الفصل الخامس

الدولة الحديثة: من الأسرة الثامنة عشرة إلى الأسرة الثلاثين

يعتبر المؤرخون بداية الدولة الحديثة من الأسرة الثامنة عشرة.

ومؤسس هذه الأسرة هو أحمس الأول، محرر مصر من الهكسوس.

وللأسرة الثامنة عشرة شأن عظيم في تاريخ مصر.

وقد امتدَّتْ حدودها في عهدها إلى أقصى ما وصلت إليه في ذلك العصر.

(١) الأسرة الثامنة عشرة (١٥٧٠–١٣٠٤ قبل الميلاد)

(١-١) أحمس الأول

هو مؤسس الأسرة الثامنة عشرة.

ومع أنه يُعتبر من الأسرة السابعة عشرة لأنه ابن «سقنن رع» من ملوك هذه الأسرة، وقد سبق الحديث عنه، ولكن المؤرخ المصري «مانيتون» وضعَه على رأس الأسرة الثامنة عشرة؛ لأنه وقد حرر مصر من الهكسوس جدير بأن يكون على رأس أسرة جديدة.

وحسنًا فعل مانيتون؛ لأن تحرير البلاد من الهكسوس حادث تاريخي هام يحق أن يكون بداية لأسرة جديدة، بل لعصر جديد.

وفي الحق أن الأسرات الأولى للدولة الحديثة تمثِّل مصر الكبرى، وقد بلغتِ البلاد في عهدها أرفع درجات الحضارة والمتعة.

(أ) حروب قومية دفاعية

ولا غرو فإن غزو الهكسوس قد استثار في نفوس المصريين الشعور القومي والتعلق بالحرية، وحفزهم وملوكَهم إلى الجهاد في سبيل الذَّود عن الاستقلال، وتمَّ لهم ما أرادوا.

ثم إنهم فطِنوا إلى أن تأمين الاستقلال لمصر لا يكون بتحصين حدودها فحسب، بل لا بد لها من بسط نفوذها على البلاد المجاورة التي جاء منها الغزو الأجنبي.

ولقد كان «أحمس» أول من طبَّق هذه السياسة الحكيمة، فإنه بعد أن حرر البلاد من الهكسوس تعقَّبهم في جنوب فلسطين وحاربهم وحاصرهم في شاروهين حتى استسلمت.

ولكنه لم يقضِ عليهم القضاء التام، فإن ملك الهكسوس قد فرَّ منها قبل أن تستسلم، وظل وقومه يدبرون المكايد في فلسطين وفينيقية «لبنان» وسورية.

فكانت سياسة مصر في الدولة الحديثة أن تحارب بقايا الهكسوس في تلك البلاد.

ولم تكن في سياستها معتدية أو باغية، ولم تكن هذه الحرب هجومية هدفها الفتح والغزو والاستعمار، بل كانت حربًا دفاعية اقتَضَاها الدفاع عن النفس وتأمين حرية مصر واستقلالها.

قال «ستانلي كوك» تأييدًا لهذه الفكرة: «قد قاومت شاروهين الحصار ثلاث سنوات قبل أن تسقط، وهذا دليل على أن حملة أحمس لم تكن مجرد غارة كالتي شنَّها سنوسرت انظر [الفصل الرابع: ثورة الشعب على الهكسوس وإجلاؤهم عن مصر سنة ١٥٧٠ قبل الميلاد]، بل كانت تستهدف غرَضًا خطيرًا وتقصد محاربة عدو لم يزَلْ قويًّا، أضف إلى هذا أننا نعود فنجد جيوشه تحارب ظافرة في شمال فلسطين وفي بلاد فينيقية، وأكبر الظن أن الغرض من هذه الحروب، فيما يُرجَّح، لم يكن هو التوسع الإمبراطوري بل كان يُقصد منها تأمين مملكة مصر وتوطيدها بعد تحريرها، فلم تكن حروب أحمس في سورية سوى تكملة لحرب التحرير.»١

هذا، ولم تكن مصر تحارب أهل هذه البلاد، بل حاربت الهكسوس الذين استعبدوها واتخذوا منها قواعد لمهاجمة مصر كلما سنَحت لهم الفرصة، ولقد نفَّذ هذه السياسة الدفاعية القومية ملوك مصر وخاصةً «تحوتمس الثالث» و«رمسيس الثاني»، كما سيجيء بيان ذلك فيما يلي.

ووجَّه ملوك مصر عنايتهم إلى تقوية الجيش المصري وإذكاء الروح الحربية في نفوس المصريين ليطمئنوا على سلامة الوطن وحريته.

وفي ذلك يقول برستد Breasted: كان حكم الهكسوس وطردهم من مصر عظة كبيرة للمصريين، أفهمتهم لأول مرة حقيقة الاستعمار وسياسة البطش، فأنشئُوا جيشًا عظيمًا منتظمًا استعملوا فيه المركبات الحربية التي تجرُّها الخيل، فتحولت مصر بذلك إلى دولة حربية، وتُعتبر الإمبراطورية المصرية في عهد الأسرة الثامنة عشرة من أكبر إمبراطوريات العالم؛ لأنها امتدَّتْ شمالًا من سورية وأعالي الفرات إلى شَلال النيل الرابع جنوبًا، وكان تشييد هذه الإمبراطورية المعتبرة الأولى في العالم مصحوبًا بثروة باذخة، وعز عظيم في جهاتها الشاسعة بدرجة لم تبلغها مصر في عصر آخر، حتى صارت «طيبة» مركز التمدن العالمي وصاحبة الآثار الشامخة، وخيمت الروح الحربية على القطر المصري مدة قرن ونصف بعد طرد الهكسوس، فصار أبناء الفراعنة يُعيَّنون قوادًا للجيش، ثم زيدَ عدده وزُوِّد بالسلاح والعتاد، ودرَّبت الحروب المصريين على الأساليب الحربية الحديثة «وقتئذٍ»، ويُعتبر هذا التقدم الحربي أقدم ما عُرف من نوعه في التاريخ، وقد قُسم الجيش المصري إلى فرق وفيالق، وقُسمت قواته إلى قلب وجناحين، واستُكمل بذلك نظام المعارك الحربية، وتمكَّن المصريون من القيام بحركات التفاف حول أعدائهم.٢

كان عهد «أحمس» دور اليقظة من سبات عميق، وتقوية للمواهب القومية الدفينة في الأمة المصرية، ولا غرو فقد كان هو مثال الشجاعة والجد والحكمة والدهاء، قويُّ الإرادة، ماضي العزيمة، فهابه الجميع واحترموه، وحكم البلاد اثنتين وعشرين سنة، وكانت وفاته حوالي سنة ١٥٥٧ق.م، وهو واضع اللبنة الأولى في صرح الإمبراطورية المصرية في مصر القديمة.

(١-٢) خلفاء أحمس الأول

(أ) أمنحوتب الأول Amenhotep

هو ابن أحمس الأول، وقد حافظ على عهد أبيه، وكانت النوبة قد انتقضت على مصر فغزاها أمنحوتب ووصل إلى حد الدولة الوسطى بجهة الشلال الثاني.

وحارب الليبيين حين حدثتهم أنفسهم بالعدوان على غرب الدلتا فصدهم وهزمهم، وحكم البلاد نحو عشرين عامًا.

(ب) تحوتمس الأول

وخلفه تحوتمس الأول، وفي عهده وَصَلت مصر إلى الشلال الرابع على النيل جنوبًا، إذ كان على رأس حملة وطَّدَتْ سلطة مصر في بلاد النوبة.

وحارب بقايا الهكسوس في فلسطين وسورية، فإنهم ما فتِئُوا يلوذون بهذه النواحي بعد هزيمتهم في شاروهين.

وفي عهده خضعت لحكم مصر الأقاليم الآسيوية في تلك الأَصقاع، ووصل إلى نهر الفرات شمالًا وأقام على ضِفَّته لوحة تذكارًا لهذا الحادث التاريخي.

وبلغت مدة حكمه ثلاثين سنة، وهو من أعظم ملوك مصر.

(ﺟ) تحوتمس الثاني

هو ابن تحوتمس الأول، وقد تزوج من أخته لأبيه «حتشبسوت»، وكانت سيدة طموحًا إلى المُلك فانفردت به، واستسلم لها زوجها.

وبقي على العرش نحو عشرين عامًا.

(د) الملكة حتشبسوت Hatshepsout

ولما مات تحوتمس الثاني آل المُلك إلى «حتشبسوت» ابنة تحوتمس الأول بالاشتراك مع تحوتمس الثالث (ابن أخيها)، وتجدد النزاع على مَن ينفرد بالحكم.

واستطاعت «حتشبسوت» بتأييد أنصارها في الدولة أن تنفردَ به نحو سبعة عشر عامًا، تولَّت فيها الوصاية على العرش إذ كان تحوتمس الثالث لا يزال صبيًّا، وكذلك ابنتها «نفرورع».

fig21
شكل ٥-١: معبد الدير البحري بطيبة. شيدته الملكة حتشبسوت.
fig22
شكل ٥-٢: سفينتان من سفن الحملة البحرية التجارية. التي أنفذتها حتشبسوت إلى الصومال (بلاد بونت).

وسكت «تحوتمس الثالث» على هذا الوَضْع، ولم يُثِرْ أي شقاق أو نزاع حرصًا على وحدة الصفِّ، وبرهن منذ الساعة الأولى على بُعْد نظره، وما تذرَّع به من الحكمة والأناة.

وكانت «حتشبسوت» سيدة عظيمة، وملكة عظيمة، وقد صُورت على بعض آثارها مرتدية زيِّ الرجال، وكان لها من النشاط ما يفوق نشاط كثير من الرجال، على أنها لم تكن محاربة، ولم تكن تميل إلى امتشاق الحسام.

فصرفت همتها في الإصلاح والتعمير بعد التخريب الذي أصابَ البلاد، أثناء حكم الهكسوس.

وهي بانية معبد «الدير البحري» المشهور في طيبة، القائم في حضن الجبل (انظر شكل ٥-١)، والذي يقصده الناس من كل فج حتى اليوم؛ ليشاهدوا فيه جمال الفن وروعة التصميم والبناء.
وكان لمهندسها القدير «سنموت» Senmout فضل كبير في هذا البناء الضخم وتصميم كثير من الآثار التي خَلَّدَت اسم حتشبسوت، وكان سنموت هذا أهم شخصية في عهدها، وكان أثيرًا عندها والمربي الأول لابنتها (نفرورع)، وصاحب الكلمة النافذة في الدولة إلى أن تغيرت عليه في أواخر عهدها وأقصَتْه عن النفوذ والسلطان.

وقد أقامت مسلتين كبيرتين بساحة الكرنك، وتُعتبران أعلى الآثار المصرية التي يرجع تاريخها ولم تكن فيإلى تلك العصور؛ لأن ارتفاع كل منهما بلغ حوالي سبعة وتسعين قدمًا ونصفًا، أما زنة كل منهما فتقرب من ٣٥٠ طنًّا، ولا تزال إحداهما شاخصة في مكانها الأصلي إلى الآن تَسترعي أنظارَ الزائرين كل حين، وبلغ عدد المسلات التي أقامتها ستًّا.

fig23
شكل ٥-٣: تمثال الملكة حتشبسوت، في شكل «أبو الهول».

حملة بحرية إلى الصومال

وأوفدت «حتشبسوت» حملة بحرية كبيرة إلى بلاد الصومال (وكانت تُسمى بونت)؛ لتبادل المتاجر معها.

وكانت حملة سلمية ودية، مؤلفة من خمس سفن شراعية.

وقد أقلعت هذه السفن من طيبة على النيل، واتجهت شمالًا حتى بلغت وادي الطميلات، وسارت في القناة التي حُفرت في عهد سنوسرت الثالث حتى بلغت البحيرات المرة، فالبحر الأحمر.

وحملت السفن إلى الصومال كثيرًا من مختلف الجواهر والمعادن والحلي والأطعمة والأشربة والسلاح، وعادت بالكثير النفيس من حاصلات تلك البلاد ومنتجاتها، كشجر المر والبخور والصمغ والأبنوس والتبر والعاج والحيوان، وكانت هذه الحملة من أهم أعمالها العمرانية.

وأرسلت البعثات إلى سيناء لاستثمار ما فيها من المناجم، ونهضت بمصنوعات البلاد وزادت من ثروتها، وكان عهدها عهد سلام وازدهار ورخاء للشعب.

فلما تُوفِّيت انفرد تحوتمس الثالث بالملك، ومحا اسمها من الآثار التي خلفتها.

(ﻫ) تحوتمس الثالث (١٤٩٠–١٤٣٦ قبل الميلاد)

هو ابن تحوتمس الثاني وابن أخي حتشبسوت.

ووالدته تُدعى «إيزيس»، وهي زوجة ثانوية لأبيه (من الجواري)، ومن حقها أن تفخر بأنها أنجبت لمصر البطل العظيم تحوتمس الثالث.

ولما تُوفِّي أبوه كان تحوتمس لا يزال صبيًّا لم يبلغ الحلم بعد، فتولت حتشبسوت وقتًا ما الوصاية عليه وعلى ابنتها نفرورع، ثم انفرد بالحكم بعد وفاة حتشبسوت.

وهو أعظم ملوك مصر قاطبة، كما سيجيء في الفصل التالي.

fig24
شكل ٥-٤: إيزيس، والدة البطل العظيم تحوتمس الثالث.
fig25
شكل ٥-٥: تحوتمس الثالث (أو الأكبر) بلغت مصر القديمة أوجَها في عهده، في القرن الخامس عشر قبل الميلاد.
١  تاريخ العالم، إخراج السير جون هامرتن، ج١، ص٦٨٩.
٢  برستد: تاريخ مصر من أقدم العصور، المرجع السابق، ص١٠ و١٥٣.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤