الليلة الثانية عشرة

كان أورسينو، دوق إليريا، يُحب بشدة سيدة نبيلة جميلة تُدعى أوليفيا. لكن كل حبه كان بلا جدوى؛ إذ كانت ترفض خطبته لها؛ وعندما مات أخوها، رفضت الاستماع إلى رسول أرسله إليها، وطلبت منه أن يخبر سيده بأنها لن تدع حتى السماء ترى وجهها لمدة سبع سنين، وأنها ستَسير، كراهبة، مُغطيةً وجهها، وكل ذلك كان بسبب حبها لأخيها الراحل الذي أرادت أن يبقى حبُّه حاضرًا في ذاكرتها للأبد.

figure
فيولا والرُّبان.

أخذ الدوق يبحث عن شخص يُمكنه إخباره بحزنه وتكرار قصة حبه على مسامعه مرارًا وتكرارًا. وقد أسعده الحظ ووجده. ففي تلك الأثناء، تحطمت سفينة كبيرة على ساحل إليريا، وكان من بين هؤلاء الذين وصلوا إلى الساحل بأمان الربان وسيدة شابة جميلة تُدعى فيولا. لكنها لم تكن ممتنة كثيرًا لعدم غرقها في البحر، لأنها كانت تخشى أن يكون أخوها التوءم، سيباستيان، قد غرق، والذي كان عزيزًا عليها بشدة مثل قلبها الذي بين جنبات صدرها، وكان يُشبهها بشدة، لدرجة أنه، إذا استثنيت طريقتهما المختلفة في اللبس، فلن يستطيع أحد أن يفرق أحدهما عن الآخر. أخبرها الربان، وهو الأمر الذي أسعدها كثيرًا، بأنه رأى أخاها يربط نفسه إلى «صارٍ ضخم طفا على سطح البحر»؛ ومِن ثَمَّ هناك أمل بأنه قد يُنقذ من الغرق.

سألت فيولا عن حاكم البلد الذي كانوا فيه، وعندما علمت بأن الدوق أورسينو الشاب هو من يحكمه وأن طباعه نبيلة مثل اسمه، قرَّرت أن تتخفى في ملابس شاب، وتسعى للعمل لديه كأحد تابعيه.

نجحت في هذا، ويوميًّا، كان عليها الاستماع لأورسينو وهو يتحدث عن قصة حبه. في البداية، تعاطفت بشدة معه، لكن سرعان ما تحوَّل تعاطُفها إلى حب. وفي النهاية، خطر لأورسينو أن محاولاته الفاشلة للتقرب من حبيبته قد تنجح إذا أرسل هذا الشاب البهي الطلعة ليتحدَّث إليها عن مدى حبه لها. ذهبت فيولا وهي راغمة لأداء تلك المهمة، لكن عندما وصلت إلى المنزل المطلوب، منعها من الدخول مالفوليو، رئيس خدم أوليفيا، والذي كان رجلًا فضوليًّا ومغرورًا، ومريضًا، كما قالت سيدته، بمرض حب الذات. لكن فيولا (التي أصبحت تُدعى الآن سيساريو) رفضت أي أعذار، وأصرت على الحديث مع السيدة النبيلة. قالت أوليفيا، بعد أن وجدت أن كل أعذارها قد جرى تحدِّيها، وكانت في الوقت نفسه متلهِّفة لرؤية هذا الشاب الجريء الذي فعل ذلك: «سنستمِع ثانيةً إلى رسول أورسينو.»

figure
فيولا وهي متنكرة تحت اسم «سيساريو» تُقابل أوليفيا.

عندما دخلت فيولا إلى حضرة أوليفيا، وأُمر الخدم بتركهما بمفردهما، استمعت أوليفيا بصبر إلى عبارات اللوم التي ألقاها على مسامعها ذلك الرسول الجريء نيابةً عن الدوق، وبينما كانت تستمع لكلمات سيساريو المزعوم، وقعت في غرامه، وعندما ذهب، أرادت أن تُرسل إليه تذكارًا يُعبِّر عن حبها له. لذا، استدعت مالفوليو وطلبت منه أن يتبع الشاب.

ثم قالت لمالفوليو، وهي تخلع خاتمًا من إصبعها: «لقد ترك هذا الخاتم وراءه. قل له إنني لا أريده.»

فعل مالفوليو ما أُمر به، وأدركت فيولا، التي كانت بالطبع تعلم جيدًا أنها لم تترك وراءها أي خاتم، بحدس النساء أن أوليفيا وقعت في حبِّها. ثم عادت إلى الدوق، وهي تشعر بحزن شديد في داخلها من أجل حبيبها وأوليفيا ونفسها.

لم تستطع أن تقول لأورسينو ما يواسيه، والذي أخذ يسعى للتخفيف من آلام حبه المرفوض بالاستماع إلى بعض الموسيقى العذبة، بينما كان سيساريو يقف بجواره.

قال الدوق لتابعه في تلك الليلة: «آه، لا بد أنك أيضًا قد أحببت.»

ردت فيولا: «قليلًا.»

figure
«لا بد أنك أيضًا قد أحببت.»

سألها: «أي نوع من النساء أحببت؟»

ردت: «إنها تشبهك كثيرًا.»

سألها: «كم كان عمرها؟»

ردت على هذا السؤال بالإجابة البارعة التالية: «في مثل سنكَ يا سيدي.»

صاح الدوق: «يا إلهي، إنها كبيرة جدًّا بالنسبة إليك! إن على المرأة أن تتزوج من هو أكبر منها سنًّا.»

قالت فيولا بوداعة شديدة: «أنا أُوافقُك كل الموافَقة، يا سيدي.»

وسرعان ما طلب أورسينو من سيساريو أن يذهب مرة ثانية لزيارة أوليفيا وإخبارها بمدى حبه لها. لكنَّها قالت له، وهي تُحاول أن تصرفه عن حبها:

«لكن ماذا لو أن هناك سيدة تُحبُّك حبًّا مثل حبك لأوليفيا؟»

رد الدوق: «أوه! هذا محال.»

قالت فيولا: «ولكني أعرف مقدار الحب الذي في وسع المرأة أن تُكنَّه للرجل. لقد كان لأبي ابنة تحبُّ رجلًا حبًّا عظيمًا.» ثم أضافت وقد احمرَّ وجهها خجلًا: «كذلك الحب الذي يُمكنني أن أحبه لك لو كنت فتاة.»

سألها: «وما قصتها؟»

ردت فيولا: «لا شيء يا سيدي. إنها لم تبحْ له أبدًا بحبها، وكتمَت حبَّها بداخلها حتى دمرها، وأذهب جمالها. لقد ذبلت، وأخذت تجلس تَبتسم لأساها كتمثال للصبر وقد تحوَّل لون بشرتها للون الأخضر من الحزن. ألم يكن هذا حبًّا حقيقيًّا؟»

سألها الدوق: «ولكن هل ماتت أختُكَ من فرط الحب، يا ولدي؟» فردَّت فيولا، التي كانت كل هذا الوقت تُعبر له عن حبِّها له بتلك الطريقة البارعة:

«أنا كل بنات أبي وكل أبنائه أيضًا … سيدي، هل أذهب إلى تلك السيدة؟»

رد الدوق، وقد نسيَ على الفور كل شيء بشأن هذه القصة: «أسرع إليها، وأعطِها هذه الجوهرة.»

وهكذا، ذهبت فيولا، وفي تلك المرة، لم تستطع أوليفيا المسكينة إخفاء حبها، وأعلنت صراحةً عنه بشغف شديد لدرجة أن فيولا تركتها مسرعة وهي تقول:

«لن آتيَ إليكِ مرة أخرى لأخبرك عن حب سيدي لكِ.»

لكن فيولا عندما تعهَّدت بهذا، لم تكن تدري الشفقة الشديدة التي كانت ستَشعر بها تجاه معاناة المرأة الأخرى. لذا، عندما أرسلت أوليفيا، في غمرة عنفوان حبِّها، رسولًا إلى سيساريو لتطلب منه زيارتها مرة أخرى، لم يستطع رفض الطلب.

لكن مشاعر الودِّ التي كانت تبديها أوليفيا تجاه هذا التابع أثارت غيرة السير أندرو إجيوتشيك، الذي كان أحد الحَمقى الذين رفضت حبهم، والذي كان في ذلك الوقت يعيش في بيتها مع عمها العجوز المرح السير توبي. إن السير توبي هذا كان يحب بشدة المقالب المضحكة، ولما كان يعرف أن السير أندرو شديد الجبن، ظن أنه لو رتب لنزال بينه وبين سيساريو، فإن اللقاء سيكون بحق فريدًا. لذا، حث السير أندرو على طلب النزال، ونقل هو بنفسه الطلب إلى سيساريو. حينها، قال التابع المسكين، في فزع شديد:

«سوف أرجع ثانيةً إلى داخل المنزل؛ فأنا لم أعتدِ المبارزة.»

رد السير توبي: «لن ترجع إلى داخل المنزل إلا إذا كنت تريد أن تبارزني.»

وحيث إنه بدا نبيلًا عجوزًا يتميز بالشراسة الشديدة، فقد رأت فيولا أنه من الأفضل انتظار مجيء السير أندرو؛ وعندما وصل أخيرًا، استلَّت، وهي ترتجف، سيفها، وقد تملكها فزع شديد لأنها كانت تخشى أن تُعرف الحقيقة، وقام السير أندرو بالمثل وقد سيطر عليه خوف مُماثل. لكن لحسن حظ الاثنين، جاء في تلك اللحظة بعض مسئولي البلاط وأوقفوا النزال المزمع. وهربت فيولا في سعادة شديدة بأقصى سرعة ممكنة، لكن ناداها السير توبي قائلًا:

«إنك ولد خسيس وشديد الجبن!»

بينما كانت كل تلك الأمور تحدث، استطاع سيباستيان أن يُنقذَ نفسه من الغرق ووصل بسلام إلى ساحل إليريا، حيث صمَّم على الذهاب إلى بلاط الدوق. وهو في طريقه إلى هناك، مر بمنزل أوليفيا في نفس اللحظة التي غادرته فيها فيولا بسرعة شديدة، وهناك قابل السير أندرو والسير توبي. ظن السير أندرو خطأً أن سيباستيان هو سيساريو الجبان، فاستجمع قواه واقترب منه وضربه قائلًا: «هذه لك.»

قال سيباستيان، وقد أخذ يكيل له الضربات حتى جاء السير توبي لإنقاذ صديقه: «حسنًا، وهذه لك. خذ هذه وهذه!» لكن سيباستيان، حرر نفسه من قبضة السير توبي، وأشهر سيفه وكان سيُقاتل الاثنين لولا مجيء أوليفيا التي علمتْ بأمر الشجار، والتي أخذت توبِّخ السير توبي وصديقه وطلبت منهما أن يتركا المكان. ثم تحولت إلى سيباستيان الذي ظنَّت أنه سيساريو وأخذت تُناشده بحلو الكلام أن يدخل معها إلى المنزل.

وافقَ سيباستيان عن طيب خاطر، وقد تملَّكته الدهشة بعض الشيء وكان معجَبًا بشدة بجمالها ونُبلها. وفي هذا اليوم نفسه، كانت أوليفيا في عجلة من أمرها لدرجة أنها تزوَّجت هي وسيباستيان قبل أن تَكتشفَ أنه لم يكن سيساريو، أو يتيقَّن سيباستيان مما إذا كان يعيش حلمًا أم لا.

في تلك الأثناء، عندما عرف أورسينو ما حدث بين سيساريو وأوليفيا، ذهب لزيارتها بنفسه، آخذًا سيساريو معه. قابلتهما أوليفيا أمام باب منزلها، ولما رأت، بحسب ظنها، زوجها هناك، لامتْه على تركها، بينما قالت للدوق إن تودُّده إليها شيء مؤذٍ لأذنَيها شأنه شأن الصرخات الشديدة بعد الموسيقى العذبة.

فقال أورسينو لها: «أما زلتِ على قسوتكِ الشديدة؟»

ردت: «ما زلت على عهدي.»

أخذ غضب أورسينو يتصاعد حتى تحول إلى وحشية، وأقسم أنه سينتقم منها بقتل سيساريو، الذي عرَف أنها تحبه. فقال لسيساريو: «تعالَ أيها الفتى.»

ردَّت فيولا، تابعةً إياه وهو يخرج: «أنا على استعداد للموت ألف مرة عن طيب خاطر، إذا كان هذا سيسعدك.»

سيطر خوف كبير على أوليفيا، وصرخت بصوت عالٍ: «سيساريو، زوجي، ابقَ هنا!»

سأل الدوق بغضب: «زوجها؟»

قالت فيولا: «لا، يا سيدي، أنا لست زوجها.»

صاحت أوليفيا: «استدعوا القس.»

وعندما جاء القس الذي زوَّج سيباستيان وأوليفيا، أعلن أن سيساريو هو العروس.

قال الدوق متعجبًا: «أوه، يا لك من كاذب صغير! وداعًا، خذها. لكن لا تطأ قدماك مكانًا قد يتصادف أن نلتقي فيه أنا وأنت.»

في تلك اللحظة، جاء السير أندرو والدماء تسيل من موضع التاج في رأسه، وأخذ يشتكي أن سيساريو قد شج رأسه، وهكذا فعل مع السير توبي.

قالت فيولا بحزم: «أنا لم أوذِك قط. لقد رفعت سيفك عليَّ لتبارزني، لكني كنت لطيفًا معك، ولم أُلحِق بك أي ضرر.»

لكن رغم كل حججها، لم يُصدقها أحد، لكن كل أفكارهم تغيرت فجأة إلى دهشة، عندما دخل عليهم سيباستيان.

قال لزوجته: «أنا آسف، يا سيدتي. لقد آذيتُ قريبك. سامحيني، أيتها الجميلة، حتى من أجل العهود التي قطَعها كل منا للآخر مؤخرًا.»

صاح الدوق، ناظرًا في البداية إلى فيولا ثم إلى سيباستيان: «وجهٌ واحد وصوت واحد وأسلوب لباس واحد وشخصان مختلفان!»

قال شخص يعرف سيباستيان: «إن هذَين الشخصين متشابهان تمامًا كنصفَي التفاحة. مَن منكما سيباستيان؟»

قال سيباستيان: «أنا لم يكن لي أخ قط؛ لقد كانت لي أخت، ولكن الأمواج القاسية أغرقتها.» ثم قال لفيولا: «لو كنتِ فتاة، لضممتُك بين ذراعيَّ، وجعلت دموعي تسيل على خدكِ، وصحتُ: مرحبًا بكِ بشدة إلى الحياة، يا فيولا!»

غمرت الفرحة فيولا عندما رأت أن أخاها ما زال على قيد الحياة، وأقرت بأنها بالفعل أخته، فيولا. وبينما كانت تتحدَّث، شعر أورسينو بالشفقة التي تعد هي والحب صنوين.

وقال: «يا ولد، لقد أخبرتَني آلاف المرات أنك لن تحبَّ أي امرأة بنفس القدر الذي تُحبُّني به.»

ردت فيولا: «أنا على استعداد لتكرار كل ما قلته من قبل. أقسم إنني كنت أعني كل كلمة تلفظت بها.»

صاح أورسينو في سعادة: «أعطِيني يدكِ. ستُصبحين زوجتي وملكة حبي.»

وهكذا، عاشت فيولا الرقيقة في سعادة غامرة، ووجدت أوليفيا في سيباستيان المحب المخلص والزوج الطيب، ووجد هو فيها الزوجة المحبة المخلصة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠