تاجر البندقية

figure
عملية اختيار الصندوق.

كان أنطونيو تاجرًا غنيًّا وناجحًا من مدينة البندقية. كانت سفنه تسافر تقريبًا في كل البحار، وكان يتاجر مع البرتغال والمكسيك وإنجلترا والهند. وعلى الرغم من أنه كان فخورًا بما يملك، فقد كان كريمًا جدًّا مع الآخرين وكان على استعداد لاستخدام ماله في مساعدة أصدقائه، وكان من أهم هؤلاء الأصدقاء بالنسبة إليه قريبه باسانيو.

كان باسانيو، مثل الكثير غيره من النبلاء المندفعين والمتباهِين بأنفسهم، متهورًا ومسرفًا، وعندما وجد أنه قد بدَّد ثروته وأصبح غير قادر على دفع ديونه لدائنيه، ذهب إلى أنطونيو وطلب منه المساعدة.

قال له: «أنت أكثر من أدين له بالمال والحب يا أنطونيو، ولديَّ خطة أستطيع من خلالها دفع كلِّ ديني لك فقط إذا ساعدتني.»

figure
أمير المغرب.

رد عليه صديقه قائلًا: «هات ما عندك، وثق في أنه مجاب.»

حينها، قال باسانيو: «توجد في بلمونت وارثة غنية، يأتي لخطبتها من جميع أنحاء العالم خُطَّاب مشاهير، ليس فقط لغناها، ولكن أيضًا لجمالها وصلاحها. كانت تنظر إليَّ نظرات وجد عندما تقابلنا آخر مرة لدرجة أنني متأكد أنني سأفوز بها وأنتصر على كل المنافسين؛ وذلك لحبها لي، فقط إن أنا تمكنت من الذهاب إلى بلمونت، حيث تعيش.»

قال أنطونيو: «إن ثروتي جميعها في سفن تمخر عباب البحار وليس في يدي من نقود حاضرة، لكن لحسن الحظ، سمعتي طيبة في البندقية وسأقترض لك ما تحتاج إليه.»

كان يعيش في البندقية في ذلك الوقت مرابٍ غني يُدعى شايلوك. كان أنطونيو يبغض هذا الرجل ويَحتقره بشدة، ويعامله بأقصى درجات القسوة والازدراء، وكان يطرده، كأنه كلب غريب، عند باب منزله، وكان حتى يبصق عليه. كان شايلوك يحتمل كل تلك الإهانات صابرًا، لكنه كان في صميم قلبه تتملكه رغبة في الانتقام من هذا التاجر الغني المتعجرف؛ فأنطونيو قد حط من شأنه وأضر كذلك بعمله. وقال في نفسه: «لقد حال دون اكتسابي نصف مليون عملة ذهبية فوق ما كسبت. وفي السوق وفي أي مكان كان يذهب إليه، كان يهاجم معدَّل الفائدة الذي أفرضه، والأسوأ من ذلك أنه كان يقرض المال دون أن يأخذ أي فائدة.»

لذا، عندما ذهب إليه باسانيو ليطلب قرضًا قدره ثلاثة آلاف عملة ذهبية من أجل أنطونيو لمدة ثلاثة أشهر، أخفى شايلوك كرهه لأنطونيو وتحوَّل إليه قائلًا: «رغم كل القسوة التي عاملتَني بها، فأرجو أن تمتدَّ حبال الود فأكون خليلك؛ لذا سأقرضك المال الذي تطلبه ولن أحصل على أي ربح. لكن من باب المزاح ستوقع على عقد تقر فيه بأنك إن لم تردَّ إليَّ المبلغ المقترَض في خلال ثلاثة أشهر، فسيكون لي الحق في الحصول على رطل من لحمك، أقطعه من أي مكان يعجبني من جسدك.»

قال باسانيو لصديقه: «كلا، لا أقبل بأن تفعل هذا من أجلي.»

رد أنطونيو: «ماذا تخشى؟ سفني ستعود قبل حلول الموعد بقرابة شهر. سأوقع العقد.»

figure
أنطونيو يوقع على العقد.

هكذا، حصل باسانيو على المال اللازم للذهاب إلى بلمونت حتى يخطب ود بورشيا الحسناء. وفي الليلة نفسها التي انطلق فيها في رحلته، هربت جيسيكا، ابنة المرابي الجميلة، من منزل أبيها مع عشيقها، وأخذت معها من مخازن أبيها بعض صرر العملات الذهبية والأحجار الكريمة. كان حزن وغضب شايلوك رهيبين عندما عرف هذا، وتغيَّر حبُّه لها إلى كره. وقال: «أتمنى أن أراها ميتة عند قدمي والجواهر في أذنيها.» كان مصدر الراحة الوحيد الآن بالنسبة إليه يتمثل في سماع الخسائر الكبيرة التي كان يمنى بها أنطونيو؛ إذ تحطمت بعض سفنه. قال شايلوك: «الويل له إن لم يلتزم بالعقد. الويل له إن لم يلتزم بالعقد.»

figure
جيسيكا وهي تهرب من المنزل.

في هذه الأثناء، وصل باسانيو إلى بلمونت وزار بورشيا الفاتنة. ووجد، كما أخبر أنطونيو، أن ذيوع أمر غناها وجمالها قد جذب إليها الخُطَّاب من كل حدب وصوب. لكن كان رد بورشيا لهم جميعًا واحدًا. قالت إنها لن تقبل بأي خاطب إلا إذا التزم بشروط وصية أبيها. وكانت هذه الشروط تبعد العديد من الخُطاب المتحمسين. فقد كان على مَن سيفوز بقلب بورشيا ويدها أن يُخمِّن أي صندوق من بين صناديق ثلاثة يحمل صورتها. وإذا كان تخمينُه صحيحًا، فستكون بورشيا عروسه؛ أما إذا كان خاطئًا، فيُقسم على ألا يكشف أي صندوق اختار، وعلى ألا يتزوج، وعلى أن يرحل على الفور.

كان الصندوق الأول مصنوعًا من الذهب، والثاني من الفضة، والثالث من الرصاص. كان الصندوق الذهبي مكتوبًا عليه النقش التالي: «من يخترني، يحظَ بما تبغيه الكثرة.» وعلى الصندوق الفضي ما يلي: «من يخترني، يحظَ بما هو أهل له.» وعلى الصندوق الرصاصي ما يلي: «مَن يخترني، يجب أن يُعطيَ ويخاطر بكل ما يملك.» كان أمير المغرب، الذي كان شجاعًا بقدر ما كان أسود البشرة، من أول من تقدموا لهذا الاختبار. اختار الصندوق الذهبي؛ إذ قال إن الصندوق المصنوع من معدن الرصاص الوضيع وذلك المصنوع من الفضة لا يمكن أن يحتويا على صورتها. اختار هذا الصندوق ووجد بداخله تجسيدًا لما يبغيه الكثير من الناس، ألا وهو الموت.

وبعده، جاء أمير أراجون المتكبِّر وقال: «دعني أحصل على ما أستحق؛ فأنا بالتأكيد أستحق هذه السيدة.» واختار الصندوق الفضي، ووجد داخله رأس أبله. صاح متسائلًا: «ألم أكن جديرًا إلا برأس أبله؟»

ثم جاء في النهاية باسانيو، وقد جعلته بورشيا يتأخَّر في الاختيار خشية أن يختار على نحو خاطئ. فقد كانت تحبه بشدة، كما كان يحبها. قال باسانيو: «دعيني أختار الآن؛ فإنني في أشد العذاب.»

طلبت بورشيا من خدمها أن يعزفوا الموسيقى بينما يقوم حبيبها المغوار باختياره. أقسم باسانيو على تنفيذ الشروط واتجه صوب الصناديق، بينما أخذ الموسيقيون يعزفون الموسيقى على نحو خفيض. قال: «قد لا يدلُّ المظهر الخارجي على المخبر. والعالم يخدعه البهرج دومًا. إذن، لن أختار الذهب المبهرج أو الفضة البراقة. وسأختار الصندوق الرصاصي، وليكن السعد نصيبي!» وعندما فتحه، وجد صورة بورشيا الجميلة بداخله، ونظر إليها وسألها إن كانت بحقٍّ قد أصبحَت ملكه.

قالت: «نعم، أنا أصبحت لك وكذلك هذا القصر ومعهما خذ هذا الخاتم الذي يجب ألا يفارقك أبدًا.»

أقسم باسانيو، الذي قال إن الكلمات ضاعت منه، على أن هذا الخاتم لن يفارق إصبعه ما دام حيًّا.

وفجأة كل هذه السعادة بدَّدها الحزن؛ إذ جاء رسل من البندقية يخبرونه بأن أنطونيو قد تدهورت أوضاعه المالية تمامًا، وأن شايلوك يطلب من الدوق أن يلتزم أنطونيو بنَص العقد الذي أبرمه معه، والذي بمقتضاه يحق له الحصول على رطل من لحمه. حزنت بورشيا كما حزن باسانيو لمعرفة الخطر الذي يهدد صديقه.

وقالت: «في البداية، خذني إلى الكنيسة كي تتزوَّجني، ثم اذهب على الفور إلى البندقية لمساعدة صديقك. وخذ معك المال الكافي لدفع دين صديقك، حتى ولو أربى على الأصل عشرين ضعفًا.»

لكن عندما رحل الزوج المتزوِّج حديثًا، ذهبت بورشيا وراءه، ووصلت إلى البندقية وهي متخفية في هيئة محامٍ، ومعها خطاب تقديمي من محامٍ مشهور يُدعى بيلاريو، والذي استدعاه دوق البندقية ليُقرِّر الاعتراضات القانونية على مطالبة شايلوك برطل من لحم أنطونيو. وعندما انعقدت المحاكمة، عرض باسانيو على شايلوك ضعف المال المقترض في حالة تنازله عن دعواه. لكن كان رد المرابي الوحيد هو:
لو قُسمت كل عملة ذهبية من هذه الآلاف الستة
إلى ستة أجزاء، وصار كلُّ جزء عملة ذهبية،
لما رضيت بها عوضًا، ولا ابتغيت إلا إنفاذ الشرط.
[ترجمة د. محمد عناني]

في تلك الأثناء وصلت بورشيا في تنكُّرها، وحتى زوجها لم يتعرف عليها. رحب بها الدوق بناءً على توصية بيلاريو الكبيرة، وترك لها محاولة الوصول إلى تسوية في القضية. فبدأت في كلمات رقيقة بطلب الرحمة من شايلوك. لكنه لم يستمع لالتماسها، وكان رده: «سأحصل على رطل اللحم.»

سألت بورشيا التاجر: «ألديك ما تريد قوله؟»

أجاب: «ليس لديَّ الكثير، أنا متأهب وصابر.»

قالت بورشيا للمرابي: «تقضي لك المحكمة برطل من لحم أنطونيو.»

صاح شايلوك: «إنك لقاضٍ عادل! قد صدر الحكم: هيا فلتستعد.»

«رويدك. هذا العقد لا يجيز لك قطرة واحدة من دم أنطونيو، وإنما رطل من لحمه. أما إذا أرقت أثناء اقتطاعك إياه قطرة واحدة من دمه، فستُصادر كل أملاكك لصالح الدولة. هذا هو القانون.»

قال شايلوك وهو خائف: «إذن، سأقبل عرض باسانيو.»

قالت بورشيا بصرامة: «لا، لن تأخذ إلا ما نَصَّ عليه عقدك. هيا تجهز لاقتطاع اللحم، لكن تذكر أنك إن أخذت أكثر أو أقلَّ مما هو لك، حتى ولو بمقدار شعرة، فستفقد كل أملاكك وحياتك.»

والآن ازداد خوف شايلوك بشدة، وقال: «أعطوني الثلاثة آلاف عملة ذهبية التي أقرضته إياها، وسأسحب الدعوى.»

figure
يتخلى باسانيو عن الخاتم.

كان باسانيو على وشك دفع المبلغ له، لكن بورشيا قالت له: «لن يأخذ غير ما ينصُّ عليه عقده.»

وأضافت: «أنت، كأجنبي، سعَيت إلى سلب حياة أحد مواطني البندقية، وبالتالي، بمقتضى قانون البندقية، ستَفقِد أملاكك وحياتك. هيا، اركع واطلب الرحمة من الدوق.»

وهكذا، انقلبت الأمور، ولم يكن سيُنزَل بشايلوك أي رحمة لولا أنطونيو. وقد صودرت نصف أملاك المرابي لصالح الدولة، وكان عليه أن يتنازل عن النصف الآخر لزوج ابنته، وبهذا، كان عليه أن يكون راضيًا.

دُفع باسانيو لأن يعطيَ المحامي البارع، عرفانًا بجميله، الخاتم الذي أعطته إياه زوجته والذي وعد بألا يتخلَّى عنه على الإطلاق، وعندما عاد إلى بلمونت واعترف بالأمر لبورشيا، بدا عليها غضب شديد وأقسمت ألا تعود علاقتهما لسابق عهدها حتى يستعيد الخاتم مرة أخرى. لكنها في النهاية أخبرته أنها، وهي متنكِّرة في زي محامٍ، حصلت على الخاتم منه وأنقذت حياة أنطونيو. وهكذا، عفت عنه وأصبح هو أكثر سعادة من ذي قبل، بعد أن أدرك مدى عِظم الجائزة التي فاز بها في مسألة الصناديق الثلاث.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠