛ ولكن لأن حاجاته لا تنتهي أبدًا. حاولنا بشدة أن نسترخي بقدر ما نستطيع في الوقت المتاح لنا. منذ ثلاثين عامًا فقط لم يكن لطفل مثل ووكر أن يحيا، وكان مرضه لم يزل لغزًا لمجال الطب بقدر ما هو لغز لنا: كيف كان لي ألَّا أتعجب فيما يفترض أن أفعله معه؟ تبادلتُ أنا وجوانا الليالي في الكوخ أيضًا، كان أحدنا ينام مع ووكر في غرفة صغيرة في الدور الأرضي لمكان الإقامة الرئيسي، بينما كان يستمتع الآخَرون بالنوم بالليل وحدهم في ترف في كابينة نوم بجوار الماء؛ حيث كانت لديهم الحرية في السهر لوقت متأخر، وتناول مشروب آخَر، والعيش لفترة قصيرة تبدو وكأنها الحياة غير العادية. كنا نسمع صوت القطارات وهي تمر بجوارنا بالليل في أقصى الشاطئ.

في الصباح التالي لليلة عصيبة مع ووكر — تكوَّنَتْ لديَّ نظرية غاضبة بأنه لا ينام جيدًا أبدًا معي؛ لأنه كان ينام دون أن يحرك ساكنًا في الليلة التي يكون فيها مع أمه — وبعدما دخل في النوم في النهاية، أو في الساعة العاشرة صباحًا بعدما خرجَتْ أولجا من كابينتها لتتولى رعايته، سرت متعثرًا في الطريق إلى البحيرة. ما زلتُ أتذكر زوجتي ذات الأرجل الطويلة في تلك الأيام وهي مستلقية بالفعل بجوار الماء، تُسمِّر جسمها وتقرأ بنهمٍ. سعدت من أجلها، وغضبت منها، وكنت منهكًا، ولكن نفس الوخزة الخاصة بتأنيب الضمير أصابتني على أي حال: أين الولد؟ (كنا نطلق عليه «الولد») لماذا ليست هي معه؟ ولماذا لستُ أنا معه؟ كان هذا يتمُّ بلا توقُّف، ويستمر بلا توقُّف داخلنا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠