نبذة مختصرة عن حياة شكسبير

في سجل تعميد الكنيسة الرعوية لستراتفورد-أبون-أفون، وهي بلدة تُقام فيها سوق مركزية في ووريكشير، إنجلترا، يظهر، بتاريخ ٢٦ أبريل عام ١٥٦٤، الإدخال الخاص بتعميد ويليام، ابن جون شكسبير، والذي كان في الأصل مكتوبًا باللاتينية: «ويليام ابن جون شكسبير».

إنَّ يوم ميلاد ويليام شكسبير عادة ما يُقال إنه قبل ثلاثة أيام من تعميده، لكن لا يوجد بالتأكيد دليل على هذا الأمر.

إنَّ اسم العائلة يُكتب على نحو متعدِّد، والكاتب المسرحي الشهير نفسه لم يكن يكتبه دائمًا بالطريقة نفسها. ففي حين أن الاسم كُتبَ في سجل التعميد Shakspeare، فإنه ظهر في العديد من التوقيعات الأصلية لشكسبير كالتالي: Shakspere، وظهر في الطبعة الأولى لأعماله بالشكل الآتي: Shakespeare.
يخبرنا هاليويل بأنه يوجد ما لا يقل عن ٣٤ طريقة كتب بها الأعضاء المُختلِفون لعائلة شكسبير الاسم، وفي سجل مجلس ستراتفورد المحلي؛ حيث ظهَر ١٦٦ مرة أثناء الفترة التي كان فيها والد الكاتب عضوًا في المجلس، تُوجَد ١٤ طريقة مختلفة لكتابة الاسم، والتي لم يكُن من بينها الهجاء الحديث Shakespeare.

يبدو أن والد شكسبير، رغم أنه كان عضوًا في المجلس المحلِّي لستراتفورد، لم يكن قادرًا على كتابة اسمه، لكن حيث إنه في ذلك الوقت كان ٩ من بين كل ١٠ رجال يكتفون بالتوقيع بعلامة مميِّزة لهم بدلًا من كتابة أسمائهم، فإن هذا لم يكن أمرًا يحطُّ من قدره كثيرًا.

تختلف الآثار المتواترة وغيرها من مصادر المعلومات حول مِهنة والد شكسبير. فيقال إنه كان جزارًا وتاجر صوف وصانع قُفازات، ولا يوجد ما يمنع أن يكون قد امتهن كل هذه المهن في الوقت نفسه أو في أوقات مختلفة، أو إذا لم يكن من الصحيح أن ينسب إليه أيٌّ من هذه المهن، فإن طبيعة مهنته كانت من النوع الذي يُسهِّل فهم كيف تطورت الآثار المتواترة المختلفة بشأنها. كان أيضًا مالك أرض وكان يزرع أرضه حتى قبل زواجه، وقد تملَّك مع زوجته، ماري أردن، وهي ابنة نبيل ريفي، ضيعة أسبيس، التي تبلغ مساحتها ٥٦ فدانًا. كان ويليام الابن الثالث. كانت لديه أختان أكبر منه، وأغلب الظن أنهما ماتتا وهما طفلتان. وبعده، وُلد لأبيه وأمه ثلاثة أولاد وبنت واحدة. وعلى مدى ١٠ أو ١٢ سنة على الأقل بعد ميلاد شكسبير، كانت الأحوال المادية لأبيه مزدهرة. وفي عام ١٥٦٨، أصبح أبوه مأمورًا أو قاضيَ صلحِ ستراتفورد، ولعدة سنوات بعد ذلك، أصبح عضوًا في المجلس المحلِّي، كما كان لمدة ثلاث سنوات قبل ذلك. لذا، وحتى وصول شكسبير إلى سن العاشرة، من الطبيعي أن نفترض أنه قد حصل على أفضل تعليم يُمكن أن تُوفره ستراتفورد. إن مدرسة البلدة المجانية كانت مُتاحة لكل الأولاد، ومثل كل مدارس القواعد اللغوية الخاصة بهذه الفترة، كانت تلك المدرسة تحت إشراف رجالٍ كانوا خرِّيجي جامعات؛ ومِن ثَمَّ كانوا مؤهَّلين لنشر التعليم السليم الذي كان يعدُّ في وقت ما مفخرة إنجلترا. لا يوجد في السجلات ما يدلُّ على أن شكسبير قد الْتحَق بهذه المدرسة، لكن لا يُمكن أن يكون هناك شكٌّ مقبول في أنه قد درس هناك. أضف إلى هذا أن أباه ما كان بإمكانه أن يقدم له تعليمًا أفضل في أيِّ مكان آخر. وبالنسبة إلى هؤلاء الذين درسوا أعمال شكسبير دون أن يتأثَّروا بالنظرية التقليدية القديمة التي ترى أنه قد حصل على قدرٍ محدود جدًّا من التعليم، فإنهم سيَجدون أدلة كثيرة على أنه لا بد قد حصَل على التعليم الجيد الذي كانت تُوفِّره مدارس القواعد اللغوية.

هناك أماكن محلِّية مُرتبِطة بستراتفورد لا يُمكن ألا يكون لها تأثير على تشكيل عقل شكسبير الصغير. ففي نطاق اهتمام مثل هذا الفتى، توجد بلدتا ووريكشير وكوفنتري التاريخيتان البارزتان وقصر كينلورث الفخم والبقايا العظيمة لدير إفشام. إن المنطقة التي وُلد فيها زاخرة ببقاع رائعة الجمال وقُرًى هادئة وغابات منعزلة. ولم تكن ستراتفورد منعزلة عن العالم الخارجي، كما هو الحال مع العديد من البلدات الريفية؛ فقد كانت تربط بين عدة بلدات، وكان التجار يأتون لأسواقها بشتَّى أنواع البضائع. لا بد أن عينَي الكاتب المسرحي والشاعر كانتا مفتوحتين دائمًا من أجل الملاحظة. لكنَّنا لا نعرف شيئًا على نحو مؤكَّد عن شكسبير فيما بين ميلاده وحتى زواجه من آن هاثاواي في عام ١٥٨٢، ومن هذا التاريخ حتى إنجابه لثلاثة أطفال، وذلك حتى أصبح مُمثِّلًا في لندن نحو عام ١٥٨٩.

ولا سبيل لدينا لمعرفة المدة التي كان فيها التمثيل المهنة الوحيدة لشكسبير، لكن الأكثر ترجيحًا أنه بعد وصوله إلى لندن، سرعان ما بدأ عمله في مجال تَنقيح المسرحيات القديمة الذي من المعروف أنه بدأ مسيرته الأدبية به. لقد كان تنقيح وتعديل المسرحيات القديمة التي كانت دون المعايير المطلوبة في تلك الفترة مُمارسة شائعة حتى بين أفضل الكُتَّاب المسرحيِّين في ذلك الوقت، وسرعان ما أوضحت قدرات شكسبير أنه ملائم على نحو بارز لهذا النوع من العمل. وعندما تصبح التعديلات التي يجري إدخالها على المسرحيات المؤلَّفة في الأصل من قِبَل كُتَّاب آخرين كبيرة جدًّا، يُصبح العمل في واقع الأمر عملًا جديدًا ومبتكرًا. وهذا بالضبط ما لدينا أمثلة عليه في بعض الأعمال المبكرة لشكسبير التي من المعروف أنها قد اعتمدت على مسرحيات أكثر قدمًا.

لا داعي هنا للثَّناء على الأعمال المنشورة لأعظم كاتب مسرحي في العالم؛ فقد فشلت محاولات نقدها في النَّيل منها، ووجَّه أعظم العقول في إنجلترا وألمانيا وأمريكا كل جهودهم لإبراز قيمتها ومكانتها.

مات شكسبير في ستراتفورد في الثالث والعشرين من أبريل من عام ١٦١٦. وقد مات أبوه قبله في عام ١٦٠٢، وكذلك أمه في عام ١٦٠٨. وعاشت زوجتُه حتى أغسطس من عام ١٦٢٣. وقد مات ابنه هامنت في عام ١٥٩٦ عن عمر يناهز الحادية عشرة. وعاشت ابنتاه بعد موته، وقد تزوجت كبراهما، سوزانا، في عام ١٦٠٧ من طبيب من ستراتفورد يدعى دكتور هول. والابنة الوحيدة الناتجة عن هذه الزيجة والتي كانت تُدعى إليزابيث، والتي ولدت في عام ١٦٠٨، تزوجت في البداية من توماس ناسبي، ثم من السير جون بارنارد، لكنها لم تُنجب في أي من الزواجين. أما ابنة شكسبير الصغرى، جوديث، فقد تزوجت في العاشر من فبراير عام ١٦١٦ من نبيل من ستراتفورد يدعى توماس كويني، وأنجبَت منه ثلاثة أبناء، لكن تُوفي جميعهم دون أن يتركوا أي ذرية. ولذا، لا يوجد أي سليل مباشر لشكسبير.

يتفق زملاء شكسبير في التمثيل والتأليف المسرحي وكل من عرفوه بطرق أخرى ليس فقط في التعبير عن إعجابهم بعبقريتِه، وإنما أيضًا في احترامهم وحبهم لشخصه. قال بن جونسون: «إنني أحب الرجل وأبجِّل ذكراه كأسمى ما يكون التبجيل. كان رجلًا أمينًا حقًّا، وكان صريحًا ذا طبيعة متحرِّرة.» دُفن شكسبير بعد وفاته بيومين في الجانب الشمالي من مذبح كنيسة ستراتفورد. وفوق قبره، هناك لوح مسطَّح مكتوب عليه النقش التالي، والذي يقال إنه كتبه بنفسه:

صديقي العزيز، من أجل يسوع، لا تنبش
هذا القبر المغلَق؛
فمبارك الرجل الذي يحفظ هذه الأحجار،
واللعنة على من يتجرَّأ على العبث بعظامي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠