الفصل الأول

وداعًا صديقتي

طردْنا الصين خارج المنزل في يوم إثنين مظلمٍ بعد يومين من عيد الميلاد، بينما كان الأطفال نيامًا في الطابق العلوي. لا أقصد البلد بطبيعة الحال، ولكني أقصد قِطعًا من البلاستيك والقطن والمعادن المختومة بعبارة «صنع في الصين». احتفظنا بالأشياء الصينية التي لدينا بالفعل، ولكن توقفنا عن جلب المزيد منها.

لم يكن الطرد نتيجةَ خطأٍ ارتكبتْه الصين؛ فقد غَلَّفت حياتنا بقشرةٍ مبهجةٍ من اللعب والأدوات والأحذية الرخيصة. أحيانًا كنت أشعر بالقلق حيال فقدان الوظائف في أمريكا أو التقارير السيئة عن انتهاكات حقوق الإنسان، ولكن السعر تغلَّب على الأخلاق في منزلنا. لم نستطع مقاومة ما كانت تبيعه الصين. ولكن في الظهيرة المظلمة تلك، غمرني اضطراب زاحف وأنا أجلس على الأريكة أعاين الأطلال الكئيبة للعُطْلة. يبدو لي أنه من المستحيل أن أكون قد غفلت عن ذلك سابقًا، إلا أنني حتى هذه اللحظة لم أكن قد لاحظت هذه الحقيقة الدامغة: الصين تُسيطر على المكان.

تُشع الصين وهجًا أزرق من مُشغل الأقراص الرقمية وتَلمع في الأضواء والكرات الزجاجية المتدلية على شجرة الكريسماس في ركنٍ من أركان غرفة المعيشة. الصين تحكُّ في قدميَّ بزوجٍ من الجوارب المخططة، وتكمن في كومةٍ فوضويةٍ من الأحذية الصينية بجوار الباب، وتُشاهد العالم من خلال العيون المطرزة لدميةٍ حمراء الشعر، وتُسلي الكلب باللعبة الصينية المخصصة للعض. وتُلقي الصين دائرةً صفراء اللون من الضوء صادرةً من المصباح على البيانو.

نهضتُ عن الأريكة لبدء جردٍ سريعٍ وفرزٍ لهدايا الكريسماس إلى فئتين: صينية وغير صينية. جاءت النتيجة بخمسٍ وعشرين هديةً صينية مقابل أربعَ عشرةَ هديةً من بقية العالم. طرأتْ عليَّ فكرة أن البرامج التليفزيونية الخاصة بالأطفال بحاجةٍ إلى تحديث معلوماتها الجغرافية؛ فأقزام بابا نويل لا تُعْمَل في ورش تُغطيها الثلوج في الجزء الشمالي من العالم، ولكن في مصانع مستغِلة للعمال في طقسٍ حارٍّ على بُعد أكثر من سبعة آلاف ميلٍ عن منزلنا على ساحل الخليج. الكريسماس — اليوم الذي يحلم به كثير جدًّا من الأطفال كلَّ عام — عطلة صينية، لو تغاضيت عن ساعة تقضيها في الكنيسة أو مشاهدة أداء البابا للقداس على شاشات التليفزيون. لقد خرجت الأمور عن السيطرة في مكانٍ ما على طول الطريق.

وفجأةً أردت إخراج المنتجات الصينية من المنزل.

فات أوان طرد الصين تمامًا؛ فالتخلُّص مما جمعناه بالفعل في المراحل الأولى من شأنه أن يترك المكان عاريًا مثل فروع شجرة الليمون المحتضَرة في فنائنا الأمامي. وليس هذا فحسب؛ فإن زوجي كيفن كان سيقتلني. إنه رجل متسامح، ولكن لحدود. ومع ذلك، لسنا تروسًا في عجلةٍ صينية، على الأقل حتى الآن. يمكننا التوقف عن جلب المنتجات الصينية إلى منزلنا. يمكننا أن نكف أيديَنا ونقول: لا، شكرًا، لقد اكتفينا.

•••

بدا كيفن قلقًا.

«لا أعتقد أن هذا ممكن.» قالها وعيناه تتفحصان غرفة المعيشة «ليس الآن، ليس مع وجود أطفال.»

كان جالسًا على الطرف الآخر من الأريكة ممسكًا بكوبٍ من الشاي الصيني يرتشف منه ببطء. لم يكن قد تعافى تمامًا بعدُ من تجميع القطار الصيني الجديد لابننا، وهي عملية مَلحمية استمرت حتى الساعات الأولى من صباح الكريسماس. بدا شاحبًا قليلًا والشعيرات النامية على وجنتيه بعمر يومين لم تُحسِّن مظهره. كسرتُ حاجز الصمت لأُقدِّم فكرتي له: لمدة سنةٍ واحدة، اعتبارًا من أول يناير، سنقاطع المنتجاتِ الصينية.

استطردتُ: «لا لعبَ أطفالٍ صينية، لا أجهزةَ إلكترونيةً صينية، لا ملابسَ صينية، لا كتبَ صينيةً، لا تليفزيونَ صينيًّا؛ لا شيءَ صينيًّا لمدة سنةٍ واحدة؛ لمعرفة هل يمكن القيام بذلك. يمكن أن يكون هذا قرارنا في السنة الجديدة.»

كان يرمقني بنظرةٍ مبهمة. ثم تناول رشفةً من الشاي، وأدار رأسه، ووَجَّهَ عينيه إلى الحائط الفارغ على الجانب الآخر من غرفة المعيشة. كنتُ آمُل في الحصول على موافقةٍ سريعة، لكن أصبحتُ الآن أرى أن هذا سيستغرق بعض الجهد.

قلتُ مقترحة: «سيكون هذا مثل لعبة التفتيش، ولكن بالعكس.»

كيفن عادةً مستعد لتحدي الأمور التقليدية. كانت أقرب شخصيةٍ دينيةٍ اقترب منها في طفولته هي دابليو سي فيلدز. كان يتهرَّب من المدرسة لمشاهدة فيلدز في أفلام الظهيرة على قناةٍ محليةٍ خارج لوس أنجلوس. وفي سن السادسة عشرة، أخذ إجازةً لمدة سنةٍ من المدرسة الثانوية وانتقل إلى ألاسكا للعمل في كرنفال متنقل حيث كان يعمل في لعبة رمي العملات المعدنية، وتعلم التحدُّث بطريقة العاملين في الكرنفالات من سجناء سابقين كانوا يديرون جولات الكرنفال. ثم عاد إلى كاليفورنيا، والتحق بكليةٍ مجتمعية، وقضى ثمانيَ سنواتٍ هناك، دارسًا الفلسفة والجمباز والنجارة.

اكتسب كيفن نزعته التمردية بنزاهة؛ فقد كان والده عضوًا صعب المراس في نقابة المعلمين ومحرضًا سياسيًّا، كان يقضي عطلة نهاية الأسبوع في المشي عاريًا في صحراء أنزا بوريجو. كنت أتخيل أنه إذا كان يمكنني استغلال هذا الدم المتمرِّد الآن، يمكنني جعْل كيفن يوافق على مقاطعة الصين.

قلت له: «لا يمكن أن يكون أمرًا صعبًا، فلا يوجد لدينا ميكروويف. وشاشة التليفزيون لدينا ثلاثَ عشْرةَ بوصةً مثبت فوقها هوائي ثُنائي. وأصدقاؤنا يعتقدون أننا مجانين لعيشنا بهذه الطريقة، ولكن لا أستطيع أن أرى أننا نفتقد الكثير. ما درجة الصعوبة التي سنعانيها إذا تخلينا عن الصين أيضًا؟»

أبقى كيفن عينيه على الحائط، فواصلتُ الحديث.

طوحتُ بذراعي قائلة: «إننا دائمًا ما نتذمر من أن الولايات المتحدة لم تَعُد تصنع أيَّ شيء. لقد قلنا ذلك مليون مرة. وقد قلتَ أنت ذلك مليون مرة. ألا تريد أن تكتشف بنفسك هل هذا صحيح حقًّا أم لا؟»

أدركتُ على الفور أن السؤال خطأ. رفع كيفن حاجبه ومطَّ شفتيه راسمًا على وجهه ذلك التعبير المبالغ فيه لوجه المهرج الحزين. ثم سمعتُ صريرَ هواءٍ خافتًا بينما فتح فمه ليتكلم، وهو ما يزال مُشيحًا بوجهه عني، فعدتُ للحديث مرةً أخرى، بسرعة.

«ربما نوفر المال. ربما يمكننا الالتزام أخيرًا بميزانيةٍ محددةٍ مثلما كنا نقول طوال خمسَ عشْرةَ سنة. وسيكون ذلك ممتعًا، كنوعٍ من المغامرة.»

تفحصتُ جانب وجه كيفن. كان يملك فكًّا مربعًا وأنفًا لنجمٍ سينمائي، ولكن ثَمَّةَ شيء غريب في عينيه؛ إذ تتسمان بمظهرٍ زجاجيٍّ حالم، وكانتا معلقتين بالطلاء الأخضر الباهت على الجدار المقابل. بدا أنهما لا تستطيعان الاستدارة ناحيتي.

أوضحتُ أن وظيفتي بدوامٍ جزئيٍّ ككاتبةٍ في مجال الأعمال التجارية تَعني أنني أستطيع القيام بمهمة تمشيط المركز التجاري الشاقة للوصول إلى البضائع غير الصينية. إذا كان في هذا العالم المشغول مَن يملك وقتًا لتضييعه، فإنه أنا.

وأضفت: «ليس ذلك فحسب؛ فأنا أحب قراءة تلك الملصقات الصغيرة التي تخبرك بمكان صُنع الشيء. يمكنك ترك هذا الأمر لي.»

ربما يكون كيفن متعقلًا إلى حدِّ يَحُول دون أن يَشغل باله بهذه التفاصيل، ولكنْ كلانا يعرف أنني لست هكذا، فقد تحققتُ من ملصقات كل شيءٍ تقريبًا اشتريناه خلال الأعوام القليلة الماضية، فأشعر بسعادةٍ شاذةٍ في تعقُّب سقوط الإمبراطورية الأمريكية من خلال هذه الملصقات الصغيرة التي نادرًا ما تحمل عبارة «صنع في الولايات المتحدة الأمريكية». هذا هو السبب في أنني أعلم أننا نملك مقلاةً فرنسية، وضماداتٍ برازيلية، ومقعدَ مرحاض تشيكيًّا. كانت تلك الأسماء نادرةً في منزلنا. كان أكثر اسم ألتقيه، ربما ثمانيَ أو تسعَ مراتٍ من أصل عشْرٍ، هو الصين. ربما نتوقف عند أحدث اكتشافٍ صيني، ثم يقول كيفن العبارة التي تطوف في ذهنَيْنا في الوقت نفسه: «سينتهي الأمر بكارثةٍ كبيرة.» ويُتمتم بها بينما يهز رأسه.

أتمنى الآن لو لم أكن متحمسةً للغاية لمشاركة هذه النتائج المتعلقة بالمنتجات الصينية معه. ينبغي أن أجعله ينظر إلى ما وراء الحقيقة البديهية أن مقاطعة الصين من المرجَّح أن تقلب حياتنا رأسًا على عقب. أحتاج أن يُنحيَ كيفن المنطق السليم والتجرِبة الشخصية جانبًا، ويتوغل معي في هذا الدرب غير المطروق.

«لا أقترح ألا نشتري سوى السلع الأمريكية، بل ألا نشتري أشياء صينيةً فحسب. والأطفال — في سن سنةٍ واحدةٍ وأربع سنوات — صغار للغاية ولن يعرفوا ما يفتقدونه. أيمكنك أن تتخيل كيف سيولولون لو كانوا مراهقين؟ لا وقت أنسب لهذه العائلة لمقاطعة الصين من ذلك الوقت. ودعنا نكُن صادقين؛ إذا كان الحساب البنكي يُختزل في بعض الأحيان إلى خانةٍ واحدةٍ في أواخر الشهر، فإن ذلك يرجع إلى الافتقار إلى مهارات إدارة الأموال، وليس لنقصٍ في السيولة. لا يستطيع الجميع مقاطعة الصين، ولكن براتب التعليم الخاص بك وأجري ككاتبة، نستطيع ذلك.»

على الأقل آمُل أن نتمكَّن من ذلك، بحسب ما أعتقد.

أضفت: «وعلى أية حال، يمكن أن نعود إلى عاداتنا القديمة في يناير المقبل. سوف تكون الصين في انتظارنا. سوف تكون الصين موجودةً دائمًا لتستعيدنا.»

تفحصت جانب وجه كيفن. كان قد قرَّر أن ينتظر انتهائي. كانت استراتيجيته المعهودة، ولسببٍ وجيه؛ فهي تنجح تقريبًا في كل مرة. عندما نختلف، يُمسك لسانه، ويتراجع إلى الوراء، ويدعني أتعثر في حديثي. أتذكر أنني رأيت هذه النظرةَ المبهمةَ نفسَها في عينيه قبل سنوات، عندما أحضرتُ كلبًا ضالًّا ذات يومٍ إلى المنزل وسألتُ عما إذا كنا نستطيع الاحتفاظ به. توقَّف كيفن عند البوابة الأمامية ولم ينبس بكلمة. قرر الوحش مصيره بنفسه عندما انفجر مزمجرًا وهجم على كيفن رافضًا السماح له بدخول البيت. لم يلفظ كيفن بكلمةٍ واحدة.

أدركت أن الوقت قد حان لاستخدام سلاحٍ أقوى. وحاولت أن أبدوَ رابطة الجأش وأنا أقول:

«قال بعض الناس إن مقاطعة وول مارت ستكون صعبة. لا أستطيع القول إننا افتقدنا شيئًا.»

في البداية، بدت لي مقاطعة وول مارت سخيفة. لم أستطع أن أرى فرقًا بين وول مارت وأماكن مثل كيه مارت وتارجت فيما يتعلق بقضايا مثل القضاء على المتاجر الصغيرة وأجور العاملين. صحيح أنني مررت ببعض التجارِب الشخصية البغيضة في متجر وول مارت القديم القريب من منزلنا؛ فقد رأيت رجلًا يصرخ في طفلٍ منهكٍ ورأيت في أكثر من مرةٍ صراصير محتضَرةً تحرك سيقانها الشائكة في الهواء إلى جواري بينما أقف في وهج أضواء النيون عند صف الدفع منتظرةً دفع ثمن الملابس الداخلية والحفَّاظات.

ثَمَّةَ أسباب عادية لنقد وول مارت؛ منها التنمُّر على الموردين وتشويه المناظر الطبيعية الذي تسببه متاجره المهجورة، وأمور أخرى. أما ما جعلني أشارك في مقاطعة وول مارت، فهو عندما قرأت أن الشركة منعت مفتشي العمل من دخول المصانع الأجنبية التي تُنتج إنتاجًا وافرًا من قمصان البولو (التي تُباع بسعر ثمانية دولارات) والفساتين المعلقة على رفوفها (التي تُباع بسعر أحد عشر دولارًا). حتى حينها، كنت أستطيع التفكير في شيئين لطيفين حيال وول مارت؛ فالشركة تتيح للناس النوم في سيارات الكارافان الخاصة بهم في مواقفها للسيارات، وتوفر للمستهلكين عمومًا مليارات الدولارات على كل شيء من مسحوق تايد حتى المخللات.

يُخيَّل إليَّ أن مقاطعة متجر وول مارت تجرِبة اختبارية جيدة لحظر الصين؛ لأن كثيرًا مما يبيعه يأتي من الصين. أعرف هذا لأنني قرأت الملصقات على كثيرٍ من الصناديق في وول مارت فيما قبل مقاطعة وول مارت. ومع ذلك، يوجد فرق رئيسي بين حظر وول مارت وحظر البضائع الصينية؛ ففي نهاية المطاف، مقاطعة وول مارت تتطلب شيئًا واحدًا فقط: إبقاء يديك على عجلة القيادة وزيادة السرعة متجاوزًا مدخل أماكن ركن السيارات الواسعة الخاصة به. بالمقارنة، تفترش المنتجات الصينية رفوف متاجر التجزئة في جميع أنحاء البلاد، ليس فقط المتاجر الكبرى، ولكن أيضًا المتاجر الصغيرة المعطرة والمحال الخافتة الإضاءة وصفحات المنشور التسويقي التي تشق طريقها إلى ملايين من صناديق بريد الأمريكيين كل يوم. لا يمكن تجنُّب المنتجات الصينية بسهولة.

أبقيت هذه العبارة الأخيرة في نفسي. علاوةً على ذلك، استطعت أن أرى أن حيلة وول مارت قد لمست وترًا حساسًا، فخفَّت التجاعيد حول فم كيفن، وزالت تقطيبة جبينه، فيما ظلت عيناه على الحائط، لكنه كان يستمع إليَّ. كان أي مفاوض على الإفراج عن رهائن سيقول لي إنني أحقق تقدمًا لأنني جذبت انتباهه. وسيخبرني المفاوض أن أجعله يواصل الحديث. كان كيفن مسترخيًا في الطرف الآخر من الأريكة، لكنه وقف في تلك اللحظة ونظر حوله في أرجاء الغرفة. حاولت ألا أتمادى فأُضيع فرصتي في النجاح في إقناعه، فانتظرت منه القيام بالخطوة التالية، فأدار رأسه وركز عينيه عليَّ وتساءل:

«وماذا عن آلة إعداد القهوة؟»

كان يفكر في الآلة المعطلة التي ما زالت قابعةً على منضدة المطبخ، على الرغم من أن آخر فنجان قهوةٍ أعدَّتْه كان منذ شهر. كنا قد اشتريناها من متجر تارجت منذ سنتين. وكان حدثًا لا يُنسى لأنها كانت المرة الأولى التي لاحظنا فيها استحواذ الصين على سوقِ واحدٍ من الأجهزة المنزلية العادية. وقفنا في ممر المتجر لمدة ٢٠ دقيقة، نُقلب الصناديق وننظر في الملصقات. كانت كل الصناديق من الصين، فهززنا أكتافنا بلامبالاةٍ واخترنا آلة سوداء أنيقة ذات وعاءٍ سعة ثمانية أكواب. أصدرت الآلة صوت طقطقةٍ وتوقفت عن العمل في صباح أحد أيام شهر نوفمبر، ولكننا تركناها هناك على أمل أن تعود للحياة بطريقةٍ ما.

لأسابيع كنا نغلي الماء ونصبه عبر مرشحٍ بلاستيكيٍّ فوق أكواب القهوة. لم أهتم لذلك؛ فهذا يُذكرني برحلات التخييم في الجبال عندما نصنع القهوة على النار. ولكن كان شعور كيفن خلاف ذلك. وفي صباح الأيام الباردة، عندما يصبح مطبخنا شبيهًا بكهفٍ بارد، ونكون في حاجةٍ ماسَّةٍ لشيءٍ ساخن، كنت أستطيع أن أفهم وجهة نظره. وكان بسؤاله عن آلة إعداد القهوة يريد أن يعرف هل ما يزال الإنتاج الصيني صالحًا للدخول ضمن دائرة البحث عن بديل.

قلت: «إننا في السابع والعشرين من ديسمبر. أمامك أربعة أيام.»

حينها أدركت أنه أصبح معي. أدار رأسه وألقى نظرةً على منظر أرضية غرفة المعيشة الفوضوي. كان يُشكِّل قائمة ذهنية بالأشياء الأخرى التي يريد إضافتها إلى منزلنا المزدحم وما يزال لديه وقت. كنت أنظر لنصف الكوب الملآن، لكني واثقة أنه سينظر إلى النصف الفارغ؛ فأطبقت فمي؛ فهذا ليس وقتَ جدل. كان يُشكِّل في ذهنه بالفعل قائمة التسوُّق الخاصة به ويتجه نحو الباب، دون أن ينظر وراءه مطلقًا. تخيلت عاصفةً من لعب الأطفال والجوارب والأحذية الصينية تتبعه قبل أن يُصدر الباب صوت انغلاقه. قلت في قرارة نفسي: «حمدًا لله أنه خرج.» ولكن الفكرة التالية أذهلتني. وللحظةٍ وجيزة، شعرت بالقلق لما نحن بصدده.

•••

فيما بعد، وأنا ألتقط قصاصات ورقٍ وصناديق ممزقة من الأرض، أدركت أنه ستوجد تعقيدات إضافية، وأعني بها أمي، بتعليقاتها الكثيرة على كل شيء.

ففي سن الحادية والسبعين، لم يكن إحساسها بالظلم يقل عن إحساس متخرِّج حديث من قسم الفلسفة؛ وهو ما كانت عليه في عام ١٩٥١، فالمواضيع المفضلة للمناقشة لديها هي العهد القديم، والطيور في فنائها الخلفي، وقواعد اللغة الإنجليزية السليمة، ومعاناة الفقراء، دون ترتيبٍ معين. وقاعدتها المفضلة هي القاعدة الذهبية، وعندما تعلم بخططنا لمقاطعة الصين، سوف تشكُّ في أني أكسرها؛ سوف تعتقد أنني أنتقد مستضعَفًا لوصوله لمستوياتٍ عاليةٍ من النجاح بعد عصورٍ من العيش في القيعان. سوف تجد فرصةً سانحةً للجدال.

سوف تبدأ قائلة: «كيف ستشعرين إذا قاطعكِ شخصٌ ما؟»

ثم ستتوقف لتتساءل عما إذا كنتُ شبيهةً بها على أي حال.

ثم ستسأل بعدها: «هل المقاطعة من أجل حقوق الإنسان؟ هل هي من أجل العمال الصينيين الذين يعانون مثل العبيد في تلك المصانع الشنيعة؟»

والدتي تحب البشر جميعًا، وإحدى طرق حبها لهم هي الجدال معهم؛ ففي عالَمها لا يوجد خصوم غير جديرين بالاهتمام، فلم تلفظ قط عبارة «من يهتم برأيهم؟» إنها تهتم بما يعتقده الجميع، وخصوصًا عندما يعتقدون بأمورٍ خاطئة، وفي هذه الحالة ترى أنه من واجبها مساعدتهم على معرفة خطئهم. ذات مرة، خلال رحلةٍ إلى سانتا مونيكا بيير، وأنا في السابعة أو الثامنة من عمري، شاهدتها في رعبٍ وهي تتجادل مع راكب دراجةٍ ناريةٍ ضخم، لا يرتدي قميصًا، عما إذا كان نجم البحر الذي يمسكه في قبضته يمتلك العدد نفسه من الأطراف مثل نجمة داوود.

صاح الرجل دون توجيه حديثه لشخص بعينه: «نجمة داوود!» ملقيًا الكائن النافق نحو السماء ومسرعًا بتمايُلٍ عابرًا ألواح الرصيف الخشبي.

مشت أمي نحوه وقالت:

«نجمة داوود تمتلك ستة أطراف.»

فزمجر قائلًا: «خمسة أطراف!»

فردت: «ستة.»

فرد عليها: «خمسة!»

بدأ الناس يتجمعون. وبصمت، تمنيت أمرين؛ أولًا: ألا يقتل راكبُ الدراجة النارية والدتي. وثانيًا: أن تتحطم ألواح الخشب الكبيرة من تحت قدميَّ إلى شظايا وأغرق تحت موجات المحيط الهادئ بعشرين قدمًا ولا أظهر مرةً أخرى. كنت نصف محظوظةٍ في هذا اليوم، فقد ابتعد راكب الدراجة النارية عن الرصيف دون أي عنفٍ ضد والدتي، ولكني بقيت متسمِّرةً على الألواح الخشبية.

سأجيب عندما توجِّه والدتي أول نقدٍ لها لمقاطعتي الصين، قائلةً: «لا، ليس من أجل العمال الصينيين.»

«إذن، هل من أجل العمال الأمريكيين؟ من أجل الأشخاص الذين فقدوا وظائفهم بسبب الصين؟»

«لا، ليس من أجلهم أيضًا.»

«هل هي من أجل التبت؟»

سأقول: «ولا من أجل التبت يا أمي، على الرغم من أنها يمكن أن تكون كذلك. ربما ينبغي أن تكون كذلك. على الأرجح ينبغي أن تكون كذلك، ولكنها ليست مقاطعةً سياسية.»

سوف تسأل: «إذن، ما سببها؟»

سأرد عليها قائلةً: «إنها تجرِبة؛ لمعرفة هل يمكن القيام بها أم لا.»

«وهل يمكن ذلك؟»

«ليس لديَّ فكرة يا أمي. هذا ما أعتزم معرفته.»

سوف تصاب بخيبة أمل. لن تجد ما تقوله. لن تكون قادرةً على إقحام أنفها في هذا الأمر؛ فستضعها كلمة «تجرِبة» في حيرة. أنا أتحدر من عائلةٍ من العلماء والمدرسين؛ علماء ومعلمين متدينين بشدة، فوسط أعضاء عشيرتي، الاعتراضُ على تجرِبة، على السعي وراء الحقيقة والمعرفة، غيرُ محتمَلٍ مثل الاعتراض على شخصٍ يأخذ دروسًا في العزف على البيانو. لا يمكن لأحد فعله. لا يوجد حافة تتعلق بها وتطلق حملة احتجاج. سوف أوقف أمي قبل أن تتمكن من البدء.

كوَّرتُ ورق التغليف في يدي وألقيته في كيسٍ بلاستيكيٍّ أخذتُه عن الأرض، ثم ألقيتُ جسدي على الأريكة لأستمتع بانتصاري المتخيَّل على والدتي. شعرتُ بالذنب قليلًا؛ لأنه ليس لطيفًا أن تَسحق أمَّك، حتى لو كان ذلك نظريًّا، أو تحرمها من حوارٍ ممتعٍ عن مآسي العالم، خاصةً إذا كانت تعيش على بُعد منطقتين زمنيتين غربًا، ولا تحادثها سوى مرةٍ واحدةٍ في الأسبوع؛ فقررت تأجيل إخبارها عن المقاطعة لأطول فترةٍ ممكنة.

ناداني أحد الطفلين من فوق: انتهى وقت القيلولة. تنهدتُ تنهيدة المحروم من النوم، ودفعت نفسي للوقوف على قدميَّ وتوجهت للدَّرَج، ونحيت والدتي والصين جانبًا لفترةٍ من الوقت.

•••

كانت مدرسة الأطفال مغلقةً لمدة أسبوع؛ لذا قضينا الأيام الأربعة التالية في مطاردتهم في جميع أنحاء المنزل. الجو بارد في الخارج؛ لذلك سمحنا لهم بلعبهم الجامح في الداخل، غضضنا الطرف عن قفز صوفي على السرير وإسراع ويس من غرفةٍ إلى أخرى على دراجةٍ صغيرةٍ حمراءَ معلقٍ في مقبضها جرسٌ هولندي. كان صوت الجرس يقرع بينما كان ويس يدور حول طاولة المطبخ، ويتوجَّه نحو غرفة الطعام. أصدرتُ تهديداتٍ فارغةً عندما انحرف قريبًا للغاية من أصابع قدم شقيقته العارية وتهديداتٍ حقيقيةً عندما داس على أصابع قدمي. أحيانًا أشير لنفسي بأنني أتحوَّل بسرعةٍ لواحدةٍ من هؤلاء الأمهات اللاتي أقسمتُ أنني لن أكون منهن؛ متسامحة أكثر من اللازم ومستعدة لعقد صفقاتٍ مع الأطفال حول الحلوى والتليفزيون إذا كان ذلك سيوفر لي خمس دقائق من السلام.

انحرف ويس بجوار أخته مرة أخرى.

فصرختُ: «انتبه.»

فابتسم ابتسامةً عريضةً وانطلق بسرعةٍ مبتعدًا.

عندما لا يكون راكبًا دراجته، يلعب ويس بجهاز اللاسلكي الصيني الجديد، فيوزع أدوات الإرسال والاستقبال على الجميع، بما في ذلك شقيقته الرضيعة، لكي يستطيع أن يراقب عن كثب تحركاتنا في جميع أنحاء المنزل.

خرج صوته عبر الجهاز عاليًا وخشنًا: «ماذا تفعلين يا أمي؟» وكأنه يتحدث عبر مكبرٍ للصوت تحت الماء، فالتقطتُ جهازي وضغطتُ على زرٍّ بإبهامي المبلل.

«أغسل الأطباق.» وتركت الزر.

أتاني رده الغامض «أوه». ثم بعد خمس ثوانٍ: «ماذا تفعلين الآن؟»

رددت: «أغسل الأطباق.»

وبعد ذلك بقليل، جعل جهازي يطنُّ مرةً أخرى.

«ماذا تفعلين يا أمي؟»

«أُطعم الكلب.»

«ماذا ستفعلين بعد ذلك؟»

«أغسل مزيدًا من الأطباق.»

فقال: «انتهى.»

نادرًا ما نغادر المنزل إلا للذهاب للتسوق، وهو النشاط الذي يبدو مملًّا بعد هذا الوقت القصير من اللهو باللُّعب والملابس في صباح الكريسماس. كانت رحلاتنا إلى المتجر مناسباتٍ مثيرةً للقلق؛ فمن ناحية، شعرت بالقلق من أن ثَمَّةَ أشياء محددة سيُحرَّم علينا شراؤها من السوق لمدة الاثني عَشَرَ شهرًا المقبلة؛ الأمر الذي من شأنه أن يُعرِّض المقاطعة للخطر إذا ضاق كيفن — الذي سرعان ما أطلقتُ عليه الحلقة الأضعف — ذرعًا بالفكرة واستسلم.

من ناحيةٍ أخرى، خشيت أن يكون تخزين الأشياء قبل موعد إطلاق المقاطعة مجرد محاولةٍ سافرةٍ للالتفاف على المقاطعة عن طريق جعْل الامتثال لقيودها سهلًا للغاية. وفي الوقت نفسه، اكتشفتُ أنه يجب عليَّ تأخير قول «لا» لكيفن، وأي شخصٍ آخر في الأسرة، خلال أيامنا الأخيرة من استخدام البضائع الصينية دون قيود. على أية حال، لم نجلب للمنزل أي شيءٍ مبهرٍ أو أي شيءٍ صيني؛ وهو ما أصابني بالدهشة؛ فقد اشتريت بضعةَ صناديق تخزينٍ بلاستيكيةٍ مصنوعةٍ في أوكلاهوما، ومجموعةً من بطاقات الكريسماس مخفضة السعر، مصنوعةً أيضًا في الولايات المتحدة الأمريكية، التي لاحظت أنها أرخص من علبة البطاقات الصينية القابعة بجانبها على الرف. واشترى كيفن سروالين مكسيكيين من الجينز.

تبيَّن أن آلة إعداد القهوة لا تُمثل مشكلة، ولا حاجة لشراء غيرها.

قال كيفن عندما سألته عنها في أحد الأيام: «اعتقدتُ أنكِ أردتِها.»

فرددت: «أنا؟ لا تهمني آلة إعداد القهوة. لقد كنتَ أنت مَن جلبها للمنزل.»

«هذا لأنني اعتقدت أنكِ تريدينها. أحضرتها فقط من أجلك.»

«لا أريدها. لا بأس لديَّ في غلي الماء.»

فقال: «حسنًا، لا أريدها.»

فقلت: «حسنًا.»

فردَّ: «حسنًا.»

سوف يخبرك أنني أنا الشخص العنيد، ولكن هذا غير صحيح.

•••

سألت كيفن أثناء عرض إعلانٍ تجاريٍّ قائلة: «هل تعتقد أننا سننجح في هذا؟»

فقال متسائلًا: «حتى منتصف الليل؟»، ثم أضاف: «أشك في ذلك.»

إنها ليلة رأس السنة، اليوم الأخير من حياتنا كمدمنين للمنتجات الصينية. قدَّمنا أعذارًا زائفة لأصدقائنا عن إصابة صوفي بالبرد لكي نتمكَّن من فعل ما كنا نريد القيام به حقًّا، وهو البقاء في المنزل ومشاهدة التليفزيون ومراقبة هبوط الكرة الكريستالية على ساحة تايمز سكوير. شعرتُ في هذه الليلة بحماسٍ شديد، فكادتْ روحي تخرج من جسدي مترقبةً صباح الغد. لا أستطيع الانتظار لبدء هذا الأمر؛ فأنت لا تقرر كل يومٍ أن تخوض معركةً ضد القوة العظمى الثانية في العالم، واللقطات الكبيرة لحشود الغرباء الضخمة السعيدة تُعضد عزيمتي، ففكرت في نفسي، هاتِي ما عندكِ.

من الواضح أن كيفن ليس متحمسًا مثلي.

قلت له: «أنا لا أتحدث عن هذه الليلة. أقصد هذا العام، دون المنتجات الصينية. هل تعتقد أننا سننجح طوال السنة؟»

هز كيفن كتفيه بلامبالاة وتوجَّه مرة أخرى نحو التليفزيون.

قلت في نفسي: «ها هو الحلقة الأضعف، انتظري وسوف ترَيْن.»

لا ينبغي أن أقسوَ عليه، فلديَّ تاريخ رديء فيما يتعلق بالتمسُّك بقرارات السنة الجديدة؛ فأنا لم ألتزم بقرارٍ سوى مرةٍ واحدة، وهي السنة التي أخذتُ فيها عهدًا على نفسي بصعود الدَّرَج كل صباح إلى مكتبي في الطابق الرابع في مكان عملي في ذلك الوقت. لم يكن قرارًا كبيرًا؛ حيث إنني كنت في العادة أصعد الدرج بدلًا من المصعد على أي حال. لم يكن يمثل صعوبةً خاصة؛ إذ كان يُشبه قرارًا بشرب القهوة أو الاستحمام كل صباح. وفي السنوات الأخرى، عندما وضعتُ نُصْب عينيَّ التدريب من أجل سباق ماراثون أو حتى ترتيب السرير كل يوم، كانت عزيمتي تنهار بحلول منتصف يناير، في أحسن الأحوال.

يوجد شيء آخَر كان يَشغل بالي بينما أنتظر منتصف الليل بالتوقيت الشرقي. استغرق مني اكتشافه بضع دقائق، وعندما فعلت، فوجئت. إنه الندم. لا أستطيع أن أصف الصين بأنها صديق. مليار شخص، قوة عسكرية ضخمة، حكومة قمعية ذات نوايا غير واضحة. كانوا قديمًا يصفونها بالغموض، ولن يكونوا مخطئين اليوم. لكن الصين تُمثل شيئًا آخر أيضًا: قريب لي.

منذ ثلاثة قرون، أبحر سَلَفِي الصيني إلى ألمانيا؛ حيث ترجَّل من مركبه مع زوجته وابنه الصغير. لم تناسب الرحلة السيدة تشانج، وتُوفِّيت على الفور. كان السيد تشانج أفضل حالًا؛ فحصل على وظيفة حارسٍ لعائلةٍ ألمانية، وأغوى الابنة المراهقة، وأنجب منها طفلًا دون زواج. تصوَّرت الحملة الهامسة عن خلط الأعراق وعدم الشرعية، ولكن تقاليد الأسرة خرساء بشأن هذه المسألة، إضافةً إلى المصير الأهم للسيد تشانج، وابنه، وعشيقته. نجا الطفل، الذي كان فتاة. وحطت سليلتها — جدتي الكبرى — الرِّحال في جزيرة إليس في سبعينيات القرن التاسع عشر وتوجَّهت غربًا نحو نبراسكا.

أشارت أمي إلى السيد تشانج لتفسير غلبة الملامح الآسيوية على أخي الصغير وثنيات جفون جدتها البسيطة. منذ سنوات، أبحرتْ أمي عبر نهر يانجتسي، وأكلتْ في مطاعمَ قديمةٍ متداعية، ولم تشعر بمرضٍ قط. وأكلت بِنهمٍ طبقَ البط الصيني في كل فرصةٍ ممكنة. ولونها المفضل هو الأحمر.

وتُصر قائلة: «إنها الطبيعة، وليست التربية، العامل الفاعل ها هنا.»

عندما كنت طفلة، أحيانًا ما كانت تنمو شعيرات سوداء في رأسي الأشقر. لمحتها في المرآة من على بُعد عدة أقدام، خطوط سوداء سميكة إلى جانب الخصلات الصفراء الباهتة. في المرة الأولى التي رأيت فيها إحداها تساءلت هل سقطتْ من رأس شخصٍ آخر لتتصل بشعري بطريقةٍ ما. اقتلعتها ووضعتها في كفي. كانت لامعة وذات لونٍ أسود داكن، ومستقيمة تمامًا، وبضِعف سُمك شعيراتي الأخرى، التي كانت متموجة وبيضاء تقريبًا. علمتُ على الفور ماهية الأمر: الصين تطالب بي بعد ثلاثة قرون وعبر محيطٍ يفصلني عن الوطن الأم. لم يكن باستطاعة أحدٍ أن يقنعني بخلاف ذلك.

في بعض الأحيان كنت أتفحص رأسي لاكتشاف مزيدٍ من الشعر الأسود، لكنها كانت قليلة جدًّا وربما اختفت نهائيًّا بوصولي إلى سن المراهقة. كنت أقف في ضوء الحمَّام البرتقالي وأدقق في المرآة بحثًا عن مزيدٍ من العلامات الآسيوية — مثل انحناء الشفة أو العين — ولكن لم يكن هناك شيء. كان الوجه الذي ينظر إليَّ وجهًا من الضواحي على نحوٍ كبيرٍ تمامًا مثل المروج المغطاة بحشائش برمودا. كان ذلك محبطًا؛ فقد أردت مزيدًا من الصين، وليس أقل.

ذكَّرت نفسي الآن أن المسألة ليست شخصية، وأن الأمر كله لن يستمرَّ إلا عامًا واحدًا.

•••

بدأ اليوم الأول من يناير بالنسبة إليَّ مثل اليوم الأول من كل عامٍ جديدٍ خلال العقد الماضي. كنت مرتديةً بيجامتي طوال الصباح ومستلقيةً على الأريكة لمشاهدة مهرجان الورود على شاشة التليفزيون، منتظرةً لقطاتٍ سريعةً لجبال سان برناردينو المغطاة بالثلوج من بعيد. كان كيفن والأطفال يصنعون جلَبة أثناء إعداد الفطائر في المطبخ. أنا أحب المهرجانات، لكنها تجعلني أبكي، ولا يوجد مهرجان يجعلني أبكي مثل هذا المهرجان؛ فيؤلمني أنفي وتغرورق عيناي بالدموع عندما أرى جياد البالومينو، وتلال الزهور المتحركة، وأطفال فرق الغرب الأوسط الممتلئين تتورَّد وجوههم احمرارًا وهم يسيرون في شارع كولورادو بوليفارد.

كما هي عادتي، أتوجَّه إلى قناة إن بي سي للاستماع إلى تعليق آل روكر على الأحداث الجارية، الذي أحبه بعض الشيء. كانت عيناي مغرورقتين بالدموع وأنفي أحمر، ولكنَّ حِسَّ آل الكوميدي منعني من الانهيار التام؛ فلولاه، لَوُجِد احتمال كبير بأن أدخل في نوبة بكاءٍ مفتوحٍ قد يُخيف الأطفال. في هذا الصباح، كان لآل والخيول وأطفال الفرق الموسيقية معنًى خاصٌّ بالنسبة إليَّ. قلت لنفسي إنه بصرف النظر عما ينتظرنا هذا العام، لا يوجد نقص في الأشياء الجميلة البعيدة للأبد عن الصين وفي متناولي، ومهرجان الزهور وباسادينا وآل روكر ثلاثة أمثلةٍ سريعة. آلمني أنفي مرةً أخرى عند ورود هذه الفكرة.

كان المهرجان على وشك الانتهاء عندما رن الهاتف وناداني كيفن للذهاب إلى المطبخ. كانت صديقتي الحميمة، وهي مغتربة أمريكية متزوجة من رجلٍ فرنسي، تتصل من باريس لتتمنى لنا سنة جديدة سعيدة. إننا نتحدث معًا كل أسبوعٍ تقريبًا، وكنت متحمسةً لمشاركة آخر الأخبار معها — من أجل التفاخُر في الواقع — عن مقاطعة الصين. تبادلنا التهنئة الأولية، ثم قلت لها ما نحن بصدده مع مطلع السنة الجديدة.

لم يكن ردُّ فعلها كما كنت أتوقع، إذ بادرتْني بالانتقاد.

قالت ساخرة: «سوف تصبحين عاريةً ومُفلسة. إنكِ تحلمين إذا كنتِ تعتقدين أن بإمكانكِ تلبيةَ احتياجاتك اليومية بالأشياء المصنوعة في أمريكا. هذا شيء من الماضي. إن الأساس الكامل للاقتصاد الأمريكي هو أشخاص يشترون حفنةً من الأشياء، والصين سهلت ذلك بالنسبة إليهم بجعْلها أرخص؛ فالناس يشترون بِنهمٍ كل شيءٍ تصنعه الصين.»

فتدخلتُ لتصحيح فهمها قائلة:

«أنا لا أقول إننا سنشتري المنتجاتِ الأمريكيةَ فقط، بل لن نشتريَ المنتجاتِ الصينيةَ وحسب.»

لم يبدُ أنها انتبهتْ لذلك.

واستطردَتْ: «في كل صيف، عندما أعود لمنزلي في سان دييجو، أشتري كثيرًا من الملابس واللعب للأطفال، وهل تعرفين ما أدفعه مقابل كل هذا؟ لا شيء تقريبًا. ما يقرب من الصفر. إنها رخيصة للغاية. هناك شيء ما خاطئ في كونها رخيصة جدًّا. وتقريبًا كل شيءٍ من الصين. ولكن في يومٍ من الأيام سوف تملُّ الصين من بيع الأشياء بسعرٍ زهيد، وحينها ستنهار الولايات المتحدة لأنها نقلت جميع مصانعها هناك.»

بدا أنها تدافع عن مقاطعة الصين، وهذا هو السبب في أنني لم أستطع معرفة سبب جدالها معي. وهي لم تنتهِ بعد.

فأضافَتْ: «الصين لا تُقدِّم لكِ أي معروف. انتظري وحسب لتَرَي.»

أنا لا أكون مستعدةً عندما يأتيني شخص مباشرة، طالبًا الشجار. حتى مجموعة الأسئلة الأكثر اعتدالًا يمكن أن تصيبني بالحيرة. قبل بضع سنوات، اقترح صديق آخر أن نترك جميعًا وظائفنا، ونجمع أموالنا، ونشتريَ قطعة أرض في ولاية فيرمونت لإنشاء مزرعةٍ جماعية، تمتلك لجانًا للإشراف على زراعة الخضراوات، والصرف الصحي، وتنظيف الحظيرة. لم أعرف بِمَ أرد. وعندما فُتِحَ هذا الموضوع مرةً ثانية، أصابني الذعر. شعرت بقلقٍ من أننا قد ينتهي بنا الأمر بالعيش في مجمعٍ سكنيٍّ وسط الثلوج، محاصَرين في اجتماعاتٍ لا نهاية لها من الجرارات والماعز. طلبت من كيفن نُصحي بشأن كيفية الرد على هذه الفكرة.

قال مقترحًا: «يمكن أن تقولي له إننا لا نريد ذلك.»

لا أعرف كيف يصل كيفن إلى هذه الردود.

كنتُ تقريبًا خرقاءَ في هذا الصباح مثلما كنتُ عندما تعلق الأمر بالدفاع عن المقاطعة.

قلت لصديقتي: «أعتقد أنه ممكن. ليس أمرًا سهلًا، لكنه ممكن.»

وصلتْ صديقتي إلى قرار نهائي.

فقالت: «لن تنجحوا أبدًا.»

تركنا الأمر عند هذه النقطة، وقضينا الدقائق القليلة التالية في التحدُّث عن أطفالها، ثم أطفالي، ثم أحوال الطقس عندها، ثم عندي. بعد ذلك تمنَّتْ إحدانا للأخرى عامًا جديدًا سعيدًا مرةً أخرى، ثم أنهينا المكالمة.

كانت المحادثة مثبِّطة للعزيمة. كنت أتوقع دعمًا غير مشروط، وهو — رغم كل شيء — ما كنت قد منحتُها إياه على مدار ثلاثة عقودٍ من الصداقة. ربما لا ينبغي أن أتفاجأ؛ فقد كانت الأنثى المسيطِرة في علاقتنا منذ انتقالها إلى شارعنا خلال الصف الرابع وأرست سريعًا فكرة أنها أذكى فتاةٍ في الفصل وصاحبة أفضل شعرٍ بين الفتيات. كان دوري دائمًا هو الصديقة الحميمة الطيِّعة والمسلية، ولكن أشعر بأنه توجد أوقات، مثل الآن، يجب عليها فيها أن تتقبَّل الأمور وتمتنع عن تقديم آرائها الكثيرة والمتنوعة.

وجدت جانبًا مشرقًا في النقاش الحادِّ مع صديقتي؛ فقد أدخلتني في حالةٍ مزاجيةٍ لحفلةٍ في منزل صديقٍ آخر في وقتٍ لاحقٍ من ذلك اليوم؛ التي كانت عبارةً عن تجمُّع لمشاهدة مباراة «الروز بول» لفرق الجامعات على شاشة التليفزيون. لا أهتم كثيرًا بنتيجة المباراة؛ فلا رأيَ لي في التنافُس بين ميشيجان وتكساس. ولكني أتوق لدخول غرفةٍ مليئةٍ بالأصدقاء؛ مجموعة من الأصدقاء «الأمريكيين» الحقيقيين غير الناقدين يحملون البيرة في أيديهم وكرة القدم في عقولهم، ولم يمضوا العَقدَ الماضيَ في باريس ولم يُصبحوا متغطرسين ومتشككين. بعبارةٍ أخرى، لم يُصبحوا فرنسيي الطباع.

بدأَتِ الأمور تسير كما أريد سريعًا بعد أن وصلنا واستقرَرْنا في حفلة كرة القدم. من السهل الحصول على مديح من هذه المجموعة، التي تضم عددًا من زملائي في العمل وشركاء حياتهم. هذه هي طريقة انتزاعي منهم مساندتَهم للمقاطعة: أنتظر إعلانًا تجاريًّا، ثم أتوجَّه إلى شخصٍ منهم وأسأله، عَرَضًا، وباهتمامٍ مختلَق، إذا ما كان قد اتخذ قرارًا للسنة الجديدة. إنها معادلة مضمونة؛ فهي تنجح سواءٌ أكانوا متحمسين كثيرًا للتنمية الذاتية أم يمقتون هذه الفكرة، على غرار كيفن. وبعد أن انتهَوْا من الكلام، سألتهم قائلة: «والآن هل تريدون معرفة قراري؟» إنهم في وضعٍ لا يمكِّنهم من الرفض.

هنالك أخبرتُهم عن المقاطعة ثم استلقيتُ لتلقِّي مدحَهم. قالوا أشياءَ على غرار: «يا لها من فكرة عظيمة!» و«علينا أن نفعل شيئًا من هذا القبيل.» و«هنيئًا لك.» وعند نهاية الشوط الأول، كنت قد تمكنت من دفع كل من كانوا في الغرفة إلى التركيز على الصين، ومعركتنا الأُسرية التي تلوح في الأفق. وبدأ الجميع في التقاط الأشياء من الأرض والرفوف القريبة وقلبها للتحقُّق من الملصقات. وكما تبيَّن، كان منزل أصدقائنا مليئًا بالمنتجات الصينية مثل منزلنا، ولكن شخصًا ما اكتشف مفاجأة: كانت لعبة أفراس النهر الجائعة البلاستيكية مصنوعةً في الولايات المتحدة الأمريكية. كنت في حالةٍ مزاجيةٍ رائعةٍ وقتَ وصولنا إلى المنزل.

خلال الأيام القليلة التالية، استطعت إثارة موضوع المقاطعة في كل مكانٍ ذهبت إليه تقريبًا.

قالت جارة لنا تسكن في الناحية المقابلة من الشارع، وكنت أعرفها بالكاد: «سيُحب زوجي هذا؛ إنه يستشيط غضبًا عندما يرى أن كل شيءٍ من الصين.»

وقالت صديقة أخرى من خارج المدينة جاءت في زيارة لها: «هذا أمر رائع!» والتفتت إلى زوجها — الذي كان يبدو أكثر حذرًا بشأن احتمالات نجاحنا — بعرضٍ لجعْل الأمور مثيرةً للاهتمام، فسألته: «بكم تراهن على أنه يمكنهم النجاح في ذلك؟»

وبطبيعة الحال، لا يمكن توقُّع الموافقة من الجميع.

وسألتْني امرأة التقيت بها في ورشة عملٍ للكتابة: «ولا حتى الطعام الصيني؟»

فأجبت مفسرة: «لا بأس في الطعام الصيني، ما دام لا يأتي من الصين.»

سخر صديقي داني — بوجهٍ خالٍ من التعبيرات — عندما التقيته صدفةً في حفلة: «من أين أتتْ هذه الكراهية المفاجئة للصينيين؟» ثم أردف قائلًا: «يجب أن تكتبي هذه التجرِبة.»

يجب أن أكتب هذه التجرِبة؟

«يجب أن تكتبي هذه التجرِبة؛ فهناك أشياء مثيرة للاهتمام ستحدث.»

أشياء مثيرة للاهتمام ستحدث؟

فكرر قائلًا: «شيء ما سيحدث.»

داني يُبقي نصائحه لنفسه ولا يُطيق الحمقى. وهو لا يعبث؛ لذلك عندما يقول لك اكتب شيئًا ما، اكتبه. وعندما يخبرك بأن شيئًا ما سيحدث، فإن شيئًا ما سيحدث. تسارعتْ دقات قلبي وأنا أتفكَّر في كلامه.

«شيء ما سيحدث.»

•••

لم يحدث شيء.

حسنًا، ليس بالضبط لا شيء، ولكن تقريبًا لا شيء. بعد بضعة أيامٍ من السنة الجديدة، قاد كيفن سيارته إلى متجر لوز لشراء مفك، فعاد إلى المنزل بمفكٍّ من تايوان. وذكر أنه كان يوجد خياران آخران، واحد من الصين وآخر مصنوع في الولايات المتحدة، إلا أن المفك الأمريكي لم يحتوِ على الميزات التي أرادها.

وقال: «فكرت أنه بما أن تايوان والصين ليستا على وفاق، فإنه لا بد وأن هذا هو القرار المناسب.»

حصلنا على نتائجَ متباينةٍ لاحقًا في هذا الأسبوع عندما قمنا برحلةٍ عائليةٍ إلى هوم ديبوت لكي يستطيع كيفن شراء خطاطيفَ معدنيةٍ لتعليق أدواته على قطعةٍ من الخشب المثقَّب التي ثبَّتها على جدار ورشته. لم يكن لديه قط مكان لائق للقيام بأعمال النجارة، وكان منزلنا الجديد يضم غرفةً بجوار المرآب يمكنه أن يُنفذ فيها مشاريعه وينظم أدواته. لحقته أنا والأطفال في ممر الأدوات؛ حيث أعطاني كيسًا صغيرًا من الخطاطيف المعدنية.

وقال: «ليس مكتوبًا عليه أين صُنعت.»

قلبت العبوة في يدي. وبعد بضع ثوانٍ، وجدت ما لم يستطع كيفن إيجاده، حروف سوداء صغيرة تُشكِّل عبارة «صنع في الصين».

قلت: «آسفة.» وأعدت العبوة إليه.

توجَّه كيفن مرةً أخرى إلى الممر ليُلقيَ نظرةً أخرى، واصطحبتُ أنا الأطفال نحو قسم أدوات الحدائق لكي يتمكنوا من الجلوس على ماكينات جز العشب الشبيهة بالسيارات والتظاهر بأنهم يقودونها. عاد كيفن بعد بضع دقائق خالي الوفاض وقال:

«لا يوجد خطاطيف غير الخطاطيف الصينية. ولكني رأيت سُلمًا من المكسيك أريد أن أعود لأجله مرةً أخرى.»

لم يبدُ أن الإخفاق الأوَّلي بشأن الخطاطيف ثبَّط معنوياته.

فقال ونحن نتجه إلى السيارة: «ليست مشكلةً كبيرة. لا أرى أن تناثُر الأدوات في الأنحاء لمدة عامٍ آخر سوف يُسبِّب الكثير من المشكلات.»

حدث شيء آخر، أيضًا، أكثر دقةً ومن المستحيل أن تراه إلا إذا نظرت داخل ذهني. بدأت أحب نفسي، من أجل فكرة المقاطعة، حبًّا جمًّا. قد أبدو بالشكل نفسه المعتاد من الخارج، مبتهجةً ومتواضعةً كما دربتْني والدتي أن أكون، ولكن في الداخل، أشعر كأنني نجمةُ سينما شابة. بدأت أصدق دعايتي الخاصة. تكرر صدى مديح الأيام الماضية في أذني مثل أغنية لا أستطيع إخراجها من رأسي. ولم أرغب في إخراجها من رأسي. العبارة التي بقيتْ عالقةً في الحقيقة هناك هي العبارة التي قالتها إحدى معارفي ذات العيون الحالمة، والتي أمالت رأسها جانبًا وقالت لي: «أتمنى لو وُجد عدد أكبر من الأشخاص مثلك.» فكرت «نعم»، وأوصلت عبارتها إلى الاستنتاج المنطقي، كنا سنستطيع أن نُنقِذ العالم، أو على الأقل نُنقِذ عددًا قليلًا من الوظائف الأمريكية.

نظرًا لحالتي الذهنية، صُدمتُ إلى حدٍّ ما حين أدركتُ وأنا مستلقيةٌ على الأريكة غارقة في أحلام يقظةٍ عن نفسي أن فكرة المقاطعة ليست من وحيي الخاص تمامًا. صُعقتُ حين اكتشفتُ أن نواة فكرتي ملك لامرأة غريبة من الغرب الأوسط اسمها بيجي سميدلي.

قرأت عن السيدة سميدلي عشية الكريسماس في مقالة في الصفحة الأولى من صحيفة وول ستريت جورنال. جذب العنوان انتباهي: «حظْر الكريسماس: أمٌّ تحظر المنتجات الصينية من هدايا العيد» (جوناثان إيج، ٢٤ ديسمبر ٢٠٠٤). تتناول المقالة جهود السيدة سميدلي من أجل تجنُّب البضائع الصينية وملء قائمة أمنيات العيد الخاصة بأسرتها بالبضائع الأمريكية فقط.

عندما عدت إلى العمل بعد العطلة، بحثت بين كومة من الصحف القديمة وجلست لقراءة المقالة مرةً أخرى. كانت السيدة سميدلي وزوجها ديف قد سئما رؤية الوظائف الأمريكية يُعهد بها إلى الصين. ونقلت المقالة عنها قولها: «أعلم أنه عندما تصعد منبرًا مؤقتًا يعتقد الناس أنك فقدت عقلك. ولكن عليك حقًّا أن تبدأ من مكانٍ ما.» راحت السيدة سميدلي من مركزٍ تجاريٍّ إلى آخر بحثًا عن كرات بيسبول وأحذية وزجاجات مارتيني. فتحت الصناديق، وقارنت الملصقات، وحرقت الكثير من البنزين في الفترة التي تسبق الكريسماس. وفي كثيرٍ من الأحيان فشلت، منها خلال بحثها عن كرة بيسبول أمريكية الصنع. وثَمَّةَ انتصارات أخرى قصيرة الأجل؛ فقد وجدت لعبة «مونوبولي» أمريكية الصنع لكنها أعادتها عندما اكتشفت أنها تحتوي على حجرَي نردٍ صينيين. وانتهى بها الأمر بشراء بطاقة رسوم طريقٍ سريعٍ مدفوعةٍ سابقًا لزوجها، وهي الهدية التي جعلتني أجفل عندما قرأت عنها. أَسَرَتْني القصة، ولكن بعد أن قرأتُها بدا لي أني نسيت كل شيء عنها، حتى هذه اللحظة. اعتقدت أنني قد توصلت إلى فكرة مقاطعة الصين بنفسي تمامًا، ولكن في هذه اللحظة وأنا أقرأ القصةَ مرةً أخرى أدركتُ أن السيدة سميدلي هي التي أرشدتني إليها.

عندما عدتُ إلى المنزل من العمل، قررتُ أن أتصل بها للحصول على نصيحتها. من السهل تتبُّعها من خلال المعلومات، وخلال دقائق كنت أُحدثها على الهاتف. كانت تمتلك صوتًا ودودًا بنبرة أهل الغرب الأوسط المتميزة. لم تقل السيدة سميدلي كلماتٍ مطمئنةً عندما أخبرتُها بما أنا بصدده.

قالت: «سوف تواجهين تحديًا. لقد كان الأمر شاقًّا للغاية.»

ثم سردت على مسامعي قائمة طويلة من المآزق المحتمَلة؛ فبدأت قائمتها بأن دُمَى الحيوانات المحشوة والألعاب والأحذية وجميع أنواع الأشياء البلاستيكية سوف تسبب لي المتاعب. وستكون الأجهزة الإلكترونية منطقة محظورة في معظم الأوقات، وأستطيع أن أنسى أمر شراء أجهزة أي بود. وأخبرتني أن ألعاب الفيديو ستكون نطاقًا ميئوسًا منه.

أضافت: «كل لعبة فيديو مصنوعة في الصين.»

كنت أكتب بسرعةٍ في مفكرتي لمواكبتها.

بعد ذلك أثارت السيدة سميدلي سلسلةً من الأسئلة المحيرة:

«هل ترغبين في شراء السلع الأمريكية فقط؟ أم ستشترين المنتجات من الشركات التي نمارس معها التجارة الحرة والمفتوحة؟ وماذا عن المكونات الصينية؟ إذا كان يوجد شيء به أجزاء مصنوعة في الصين ولكن جُمِّع في مكانٍ آخر، فهل هذا محسوب؟»

وحذرتْني من المواقع التي تَدَّعي أنها تحتوي على منتجات أمريكية.

فكما قالت: «لا يمكن الاعتماد عليها. والمنشور التسويقي ليس أفضل بكثيرٍ في ذلك لأنكِ بحاجةٍ لفحص المنتجات بأُمِّ عينيكِ لمعرفة مكان صناعتها. وفي بعض الأحيان تكون العلبة فقط هي المطبوع عليها «صنع في الولايات المتحدة الأمريكية» والملصقات في الداخل تحمل عبارة «صنع في الصين». ولن يقبل الجميع أن تنظري داخل العلب. لقد كنتُ أخوض مشاجراتٍ مع بائعي المتاجر.»

شعرت بدوار بعدما أنهيتُ المكالمة الهاتفية مع السيدة سميدلي. مكونات صينية؟ لم أفكر في هذه التعقيدات. وما البلدان التي تتعامل معها الولايات المتحدة وَفق مبدأ التجارة الحرة والمفتوحة؟ ذكرت السويد واليابان، ولكني لا أستطيع أن أتذكر آخر مرةٍ رأيت فيها اسمَي هذين البلدين على ملصقات المنتجات داخل منزلنا. كنت معجبةً بجهود السيدة سميدلي من أجل شراء المنتجات الأمريكية فقط، ولكني أخشى ألا نكون قادرين على العيش وَفق هذا المعيار، ليس لمدة ١٢ شهرًا، على أي حال.

كان لدى السيدة سميدلي أيضًا عدد من العوامل التي تعمل لصالحها، بدءًا من تركيزها على الأعياد، وليس عامًا بأكمله. ثم زواجها من زوجها الراضي ديف، السعيد على ما يبدو بالحصول على بطاقة رسوم طريق سريع كتعبير عن الحب من زوجته. على النقيض من ذلك، يجب عليَّ السيطرة على زوجي الذي يمثل الحلقة الأضعف، والذي لن يقتنع ببطاقات رسوم الطريق السريع في الكريسماس، والذي لم أستطع أن أُضعِف معنوياته على مدار سنوات زواجنا الستة عشر. أحاول أن أتخيل وجه كيفن إذا تمكنت من استجماع شجاعتي واقتراح تعديل قرارنا إلى شراء المنتجات الأمريكية فقط.

جلست إلى مكتبي وحدقت في الفراغ، وتسارعت الأفكار في عقلي. ثم اتخذت قرارًا تنفيذيًّا. لن نقلق بشأن الأسواق الحرة والمفتوحة أو العلاقات التجارية الودية. لن نقلق حيال المكونات الصينية، ما لم يُعلَن ذلك على العلبة أو الملصق. لن أنقب في العلب في ممرات المتجر، ولكن إذا اكتشفت شيئًا صينيًّا داخل العلبة بعد وصولي للمنزل، فسوف آخذه مرةً أخرى إلى المركز التجاري لإعادته؛ فالقرار الذي اتخذناه على الأريكة بعد الكريسماس بيومين سيكون صعبًا بما يكفي.

سوف نتجنَّب شيئًا واحدًا فقط: الملصقات التي تحمل عبارة «صنع في الصين».

•••

كانت أول عقبة تواجهنا عندما قرَّر كيفن صُنع سيارة سباقٍ خشبيةٍ لِويس. عاد الأطفال من المدرسة إلى المنزل لقضاء إجازة يوم ذكرى ميلاد مارتن لوثر كينج الابن، وبدا وكأنه يوم جيد لمشروعٍ للأب وابنه. كان كيفن متشككًا حيال احتمالات نجاحه أثناء توجُّهه إلى الباب.

قال كيفن: «أعرف بالفعل أن العجلات البلاستيكية سوف تكون «مصنوعة في الصين؛ لذا سأصنع عجلاتٍ خشبيةً بدلًا من ذلك، مع مسمار تثبيت سوف أقطعه إلى قطع.»

كانت محطته الأولى متجر أدوات الأعمال الحرفية القريب من منزلنا، المتجر الكبير الذي أعلم من خبرتي الشخصية أنه مكدَّس من الأرض إلى السقف بالبضائع الصينية.

صِحْت قائلةً: «حظًّا سعيدًا.» كنت متأكدةً من أنه سوف يحتاج إلى الحظ السعيد.

أضاف ويس قائلًا: «تذكر يا أبي، لا شيء من الصين.» إنه لا يعرف ما الصين، لكنه انتبه إلى فكرة أنه ينبغي تجنُّبها.

عاد كيفن بعد حوالي ٣٠ دقيقة كاسفًا قليلًا ولكنه ما يزال مبتسمًا. وقدَّم لي وصفًا مفصلًا لرحلته شبه الناجحة. كما كان متوقِّعًا، كانت كل خياراته في متجر الأدوات الحرفية من المحظورات، بما في ذلك مسمار تثبيت صيني يُباع مقابل دولارٍ واحد، فقاد سيارته في المنطقة المجاورة لمتجر الأدوات المحلي، حيث عثر على مسمار تثبيت برازيلي الصنع بسعر ٥ دولارات وبعض المسامير في علبة مفتوحة أكَّد له البائع أنها مصنوعة في الولايات المتحدة الأمريكية.

وأضاف: «مع ذلك، بدا لي متسرعًا أكثر من اللازم في إخباري بذلك. أعتقد أنه كان يكذب لأنه أراد إتمام عملية البيع. أعتقد أنه كان كاذبًا.»

واختفى في ورشته.

عندما عاد بعد حوالي ساعة، كانت ابتسامتُه قد تلاشت. كان قد صنع سيارةً لِويس، لا يمكن إنكار ذلك، ولكن كان من غير المرجَّح الحصول على الثناء والتقدير. ألقى ويس نظرة واحدة وأشار إلى أن والده صنع له «سيارة تُشبه القلم الرصاص». أعتقد أنها أشبه بالعصا. لم يَبْدُ ويس متحمسًا كثيرًا، ولكن بعد أن جلسا معًا على أرضية المطبخ وطليا السيارة بالأزرق، أصبح لها سحر قديم معين. ركَّب كيفن العجلات الخشبية بمفك البراغي، وبعد ذلك جثما ليُجرِّبا حركتها على الأرضية، فتحركت لبضع أقدام ثم مالت إلى أحد جانبَيها ثم توقفت. لم يقل ويس شيئًا. لم يكن عليه أن يقول شيئًا. ولم يعترض حتى عندما توجَّهت صوفي نحوها والتقطتها.

قالت: «كا.»

أحيانًا من الصعب إبهار صبيٍّ من أبناء القرن الحادي والعشرين، لا سيما دون مجموعةٍ من العجلات الصينية.

في اليوم التالي، انقسمت إحدى العجلات إلى نصفين. وعندما لم يكن أحد يراني، التقطت السيارة ووضعتها بعيدًا على الرف فوق جارور المطبخ الذي يحتوي على الأشياء القديمة التي لم نَعُد نستخدمها، وعلى حد علمي لا تزال السيارة قابعةً هناك إلى يومنا هذا.

•••

ثمة إيجابيات في العيش دون منتجاتٍ صينية. في متجر تارجت — وفي ظهيرة أحد الأيام الممطرة — أعاد كيفن على مضضٍ وسادةً من تلك التي تُصدر أصواتًا تُشبه صوت خروج غازات البطن عند الجلوس عليها في قسم المنتجات التي تباع ﺑ «دولار واحد» بعد إلقاء نظرةٍ خاطفةٍ سريعةٍ على بطاقتها. وتجوَّل في بضعة أقسامٍ أخرى، ثم عاد خاليَ الوفاض. إن جزءًا كبيرًا من السوق الذي يمكن أن يوصف عادةً بالخردوات محظور علينا؛ فلا مزيد من الديناصورات البلاستيكية المسننة، ولا تماثيل عمال البناء التي يبلغ طولها بوصة، ولا ألعاب حوض الاستحمام ذات الألوان الزاهية. سيكون علينا عيش حياتنا بما هو موجود لدينا حاليًّا من هذه الأشياء.

ومع ذلك، توجد مخاطر لفرض حظرٍ على البضائع الصينية، بما في ذلك مشكلات اجتماعية.

اتصلتْ أخت زوجي وهي في حالةٍ من الفزع في إحدى الليالي بعد أن أدركتْ أن الصندوق الملفوف على نحوٍ مبهجٍ الذي تركتْه على عتبتنا بعد خضوع ويس لعمليةٍ جراحيةٍ بسيطةٍ يحتوي على لُعبتَي أطفالٍ عبارة عن دراجتين ناريتين صينيتَي الصُّنع من استيراد شركة ماتيل.

قالت: «لا أدري بماذا كنت أفكر. أنا آسفة للغاية. لم أتحقق من مصدرها. لقد نسيت تمامًا. هل تريدين مني إعادتها وإحضار شيءٍ آخر؟»

وزارتْنا جارتنا حاملةً علبةً من الحلوى متمنيةً له الشفاء العاجل.

وقالت بينما تعطيني العلبة: «إنها من نيو جيرسي. لقد تحققتُ من الملصق.»

شعرت بالهلع. كنت قد اغتررت بالاعتقاد أنني قد احتفظت لنفسي بفخري بما أنجزتُه. ها هو دليلٌ على عكس ذلك. لقد كنتُ مشغولة جدًّا في التفكير فيما كنا نفعله — وهو عدم شراء أشياء صينية — حتى إنني أغفلت ما يُقدِم عليه جميع مَن حولي، وهو شراء الأشياء الصينية. في أثناء وضع القواعد الأساسية لهذا العام، نسيت كل شيءٍ عن الهدايا؛ التي تُمثِّل خطَّ إمدادٍ حيويًّا يصبُّ المنتجات الصينية في منزلنا.

هذه المرة، كنت جاهزة.

قلت لأخت زوجي: «ليس عليك الانتباه إلى بطاقات البضائع؛ فتوقع أن تتجنبي شراء المنتجات الصينية لمجرد أننا نفعل ذلك سيكون أشبه بأن أُصبح نباتيةً وأتوقع من الجميع أن يفعلوا الشيء نفسه. إنه مشروعنا، وليس مشروعك. لن نُمليَ على شخصٍ آخر ما يجب عليه القيام به.»

فردتْ متسائلة: «ولكن ألا تريدين إبعاد المنتجات الصينية عن المنزل؟ دعيني أُعِد الدراجتين الناريتين. سوف أجد شيئًا آخر.»

يا لفمي الثرثار!

قلت: «لست بحاجةٍ إلى فعل أي شيءٍ على نحوٍ مختلف.»

سألتْني: «هل أنتِ متأكدة؟» كررتُها حوالي خمس مرات. «يمكنني إعادتها، كما تعلمين، فهذه ليست مشكلة. لا أدري بماذا كنت أفكر.»

كررت طمأنتي لها، لكنها كانت مستمرة في الاعتذار بينما كنا نُنهي المكالمة الهاتفية.

قلت لجارتنا الشيء نفسه، لكنها لم تقتنع أيضًا.

ردت: «لا نريد أن نكون الأشخاص الذين أفسدوا تجرِبتك.»

لم أنتهِ من الإساءة إلى الناس؛ فبعد ذلك ببضعة أيام، وأنا أنتظر على المنضدة لدفع ثمن الغداء في مقهًى صغير، أشارت صاحبة المقهى نحو مجموعةٍ جديدةٍ معروضةٍ من المجوهرات ذات طابع احتفالات ماردي جرا. تلمَّستُ صفوف الأقراط والأساور. وأخرجتُ زوجًا من الأقراط من الصف لإلقاء نظرةٍ فاحصة. وقلبتُهما في يدي وحدَّقت في الملصق على دعامتهما الخلفية البلاستيكية.

سألتني المالكة: «أليسا رائعين؟»

أومأت موافقة، ثم فعلت شيئًا أحمق؛ شيئًا أعرف أني أعقَلُ من أن أفعله: فتحت فمي.

قلت بنبرة أسفٍ بينما أُعيدُ القرطين إلى الصف: «من المحزن للغاية أني لن أستطيع شراءهما. أتعلمين! هذا العام لن أشتريَ أي شيءٍ من الصين. هذا قراري للسنة الجديدة. ربما في العام المُقبِل سأشتري بعضها.»

ضيَّقتْ عينيها ناظرةً إليَّ.

«حسنًا، كيف سيبقى كل هؤلاء الأطفال الذين تبلغ أعمارهم ثلاث سنواتٍ في الصين على قيد الحياة إذا لم يساعدهم أمثالك؟»

لم أستطع أن أعرف هل تمزح أم لا. وقرَّرت أني لا أريد معرفة ذلك. ابتسمت لها ابتسامة الموناليزا للإشارة إلى أنني فهمت جوهر ما تقول، على الرغم من أنني لم أفهمه، ثم دفعت بخجلٍ ثمن الغداء ثم انسللت إلى طاولة. لم يخطر ببالي أن أصحاب المحلات التجارية الذين يُتاجِرون في الأشياء الصينية (وأفترض أن جميعهم كذلك) من المستبعَد أن يُقدِّروا مشروعي، بما ينطوي عليه من سيماء الاستعلاء. لا أستطيع تحمُّل أي لهجة استعلاءٍ ضمنية. اعتقدتُ أن لقائي بالسيدة سميدلي عالجني من افتتاني بذاتي، ولكن أرى الآن أن جذوة الغرور توهَّجتْ في داخلي.

تخيَّلت صوت أمي يهمس في أذني وأنا منحنية فوق طبقي قائلًا: «تعرفين ما يحدث قبل السقوط.»

لا تُذكِّريني يا أمي. إنه الكِبْر. لقد تسبَّب في تعثُّري مليون مرة.

«إذنْ ماذا ستفعلين حياله؟» كانت تريد أن تعرف.

سأتعلم إبقاء فمي مغلقًا. سوف أتجنَّب البضائع الصينية وسوف أحتفظ بحقيقة أنني أتجنَّب البضائع الصينية لنفسي. سوف أهتمُّ بشئوني بهدوءٍ كأي مواطن محترم، ولن أُغْضِب أي شخصٍ بهذا الأمر. سوف أُطبِق شفتيَّ، وأُبقيهما هكذا حتى الأول من يناير المقبل.

•••

يقبع متجر المجوهرات الذي زرناه عند غروب الشمس في يوم جمعةٍ ممطرٍ في مركزٍ للتسوق مُطلٌّ على طريقٍ سريع مزدحم على مشارف المدينة. كان من يتولَّى إدارة المتجر فريقًا من زوجٍ وزوجةٍ من المهاجرين الفيتناميين. وكان المتجر يبيع مجوهراتٍ مليئةً بالتفاصيل الدقيقة، كثير منها مَحَليُّ الصُّنع، ونُسَخ مقلدة من محافظ نقود جوتشي، ودراجات نارية مصغَّرة أعتقد أنه من غير القانوني قيادتها في الشوارع. لم يكن متجرَ مجوهراتٍ تحديدًا؛ إذ كان منفذًا لبيع الذهب وحقائب اليد والدراجات النارية. كانت زيارتي الأولى إلى المكان، وقد أحببته على الفور.

لم نَكُنْ في السوق لشراء المجوهرات أو المحافظ أو أشكال غير تقليدية من وسائل النقل؛ إنما كنا في مهمةٍ مملةٍ لاستبدال بطاريات ثلاث ساعات يد. قلت مرحبًا لصاحب المتجر، ثم أعطيته الساعات وسألته هل يمكن أن يستبدل البطاريات، فاختفى في الغرفة الخلفية.

ثم سألني عندما عاد بعد دقائق قليلة: «هل تحتاجين إلى حزام ساعة جديد؟» كان يحمل ساعتي، التي انقسم حزامها الجلدي قسمين. وأشار نحو صندوق عرض في واجهة المحل وتوجَّهت لإلقاء نظرة، ففتح الصندوق حتى أستطيع أن أرى على نحوٍ أفضل، فالتقطتُ حزامًا بديلًا لكن حينها مرَّ كيفن بجانبي وتنحنح.

فسألني: «هل نظرتِ إلى مكان صُنْعها؟»

نظرت إليه أنا وصاحب المتجر نظرةً فارغة، ثم تجهَّمت وأدرت الصندوق الذي يحتوي الحزام. أجفلت حين قرأت عبارة «صنع في الصين». ثم نظرت إلى صاحب المتجر، الذي ابتسم في وجهي بعينين حنونتين وقلقتين. تجمَّدتُ في مكاني، ومرتْ بضع ثوانٍ. بعد ذلك قدَّمت اعترافًا وأخبرت صاحب المتجر بأمر المقاطعة. كنا قد وصلنا إلى مرحلة متأخرة من عملية البيع، ولم أستطع أن أفكر في أي شيءٍ آخر أفعله؛ فبدأ في الضحك.

وقال: «نعم، أنتِ مُحِقَّة، كل شيءٍ يأتي من الصين.» ثم أخبرَنا كيف أنه لاحظ أن فيتنام أيضًا مشبَعة بالسلع الصينية.

وقال مضيفًا: «عندما أعود إلى وطني، تكون في كل مكانٍ أنظر إليه؛ الصين، الصين، الصين.»

دفعنا ثمن البطاريات وخرجنا نحو المطر. وبينما كنا نشقُّ طريقنا عبر موقف السيارات المبتل، اعتذر كيفن عن تدخُّله.

قال: «كل ما في الأمر أنني اعتقدت أنه من الأفضل أن تتحقَّقي من الحزام.»

فرددت قائلة: «هل تمزح؟ أنا سعيدة لأنك ذكَّرتَني. كان الأمر سيصبح أسوأ لو اضْطُرِرْنا إلى قيادة السيارة في وقتٍ لاحق وشرح السبب في إعادته.»

جلسنا في السيارة وخرج كيفن من منطقة انتظار السيارات. ثم فكَّرت في شيء آخر، وسألته: «هل صادف أن سألت عن مصدر بطاريات الساعات؟»

هز كيفن رأسه نفيًا.

واستطرد قائلًا: «فكرت في ذلك، ولكني لم أُرِدْ أن أبدوَ أحمق.»

فكَّرت أن ذلك لا يهم. سوف أتصل بالمتجر في وقتٍ لاحق، بعد أن أتوصَّل إلى طريقةٍ لا تبدو سخيفةً للسؤال عن أصل البطاريات. ربما يتطلب ذلك جهدًا، ولكنني سوف أتوصَّل إلى شيء. وربما نكون محظوظين؛ فربما تكون من بولندا أو المكسيك أو حتى أمريكا. قلت في نفسي إن البطاريات تبدو أمريكيةً مثلما تبدو ألعاب الفيديو صينية. لا داعي للقلق. سوف أستكشف هذا الأمر لاحقًا.

بينما أسرعَ كيفن في القيادة وسط حركة السير، ألقيتُ نظرةً على جانب وجهه. كان وسيمًا كنجمٍ سينمائيٍّ ومخلصًا لمقاطعة الصين. ماذا أطلب أكثر من ذلك؟ كانت قسوةً مني أن أخلع عليه لقب الحلقة الأضعف، حتى لو احتفظتُ بذلك لنفسي.

جلست في مقعدي وحوَّلت ناظرَيَّ نحو الشوارع اللامعة تحت المطر. لم أكن أعرف سبب قلقي البالغ ذاك. بدت مقاطعة الصين حدثًا جللًا قبل أن نبدأها، ولكنها ليست مستحيلة، حقًّا: تتفحَّص الملصقات، وتقول لا، ثم شكرًا لك، فيبتسم الجميع ويومئون لك. انتهى شهر واحد، وبقي أحدَ عشَرَ شهرًا.

يا له من أمرٍ يسير.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠