الفصل السادس

أوج المجد: مصر في عهد تحوتمس الثالث، أو الأكبر

بلغت مصر القديمة أوج المجد في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، على عهد تحوتمس الثالث Thoutmes، ويسمى «الأكبر».

عندما تولى هذا الملك عرش مصر، كانت الأطماع تتجه إليها، وكان الطامعون قد أخذوا يتربصون بها حين رأوا قوة مصر الحربية مسالمة متراخية في عهد الملكة «حتشبسوت»، فظنوا بجيش مصر الظنون.

وخَيَّل لهم الوهم أن الملك الشاب تحوتمس الثالث لا يقوى على إحباط مؤامرتهم، وصد تحركاتهم العدائية.

ولم تكن مواهب تحوتمس الثالث الحربية قد تجلَّت بعد وظهرت للعيان؛ لأنه لم يسبق له قبل تولي العرش أن مارس الحرب والكفاح.

فحدث تحالف بين أعداء مصر في سورية ولبنان يتزعمه أمير «قادش»،١ وهو من بقايا الرعاة (الهكسوس)، فأخذ هو وحلفاؤه يُثيرون فريقًا من الأهلين ضد الحكم المصري الذي كان مبسوطًا على البلاد نحو خمسين عامًا منذ عهد تحوتمس الأول، وانضمَّ إلى هذا الحلف بعض سكان سورية وفلسطين، كما انضمت إليه مملكة «ميثاني»،٢ وتألبوا جميعًا على مصر لينالوا منها، ويقوِّضوا سلطانها في تلك الجهات.

وإذ توالت النذر بأن هذا الحلف إذا تُرك وشأنه؛ فإنه لا يلبث أن يكون مصدر خطر على مصر، فقد بادر تحوتمس الثالث إلى مهاجمة هؤلاء الحلفاء في عقر دارهم، واعتزم في أوائل حكمه أن ينازلهم حيث كانوا، فأعدَّ للزَّحفِ عليهم جيشًا مدربًا منظمًا كان هو على رأسه، واستعدَّ للحرب والنضال.

وبدأ زحفه في أبريل سنة ١٤٧٩ قبل الميلاد من مدينة ثارو Tharu.٣
وكان جيشه مؤلفًا من نحو عشرين ألفًا إلى ثلاثين ألف مقاتل وسار بقيادته، فوصل إلى غزة التي تبعد نحو ١٢٥ ميلًا عن «ثارو» بعد مسيرة تسعة أيام، وهي مدة وجيزة بالنسبة لذلك العصر لانتقال جيش بأكمله طول هذه المسافة، ثم استمر زحفه إلى الشمال، ثم إلى الشرق، قاصدًا سهل «مجدو» حيث كان الأعداء يحتشدون هناك.٤

(١) معركة مجدُّو (سنة ١٤٧٩ قبل الميلاد)

تُعد معركة «مجدُّو» من المعارك الفاصلة في التاريخ.

تقدمت قوات أمير «قادش» وحلفائه جنوبًا، واحتلت حصن «مجدُّو» على المنحدر الشمالي لجبل «الكرمل»، واتخذته أول موقع منيع لصد زحف الجيش المصري القادم من سهل مجدُّو.

وحين علم تحوتمس الثالث باحتلال الأعداء هذا الحصن، اتجه إليه بجيشه.

وكان أمامه ثلاث طرق لعبور تلك المنطقة الجبلية، اثنان منها يدوران حول سفح جبل الكرمل، والثالث طريق ضيق صعب المرتقى يصل مباشرةً إلى أبواب مجدُّو.

وعقد تحوتمس مجلسًا حربيًّا، شاور فيه مستشاريه العسكريين في أيِّ الطرق يختار، فأشاروا عليه باجتناب الطريق الضيق واختيار أحد الطريقين الآخرين.

ولكنه أصر على السير في الطريق الوعر؛ لأنه أقرب الطرق وأكثرها استقامة.

وفي فجر يوم الواقعة (١٥ مايو سنة ١٤٧٩ق.م) أمر تحوتمس الجيش بالزحف والهجوم على العدو، واعتلى مركبته الحربية البراقة المصنوعة من خليط الذهب والفضة، وسار على رأس جيشه في الطريق الوعر، فبعث في نفوس جنوده الحماسة والحمية، وشجعهم هو قائلًا: سأسير أمامكم لكي أُظهر لكم الطريق فتقتفوا أثري.

وقد تأججت في نفوس الجنود روح الحرب، وبلغت مشاعرهم ذروتها.

وإذ شاهد أمير قادش هذا الهجوم ألقى بجنوده بين جيش تحوتمس ومجدُّو، فانقض عليهم تحوتمس وهو في مقدمة جيشه شاهرًا حسامه، وأخذ الجيش المصري يَدحَرُهم ويَفتِك بهم.

وعلى أثر هذا الهجوم تقهقر العدو وارتدَّ نحو مجدُّو واحتمَى بها، فحاصرها الجيش المصري وظل على حصارها حتى سلَّمت بعد أن فرَّ منها أمير قادش، وعظمت غنائم الجيش المصري في هذه الموقعة، وكانت نصرًا مبينًا فرحت له نفوس المصريين جميعًا.

يقول برستد Breasted تعليقًا على هذا النصر: «لكي يتصور القارئ الصعوبات التي قاساها تحوتمس الثالث في حروبه الآسيوية، يجدر به أن يطَّلع على الأهوال التي قاسَتْها جنود نابليون في تلك المنطقة سنة ١٧٩٩ بعد الميلاد، أثناء زحفها من مصر إلى مدينة عكا التي تبعد عن حدود القطر المصري بقدر المسافة التي تبعد بها مجدُّو (تقريبًا).» ويقول أيضًا: «هذا هو أقدم جيش معروف للآن دخل ذلك السهل التاريخي الذي أصبح من ذلك الوقت معتركًا حربيًّا حتى اللورد «أللنبي» سنة ١٩١٨ ميلادية، ويلاحظ أن «أللنبي» في زحفه على الجيش التركي المتقهقر قد اتخذ نفس الطريق الذي سار فيه تحوتمس الثالث.»٥
fig26
شكل ٦-١: خريطة معركة مجدو، سنة ١٤٧٩ قبل الميلاد، (مقتبسة من خريطة برستد).

وعامل تحوتمس الأسرى من الأعداء معاملة حسنة كريمة.

وعلَّق على ذلك المؤرخ ويجول Weigall بقوله: «إن المصريين كانوا أعظم شعوب العالم القديم رحمة وإنسانية.»٦

(١-١) نتائج معركة مجدُّو

قررت معركة «مجدو» مصير فلسطين ووطدت سلطة مصر فيها، وفتحت أمام تحوتمس الثالث طريق لبنان وسورية، ووصل إلى منحدرات هذين القطرين، وكانت تحت حكم أمير قادش، فسرعان ما سلَّمتا للمصريين، وقد امتلأت نفوس الأعداء فزعًا من هيبته.

وأخذ تحوتمس ينظم ما أخضعه من البلاد، ويوطد السلم والأمن فيها، ويستبدل بحكامها المعادين آخرين موالين له.

وسمح للحكام الجدد أن يحكموا البلاد بحرية بشرط أن يدفعوا لمصر الجزية، ووصلت سلطته إلى جبال لبنان الشمالية، وتوغَّلَ حتى مدينة دمشق.

وعامل الأهلين بالرفق والعدل، وحبب إليهم العلوم والمعارف، وغرَسَ في قلوبهم حب مصر.

وعاد إلى مصر في أوائل أكتوبر من ذلك العام (١٤٧٩ق.م) ووصل إلى طيبة، فاستقبله الشعب استقبالًا مجيدًا.

وجدد تحوتمس على تعاقب السنين حملاته على الأقطار الأسيوية، حتى وصل إلى الفرات.

وقد رأى بثاقب نظره أن مدينة قادش الواقعة على نهر العاصي (الأورونت)، تقف عقبة أمامه وتحُول دون وصوله إلى وادي الفرات.

فأعد أسطولًا يشترك مع الجيش البري في هذه الحملات، واتخذ من الشواطئ الفلسطينية والفينيقية التي فتحها مواقع لتأمين خطوط جيشه في الزحف.

قال برستد في هذا الصدد: «ولا شك أن هذه الخطوات سديدة لدرجة يستحيل على أي ضابط حربي حديث أن يبتكر أحسن منها بحيث تناسب أحوال تلك العصور، أو أن ينجزها بمثل ما أنجزها تحوتمس من الدقة والمثابرة، والحق أن الحلفاء لو اتبعوا في الحرب العالمية (الأولى) هذه الخطة في محاربة التُّرك، لفازوا بالنصر هناك في أقل من سنة واحدة.»٧

(٢) سقوط قادش

ووصل تحوتمس الثالث إلى قادش معقل أميرها الذي ناوأه في حملاته، وضرب عليها الحصار وهاجمها حتى سلَّمت، وكان سقوط قادش انهيارًا لآخر صرح للهكسوس.

وأتم إخضاع شاطئ فينيقية (لبنان).

(٣) سقوط قرقميش

وأعد حملة أخرى للوصول إلى بلاد الرافدين (ما بين النهرين) زحف عليها من طريق قادش، وأعد لعبور الفرات سُفنًا حُملت أجزاؤها على عربات، وصُنعت هذه السفن في «جبيل» ونُقلت إلى قرقميش.

واستولى على «قرقميش»؛ إذ جرت بينه وبين ملك «ميثاني»٨ معركة انتهت بهزيمة هذا الأخير، وعبر تحوتمس نهر الفرات، ووطَّدت هذه المعركة سلطته في بلاد ميثاني.

وأقام على ضِفَّة الفرات لوحة تذكارًا لانتصاره، وكانت على مقرَبة من اللوحة التي أقامها جده تحوتمس الأول.

وأخذ أمراء ما بين النهرين يُظهرون الولاء والخضوع له، ويدفعون الجزية لمصر وسالمته مملكة ميثاني وبابل ومملكة خيتا (الحيثيين) بآسيا الصغرى، وأرسلت إليه الهدايا.

واستمرت حملات تحوتمس الثالث إلى أن كانت الحملة السادسة عشرة؛ إذ أعلنت مدينة قادش العصيان يساندها ملك ميثاني، فهاجمها من جديد وخضعها وقضى بذلك على كل أثر لمعارضة النفوذ المصري في سورية.

وبلغت قوة مصر البحرية درجة كبيرة خضَع لها ملك قبرس.

وتمكَّن الأسطول المصري من بسط نفوذه على جزيرة كريت، وبقية الجزر الشرقية للبحر الأبيض المتوسط.

(٤) من أعالي الفرات شمالًا إلى الشَّلال الرابع على النيل جنوبًا

وامتدت حدود الدولة المصرية في عهده، فوصلت إلى أعالي الفرات شمالًا وجزر البحر الأبيض المتوسط، ووصلت جنوبًا إلى الشلال الرابع على النيل، وكانت هذه الحدود أقصى ما وصلت إليه مصر القديمة.

وتأسست الإمبراطورية المصرية وبلغت أوجها في عهده، وهو أول عاهل خضع له العالم المتمدن في إفريقيا وآسيا، وأول منشئ عظيم للإمبراطورية في العالم، وأول من سبق الإسكندر ونابليون في هذا المجال.

fig27
شكل ٦-٢: خريطة الدولة المصرية في عهد تحوتمس الثالث في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، «كانت حدودها تمتد من أعالي الفرات شمالًا إلى الشلال الرابع على النيل جنوبًا.»

(٥) نابليون الشرق

ذاعت شهرة تحوتمس الثالث كقائد عظيم، وتجلت مقدرته الحربية في حروبه وحملاته الموفقة التي بلغت سبعة عشرة حملة، كان النصر حليفه فيها جميعًا.

وقد لقَّبه المؤرخون بنابليون الشَّرق.

وصارت طيبة عاصمة العالم المتمدن، وعُرفت لدى الإغريق بالمدينة ذات المائة باب، وجاء ذِكرها بهذا الاسم في أشعار هومير، فأطلق عليها نفس الاسم (المدينة ذات المائة باب) يتسع كل باب لمائتَي رجل، وتخرج منها جيوش فرعون بكامل عُدَّتِها وعَتادها فوق عجَلاتها الحربية.

(٦) بين مصر وسورية

عامل تحوتمس الأهلين في فلسطين ولبنان وسورية بالرفق والعدل، لم يكن جبَّارًا في الأرض ولا متغطرسًا، بل كان حاكمًا قويمًا يحب العدل ويدافع عنه، يكره الانتقام وسفك الدماء، لم ينتقم من الأمراء الذين ساروا في ركاب أمير «قادش»، بل أبقى الموالين منهم في مراكزهم.

وفي سبيل دعم الروابط بين مصر وسورية، أمر بإيفاد بعض أبناء حكام تلك البلاد إلى مصر؛ ليتثقفوا وينهلوا من العلوم والمعارف، وليغرس في قلوبهم حبَّ مصر.

لم يكن يبغي من فتح هذه البلاد تأمين كيان مصر فحسب، بل أراد أن يجمع بين فلسطين وسورية ولبنان ومصر في وحدة شاملة، ففي فُتوحه الآسيوية لم يرهق الأهلين ولا كان يحاربهم، بل كانت حروبه ضد حلف يتزعَّمُه أمير قادش من بقايا ملوك الهكسوس (الرعاة)، ولم يكن أمير قادش من أهل هذه البلاد ولا من المواطنين فيها، بل كان من غزاتها وسليل غزاتها السابقين.

ومن المحقق أن الهيبة التي كانت لتحوتمس في النفوس والتي نتجت عن انتصاراته في ميادين القتال، والقوة الحربية التي اعتمد عليها في بسط سيطرته على تلك الأصقاع، كانت هي الدعامة الأولى للدولة المترامية الأطراف التي أنشأها في آسيا، ولولا تلك القوة لمَا استطاع أن يوطد سلطانه فيها.

(٧) وفاة تحوتمس الثالث

تُوفِّي تحوتمس الثالث سنة ١٤٣٦ق.م؛ بعد أن جلس على عرش مصر أربعة وخمسين عامًا، كانت أوج المجد لمصر القديمة.

يقول برستد في وصفه وتمجيده: «إن صفات تحوتمس الثالث وشخصيته برزت في التاريخ المصري القديم بدرجة منقطعة النظير، في ملوك مصر قاطبة، والحق يقال: إن نشاطه فاق كل نشاط سواء أكان قبله أم بعده، زد على ذلك أنه كان هاويًا فنانًا يتلهَّى وقت فراغه بصياغة الأواني وإبداع أشكالها، وكان حسن التدريب في السياسة حاد الذاكرة، يقوم بالحروب الكبيرة في آسيا مستعملًا في الوقت نفسه شدته في منع انتشار الرشوة والحيف في أثناء جمع الضرائب من الأهلين؛ لذلك اعتُبر عهد تحوتمس الثالث عهدًا ممتازًا في مصر والشرق عامة، ولم يظهر في التاريخ إلى ذلك العهد ملكٌ جمع إيراد مملكته الشاسعة، وأقام عليه إدارة حكومية مركزية ثابتة مستمرة دامت سنوات عدة كما فعل، وهو يذكِّرنا بتاريخ الإسكندر المقدوني ونابليون لتشابه تاريخهم جميعًا، وخلاصة القول أن تحوتمس كان أول رجل في التاريخ أسس إمبراطورية حقيقية، فهو لذلك أقدم بطل معروف على الأرض، ولا غرابة فقد خضعت لقوَّتِه آسيا الصغرى وأعالي الفرات، وجزر البحر الأبيض المتوسط، ومستنقعات بابل وشواطئ ليبيا السحيقة وواحات الصحراء، وهضاب الصومال، وشلالات النيل العليا، يضاف إلى ذلك أن أمراء تلك الجهات تسابقوا في تأدية جزيتهم وهداياهم إليه، ويُعتبر هذا برهانًا ساطعًا وتذكارًا عظيمًا للعالم على نجاح نظمه وترتيباته الحديثة، وقد تجلت شخصية هذا الملك العظيم وشدة توقيعه للقَصَاص العادل في مشاحنات أمراء سورية، فطهَّر جو الشرق السياسي من المفاسد، ومن أجمل مآثر هذا الملك مسلتاه الأثريتان العظيمتان المنصوبتان على شاطئ المحيط الأطلسي.٩
وقد اعتُبرت هاتان المسلتان في بلادنا نحن الغربيين تذكارًا عظيمًا لأول بنَّاء للإمبراطوريات في تاريخ العالم.»١٠
وقال في وصف نتائج الروابط بين مصر والأقاليم الآسيوية: «يمتاز هذا العهد بكثرة رخائه وتقدُّم مدنيته، فقد زالت العوائق التي أوجدها الهكسوس بين مصر وآسيا، ومحا تحوتمس الثالث بحروبه أثرها من الوجود، فتيسر التعامل بين إفريقية وآسيا، وزالت الفوارق القديمة فلم يبقَ هناك ممالك صغيرة، بل أصبحت البلاد كلها الممتدة من منابع الفرات إلى أعالي النيل متحدة على تباين عناصرها ولغاتها، وأخذت تجارة شرقي البحر الأبيض المتوسط تتحول تدريجيًّا من إقليم الفرات وبابل إلى مصر، وبالأخص إقليم الدلتا الذي كثرت خيراته وتضاعفت روابطه التجارية، وكان هذا الإقليم الأخير منذ عدة قرون على اتصال بالبلاد الآسيوية بالقناة التي توصل البحر الأحمر بالنيل، فانحصرت تجارة العالم في الدلتا، وصارت أكبر أسواق العالم، وكانت آشور في هذا الوقت فتية، وانعدم من بابل نفوذها السياسي تمامًا في البلاد الغربية، فأصبحت سلطة فرعون على إمبراطوريته الشاسعة عظيمة مهيبة.»١١

(٨) خلفاء تحوتمس الثالث

(٨-١) أمنحوتب الثاني١٢

شقت الأقاليم الآسيوية عصا الطاعة على مصر بعد وفاة تحوتمس الثالث، فانبرى لها ابنه أمنحوتب الثاني، وقد أنشأه أبوه النشأة العسكرية وغرس فيه الشجاعة والفروسية، ودربه على ضروب القتال، وكان ملكًا قويًّا نافذ البصيرة ماضي العزيمة، وقاد الجيش المصري بنفسه كما كان يفعل أبوه وأخمد العصيان.

وتُوفِّي سنة ١٤٢٠ قبل الميلاد، بعد أن حكم حوالي ٢٦ سنة.

(٨-٢) تحوتمس الرابع

هو حفيد تحوتمس الثالث، وقد ذهب على رأس جيشه إلى سورية والفرات لقمع الفتن والثورات، وكان آخر ملوك مصر المحاربين من الأسرة الثامنة عشرة.

وعقد معاهدة صداقة مع «ميثاني» ثم مع «بابل»، وتزوج من ابنة ملك ميثاني؛ ليؤكد الصداقة بين البلدين، ويفتح بين دول الشرق عهدًا جديدًا من الصلات الودية والمصاهرة والتحالف.

ومن أعماله أنه أتم إقامة المسلة التي تركَها جدُّه تحوتمس الثالث بمدخل الكرنك الجنوبي. وارتفاع هذه المسلة الشاهقة مائة وخمسة أقدام، وهي أكبر مسلة باقية إلى الآن.

وقد نُقلت إلى إيطاليا، حيث لا تزال منصوبة بروما.

(٨-٣) أمنحوتب الثالث١٣

هو ابن تحوتمس الرابع من زوجته الميثانية.

وفي عهده تنافست بابل وآشور وميثاني وقبرص في اكتساب صداقة مصر، ويُعتبر هذا أول مظهر سياسي دولي في تاريخ الممالك المعروفة وقتئذٍ.

وقد سمَّى «موريه» النظام الذي أنشأه ملوك الأسرة الثامنة عشرة في البلاد الآسيوية نظام حماية مقرونًا بالاتجاهات الحرة والرفق بالأهلين.

قال في هذا الصدد: «إن الإدارة المحلية لهذه البلاد كانت إدارة أهلية في معظم نواحيها، فالحاميات كانت أهلية مع بعض فئات من الضباط والموظفين المصريين، وهناك مفتشون لهم سلطات واسعة يعملون تحت رقابة الملك الشخصية، وهذا النظام قد أسميناه في العصر الحديث بالحماية، وقد اقتبسناه في القرن التاسع عشر، ومما يشرِّف المصريين أنهم طبقوه في آسيا القديمة مع ميل حقيقي للحرية وحكمة مؤكدة بالنظر لِما رُكِّب في طباع السوريين والكنعانيين من مجاناة للمرونة. فما أبعد الفارق بين هذه المعاملة التي تشرِّف أبناء وادي النيل، وبين الوسائل القاسية للملوك الآسيويين الذين عُرفوا بالمذابح والنهب وتشريد السكان تشريدًا جماعيًّا وإحلال الجند المستعمرين محلهم في البلاد المحتلة!»١٤
fig28
شكل ٦-٣: الملكة «تي» زوجة أمنحوتب الثالث.

تزوج أمنحوتب الثالث من فتاة مصرية من صميم الشعب تُدعى «تي».

كان أبوها كاهنًا، وأمها إحدى سيدات القصر المشرفة على الملابس.

وكانت «تي» في عهده لها النفوذ الكبير باعتبارها ملكة مصر، وكانت على جانب كبير من الذكاء والجمال، وكانت لها في نفسه منزلة كبيرة.

ومن دلائل حبه لها أن أمر بحفر بحيرة تلهو بها في قارب من خشب الأبنوس مصفح بالذهب بجوار قصرها، وبلغ طول هذه البحيرة نحو ١٨٠٠ متر وعرضها ٣٥٠ مترًا، وكان حفره لهذه البحيرة تلبيةً لرغبة عابرة لها.

ثم تزوج عليها من أخت دشراتا ملك ميثاني، وكان يُكثر من الزوجات والجواري.

على أن «تي» ظلت زوجته المفضَّلة، واستمرت على نفوذها وسيطرتها على الملك وعلى شئون الدولة.

وقد أرسل «دشراتا» ملك ميثاني إلى أمنحوتب الثالث (صهره) خطابًا يدلُّ على الود بينهما، ويدل على السذاجة في التفكير، وعلى أن مصر كانت مطموعًا في ثرواتها وخيراتها حتى ممن كانوا يرتبطون بها بصِلاتِ الودِّ والمصاهرة.

قال: «إلى أخي وصهري الذي يحبني وأحبه أمنحوتب الثالث الملك المعظم وفرعون مصر.

من دشراتا الملك العظيم أخيك وحميك الذي يحبك، أنا في صحة جيدة، لعلك أنت كذلك، وكذا منزلك وأختي وسائر زوجاتك وبناتك وعجلاتك وخيلك، وكبار رجالك وأرضك وكل ممتلكاتك، لعلكم جميعًا بخير. كان آباؤك قديمًا على أوفقِ وئامِ مع آبائي، لكنك قوَّيْت تلك الرابطة عما كانت عليه كثيرًا. حقيقةً كنت صديقًا حميمًا لوالدي، وتجاذبنا أطراف الصداقة معًا، لكنها الآن أشد مما كانت عشر مرات، لعل المعبودات تزيد من ودنا هذا على توالي الأيام، ولعل المعبودة «تشوب» (معبودة مملكة ميثاني) والمعبود آمون يحافظان على هذا الود كما هو الآن، لما حضر إليَّ رسول أخي المدعو «ماني» قائلًا إنك تخطب كريمتي لتكون ملكة على مصر، لم أتجاسر على تكدير قلب أخي، بل استمررت على أداء ما هو واجب نحو صداقتنا، وتنفيذًا لرغبتك يا أخي أرسلتها مع «ماني» الذي سُرَّ جدًّا برؤيتها، فإذا وصلت إلى أرضك يا أخي أتعشم أن المعبودة «عشتار» والمعبود آمون، يجعلانها محبوبة ومقبولة لديك. لقد أحضر لي رسولي «جيليا» خطابك يا أخي، ولما قرأته فرحت فرحًا جزيلًا حتى إنني قلت وقتئذٍ إذا فرضنا أن صداقتنا ذهبت، فإن هذه الرسالة ستجعلني أثابر على الود لك الآن، وكتبت لك يا أخي قائلًا: أما من جهتي فإننا سنكون أعزَّ أصدقاء وأوفى أخلاء، ثم سألتك يا أخي أن تقوي صداقتنا أكثر عشر مرات مما كانت عليه أيام آبائنا، ولقد طلبت منك يا أخي مقدارًا كبيرًا من الذهب قائلًا: أرسل لي يا أخي أكثر مما كان يرسل لوالدي من قبل، لقد كنت ترسل لوالدي كميات كبيرة من الذهب، أما الذي أرسلته فعبارة عن قرص من الذهب يظهر أنه مخلوط بنحاس؛ لذلك أرسل لي يا أخي كميات كبيرة من الذهب بلا حساب، وليكن مقداره أكثر من الذي كنت ترسله لوالدي؛ لأن الذهب في أرضك يا أخي كثير كالتراب.»١٥

فمملكة ميثاني في شمال العراق ربطتها بمصر روابط التحالف والود والمصاهرة، ولكن مملكة الحيثيين بالأناضول ناصبتها العداء، فاستنجد ملكها بمصر فأمده أمنحوتب الثالث بنجدة ساعدته، فحنق ملك خيتا (الحيثيين) على مصر وألب عليها عناصر الشغب في سورية.

وفي آخر عهده ظهرت بوادر الهجوم من جانب «الحيثيين» فلم يذهب إليهم على رأس جنده؛ ليرد هجومهم كما فعل تحوتمس الثالث وأمنحوتب الثاني وتحوتمس الرابع، بل اكتفى بإرسال جيش لمحاربتهم.

وكان أمنحوتب الثالث متراخيًا في شئون الدولة العليا، فتخلخل الحكم المصري في آسيا، وظهرت المؤامرات في سورية يدبرها أمير قادش وملك خيتا (الحيثيين).

ولم يكن ميالًا إلى الحرب والهيجاء، وركن إلى حياة الدعة والاستمتاع.

وتُوفِّي بعد أن حكم البلاد نحو ست وثلاثين سنة.

وبعد وفاته خلفه ابنه أمنحوتب الرابع (إخناتون) من زوجته «تي»، وكان قد اشترك في الملك مع أبيه أمنحوتب الثالث عدة سنين قبل وفاته.

١  قادش هي الواقعة على نهر العاصي (الأورونت) جنوبي بحيرة حمص (انظر الخريطة الملحقة شكل ٦-٢).
٢  من بلاد الرافدين (انظر موقعها على الخريطة الملحقة شكل ٦-٢).
٣  مكانها الآن عند مدينة القنطرة الحالية.
٤  انظر موقع مجدو على الخريطة شكل ٦-١.
٥  برستد: تاريخ مصر من أقدم العصور، المرجع السابق، ص١٩٠ و١٩٤.
٦  سليم حسن: مصر القديمة، ج٥، ص٤٠٥، وويجول: Weigall: History of the Pharaons.
٧  برستد: تاريخ مصر من أقدم العصور، المرجع السابق، ص١٩٦.
٨  كانت مملكة ميثاني تقع في شمال بلاد الرافدين، وفي الجنوب منها مملكة أشور تليها مملكة بابل.
٩  إحداهما الآن بلندن والثانية بنيويورك.
١٠  برستد: تاريخ مصر من أقدم العصور، المرجع السابق، ص٢١١.
١١  برستد: تاريخ مصر من أقدم العصور، المرجع السابق، ص٢١٣.
١٢  يسمى أيضًا أمينوفيس.
١٣  ويسمى أيضًا أمينوفيس.
١٤  موريه Moret: مصر الفرعونية L’Egypte Pharaonique، ص٣١٨.
١٥  برستد: تاريخ مصر من أقدم العصور، المرجع السابق، ص٢٢١.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤