الفصل الخامس

الحكومة البرلمانية

(١) أصول الحكومة البرلمانية وارتقاؤها في إنكلترة – مبادئ الحكومة البرلمانية – الوزارات الإنكليزية في أواخر القرن السادس عشر وفي أوائل القرن السابع عشر – نشوء الحكومة البرلمانية منذ سنة ١٦٨٨ حتى أواخر القرن الثامن عشر – الوزارة وتأليفها الحكومة البرلمانية الإنكليزية في القرن التاسع عشر – تفوُّق مجلس النواب التدريجي وضعف مجلس اللوردات – تعديل حقوق مجلس اللوردات بقانون سنة ١٩١١ – حق التاج في تعيين اللوردات – حال مجلس اللوردات الحاضرة – مجلس اللوردات ومشروع لجنة إصلاحه – تقليل سلطات مجالس الشيوخ في الدساتير التي سنَّتها ألمانيا وتشيكوسلوفاكيا وبولونيا في سنة ١٩١٩ وسنة ١٩٢٠ – سلطات التاج الإنكليزي الحاضرة – فكتوريا وإدوارد السابع – مدة سلطات مجلس النواب في إنكلترة منذ القانون البرلماني. (٢) الحكومة البرلمانية في فرنسا – المجلس التأسيسي – أفكار ميرابو – دساتير الثورة الفرنسوية والإمبراطورية – دور إعادة الملكية – ملكية شهر تموز – هل يقول دستور سنة ١٨٤٨ بالحكومة البرلمانية؟ – دستور ١٤ يناير سنة ١٨٥٢ – اختفاء الحكومة البرلمانية – إعادة هذا النظام بالتدريج في الإمبراطورية الثانية – المجلس الوطني الذي تألَّف سنة ١٨٧١ – بحث في الانتقادات التي قيلت ضد الحكومة البرلمانية – إنكلترة – انتقاد ذلك المبدأ وسيره – انحلال الأحزاب – وزارات الائتلاف والحرب في أثناء الحرب العامة – فرنسا – انتقادات – الحكومة البرلمانية في أثناء الحرب – الإيمان القوي بالحكومة البرلمانية – الحكومة البرلمانية في ألمانيا.

نظام الحكومة البرلمانية كناية عن مسئولية الوزراء مسئولية تامة، وقد ظهر في إنكلترة ثم انتشر بالتدريج في بلدان أوربة الحرة، ونذكر من هذه البلدان على الخصوص مُستعمَرات إنكلترة التي مُنِحَت برلمانات وفرنسا وبلجيكا وهولندا وإيطاليا وإسبانيا والنمسا والمجر واليونان ورومانيا والسويد والنروج والدينمارك وألمانيا. ونذكر من البلدان القائلة بنظام الحكومة التمثيلية دون نظام الحكومة البرلمانية: الولايات المتحدة، وجمهوريات أميركا المتوسطة والجنوبية — التي اقتبست من الولايات المتحدة دستورها — وجمهورية سويسرة، وقد لاءم نظام الحكومة البرلمانية في أول الأمر الملكيات الدستورية وحدها، ولكن مثال فرنسا يُثبت ملاءمته للجمهوريات أيضًا، وإني أبحث في هذا الفصل في مبادئ الحكومة البرلمانية أولًا، وفي كيفية ارتقائها في إنكلترة ثانيًا، وفي تقلُّباتها في فرنسا ثالثًا.

(١) أصول الحكومة البرلمانية وارتقاؤها في إنكلترة

تَقتضي الحكومة البرلمانية قبل كل شيء حكومة تمثيلية؛ فهي مثلها توجب فصل السلطة الاشتراعية عن السلطة التنفيذية، وتفويض أمرهما إلى أناس مستقلِّين بعضهم عن بعض، وتفوِّض السلطة التنفيذية فيها إلى رئيس واحد سواء أملكًا كان أم رئيس جمهورية، وباسم ذلك الرئيس وحسب إرادته يؤتى بالأعمال التي تمارسها تلك السلطة، غير أنه يجب أن ينظر مجلس الوزراء في هذه الأعمال ويُقرِّرها قبلًا. ثمَّ إن صاحب السلطة التنفيذية وإن حُقَّ له في الظاهر أن يعيِّن هؤلاء الوزراء ويعزلهم قُيِّدت سلطته الحقيقية بقواعد وشروط يجب على مجلس الوزراء أن يكون جامعًا لها، ويُمكن حصرها في ثلاثة مبادئ؛ وهي:
  • أولًا: يجب أن يكون الوزراء من الحزب القابض على زمام الأكثرية في البرلمان أو في مجلس النواب على الأقل؛ وذلك عندما يكون البرلمان مؤلَّفًا من مجلسين، ثم إنَّ مِن الصواب أن يكون الوزراء أنفسهم أعضاء في البرلمان — أي جامِعين في أشخاصهم وظائف اشتراعية بجانب وظائفهم التنفيذية — وإن لم يكن هذا شرطًا قانونيًّا أو أمرًا مَرْعيًّا في كل وقت، ومن الطبيعي أن يُدْعَى لتأليف الوزارة زعماء الأكثرية في المجلسين، ولا سيما في مجلس النواب.
    ووُجِدَ في الوقت الحاضر مَنْ قال بأن تعيين الوزراء كناية عن انتخابٍ يأتي به مجلس النواب وإن لم يكن ذلك شكلًا، وأظنُّ أن المستر باجوت1 هو أول مَنْ أورد هذا الفكر؛ فقد جاء في كتابه المُهمِّ الذي بحث فيه في الدستور الإنكليزي ما يأتي:

    «نعني بكلمة وزارةٍ لجنةً اشتراعيةً انتُخِبت لتكون هيئة تنفيذية، وللهيئة الاشتراعية لجان كثيرة وأكبرها اللجنة التنفيذية، وتلك تختار لهذه أناسًا نثق بهم أكثر مما بغيرهم، وهي وإن لم تخترهم رأسًا تراها قادرة قدرة مطلقة على اختيارهم بالواسطة، وإيضاحه أنَّ الحزب السائد لمجلس النواب هو الحزب الذي يمثِّل أكثرية الشعب، والملك باختياره زعيم الحزب المذكور للوزارة يكون قد اختار الرجل الذي تختاره أكثرية مجلس النواب، ومجلس النواب هو الفرع المهم في الهيئة الاشتراعية كما هو معلوم.»

    ولا يخلو هذا القول من خطأ؛ فمجلس النواب لا يَنتخِب الوزارة، ولا تنال هذه سلطاتها من الجهة الحقوقية إلا من رئيس الدولة، ومجلس النواب وإن كان له أن يدلَّ رئيس الدولة دلالةً مضمرة على الرجل الذي يتقلَّد الوزارة لا يكون قد عيَّنها حسب الشكل القانوني، بل حسب طريقة الانتخاب الطبيعي؛ لأنَّ الأحزاب عندما تكون منظَّمة في مجلس النواب ويكون بيد أحدها أكثرية ثابتة، لا يستطيع رئيس الدولة أن يؤلِّف وزارةً يُمكنها أن تعيش إلا إذا دُعِيَ للوزارة زعماء تلك الأكثرية، ولكن الأكثرية وقتما تكون غير ثابتة أو تكون عاطلةً ممَّن يُديرها يصبح رئيس الدولة حرًّا في اختيارها.

  • ثانيًا: لما كانت الوزارة تسير كهيئة واحدة وتقرِّر أعمال الحكومة في مجلسها وجب أن تكون مُتجانسةً، ولكي يَسهُل تأليف وزارة متجانسة لا يختار رئيس الدولة أعضاءها جميعهم بنفسه، بل هو يعيِّن لرآستها رئيس الأكثرية أو الرجل الذي تُقبل عليه هذه الأكثرية ويُترك له أمر اختيار زملائه، ولا يَنحصِر عمل رئيس الوزارة في اختيار زملائه، بل هو يرأس الوزراء في أثناء مذاكراتهم حينما لا يَحضُرها رئيس الدولة، وهو الذي يرتِّب أعمالهم ويتكلَّم باسمهم أمام البرلمان.
  • ثالثًا: إن الوزراء متكافلون في مسئوليتهم عن سياسة الحكومة العامة أمام مجلسي البرلمان، فما دامت الوزارة هي التي تعيِّن انتحاء تلك السياسة وتضع قرارات في شأنها، وجب أن تكون مسئولة عنها جميعها، وقد تكون المسئولية مسئوليةَ وزير وحده عندما يتعلَّق الأمر بأحد فروع الوزارة فقط، ويكون وزير ذلك الفرع هو الذي قرَّره أو اقترح على رئيس الدولة تقريره ثم وقَّعه معه.

والمسئولية المبحوث عنها هنا هي المسئولية السياسية، وهي تَختلِف عن المسئولية الجزائية التي تكلَّمنا عنها سابقًا، والمؤيد الوحيد لها هو فقدان السلطة، فمتى اقترعت أكثرية مجلس النواب على الوزارة وجب استعفاؤها جميعها، ومتى اقترعت على وزير في أمر يخصُّ فرعه الوزاري وجب عليه أن يَستعفي وحده، وأكثرية المجلس بنزعها ثقتها من الوزارة تكون قد عزلتها بالواسطة؛ لأنه لا شكل قانوني لهذا العزل، بل هو إشارة إلى الوزراء وإلى رئيس الدولة وإن كانت هذه الإشارة بالحقيقة كناية عن أمر.

تبيَّن مما تقدَّم أن الحكومة البرلمانية لا تقول بفصل السلطة التنفيذية عن السلطة الاشتراعية فصلًا بارزًا، كما أنها لا تَخلط إحداهما بالأخرى كما زعم المستر باجوت، وإنما تقول بتدخُّلهما تدخُّلًا متقابلًا؛ فالوزراء — من بعض الوجوه — ممثِّلو الهيئة الاشتراعية في ممارَسة السلطة التنفيذية، ولكنهم قبل كل شيء موظَّفو رئيس الدولة، ونائبون عنه أمام تلك الهيئة.

وما هو الشأن الذي يَبقى لصاحب السلطة التنفيذية في الحكومة البرلمانية؟ يبقى له شأن عظيم كثير الفائدة، لا شأن رسمي وهمي كالذي رآه المستر باجوت، ويمكن أن يكون لرئيس أسرة مالكة قديمة، وهو يتجلَّى — على الخصوص — في رئيس الجمهورية الذي هو وليد الانتخاب، ويرأس أهم اجتماعات الوزراء، ففي كل حال تُباشَر السلطة التنفيذية باسم رئيس الدولة، ويُقتضى أن يوقِّع كل عمل من أعمالها، وإذا رأى أن الوزارة أتوه بقرار غير سياسي أو خطر لا يُوقِّعه من غير أن يُقاومه ويبدي ملاحظاته عليه، ومما لا ريب فيه أنه لا يرفضه رفضًا باتًّا؛ لاحتمال تأدية ذلك إلى استعفاء الوزراء المُستنِدة في سياستها إلى أكثرية البرلمان، وإنما يمكنه أن يناقش وزراءه طمعًا في تغيير رأيهم فيه، وهو وإن لم يستطع — لعدم مسئوليته — أن يفرض إرادته يَقدر على تأخير بعض الأمور وتحويلها عن سيرها، وتبدو أهميته في الأزمات الوزارية التي لا يتقدَّمها انتظام في حال الأحزاب، فهو يقدر إذ ذاك على وصْل حبل الحكومة الذي انقطَعَ مؤقتًا.

ومن أوصاف الحكومة البرلمانية أن يتمتَّع صاحب السلطة التنفيذية بامتياز مُهمٍّ يتمكَّن به من مقاومة أكثرية مجلس النواب التي تودُّ أن تفرض عليه وزارةً معيَّنةً، ومِن ثمَّ سياسة محدَّدة، وهذا الامتياز هو حقُّ حلِّ مجلس النواب قبل انقضاء مدته، ودعوة الناخبين إلى انتخابٍ جديد، وقد يكون حق الحل في الحكومات غير البرلمانية أيضًا؛ فقد نصت عليه دساتير فرنسا التي لم تقل بالحكومة البرلمانية ودستور الإمبراطورية الألمانية قبل سنة ١٩١٩، وإنما يتَّصف فيها بأنه سلاح هجوم بيد رئيس الدولة ضد الهيئة الاشتراعية التي يسودُها ويودُّ أن يعيدها إلى حظيرة الخضوع، وفي الحكومة البرلمانية يكون حقُّ الحلِّ مشروعًا ضروريًّا ضامنًا لمبدأ توزيع السلطات، ولولاه لأمكن مجلس النواب الذي عادَ لا يَدعمه الرأي العام أن يُلزِم البلاد حكومةً ويبطل استقلال السلطة التنفيذية، وفيما عدا الأمور التي نصَّ عليها الدستور نصًّا صريحًا يجب على رئيس الدولة عندما يتذرَّع بحق الفسخ أن يَستنِد إلى وزارة تأخذ على نفسها أمر مسئوليته، واليوم يعدُّون في إنكلترة حق الحلِّ آخرَ وسيلة تلجأ إليها الوزارة التي لا تَدعمُها أكثرية مجلس النواب لتبقى قابضة على زمام الحكم، ومهما تكن نتيجة الانتخابات الجديدة لا يمكن تلك الوزارة أن تذهب إلى حلِّ المَجلِس حلًّا آخر.

ولا تنال يد التنظيم القانوني كثيرًا من أمور الحكومة البرلمانية المعقدة، والعادات والتقاليد والعقود المقبولة قبولًا عامًّا مُضمرًا هي التي تؤيد هذه الأمور، وهذا ما هو واقع في إنكلترة التي صار كثير من مبادئها المهمَّة من الحقوق العامة لقيامِه على سوابق مكرَّرة، فلا نصَّ في القوانين الإنكليزية على وجود الوزارة، وليس للوزارة في إنكلترة صفة قانونية غير ما يكتسبونه من اليمين كأعضاء في المجلس الخاص، وفي فرنسا — إذا استثنَينا بعض قواعد جوهرية نص عليها دستور ٢٥ فبراير سنة ١٨٧٥ — نرى كثيرًا من مبادئ الحكومة البرلمانية غير معيَّن تعيينًا قانونيًّا وعاطلًا من المؤيدات الصريحة، ومنها كيف يُكْرَه الوزراء الذين أسقطهم مَجلِس النواب على الاستعفاء؟ وكيف يُمنَعون من البقاء في وظائفهم إذا لم يَعزلهم رئيس السلطة التنفيذية؟ ثم كيف يُلْزَم هذا الرئيس أن يَختارهم من الحزب القابض على أكثرية البرلمان؟ والبرلمان لكي يجعل الوزراء ورئيس السلطة التنفيذية يحترمون قواعد الحكومة البرلمانية يتمتَّع بمؤيدات غير مباشرة قوية، نذكر منها رفضَه الموافَقة على الميزانية السنوية، ونذكر عدم موافقة البرلمان الإنكليزي السنوية على إبقاء جيش دائم.

تلك مبادئ الحكومة البرلمانية، فلنبحَث الآن في كيفية ارتقائها في إنكلترة.

•••

الحكومة البرلمانية في إنكلترة كنظام المجلسَين وليدة التاريخ لا التأمُّل العقلي، وإليك تفصيل ذلك:

ظلَّ ملوك إنكلترة يعتمدون على الوزراء والمجلس الخاص قرونًا كثيرة، وفي عهد أسرة تيودور وأسرة ستوارت كان هذا المجلس يقوم كالمحاكم النظامية بوظائف قضائية مهمة، ولم تُلْغَ لجنته القضائية إلا في سنة ١٦٤١، وقد بقيَ مدةً طويلة مجلس شورى للمذاكرة في شئون الملك المهمة، وبلغ أوج مجده في القرن الرابع عشر والقرن الخامس عشر والقرن السادس عشر.

وفي أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر كان في الغالب ينفصل عن بقية المجلس المذكور لجنة مؤلَّفة من الوزراء وبعض أعضائه؛ للبحث في الأمور الصعبة المهمة التي كان الملك يعرضها عليها، ولكن الأمر لم يلبث أن أصبح عادةً ثابتة وطرزًا للحكومة في عهد أسرة ستوارت، ولم تكن لتلك اللجنة — وإن شئت فقُل لمجلس الوزراء — صفة قانونية، وكثيرًا ما كانت تُعَدُّ بها كهيئة مخالفة للحقوق الإنكليزية العامة، وقد رُجِعَ إليها بعد إعادة الملكية لا لأنها تلائم أفكار الملك ومناحيه فقط، بل لأنَّ احتياجات الحكومة كانت توجبها أيضًا. ومما لا شك فيه أن المذاكرة في شئون المجلس الخاص — حسب الطريقة السابقة — أصبحت مُتعذِّرة بعد أن تعقَّد تركيب الحكومة وصار من الصواب أن يفوَّضَ أمرُها إلى عدد قليل من الرجال المحنَّكين، وكلما صعب على المَجلس الخاص أن يقوم بأعباء الحكم — نظرًا لكثرة أعضائه — كانت أهميته تنتقل بالتدريج إلى الوزارة والبرلمان، وما أتى به في عهد شارل الثاني من المجهودات للتوفيق بين المجلس الخاص والحالة الجديدة ذهب أدراج الرياح.

ومن تلك الوزارة التي تمَّ أمرها في النصف الأول من القرن السابع عشر نشأت الوزارة الحديثة، وهذه تُناقض تلك مناقضةً تامَّةً؛ لأنَّ الوزارة كانت وزارة الملك نفسه، وهي لكي تكون ذات صبغة أخرى مستقلة عن التاج ومتجانسة في تركيبها كان يجب أن تُعيَّن من قِبَلِ البرلمان تعيينًا مُضمَرًا.

وقع ذلك بعد ثورة سنة ١٦٨٨ بالتدريج، وقد نشأ عن ضرورةٍ عانتْها سلطة الملك، فما ناله البرلمان من فوز تامٍّ، وما صار له من حق ثابت في مراقَبة وظائف الملك، بفضل اقتراعه السنوي للجيش والضرائب، جعَلا حكم التاج للبلاد أمرًا مُستحيلًا من غير أن يكون وأكثرية البرلمان على اتفاق تام، وأحسن وسيلة كانت لدوام هذا الاتفاق هو أن يختار الملك أعضاء الوزارة من الحزب القابض على الأكثرية في البرلمان، أو مِن الذين يمكن أن يؤثروا في تلك الأكثرية على الأقل، ولكن التاج كان — حتى أواخر القرن الثامن عشر — يتذرَّع بتلك الوسيلة كتدبيرٍ سياسيٍّ لا كمبدأ حقوقيٍّ لا بد له من احترامه، وفي القسم الأكبر من هذا القرن عاد الوزراء غير متجانِسين؛ فقد حدث فيه أمر غريب قائل بأن تحتوي الوزارة على عنصرين مختلفين؛ الأعضاء الموظَّفين الذين فُوِّضت إليهم إدارة المصالح والنظر في الأمور السرية، والأعضاء الفخريِّين الذين أُكْرِهوا على التخلي عن الحكم وظلوا يتبوءون مقاعد في مجلس الوزراء بجانب خصومهم السياسيين القابضين على زمام السلطة، وقد حقَّق المستر أنسن2 أنَّ اشتراك هؤلاء في مجلس الوزراء لم ينقطع إلا منذ سنة ١٧٨٢، وإدارة حسب هذه الشروط كثيرة الصعوبة، وبها تكون الوزارة خاضعةً للتاج.

على أنَّ الوزارة لم تلبث أن تحرَّرت من بعض الوجوه، وأول ما وقَع أنَّ عادة مُذاكَرة الوزراء برآسة الملك التي كانت جاريةً في عهد وليم الثالث وأسلافه زالت في عهد جورج الأول؛ فقد كان هذا الألماني لا يحسن الإنكليزية، ولما كان يلاقي صعوبةً في تفهُّم مذاكرات الوزراء ويعجز لهذا السبب عن إدارة جلساتهم كَفَّ عن حضورها، وبذلك قامت عادة قائلة بأن تتمَّ مُذاكرات الوزراء في غياب الملك، وصار الوزراء يَعرضون على الملك نتيجة مذاكراتهم بواسطة أفضلهم أو بواسطة الوزير الذي تختص اللائحة بفرعه الوزاري، وقد مضى زمن طويل قبل أن يكون للوزراء رئيس أول يؤلِّف الوزارة ويقودها.

كان «رئيس الوزارة» يُعيَّن غير مرة في الدور الملكي الذي ساد إنكلترة قبل ثورة سنة ١٦٨٨، إلا أنه كان يدور على الألسنة أن مثل ذلك الموظف مما لا يَستصوبه القانون الإنكليزي. نعم، كان بعد تلك الثورة يُرَى من وقت إلى آخر رجل نافذ في الوزارة؛ لما له من الدالَّة على الملك، ولكنه لم يَمتز من زملائه بشأن دستوري خاصٍّ، تلك حال روبرت والبول3 الذي لم تُقْبِل عليه أكثرية مجلس النواب إلا لما كانت تناله منه من النعم والمقامات الحكومية، ولم يتمَّ استنباط وظيفة رئيس الوزارة إلا في أواخر القرن الثامن عشر، وقد عرَّفها بيت4 عندما قبض على زمام الوزارة في سنة ١٨٠٣ تعريفًا واضحًا، ورآسة الوزارة من أجزاء الحكومة البرلمانية المهمة في إنكلترة، فمتى يتمُّ الفوز لأحد الأحزاب في مجلس النواب يلزم التاج اختيار زعيم هذا الحزب لها، والرئيس المذكور هو الذي يؤلِّف الوزارة ويرأسها، وهو الذي يتصل بالملك في الشئون السياسية ولا يتصل الوزراء الآخرون بالتاج الإنكليزي إلا بواسطته.
وقد تمَّ تكافل الوزراء في مسئوليتهم أمام البرلمان بعد تحوُّل طويل، لا جَرَمَ أننا نُصادف في القرن الثامن عشر أمثلةً قليلة على استعفاء الوزراء عندما يعلن مجلس النواب عدم ثقته بهم، ولكن المبدأ الحقوقي كان يذهب إلى أن ذلك المجلس لا يستطيع أن يحمل الملك رأسًا على اختيار وزراء آخرين وعزلهم، والوسيلة القانونية الوحيدة التي كان يُمكنه أن يهدِّد الوزراء بها هي نظام الاتهام، ووسيلة مثل هذه شخصية ككل اتهام جنائي؛ فهي تفرض اقتراف الوزير إثمًا كفاعلٍ أصليٍّ أو شريك، ومسئولية الوزير الواحد الجزائية تأبى بطبيعتها أن يكون الوزراء جميعهم متكافلين فيها، وإلا تكون جائرةً، ويمكن استنباط مسئولية الوزير الشخصية من المناقشة التي دارت في سنة ١٨٠٦ عندما رضيَ قاضي القضاة اللورد إلنبورو5 أن يكون له مكانٌ في الوزارة؛ فقد قيل: إنَّ تعيينه في الوزارة يجعله مسئولًا كعضوٍ فيها عن الطرق القانونية التي قد يفوَّض إليه أمر النظر فيها كقاضٍ، وقد رفَض أنصار الحكومة إذ ذاك هذه النظرية القائلة بمسئولية الوزير عن أعمال الوزارة جميعها مقرِّرين أن كل وزير مسئول عن فرعه الوزاري فقط.
وعلى رغم ذلك استنبط المبدأ القائل بمسئولية الوزارة جميعها في غضون القرن الثامن عشر شيئًا فشيئًا، وبعد أن سقطت وزارة اللورد نورث6 في سنة ١٧٩٢ — عند عدم ثقة مجلس النواب بها — أصبحت مسئولية الوزارة سياسية مشتركة وهذا أمرٌ طبيعي، فأخذت الوزارة بعدئذٍ تظهَر ذات وحدة حقيقية وهذا أمر عادل، فعادت المسئولية الوزارية غير جزائية، وهكذا أخذت المسئولية الجزائية تصير سلاحًا كليلًا، وتفسح المَجال لمسئولية مَرِنة سليمة.
ومع ذلك ليس لدينا — حتى سنة ١٨٣٠ — مثال على أن وزارةً تخلَّت عن الحكم لعدم نجاحها في أمر اشتراعي أو ضريبة، حتى إنَّ ماكولي7 كان كوزير يصرِّح في سنة ١٨٤١ في مجلس النواب بأنه ليس على الحكومة أن تتنزَّل عن السلطة لعدم استطاعتها أن تجعله يوافق على إصلاح اشتراعي، ولكن ارتقاء المصالح السياسية واتساع حق الانتخاب جعلا مجلس النواب مرآة الرأي العام، وأوجبا على الوزارات أن تأتي بأمر اشتراعي جديد في نهاية كل دورة برلمانية، فإذا اقترعت أكثرية مجلس النواب عليه دلَّ ذلك على أن البلاد عادت لا ترتاح لها، وإن اقتراع مجلس النواب على أي إصلاح اشتراعي تقترحه الوزارة وإن عنى سقوط هذه الوزارة يستطيع رئيسها الذي فقد الأكثرية أن يتذرَّع بحق حلِّ مجلس النواب الذي يمارسه التاج حسب إشارة الوزارة، وإذ ذاك تُعْرَض مسألة بقاء الوزارة على الناخبين الذين يكون بيدهم وقتئذٍ تقرير دوامها أو قيام الحزب المعارض مقامها، وقد تبدَّلت الوزارة في إنكلترة منذ سنة ١٨٦٧ حتى سنة ١٨٩٢ ست مرات، وفي أربع من هذه المرات استعفى الوزراء، لا لأنَّ مجلس النواب اقترع عليهم، بل لأن الانتخابات العامة أفتت ضدَّهم، وهكذا ترى السلطة القائلة ببقاء الوزارة أو سقوطها انتقلت من التاج إلى مجلس النواب، ومن هذا إلى الشعب.

نَستنتِج مما تقدَّم أن مصير الوزارات منوط بنتيجة الانتخابات العامة، والوزارة التي لا تكون الانتخابات بجانبها لا تَنتظر في الغالب من مجلس النواب الجديد تأنيبًا آخر، بل تترك زمام الحكم عندما تقف على النتيجة، ونَستنتِج أيضًا أن الانتخابات العامة تدور حول مسألة أو مسألتين تبدو بنفسها للناخبين، ونظام مثل هذا يقضي بالعجب لبُعدِه من ضيق نظام الاستفتاء العام وجعله الشعب قاضيًا في المسائل الوطنية الكبرى.

وتفرض الحكومة البرلمانية أن يكون أعضاء الوزارة ذوي صفتَين؛ صفة الوزير وصفة عضو البرلمان، ولم يُجادل في وقت في مُطابَقة هاتين الصفتين أو عدمها عندما يكون اللورد وزيرًا؛ فاللورد بقبوله منصبًا عامًّا لا يخسر لورديته التي هي حق شخصيٌّ إرثي، والأمر يختلف عندما يكون أعضاء مجلس النواب موضع البحث، وإليك إيضاح ذلك: ظلَّ مجلس النواب قبل ثورة سنة ١٦٨٨ زمنًا طويلًا لا يخشى حضور موظَّفي الملك جلساته، ولم تبدُ صعوبة في انتخاب هؤلاء حتى أعضاء المَجلس الخاص لمجلس النواب، وعندما كان النائب في أثناء الدورة البرلمانية يُعيَّن لمنصب في الحكومة كان يحافظ على كرسيه في مجلس النواب إذا استثنَينا بعض الشواذ، وقد بقيَ الأمر كذلك حتى أواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر؛ حيث مُقِتَ هذا النظام، ومن محاذيره التي أُبديت أن مجلس النواب باحتوائه على عدد من الموظَّفين الذين ينالون مرتباتهم من التاج يكون استقلاله في خطر، وقد صَعُبت معالجة ذلك اشتراعيًّا حتى سنة ١٧٠٠ حين جاء في النظام الذي دُعِيت فيه الأميرة صوفية الهانوفرية مؤقتًا إلى التاج أنه لا يحقُّ لأيِّ شخص ينال من الملك وظيفة أو مرتبًا أو أية فائدة أخرى أن يكون عضوًا في مجلس النواب، ولم يطبَّق ذلك إلا عند صعود أسرة هانوفر إلى العرش البريطاني في سنة ١٧١٤، حتى في هذا التاريخ شعر بغلوِّ ذلك التدبير المؤدي إلى إخراج كل نائب يختاره الملك كوزير من مجلس النواب، فتقرَّر في سنة ١٧٠٧ أن يعدَّل المبدأ المذكور على شكلٍ يَخسر به كل نائب نيابته إذا نال من الملك منصبًا ذا راتب على أن يحقَّ له أن يُجدَّد انتخابه، إذ لم يكن المنصب المذكور من المناصب التي لا تُناقض النيابة، ومنها مناصب الوزراء. وبذا توطَّد المبدأ الذي اتخذه بعض الدساتير في الوقت الحاضر، والذي يقول بأنَّ النائب بعد أن يصير من الوزارة لا يَبقى من مجلس النواب، ويُصبِح كرسيُّه خاليًا، على أن يحقَّ له أن يُنتخب ثانيةً للنيابة، وليس هذا المبدأ على جانب كبير من الصواب؛ لأنَّ انتساب النائب إلى الوزارة في الحكومة البرلمانية لم يكن أمرًا يفسده به صاحب السلطة التنفيذية، وإنما يُصبح الوزير الجديد بهذا الانتساب عرضة لنفقات معركة انتخابية جديدة ومتاعبها، غير أنَّ وطأة هذا المحذور خفَّت بنظام الانتخاب المُتَّبع في إنكلترة وبأخلاق تلك البلاد السياسية، وقد اقتُرِحَ إبطال ذلك المبدأ غير مرة فتناقَش البرلمان فيه. وفي سنة ١٨٦٧ تقرَّر أنَّ أعضاء مجلس النواب الذين يدخلون في الوزارة ثم يَعرضون أنفسهم على الناخبين فيُجدَّد انتخابهم يحافظون على مقاعدهم النيابية وإن غيَّروا بعدئذٍ منصبهم في الحكومة التي دخلوا فيها. وفي أثناء الحرب العامة — أي في ٤ يونيو سنة ١٩١٥ — اقتضت الضرورة القائلة بوقف الانتخابات في أيام الحرب سنَّ قانون قائل بإعفاء أعضاء مجلس النواب الذين يُدْعَون إلى الوزارة من تجديد انتخابهم.

تمتاز الوزارة الإنكليزية — التي بيَّنت نموَّها التدريجي من الوزارات التي تتألَّف في مختلف البلدان الأوربية — بالصفتين الآتيتين؛ وهما:
  • أولًا: إنها لا تحتوي — بحكم الضرورة — على عدد معيَّن من الوزراء قبلًا، وإنَّ الذين يقومون في إنكلترة بوظائف الوزير يَحملون ألقابًا مختلفة، وتكون أعمالهم كثيرةَ التبايُن في الغالب، ولم يعيِّن القانون ولا العادة مَنِ الذين يشتركون من هؤلاء في مجلس الوزراء؛ قال تود والبول:8 «يتألَّف مجلس الوزراء من أسنى أجزاء الإدارة ولكن عدد أعضائه متغير غير معيَّن، ورئيس الوزارة — وهو المفوَّض إليه تأليفه — هو الذي يحدِّد بعد موافقة الملك عدد الوزراء فيه.» وقد كان مجلس وزراء اللورد سالسبري كثير العدد قبل حلِّ مجلس النواب في شهر سبتمبر سنة ١٩٠٠، فزاد هذا العدد عند إعادة النظر في تأليفه بعد الانتخابات الجديدة، وإليك ما جاء في جريدة الاستندارد في ١٤ نوفمبر سنة ١٩٠٠: «سوف لا يكون عدد وزرائه أقل من عشرين، ولا تسهل إدارة عدد كبير كهذا، وكنا نظن أن اللورد سالسبري سيحاول تقليله، غير أن الأحوال وزيادة الحاجات الجديدة زيادة مطردة حالت دون ذلك.» ولما أضيف إلى دوائر الدولة الكبرى دوائر أخرى ووُسِّعَت أعمالها جُعِلَ على رأس كل واحدة منها رئيسٌ ممثِّل لها مسئول عنها، وهكذا اتسعت لجنة الوزراء الصغيرة، فوصلت إلى حالتها الحاضرة، ولكنه ظهر إزاء هذا الاتساع ميل قائل بأن تبحث هيئة وزارية صغيرة في المسائل التي تمسُّ حياة الأمة؛ فأدى ذلك إلى حدوث لجنة إدارية في مجلس الوزراء حائزةً على ثقة هؤلاء.
  • ثانيًا: ليس للوزراء أن يَدخلوا مجلسي البرلمان كوزراء ويتكلَّموا فيهما، وإنما يُمكنهم أن يأخذوا مقاعدهم في المجلس الذي ينتسبون إليه كأعضاء فيه.

ويُسمِّي الإنكليز الحكومة البرلمانية بالحكومة الحزبية، وأصل هذه التسمية هو أنَّ وجود تلك الحكومة يَفرض وجود حزبَين كبيرين في الأمة — ومِن ثمَّ في البرلمان — يَقبض كلٌّ منهما على السلطة عندما يفوز في الانتخابات، ولكنَّه يجب أن لا يُظَنَّ أن الحكومة البرلمانية سارت على هذا الوجه منذ البداءة. نعم، تألَّف الحزبان قديمًا؛ أحدهما محافظ مُستعدٌّ للدفاع عن امتيازات التاج القديمة. والثاني قائل بالتقدُّم ساعٍ إلى توطيد دعائم الحرية العامة (وقد حدث ذلك منذ سنة ١٦٧٩، فبرز حزب المحافظين وحزب الأحرار) إلا أنَّ حزب المحافظين حُرِمَ السلطة بعد ثورة سنة ١٦٨٨ مدةً طويلة لاعتبار أعضائه من أشياع الأسرة الساقطة، واستمرَّت هذه الحال حتى سنة ١٧٨٦ حين قهر المحافظون حزب الأحرار في الانتخابات التي تمَّت فيها وتسلَّموا السلطة، ومنذ هذا التاريخ قامت الحكومة الحزبية في إنكلترة وداوَمتْ على سيرها حتى اليوم.

•••

أوجب نشوء الحكومة البرلمانية في إنكلترة أمرَين مُهمَّين؛ الأول تفوُّق مجلس النواب وضعف مجلس اللوردات بالتدريج. والثاني زوال بعض امتيازات التاج، وهاك إيضاح ذلك:

كان تطبيق مبدأ الحكومة البرلمانية — أي اختيار الوزراء من الحزب السائد للبرلمان — يؤدِّي — في البداءة — إلى تفوُّق مجلس اللوردات تفوُّقًا سياسيًّا، فمِن هذا المجلس كان يُعيَّن الوزراء وهو الذي كان يدير الحكومة بالحقيقة. نعم، نال مجلس النواب منذ أواخر القرن السابع عشر امتيازاته الجوهرية، ولا سيما ما يتعلَّق فيها بفرض الضرائب، وصار لا بدَّ لمجلس الوزراء من أن يختار منه للوزارة عضوًا أو أكثر قادرًا على قيادته والمُحافَظة على أكثريته، ولكنَّ مجلس اللوردات هو الذي كان — في الغالب — يسيطر عليه، وعلَّة ذلك أن اللوردات — وهم من أرباب الأملاك الواسعة وأصحاب النفوذ الكبير في المدن والمقاطعات — كانوا يَقدرون على جعل الناخبين في كثير من الأحوال يُصوِّتون لمرشحيهم، ثم إنَّ أكثرية مجلس النواب كانت تتبع الوزارة للعطايا والنِّعَم التي كانت تنالها منها. أَضِف إلى ذلك أنَّ الحكومة كان يسهل عليها أن تؤثر في كثير من المقاطَعات التي حافظت على حقها القديم في انتخاب نوَّاب عنها وإن قلَّ عدد سكانها وأصبح الناخبون فيها لا يجاوزون عدد الأصابع، ومما كان يُسهِّل وقوع هذه المساوئ كون الصحافة إذ ذاك في حالة الطفولة وعدم اهتمام الرأي العام بمذاكرات البرلمان.

ولكن كل شيء تبدَّل مع الزمن؛ فقد وُسِّعت دائرة النظام الانتخابي وعُدِّلت بالإصلاح الكبير الذي تمَّ في سنة ١٨٣٢، وصارت الصحف السيَّارة الرخيصة تنير أذهان الرأي العام وتجعله يدقِّق في مذاكرات البرلمان، وفي بيئة مثل هذه أصبح مجلس النواب المنتخَب انتخابًا حرًّا مستقلًّا يتمتَّع بالحقوق التي نالها منذ زمن طويل وكان يمارسها تحت وصاية مجلس اللوردات المستورة وضغط الحكومة ورشوها، وبذا تغيَّرت الموازنة في البرلمان الإنكليزي فأصبحت كلمة مجلس النواب الذي احتكر كل نفوذ في الحكومة البرلمانية هي العليا، ويتجلَّى هذا في المثل الدستوري القائل بأنَّ الوزارة لا تسقط إلا إذا اقترع عليها مجلس النواب لا مجلس اللوردات، ومع أنَّ إنكلترة لم تقُلْ بمبدأ سيادة الشعب قولًا قانونيًّا تسرَّب هذا المبدأ في دستورها بالتدريج، وأصبح روحه وعلة ارتقائه، وقد تمَّ له الفوز في إصلاح ٤ فبراير سنة ١٩١٨ الانتخابي الذي جعل الدوائر الانتخابية بحسب عدد السكان، وقرَّر أن يَصير ناخبًا كلُّ رجل بلغ الحادية والعشرين من عمره وكل امرأة بلغت الثلاثين من عمرها.

فَقَدَ مجلس اللوردات حق اقتراح القوانين المالية وتعديلها منذ وقت طويل، وهذا الامتياز الذي انتقل مع الزمن إلى مجلس النواب ساعَد على رجحان كفَّة هذا المجلس، وقد نشأ عن مبدأ خاص بالحقوق الإنكليزية العامة، تمَّ في قرارات اتُّخِذَت في القرن السادس عشر والقرن السابع عشر، وجاء فيها أن حق الموافَقة على ضرائب التاج وفرض الإتاوات على الشعب عائد إلى مجلس النواب، وإذا استمرَّ مجلس اللوردات على الاشتراك في هذا الأمر فلأنه يبرز في شكل قانون، ولأنَّ من الضروري أن يوافق المجلسان على سنِّ كل قانون، وقد استُنبط من المبدأ المذكور نتيجتان؛ الأولى هي أنه يجب أن يصدر كل قانون ماليٍّ عن مجلس النواب. والثانية هي أنَّ مجلس اللوردات لا يستطيع أن يعدِّل ذلك القانون، بل يقدر على قبوله أو رفضه كما هو، وبذا لا يضع اللوردات الضريبة، وإنما يتدخَّلون في شأن الضريبة التي قال بها مجلس النواب لتلبس حُلَّة القانون، وحتى سنة ١٨٦٠ كان اللوردات يظهرون بمظهر المُحافظ على حق الرفض؛ ففي هذه السنة لما أصلح مجلس النواب الضرائب وزاد الضريبة العقارية وضريبة الطوابع، وألغى ضريبة الورق، ووافق اللوردات على مشروع الضريبة العقارية ومشروع ضريبة الطوابع، ورفض مشروع إلغاء ضريبة الورق، أجاب مجلس النواب عن هذا الرفض بقرارات قائلة باستطاعة مجلس النواب في كل وقت أن يَمزج المشاريع المالية مزجًا يُصبح به حقُّ اللوردات في رفضها أمرًا وهميًّا.

ولا شكَّ في أن المبدأ القائل بأن مصير مجلس الوزراء منوط بمجلس النواب وحده كنايةً عن عهد قام على التقاليد التي ثبَت أمرها بفعل السوابق المكرَّرة، وقد ظهرت في أكثر من نصف قرن وزارات استطاعت أن تعيش على رغم عدم ثقة مجلس اللوردات بها، وأن تتبع سياسة لم يَستصوِبها هذا المجلس، وحتى إنَّ اللورد سالسبري أذعن لهذا المبدأ الدستوري في أوائل التصادُم الذي وقع من أجل الحكم الذاتي الأيرلندي، فاسمع ماذا جاء في خطبته التي ألقاها في سنة ١٨٩٢ في مجلس اللوردات: «إن من مقتضيات الدستور الإنكليزي أن يكون تعيين الوزارة منوطًا بمجلس النواب، ولكنه بعد أن يتمَّ اختيار رجالها لا يبقى هذا المجلس صاحب الحق المُطلَق في شئونها، بل يتساوى المجلسان فيها إذا استثنَينا المسائل المالية.»

والذي حافظ عليه اللوردات هو اشتراكهم التام في السلطة الاشتراعية ما عدا القوانين المالية، فلهم حقُّ الاقتراح وحقُّ رفض اللوائح التي يرسلها إليهم مجلس النواب والحكومة وتعديلها، على أنَّ مُقاوَمة مجلس اللوردات للوائح النواب لا تَدوم على الإطلاق، والسبب في ذلك هو أنَّ اللوردات — إذ يسيرون كمُمثِّلي الأمة من غير أن تَنتخِبَهم — يجب عليهم أن يُذعنوا لإرادة الأمة التي تتجلَّى في انتخابات مجلس النواب. أجل، يجب عليهم أن يُذعنوا ولكن متى وعلى أي شرط لم يُحدَّد ذلك تمامًا ويصعب تحديده؟

وعند أشد علماء إنكلترة انتصارًا لحقوق مجلس اللوردات يمكن استئناف اللائحة التي رفضها هذا المجلس لدى ناخبي مجلس النواب، وعلى مجلس اللوردات أن يَنثني عن عزمه عندما لا تكون نتيجة الانتخابات النيابية في جانبه، ولا يخلو ذلك من اعتراضٍ عليه، لا لأن نظام المجلسَين في إنكلترة يظهر به غير صائب، بل لأن مجلس اللوردات في الوقت الحاضر بيد حزب المحافظين، ولا يقف سوى الإصلاحات التي يقترحها حزب الأحرار وقتما يقبض على ناصية الحكم.

ولكي يتمَّ إكراه مجلس اللوردات على أمر يتمتَّع التاج بوسيلة هي بِيَدِ الوزارة بالحقيقة، ومن ثمَّ بِيَدِ أكثرية مجلس النواب، وهذه الوسيلة هي قُدرة التاج على تعيين عدد غير مَحدود من اللوردات، فالتاج يَستطيع أن يعيِّن بها عددًا كافيًا من اللوردات القائلين برأي الأقلية في مجلس اللوردات، وبرأي الأكثرية في مجلس النواب، حتى تُصبح تلك الأقلية أكثريةً، ويتَّفق المجلسان والحكومة، ولم يتذرَّع التاج بها غير مرتين؛ الأولى كانت في سنة ١٧١٢؛ لإبطال معارَضة مجلس اللوردات في معاهدة أوترخت، فلما اشتدَّت معارضة الأحرار إذ ذاك — وقد كانت أكثرية اللوردات بِيَدِهم — عيَّن الملك اثني عشر لوردًا من المحافظين ففَقدوا أكثريتهم. والمرة الثانية كانت في ١٧ مايو سنة ١٨٣٢ حين فوَّض وليم الرابع إلى الوزير اللورد غراي أن يختار عددًا كافيًا من اللوردات؛ ليتمَّ سنُّ قانون الإصلاح، ولكن مجلس اللوردات في هذه المرة حال دون ذلك بأن خضَع واقترع للقانون المذكور.

وعلى رغم تحديد سلطة مجلس اللوردات في أمر الاشتراع تراه اليوم عرضةً للهجوم بشدة؛ وسبب ذلك أنه يُنْظَر إليه كهيئة أريستوقراطية تمارس السلطة الاشتراعية في بلادٍ كإنكلترة ترى نفسها كثيرة الديموقراطية، وقد عانى في السنوات الأخيرة هجمتَين هائلتين:

فالهجمة الأولى وقعت في سنة ١٨٩٣ على أثر رفض مجلس اللوردات مشروع الحكم الذاتي الأيرلندي الذي اقترع له مجلس النواب عندما عرضه المستر غلادستون عليه، فقد أحدَثَ حزبُ الأحرار آنئذٍ هياجًا عظيمًا ضد مجلس اللوردات، ووجَّه إليه من قوارص الكلام ما لا محلَّ لذكره هنا، ولكنَّ الانتخابات العامة التي دارت في سنة ١٨٩٥ حول مسألة الحكم الذاتي الأيرلندي اتجهت ضد هذا الحكم، وأوجبت تسلُّم حزب المحافظين زمام الحكم، وهكذا هدأت الزوبعة التي ثارت ضد اللوردات.

والهجمة الثانية — وهي أشد من الأولى — وقعت في سنة ١٩٠٦ على أثر فوز حزب الأحرار (الذين قبضوا على السلطة في وزارة السر كمبل بنرمان9 التي خلَفتْ وزارة المستر بلفور) في الانتخابات العامة، فلما اقترع مجلسُ النواب للمشاريع التي دارت حولها الانتخابات، ومنها: مشروع الانتخاب الضَّمِّي، ومشروع التعليم — الذي يرمي إلى إصلاح قانون التعليم — الذي سُنَّ في سنة ١٩٠٢ بأن تزيد سيطرة الحكومة على المدارس الابتدائية. عرضَت الحكومة هذين المشروعين على مجلس اللوردات، فرفَض هذا المجلس مشروع الانتخاب الضمِّي، وعدَّل مشروع التعليم تعديلًا ذهب بجوهره، وحينئذٍ قامت ضد مجلس اللوردات ضجَّة عظيمة أوجبتْها الحكومة من بعض الوجوه.

حقًّا، إن مساوئ ذلك المجلس كثيرة، لا لأنه قائم على مبدأ الوراثة الذي لا يلائم الروح الديموقراطية، ولا لأنَّ الذين يشتركون فيه لا يستحقون أن يكونوا منه، ولا لأنَّ عدده زاد مع الوقت فأصبح ست مائة، بل لأنه صار مجلسًا محافظًا شديد التمسُّك بمحافظته، ولم تكن صفة المحافظة فيه كالتي تلازم مجالس الشيوخ عادةً، وإنما نشأت عن كون حزب المُحافظين الذي قبض — في القرن التاسع عشر — على السلطة مرات كثيرة اختار له أعضاء منه طول القرن المذكور، حتى أصبح الأحرار فيه أقليةً ضعيفةً، وقد نتج عن ذلك أنَّ مجلس اللوردات يَقترع للوائح التي تَعرضها الحكومة المحافظة عليه من غير مقاومة ولا بطء ولا تعديل، وأنه يَرفض اللوائح التي تَعرضها عليه حكومة الأحرار، أو يبترها عندما تكون ملائمةً لمناحي الأحرار، وهكذا زاغ النظام البرلماني عن مناحيه، وصار الارتباط بين المجلسين يغيب حين يقبض الأحرار على أعنَّة السلطة، حتى إنَّ لجنة إصلاح مجلس اللوردات اعترفت في تقريرها المؤرَّخ في ٢ ديسمبر سنة ١٩٠٨ بهذه المساءة؛ إذ جاء فيه: «إنَّ الانتقادات التي صُوِّبت في السنين الأخيرة نحو مجلس اللوردات تدور حول تقسيمه بين الأحزاب السياسية تقسيمًا مُتفاوتًا أكثر مما حول عجزه المزعوم عن القيام بواجباته الاشتراعية، ومن البديهي أن تقع مشادَّةٌ بين المجلسَين عندما تَقبض على السلطة حكومة مُستندةً إلى أكثرية كبيرة في مجلس النواب وأقلية ضعيفة في مجلس اللوردات، واللجنة بهذا لا تقول بأن تكون الأكثرية في مجلس اللوردات مطابِقَة للأكثرية في مجلس النواب، وإنما ترى أن يكون الحزب السائد لمجلس النواب قادرًا على الاعتماد على عصبة قوية في مجلس اللوردات.»

والأزمة التي بدأت في سنة ١٩٠٦ داومت على سيرها حتى انتهت إلى حلٍّ منطقيٍّ في سنة ١٩١١، وقد جاء في خطبة العرش التي أُلْقِيَت في سنة ١٩٠٧: «إنَّ هنالك مسائل مهمة برلمانية ظلت معقَّدة لما بين المجلسَين من مُشادَّة، وقد نظر إليها وزرائي بعين الاعتبار وهم يرغبون في حلها.»

وعلى أثر ذلك رسمت الحكومة خطة فعرضتها على مجلس النواب، وقد جاء فيها: «أنه لكي يُسَار حسب إرادة الشعب التي أعرب النواب عنها يجب أن تُضيق سلطة مجلس اللوردات في تحريف اللوائح ورفضها على وجه تُصبح به الكلمة الأخيرة لمجلس النواب.»

تَناقش مجلس النواب في تلك الخطة في الأيام: ٢٤ و٢٥ و٢٦ من شهر يونيو سنة ١٩٠٧، وقد أوضح رئيس الوزارة السر كمبل بنرمان في أثناء ذلك شكاوى حزب الأحرار من مجلس اللوردات، وبيَّن أن مجلس النواب هو المجلس التمثيلي الوحيد، ويعبِّر وحده عن إرادة الأمة، ثم أشار إلى أن الحكومة ترى أنه بعد أن يَقترع مجلس النواب للائحة، وتُعْرَض هذه اللائحة على مجلس اللوردات، ويُحرفها هذا المجلس أو يَرفضها، تؤلَّف لجنة مشتركةٌ بين المجلسين للبحث فيها، وإذا لم تتَّفق هذه اللجنة في شأنها تُتْرَك ستة أشهر، وعند انتهائها تَعرضها الحكومة على مجلس النواب، ثم على مجلس اللوردات، وفي حالة عدم اقتراع هذا المجلس لها تُرسل إلى لجنة مشتركة أخرى، وعند عدم وصول هذه اللجنة في هذه المرة إلى حلٍّ ما تصبح اللائحة المذكورة قانونًا على رغم مجلس اللوردات، وقد وافق مجلس النواب على تلك الخطة بأكثرية ٤٣٢ صوتًا ضد ١٤٧ صوتًا.

وعلى أثر ذلك عرض اللورد نيوطن على مجلس اللوردات مشروعه، واقترح اللورد كاردر تعيين لجنة إصلاح للبحث في الخطط المتعاقبة التي رُسِمَت لإصلاح مجلس اللوردات، وقد وضعت هذه اللجنة تقريرها في ديسمبر سنة ١٩٠٨.

غير أنَّ التصادم الذي استمرَّ بين مجلس اللوردات ووزارة الأحرار المُستندة إلى مجلس النواب قضى على ذلك التقرير الطريف، وقد رفض مجلس اللوردات من جديد لوائح اقترع لها مجلس النواب؛ لما لها من الأهمية السياسية والاجتماعية في نظر الوزارة، وأهمها: لائحة المُسكرات التي ترمي إلى تقليل عدد الرخص التي تُعْطَى لباعة المسكرات تقليلًا تدريجيًّا، ولائحة مثل هذه مما يُطْرَح عادةً في البلاد المتمدِّنة لمكافحة تعاطي الكحول، ولكنها تُطْرَح في إنكلترة حسب أحوال خاصة؛ أي مع النظر إلى العلاقات الوثيقة بين أرباب مصانع المُسكرات المربوطين هم وباعتها بأنواع العقود، وهذه الصلات القائمة على تبادل المنافع هي التي أثَّرت في اللوردات الذين اتُّهموا إذ ذاك بأنهم راعوا منافعهم الشخصية. ومع ذلك استطاعت الحكومة أن تجعل اللوردات يقترعون للائحة رواتب الشيخوخة، ولما عُرِضَت هذه اللائحة على مجلس اللوردات كانت غير مُندمجة في لائحة الميزانية العامة، وقد حاول هذا المجلس أن يقاومها بجعله مدة تطبيقها ست سنوات فقط، إلا أنه لما كانت المحاولة في لائحة ذات صِفة مالية كتلك اللائحة مما لا يناسب امتياز مجلس النواب لم يُصرَّ مجلسُ اللوردات على ذلك.

وفي سنة ١٩٠٩ كانت لائحة الميزانية أهمَّ شيء لدى الحكومة؛ فقد كانت هائلة بسبب عجزها الذي كان يجب تلافيه، وبسبب النفقات العظيمة التي كان يتطلَّبها الرأي العام لزيادة الأسطول الحربي، ولكي تقوم الحكومة بذلك تذرَّعت بتدابير اجتماعية مُثقلةً لكاهل الطبقات المثرية، وموجَّهة ضد الأريستوقراطية الأرضية؛ أي إنها أدمجت في الميزانية ثلاث ضرائب جديدة؛ وهي: أولًا: زيادة ضريبة المواريث. ثانيًا: زيادة ضريبة رخص باعة المسكرات. ثالثًا: ضريبة ارتفاع قيم الأراضي، وقد عُنِيَ بهذا الارتفاع غلاء ثمن الأراضي المعدَّة للبناء لا الارتفاع الذي نشأ عن العمل. وهذه الضرائب المعقَّدة التي تتطلَّب تسعيرات عامة يصعب إجراؤها أوجبت مُعارَضةَ حزب المُحافِظين لها معارضةً شديدة، حتى إن هذا الحزب وصفها بأنها نوع من المصادرة المستترة، ومما كان يجعلها خطرة في نظر المحافظين هو أنها تُنفق في المستقبل على تحقيق الإصلاحات الاجتماعية في سبيل طبقات العمال.

أدَّت هذه الميزانية إلى حملة سياسية شديدة، وقد ظهر مجلس اللوردات بمظهر المُستعدِّ لمقاومتها جهده سواء في داخله أم في خارجه، حتى إنَّ بعضهم حثَّه على استرداد الحقوق التي كان يظهر أنه أضاعها نهائيًّا كحق تعديل اللوائح المالية، وهو وإن لم يُعدِّل لائحة ميزانية سنة ١٩١٠ رفض — على رغم نصائح للورد روزبري الرشيدة — أن يَقترع لها في شهر نوفمبر سنة ١٩٠٩ مصرِّحًا «بأنه لا يرى ما يُبرِّر موافقته عليها قبل أن تُستفتى البلاد فيها»، وعند ذلك اقترع مجلس النواب لقرارٍ قائلٍ بأن حرمة امتيازاته خُرِقَت، وبَدَتْ علائم حلِّ هذا المجلس للأعين، ولكن حزب الأحرار كان يجادل في قانونية هذا الحَلِّ ذاهبًا إلى أن مجلس اللوردات لا يستطيع أن يحمل التاج عليه؛ وذلك بجعله الحكومة تختار أحد الأمرَين؛ إما أن تخضع لإرادته المخالفة لإرادة مجلس النواب. وإما أن تحلَّ هذا المجلس وتستفتي الأمة، وهذا يعني إنكار تفوُّق مجلس النواب في المسائل المالية.

ومع ذلك حُلَّ مجلس النواب، وتمَّت الانتخابات العامة في شهر يناير وشهر فبراير، وقد عاد حزب الأحرار إليه بأكثرية ١٢٠ صوتًا — أي بأكثرية قوية وإن كانت أقل من التي كانت قبل الانتخابات — وتَشتمل هذه الأكثرية أيضًا على أعضاء الحزب الوطني الأيرلندي، وأعضاء حزب العمال الذين كانوا يسيرون وحزب الأحرار. وأهم المسائل التي دارت الانتخابات حولها مسألة الميزانية التي رفضها مجلس اللوردات، ومسألة حقوق هذا المجلس، وبعد انتهائها بدت المعركة الفاصلة؛ فقد جعلت الحكومة مجلس النواب يتَّخذ في سنة ١٩١٠ قرارات مُقلِّلة لحق مجلس اللوردات في الرفض، وقد ردَّ عليها هذا المجلس باقتراعه لاقتراحات اللورد روزبري الإصلاحية التي بحثْنا فيها سابقًا.

وفي أثناء تلك الأزمة الشديدة — أي في شهر مايو سنة ١٩١٠ — ماتَ الملك إدوارد السابع، فتهادَنَ الفريقان، وقد نشأ عن الرغبة العامة في عدم تعكير صفو الملك الجديد في أوائل عهده، وعن رُوح التسوية السائدة لسياسة إنكلترة الدستورية؛ سعيٌ صادق في حلِّ المشاكل الراهنة حلًّا يتَّفق عليه حزب الأحرار وحزب المُحافظين الكبيران.

أدى ذلك السعي إلى تأليف مؤتمر غير برلماني مؤلَّف من أسكويث ولويد جورج وبيريل واللورد كرو باسم الأحرار، ومن بلفور وشمبرلن واللورد لانسدون واللورد كاودور باسم المُحافِظين، وقد اجتمع هذا المؤتمر أول مرة في ١٧ يونيو سنة ١٩١٠، وبعدها اجتمع عشرين اجتماعًا كان آخرها في ١٠ نوفمبر سنة ١٩١٠، وفي تلك الأثناء كان الشعب الإنكليزي يَنتظر النتيجة انتظار القلق، ولكن بهدوء ورباطة جأش.

تعذَّر كلُّ تأليف بين وجهة فريقَي المؤتمر في ١٠ نوفمبر سنة ١٩١٠، وأُعْلِنَ فشلُه رسميًّا بالعبارة الآتية؛ وهي: «انتهت أعمال المؤتمر الذي أُلِّف للبحث في المسألة الدستورية على غير اتفاق، وقد كان من رأي أعضائه أن لا يُنشَر شيء عن الأحوال التي وقعت فيه، سواء من جهة جريان المفاوَضات أم من جهة السبب الذي من أجله قُطِعَت هذه المفاوضات.» على أنه تسرَّب في جرائد الأحرار — وذلك قُبَيل انتهاء ذلك المؤتمر — بعضُ أخبارٍ تمسُّ الموضوع، وفي ١١ نوفمبر سنة ١٩١٠ جاء في إحدى جرائد المُحافظين الكبيرة — أعني بها جريدة الاستندارد — ما يأتي: «أوضحت جرائد الأحرار أمر الصعوبة التي حدثت؛ فقد اقتُرِحَ أن تؤلَّف لجنةٌ من المجلسَين عند اختلافهما، وكيف يجب أن تؤلَّف هذه اللجنة؟ هذه مسألة لم يَستطع الحزبان أن يتَّفقا عليها، ومما قيل: أن يُمثِّل مجلس النواب فيها أعضاء يكون عددهم بنسبة حالة الأحزاب الراهنة، ثمَّ بُحِثَ في الكيفية التي يتمثَّل بها مجلس اللوردات، فبحسب الخطَّة التي وقعَت المناقَشة عليها نهائيًّا يتمثَّل اللوردات في تلك اللجنة على نسبةٍ تَكفُل للحكومة القابضة على أكثرية كبيرة في مجلس النواب أكثرية فيها، وما حُلَّت مسألة تمثيل اللوردات من غير صعوبة، وقد كاد التقلُّب في شأنها يؤدِّي إلى حبوط المؤتمر في ٢١ أكتوبر حين انفضَّ المؤتمرون للتأمُّل فيها، وعندما اجتمعوا في ٣١ أكتوبر استأنفوا المناقشة فيها رجاء الوصول إلى حلٍّ مُرْضٍ، وبعد أسبوع من ذلك اليوم انتهوا إلى اتِّفاق مبدئيٍّ، وقد شُرِطَ لتنفيذه أن يشاور المستر أسكويث وزملاؤه بقية أعضاء الوزارة، وأن يشاور المستر بلفور وزملاؤه أكثر أعضاء حزب المحافظين نفوذًا، وماذا نشأ عن هذه المشاورة؟ نشأ عنها وصول الفريقَين إلى نتيجة قائلة باستحالة اتفاقهما.» ويظهر أن حجر العثرة في هذه المشكلة هو تعْيين الأكثرية التي يجب أن تَنالها الحكومة في مجلس النواب؛ لكي تتمكَّن عند تصادُم المجلسَين من تأليف لجنة مشتركة، ثمَّ إن المُحافظين كانوا يودُّون أن لا يُلْجَأ إلى تلك الطريقة في أمر اللوائح التي تمسُّ الدستور مسًّا جوهريًّا كحقِّ التاج في حلِّ مجلس النواب، وكحكم أيرلندا الذاتي، وكتوسيع حق الانتخاب.

عادت الأزمة ورجَع العراك إلى ما كان عليه، وقد رُؤي — منذ ١١ نوفمبر — من كل جهة أنَّ مجلس النواب سيُحلُّ حلًّا جديدًا وإن لم يمضِ على انتخابه سنة، والأحوال ومجاري الأمور لا المبادئ هي التي كانت تَفرض هذه الضرورة، والشيء الآخر الذي كان من الممكن فعله هو أن تَستعفيَ الوزارة وأن يَعهد الملك إلى زعيم المحافظين في تأليف وزارة جديدة، ولكنه لما كانت هذه الأكثرية لا تَثق بوزارة من المُحافظين وجب الرجوع إلى مبدأ الحلِّ مع بقاء المستر أسكويث قابضًا على زمام الحكم، وقد وافَقَ الملك في ١٥ نوفمبر على حلِّ مجلس النواب، فأخبر به المستر أسكويث هذا المجلس، وأخبر به اللورد كرو مجلس اللوردات في اليوم الثامن عشر مِن الشهر المذكور.

ولكن الأمر لم ينتهِ بذلك؛ ففي ١٥ نوفمبر أبدى اللورد لانسدون لمجلس اللوردات رأيًا قائلًا بأن تَعرض الحكومة اللائحة البرلمانية على هذا المَجلس، وقد عرضتْها عليه في ١٦ نوفمبر، وتناقَشَ في قراءتها الثانية في ٢١ نوفمبر، وفي تلك الأثناء — أي في ١٧ نوفمبر — اقترع مجلس اللوردات لاقتراحات اللورد روزبري في إصلاح تركيبه، ثم اقتَضى تأخير المناقشة في اللائحة البرلمانية إلى ٢٣ نوفمبر، وسببه أن اللورد لانسدون عرض على اللوردات اقتراحات قائلة بالنظام الذي يَراه حزب المُحافظين لحسم الخلاف بين المجلسَين عند وقوعه، وقد جاء فيها: «إنَّ مجلس اللوردات وطَّن نفسه على تنظيم الاختلافات بين مجلس النواب ومجلس اللوردات الذي يجدَّد تركيبه ويقلَّل عدد أعضائه حسب الاقتراحات التي اقترع لها حديثًا.» أي اقتراحات اللورد روزبري الثانية، وجاء فيها: «إنه إذا اختلف المجلسان في لائحة غير مالية — وذلك في دورتين برلمانيتين — ومضى على هذا الاختلاف مدة لا تقلُّ عن سنة دون أن يُمكن حسمه، يُفْصَل في جلسة مشتركة بين المجلسَين، وإذا كانت المشكلة التي أوجبت تصادم المجلسَين مُهمةً جدًّا ولم تُطْرَح بتمامها على الشعب ليَحكُم فيها، لا تُحلُّ في جلسة مشتركة، بل تُسْتَفتى البلاد فيها. وأما اللوائح المالية فإنَّ اللوردات يتنزَّلون عن حقِّهم في رفضها أو تعديلها، بشرط أن تُرسَل — إذا احتوتْ على أمور غير مالية أو وقع اختلاف في أنها مالية محضًا — إلى لجنة مؤلَّفة من أعضاء يختارهم المجلسان، على أن يرأسها رئيس مجلس النواب، وأن يكون لهذا الرئيس حقُّ الترجيح عند انقسام اللجنة إلى فريقَين متساويَين، وعند تقدير اللجنة المذكورة أن اللائحة غير مالية محضًا يُنْظَر فيها في جلسة مشتركة بين المجلسين.»

ذكرنا أن الوزارة قرَّرت حلَّ مجلس النواب، وأنَّ الملك وافق على ذلك، وأن قرار الحل بُلِّغ إلى المجلسَين في ١٨ نوفمبر سنة ١٩١٠، وحلٌّ مثل هذا غير طبيعي؛ لأنَّ مجلس النواب لم يُسْقط الوزارة، وقد ظلت قابضةً على زمام أكثريته، وهو لا يلائم المبدأ الإنكليزي القائل بأن التاج بعد أن يعيِّن رئيس وزارة جديدة يَجْبَهُ سياسة مجلس النواب التي يراها خطرةً بأن يَستفتي البلاد، حتى إنَّ حزب المعارَضة في المجلسَين جادل في الحل المذكور، وقد رأى المستر ديسي فيه سابقةً جديدةً، وإليك ما قاله: «أتت الحكومة الحاضرة بسابقة جديدة؛ أي إنَّ رئيس الوزارة حلَّ مجلس النواب، لا لأنَّ هذا المجلس الذي انتُخِب حديثًا عدل عن تأييد سياسته، بل رَغِبَ في أن يُثبت أنه لا يزال مَظهرًا لثقة الناخِبين.» ومما لا رَيب فيه أن الغاية من ذلك الحلِّ هي عرضُ اللائحة البرلمانية على الناخبين بدلًا من تركها تسيرُ سيرها الطبيعيَّ أمام المجلسَين، وكان اللوردات يَزعُمون أن الميزانية التي رفضوها هي وحدها التي دارت حولها انتخابات شهر يناير سنة ١٩١٠.

على أنَّ الوزارة ذكرت الأسباب القاهرة التي ألجأتها إلى حلِّ مجلس النواب؛ فقد صرَّح اللورد كرو في مجلس اللوردات بأنه — بعد فشل ذلك المؤتمر — لا يستطيع حزب الأحرار وحزب المحافظين أن يَصلا إلى اتِّفاقٍ على حسم الخلاف، وصرَّح المستر أسكويث في مجلس النواب في ٩ آب سنة ١٩١١ — وذلك في أثناء المناقشة في اقتراح التأنيب الذي وضَعه حزب المعارضة ضد الحكومة — بأنه لما عجز عن جعل مجلس اللوردات يَقترع للائحة البرلمانية فكَّر في الاستعفاء، ولما كان الملك في مثل هذه الحالة لا يسعُه إلا دعوة زعيم المُحافِظين لتأليف الوزارة، وكانت أكثرية مجلس النواب لا تسمَح لمثل هذه الوزارة بالبقاء، أصبح حلُّ مجلس النواب أمرًا لا مناصَ منه.

وقعت الانتخابات في ديسمبر سنة ١٩١٠، فنال حزبُ الأحرار أكثرية كالتي كانت بيده، وقد تناقَش مجلس النواب الجديد في اللائحة البرلمانية في فصل الربيع فاقترع لها، ثم عُرِضت على مجلس اللوردات، ولم يرفض هذا المجلس أمر البحث فيها كما كان يَتوقَّع ذلك كثير من الناس، بل قُرِئت أول مرة في ١٦ مايو سنة ١٩١١ وثاني مرة في ٢٣ منه، وقد قُبِلَت بعد أن أُدْخِلَ إليها تعديلات مهمَّة على رغم ما بذله مُمثِّلو الحكومة من الجهود، واللورد كرومر واللورد لانسدون هما اللذان قالا بأهمِّ هذه التعديلات.

لم تنلْ يدُ التعديل مبدأي اللائحة البرلمانية الجوهريين؛ يعني أن اللوائح المالية لا تُعْرَض على مجلس اللوردات سوى مرة واحدة، وهي تُصبح قانونًا بعد أن يُوافقَ الملك عليها من غير أن يُلْتَفَتَ إلى رفض مجلس اللوردات لها أو تعديله إياها، وأنَّ اللوائح الأخرى تصير قانونًا وإن اقتَرع عليها هذا المَجلس أو حرَّفها؛ وذلك بشرط أن يمرَّ عليها سنتان، وأن يقترع مجلس النواب لها في ثلاث مرات مُتتابعات، وإنما أتى مجلس اللوردات بتحفُّظات ليحُولَ دون تسرُّب أمورٍ غير مالية في اللوائح المالية، وقد رأت الحكومة أن لا تتسرَّب هذه الأمور في اللوائح المالية، فجعلَت لرئيس مجلس النواب سلطةً لتقدير صفة اللوائح المالية، ولكن مجلس اللوردات عدَّل ذلك بأن قال بأن يحلَّ محلَّ رئيس النواب لجنة مشتركة بين المجلسَين، وحجَّته أن الحكومة بتلك المادة تَنزع من رئيس النواب ما يقتضيه مقامه من السمو والإنصاف، وتحوِّله إلى حَكَم للفصل في المسائل التي يَختلف الأحزاب فيها، والحقيقة أنَّ اللوردات كانوا يعدُّون اللجنة المشتركة آخر وسيلة للدفاع عما بقيَ لهم من الحقوق في هذا الموضوع، ويَمنحونها سلطة لا تَقتصِر على تقدير صفة اللوائح المالية؛ أي يمنحونها سلطة تستطيع بها أن تبحث في لوائح الضرائب، وتقرير غايتها الرئيسة أماليةٌ هي أم سياسية اجتماعية، وعندما تقرَّر أن غايتها سياسية اجتماعية تَصير غير مالية، وتُعامَل معاملة اللوائح العادية الخاضعة للمبدأ القائل بانتظارها سنتَين، وباقتراع مجلس النواب لها في ثلاث دورات مُتواليات تمرُّ في أثناء تينك السنتين.

وهنالك تعديل آخر قائلٌ بأن تؤلَّف اللجنة المشتركة بدقة وإنصاف، وأن يَرأسها رئيس مجلس النواب الذي يكون له صوت مُرجِّح عند انقسامها إلى فريقَين متساويَين.

اقترَع مجلس اللوردات في ٢٠ يوليو للائحة التي عُدِّلت على هذا الوجه بعد القراءة الثالثة، غير أنه في ذلك اليوم بلَّغ المستر أسكويث في كتاب خاصٍّ زعماءَ المعارضة في المجلسَين أنه سيقترح على مجلس النواب أن يرفض التعديلات التي أتى بها اللوردات، وأنَّ الحكومة لكي تجعل تلك اللائحة قانونًا بيَّنَت للملك أن يلجأ إلى امتيازه في تعيين لوردات جُدُد؛ حتى تصبح الأكثرية في جانبها، وأن الملك صرَّح بأنه يسير حسب هذا الرأي.

عادت اللائحة إلى مجلس النواب، ولكن مع شيء من الضَّوضاء، وقد رفض هذا المَجلس تعديلات مجلس اللوردات الجوهرية، ومنها التعديل القائل باللجنة المشتركة، ثم أضاف إلى رئيس مجلس النواب — كحكم في أمر اللوائح المالية — عضوين من أعضائه ليُشاورهما قبل أن يُعطيَ مذكَّرته فيها.

والإنذار القائل بتعيين لوردات جُدُد أزعج حزب المُحافِظين، وهل كان التهديد يكفي لتنال الحكومة النتيجة المطلوبة كما كفى في سنة ١٨٣٢، أو كان يجب تعيين هؤلاء اللوردات فعلًا؟ نصَحَ زعيم المعارضة في مجلس اللوردات اللورد لانسدون هذا المَجلس بأن يُذعن؛ أي بأن تُجاوزه اللائحة البرلمانية مِن غير أن يَقترع لها ويتحمَّل مسئوليتها، ومثل ذلك ما فعله زعيم المعارضة في مجلس النواب المستر بلفور.

إنَّ تعيين لوردات جُدُد لأمرٌ خطر، وما كان يُمكن تقرير عددهم مقدَّمًا؛ لأنه لم يكن يُعْلَم عدد المحافظين الذين سيَقترعون على تلك اللائحة، وإزاء كل احتمال نقول: إنَّ عدد اللوردات الجدد قد يكون خمس مائة، فإضافة عدد مثل هذا إلى مجلس اللوردات يَقلبه رأسًا على عقب؛ لأنه لا يؤدِّي إلى الاقتراع للائحة البرلمانية فقط، بل يوجب إحداث أكثرية كافية للمُوافَقة على اللوائح المتطرِّفة أيضًا، وليس هذا كل ما في الأمر، بل يُسأل: ألا تَفسد الأريستوقراطية الإنكليزية بإدخال تلك العناصر الجديدة العامية إليها؟ أوَلا تَفقد أخلاقها التقليدية؟ ظُنَّ أن المحافظين كانوا يودُّون اجتناب مثل هذه النتيجة قبل كل اعتبار.

ولكنه حدَث ما هو مخالف لذلك؛ فما كان بعضهم يَعتقد إمكان تحقيق تلك البليَّة العددية، وكانت صحُف المحافِظين تُحاول بتهكُّمها الحط من كرامة اللوردات المُقتَرح تعيينُهم وصرفهم عن ترشيح أنفسهم.

كثُرَ عدد أنصار اللورد لانسدون بالتدريج، ولكنَّ زمرةً عنيدة من اللوردات المحافظين اعترضَت لأولئك، فهذه الزُّمرة قالت بالتمسُّك بتلك التعديلات، وقد رأت أن يُدافع مجلس اللوردات عن حقوقه التي نالها في غضون التاريخ، وأن يؤيدها مهما كلَّفه الأمر، وأن يحتجَّ على كل شيء مُقلِّل لأهميته، ومما ظنَّته أن زيادة عدد اللوردات يُفيد في تحريض الرأي العام وجَعْله يُغيِّر وجهته تغييرًا مؤديًا إلى فوز المُحافظين في المستقبَل القريب، واللورد هالسبري هو زعيم الزمرة المَذكورة، وقد أقيمت له وليمة رسمية في ٢٦ يوليو، وكان من السهل أن يُدرك أنَّ كتيبة اللوردات الأحرار الصغيرة المؤلَّفة من تسعين لوردًا لا تَكفي لإجازة اللائحة البرلمانية، وأنَّ هذه الإجازة تَقتضي أن يقترع عدد من المُعارضين لها، وأنه لا يكفي استنكاف هؤلاء من الاقتراع.

وفي مثل هذه الأحوال شُرِعَ في المناقشة الجازمة التي وقعت في ١٠ و١١ من شهر أغسطس سنة ١٩١١، وكان الأمر الصريح الذي دارت حوله هو البحث في الأسباب الموجَزة التي أبداها مجلس النواب لتبرير رفضه التعديلات التي وضعها اللوردات، وقد كانت مثيرةً لمَّا أوضح اللورد روزبري ورئيس أساقفة كنتربري السبب الذي يدعوهما إلى الاقتراع لها، وفي آخر الأمر — أي في ١١ أغسطس — قُبِلَ اقتراح اللورد مورلي القائل «بعدم الإصرار على التعديلات» بأكثرية ١٣١ صوتًا ضد ١١٤ صوتًا، وعلى أثر ذلك وافق الملك على تلك اللائحة فأصبحت قانونًا.

ومَنْ يدقِّق في محتويات هذا القانون يرَ أنه ترَك لمجلس النواب سعةً؛ لكيلا يتصرَّف في الامتيازات التي نالها حسب الوجه المعروض آنفًا، ويستمر على البحث في طرُق يتَّفق هو ومجلس اللوردات عليها، ومما قرَّره أن تصبح مدة النيابة خمس سنوات بدلًا من السنوات السبع التي قرَّرها قانون سنة ١٧١٥ السبعي.

وإنَّا بعد أن بحثنا في التعديل الذي طرأ على النظام البرلماني في إنكلترة نبحث في أمرَين؛ الأول: كيف تُفسر سهولة قبول ذلك الحلِّ الإصلاحي القاطع؟ والثاني: ما هي السلطة التي ظلَّت في قبضة مجلس اللوردات؟ وهل بقيَ نظامُ المجلسَين بالحقيقة؟

•••

إنَّ الذي أكره اللوردات على الخضوع هو حق الملك في تعيين عدد غير محدود منهم، ومِن ثمَّ قُدرته على تغيير الأكثرية في مجلس اللوردات، وقد كفى تهديد الملك للوردات في سنة ١٩١١ كما كفى في سنة ١٨٣٢، ولم يَلتجئ الملك في سنة ١٩١١ إلى مُباشَرة حقه في زيادة اللوردات، كما بوشر سنة ١٧١٢.

وقد وُجِدَ مَنْ أنكر ذلك الحق في المذاكرات الشديدة التي دارت في مجلس النواب في ٢٩ مارس سنة ١٩١٠ وفي ٧ أغسطس سنة ١٩١١، وفي تَينك المرتين أجاب المستر أسكويث عن ذلك بأن استشهد بكتاب «مقدمة الحقوق الدستورية» الذي ألَّفه الأستاذ الثبت ديسي،10 ومما قاله المستر أسكويث في خطبته التي ألقاها في ٧ أغسطس سنة ١٩١١: «إنَّ العلماء اتفقوا على حق الملك في ذلك، وإني أذكر أحدهم وأعني به العالِم الكبير الفضل الأستاذ ديسي، وإليكم ما قاله في كتابه النفيس: «إن وجوب إذعان اللوردات وضرورة تدخُّل الملك أمران ناشئان عن كون مجلس النواب يُمثِّل إرادة الأمة التي استُفْتِيَت في موضوع الخلاف».» ثم أورد المستر أسكويث ما قاله اللورد غراي في أثناء الأزمة التي استفحلت في سنة ١٨٣٢ ومنه: «أسأل ماذا تكون النتيجة لو لم يكن للملك حق في زيادة عدد اللوردات؟ إنَّ لمجلس النواب أن يُراقب سلطة التاج بواسطة حقِّه في رفض الضرائب، وكذلك التاج له أن يُراقب مجلس النواب بواسطة حقه في حلِّه عندما يُجاوز هذا المجلس حدوده، ولكنَّ البلاد تقع تحت سيطرة مجلس اللوردات المُطلَقة إذا لم يستطع التاج ومجلس النواب أن يحُولا دون مُعارضة هذا المجلس لأماني الأمة، ولم يكن عند الأمة وسيلة لصدِّ تلك السيطرة.»

وقد أبدى المستر بلفور باسم المعارضة الملاحظة الآتية في مجلس النواب وهي: أنَّ زيادة عدد اللوردات كثيرًا مما لا يلائم روح دستور إنكلترة الحديث، أي إنَّ التاج لكي يَصل إلى إحدى النتائج السياسية لا يحقُّ له، أو للوزارة التي تمارس حقوقه، أن يحوِّل الأكثرية في مجلس اللوردات بزيادة أعضائه، ولكن ملاحظة مثل هذه لا تقف أمام سلطان التقاليد والسوابق في إنكلترة، ولا سيما إذا كانت لا تستند إلى أساس اشتراعي علميٍّ.

وقد أمكن إبداء ملاحظة أخرى؛ وهي: هل بَاشَرَ التاجُ حقه المذكور حسب الشروط المطلوبة؟ نعم، إنَّ تعيين عدد غير مَحدود من اللوردات من حقوق التاج، وإنَّ ممارسة هذا الامتياز في الأوقات العادية بِيَدِ الوزارة التي تختار بالحقيقة أناسًا للوردية في كلِّ سنة وتُقرِّر تعيينهم، ولكن هل يكون من هذا النوع تعيين لوردات لتغيير الأكثرية في مجلس اللوردات؟

حقًّا إنَّ امتياز التاج المشار إليه مما تَقتضي ممارسته لحلِّ الأزمات التي تمسُّ حياة الأمة وتجعل البلاد في خطر، وإذا كان يُعْتَرف للملك بشأنٍ شخصيٍّ في حلِّ مجلس النواب، فهل يُنْكَر أن له مثل هذا في تعيين لوردات لتغيير أكثرية مجلس اللوردات؟ لا شكَّ في أنَّ الملك هو الذي قرَّر ذلك شكلًا حسب رأي وزرائه، حتى إنَّ الوزارة منذ شهر نوفمبر سنة ١٩١١ — أي منذ الوقت الذي كان يُسار فيه نحو حلِّ مجلس النواب — نالت من الملك وعدًا بأن يتذرَّع بامتيازه المذكور عند فوز حزب الأحرار بالأكثرية في مجلس النواب الجديد؛ وذلك لجعل مجلس اللوردات يقترع للائحة البرلمانية، ونَيل وعد على هذه الصورة من الأمور التي عدَّها المعارضون تعدِّيًا من الوزارة على حرية الملك.

مارست الوزارة ذلك الامتياز في مصلحة الحزب الذي تُمثِّله على ما يظهر، وهذا ما جعل حزب المحافظين يَعرض — قبل البتِّ في اللائحة البرلمانية — على كلٍّ من المجلسَين اقتراح تعزير الوزارة التي نصحَت الملك بأن يعيِّن عددًا كبيرًا من اللوردات، وقد تناقَش المَجلسان في الاقتراح المذكور، فرفضه مجلس النواب في ٧ أغسطس، واقترع له مجلس اللوردات بعد يوم بأكثرية ٢٤١ صوتًا ضد ٦٨ صوتًا.

لا جَرَمَ أن المبدأ القائل بمُباشَرة الوزارة لذلك الامتياز كما تُباشِر امتيازات التاج الأخرى لم يكن جديدًا، وقد أدَّت المناقشة في اقتراع التعزير المذكور إلى إثبات ذلك، إلا أنه برز في هذه المرة إلى الميدان، وصار موضوع مناقشة، وإليك ما قاله الكونت دنرافن11 بمناسبة تلك السابقة: «يجعلنا سير الأمور الحالي إزاء الشيء المقنط، القائل بأنَّ كل وزارة تستطيع في المستقبَل أن تجعل كلمتها هي العليا، فكلُّ رئيس وزارة يَقدر في الغد على الإتيان بمثل ما أتى به المستر أسكويث في هذه الأيام؛ وذلك بإبدائه للملك رأيًا قائلًا بتعيين عدد كافٍ من اللوردات ليَصل إلى بعض الأغراض، وهكذا يُزيَّف امتياز التاج القديم الذي هو الرادع الأخير لاستبداد الوزارة ويَصير آلةً بسيطةً بِيَدِ الأحزاب.»

ويَظهر من هذه الكلمة أنَّ الكونت دنرافن يخشى التجاء الوزارات في المستقبل إلى تعيين عدد كبير من اللوردات لإتمام أحد المقاصد، غير أن الأستاذ ديسي أثبت أن تنفيذ القانون البرلماني نفسه يمنع من حدوث ذلك؛ لأنَّ الملك وإن حافظ — بحسب الحالة الراهنة — على امتيازه في تعيين عدد غير محدود من اللوردات أصبح من الواجب عليه — بعد سنِّ القانون البرلماني — أن يمتنع عن إجابة الوزارة إلى طلبها القائل بتعيين لوردات جدُد لتحويل أكثرية مجلس اللوردات (التي ترفض الاقتراع لأحد التدابير)؛ وذلك بأن يبيِّن لها أنَّ التدبير المذكور يصير بعد انقضاء مدة معينة قانونًا على رغم معارضة اللوردات له، حتى إنَّ القانون البرلماني يَجعل ممارَسة الملك لامتيازه المشار إليه أمرًا مُتعذِّرًا؛ فهو يستطيع أن يقول للوزراء عندما يطالبونه بمباشرته: «إنكم قابضون على أعنَّة الأكثرية في مجلس النواب، وإنَّ القانون البرلماني يجعلكم قادرين على تنفيذ تدبيركم على رغم مجلس اللوردات، وإنَّ مقاومة اللوردات أمر سمح به القانون البرلماني وإن عاق التدبير المذكور، وإنَّ إحداث لوردات جُدد في سبيل هذا التدبير مما لا يُلائم الدستور الآن.»

وإذا كان الامتياز الملَكي المشار إليه وسيلة شكلية لجعل اللائحة البرلمانية قانونًا، فإنَّ هنالك أسبابًا بعيدة الغور أدَّت إلى سنِّ هذا القانون؛ أي إنَّ التغييرات التي أحدثها القانون البرلماني في الدستور الإنكليزي لم تكن وليدةَ الرُّوح الحزبية، بل ترجع إلى تحوُّلات بدأت منذ عهد عهيد.

فانتحاء الدستور الإنكليزي المَرِن كان يَرمي — منذ قرون كثيرة — إلى تفاوت المجلسَين في الموافقة على الضرائب وسن القوانين، وقد تدرَّجت حقوق مجلس اللوردات إلى الوهن حتى سنة ١٨٣٢ حين لم يبقَ هذا الوهن في الظاهر فقط، وعاد هذا المَجلس لا يؤثر في مجلس النواب تأثيرًا قاطعًا، ومنذ تلك السنة أخذ النواب يمارسون امتيازاتهم — التي اقتطعوها من اللوردات — ممارسة مستقلة، حتى أصبح شأن هؤلاء في نظام المجلسَين ثانويًّا، وما كان القانون البرلماني إلا ليعبِّر في مواد وفِقَر عن العلاقات التي ثبتَت بالتدريج بين المجلسَين، فكما أضاع اللوردات حقَّ تعديل القوانين المالية ورفضها كانوا لا يتمتَّعون بغير تعديل القوانين العادية أو رفضها رفضًا وقفيًّا.

ولكنَّ رجحان كفة مجلس النواب كان مما يَقتضيه اتفاق حزب الأحرار وحزب المحافظين على المبادئ الدستورية الجوهرية وإن اختلفت وجهة نظرهما في الفروع، وما كان مجلس اللوردات المحافظ ليمتنع عن التمسُّك بشأنه الذي خفَّ قليلًا عندما قبض حزب الأحرار على ناصية السلطة، وأراد أن يحقِّق في سنة ١٨٩٣ مبدأ الحكم الذاتي الأيرلندي وصار حزب العمال يؤازره، وأخَذ مجلس النواب يَقترع بتأثيره لقوانين مالية ولميزانيات ملائمة لمنازع العمال والاشتراكيين.

وحينئذٍ انتبه مجلس اللوردات المُحافظ وعزم على مقاومة تلك الحركة بهمَّة؛ فقد رفض في سنة ١٨٩٣ لائحة الحكم الذاتي الأيرلندي ولوائح أخرى عرضتها عليه وزارة غلادستون، فاستصوب الشعب سَيره في انتخابات سنة ١٨٩٥، ولكن كيف يُمكنه استرداد نفوذ كان قد أضاعه؟ وكيف يمكنه أن يسترجع سلطته التي كانت له في مراقبة القوانين المالية؟ استند في ذلك إلى خطة جديدة؛ أي أقلع عن التشديد في الالتجاء إلى سلطته الاشتراعية التي عدل عن ممارستها طائعًا وتمسَّك بأشد مبادئ الوقت الحاضر قوةً، أعني به مبدأ سيادة الأمة.

بَيْدَ أن مجلس اللوردات — الذي هو أريستوقراطي غير منتخب ومعظمه يتألَّف من أعضاء وراثيين — لا يمكنه أن يظهر بمظهر المعبِّر عن إرادة الأمة، وهو لم يفعل ذلك قطُّ، وإنما بَدَتْ له نظرية قائلة بأنَّ وظيفة مجلس اللوردات الرئيسة أن لا يدع لائحةً ذات نتائج مهمَّة من غير أن تكون قد عُرِضَت في الانتخابات العامة على الناخبين واستصوبوها، هذه هي الخطة الجديدة، وقد أوجَبَ مجلس اللوردات تطبيقها في سنة ١٩٠٩ على ميزانية سنة ١٩١٠، وهو لم يرفض هذه الميزانية بالمعنى الصحيح، بل صرَّح بأنه لا يُمكنه قبولها قبل استفتاء الشعب فيها، ولما عاد حزب الأحرار بعد انتخابات يَناير سنة ١٩١٠ بأكثرية تُقرِّب من أكثريته السابقة في مجلس النواب رأى مجلس اللوردات نفسه مُكرهًا على الاقتراع للميزانية.

ولكن لهذه الخطة اللبقة أوجُه ضعيفة؛ ومنها: أنَّ الحكومة لكي تحول دون مُقاومة اللوردات في المسائل المهمَّة — حتى في التدابير المستعجلة الضرورية؛ كالميزانية مثلًا — تضطرُّ إلى حلِّ مجلس النواب قبل انتهاء الدورة البرلمانية، ومِن المحقَّق أن اللوردات وإن لم يكن من حقوقهم أن يُقرِّروا حل مجلس النواب يؤدون إليه تأدية مُضمرة بأن يجعلوا الوزارة بمُقاومتهم مُكرَهة عليه، وهنا يسأل حزبُ الأحرار محتجًّا: هل يُعتبر الحل الذي يتمُّ على هذا الوجه أمرًا مشروعًا وهو لم يكن له سوابق تبرِّره؟

ومنها أنَّ الالتجاء إلى استفتاء الشعب في المسألة المنازع فيها يؤدِّي إلى سلوك طريقة الرفرندم12 الديموقراطية الجافة، وقد قَبِلَ المعارضون بهذا النظام في الاقتراحات التي وُضِعَت لتكون جوابًا عن اللائحة البرلمانية في سنة ١٩١٠، وفي التعديلات التي اقترح اللورد لانسدون13 إدخالها إلى تلك اللائحة، واقترع لها مجلس اللوردات في سنة ١٩١١، وفي تلك الأثناء عرض اللورد بلفور أوف بورله14 على مجلس اللوردات لائحةً عامةً قائلة بنظام الرفرندم، فاقترع لها هذا المَجلس في شهر مارس سنة ١٩١١، ولكن نظام الرفرندم — وهو وسيلة اشتراعية ناقصة خشنة — لا يزال بعيدًا من الدخول في إنكلترة التي هي موطن الحكومة التمثيلية، فحزب الأحرار يناهضه لما يوجبه من انحطاط المجالس الاشتراعية، ومما يُشكُّ فيه أن حزب المحافظين اعتنقه بالحقيقة، وهو وإن كان يتخذه الآن كواسطةٍ للدفاع، نعتقدُ أنه لا يُدخله إلى حظيرة الاشتراع عندما يَقبض على زمام الحكم.

ومنها أنَّ مبدأ اللوردات الجديد الذي يتطلَّب تنفيذه إبداءهم مقاومة لا يُطبقونه إلا على وجه متفاوت متقطِّع، يعني أنه حينما يَقبض المُحافظون على ناصية السلطة يَقترع مجلس اللوردات الذي أكثريته محافظة من غير مُقاومة للوائح التي اقترعت لها أكثرية مجلس النواب المُحافظة، ولو بدت عليها روح الحزبية، وعكس ذلك يقع عندما يكون الحكم بيدِ حزب الأحرار؛ أي إنَّ مجلس اللوردات ينتبه حينئذٍ فيرفض اللوائح السياسية التي تَعرضها عليه وزارة الأحرار أو يحرِّفها، ومن هذا القبيل امتناعه في سنة ١٩٠٩ أن يقترع لميزانية سنة ١٩١٠ التي تحتوي على ضرائب جديدة أو على تغيير في الضرائب القديمة.

وإن الحكومة البرلمانية هي حكومة حزبية، وبهذا الاسم يُسمُّونها في إنكلترة في الغالب، وهي تقوم على وجود حزبَين كبيرين مختلفَين مهيأين لتسلُّم زمام السلطة مناوبةً بحسب نتيجة الانتخابات العامة التي تكون تارةً في جانب هذا الحزب وتارةً في جانب الآخر، وإن لم يقع ذلك منتظمًا، فبعد مساهمة سياسة كهذه ألَا تجب معاملة الفريقَين حسب قاعدة الإنصاف التي لا شيء أحبُّ إلى الإنكليز منها؟ وهل يُرْغَب في تأدية نظام المجلسين إلى معاملة أحد الحزبين القابض على السلطة معاملة تختلف عن معاملة الحزب الآخر وقتما يَقبض عليها؟ نعم، إنَّ من الطبيعي ومن الصواب أن يكون مجلس اللوردات أكثر محافظةً من مجلس النواب، وأمر مثل هذا مشروع، ولو كان مجلس اللوردات وليد الانتخابات، ولكنَّه من المنكر أن يكون مَعقلًا لأحد الحزبين فقط، وقد رأت أكثرية المجلس الوطني الفرنسي في سنة ١٨٧٥ أن يكون مجلس الشيوخ حصن الحزب المُحافظ إزاء القوانين التي قد يسنُّها الجمهوريون عندما يَقبضون أعنَّة الحكم، وإنَّا لنعلم ما أدى إليه ذلك من تصادُم وصعوبات، كما أنَّنا نعلم أن الدستور الفرنسي لم يبدأ في السير المُنسجِم إلا بعد أن أصبحت أكثرية مجلس الشيوخ جمهورية.

وفي أثناء المناقشة في اللائحة البرلمانية واقتراحات الرفض لام المُحافظون حزب الأحرار على سعيه في إدخال نظام المجلس الواحد إلى إنكلترة؛ وذلك بنزعه من مجلس اللوردات ما بقيَ له من السلطة، فأجاب عن ذلك بأن استمرارَ اللوردات على الاقتراع بخضوع واحترام للوائح التي يَقترع لها مجلس النواب عندما تكون أكثريتُه محافظةً؛ يعني وجود نظام المجلس الواحد؛ فالبرلمان الإنكليزي بموافقته على القانون البرلماني أحدَثَ توازنًا بين الفريقين على وجه التقريب؛ لأنه قضى بأن تجاوز اللوائح التي يضعها الأحرار مجلسَ اللوردات وقتما تكون أكثرية النواب منهم، ولو أبدى هذا المجلس شيئًا من المقاومة التي تُصبح غير نافعة بعد أن يمضي سنتان عليها.

•••

ولكن ما هي السلطات؟ وما هي القوة التي حافظ مجلس اللوردات عليها؟ حافَظَ أولًا على تركيبه السابق، فاللوردات الذين يتألَّف منهم ظلُّوا هيئةً يحترمها أشراف البلاد وأفراد الأمة؛ لخلوِّها من العناصر التي أريد إدخالها إليها بقصد تحويل أكثريتها.

لا نُنكر أنَّ مجلس اللوردات أضاع سلطته الاشتراعية التي صارت لا تتجلَّى إلا ضمن حدود القانون البرلماني القائل بأن تُصبح اللائحة التي لم يوافق عليها مجلس اللوردات قانونًا بعد أن يَقترع لها مجلسُ النواب ثلاث مرات، إلا أنَّ اللوردات أنفسهم هم الذين حوَّلوا من بعض الوجوه سلطتهم الاشتراعية المُساوية لسلطة النواب إلى حقِّ الرفض فقط، وإنَّ المحافظين عند المناقشة في اللائحة البرلمانية قالوا لحقِّ الرفض: «أُف لك» مقدِّرين أنه أمر وهمي، ولكن أهمية الانتظار سنتين كانت تبدو لهم ذات قيمة كلما كان يدنو الوقت الذي لا بدَّ من الاقتراع فيه لتلك اللائحة، وما فتئت هذه الأهمية تَزيد بعد أن صارت اللائحة البرلمانية قانونًا، فاسمع ماذا يقول الأستاذ ديسي: «أستطيع إذا لم تخنِّي ذاكرتي أن أقول: إنَّ حقَّ الرفض الوقفي الذي جاء في بعض الدساتير الفرنسية كان وهميًّا في بعض الأحيان، غيرَ أنه ثبَت أن حقَّ الرفض الوقفي الذي يتمتَّع به رئيس الولايات المتَّحدة أشفى من حق الرفض المُطلَق الذي هو في قبضة ملك إنكلترة.»

لا ريبَ في أنَّ حق الرفض الذي يتمتَّع به رئيس الولايات المتَّحدة غير مُطلق ولكنَّه ليس وقفيًّا من كل وجه؛ فاللائحة التي يَعترض عليها هذا الرئيس وإن كانت تعود إلى المجلسَين اللذَين يَقدران على المناقشة فيها والاقتراع لها أو عليها من جديد، لا بدَّ لها — لكي تُصبح في هذه المرة قانونًا — من أن يوافق عليها ثلث كلٍّ من ذينك المجلسَين، وآنئذٍ يكون رئيس الولايات المتحدة مكرهًا على نشرها كقانون، وأكثرية المجلسين المذكورة هي سرُّ القوة في حقِّ الرفض الذي يُمارسه الرئيس المشار إليه.

وإنَّا لا نشكُّ في أن دستور سنة ١٧٩١ هو الذي عناه ذلك الفقيه الفاضل بقوله: «أستطيع أن أقول: إنَّ حقَّ الرفض الوقفي الذي جاء في بعض الدساتير الفرنسية كان وهميًّا في بعض الأحيان.» فالملك حسب هذا الدستور كان يستطيع أن يقف القوانين التي اقترع لها المَجلس الوطني الاشتراعي بما له من حقِّ الرفضِ، ولكنَّ حق الرفض كان يزول بعد أن يُقْتَرَعَ في ثلاث دروات اشتراعية مُتتابعة للقانون الذي رفض الملك أن يُجيزه، ولما كانت مدة الدورة الاشتراعية سنتَين، وكان يمكن أن يُقْتَرَعَ للقانون أول مرةٍ في أواخر إحدى الدورات الاشتراعية، وأن يُقْتَرَعَ له آخر مرة في أوائل الدورة الاشتراعية الثالثة، كان يُمكن أن لا تزيد مدة الرفض — الذي نصَّ عليه الدستور المذكور عن سنتين — زيادةً ذات بال؛ أي عن المدَّة التي تقرَّرت في الوقت الحاضر لدوام حقِّ مجلس اللوردات في الرفضِ، ثم إنَّ لويس السادس عشر توسَّع في ممارسة حق الرفض، ولكن بدون براعة، والذي ألغى مُمارسته لحقِّ الرفضِ عدم احترام الناس لهذا الحقِّ لا طبيعته؛ فقد أوجبت ممارسته حدوثَ فتنة في ٢٠ يونيو سنة ١٧٩٢، وحدوث فتنة أخرى في ١٠ آب سنة ١٧٩٢، ولو كان حق الرفض المذكور مُطلقًا لظلَّ غير ناجع أيضًا.

وهنالك ما يجعل للأمل مجالًا في احترام حقِّ الرفض الوقفي الذي أثبتَه القانون البرلماني لمجلس اللوردات؛ ففي الرزانة التي أبداها الشعب الإنكليزي في أثناء الأزمة ما يَضمن ذلك، ثم لم يرمِ القانون البرلماني المذكور إلى نظام المَجلس الواحد كما ظُنَّ، فلمَجلس اللوردات حق مُبهَم في تعديل القوانين العادية التي يَقترع لها مجلس النواب وحق صريح في رفضِها رفضًا وقفيًّا، ومثل هذا النظام ما اقترحَت الحكومة الفرنسية (عند إعادة النظر في الدستور في سنة ١٨٨٤) تطبيقه على مجلس الشيوخ في القوانين المالية، وقد جاء في الأسباب المُوجبة لذلك الاقتراح: «أنه لا يَنشأ عن إعطاء التعامل السائد لمَجلس الشيوخ (والقائل بأن تكون الكلمة الأخيرة لمجلس النواب بعد مذاكرته مرتين في الاعتمادات المالية التي حذفها) قوة القانون نزعٌ لسلطة مجلس الشيوخ وتأثيره في مالية الدولة.»

وتَنقلب المدة التي اتفقت لحق اللوردات في الرفض الوقفي إلى قوة لا ريب فيها؛ فاللائحة التي تُقاوم مذاكرة سنتين كاملتين في زمن نرى فيه للصحافة سلطانًا على السلطات العامة تكون متينةً إلى الغاية، وقد قال المستر بيريل15 في مجلس النواب في ٣٠ مارس سنة ١٩١٠: «إنَّ مدة ستة أشهر تكفي في بلاد كإنكلترة، وتكون اللائحة التي تقاوم حملات سنتين طيبة جدًّا.»

وإن لحقِّ الرفض الوقفي محذورًا كبيرًا؛ فهو يُطيل الخصام بدلًا من أن يحلَّه سريعًا كما يحله حق رئيس الولايات المتحدة في الرفض، ثم يجب أن لا يُنْظَرَ إلى ما في طول المدة من قوة فقط؛ فهنالك أحوال كثيرة تَقضي بأن يُقْتَرَعَ للقانون بسرعة، وفيها تتجلَّى سلطة مجلس اللوردات أيضًا، وفضلًا عن هذا يحقُّ لمجلس اللوردات أن يسأل الحكومة ويَستوضِحَها، وأن يؤثِّر بذلك في سير سياسة البلاد وفي الرأي العام، ويُمكن أن تقع فيه مناقشات سياسية كبيرة على الدوام، ولم يطرأ شيء عليه من هذه الجهة منذ سنِّ القانون البرلماني.

نعم؛ إنَّ مجلس اللوردات فَقَدَ كل سلطة اشتراعية في سنِّ القوانين المالية ورفضها، وقد أضاع كل حقٍّ في تعديلها، ولم يبقَ له سوى المناقشة فيها مرة واحدة، فإذا رفضها أو عدَّلها في هذه المرة تُصبح نافذةً بعد أن يُجيزها الملك، ولكن هذه النتيجة نشأت عن عادة برلمانية صيغت في قالب قانون، واللوردات أنفسهم هم الذين أوجبوا هذا الصَّوغ بمُحاولتهم إحياءَ امتيازاتهم المنقرضة عندما رفَضوا في سنة ١٩٠٩ أن يَقترعوا لميزانية سنة ١٩١٠.

ويظهَر أن التحفُّظات التي نصَّ عليها القانون البرلماني ضدَّ إدماج تدابير غير مالية في اللوائح المالية المحض كافيةٌ، فلا أحدَ يشكُّ في إنصاف رئيس مجلس النواب والعضوَين اللذَين يُضافان إليه من هذه الجهة، ونعني بالتدابير غير المالية: التدابير التي تَرمي إلى مقاصد سياسية واجتماعية معيَّنة.

ويمكن طرح السؤال الآتي؛ وهو: هل يَعيش القانون البرلماني؟ وكيف يُسار عندما يَقبض المُحافظون على أعنَّة السلطة عاجلًا أم آجلًا؟ أيُلغونه بقانون جديد يُعيد إلى مجلس اللوردات سلطاته السابقة؟ ذلك ما يَظهر أنَّ اللورد لانسدون أعلنه عندما اقترح في ٩ آب سنة ١٩١١ على مجلس اللوردات أن لا يصرَّ على تعديله اللائحة البرلمانية؛ فقد قال: «إنَّ الذين يَرون ذلك يكفُّون عن كل اشتراك في تلك المناقَشات، ويتخلَّصون من أية مسئولية في وضع اللائحة البرلمانية، وسوف يَنتهزون كل فرصة تسنَح لهم ليسعوا في إعادة الموازَنة الدستورية التي اختلَّت في هذه المرة.» غير أنَّ المستر بلفور — الذي كان إذ ذاك زعيمَ المعارَضة في مجلس النواب — صرَّح في الشهر المذكور بأنَّ حزبه عازم على أن لا يُلغي القانون البرلماني قبل إصلاح مجلس اللوردات، نذكر هذا ونحن نرى أنه يَندُر أن لا تؤدي الأزمات الحرجة (كالتي أوجبتْ سَنَّ القانون البرلماني) إلى نتائج دائمة ولو من بعض الوجوه، ويكون ذلك أمرًا محتَّمًا عندما تكون هذه النتائج وليدة تطور تدريجيٍّ، وعليه فإننا نعتقد أن ما جاء في القانون البرلماني من نصٍّ على اللوائح المالية يُصبح نهائيًّا، وأما اللوائح الأخرى فمع أننا نرى إمكان تعديل النصوص التي أتت بحقها في القانون البرلماني نَستبعِد أن يتمَّ هذا التعديل على وجه يُصبحُ به حقُّ رفض اللوردات لها مطلقًا عامًّا.

وهنا نذكر النتائج التي انتهت إليها — في سنة ١٩١٨ — لجنة البحث في إتمام القانون البرلماني الذي سُنَّ في سنة ١٩١١، فهذه اللجنة التي كانت برآسة اللورد بريس16 قررت بقاء المبدأ القائل بأنه ليس مِن وظائف مجلس اللوردات أن يضع قانونًا ماليًّا أو يُعدِّله أو يرفضه، وإنما رَمَتْ من جهة إلى أن يُعين صفة اللائحة المالية سلطةٌ خالية من الغرض، ومن جهة رَمَتْ إلى أن يُسوَّى الخلاف بين المجلسين (وهذا لا يعني أن يرد إلى مجلس اللوردات حقُّ رفض دائم) في مؤتمرات حرة طليقة من القيود الثقيلة.

وقد قدَّرت تلك اللجنة أن لا يكون مجلس اللوردات الجديد قرَنَ مجلس النواب؛ أي أن لا يتدخَّل في المسئولية الوزارية، وأن لا يتمتَّع بما لمَجلس النواب من امتيازات في سنِّ القوانين المالية، ولكنها قالت بأنه يَستطيع أن يبحث في اللوائح التي اقترع لها مجلس النواب بعجلة وأن يُعيد النظر فيها، وبأن يكون له حق اقتراح لوائح لا تمس امتيازات مجلس النواب، وبأنه يَقدر على مقاومة إحدى اللوائح في مدة يُمكن الرأي العام أن يتجلَّى فيها وبحقِّه في المناقشة في مسائل السياسة الداخلية.

وقد رأت اللجنة المَذكورة أن لا تشمل امتيازات مجلس النواب غير اللوائح المالية الخالصة، وأن لا تعمَّ اللوائح التي يُقْصَدُ بها إصلاح اقتصادي أو اجتماعي وإن احتوت أمورًا مالية، وبعد أن ابتعدت من مبدأ استفتاء الشعب عند اختلاف المجلسَين في صفة إحدى اللوائح المالية اقترحتْ أن يفصل في هذا الاختلاف لجنةٌ مؤلَّفة من أربعة عشر عضوًا على أن يَنْتَخِبَ كلٌّ من المجلسَين نصف هؤلاء، وأن يحق لهذه اللجنة أن تقسم اللائحة إلى قسم ماليٍّ وقسم غير ماليٍّ.

وأما اللوائح التي ليس عليها مسحة مالية فترى تلك اللجنة أن يَفصل مؤتمر مختلط في اختلاف المجلسَين في شأنها، فمتى يقترع أحد المَجلسين لإحدى اللوائح ويَرفُضها المَجلس الآخر أو يُعدِّلها تعديلًا لا يوافق عليه ذلك المجلس يَستطيع أحدُهما أن يطلب إرسال هذه اللائحة إلى مؤتمر حرٍّ؛ ويتألَّف هذا المؤتمر أولًا من عشرين عضوًا من كلٍّ من المجلسَين تنتخبهم في أوائلِ كل دورة اشتراعية لجنةُ الانتخاب، على وجه يُراعى فيه اختلاف المشارب في مجلس النواب، ومن هؤلاء الأعضاء الأربعين تتألَّف «اللجنة الإضافية الدائمة للمؤتمرات». ثانيًا: من عشرة أعضاء من كلٍّ من المجلسَين تُضيفهم لجنة الانتخاب إلى اللجنة الدائمة عند إرسال كل لائحة خاصة إلى المؤتمر، ومن مجموع هؤلاء الأعضاء الستِّين يتكوَّن المؤتمر الحر.

يتباحث المؤتمر الحر في اللائحة سرًّا، ويسعى في حسم الخلاف؛ وذلك إما بالتوفيق بين الوجهتين وإما بترتيبه لائحةً جديدة، فإذا قال المجلسان بالنص الذي قرَّره المؤتمر يصبح قانونًا، وإذا رفضه أحدهما يعاد إلى المؤتمر ليبحث فيه في الدورة الآتية من جديد، وهنالك يُحتمل أن يقع أحد الأمرَين الآتيين؛ وهما: إما أن تصرَّ أكثرية المؤتمر على النص الذي قالت به سابقًا، وحينئذٍ تُرسَل اللائحة التي وافق عليها المجلسان أو مجلس النواب وحده إلى الملك ليجيزها. وإما أن لا تصرَّ أكثرية المؤتمر على نصِّها السابق، وحينئذٍ تسقط اللائحة ما لم يقترع المجلسان لها.

والذي لا نشكُّ فيه هو أن التحوُّل الذي سيطرأ على مجلس اللوردات في إنكلترة لا يُصيب مجالس الشيوخ في البلدان الديموقراطية الكبرى؛ فهو معلول لعِلَل تاريخية تخصُّ إنكلترة، وإن مجلس الشيوخ في الولايات المتحدة مما يقتضيه نظام الدولة الاتحادية، وهو مصون بالسلطة التي نالها في مرِّ السنين، وإنَّ مجلس الشيوخ الفرنسي — وإن كان في دولة مركزية — ما فتئت سلطته تزيد منذ تأليفه، ولا شيء يجعله يخشى أفضلية مجلس النواب، وقد نال المدح والثناء في غضون المناقَشات التي دارت حول مجلس اللوردات وكانت الصحُف الإنكليزية تَستشهد به في تلك الأثناء بكل احترام وتعظيم.

على أنَّ المنازع الديموقراطية الحديثة جعلَت الدساتير التي وُضِعَت بعد الحرب العامة تقلِّل امتيازات مجالس الشيوخ، ومِن هذا القبيل قولُ لائحة الدستور التي عرضتْها الحكومة البولونية على مجلس الديات17 التأسيسي (في ٤ ديسمبر سنة ١٩١٩) بأن يكون شأن مجلس الشيوخ؛ كنايةً عن حراسة القوانين، وبأن يؤلَّف من ثلاثين عضوًا ينتخبهم مجلس الديات مِن بينه أو من أعضاء التعليم العام حسب طريقة الانتخاب النسبي، ومن ثلاثين عضوًا يختارهم رئيس الدولة، ومما جاء في اللائحة المذكورة أنه لا يكون لهذا المجلس سوى حق معارضة اللوائح التي يَقترع لها مجلس الديات، وأنه إذا لم يُمارس هذا الحق في مدة ثلاثين يومًا يَستطيع رئيس الدولة أن يَنشر اللائحة كقانون، وأنه إذا مارسه تُعاد اللائحة إلى مجلس الديات، وأنه في حالة إصرار هذا المجلس على اقتراعه السابق يحق لرئيس الدولة أن يُقرِّر أيمنح اللائحة صفة القانون أم لا؟

وقد نصَّ دستور تشكوسلوفاكيا الذي سُنَّ في ٢٩ فبراير سنة ١٩٢٠ على «أن لموافقة مجلس النواب الثانية على اللائحة عند مخالفة مجلس الشيوخ قوة القانون إذا قامت على أكثرية أعضائه المطلقة القائلة ببقاء الموافَقة الأولى على حالها.» وعلى «أن اللائحة لا تُصبح قانونًا إذا اقترع عليها ثلاثة أرباع مجلس الشيوخ ولم يَقترع لها ثلاثة أخماس مجلس النواب.» وعلى «أن لوائح مجلس الشيوخ تُرسل إلى مجلس النواب، وأنه في حالة رفض هذا المجلس لها وإصرار مجلس الشيوخ عليها باتفاق آرائه تُرسَل إلى مجلس النواب ثانيةً، وأنه عند عدم اقتراعه لها في هذه المرة لا تنال قوة القانون.» وعلى «أنَّ لوائح مثل تلك لا يمكن عرضها على أحد المجلسَين قبل أن يمضي حَوْل كامل على رفضها حسب ذلك الوجه.» وعلى «أنَّ تعديل أحد المجلسين لاقتراع المجلس الآخر يُساوي رفض هذا الاقتراع».

ولم يَمنح دستور ألمانيا الذي سُنَّ في ١١ أغسطس سنة ١٩١٩ مجلس الريشرات18 سوى حق رفض القوانين التي اقترع لها مجلس الريشتاغ؛ فقد جاء في المادة ٧٤ منه: «أنه يجب أن تُرسل مُعارَضة الريشرات إلى حكومة الإمبراطورية في مدة أسبوعين بعد اقتراع الريشتاغ للائحة اقتراعًا نهائيًّا، وأن ترسل أسبابها إليها في خلال أسبوعين آخرين، وحينئذٍ تُرسل إلى الريشتاغ ليتناقَش فيها مرةً أخرى، وفي حالة عدم اتِّفاق المجلسَين عليها يستطيع رئيس الإمبراطورية في مدة ثلاثة أشهر أن يَستفتي الأمة فيها وإلا كانت غير نافذة، وفي حالة اقتراع الريشتاغ لها بأكثرية ثلثَيه يجب على رئيس الإمبراطورية إما أن ينشرها على رغم معارضة الريشرات لها كقانون في مدة ثلاثة أشهر، وإما أن يَستفتي الأمة في شأنها في أثناء هذه المدة.»

وهنالك حقُّ رفض تلاشى بفعل العادة والحكومة البرلمانية؛ وهو حقُّ الرفض الذي اعتُرِفَ به للملك، ولو نظرنا إلى أساس هذا الحقِّ لرأيناه حقَّ موافقة لا حقَّ رفض؛ لأنَّ الملك — وهو أحد فروع البرلمان — كان لا بدَّ من موافقتِه كالمجلسَين على سنِّ القوانين، ولكنَّ ذلك تحوَّل إلى حقِّ رفض مطلق، ومونتسكيو هو أول مَنْ لاحَظَ هذا الأمر، ففرَّق بين حق البتِّ وحقِّ الوقف، ثم جاء تلميذه بلاكستون فصوَّر حق الملك في رفض موافقته.

نعم، أوجب ارتقاء نظام الحكومة البرلمانية زوالَ امتياز التاج المذكور، وأعني بهذا الامتياز حقَّ الرفض الذي كان يَمتنِعُ الملك به عن إجازة إحدى اللوائح التي يَقترحها أحد أعضاء البرلمان، ويقترع لها المجلسان ومنْحَها صفة القانون، وقد كان ويليام الثالث يُمارس هذا الحق إزاء كثير من التدابير المهمَّة، وفي سنة ١٧٠٧ اتخذتْه الملكة آن19 ضدَّ لائحة الاحتياطي الاسكتلندي فكانت هذه آخر مرَّة، ومنذ ذلك التاريخ لم يُجاوب الملك عن اللوائح التي اقترع لها البرلمان بالكلمة التقليدية التي كان يَرفض بها موافقته وهي: «إنَّ الملك سيَنظر في الأمر.» وإنَّ تلاشي حقِّ الملك في الرفض أمر مقدَّر، فهذا الحقُّ كبقية الحقوق لا يمكن أن يباشر من غير استناده إلى وزارة، والوزارة إذا لم تكن من النفوذ بحيث تقدر على الحيلولة دون الاقتراع للائحةٍ ترى أن يرفضها الملك لضررها تكون قد سقطت أمام مجلس النواب، وصار من الواجب عليها أن تستعفي، ومن الطبيعي أن يقوم مقامها وزارة جديدة مؤلَّفة من الحزب الذي اقترع لتلك اللائحة؛ أي من رجال لا يطلبون إلى الملك أن يرفض لائحة قالوا بها، أضف إلى ذلك أنه قلَّما يقترح المجلسان في إنكلترة الحديثة لوائح، وأنَّ الوزارة هي التي تضع اللوائح المهمة كلها.
نعم، ينتج عن ارتقاء ذلك النظام أن تنتقل سلطة التاج إلى الوزارة المستندة إلى مجلس النواب، حتى إنَّ المستر جنكس20 يرى الوزارة موئل السيادة، وهو يَعجب لما فيها من قوة ومرونة، فاسمع ما يقول: «حقًّا إنَّ الوزارة تُزاول تلك القوة الواسعة الشاملة التي يُسمِّيها الفقهاء سيادةً، وهي تستطيع أن تعين كما ترغب وجهتها التي لا حدَّ قانونيَّ لها، ومن الطبيعي أن تُحدَّ بالممكنات البشرية، ولكنها لا تعرف حدودًا غير ذلك، ولو لاحظتم الوزارة لرأيتموها تسير دون أن تتبع قواعد مقرَّرة قبلًا، وهي في أثناء اجتماعها من وقت إلى آخر في دوننغ ستريت21 تُقرِّر مصير الإمبراطورية البريطانية الفسيحة، ومصير مئات الملايين من سكانها. أجل، يجب لكي تلبس هذه المقررات حُلَّة القانون أن يُوافق عليها البرلمان، ولكن قبض الوزارة على زمام أكثريته مما يجعلها تلبس تلك الحُلَّة بدون عناء كبير، والوزارة بما لديها من وسائل تستطيع نظريًّا بل عمليًّا أن تكسر مقاومة الكنيسة؛ بأن تُقرِّر مثلًا أن يُنفَق قسم من الزكاة التي تُجْمَع في إنكلترة على حاجات الدولة، وإن سلطة الوزارة — وإن كانت أدبية — تستطيع عند وقوع أزمة شديدة أن تُوقِظَ قوى الإمبراطورية الراقدة، وأن تجنِّد خمسة ملايين من الآدميين مثلًا، وأن تفرض خمسة عشر شلنًا على كل جنيه في أملاك التاج. نعم، تستطيع كل ذلك إذا عاضَدها رأي الإمبراطورية العام، والرأي العام وحده هو الذي تتضاءل أمامه.»

وماذا بقيَ للتاج من حقوق ونفوذ؟ لا يَزال يحافظ على بضعة امتيازات حقيقية تبدو عند الجواب عما يأتي وهو: هل يَستطيع الملك أن يمتنع عن حلِّ مجلس النواب الذي أسقط الوزارة إذا طلبت هذه الوزارة إليه ذلك؟ وهل يقدر على عزل وزارة تؤيِّدها أكثرية ذلك المَجلس، وأن يعين وزارة أخرى لإجراء الانتخابات العامة؟ يُمارس هذه الحقوق في أيامنا حكامُ المُستعمَرات التي تتمتَّع بنظام برلماني، ويقول علماء الإنكليز بأنَّ الملك يقدر على مباشرتها بشرط أن يجد وزارة تتحمَّل مسئوليتها.

وقد بقيَ للتاج — ما عدا امتيازاته القانونية — إمكانُ تأثيرِه في الوزارة تأثيرًا أدبيًّا، وهذا التأثير يتوقَّف على قيمة وليِّ الأمر وعلى سنِّه وعلى تجربته، ويكون عظيمًا بنسبة ما يُبرِّره، وفي هذا ما يَكفي لئلا يكونَ وليُّ الأمر في الحكومة البرلمانية شخصيةً رسميةً فقط، وقد لاحظ المستر جنكس أن نفوذَ الملكية زاد بارتقاء الحكومة البرلمانية، وعنده أن علَّة ذلك كون خضوع الكل لسُلطة الملك الرابطةَ الوحيدة الحقيقية التي تجمع بين سكان الإمبراطورية البريطانية الواسعة، وما غاب عن أقطاب السياسة في إنكلترة النفوذ الكبير الذي اتَّفق للملكة فكتوريا من دون أن يعارض نظام الحكومة البرلمانية، وإليك ما قاله اللورد سالسبري22 في مجلس اللوردات على أثر وفاتها في سنة ١٩٠١: «ليست حال الملك الدستوري من الأمور الهيِّنة؛ فهو مضطرٌّ إلى التوفيق بين مختلف المصالح، وعليه أن يوافق على أشياء كثيرة لا تُستحب على الدوام، وقد عَرَفَتِ الملكة فكتوريا — بقُدرتها العجيبة — أن تبقى ضمن الدائرة المرسومة للملك الدستوري، وأن تؤثِّر في الوقت نفسه في عمل وزرائها وفي سير الاشتراع والحكومة تأثيرًا لا يمكن إنكاره، وما كانت بعاجزة عن المُوافَقة على أمور كانت لا تَستحسُنها تمامًا، مقدِّرةً ضرورة هذه الموافقة، وقد كانت تراقب الأشغال العامة بجدٍّ ونشاط مبديةً رأيها لوزرائها بكل حرية منذرةً إياهم بالأخطار التي تحيق بها، وهي قد جعلت في نفسي وفي نفوسنا جميعنا إيمانًا بأن من الخطر أن نصرَّ على تدبير طارئٍ لم نَعتقد فائدته تمامًا، ومن غير أن أدخل في الفروع يمكنني أن أقول: إنه لم يَسلك وزير في أثناء عهدها الطويل غير سبيل رأيها من دون أن يشعر في نهاية الأمر بأنه حمَّل نفسه عبأ مسئولية خطرة، ومعرفتها بما يفكر الشعب فيه كانت خارقةً للعادة، وقد قَلَّتْ منذ سنوات كثيرة، ولم أكن مخطئًا في قولي: إنني حينما كنتُ أطَّلع على ما تفكِّر فيه الملكة كنت أقف على ما يُفكِّر فيه رعاياها ولا سيما طبقتهم الوسطى، ومع هذا كله لم تتعصَّب لآرائها الخاصة، وبالعكس كانت كثيرة الدقة والتساهل، وما كانت تتأخَّر عن التضحية بأي شيء ليسهل على مستشاريها أن يُديروا أمور الحكومة الصعبة.» ولا شيء أحسن من هذا الكلام في تصوير الحكومة البرلمانية في الوقت الحاضر، وإنَّ الوزراء في هذه الحكومة وإن كانوا مستشاري صاحب السلطة التنفيذية قانونًا يكون هذا الصاحب مستشارهم فعلًا، ومثال الملكة فكتوريا يثبت أهمية استشارته.

وقد اتَّبع الملك إدوارد السابع سُنَّة والدته الملكة فكتوريا كملك دستوري، وكان له نفوذ واسع في السياسة الخارجية، وما اتَّفق لوالدته عند وفاتها من المدح والثناء اتَّفق له مثله عند وفاته التي وقعت في أثناء الأزمة المَبحوث فيها آنفًا، وقد تشاءم الرأي العام الذي كان يَعقد الآمال عليه في حلِّ تلك الأزمة من وفاته في الأحوال المذكورة، وفي سبيل مراعاة هذا الرأي العام أُلِّف مؤتمر للتوفيق بين الوجهتين، ومن دواعي الأسف عدم وصول هذا المؤتمر إلى نتيجةٍ ما.

وقبل أن نترك البحث في الحكومة البرلمانية الإنكليزية نرى أن نقول كلمةً في مدة النيابة في مجلس نواب إنكلترة، فهذه المدة ظلَّت سبع سنوات منذ أوائل القرن الثامن عشر حتى القانون البرلماني الذي سُنَّ في سنة ١٩١١، ونيابة طويلة مثل هذه كانت تؤدِّي إلى نَصَبٍ في مجلس النواب، واختلاف في مَنازعه وضعف في وظائفه، والوزارة وإن كانت تَقبض على زمام أكثريته كانت هذه الأكثرية تقلُّ عددًا وثباتًا، وحينئذٍ كان يُرى أن يُحلَّ مجلس النواب ليقوم مقامه مجلس جديد، وهكذا أصبَحَ من العادة أن يُحَلَّ المجلس المذكور لهذه العلَّة، وصار من النادر أن تجاوز مدة النيابة السنة السادسة.

سُنَّ القانون البرلماني في سنة ١٩١١ فنصَّ على أن تكون مدة النيابة خمس سنوات، ولما كانت هذه المدة مُعتدلةً قُضِيَ على عادة حل مجلس النواب للسبب الآنف الذكر، حتى إن المستر ديسي سأل: ألا تؤدي النصوص الجديدة التي جاءت في القانون البرلماني إلى القضاء على مباشرة حق الحل تمامًا؟ وعندنا أن مباشرة ذلك الحل تبقى ليستفتي رئيس الوزارة البلاد في أمر يرى أن يبتَّ فيه الشعب دون مجلس النواب.

(٢) الحكومة البرلمانية في فرنسا

لم يُفْسَح للحكومة البرلمانية مجال في فرنسا عندما سنَّت أول دستور لها في سنة ١٧٩١؛ فهذا الدستور اتجه نحو شكل حكومة حرَّة مُستنِدة إلى مبدأ التفريق بين السلطة الاشتراعية والسلطة التنفيذية تفريقًا تامًّا، وفي تلك الأزمنة لم يُذْهب إلى إدخال نظام الحكومة البرلمانية إلى فرنسا، وقد عُزِيَ ذلك إلى أنَّ الفرنسيِّين كانوا يجهلون — كالأميركيين — وجود النظام المذكور، وإن علَّة هذا الجهل هي أن استنباط الحكومة البرلمانية تمَّ في إنكلترة في تلك الأزمنة فقط، وأن الذين عرَّفوا الأجانب الأنظمة السياسية الإنكليزية — كبلاكستون23 ودولولم24 — لم يُشيروا إليه قط، وأنَّ هؤلاء كانوا يزعمون وجود سلطتين مُنفصلتَين في إنكلترة، ولكن ذلك الجهل لم يكن عامًّا في الثلث الأخير من القرن الثامن عشر، سواء في أميركا أم في فرنسا؛ فقد وصف سيايس25 متهكمًا توازُن الحكومة البرلمانية، وذلك قُبيل اجتماع المجالس العامة الفرنسية، وأوضح بارناف26 سيرها في جلسة ٢٢ أكتوبر سنة ١٧٩٠، والذين كانوا يعرفونها لم يُريدوها لمناقضتها للمبادئ المجرَّدة، ولِما كان يلازمها في إنكلترة من الارتشاء والفساد، والرجل الذي كانت وجهة نظره تقرِّب من الحكومة البرلمانية هو ميرابو،27 فهذا القطب السياسيُّ أدرك بنظرِه الواسع قوتها وصوابها، وقد قال — ولكن على غير جدوى — ببعض قواعدها التي عدَّها جوهرية، ومنها إمكان تعيين الوزراء من بين أعضاء الهيئة الاشتراعية ودوامهم على الانتساب إلى هذه الهيئة، ومنها وجوب استناد الوزراء إلى أكثرية الهيئة الاشتراعية.

ولم يكن الوزراء الذين نصَّ عليهم دستور سنة ١٧٩٣ وسمَّاهم رؤساء الإدارة العامة سوى موظَّفين مُنفرِدين لا يتألَّف من مجموعهم مجلس، ولم تكن لهم — وهم المعيَّنون من قِبَلِ المجلس التنفيذي — أقلُّ صلة بالهيئة الاشتراعية، إلا أنَّ هذا النظام لم يُنَفَّذ وقد حلَّ محله دستور السنة الثالثة، الذي قال بفصل السلطة التنفيذية عن السلطة الاشتراعية فصلًا تامًّا، كالذي قال به دستور سنة ١٧٩١.

وقد فُتِحَ بدستور ٢٢ فريمير28 من السنة الثامنة باب جديد بعيد من النظام الإنكليزي، وأفكار سيايس هي التي اتُّخِذَت في قسم هذا الدستور الذي تنكَّب — ولو في الظاهر — عن تقديس السلطة الشخصية، وعن الرجوع إلى النظام السابق، وفي قسمِه الذي حافظ على مسحة الحكومة التمثيلية، وقد عرضها في خطبة مُفعَمة بنظرات ثاقبة وأقوال دقيقة ألقاها في مجلس العهد في ٢٢ ترميدور29 من السنة الثالثة الجمهورية، وهي تدور على الخصوص حول توزيع مختلف الوظائف على مختلف الهيئات، وتوزيع هذه الوظائف في النظام التمثيلي على المجالس أمر طبيعي سار عليه دستور السنة الثامنة الذي قال بثلاثة مجالس؛ مجلس الشيوخ، ومجلس التريبونا30 والهيئة الاشتراعية، وفي أيام الإمبراطورية اختُصِرَ هذا النظام فأُلْغِيَ مجلس التريبونا، ولم يمثِّل الوزراء في هذا الشكل الحكومي دورًا كالذي يُمثِّلونه في الحكومة البرلمانية عادةً. نعم، جاء في دستور السنة الثامنة: «أنه لا يكون لأي عمل من أعمال الحكومة تأثير إذا لم يوقِّعه أحد الوزراء»، ولم يمنع هذا الدستور تعيين الوزراء من أعضاء تلك المجالس، ولكن الوزراء كانوا موظَّفي تنفيذ فقط، ولم تكن لهم علاقة بالمجالس المذكورة، وأعضاء مجلس الشورى لا هؤلاء الوزراء هم الذين كانوا باسم الحكومة يدافعون أمام الهيئة الاشتراعية عن لوائح القوانين، ثم إنَّ وزراء نابليون المذكورين لم يكونوا بالحقيقة سوى خدم لهذا الطاغية كما كان وزراء العهد السابق، وإذا اتَّفق أن بعضهم كان ذا تأثير شخصي في الدولة فذلك لِما له من الدالة على الجبار المشار إليه.
بَيْدَ أنه لما أفاق الناس في فرنسا من غفلتِهم في أواخر الإمبراطورية الأولى وتاقت نفوسهم إلى الحرية السياسية؛ اتَّجهوا نحو نظام الحكومة البرلمانية السائد لإنكلترة في ذلك، وإنَّ أبناء البلاد شعروا بوطأة استبداد نابليون ورأوا أنَّ المساعي التي بذلها المجلس التأسيسي ومجلس العهد — لتنظيم أمور الحرية وشئون الحكومة التمثيلية — ذهبت أدراج الرياح، وهل بقي لهم غير القول بإنشاء حكومة كالتي نجحَتْ في إنكلترة وصدف الفرنسيون عنها حتى ذلك الحين؟ أخذ نظام الحكومة البرلمانية في إنكلترة يَصير معروفًا في فرنسا بفضل بعض أفاضل الفقهاء، وعلى رأسهم بنيامين كنستان،31 وهذه المعرفة وتلك المناحي أوجبت قبول النظام المذكور من قِبَلِ رجلين متخالعَين في سنة ١٨١٤ و١٨١٥، وهو يتجلَّى في مرسوم دساتير الإمبراطورية الإضافي الذي وُضِعَ في سنة ١٨١٥ أكثر مما في دستور سنة ١٨١٤ على ما يظهر.

•••

اتُّخِذَ نظام الحكومة البرلمانية في فرنسا في دستور سنة ١٨١٤، ومع ذلك لم تَشتمِل نصوص هذا الدستور عليه بصراحة، لا جَرَمَ أنه نصَّ على «أن الوزراء يمكن أن يكونوا من أعضاء مجلس الشيوخ أو مجلس النواب، وأن لهم حقُّ الدخول فيهما، وأنه يجب سماعهم وقتما يريدون.» كما أنه نص على «أن الملك يقدر على حلِّ مجلس النواب، بشرط أن يدعو مجلس نواب آخر في مدة ثلاثة أشهر.» ولكنه لم ينصَّ على مسئولية غير مسئولية الوزراء الجزائية في حالة خيانتِهم وارتشائهم، أي إنه لم يَحتوِ على مسئوليتِهم السياسية ولا على تضامُنهم في المسئولية، على أنَّ هذا لم يكن أثر خطأ؛ فقد أشار شاتوبريان32 منذ إعادة الملكية أول مرة إلى نقص الدستور المذكور من هذه الجهة، ولاحَظَ أن نتائج النظام البرلماني الضرورية تُسْتَخْرَج بحكم الطبيعة، ولما أعيدت الملكية في المرة الثانية ذكر في كتابه الذي ألَّفه في سنة ١٨١٦ وسمَّاه «الملكية بحسب الدستور» قواعد الحكومة البرلمانية، وإليك بعض ما قاله فيه: «إنَّ من مقتضيات الملكية الدستورية أن لا يصدر عمل من أعمال الحكومة عن الملك رأسًا، وأن تَصدر هذه الأعمال عن الوزارة ولو كانت باسم الملك وتوقيعه كاللوائح والمراسيم وتعيين الموظَّفين، وماذا يَعمل الملك إذًا في مجلسه؟ هو يَرتئي الأمور من دون أن يُكْرِهَ الوزارة على رأيه، فإذا أطاع الوزير أمْر الملك يكون قد صنَع الجميل وأتى بعمل يكون مَظهرًا لقبول الكل، وإذا ابتعد منه لا يُصرُّ الملك عليه، وعندما يخطئ الوزير في سَيره يسقط، فيُبدِّل الملك وزارته.» إلى أن قال: «إن العدول عن أكثرية المجلسين يعني رغبة في المشي بلا رِجْلين، وفي الطيران بلا جناحين؛ أي سعيًا في كسر الناظم للحكومة البرلمانية.» إلى أن قال: «يجب أن لا يتدخَّل المجلسان في أمور الإدارة، وأن لا يأتيا بأسئلة مُزعجة، وأن لا يُعرِّضا الوزراء للخطر؛ وذلك عندما يكون الوزراء سادة المجلسين بالحقيقة وخدمًا لهما بالظاهر، وما هي الوسيلة المؤدية إلى هذه النتيجة المباركة؟ هي أن تَقبض الوزارة على زمام الأكثرية وتُسايرها.» إلى أن قال: «يَفتقِر مجلس النواب إلى معرفة بعض الأمور الآتية التي هي وليدة التجربة؛ وهي: أن يَعرف كيف يكون محترمًا، وأن لا يصبر على ذهاب الوزراء إلى أنهم مستقلُّون عن المجلسَين مبدئيًّا، وأنهم يَستطيعون أن يمتنعوا عن حضورهما عندما يَرغبان في هذا الحضور؛ ففي إنكلترة لا يُسأل الوزراء عن اللوائح فقط، بل يُسألون عن أعمال الإدارة والتوظيف حتى عن حوادث الصحُف أيضًا.» إلى أن قال: «يَقتضي أن تكون الوزارة كتلةً واحدةً بعد تأليفها، وهذا لا يعني أنَّ اختلاف أُولي الشأن في آرائهم السياسية — وهم منفردون — يَمنع من أن تجمَعهم وزارة واحدة؛ فهم يَقدرون على الدخول فيها حسب مبدأ الوزارة المؤتلفة الإنكليزي؛ وذلك بأن يتَّفقوا — في البداءة — على خطة عامة قائمة على تضحية كل منهم بشيء من منازعه في سبيل الرأي العام ومقتضى الأحوال، ولكنهم بعد أن يتولوا إدارة أمور الدولة يجب عليهم أن يسيروا برُوح واحدة، ولا تتضمَّن وحدة الوزارة كون التاج لا يَقدر على تغيير بعض الأعضاء من غير أن يغيِّر البعض الآخر، بل تقضي بأن يتبع الوزراء الجدد والوزراء الباقون خطة مُتجانسة، وكثيرًا ما يقع في إنكلترة تبديل جزئي في الوزارة القابضة على شئون السلطة، والوزارة جميعها لا تسقط هنالك إلا عندما يستعفي رئيسها.» إلى أن قال: «ولما كان النواب ممثِّلي رأي الشعب الحقيقيِّين وجب أن تؤلَّف الوزارة من أكثرية مجلس النواب.» وهذا أبلغ إيضاح لِما عليه الحكومة البرلمانية مِن المبادئ الدقيقة والسلطات المختلفة.
وهنالك علماء مَعدودون من أكابر الفقهاء، قالوا بغير ما قال به شاتوبريان؛ فقد أرادوا أن تَشتمِل مسئولية الوزراء على المسئولية الجزئية فقط، وودُّوا أن يتركوا للملك أمر انتخاب الوزارة وبقائها بحرِّية، فاسمع ما قاله رويركولار33 في مجلس النواب سنة ١٨١٦: «لا أعتقد أنه مِن الضروري أن يكون للوزراء في فرنسا — كما لهم في إنكلترة — أكثرية دائمة في مجلس النواب. لاحظوا الفرق بين المبادئ التي تقوم عليها كلتا الحكومتين تروا أن حقَّ اقتراح اللوائح وإدارة دفَّة البلاد والحكومة بيد مجلس النواب في إنكلترة، وأن الحكومة في فرنسا في قبضة الملك الحاكم المستقل عن المجلسين اللذين وإن كانت مشاركتهما في تسيير الأمور مفيدة ليست ضرورية إلا في سنِّ القوانين والاقتراع للميزانية، وإنَّ من المجرَّدات الغامضة أن تقف الحكومة في بلاد كثيرة القوانين كفرنسا عندما لا يُقترَع لقانون جديد؛ لأنه لو كان ضروريًّا ما تأخَّر المجلس عن الاقتراع له، وأما الميزانية فأمرها يعود على الأمة كلها لا على الملك ولا على مجلس النواب، وسبب هذا الأمر أنَّ بقاء الأمة يتوقَّف على الميزانية، وإنَّا لا نتصوَّر مجلسًا يضع الأمة مَوضِع الخطر بإلغائه أو وقفِه المصالح العامة؛ وذلك انتصارًا لوجهات نظر شخصية، فعند حدوث هذا الشيء المستبعَد يترتَّب على الملك أن يُراجع الأمة لتُعينه على حكم البلاد.»

وبعد أن دام التردُّد مدةً سلك لويس الثامن عشر صراطًا مستقيمًا، فسارت الحكومة البرلمانية في عهده سيرًا مُنتظمًا وإن كانت تتَّجه من بعض الوجوه نحو تقوية امتيازاته، ولما جلس شارل العاشر على العرش زالت الموازنة فوُضِعَت مراسيم شهر يوليو سنة ١٨٣٠ التي أدَّت إلى الثورة وأوجبت أول مرة تطبيق مبدأ مسئولية الوزراء الجزائية.

ذلك هو سبب الحكومة البرلمانية التي انتصَرتْ وملكية شهر يوليو، ومع ذلك لم يُشْعَر بحاجة إلى تحديد مبادئها في الدستور الذي أُعيد النظر فيه سنة ١٨٣٠، فقد استنسخ هذا الدستور مبادئ دستور سنة ١٨١٤ في الحكومة البرلمانية، وكان يُرَى أن العادة البرلمانية هي التي ستُتِمُّ تلك المبادئ وتَستخرِجُ منها نتائجها الطبيعية. حقًّا لقد قامت حكومة برلمانية في ملكية يوليو وارتقت طرقًا ووسائل، ولكنه سُئِل: هل طُبِّقت بإخلاص تطبيقًا مستمرًّا أم أن الحوادث والخصومات التي نشأت عن ائتلاف سنة ١٨٣٩ الشهير زيَّفت مقوِّماتها وأفسدتها؟ ولقد دارت في ٢٧ و٢٨ و٢٩ من شهر مايو سنة ١٨٤٦ في مجلس النواب مُناقَشة مهمَّة حول المسألة الآتية؛ وهي: كيف يجب أن يكون في الحكومة البرلمانية شأن رئيس الدولة أي صاحب السلطة التنفيذية؟ فحام حول هذه المسألة رأيان مختلفان:
  • أما الرأي الأول: فيَقول بأنه يجب أن لا يكون لرئيس الدولة شأن فاعل مؤثِّر في إدارة الحكومة، وبأنَّ الوزراء يُريدون باسمه، وبأنه لا يَستطيع غير الرضى بما يَرون ما داموا مستندين إلى أكثرية البرلمان، والمسيو تيار34 هو الذي ناضل عن هذا الرأي متمسِّكًا بكلمته القائلة بأنَّ الملك يَملك ولا يحكم.
  • وأما الرأي الثاني: فبالعكس؛ يَعترف لرئيس الدولة المسئول أدبيًّا وغير المسئول دستوريًّا بأنَّ من حقوقه أن يكون عضوًا فاعلًا حقيقيًّا في الدولة، وأن يسعى في نصر أفكاره الشخصية؛ وذلك بشرط أن يجد وزارة مُستندةً إلى أكثرية في المَجلس تتحمَّل مسئولية تطبيقها، وبشرط أن تحُوُّل هذه الوزارة دون المجادلة في شخصه وأعماله في المجلسَين مُنتحلةً هذه الأعمال لنفسها، والمسيو غيزو35 هو القائل بالرأي المذكور، وقد يكون هذا الرأي أقلَّ بساطةً من الأول، ولكنه لا يمكن أن يُزْعَمَ أنه لا يُوفَّق بينه وبين الحكومة البرلمانية التي يَحترم مبادئها الجوهرية كلها.

وهل كان دستور سنة ١٨٤٨ (الذي أسَّس في فرنسا أول مرة نظام الجمهورية وعلى رأسه رئيس) يحافظ على مبدأ الحكومة البرلمانية كما هو، أم كان يبحث عن طريق للسير في الدساتير الجمهورية السابقة التي قالت بتوزيع السلطات توزيعًا تامًّا؟ ومن دواعي العجب أنَّ واضعيه لم يَعرفوا أن يبتُّوا هذه المسألة المهمَّة بتًّا صريحًا، ويظهَر أن بعض نصوصه يتضمَّن شيئًا من مبادئ الحكومة البرلمانية؛ فهو لم يقُلْ بمُناقَضة عضوية المجلس الاشتراعي للوزارة، وقد جاء فيه أنه يحقُّ لرئيس الجمهورية «أن يعرض لوائح القوانين على المجلس الوطني بواسطة الوزراء»، و«أن لهؤلاء أن يدخلوا في المجلس الوطني وأن تُسْمَعَ بياناتهم فيه كلَّما طلبوا ذلك»، و«أنه لا تأثير لأعمال رئيس الجمهورية — ماعدا التي يُعين بها الوزراء أو يعزلهم — إذا لم يوقعها وزير»، غير أنه احتوى على نصوص تأبى نظام الحكومة البرلمانية، ومنها أن رئيس الجمهورية مسئول عن أعماله كلها، ومنها أنه لا يحقُّ لهذا الرئيس أن يحلَّ الهيئة الاشتراعية، وهذا الحق من لوازم الحكومة البرلمانية كما هو معلوم.

ومن الطبيعي أن تُحلَّ عمليًّا تلك المسألة التي ظلَّت معلَّقةً، ورئيس الجمهورية هو أول من بدأ بذلك؛ ففي رسالة أرسلَها إلى المجلس في ٣١ أكتوبر سنة ١٨٩٤ ادَّعى بأنه يحقُّ له أن يختار الوزراء ويَعزلهم، وأن يُدير شئون الحكومة بواسطة أناس مُخلِصين لسياسته إخلاصًا تامًّا، وقد جاء في الرسالة المذكورة: «إنَّ الاتفاق الذي يجب أن يكون بين مختلف السلطات في الدولة لا يدوم إذا لم يصرِّح بعضُها بفكرِه للبَعض الآخر بحرية تامة، على هذا المقصد أبلَغَ المَجلسُ الأسباب التي جعلتْني أبدِّل الوزارة وأهجر رجالًا أعترف بخدماتهم الجليلة شاكرًا، وإنَّ فرنسا القَلِقة — وهي مجردة من الإدارة — تبحث عن يد الرئيس الذي انتخبتْه في ١٠ ديسمبر وعن عزيمته، ولا تبدو هذه العزيمة إذا لم يكن بين رئيس الجمهورية ووزرائه وحدة تامة في الرأي والعقيدة، وإذا لم يُشاطر المَجلس الوطنيُّ فكرة القوم التي تجلَّت في انتخاب صاحب السلطة التنفيذية.» لم يحتج المجلس على هذا القول الجليِّ، ولكن سير الوزارة لم يُلائمه؛ إذ أخذت تطلب إلى المَجلس أن يَثق بها، وهكذا ظلَّ الأمر مُذبذبًا حتى وقَع حادث خطر أدَّى إلى حلِّ المشكلة، أعني به عزل الجنرال شنغارنيه36 من قيادة جيش باريس وحرس مُقاطعة السن الوطني، تمَّ هذا العزل في عهد الوزارة التي عُدِّلت في ٩ يناير سنة ١٨٥١؛ وذلك على أثر استيضاح أثير في المجلس حول بعض أعمال الجنرال شنغارنيه نفسه، وخُتِمَ بإعلان أكثرية المَجلس ثقتَها بالجنرال المشار إليه.
لم يكن مفرٌّ من وقوع تصادُم بين أكثرية المَجلس وبين السلطة التنفيذية، وقد طلب المسيو دي ريميوزا37 تأليف لجنة للبحث في التدابير التي تقتضيها الحال، فأُلِّفت هذه اللجنة، ولما عرضت تقريرها على المَجلس ناقش فيه في ١٥ و١٦ و١٧ و١٨ من شهر يناير سنة ١٨٥١ مناقشةً اشترك فيها أشهر خطباء ذلك الزمن مثل بيرير38 ولامارتين39 ودوفور40 وتيار،41 وأهمُّ ما دارت حوله هو أمر معاكسة رئيس الجمهورية للسلطة الاشتراعية معاكسةً تَزيد يومًا فيومًا، وقد حامت أيضًا حول اقتِراح تلك اللجنة القائل بتقرير مسئولية الوزارة سياسيًّا عن عزل الجنرال شنغارنيه والذي منه: «إن المجلس الوطني — مع اعترافه بحق السلطة التنفيذية في قيادة الجند — يؤنِّب الوزارة على كيفية استعمالها هذا الحق.» وهذا يَعني تطبيقًا لمبدأ الحكومة البرلمانية، وهل يُجيز الدستور ذلك؟ جادل بعض الخطباء فيه بشدَّة، ومنهم لامارتين الذي قال بعدم مسئولية الوزراء عن أعمال الحكومة دستوريًّا، وبمسئولية رئيس الجمهورية السياسية عنها وهو المدبِّر لها، ولم يُكتَب الفوز لهذا الرأي لأنَّ الحكومة — على رغم رسالة ٣١ أكتوبر الآنفة الذِّكر — لم تَقطع صلتها بالنظام البرلماني؛ ولأنَّ الوزراء بعد أن أعلنوا مسئوليتهم دستوريًّا يَصعب قبول مسئوليتهم تارةً ورفضها أخرى، والذي بدا إذ ذاك أنه بُرهان قاطع في المسألة تقرير أرمان ماراست42 الذي عرَضه في سنة ١٨٤٨ على المجلس التأسيسي باسم لجنة الدستور، وإليك ما جاء فيه: «لا تخشى الأكثرية أن يسيء رئيس الجمهورية استعمال استقلاله؛ لأن الدستور يَحصره في دائرة لا يَقدر على الخروج منها، والمَجلس وحده هو الذي يَبقى سيد كل نظام سياسيٍّ؛ فهو يحقُّ له أن يرفض ما يقترحه رئيس الجمهورية بواسطة وزرائه، وهو يَستطيع أن يُسْقِطَ الوزارة عندما لا يروقه سير الإدارة، ويُمكنه أن يقاضي رئيس الجمهورية إلى محكمة العدل العليا ويتَّهمه أمامها إذا أصرَّ المشار إليه على خرْق حرمة الرأي العام.» وقد انحاز المجلس إلى مضمون هذا التقرير، فاقترع لاقتراح تأنيب الوزارة الذي وضعته تلك اللجنة، وعلى أثر ذلك استعفى الوزراء فقَبِلَ رئيس الجمهورية استعفاءهم، ثم عيَّن هذا الرئيس في مكانهم وزارة جديدة لم يخترْ أعضاءها من حزب الأكثرية، وأرسل إلى المجلس رسالة شرح فيها وجهة نظره في التصادُم المَذكور، وهاك ما قاله فيها: «إنَّ اتحاد السلطتين ضروري لطمأنينة البلاد، ولكنَّ الدستور لما جعل إحداهما مستقلَّةً عن الأخرى وجب أن تتبادَلا الثقة لتَصِلا إلى الاتحاد المنشود، وإني — حبًّا لإزالة الاختلاف الواقع — قَبِلْتُ استعفاء وزارة بذَلت ما يُمكنها من الإخلاص للبلاد ولتوطيد دعائم النظام، وبما أنني أطمع في تعيين وزارة تستطيع أن تعيش لا أرى أن أختار أعضاءها مِن أكثرية هي بنْتُ أحوال استثنائية؛ ولذا عزمت على إحداث وزارة مؤلَّفة من أناس لا يَنتسِبون إلى حزب من أحزاب المجلس، ولا يُهمُّهم سوى القيام بالأمور العامة من غير أن يَلتفِتوا إلى الأمور الحزبية.» ولم يصعب على رئيس الجمهورية إذ ذاك أن يدعم سياستَه المذكورة بإسقاط المَجلس وهذا ما وقع فعلًا.

•••

إنَّ دستور ١٤ يناير سنة ١٨٥٢ الذي ظهر بعد إسقاط المجلس (والذي وضعه لويس نابليون مستندًا إلى السلطات التي جعل الشعب يمنحه إياها في الاستفتاء العام الذي وقع في ٢٠ و٢١ ديسمبر سنة ١٨٥١) بعيد من نظام الحكومة التمثيلية على العموم والحكومة البرلمانية على الخصوص، ويتجلَّى ذلك في مقدمته التي جاء فيها: «إنَّ نصَّ ما يوضع من الدساتير على أن رئيس الحكومة غير مسئول هو افتراء على الشعور العام، وهو تذرُّعٌ بوهمٍ تبدَّد ثلاث مرات فيما اشتعَل من الثورات. وأما هذا الدستور فبالعكس يُعلن أنَّ الرئيس الذي انتخبتموه مسئول أمامكم، وأنه لهذه المسئولية يجب أن يكون حرًّا غير مقيد في سيره، وأن من مقتضيات هذا السير أن يكون الوزراء أنصار رأيه، وأن لا يتألَّف منهم مجلس مسئول مُتضامن رادع لأعمال رئيس الدولة، مُعبِّرٌ عن سياسة المَجالس معرَّضٌ لكل تقلُّب يحول دون سير الأمور سيرًا مُنتظِمًا، وإن قول هذا الدستور بأن لا يتواجَه الوزراء والمجلس وأن يقوم خطباء شورى الدولة وحدهم بالمناضَلة عن لوائح القوانين في المجلسَين؛ مما يؤدي إلى عدم ذهاب الوقت بالأسئلة الفارغة والتهمات الطائشة والمجادلات العنيفة التي لا يُقْصَد بها غير إسقاط الوزراء والحلول في مكانهم.» ولم تكن أقل وضوحًا من ذلك مواد هذا الدستور التي اقتبسها من مواد دستور القنصلية والعهد الإمبراطوري الأول من حيث بُعْدها من نظام الحكومة البرلماني؛ إذ جاء في المادة الثالثة عشرة منه: «أن أمر الوزراء منوط برئيس الدولة، وأنَّ كل واحد منهم مسئول عن عمله الحكومي، وأنه لا تضامُن بينهم، وأنهم لا يُتهمون إلا من قِبَل مجلس الشيوخ.» وهكذا قضى على المسئولية السياسية حتى على المسئولية الجزائية التي أصبح أمرها بيد هيئة يُعيِّن أعضاءها رئيسُ الدولة، وقد عُزِلَ الوزراء عن الهيئة الاشتراعية، وصاروا لا يستطيعون أن يكونوا أعضاءً فيها ولا أن يَدخلوها، وأعضاء مجلس الشورى المعيَّنين من قِبَلِ رئيس الدولة هم الذين أضحى من وظائفهم أن يُدافعوا عن لوائح القوانين أمام الهيئة الاشتراعية وأمام مجلس الشيوخ، ولم يبقَ في يد الهيئة الاشتراعية التي انحصر عملها في الاقتراع للقوانين وللميزانية وسيلةٌ للإعراب عن رأيها في سياسة الحكومة، إلا في أثناء المناقشة في الميزانية.

على أنه رُجِعَ قبل سقوط الإمبراطورية الثانية إلى نظام الحكومة البرلمانية الذي هُتِكَت حرمته حسب ذلك الوجه؛ إذ قالت هذه الإمبراطورية بالتدريج بالنُّظم التي قضت عليها في سنة ١٨٥٢، وسببه أنَّ فرنسا التي جاوزت في سبيل الحرية أعوام الثورة الكبرى العصيبة ودور الإمبراطورية الأولى الشديد ذاقت طعم الحرية السياسية المنظَّمة السلمية في دور إعادة النظام الملكي «الرستوراسيون» وملكية شهر يوليو والجمهورية الثانية ذوقًا مُقارنًا لنظام الحكومة البرلمانية، فعلمت أن هذا النظام والحرية السياسية أمران ملازمان. نعم، إنَّ أكثرية الشعب الفرنسي — التي سُحِرَت بذكرى العز الذي اتَّفق لفرنسا في العهد الإمبراطوري الأول والتي كانت تخشى في سنة ١٨٥١ نشوء المذاهب الاشتراكية — زهدت في الحرية السياسية ورضيَتْ في الاستفتائين اللذَين وقَعا في تلك السنة وفي سنة ١٨٥٢ بأن تضحِّي بها، إلا أنَّ ذلك لم يكن سوى أثر ضعف مؤقَّت؛ فقد أخذ ينمو فيها حب الأنظمة الحرة والاحتياج إليها شيئًا فشيئًا، ولما شعرت الحكومة الإمبراطورية بهذا الانتباه الذي لا يقاوَم رأت أن تُداريه بهبات محدودة جدًّا، ولكنَّها اضطرَّت بعدئذٍ إلى سلوك سبيل الرأي والمنطق، فقالت بهبات أخرى، وهكذا حتى عادت مبادئ الحكومة البرلمانية إلى مقامها السابق في فرنسا.

وأول ما حدث أنه نُشِرَ في سنة ١٨٦٠ مرسوم إمبراطوري متضمِّن إصلاحَين مهمَّين؛ فقد جاء فيه: «أنه يحقُّ لمَجلس الشيوخ وللهيئة الاشتراعية أن يَقترعا عند افتتاح كل دورة سنوية لجواب عن خطبة العرش، وأنَّ المناقَشة فيه تتمُّ في حضرة مفوَّضي الحكومة الذين يوضِّحون للمجلسَين سياسة الإمبراطورية في الداخل والخارج.» وجواب المجلسَين عن خطبة العرش في ملكية شهر يوليو كان أهم وسيلة لمراقبتِهما سياسة الحكومة العامة، وكان في أثناء المناقشة فيه تُطْرَح — في الغالب — مسألة الثِّقة بالوزراء، ويَسعى حزب المعارضة في تعديله تعديلًا مؤديًا إلى عدم الثِّقة بهم ومن ثم إلى سقوطهم، وفي هذه المرة أصبح يُمكن أن يشتمل الجواب الذي أشار إليه ذلك المرسوم على مثل هذا التعديل، ولكنَّه من غير أن يؤثِّر تأثيرًا مُباشرًا قانونيًّا في مصير الوزراء، ثم إن المرسوم المذكور لم يفتح باب البرلمان للوزراء الذين فُوِّض إليهم أمر النظر في مختلف المصالح، والذين يُعيَّنون من غير الهيئة الاشتراعية، وإنما أحدث صنفًا من الوزراء للمُدافعة عن لوائح قوانين الحكومة أمام المجلسَين فقط؛ وذلك بعد الاتفاق مع شورى الدولة.

وفي سنة ١٨٦٧ نُشِرَ مرسوم فسير به إلى الأمام خطوةً أخرى؛ إذ ألغى مبدأ الجواب عن خطبة العرش، وأقام مقامه طريقة أيسر منه للمُراقَبة السياسية، وتتجلَّى هذه الطريقة في المادة الأولى منه؛ حيث جاء فيها: «يستطيع أعضاء مجلس الشيوخ والهيئة الاشتراعية أن يَستَوضِحوا الحكومة.» وحق الاستيضاح لفتحه أمام المجلس باب المناقشة في السياسة العامة أو في عمل من أعمال الحكومة الخاصة، ولإغلاقه إياه بالاقتراع لإحدى المناحي عُدَّ في فرنسا ناظم الحكومة البرلمانية الطبيعي، ومع أنه لا يُناقش في موضوع الاستيضاح الذي نصَّ عليه مرسوم سنة ١٨٦٧ إلا باتباع طريقة صعبة، ومع أنَّ الاقتراع في أمره لا يَرمي إلا إلى لفت نظر الحكومة إليه كان يمكن أن يكون مرهوب الجانب عندما يمارسه رجال ماهرون، ثم إنَّ حق الاستيضاح كان يؤدي إلى مثول الوزراء بين يدي المجلسَين بحكم الطبيعة، وهم وإن لم يكن من حقوقهم أن يَدخُلوا فيهما «يستطيع كل واحد منهم — بتفويض من الإمبراطور وبالاتفاق مع وزير الدولة ورؤساء مجلس الشورى وأعضائه — أن يمثِّل الحكومة أمامهما للمُناقشة في شئون الدولة وفي لوائح القوانين.»

وقد أخذت الإمبراطورية في الدور المذكور تُعدِّل هيآتها الدستورية، فمَجلس الشيوخ الذي كان — كما في دستور السنة الثامنة — كنايةً عن مجلس دستوريٍّ دائم وجماعة من المحلَّفين الدستوريين للمعارضة في نشر القوانين المخالفة للدستور ولمبادئ الحقوق العامة الجوهرية؛ صار يتدرَّج إلى ما كان عليه في الماضي، ومن علائم هذا التدرُّج المرسومُ الذي اتُّخِذَ في شهر مارس سنة ١٨٦٧، والقائل بأن مجلس الشيوخ — مع محافظته على وظائفه الحاضرة — يحقُّ له أن يُعيد إلى الهيئة الاشتراعية أي قانون اقترعت له لتَرجع إلى المناقشة فيه مرةً أخرى؛ وذلك بشرط أن يُبيِّن الأسباب التي جعلته يردُّ إليها ذلك القانون، ولا يَعني هذا أنه أصبح من حقوق مجلس الشيوخ أن يُعدِّل القانون، فعند إصرار الهيئة الاشتراعية في المرة الثانية على صيغتِه السابقة لا يُمكنه أن يحول دون نشره إلا لعدم مُوافقتِه للدستور أو لسبب مُماثل، ثم إنَّ مذاكرات مجلس الشيوخ التي كانت سرية حتى سنة ١٨٦١ صارت علَنية بعد هذا التاريخ وأضحت تُنْشَر برُمَّتها.

حان الوقت الذي يُدْمَج فيه نظام الحكومة البرلمانية ونتائجه الطبيعية في الدستور، ومع ذلك فقد اقتضى الوصول إلى الغرض المذكور مجاوزة برزخ جديد، وهذا ما تجلَّى في مرسوم سبتمبر سنة ١٨٦٩ الذي جاء في المادة الثالثة منه: «أنه يُمكن أن يكون الوزراء من أعضاء مجلس الشيوخ أو الهيئة الاشتراعية، وأنه يحقُّ لهم أن يَدخلوا في أيهما، وأنه يَجب الإصغاء إليهم في كلِّ مرة يريدون.» وقد فتَح ذلك المرسوم باب استيضاح الوزراء على مصراعَيه، ومنح هذه الهيئة حقوقًا جوهرية؛ منها: حقُّ اقتراح القوانين، ومنها حقُّ انتخاب ديوانها، ثم جعل مجلس الشيوخ — الذي أصبحتْ جلساته علنية — يَقرُب من مجلس اللوردات في إنكلترة؛ من حيث رد القوانين إلى الهيئة الاشتراعية حتى تبحث في ما يَراه من التعديلات، ومن حيث منعه لنشر القوانين في كل الأحوال. غير أنَّ الإمبراطورية التي سمحت بتلك الأمور المؤدية إلى مسئولية الوزراء السياسية أَبَتْ أن تقول بهذه المسئولية مثابرةً على المبدأ المُبايِن الذي نُصَّ عليه في دستور سنة ١٨٥٢؛ فقد جاء في المادة الثانية من المرسوم المذكور: «إن الوزراء مربوطون بالإمبراطور وهم مسئولون، ولا يُمكن اتهامهم إلا من قِبَل مجلس الشيوخ.» ولا شيء أكثر تباينًا من هذه العبارة التي تُناقضُ فقرتها الثانية فقرتها الأولى، إلا أن يكون قُصِدَ بها مسئولية الوزارة نحو الإمبراطور، وفي هذا من خدع العين ما لا يخفى على الناظر.

وقد زال التناقُض المذكور في دستور ٢١ مايو سنة ١٨٧٠ الذي استُفْتِيَ الشعب فيه في اليوم الثامن من ذلك الشهر؛ فالإمبراطورية بهذا الدستور تحوَّلت إلى نظام دستوري قائل بالحكومة البرلمانية. وهي لم تذهب به إلى أن الوزراء يمكن أن يكونوا من أعضاء المجلسَين، وأنه يحقُّ لهم أن يدخلوا ويتكلَّموا فيهما فقط، بل ذهبت إلى مسئوليتِهم في مُطلَق الأحوال، وإلى اشتراكهم فيها كمجلس أيضًا، وإليك ما ذكرته المادة التاسعة عشرة بنصِّه: «يعيِّن الإمبراطور الوزراء ويَعزلهم — والوزراء يَتباحثون في مجلسهم برآسة الإمبراطور — وهم مسئولون.» وقد انتهى مجلس الشيوخ إلى ذؤابة ارتقائه، فصار له الهيئة الاشتراعية من خصائص وسلطات في اقتراح القوانين، وفي البحث فيها، وفي الاقتراع لها أو عليها، وفي تقبُّل العرائض، وقد اعترف للإمبراطور بأنه يحقُّ له أن يحلَّ الهيئة الاشتراعية، وإنَّ هذا الحق وإن قيل به في دستور سنة ١٨٥٢ كان سلاحًا شخصيًّا بيدِ الإمبراطور، وأما في هذه المرة فأصبح مِن لوازم الحكومة البرلمانية.

لا جَرَمَ أنَّ دستور ٢١ مايو سنة ١٨٧٠ احتوى على أمور تُناقض نظام الحكومة البرلمانية كمسئولية الإمبراطور الشخصية التي اقتَبَسها حرفيًّا من دستور سنة ١٨٥٢، وكقوله: «إن الإمبراطور يحكم بمشاركة الوزراء ومجلس الشيوخ والهيئة الاشتراعية ومجلس الشورى.» ولكنه كان ينطوي تحت هذا النظام تُناقض أبعد غورًا وأشدَّ حرجًا من ذلك، ويُرى التناقُض المذكور من خلال السؤال الآتي؛ وهو: هل يستطيع النظام الإمبراطوري أن يَحتمل الدم الأجنبي الذي صبَّه في نفسه؟ لم يمرَّ وقت كافٍ لتظهر نتيجة تلك التجربة، فقد قُضِيَ على دستور ٢١ مايو سنة ١٨٧٠ مع الأسرة الإمبراطورية في ٤ سبتمبر سنة ١٨٧٠؛ وذلك على أثر نكبة عظيمة نشأت بحكم الضرورة عن مساوئ وأضاليل تكدَّست بفعل السلطة المُطلَقة في سنوات كثيرة.

وعندما اجتمع المَجلس الوطني في بوردو في شهر فبراير سنة ١٨٧١ قال بأن تقوم الجمهورية المؤقَّتة على أُسُسِ الحكومة البرلمانية بقدر ما تَسمح به الأحوال، ولما تقرَّر نهائيًّا في سنة ١٨٧٥ أن تكون فرنسا جمهورية دستورية أقيمت هذه الجمهورية على أُسُسِ الحكومة البرلمانية أيضًا، ولكن بنصوص واضحة ملائمة لما تتطلَّبه فرنسا من الحرية السياسية، وهكذا ترى أن النظم البرلمانية تسرَّبت في فرنسا في كل مرة حسب تطوُّر الرأي العام التدريجي فيها.

إنَّ نظام الحكومة البرلمانية الذي اقتُبِسَ من إنكلترة مُتماثل من حيث الأساس في الممالك القائلة به، فهو يتجلَّى فيها بجميع الأوصاف التي عرضْناها سابقًا، ومع ذلك فإن كل مملكة من تلك المَمالك وفَّقت بينه وبين عاداتها السياسية ومزاجها الخاص، ولا نرى في هذا ما يوجب العجب إذا علمنا أنَّ النظام المذكور يتضمَّن مبادئ تتكيَّف بحسب الأحوال والتقاليد.

وإنَّ هذا النظام كبقية النظُم العليا كثير التعقيد صعب التطبيق، وعندنا أنَّ أكثر الأحوال ملائمة لتطبيقه بانتظام هي التي وُجِدَت في إنكلترة مدةً طويلة؛ أي التي يقوم بها في البلاد حزبان كبيران مُتناظِران بغضِّ النظر عن الأحزاب الأخرى المُهملة التي لا قيمة لها بجانبهما، فمتى يَفقد أحدهما الأكثرية في البرلمان يَظفر الآخر بها ويُعيَّن زعماؤه لتقلُّد زمام السلطة، ومِن الأمور التي ساعدت إنكلترة على أن يتَّفق لها ذلك هو ظهور حزب الأحرار وحزب المحافظين فيها قبل اتخاذها نظام الحكومة البرلمانية، يعني أنها عندما أخذت به وجد فيها بيئةً طيِّعةً، وأما البلدان الأخرى — ولا سيَّما فرنسا — فلم تتيسَّر الأحوال فيها كما تيسَّرت في إنكلترة، ويُرْجَى لها أن تتمتَّع مع الزمن بمثل ما تمتَّعُ إنكلترة به الآن من نظام حزبي.

ولو دقَّقْنَا في سُنَن الطبيعة لبدا لنا أن الذي يَستوقِف النظر فيها هو تقاتل قواها المتباينة، ولا فرْق من هذه الجهة بين العالم الحسي والعالم الأدبي، وهنا نقول: إنَّ في كل أمة متمدنة روحَين متناظرين: روح التجدُّد وروح المحافظة، وتنقسم الأمة بين ذينك الروحَين ويؤدي تنازُعهما وتغلُّب أحدهما على الآخر بالمناوبة إلى استمرار حياة النظم التي لا تجمد من غير أن تقف نشوء المجتمَع، ولا تسير مسرعة من غير أن تُحْدِثَ انحلالًا فيه، إذًا فتأليف حزبين كبيرين (أحدهما محافظ والآخر مُتجدِّد) مهيَّأين لتناوب السلطة أمر لا بدَّ من وقوعه في الحكومة البرلمانية، إلا أن تكون هنالك أسباب تمنَع من ذلك.

ومما يُشاهَد في أيامنا في بلاد الغرب المُختلفة — حتى في التي تُعُوِّد منها الحرية السياسية — نزوع إلى حلِّ أحزابها القديمة، وتأليف أحزاب جديدة فيها، ومثل هذا مما يُرى أيضًا في إنكلترة التي أخَذ نظام الحكومة البرلمانية يُصبح فيها أشد صعوبة من ذي قبل؛ ولذلك أسباب كثيرة منها: نمو رُوح الاستقلال الناشئ عن انتشار التعليم وسهولة المواصَلات، ومنها زيادة أهمية المسائل الاقتصادية التي تَتراصف على المسائل السياسية، وتميل إلى تقسيم الأحزاب، ومنها ظهور عصبات تزعُم أنها وحدها تمثِّل طبقات العمال، وبما أنَّ تقلُّدَ زمام السلطة والمثابرة على القيام بشئونها يتطلَّبان أن تعرف الأحزاب المختلفة زعماءها وأن تَتبعهم وتُلقي إليهم قيادها، وبما أن تلك العوامل تُضْعِف هذه الرُّوح صار يَصعُب تأليف الوزارات ومنحها شيئًا من الاستمرار، ومن هنا حامت شكوك وريب حول النظام البرلماني، ووُجِّهت نحوه سهام الانتقاد.

•••

إنَّ الحكومة البرلمانية — وهي التي تتجلَّى فيها وحدها الحرية السياسية في أوربة على وجه التقريب — نظام باهر يؤلِّف بين أمرَين مُختلفَين؛ فعْل السلطة التنفيذية الطليق في الحكومة وفعْل المجلسَين العظيمَين فيها، وقد لاقى تطبيقُه مصاعب جمَّةً في فرنسا وإيطاليا وهنغاريا على الخصوص، ويلاقي مثلها أيضًا في بعض المستعمرات الإنكليزية، ولا سيما في أوستراليا، وقد أثار حوله في الأيام الأخيرة انتقادات كثيرة، سواء في إنكلترة أم في البلدان التي أخذتْه عنها، وهو تارةً يهاجَم كمبدأ، وتارةً يُتوجَّع من تشويهه عمليًّا.

نعلم أنَّ الإنكليز يسمُّون الحكومة البرلمانية بالحكومة الحزبية، وتَفرض هذه الحكومة وجود حزبين كبيرين مُتناوبين للسلطة، فعند بعضهم لا يظهر تحقيق هذا التناوب صعبًا فقط، بل يبدو أمرًا يُرْغَب فيه قليلًا؛ لمناقضته لانسجام المجتمع، وللانتفاع بالقوى الاجتماعية انتفاعًا تامًّا؛ قال ليونار كورتني43 في كتاب مهمٍّ نشره في سنة ١٩٠١: «إنَّ النظام البرلماني القائم على المبدأ الحزبي لا يخلو من نتائج سيئة، وفي الغالب تدفع كثرة هذه النتائج السيئة الناس إلى أن يسألوا أَخَيْر ينشأ عن اتخاذ ذلك النظام أم شرٌّ؟ وهل يتعذَّر تنقيحه (عند عدم الاستغناء عنه تمامًا) حتى تقلَّ نتائجه الأثيمة؟ ومن العادة أن يُجاب عن مثل هذين السؤالين بأن الحكومة البرلمانية ضرورية، ويُقتضى قبولها على علاتها، ويُحاول القابِضون على زمام تلك الحكومة إخفاق كل تلقين مِن شأنه أن يحولها أو يقضي عليها، ولن يحول هذا دون تسلُّم فريق الساخِطين إياها ونظرِه في أمرها.

«نعم، يكون في الأمة رُوح تردُّد ورُوح إقدام، ولكنَّ مناحي كهذه موجودة في كل إنسان أيضًا، وإن ما يَبذله الرجل من الجهود لا يُقْصَد به أن تتناوبه البطالة والتهور، بل أن يكون في حال من التوازن يُمكنه بها أن يقوم بأعماله قيامًا منتظمًا، وغاية التربية أن يحلَّ الاتصال محلَّ الانقطاع، وأن تقوم المثابَرة والاعتدال مقام الإفراط والتفريط، ومن العيب أن يقع انقطاع في حياة الأمة ولو في الظاهر، ومثل هذا الانقطاع لا يكون في الحياة الحقيقية، ومما هو جدير بالملاحظة أن الأحزاب — وهي قابضة على أعنَّة الحكم — تسير نحو إصلاح الانقطاع المذكور الذي يميل إلى إحداثه حال الأحزاب، فكل حزب يَكون الحكم في قبضته يَرمي إلى الغرض السياسي الذي سعى إليه الحزب المُعارض أيام تسلُّمه مقاليد الأمور؛ أي إنَّ كل حكومة محافظة هي حرة، وكلَّ حكومة حرة هي مُحافظة، وإن كلًّا منهما عندما يَتناوب السلطة تُكرهه ساقةُ أنصارِه على اتِّباع سياسة خصومه، وهذا يعني أنَّ الأحرار والمُحافِظين يَشعرون بأن الحياة القومية تسيرُ سيرًا متوسِّطًا بين سياستهما، وإذا أمكَنَ أن يُنظَّم تمثيل حياة الأمة تنظيمًا ملائمًا لهذا السير المتوسِّط فإنَّا نقي أنفسنا نتائج سقطاتٍ هي بنتُ نظام مؤدٍّ إلى أضاليل وزلات على الدوام، وتنظيم مثل ذلك مما يمكن تصوُّره على الأقل ويجب أن يُستقرأ قبل أن يعلن إمكان تطبيقه، نقول هذا ونحن نلاحظ منذ الآن أن تحقيقه يوجب في حكومة المستقبل دوامًا وثباتًا مطابقين لدوام الأمة وثباتها، ولذا يمكنه أن يُلقَّب «بالقومي» عن استحقاق؛ وذلك بعكس كثير من الحكومات التي تنتحل هذا اللقب زورًا وبهتانًا، وهو يستطيع من وقت إلى آخَرَ أن يَستبدل مبادئ بمبادئ حتى يتجدَّد تمامًا في مرِّ السنين من غير أن يَنقطع استمرارُه، ومن المعلوم أن التجدُّد الذي هو وليد الطفرة لا يتمُّ أمره، وهو يَكمل إذا حدث شيئًا فشيئًا.»

تلك أفكار سامية تدلُّ على براعة قائلها، ومن دواعي الأسف كونها مُبهمة، وإنَّ الوسيلة التي يودُّ المستر كورتني أن يُحقِّق بها ذلك التمثيل الذي يكون مرآةً صادقةً للأمة هو التمثيل النسبي الذي نبحث فيه في فصل آخر، ولا تَخفى علينا شدة الصعوبة التي تصل بها المجالس المؤلَّفة حسب هذا التمثيل إلى وضع القوانين، والتي تتجلَّى عند التوفيق بين منازع مختلف الأحزاب، وأصعب من ذلك اختيار الهيئة التي تَقبض على زمام السلطة التنفيذية.

وقد انتقد الكاتب العبقريُّ أوستروغورسكي44 في كتاب كبير سمَّاه «الديموقراطية ونظام الأحزاب السياسية» حال الأحزاب، فاستنكَرَ تأليفها الذي بحث فيه لا في إنكلترة وحدها بل في الولايات المتَّحدة التي تسودُها حكومة حرة مختلفة عن الحكومة البرلمانية، وإن قامت مثلها على وجود حزبَين كبيرين مُتناظرَين، ولم يكتفِ أوستروغورسكي بإبداء العورات الكثيرة الحقيقيَّة التي تنشأ عن نظام الأحزاب الأنغلوسكونية في إنكلترة والولايات المتحدة، بل رسم نموذجًا دستوريًّا للبلدان الحرة، وإذا استثنَينا اقتراحه القائل بأن يُعيَّن المرشحون في الانتخابات المقبلة من قِبَلِ الناخبين أنفسهم، نرى أن النظام الذي يقول به كناية عن مزْج شيء من عناصر الحكومة البرلمانية بشيء من عناصر نظام الحكومة السائد للولايات المتحدة.

يستمرُّ نظام الأحزاب في إنكلترة وفي الولايات المتحدة على سيره نحو الكمال، على رغم ما يُصوَّب نحوه من الانتقادات، حتى إنَّ قوانين الدول التي تتألَّف الولايات المتحدة منها تؤيد بعضًا من أوجه ذلك النظام، وهنا نسأل: هل يمكن إلغاء الأحزاب في البلدان التي تتمتَّع بالحرية السياسية؟ لا ريب في أن هذه الفكرة تستهوي الأفئدة، وهي التي تمسَّك بها رجال الثورة الفرنسية الذين — وإن ألَّفوا أحزابًا — كان كلٌّ منهم يدَّعي بأنه لا حزبَ له سوى العقل والعدل وحب الوطن، وكان اليعاقبة لهذا الادعاء يَعتبرون خصومهم من الأشرار الخائنِين، إلا أنَّ الحرية السياسية من حيث الجوهر هي أن يَشترك أبناء الوطن في إدارة دَفَّة الحكومة بأنفسهم أو بواسطة ممثليهم، ومن الطبيعي أن يسعى أبناء الوطن الذين لهم آراء واحدة في تسلُّم زمام الحكومة حتى يتمَّ الفوز لهذه الآراء الواحدة، فإذا كان القانون يَسمح بتأليف جمعيات سياسية وكان أبناء البلاد يعرفون كيف يتمتعون بأنواع الحرية الفردية، تستطيع الزمرة التي تجمَّعت على الوجه المذكور تجمعًا عاطفيًّا أن تنتظم انتظامًا دائمًا مستمرًّا. نعم، لا يريد أوستروغورسكي غير عصبات مؤقتة تتألَّف لإنجاز بعض الإصلاحات، ولا تلبَث أن تنحلَّ بعد الوصول إلى الغرض المعيَّن، ولكن الناس لهم ميول عامة مختلفة، ومنافع مستمرة، وتقاليد ومآرب تجعلهم ينظرون إلى شئون الدولة بنظر متفاوت، ولماذا لا تستطيع هذه القوى الجوهرية أن تنتظم؟ إنَّ من المتعذِّر أن يُقْضَى عليها، وهي — على رغم أغراضها واستبدادها — أجدر بها أن تَنتظم على شكل أحزاب كبيرة شاعرة بمسئوليتها أدبيًّا من أن تظلَّ بقاعًا من البشر.

يُسأل في إنكلترة الحديثة: هل يَستطيع نظام الحكومة البرلمانية أن يَسير فيها في المستقبل كما سار في الماضي؟ إنَّ موازنة هذا النظام قامت في إنكلترة على وجود حزبين كبيرين مُتناظرين: أي حزب الأحرار وحزب المُحافظين، وقد أخذَتْ هذه الموازنة تختلُّ فيها منذ شرعت يدُ التجزئة والتحويل تنال تركيبها الحزبيَّ، ومن ذلك ما أوجبتْه مسألة الحكم الذاتي الأيرلندي منذ قليل من السنين من انضمام عدد من الأحرار المُعارِضين لهذا الحكم إلى حزب المُحافظين، ومن انقسام حزب الأحرار نفسه إلى فريقين في المسألة المذكورة وفي حرب الترنسفال، ومن انفصال حزب العمال عنه في الأمور التي تمسُّ العمال، وإن حزب المحافظين وإن حافظ على وحدته أحسن من حزب الأحرار له فروع مختلفة في المسائل المالية والمسائل الجمركية.

ولما نشبت الحرب العالمية في سنة ١٩١٤ كان حزب الأحرار هو القابض على السلطة منذ سنوات كثيرة، غير أنَّ هذه الحرب أَخَلَّتْ بقواعد النظام البرلماني التقليدية؛ وذلك بأن أدَّت إلى قيام حكومة ائتلافية وإلى انقسامٍ جديد في حزب الأحرار.

لقد وقَع في أثناء الحرب تحوُّل جوهريٌّ في نظام الحكومة الحزبية؛ فقد قرَّرت الأكثرية الحكومية والمعارضة أن تتهادنا، وفي شهر مايو سنة ١٩١٥ وجَّه رئيس الوزراء المستر أسكويث نداءً عامًّا إلى أعضاء حزب الأحرار مبيِّنًا فيه ضرورة جمع قوى البلاد وتصويبها نحو هدف واحد وهو تدبير أمور الحرب، وقد ألَّف في الشهر المذكور من السنة المذكورة حكومة ائتلاف اشترك فيها زعماء حزب المُحافظين وعضو من حزب العمال، وفي ١٥ يونيو سنة ١٩١٥ شرح هذا الحادث الذي لا نظير له في تاريخ إنكلترة الحديثة السياسي فقال: «لماذا أتى بهذا التحويل في المواثيق والعهود وفي التقاليد الثابتة وفي سير الحياة السياسية؟ إنَّ كلمة «ائتلاف» ليس مما يروق العالم السياسي البريطاني؛ فهي تُذكِّر الناس بالمؤامرات والدسائس والمنافَسات التي ضحَّت بمصالح الأمة، وهي تُذكِّرهم على الأقل بالوزارة التي أُلِّفت في سنة ١٨٠٦ وسُمِّيت «بوزارة أنواع المناقب» وبوزارة اللورد أبردين45 التي ألَّفها في سنة ١٨٥٣، وقد دلَّت فيهما على سوء الاختيار وعدم المطابقة.

ولكنه لا نظير في تاريخنا القومي للوضعية الحاضرة، وهذا ما جعلني أفكِّر في ضرورة توسيع مبدأ الحكومة على وجه يَفقد به كل صفة حزبية فيه، ويثبت للناس جميعهم (سواء في إنكلترة أم في مستعمراتها، أم في بلاد الحلفاء، أم في بلاد الأعداء، أم في البلاد المحايدة) أن الشعب البريطاني بعد أن مضت سنة على شهر الحرب مُصمِّم بقلب واحد وعزيمة واحدة على توحيد قواه الشخصية والسياسية والأدبية والمادية في سبيل وصوله إلى غايته. إلى أن قال: وقد لاح لي بعد أن رأيتُ الجميع طرحوا المسائل الحزبية جانبًا أنَّ الشعب يطالبنا بلسان الحال أن نتعاون تعاونًا حقيقيًّا، وأن نتَّفق اتفاقًا خالصًا على غرض واحد يشترك في سبيله أناس من كل أصْلٍ وحزب ومُعتقَد سياسي، وبذا نكون أتينا بتجربة عظيمة.

نجحت التجربة كما حقَّقه زعيم المحافظين المستر بونارلو عند بيانه السبب في اشتراك المعارضة في وزارة الائتلاف؛ وذلك في اجتماع عقده حزب المحافظين في ٩ آب سنة ١٩١٦، وإنَّ نداء رئيس الوزارة المذكور وقع في وقت شُعِرَ فيه بنقص في العُدَدِ والذخائر، وقد كان على المحافظين أن يختاروا أحد الأمرَين؛ إما أن يُثابروا على معارضتهم التي قد تؤدِّي — بفعل الأحوال — إلى إسقاط الوزارة وإلى القيام — في أثناء الحرب — بمعركة انتخابية تَخرُج الحكومة الجديدة منها بأكثرية ثابتة في مجلس النواب، وإن كانت مثل تلك المعركة مما يقضي على الجهود التي تُبْذَلُ لنيل النصر في ساحة الوغى. وإما أن ينظروا إلى سعادة البلاد فيشتركوا في الوزارة على رغم ما في ذلك من مسئولية، وهذا ما فعلوه، جاء في خطبة المستر بونارلو التي قالها في ذلك الاجتماع: «إنه يجب عدم الالتفات إلى أي اعتبار حتى تُقدَّر حكومة الائتلاف حقَّ قدرها، والمسألة هي: هل يداوم الشعب الإنكليزي على الحرب في هذه الأحوال أحسنَ ممَّا في أحوال أخرى تنشأ عن حل مشكلة الحكومة على وجهٍ آخر؟ لا ريب في ذلك. انظروا إلى مسألة الخدمة الإلزامية في الجيش تروا أن حكومةً مِن الأحرار وحدهم لا تقدر على تقريرها، وكذلك انظروا إلى حالة طبقات العمال وتنظيم العمل في أثناء هذه الحرب، وإلى عدولهم عن نظام العمل … لهذه الأسباب أراني خدمتُ بلادي خدمة كبيرة بتسهيلي إحداث حكومة الائتلاف وبمساعدتي على بقائها.»

وهكذا تركت إنكلترة في سبيل النصر بعض تقاليدها في أثناء الحرب، ووزارة لويد جورج التي عقبتْ وزارة أسكويث في شهر ديسمبر سنة ١٩١٦ كانت وزارة ائتلاف أيضًا؛ لاشتمالها على اثني عشر وزيرًا من الأحرار، وستة عشر وزيرًا من المُحافظين، ووزيرَين من العمال.

ثم إنَّ هذه الوزارة الجديدة خالفت التقاليد البرلمانية مخالفة أخرى؛ فقد أشركت في مجلس الوزراء أناسًا ليسوا من البرلمان، حتى إنَّ رئيسها عاد لا يُمثِّل دور الزعيم في البرلمان تاركًا هذا الأمر لوزير المالية المستر بونارلو، وقد قسَّم المستر لويد جورج الوزارة إلى قسمين: القسم الأول — وهو الأكثر عددًا — يحتوي على وزراء للقيام بشئون مختلف المصالح الإدارية فقط. والقسم الثاني ويَشتمل على خمسة وزراء تتألَّف منه وزارة الحرب؛ أي الهيئة الرئيسة التي تتشاوَر في المسائل الحكومية التي يتقيد الوزراء جميعهم بها.

ولم تَسْلَم هذه الحكومة من الانتقاد؛ فاختيار عدد من رجال الأشغال ليكونوا وزراء من الأمور الخَطِرة؛ لما يدور حولهم من قلَّة الثقة كما يدور حول «رجال المال»، ولأنهم وإن كانوا يَنجحون في أعمالهم الخاصة يَنقُصهم أحيانًا ما تتطلَّبه إدارة المصالح من حذق سياسي، أضف إلى ذلك كون وزارة الحرب أوجبت تصادُمًا بينها وبين بعض الوزراء الآخَرين الذين رأوها تتَّخذ مقرَّرات تُهمُّهم من غير أن تُشاورهم فيها، على أننا لو دقَّقنا في ما نالته الحكومة المذكورة من النجاح لرأيناه يُبرِّر إحداث تلك البِدَع ويُقلِّل قيمة هذه الانتقادات.

وقد سُئل: ألا يؤدِّي عدم التجانُس السياسي في وزارة الائتلاف إلى ضعف مبدأ التضامُن الوزاري وإلى العود إلى مبدأ مسئولية الوزراء الشخصية؟ لقد قيل: إنه لا يُمكن تطبيق قواعد الحكومة الحزبية على حكومة الائتلاف؛ وذلك لأنَّ كلا الحزبين اختارا أحسن رجالهما لتأليف هذه الحكومة، وكيف يُمكن والحالة هذه أن تَسقُط الوزارة وتُستبدل بها وزارة مفروض أنه لا يُمكنها أن تكون طيبة مثلها؟ من ثم يُرَى أن الوسيلة الوحيدة التي تستطيع أن تَسير وزارة الائتلاف بها في الحكومة البرلمانية هي مسئولية الوزارة الفردية التي نشأت عنها مسئوليتهم المشتركة في الدستور الإنكليزي، ولكنه ظهر أن هذا أمر وهميٌّ؛ فقد رُؤِيَ إمكان سقوط وزارة ائتلاف؛ وذلك حينما اختلف أسكويث ولويد جورج في سنة ١٩١٦ في مسألة وزارة الحرب التي أراد الثاني أن يُعْتَرَفَ بها اعترافًا رسميًّا عامًّا.

وقد أوجب تأليف وزارة الائتلاف انقسامًا جديدًا في حزب الأحرار؛ ففرْع من هذا الحزب نراه — ونحن نكتب هذه السطور — يودُّ أن يقضي على الائتلاف وأن يستأنف حريته في العمل باسم الأحرار الوطنيين، وفرْعٌ يودُّ أن يندمج في حزب المحافظين لمكافحة حزب العمال، وهكذا يُبتعد في إنكلترة من الموازنة البرلمانية القائمة على وجود حزبين كبيرين تقليديَين مُتنافسين.

غير أنَّ الروح الإنكليزية لا تجزع كثيرًا من ذلك الأمر الواقع؛ فالإنكليز يَعرفون أن انقسامات وصعوبات حدثت في الماضي أعظم ممَّا في الوقت الحاضر، وهم يَنظرون إلى المستقبل بنفسٍ مطمَّئنة، وإليك ما قاله المستر كورتني46 بعدما أشار في كلامه السابق إلى السُّنَّة الطبيعية القائلة بأنَّ الناس يَستحوذ على بعضهم رُوح التقدُّم، وعلى بعضهم رُوح المحافظة: «يُمكننا أن نقول: إنَّ الحزبَين الكبيرَين يُصْلِحان نظامهما سنة بعد سنة، وهذا لم يَمنع من حدوث فروع فيهما في السنوات الأخيرة، ومثْل هذا الحدوث غير جديد في بابه؛ ففي كل وقت ظهرت زُمَر في ذينك الحزبَين العظيمَين، وقد كان يتحلَّى قبل سنة ١٨٣٢ بالْتفاف تلك الزُّمَر حول بعض الأكابر، حتى إنَّ بعض الأعضاء نالوا مقاعدهم في مجلس النواب بما كان لأحد أكابر التجار من النفوذ العظيم في المُقاطَعات، فعدُّوا أنفسهم أتباعًا للتاجر المشار إليه، وأما في السنوات التي جاءت بعد سنة ١٨٣٢ فقد كان مِن أتباع حزب الأحرار أوكرنل47 وأشياعه الأيرلنديون وأعضاء دائرة مانجستر والفلاسفة المتجدِّدون، وكان حزب المُحافظين — الذي هو حزب أصحاب الأملاك وأعاظم التجار والإكليروس — جاوز أطوار الحماية الشديدة؛ ليدخل باب حرية المبادلة الذي قال به السر روبرت بيل،48 وإنَّ تلك الفروع وإن برزت في السنين الأخيرة للعيون وأخذت تجتمع باستقلال أكثر من ذي قبل عُرِف مثلها منذ زمن طويل، وكان لها من التأثير في الحياة البرلمانية ما لها في الوقت الحاضر، وهي لا بدَّ من غيابها عندما يَنتظم أمر الحزبَين الكبيرَين كما عرضْنا آنفًا.»
ومن جهة أخرى: انظر كيف يُصوِّر المستر سيدني لو49 أمر الحكومة الحزبية: «يُنْظَر إلى النظام الحزبي كنظامٍ ناقصٍ غير مُحتَرم، وإنَّ الرجل وإن كان يستعدُّ للتضحية بنفسه في سبيل حزبه قلَّما يمتدحه ويُثني عليه، وإنَّ الإنكليز — على رغم بذلهم جهودًا وهِمَمًا لا يتصوَّرها العقل في معاركهم الحزبية — تراهم يذمونه، وإنك إذا استثنيت بورك50 من بين الكُتَّاب والمستر بلفور من بين أقطاب السياسة لا ترى أحدًا من هؤلاء يهتمُّ بمُواجهة الأمور مواجهة الجريء المتعمِّد، وما فتئ ذلك الجريان الانتقادي الذَّمِّي مستمرًّا منذ أعلن دوك مالبورو51 أنه لا يود شيئًا في الدنيا سوى العيش في بلد لا يعرف الناس فيه لفظَ حزب الأحرار ولفظ حزب المُحافِظين المَنفورين، ولا شيء يُثير هتافًا شديدًا في اجتماع عام مثل الكلمة الآتية؛ وهي: «هذه ليست يا سيدي الرئيس مسألةً حزبيةً، ولا أودُّ أن أُعالجها من الوجهة الحزبية.» نقول هذا ونحن نرى أنَّ الانقسام إلى أحزاب أمر لا مَعدل عنه في إدارة دستورنا؛ لأنَّ حكومتنا — كما قال المستر بريس52 — «قائمة على نظام يَفرض سيره وجودُ حزبين كبيرين متقاربَين في القوة تقاربًا يستطيع كل منهما أن يقيد به عنف الآخَر.»
ثمَّ إنَّ سير الحكومة البرلمانية نفسه محلٌّ للانتقاد الشديد أيضًا؛ فمِن جهة يُزعم أنه يجعل المجلسَين عاجزَين عن القيام بوظيفتهما الرئيسة التي هي وضع ما تحتاج إليه البلاد من القوانين وضعًا سريعًا محكمًا، ومن جهة أخرى يُرى فيه أنَّ المناقَشات السياسية وسؤال الوزراء واستيضاحهم والاقتراحات تزيد وتمتدُّ على غير جدوى، ومَساءةٌ مثل هذه لا ريب فيها وقد استنبطت وزارة بلفور عِلَلها وسعَتْ في مُعالجتها، وإنَّا إذا استثنينا ما ينشأ عن تقدُّم الحضارة الحديثة من تعقُّد في الأمور نرى أنَّ اشتراك عدد زائد في المناقشات هو أهمُّ تلك العِلَل؛ فعدد الذين كانوا يتكلَّمون فيها قليل إلى الغاية، وكان يَنحصِر في الزُّعماء، وأما اليوم فكل واحد يودُّ أن يقول كلمته فيها، والدواء الذي قالت به تلك الوزارة اقترع له مجلس النواب وأدمجه في نظامه الداخلي، وهو يَسمح بتقرير إغلاق المُناقَشة بسهولة وبعدم الالتفات إلى عدد من الأسئلة والاستيضاحات. ومما يؤاخذ به نظام الحكومة البرلمانية أيضًا هو ما تُلاقيه السلطة التنفيذية فيه من الصعوبات، والوزراء هم الذين يؤاخذونه أحيانًا، ومن ذلك أنَّ اللورد سالسبري53 — وقد كان رئيس الوزارة في أوائل حرب الترنسفال؛ أي في الدور الذي قلبَت الأحوال فيه لإنكلترة ظهر المجنِّ — عزا هذه الكوارث إلى دستور إنكلترة الذي مِن شأنه أن تلاقي حكومة البلاد صعوبات كبيرة في إيجاد المال، والمال هو الناظم الكبير للحرب كما هو معلوم.
والوزارة بالعكس تُتَّهم بأنها تَستولي على مجلس النواب ولا تترك له شيئًا من الاستقلال، وقد أجاب الوزير المستر شامبرلن54 عن هذه التهمة بأن قال: «إنَّ الحكومة أَمَة مجلس النواب، وهي تَبقى ما دام واثقًا بها، وتسقُط عندما تعود أكثريتُه لا تثقُ بها، وعليه يرمي الأعضاء الذين يودُّون تقليل سلطان الحكومة إلى تقليل سلطان الأكثرية وزيادة سلطان الأقلية.» وهكذا ترفض الوزارة الإنكليزية أن تُعاني مراقبة اللجان البرلمانية، وهي ترى في هذه المراقبة تقليلًا لمسئوليتها وسلطتها، ومن ثَمَّ تعدِّيًا على سلطات مجلس النواب ومسئوليته، حتى إنَّ الحكومة تمسَّكت بهذا الرأي في أثناء الحرب العامة، فسفَّهت الرأي القائل بتأليف لجنة حربية برلمانية.

وقد صوَّر سيدني لو الرأي القائل بأنَّ مجلس النواب يخضع للوزارة ويَفنى فيها، وبأنَّ الوزارة نفسها مَسوسة من بعض أعضائها تصويرًا واضحًا، وهذا التصوير يُلائم فكرته القائلة بأنَّ الناخِبين هم الذين يختارون الوزارة اختيارًا مُضمرًا، وبأنَّ الوزارة تستمدُّ سلطاتها منهم، ويصرِّح المستر سيدني لو بأنَّ الوزارة لا تمارس السلطة التنفيذية فقط، بل تمارس السلطة الاشتراعية أيضًا؛ وذلك لأنَّ الوزارة هي التي تَقترح القوانين المهمَّة، وتجعل البرلمان يَقترع لها، ولأنَّ ما تقدر المعارضة عليه هو أن تُجادل فيها من غير أن تصل إلى نتيجة، ولأنه يكون في الغالب للصحُف تأثير في إخفاق اللائحة القانونية أو تعديلها أكثر مما لمَجلس النواب، ولأنَّ مراقبة الوزراء — التي هي رُوح الحكومة البرلمانية وسببها — وهمية بالنسبة إلى وزير مُستنِد إلى أكثرية مَجلس النواب، ولأنه إذا كان في المراقبة فائدة فإنها تتجلَّى في الأسئلة الكثيرة التي تُوجَّه إلى الوزراء فتَردعُهم عن الاستبداد وتمنعُهم من العمل في الخفاء، وتَجعلهم يحسبون للجمهور وللصحافة حسابًا.

يتمسَّك الشعب الإنكليزيُّ بالحكومة البرلمانية على رغم تلك الصعوبات والانتقادات، فهو يعُدُّها أحسن وسيلة لفوز الرأي العام وأعظم قوة سياسية في الوقت الحاضر، قال المستر جنكس:55 «إنَّ نظام الحكومة البرلمانية قائم على الإقناع، وهو يفسح المجال لكلِّ شخص يَقدر على الإقناع، ولكل تدبير ناشئ عنه، ومن الأغلاط التي تستوقف النظر نظرية كارليل56 القائلة بأنَّ مجلس النواب يحكم الشعب بقوته الخطابية، فإذا نظرنا إلى المناقَشات التي كانت تدور في مجلس النواب أيام كارليل نراها غير مؤثِّرة؛ وهي كالتي تدور اليوم كانت لا تحوِّل سير الاقتراع إلا نادرًا، حتى إنَّ الخُطب العظيمة التي تُلْقَى في المجامع الانتخابية شعوذة أكثر مما هي حملة حقيقية، فعمل الحكومة الحقيقيِّ يتمُّ في غرف اللجان وفي أثناء المحادَثات الشخصية وفي صفحات الجرائد وفي مجلس الوزراء؛ حيث تكون المناقشة خاليةً من التكلُّف ومستندة إلى الإقناع.» وعند جنكس أن الحكومة البرلمانية لا تلائم الوزراء العبقريِّين وحدهم؛ «فالرجل الذي يكون على جانب كبير من متانة الطبع والذي يدفعه عنادُه إلى نَيل أحد الأغراض المهمة من غير أن يبالي بشيء لا يكون له محل ظاهر في الحكومة المذكورة.» إلى أن قال: «وهي تُقصي عن الحكم أمثال بسمارك ومترنيخ57 وتليران58 وكافور.»59
وتمارس المُستعمَرات الإنكليزية التي تتمتَّع بالحكم الذاتي نظام الحكومة البرلمانية كبريطانيا، وهذا النظام يَسير مُنتظمًا ومن غير صعوبة في بعض المستعمَرات المذكورة كالكاب وكندا، وأما في أوستراليا فلم يكن الأمر كذلك، قال هاريسن مور:60 «ظهَر غير مرة أن بلدًا أحزابه غير مُنظَّمة تنظيمًا حسنًا لا يلائمه نظام الحكومة البرلمانية، وما اعترى الوزارات الأوسترالية حتى السنوات الأخيرة من عدم الثبات يؤيد ذلك الرأي.» ومع هذا قال دستور الاتحاد الأوسترالي بالحكومة البرلمانية: «وقد شُكَّ منذ بضع سنوات في دوام نظام الحكومة البرلمانية في أوستراليا؛ إذ عُدَّ سقوط الوزارات فيها مما يُفْسِدُ حياتها السياسية ويعوق ممارسة شئونها الإدارية، على أنه وقع في السنين الأخيرة تبدُّل عظيم في سياسة أوستراليا ونيوزلندا؛ فقد قام استمرار الإدارة وثبات الحكومة فيهما مقام تقلُّبات السنوات السابقة، ولربما كان الوصف البارز الذي يمتاز به مجلس عهد سنة ١٨٩٧–١٨٩٨ من مجلس عهد سنة ١٨٩١ هو أنه لم يُجادل فيه في نظام الحكومة البرلمانية.»

•••

ونظام الحكومة البرلمانية انتُقِدَ بشدَّة في فرنسا في الأدوار التي اتخذته فيها ما عدا دور إعادة الملكية (الريستوراسيون)، وإنَّ شروطه ومواثيقه المصنوعة ظاهرًا وتعقُّده مما يُقلق الرُّوح الفرنسية التي تَرتاح للمبادئ البسيطة المنطقية، وفضلًا عن ذلك يميل الفرنسيون إلى تبديل موازنته تبديلًا ملائمًا لمَنازعهم الطبيعية، وفي فرنسا يُقال منذ بضع سنوات بوجود أزمة برلمانية أكثر مما في إنكلترة؛ فالجرائد والمجلات الفرنسية طافحةٌ بذكرها وإن لم تبيِّن بدقة ما هو عيب النظام البرلماني.

والذي يُتوجَّع منه — في الغالب — هو كون المجلسَين يُخصِّصان وقتًا قليلًا للمُناقَشة في القوانين والاقتراع لها أو عليها وكون الإصلاحات المرغوبة فيها لا تتمُّ لهذا السبب، وكون المجلسَين المذكورَين يَبذلان معظم نشاطهما في مخاصَمات الأحزاب التي تُنازع السلطة، وكون وظيفتِهما الحكومية التي زادت نموًّا تحول دون اهتمامهما بوظيفتهما الاشتراعية، وعندي أن هذا التقريع لا يخلو من صحَّة على رغم ما في مجلسَي فرنسا من أصحاب القرائح العالية، وعلى رغم ما يُنجَز من الأعمال الكبيرة التي تدلُّ تقارير لجانهما عليها، ولكن هل يجب اتِّهام النظام البرلماني نفسه؟ إنَّ مثل تلك الشكاوى مما شُوهد في إنكلترة كما عرضْنا آنفًا، ولكنَّ إنجاز الإصلاحات والقوانين في الولايات المتحدة التي لا يسودُها نظام الحكومة البرلمانية ليس أقلَّ صعوبةً من تلك، وتنشأ مَصاعب كهذه عن تعقُّد الحضارة الحديثة التي أحدثت بين الناس علاقات جديدة، وجعلت الأنظمة أعسَرَ وأكثَفَ مِن ذي قبل.

ولنبحث في عيوب الحكومة البرلمانية نفسها؛ فأول هذه العيوب هو ما تمنحه لرئيس الجمهورية من الشأن الدائر الذي جعل ثلاثة رؤساء للجمهورية يستعفون قبل انقضاء مُدَدِهم؛ وهم: المرشال مكماهون61 الذي استعفى في سنة ١٨٧٩، والمسيو غريفي62 الذي استعفى في سنة ١٨٨٧، والمسيو كازيمير بيريه63 الذي استعفى في سنة ١٨٩٥، غير أنَّنا لو دقَّقنا في الأمر لرأينا أن المسيو غريفي لم يستعفِ إلا مُكرهًا محتجًّا على الوضعية التي حمله المجلسان عليها، وأنَّ المرشال مكماهون صارع الأكثرية الجمهورية بعناد فصُرِعَ، وأما المسيو كازيمير بيريه الذي استعفى بعد بضعة أشهر من تاريخ تسلُّمه زمام الأمور وبنى استعفاءه على السلطة غير الكافية التي يمنحه الدستور إياها فلم يخلُ سيره هذا من مبالغة وغلو؛ فقد رأينا سابقًا ما لصاحب السلطة التنفيذية من الشأن المفيد المثمر في الحكومة البرلمانية، ولا سيما أن رئيس الجمهورية في فرنسا برآسته مجلس الوزراء يمثِّل دور إرشاد وتعديل أكثر مما يمثِّله ملك إنكلترة.

وهل يحكم الوزراء بلاد فرنسا بدلًا من مجلس النواب؟ إنه يُجادل في ذلك في الغالب، فيذهب إلى أنَّ أكثرية مجلس النواب هي التي تأمُرُهم وتُمْلِي عليهم أعمالهم السياسية بدلًا من أن يسيروها. نعم، إنَّ في فرنسا ميلًا إلى تفهُّم الحكومة البرلمانية على هذا الوجه، واعتبار ذلك نظامًا نما فيها قائمًا على اللجان الدائمة دوام مجلس النواب، والتي تقابل كل واحدة منها مصلحة كبيرة من المصالح العامة، إلا أنَّ هذا لا يخلو من مبالغة، فإذا وُجِدَ رؤساء وزارات تركوا أكثرية مجلس النواب تسيرهم وُجِدَ رؤساء آخرون يقودونها بيدٍ قوية، ومن الأدلة على ذلك لوم رئيس الوزراء غير مرة؛ لأنه لم يترك لمجلس النواب حريته في السير.

وأكبر ضعْف أظهرته الحكومة البرلمانية في الجمهورية الثالثة الفرنسية هو عدم استقرار الوزارات فيها ودوامها مددًا قصيرة جدًّا، فاسمع ماذا قاله محرِّر «السنة السياسية» في سنة ١٨٨٣: «لقد مضت سنة من غير أن يُسقط مجلس النواب الوزارة، وهذه أول مرة وقعت منذ انتخاب المسيو غريفي.» على أنَّ جول فيري64 ألَّف في ٢١ فبراير سنة ١٨٨٣ وزارة دامت حتى ٣٠ مارس ١٨٨٥، وهي لم تسقط إلا على أثر الذعر الذي حدث من جراء ما أصاب جيوش فرنسا من فشل مؤقت في طونكين، ومنذ ذلك التاريخ أخذ التذبذب يصيب الوزارات، وصار الناس يتمنَّون أن تبقى الوزارات قابضةً على أعنَّة الحكم سنة واحدة على الأقل.
بَيْدَ أن يد التحسين نالت ذلك الأمر بعد سنة ١٨٩٥؛ فالوزارة التي ألَّفها المسيو ميلين65 في ٣٠ أبريل سنة ١٨٩٦ استمرَّت حتى ١٤ يونيو سنة ١٨٩٨، واستمرَّت الوزارة التي ألَّفها فالدك روسو66 من ٦يونيو سنة ١٨٩٩ حتى ٧ يونيو سنة ١٩٠٢؛ وهي لم تترك السلطة إلا مراعاةً لصحة رئيسها الذي مات بعد قليل، وقد عقبتْها وزارة المسيو كومب67 التي ظلَّت قابضة على زمام الحكم حتى ٩ يناير سنة ١٩٠٥، وأما وزارة المسيو روفيه68 التي خلفتها؛ فقد سقطت في ٧ مارس سنة ١٩٠٦، وقامت مقامها وزارة المسيو ساريان،69 وكان المسيو كليمانسو وزيرًا للداخلية في هذه الوزارة، ولما تخلَّى المسيو ساريان عن الحكم — نظرًا إلى اعتلال صحته — أُسندت رآسة الوزارة إلى المسيو كليمانسو الذي أبقى وزارة سلفِه على حالها تقريبًا.

ثم بدا عدم الثبات في الوزارات في السنوات التي جاءت قبل الحرب؛ ففي سنة ١٩١١ سقطت ثلاث وزارات وهي: وزارة المسيو بريان، ووزارة المسيو مونيس، ووزارة المسيو كايو. وفي ١٣ يناير سنة ١٩١٢ ألَّف المسيو بوانكاره وزارته التي بقيت حتى شهر يناير سنة ١٩١٣ حين انتُخب رئيسًا للجمهورية، وقد رأتْ فرنسا في سنة ١٩١٣ ظهور ثلاث وزارات فيها؛ وهي: وزارة المسيو بريان، ووزارة المسيو بارتو، ووزارة المسيو دومرغ التي تسلَّمت زمام الحكومة منذ ٩ ديسمبر سنة ١٩١٣ حتى ٣ يونيو سنة ١٩١٤، ووزارة المسيو ريبو التي حلَّت في مكانها لم تَعِش سوى بضعة أيام؛ أي إنها سقطت في ١٣ يونيو حين قامت وزارة فيفياني مقامها.

وسبب ذلك التذبذب الوزاري الجديد هو ما ظهر في السنوات التي تقدَّمت الحرب العامة من الحوادث الحَرِجة الصعبة، وهنالك سبب أهمُّ من هذا؛ وهو ما أدت إليه انتخابات سنة ١٩١٠ من نقصان في الأكثرية الراديكالية التي كانت تستند إليها الوزارات السابقة، ووجود أكثرية قوية شرط الحكومة البرلمانية الأساسي كما هو معلوم.

ومن السهل إدراك السبب في البحث عن وسائل مصنوعة لإيجاد تلك الأكثرية الضرورية؛ فالأكثرية الجمهورية التي تجلَّت في مجلس النواب الفرنسي منذ سنة ١٨٧٦ تجزَّأت إلى زُمَر ممثِّلة لمختلف الميول والمناحي، ومساءة مثل هذه مما تعرفه إنكلترة في الوقت الحاضر ولربما تعرفه في المستقبل أيضًا، ويُحتمل أن يكون الانقسام الحزبي أكبر علة في إعاقة تأليف أحزاب كبيرة، وهذا الانقسام يزيد بدلًا من أن ينقص، وقد زادت الزمر الجمهورية في البرلمان الفرنسي زيادةً أوجبت استشارة رئيس الجمهورية لها جميعًا في إحدى الأزمات الوزارية التي وقعت حديثًا.

حقًّا إن تلك الحالة ليست ملائمةً لسير الحكومة البرلمانية، وقد أوصى غامبنا باتحاد زمر اليسار كوسيلة سياسية صائبة، وفي وزارة فالدك روسو تعاهَدت زمر اليسار الأربع على استحسان سياسة الحكومة، فعيَّن كلٌّ منها مفوضًا أو أكثر لتتألَّف منهم هيئة تدقِّق في المسائل التي تُعْرَض على مجلس النواب، وتسعى في الاتفاق على حلِّها، وجعل بقية أعضاء الزمر يستصوبونها، وهذه الهيئة سُميت وكالة زمر اليسار، وقد جودل في شرعيتها؛ فرأى بعضهم أنها تعني فناء الوزارة المسئولة فيها، ورأى بعضهم أنها تعني وضع الأكثرية في قبضة رئيس الوزارة وجعله قادرًا على قهر الأقلية، والصلة المذكورة قُطِعَت في نهاية الأمر، فلما رأت الوزارة تناقص الأكثرية التي تستند إليها استعفت، ومع هذا ظلَّت وكالة زمر اليسار باقية بعد استعفاء تلك الوزارة، وقد مثَّلت دورًا مهمًّا في أثناء المناقشة التي دارت في مجلس النواب حول فصل الكنيسة عن الدولة، وأثارت بذلك احتجاجات جديدة؛ وهي على أثر الانتخابات العامة التي تمت في ٦ مايو سنة ١٩٠٦ أصلحت أمورها، فحاولت أن تمثِّل دورًا كبيرًا في الشئون العامة، ولا سيما في المناقشة التي وقعت في شهر نوفمبر سنة ١٩٠٦ حول فصل الكنيسة عن الدولة، ولكن تلك الوكالة التي غابت بعد ذلك ظهرت في سنة ١٩١١ في أحوال جديدة، وكان لها شأن في المذاكرات التي دارت في سنة ١٩١١ وسنة ١٩١٢ حول اتخاذ مبدأ التمثيل النسبي لانتخابات مجلس النواب، وهيئة مثلها مما لا يكون من شروط الحكومة البرلمانية، ولا يُمكن القول بفسادها دستوريًّا إذا كانت حائزةً للشروط الآتية؛ وهي: أولًا أن لا تَرمي إلى القضاء على المناقَشة في مجلس النواب، وحرية المناقشة من مَفاخر الحكومة البرلمانية؛ إذ بها يُنير كل حزب البلاد جميعها، ويُطلع الرأي العام على مجرى الأمور، فيقول كلمته الأخيرة فيه. ثانيًا يجب أن يُحافظ مع وجودها أعضاء كل زمرة على حريتهم في إبداء الرأي وفي الاقتراع. ثالثًا يقتضي أن لا يكون بينها وبين الوزارة عقدٌ حقيقيٌّ من شأنه تقييد حرية سير الوزارة وسير كل زمرة تتألَّف منها.

وإنَّا لنعترف بوجود عَيب آخَر مُفسد للحكومة البرلمانية في فرنسا، وهو تدخُّل النواب والشيوخ الشخصي في دواوين الوزراء لتقرير بعض الأمور الإدارية، ومنها التماس تعيين أشخاص أو عدم تعيينهم لوظائف عامة، وهذا يعني اعتداءً مُضمَرًا على السلطة التنفيذية. نعم، قد تستفيد الإدارة من نصائح مُمثِّلي الولايات أو المديريات لمعرفتهم جيدًا احتياجات مقاطعاتهم ورجالها الذين يَقدرون على خدمة الدولة خدمةً حسنةً، ولكنَّ منافعهم الانتخابية هي التي تُمْلِي عليهم تلك النصائح التي تَقلُّ قيمة النظُم البرلمانية بها، وإن هذه العادات الرديئة ليست من النقائص الدستورية، وفي الإمكان إصلاحها، فليتعاون مُمثِّلو البلاد والوزراء على ذلك بإقدام وجسارة.

لقد وقفت الحوادث التي تعاقبت في الحرب العامة سير الحكومة البرلمانية في فرنسا كما في إنكلترة، فمِن جهةٍ تحذَّرت الوزارة في أوائل هذه الحرب من تهيُّج الرأي العام فساست البلاد مُستقلَّةً من مراقبة البرلمان إياها رأسًا، ولكنها بعد قليل — أي في ٤ أغسطس سنة ١٩١٤ — جمعته ليقترع للتدابير التي تطلب الحكومة إجراءها، وقد انفضَّ على أثر ذلك من تلقاء نفسه.

وفي ٢٢ ديسمبر من تلك السنة جمعت الحكومة البرلمان فأغلقته في غدِ ذلك اليوم؛ أي في ٢٣ من الشهر المذكور، وهكذا ساست الحكومة البلاد في كثير من الشهور التي تفاقمَت الحوادث فيها من غير أن تكون عرضةً لمراقبة البرلمان؛ وذلك مع احترامها لنص الدستور الذي لم يقُلْ باجتماع المجلسَين إلا في دورتهما العادية، وقد تجلَّت هذه السلطة المُطلقة التي اتفقت للوزارة في قانون ٥ أغسطس سنة ١٩١٤، الذي منح السلطة التنفيذية وظائف واسعةً. ومما سهَّل على الحكومة مباشرة السلطة المطلقة المذكورة إعلان حالة الحصار في مرسوم ٢ أغسطس سنة ١٩١٤ وجعلها شاملة لا لمنطقة القتال وحدها، بل لفرنسا جميعها، وفي الوقت نفسه قامت بجانب وزارة الحربية إدارة عسكرية جديدة مُستقلَّة، وقد مارست القيادة العامة لجيوش الشمال والشرق هذه الإدارة التي كانت تتفلَّت من مُراقبة الحكومة.

وبعد أن اجتمع البرلمان من نفسه في ١٢ يناير سنة ١٩١٥؛ وذلك بقوة الدستور استمرَّ على الاجتماع لعدول الحكومة عن مباشرة حقِّها في إغلاق دورته العادية، وقد زادت مراقبة البرلمان للحكومة في هذه الصفحة الثانية للحرب، فشملت المصالح العامة كلها، ولا سيما مصلحة الجيش، حتى إنَّ مجلس النواب أعلن أنه لا يعرف حدًّا لتدخُّله في شئون الدولة «ما عدا رسم الحركات الحربية وإدارتها وتنفيذها.» وبذا ترى وقوع خلل في النظام البرلماني في فرنسا، ولا يُبرر خلط سلطات الحكومة والبرلمان بعضها ببعض على هذا الوجه بأن يقال: إنَّ المجلسين يعبِّران عن إرادة الشعب أكثر من الحكومة، ولا سيما بعد أن اقتضَت الضرورات والأحوال تأجيل الانتخابات وتمديد نيابة النواب والشيوخ التي انتهت مدتها.

ومن جهة عاد مبدأ الحكومة الحزبية لا يُطبَّق في أثناء الحرب في فرنسا لإقامة وزارات ائتلافية فيها؛ إذ لم يُختَر الوزراء فيها من الحزب أو من عصبة الأحزاب القابضة على زمام الأكثرية في مجلس النواب، وإنما اختيروا في وزارة فيفياتي التي تعدَّلت في ٢٦ أغسطس سنة ١٩١٤ من رجال مُنتسبين إلى الأحزاب جميعها، سواء من أقصى اليسار كانوا أم من أقصى اليمين؛ وذلك على أثر إجماع الأحزاب السياسية في المجلسَين على الاقتراع من غير مناقشة للتدابير التي اتخذتها الحكومة في سبيل الدفاع عن الوطن، ولم تكن وزارة بريان التي تألَّفت في ٢٩ أكتوبر سنة ١٩١٥، ووزارة ريبو التي تألَّفت في ٢٠ مارس سنة ١٩١٧، ووزارة بنلفيه التي تألفت في ١٣ سبتمبر سنة ١٩١٧، ووزارة كليمانسو التي تألَّفت في ١٧ نوفمبر سنة ١٩١٧ سوى وزارات ائتلافية، وإذا نظرنا إلى السبب في تعاقُب هذه الوزارات نراه ناشئًا عن الانتقادات التي صُوِّبت نحو الأعمال الحربية والإدارية، أو عن اعتقاد الوزراء أنهم أصبحوا لا يكونون رجال الساعة الراهنة أكثر مما عن المؤثِّرات الحزبية.

ولما وضعت الحرب أوزارها وتمَّت الانتخابات الجديدة في ١٦–٢٠ نوفمبر سنة ١٩١٩ واستعفت وزارة كليمانسو حلَّت وزارة ميليران في مكانها في شهر يناير سنة ١٩٢٠، ومع أن هذه الوزارة أُشْبِعَت من العوامل التي أثَّرت في تأليف الوزارات السابقة أعرب مجلس النواب الجديد — الذي اتجه محوره السياسي نحو اليمين — عن رغبته في أن تسير الحكومة حسب منازع الأكثرية الجديدة.

تبيَّن مما تقدَّم ما يُلاقيه سير الحكومة البرلمانية في أيامنا من الصعوبات، سواء في إنكلترة أم في فرنسا، وإنَّا على رغم ذلك نداوم على الإيمان بها؛ فهي ليست أمرنَ أشكال الحكومة التمثيلية وأكملها فقط، بل هي الشكل الوحيد الذي ذاقت فرنسا به طعم الحرية المنظَّمة؛ فالذين يعشقون الحرية لا يُفكِّرون في ترك الحكومة البرلمانية ولو كانوا من أشدِّ الناس انتقادًا لها.

ثم إنَّ النظام البرلماني هو الشكل السياسي الذي تتحوَّل نحوه الحكومة التمثيلية؛ فقد اتجهت إليه فرنسا في دور إعادة الملكية «الريستوراسيون»، وبدا مثل ذلك في ألمانيا قبل الحرب حين تصادمت سنة ١٩٠٨ حكومة الإمبراطور الشخصية ومجلس الريشتاغ الذي حاول أن لا يَتعاون هو ورئيس وزراء الإمبراطورية، ولربما لم يُنْتَقد نظام الحكومة البرلمانية في بلادٍ كما انتُقِدَ في ألمانيا، ولكنه لما خسرتْ ألمانيا الحرب مالت الإمبراطورية الألمانية إلى الحرية السياسية، فقالت بنظام الحكومة البرلمانية في دستورها الذي سُنَّ سنة ١٩١٩، وجاء فيه أن رئيس الإمبراطورية يعيِّن رئيس وزرائها، وأنَّ هذا الرئيس هو الذي يَختار زملاءه، وأن الوزارة مسئولة أمام الريشتاغ، وأن رئيس الإمبراطورية يَقدر على حلِّ هذا المجلس.

ويظهر أن الحكومة البرلمانية لا تسير بسهولة في ألمانيا؛ فليس في ألمانيا صفوة سياسية قادرة على توطيد دعائمها، وليس فيها رجل ذو مكانة يظهر بمظهر الزعيم لحزب كبير، وقد عادت أحزاب البرلمان الإمبراطوري السابق بترتيبها المعلوم إلى المجلس التأسيسي الذي انتُخِبَ في ١٩ يناير سنة ١٩١٩، وإلى المجلس الاشتراعي الأول الذي تسمَّى بالريشتاغ أيضًا، وإنَّ هذه الأحزاب كثيرة، ولا يقول بعضها (أي حزب الشعب الألماني الوطني) بشكل الحكومة الجمهوري، ويذهب بعضها (أي حزب الاشتراكيين المستقلين وحزب الشيوعيين) إلى نظام الاتحاد الاقتصادي القائم على مجالس العمال. نعم، إنه بعد أن أُعْلِنَت الجمهورية في ألمانيا، وبعد الحكومة المؤقتة التي ألَّفها الاشتراكيون الديمقراطيون والاشتراكيون المستقلون في نوفمبر – ديسمبر سنة ١٩١٨، قامت — بفضل قوة الاشتراكيين الديمقراطيين — حكومةٌ تمثيلية منظَّمة في برلين في يناير – فبراير سنة ١٩١٩ على أن يُراقبها المجلس التأسيسي الوطني، ثم جاءت وزارة شيدمان70 فوزارة روير71 فسيَّرتا النظام البرلمانيَّ بما أوجبتاه من ائتلاف بين حزب الاشتراكيِّين المعتدلين والحزب الكاثوليكي المتوسِّط وحزب الديمقراطيِّين، ولكنَّ الانتخابات التي وقعت في شهر يونيو سنة ١٩٢٠ تمَّت على وجه غير ملائم لنظام الحكومة البرلمانية؛ وذلك لتقليلها عدد الأعضاء الذين سعوا في ممارستها؛ أي إنَّ تلك الأحزاب الثلاثة التي كانت تستند الحكومة إليها عادت لا تملك مقاعدَ كافيةً في الريشتاغ لمقاوَمة مناحي مُعارَضة اليمين الثورية العسكرية، أو مناحي معارضة اليسار الثورية البلشفية، وإنَّا لنكتب هذه السطور (أي في شهر يونيو سنة ١٩٢٠) ونحن نرى أنه لم يستطع رجلٌ أن يؤلِّفَ وزارة قادرة على الاستناد إلى أكثرية برلمانية.

هوامش

(1) Bagehot.
(2) Anson.
(3) Robert Walpole.
(4) Pitt.
(5) Ellenborough.
(6) North.
(7) Macaulay.
(8) Todd Walpole.
(9) Campbell Bannermann.
(10) Dicey.
(11) Dunraven.
(12) Referendum.
(13) Lansdowne.
(14) Lord Balfour of Burleigh.
(15) Birrel.
(16) Bryce.
(17) La Diète.
(18) Reichsrat.
(19) Anne.
(20) Jenks.
(21) Downing Street.
(22) Salisbury.
(23) Blackstone.
(24) De Lolme.
(25) Siéyès.
(26) Barnave.
(27) Mirabeau.
(28) Frimaire.
(29) Thermidor.
(30) Tribunat.
(31) Benjamin Constant.
(32) Chateaubriand.
(33) Royer Collard.
(34) Thiers.
(35) Guizot.
(36) Changarnier.
(37) De Remuzat.
(38) Berryer.
(39) Lamartine.
(40) Dafaure.
(41) Thiers.
(42) Armand Marrast.
(43) Lèonard Courtney.
(44) Ostrogorski.
(45) Lord Aberdeen.
(46) Courtney.
(47) O’Connell.
(48) Robert Peel.
(49) Sidney Low.
(50) Burke.
(51) Malborough.
(52) Bryce.
(53) Lord Salisbury.
(54) Chamberlain.
(55) Jenks.
(56) Carlyle
(57) Metternich.
(58) Talleyrand.
(59) Cavour.
(60) Harisson Moore.
(61) Mac Mahon.
(62) Grévy.
(63) Casimir Périer.
(64) Jules Ferry.
(65) Méline.
(66) Waldeck–Rousseau.
(67) Combes.
(68) Rouvier.
(69) Sarrien.
(70) Scheidmann.
(71) Rauer.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤