المَرَاثي

(١) رثاء عثمان السيّد أباظه بك سنة ١٩٨٦م

رُدَّا كُئوسَكُما عن شِبْه مَفْؤودِ
فليس ذلك يومَ الرّاحِ والعُودِ
يا ساقِيَيَّ أراني قد سَكَنْتُ إلى
ماءِ المَدامِعِ عن ماءِ العَناقيدِ
وبِتُّ يَرتاحُ سَمْعي حين يَفْتُقُه
صَوْتُ النَّوادِبِ لا صَوْتُ الأغاريدِ
فأمْسِكا الرّاحَ إنِّي لا أُخامِرُها
وبَلِّغا الغِيدَ عنِّي سَلْوَةَ الغِيدِ
ثمّ أمضِيا ودَعاني إنّني رَجُلٌ
قد آل أمْري إلى هَمٍّ وتَسْهيدِ
أبَعْدَ (عُثْمانَ) أبْغي مأْرَبًا حَسَنًا
مِنَ الحياةِ وحَظًّا غَيْرَ مَنْكودِ؟
إنِّي ليَحْزُنُني أنْ جاء يَنْشُدُه
داعي المَنونِ وأنِّي غيرُ مَنْشودِ
أمْسَتْ تُنافِسُ فيك الشُّهْبَ من شَرَف
أرْضٌ تَوَارَيْتَ فيها يا فتى الجُودِ
لو لم تَكُنْ سَبَقَتْكَ الأنْبياءُ لها
قُلْنا بأنّك فيها خيرُ مَلْحُودِ
ووَدَّت الرِّيحُ لو كانت مُسَخَّرَةً
لحَمْلِ نَعْشِكَ عن هامِ الأماجيدِ
والشمسُ لو أنّها من أفقِها هَبَطَتْ
وآثَرَتْ مَعْكَ سُكْنَى القَفْرِ والبيدِ
وقد تَمَنَّى الضُّحى لو أنّهم دَرَجُوا
هذا الفَقيدَ بثَوْبٍ منه مَقْدودِ
يا راحِلاً أكبَرَتْكَ الحادِثاتُ وما
أكْبَرْتَها عند تَلْيينٍ وتَشديدِ
أبْكَيْتَ حتّى العُلا والمَكْرُماتِ وما
جَفَّتْ عليكَ مآقي الحُرَّدِ الخُودِ
وباتَ آلُكَ والأصحابُ كلُّهُمُ
عليكَ ما بَيْنَ مَحْزونٍ ومَعْمودِ
يَبكونَ فَقْدَ امرئٍ للخَيرْ مُنْتَسِبٍ
بالبِشْرِ مُنْتَقبٍ في النّاس مَحْمُودِ
(بَنيْ أباظة) لا زالت دِيارُكُمُ
أفْقَ البُدورِ وغابًا للصَّنادِيدِ
لا قَدَّرَ اللهُ بعد اليوم تَعْرِيَةً
إلاّ هَناءً على عِزٍّ وتَخْليدِ
وعَظَّمَ اللهُ في (عُثمانَ) أجْرَكُمُ
في رَحْمَةِ اللهِ أمْسى خَيْرَ مَغْمودِ

(٢) رثاء سليمان أباظه باشا (قيلت في سنة ١٨٩٧م)

أيُّهذا الثَّرَى إلامَ التَّمادي
بَعْدَ هذا أأنْتَ غَرْثانُ صادي
أنتَ تَرْوَى من مَدْمَعٍ كلَّ يومٍ
وتُغَذَّى من هذه الأجْسادِ
قد جَعَلْتَ الأنامَ زادَكَ في الدَّهْـ
ـرِ وقد آذَنَ الوَرى بالنِّفادِ
فالتَمِسْ بعدَه المَجَرَّةَ وِرْدًا
وتَزَوَّدْ من النُّجومِ بزَادِ
لستُ أدْعوكَ بالتُّراب ولكنْ
بقُدودِ المِلاحِ والأجْيادِ
بخدودِ الحِسانِ، بالأعْيُنِ النُّجْـ
ـلِ، بتِلْكَ القُلوبِ والأكْبادِ
لم تَلِدنا (حَوّاءُ) إلا لنَشْقى
لَيْتَها عاطِلٌ من الأوْلادِ
أسْلَمَتْنا على صُروف زمانٍ
ثمّ لم تُوصِها بحِفْظِ الوِدادِ
أيُّها اليَمُّ كَمْ بقاعِكَ نَفْسٍ
فيكَ أوْدَتْ من عَهْدِ ذي الأوْتادِ
قد تَحالَفْتَ والتُّرابَ عليْنا
وتَقاسَمْتُما فَناءَ العِبادِ
خَبِّرينا جُهَيْنَ لا تَكْذِبينا
ما الّذي يَفْعَلُ البِلى بالجَوادِ؟
كيف أمْسَى وكيفَ أصْبَح فيه
ذلكَ المُنْعِمُ الكثيرُ الرَّمادِ
رَحِمَ اللهُ منه لَفْظًا شَهيًّا
كان أحْلى من رَدِّ كَيْدِ الأعادي
رَحِمَ اللهُ منه طَرْفًا تَقيًّا
ويمينًا تَسيلُ سَيْلَ الغَوادي
رحِمَ اللهُ منه شَهْمًا وفيًّا
كان مِلْءَ العُيون في كلِّ نادي
ألْهَمَ اللهُ فيكَ صَبْرًا جَميلاً
كلَّ مَنْ باتَ ناطقًا بالضّادِ
بِتَّ في حُلَّة النَّعيمِ وبِتْنا
في ثيابٍ من الأسى والسُّهاد
وسَكَنْتَ القُصورَ في بيتِ خُلْدٍ
وسَكنّا عليكَ بَيَْت الحِداد

وقال يرثيه أيضًا:

لا والأسى وتَلَهُّبِ الأحشاءِ
ما باتَ بعْدَكَ مُعْجَبُ فوَفاءِ
أنَّي حَلَلْتُ أرى عليكَ مآتِمًا
فلِمَنْ أوَجِّهُ فيكَ حُسْنَ عَزائي؟
لبَنيكَ، أم لذَويكَ، أم للكَوْنِ، أمْ
للدَّهر، أمْ لجماعة الجَوْزاءِ؟
أوْدَى (سُلَيْمانُ) فأوْدَى بعْدَه
حُسْنُ الوَفاءِ وبَهْجَةُ العَلْياءِ
لا تَحْمِلوه على الرِّقابِ فقد كَفَى
ما حَمِّلَتْ من مِنّةٍ وعَطاءِ
وذَروا على نَهْرِ المَدامِع نَعْشَه
يَسري به للرَّوْضَةِ الفيْحاءِ
تاللهِ لو عَلِمَتْ به أعْوادُه
مُذْ لامَسَتْه لأوْرَقَتْ للرّائي
خُلُقٌ كضوْء البدْرِ، أو كالرَّوْضِ، أو
كالزَّهْر، أو كالخَمْر، أو كالماءِ
وشمائلٌ لو مازَجَتْ طَبعَ الدُّجى
ما باتَ يَشكوه المُحبُّ النائي
ومَحامِدٌ نَسَجَتْ له أكْفانَه
من عِفّةٍ، وسَماحةٍ، وإباءِ
ومَناقبٌ لولا المَهابةُ والتُّقى
قُلنا مناقِبُ صاحبِ الإسراءِ
وعزائمٌ كانت تَفُلُّ عزائمَ الـ
ـأحْداثِ، والأيّامِ، والأعْداءِ
عَطَّلْتَ فنَّ الشِّعْر بعْدَكَ وانطَوى
أجَلُ القريضِ ومَوْسِمُ الشُّعراءِ
واللُّلُؤ استَعْصى علينا نَظْمُه
بسُموطِ مَدْحٍ أو سُموطِ هَناءِ
إلا على طَرْفٍ بَكاكَ وشاعِرٍ
أحْيا عليكَ مَراثيَ الخَنْساءِ
شَوَّقْتَنا للتُّرْبِ بَعْدَكَ واشتَهَى
فيه الإقامةَ واحِدُ العَذْراءِ
ثَبِّتْ فؤادَكَ يا قليلَ تَصَبُّري
واشرحْ (لآلِ أباظَةٍ) بُرَحائي
في جَنَّةِ الفِردَوْسِ باتَ عَزيزُهُمْ
ضَيْفًا بساحَةِ أكرَمِ الكُرَماءِ

(٣) رثاء الملكة فكتوريا (نشرت في ٢٤ يناير سنة ١٩٠١م)

أُعَزِّي القَوْمَ لوْ سَمِعوا عَزائي
وأعْلِنُ في مَليكَتِهِمْ رِثائي
وأدْعو الإنجليزَ إلى الرِّضاء
بحُكْمِ اللهِ جَبّارِ السَّماءِ
فكُلُّ العالَمين إلى فَناءِ
أشَمْسُ المُلْكِ أمْ شَمْسُ النَّهارِ
هَوَتْ أمْ تلك مالِكَةُ البِحارِ
فطرْفُ الغَرْبِ بالعَبَراتِ جاري
وعَيْنُ اليَمِّ تَنْظُر للبُخار
بنَظْرَةِ واجِدٍ قَلِقِ الرَّجاءِ
أمالِكَةَ البِحارِ ولا أُبالي
إذا قالوا تَغَالَى في المَقالِ
فمِثْل عُلاكِ لم أرَ في المَعالي
ولا تاجًا كتاجِكِ في الجَلالِ
ولا قَوْمًا كقَوْمِكِ في الدَّهاءِ
مَلأتِ الأرْضَ أعْلامًا وجُنْدا
وشِدْتِ لأمّةِ (السَّكُسُونِ) مَجْدا
وكنتِ لِفأْلِها يُمْنًا وسَعْدَا
تَرَى في نورِ وَجْهِكِ إنْ تَبَدَّى
سُعودَ البَدْر في بُرْجِ الهَناءِ
وكنتِ إذا عَمَدْت لأخْذِ ثارِ
أسَلْتِ البَرَّ بالأسْدِ الضَّواري
وسَيَّرْتِ المَدائنَ في البحارِ
وأمْطَرْتِ العَدُوَّ شُِواظَ نارِ
وذرَّيْتِ المَعاقِلَ في الهَواءِ
أُعزِّي فيك تاجَكِ والسَّريرَا
أُعزِّي فيك ذا المَلِكَ الكَبيرَا
أُعزِّي فيك ذا الأسَدَ الهَصُورا
على العَلَم الّذي مَلَكَ الدُّهورَا
وظَلَّلَ تحتَه أهْلَ الوَلاءِ
أُعَزِّي فيكِ أبْطالَ النِّزالِ
ومَنْ قاسُوا الشَّدائِدَ في القِتالِ
وألْقَوا بالعَدُوِّ إلى الوَبالِ
ولم يَمنَعْهُمُ فوقَ الجِبالِ
لَهيبُ الصَّيْفِ أو قُرُّ الشِّتاءِ

(٤) بيتان كُتبا على قبر السيّد عبد الرحمن الكواكبي (في سنة ١٩٠٢)

هُنا رَجُلُ الدُّنيا، هنا مَهْبِط التُّقى
هُنا خَيْرُ مَظلومٍ، هُنا خَيْرُ كاتِبِ
قِفوا واقرَءوا أُمَّ الكِتابِ وسَلِّموا
عليه فهذا القَبْرُ قبْرُ (الكَواكِبي)

(٥) رثاء محمود سامي البارودي باشا (نشرت في ٢٢ يناير سنة ١٩٠٥م)

رُدُّوا عليَّ بياني بَعْدَ (محمودِ)
إنِّي عَيِيتُ وأعْيا الشِّعْرُ مجهودي
ما للبلاغةِ غَضْبى لا تُطاوِعُني
وما لِحَبْلِ القوافي غيرَ مَمْدودِ؟
ظَنَّتْ سُكوتِيَ صَفْحًا عن مَوَدَّتِه
فأسْلَمَتْني إلى هَمٍّ وتَسهيدِ
ولو دَرَتْ أنّ هذا الخَطْبَ أفْحَمَني
لأطْلَقَتْ مِنْ لساني كلَّ مَعْقودِ
لبَّيْكَ يا مُؤْنِسَ المَوْتى ومُوحِشَنا
يا فارِسَ الشِّعْرِ والهَيْجاءِ والجُودِ
مُلْكُ القلوبِ — وأنتَ المُسْتَقِلُّ به —
أبْقَى على الدَّهْرِ من مُلْكِ (ابنِ داوُدِ)
لقد نَزَحْتَ عن الدُّنيا كما نَزَحَتْ
عنها لَياليكَ مِنْ بيضٍ ومِنْ سُودِ
أغْمَضْتَ عَيْنَيْكَ عنها وازْدَرَيْتَ بها
قبلَ المَماتِ ولم تَحْفِل بمَوْجُودِ
لَبَّيْكَ يا شاعِرًا ضَنَّ الزَّمانُ به
على النُّهَى والقوافي والأناشيدِ
تَجري السَّلاسَةُ في أثناء مَنْطِقِه
تحت الفصاحَةِ جَرْيَ الماءِ في العُودِ
في كلِّ بَيْتٍ له ماءُ يَرِفُّ به
تَغارُ من ذِكْرِه ماءُ العَناقيدِ
لو حَنَّطوكَ بشِعْرٍ أنت قائله
غَنِيتَ عن نَفَحاتِ المِسْكِ والعُودِ
حَلَّيْتَه بعد أن هَذَّبْتَه بِسَنَا
عِقْدٍ بمَدْحِ رَسولِ اللهِ مَنْضودِ
كفاكَ زادًا وزَيْنًا أن تَسيرَ إلى
يومِ الحسابِ وذاكَ العِقْدُ في الجِيدِ
لبَّيْكَ يا خيرَ مَنْ هَزَّ اليراعَ، ومَنْ
هَزَّ الحُسامَ، ومَنْ لَبَّى، ومَنْ نُودي
إنْ هُدَّ رُكْنُكَ مَنْكوبًا فقد رَفَعَتْ
لك الفضيلةُ رُكْنًا غيرَ مَهْدودِ
إنّ المَناصِبَ في عَزْلٍ وتَوْلِيَةٍ
غيرُ المَواهِبِ في ذِكْرٍ وتَخْليدِ
أكْرِمْ بها زَلَّةً في العُمْر واحِدةً
إنْ صَحَّ أنّك فيها غيرُ مَحْمودِ
سَلوا الحِجا هَل قَضَتْ أرْبابُه وَطَرًا
دونَ المَقاديرِ أو فازَتْ بمَقْصودِ
كنتَ الوزيرَ وكنتَ المُسْتَعانَ به
وكان هَمُّكَ هَمَّ القادةِ الصِّيدِ
كم وَقْفَةٍ لك والأبطالُ طائرةٌ
والحَرْبُ تَضرِبُ صِنْديدًا بصِنْديدِ
تَقول للنفسِ إنْ جاشَتْ إليكَ بها
هذا مَجالُكِ سُودي فيه أو بِيدي
نَسَخْتَ (يومَ كَريدٍ) كلَّ ما نَقَلوا
في يومٍ (ذي قارَ) عن (هاني بن مَسْعودِ)
نَظَمْتَ أعْداكَ في سِلْكِ الفناءِ به
على رَوِيٍّ ولكنْ غيرُ مَعْهُودِ
كأنّهمْ كَلِمٌ والمَوْتُ قافيَةٌ
يَرمي به عربيٌّ غيرُ رِعْديدِ
أوْدَى (المَعَرِّي) تَقيُّ الشِّعْرِ مُؤْمِنُه
فكادَ صَرْحُ المَعالي بَعْدَه يُودي
وأوْحَشَ الشَّرْقُ من فَضْلٍ ومن أدَبٍ
وأقْفَرَ الرُّوْضُ من شَدْوٍ وتَغْريدِ
وأصبَحَ الشِّعْرُ والأسماعُ تَنْبِذُه
كأنّه دَسَمٌ في جَوْفِ مَمْعُودِ
ألْوَى به الضَّعْفُ واستَرْخَتْ أعِنَّتُهُ
فراحَ يَعْثُرُ في حَشْوٍ وتَعْقيدِ
وأنْكرتْ نَسماتُ الشَّوْقِ مَرْبَعَه
تُثيرُها خَطَراتُ الخُرَّدِ الخُودِ
لو أنْصَفوا أوْدَعوه جَوْفَ لؤلُؤةٍ
مِنْ كَنْز حِكْمَتِهِ لا جَوْفَ أُخْدودِ
وكَفَّنوه بدَرْجٍ من صَحائِفِه
أو واضِحٍ مِنْ قميصِ الصُّبْحِ مَقْدودِ
وأنْزَلوه بأُفْقٍ من مَطالعِهِ
فوقَ الكواكبِ لا تحتَ الجَلاميدِ
وناشَدوا الشَّمْسَ أن تَنْعَى محاسِنَه
للشَّرق والغَرْب والأمْصار والبِيدِ
أقولُ للمَلإ الغادي بمَوْكِبه
والناسُ ما بَيْنَ مَكْبودٍ ومَفْؤودِ
غُضُّوا العُيونَ فإنّ الرُّوحَ يَصْحَبُكُمْ
مع المَلائِكِ تكريمًا (لَمحمودِ)
يا ويْحَ للقَبْرِ قد أخْفى سَنَا قَمَرٍ
مُقَسَّمِ الوَجْهِ مَحْسودِ التَّجاليدِ
يا وَيْحَهُ حَلَّ فيه ذو قريحَتُه
لها بخِدْرِ المَعالي ألْفُ مَوْلودِ
فرائدٌ خُرَّدٌ لو شاءَ أوْدَعَها
مُحْصي الجديدِ سجِلاتِ المَواليدِ
كأنّها وهي بالألفاظِ كاسِيَةٌ
وحُسْنُها بينَ مشْهودٍ ومَحْسودِ
لآلئٌ خَلْفَ بَلُّورٍ قد اتَّسَقَتْ
في بَيْتِ دُهقانَ تَسْتَهوي نُهَى الغِيد
(مَحْمُودُ) إنِّي لأسْتَحْييكَ في كَلِمي
حَيًّا ومَيْتًا وإنْ أبْدَعْتُ تقْصيدي
فاعذِرْ قريضيَ واعْذِرْ فيكَ قائِلَه
كِلاهُما بيْنَ مَضْعُوفٍ ومَحْدُودِ

(٦) رثاء الأستاذ الإمام الشيخ محمّد عبده (نشرت في ٢٢ أغسطس سنة ١٩٠٥م)

سَلامٌ على الإسلامِ بعْدَ مَحَمّدٍ
سَلامٌ على أيّامِه النَّضِراتِ
على الدِّين والدُّنيا، على العِلْمِ والحِجا
على البرِّ والتَّقوى، على الحَسَناتِ
لقد كنتُ أخْشى عادِيَ المَوْتِ قَبْلَه
فأصْبَحْتُ أخْشى أن تَطولَ حياتي
فوا لَهفي — والقَبْرُ بيْني وبيْنَه —
على نَظْرَةٍ من تِلْكُمُ النَّظَراتِ
وَقَفْتُ عليه حاسِرَ الرَّأسِ خاشِعًا
كأنِّي حيالَ القبرِ في عَرَفاتِ
لقد جهِلوا قَدْرَ الإمامِ فأوْدَعوا
تجاليدَه في مُوحِشٍ بفَلاةِ
ولو ضَرَحُوا بالمَسْجدَيْنِ لأنْزَلوا
بخَيْرِ بقاعِ الأرْضِ خَيْرَ رُفاتِ
تَباركْتَ هذا الدِّينُ دِينُ مُحَمِّدٍ
أيُتْرَكُ في الدُّنيا بغَيْرِ حُماةِ؟
تَبارَكْتَ هذا عالِمُ الشَّرقِ قد قَضَى
ولانَتْ قَناةُ الدِّينِ للغَمَزاتِ
زَرَعْتَ لنا زَرْعًا فأخْرَجَ شَطْأهُ
وبِنْتَ ولمّا نَجْتَنِ الثَّمَراتِ
فواهًا له ألاَّ يُصيبَ مُوَفَّقًا
يُشارِفُه والأرضُ غيرُ مَواتِ
مَدَدْنا إلى الأعْلامِ بعْدَكَ راحَنا
فرُدَّتْ إلى أعطافِنا صَفِراتِ
وجالَت بنا تَبغي سِواكَ عُيونُنا
فعُدْنَ وآثَرْنَ العَمَى شَرِقاتِ
وآذَوْكَ في ذاتِ الإلهِ وأنْكَروا
مَكانَكَ حتّى سَوَّدوا الصَّفحاتِ
رأيتَ الأذَى في جانِب اللهِ لَذَّةً
ورُحْتَ ولم تَهْمُمْ له بشَكاةِ
لقد كنتَ فيهمْ كوكبًا في غَياهِبٍ
ومَعْرِفةً في أنْفُسٍ نَكِراتِ
أبَنْتَ لنا التَّنْزيلَ حُكْمًا وحِكمةً
وفَرَّقْتَ بين النُّورِ والظُّلُماتِ
ووَفَّقْتَ بين الدِّين والعِلْمِ والحِجا
فأطْلَعْتَ نورًا من ثلاثِ جِهاتِ
وَقَفْتَ (لِهانُوتُو) و(رِينانَ) وَقْفَةً
أمَدَّكَ فيها الرُّوحَ بالنَّفَحاتِ
وخِفْتَ مَقامَ اللهِ في كلِّ مَوْقِفٍ
فخافَكَ أهْلُ الشَّكِّ والنِّزَعاتِ
وكم لكَ في إغْفاءةِ الفجْرِ يَقْظةٍ
نَفَضْتَ عليها لَذَّةَ الهَجَعاتِ
ووَلَّيْتَ شَطْرَ البَيْتِ وَجْهَكَ خالِيا
تُناجي إله البَيْتِ في الخَلَواتِ
وكم ليلةٍ عانَدْتَ في جَوْفِها الكَرَى
ونَبَّهْتَ فيها صادِقَ العَزَمات
وأرْصَدْتَ للباغي على دِينِ أحْمَدٍ
شَباةَ يَراعٍ ساحِرِ النَّفَثَاتِ
إذا مسَّ خَدَّ الطِّرْسِ فاضَ جَبينُه
بأسْطارِ نُورٍ باهِرِ اللَّمَعاتِ
كأنّ قرارَ الكَهْرَباء بشِقِّه
يُريكَ سَناهُ أيْسَرُ اللَّمَساتِ
فيا سَنَةً مَرَّتْ بأعْوادِ نَعْشِه
لأنْتِ علينا أشْأَمُ السَّنواتِ
حَطَمْتِ لنا سَيْفًا، وعَطَّلْتِ مِنْبَرًا
وأذْوَيْتِ رَوْضًا ناضِرَ الزَّهَراتِ
وأطْفأْتِ نِبْراسًا وأشْعَلْتِ أنْفُسا
على جَمَراتِ الحُزْنِ مُنْطَوِياتِ
رَأَى في لياليكِ المُنَجِّمُ ما رَأى
فأنْذَرَنا بالوَيْلِ والعَثَراتِ
ونَبَّأَهُ عِلْمُ النُّجومِ بحادِثٍ
تَبيتُ له الأبْراجُ مُضْطَرِباتِ
رَمَى السَّرَطانُ اللَّيْثَ واللَّيْثُ خادِرٌ
ورُبَّ ضعيفٍ نافِذ الرَّمَياتِ
فأوْدَى به خَتْلاً فمالَ إلى الثرى
ومالَتْ له الأجْرامُ مُنْحَرِفاتِ
وشاعَتْ تَعازي الشُهْبِ باللَّمْحِ بَيْنَها
عن النَّيِّر الهاوي إلى الفَلَواتِ
مَشَى نَعْشُه يَخْتالُ عُجْبًا برَبِّه
ويَخْطِرُ بين اللَّمسِ والقُبُلاتِ
تَكادُ الدُّموعُ الجارِياتُ تُقِلُّه
وتَدْفَعُه الأنْفاسُ مُسْتَعِراتِ
بَكَى الشَّرْقُ فارتَجَّت له الأرْضُ رَجَّةً
وضاقَتْ عُيونُ الكَوْنِ بالعَبَراتِ
ففي الهنْدِ مَحْزونٌ وفي الصِّينِ جازعٌ
وفي (مِصْرَ) باكٍ دائمُ الحَسَراتِ
وفي الشَّأْمِ مَفْجوعٌ، وفي الفُرْس نادِبٌ
وفي تُونُسٍ ما شِئْتَ من زَفَراتِ
بَكَى عالَمُ الإسلامِ عالِمَ عَصْرِه
سِراجَ الدَّياجي هادِمَ الشُّبُهاتِ
مَلاذَ عَيايِلٍ ثِمالَ أرامِلٍ
غِياثَ ذوي عُدْمٍ إمامَ هُداةِ
فلا تَنْصِبوا للناس تِمثالَ (عَبْدِه)
وإن كان ذِكْرى حِكْمَةٍ وثَباتِ
فإنِّي لأخْشى أنْ يَضِلُّوا فيُومِئوا
إلى نورِ هذا الوَجْه بالسَّجَداتِ
فيا وَيْحَ للشُّورى إذا جَدَّ جِدُّها
وطاشَتْ بها الآراءُ مُشْتَجِراتِ
ويا وَيْحَ للفُتْيا إذا قيلَ مَنْ لها؟
ويا وَيْحَ للخَيْراتِ والصَّدَقاتِ
بَكَيْنا على فرْدٍ وإنّ بُكاءَنا
على أنفُسٍ للهِ مُنْقَطِعاتِ
تَعَهَّدَها فَضْلُ الإمامِ وحاطَها
بإحْسانِه والدَّهرُ غيرُ مُواتي
فيا مَنْزِلاً في (عَيْنِ شمْسٍ) أظَلَّني
وأرْغَمَ حُسَّادي وغَمَّ عُداتي
دعائِمُه التَّقْوى وآساسُه الهُدى
وفيه الأيادي مَوْضِعُ اللَّبِناتِ
عليكَ سلامُ اللهِ، ما لَكَ مُوحِشًا
عَبُوسَ المغاني مُقْفِرَ العَرَصاتِ؟!
لقد كنتَ مَقْصودَ الجوانب آهِلاً
تَطوف بكَ الآمالُ مُبْتَهِلاتِ
مَشابةَ أرْزاقٍ، ومَهْبِطَ حِكْمَةٍ
ومَطْلَعَ أنْوارٍ، وكَنْزَ عِظاتِ

(٧) رثاء مصطفى كامل باشا (نشرت في ١٢ فبراير سنة١٩٠٨)

أيا قَبْرُ هذا الضَّيْفُ آمالُ أمّةٍ
فكَبِّرْ وهَلِّلْ والْقَ ضَيْفَكَ جاثِيَا
عَزيزٌ علينا أنْ نَرَى فيكَ (مُصطَفَى)
شهيدَ العُلا في زَهْرَةِ العُمْرِ ذاوِيا
أيا قَبرُ لو أنّا فَقَدْناهُ وَحْدَه
لكانَ التأَسِّي مِنْ جَوَى الحُزْنِ شافِيا
ولكنْ فَقَدْنا كلّ شيءٍ بفَقْدِه
وهَيهات أنْ يأتي به الدَّهْر ثانيا
فيا سائلي أيْنَ المُروءَةُ والوَفا
وأينَ الحِجا والرَّأيُ؟ وَيْحَكَ هاهِيا
هنيئًا لهمْ فليَأْمَنُوا كلَّ صائحٍ
فقد أُسْكِتَ الصَّوْتُ الذي كان عَالِيا
وماتَ الّذي أحْيا الشُّعورَ وساقَه
إلى المَجْد فاستَحْيا النُّفوسَ البَوالِيا
مَدَحْتُكَ لمّا كُنْتَ حَيًّا فلم أُجِدْ
وإنِّي أُجيدُ اليومَ فيكَ المَراثيا
عليكَ، وإلاّ ما لِذا الحُزْنِ شامِلاً
وفيكَ، وإلا ما لِذا الشَّعْبِ باكِيا
يَموتُ المُداوي للنُّفوسِ ولا يَرَى
لِما فيه من داء النُّفوس مُداوِيا
وكنّا نِيامًا حينَما كنتَ ساهِدًا
فأسْهَدْتَنا حُزْنًا وأمْسَيْتَ غافِيا
شَهيدَ العُلا، لا زال صَوْتُك بَيْنَنَا
يَرِنُّ كما قد كان بالأمْسِ داوِيَا
يُهيبُ بنا: هذا بناءٌ أقَمْتُه
فلا تَهْدِموا باللهِ ما كُنْتُ بانِيا
يَصيحُ بنا: لا تُشْعِروا الناسَ أنّني
قَضَيْتُ وأنّ الحَيَّ قد باتَ خالِيا
يُناشِدُنا باللهِ ألا تَفَرَّقوا
وكونوا رِجالاً لا تَسُرُّوا الأعادِيا
فرُوحيَ من هذا المَقامِ مُطِلَّةٌ
تُشارِفُكُمْ عنَِّي وإنْ كنتُ بالِيا
فلا تَحزُنوها بالخِلافِ فإنّني
أخافُ عليكمْ في الخِلاف الدَّواهيا
أجَلْ، أيُّها الداعي إلى الخَيْر إنّنا
على العَهْدِ ما دُمْنا فنَمْ أنتَ هانِيا
بناؤُكَ مَحْفُوظٌ، وطَيْفُكَ ماثِلٌ
وصَوْتُكَ مَسْموعٌ، وإن كنتَ نائِيا
عَهِدْناكَ لا تَبْكي وتُنْكِر أنْ يُرى
أخُو البأْس في بعض المَواطِنِ باكِيا
فَرَخِّص لنا اليومَ البُكاء وفي غَدٍ
تَرانا كما تَهْوى جِبالاً رَواسِيا
فيا نِيلُ إن لم تَجْرِ بعْدَ وَفاته
دمًا أحْمَرًا لا كنتَ يا نِيلُ جارِيا
ويا (مِصْرُ) إنْ لم تَحْفَظي ذِكْرَ عَهْدِه
إلى الحَشْرِ لا زالَ انحِلالُكِ باقِيا
ويأهْلَ (مِصْرٍ) إنْ جَهِلْتُمْ مُصابَكُمْ
ثِقوا أنْ نَجْمَ السَّعْدِ قد غارَ هاوِيا
ثلاثون عامًا بل ثلاثون دُرَّةً
بجيدِ اللَّيالي ساطِعاتٍ زَواهيا
ستَشْهَدُ في التاريخ أنّكَ لم تَكُنْ
فتًى مُفْرَدًا بل كنتَ جَيْشًا مُغازيا

(٨) رثاء مصطفى كامل باشا أيضًا

أنشدها في حفل الأربعين في ٢٠ مارس سنة ١٩٠٨م

نَثَروا عليْكَ نواديَ الأزْهارِ
وأتَيْتُ أنْثُرُ بينهمْ أشعاري
زَيْنَ الشَّبابِ وزَيْنَ طُلاّبِ العُلا
هل أنتَ بالمُهَجِ الحزينَةِ داري؟
غادَرْتَنا والحادثاتُ بمَرْصَدٍ
والعيْشُ عَيْشُ مَذَلّةٍ وإسارِ
ما كان أحْوَجَنا إليكَ إذا عَدَا
عادٍ وصاحَ الصائحون: بَدَارِ
أيْنَ الخَطيبُ وأيْنَ خَلاّبُ النُّهى؟
طالَ انتِظارُ السَّمْعِ والأبْصارِ
باللهِ ما لَكَ لا تُجيبُ مُنادِيًا
ماذا أصابَكَ يا أبا المِغْوارِ
قُمْ وامْحُ ما حَطَّتْ يمينُ (كُرومَرٍ)
جَهْلاً بدِينِ الواحِدِ القَهّارِ
قد كُنْتَ تَغْضَبُ للكِنانَةِ كلَّما
هَمستْ وَهَمَّ رَجاؤها بعِثارِ
غَضَبَ التَّقيِّ لرَبِّه وكِتابه
أو غَضْبَةَ (الفاروقِ للمُخْتارِ)
قد ضاق جِسْمُكَ عن مَداكَ فلم يُطِقْ
صَبْرًا عليكَ وأنتَ شُعْلَةُ نارِ
أوْدَى به ذاك الجهادُ وهَدَّه
عَزْمٌ يَهُدُّ جَلائِلَ الأخْطارِ
لَعِبَتْ يمينكَ باليَراعِ فأعْجَزَتْ
لَعِبَ الفوارِسِ بالقَنا الخطّارِ
وجَرَيْتَ للعَلْياءِ تَبْغي شَأوَها
فجَرَى القضاءُ وأنتَ في المِضْمارِ
أوَ كلَّما هَزَّ الرَّجاءُ مُهَنَّدًا
بَدَرَتْ إليه غَوائلُ الأقْدارِ
عَزَّ القَرارُ عَلَيَّ ليلةَ نَعْيِه
وشَهِدْتُ موْكِبَه فقَرَّ قراري
وتَسابَقَتْ فيه النُّعاةُ فطائِرٌ
بالكَهْرباءِ، وطائِرٌ ببُخارِ
شاهَدْتُ يومَ الحَشْر يومَ وَفاته
وعَلِمْتُ منه مَراتبَ الأقْدارِ
ورأيتُ كيفَ تَفي الشُّعوبُ رِجالها
حَقَّ الولاءِ وواجِبَ الإكْبارِ
تِسعون ألفًا حَوْلَ نعشِكَ خُشَّعٌ
يَمْشون تحت (لِوائِكَ) السَّيّارِ
خَطُّوا بأدْمُعِهِمْ على وَجْهِ الثَّرَى
للحُزْنِ أسْطارًا على أسطارِ
آنْا يُوالون الضجيجَ كأنّهمْ
رَكْبُ الحَجيجِ بكَعْبَةِ الزُّوّارِ
وتَخالُهُمْ آنًا لفَرْطِ خُشوعِهِمْ
عند المُصَلَّى يُنْصِتونَ لقاري
غَلَبَ الخُشوعُ عليهمُ فدُموعُهُمْ
تَجري بلا كَلَحٍ ولا استِنْثارِ
قد كنتُ تحتَ دُموعِهمْ وزَفيرِهِمْ
ما بينَ سَيلٍ دافِقٍ وشَرارِ
أسْعى فيأخُذُني اللَّهيبُ فأنْثَني
فيَصُدُّني مُتدفِّقُ التَّيّارِ
لو لم ألُذْ بالنَّعْش أو بظلاله
لقَضَيْتُ بين مراجِلٍ وبِحارِ
كم ذاتِ خِدْرٍ يومَ طافَ بك الرَّدى
هَتَكَتْ عليكَ حرائرَ الأستارِ
سَفَرَتْ تُوَدِّعُ أمّةً محْمُولَةً
في النَّعْشِ لا خَبَرًا من الأخبارِ
أمِنَتْ عُيونَ النّاظِرين فمَزَّقَتْ
وَجهَ الخِمارِ فلمْ تَلُذْ بخمارِ
قد قام ما بيْن العُيونِ وبَيْنَها
سِتْرٌ من الأحْزانِ والأكْدارِ
أدْرِجْتَ في العَلَمِ الّذي أصْفَيْتَه
منكَ الوِدادَ فكان خيرَ شِعارِ
عَلَمان من فوق الرءوسِ كلاهُما
في طَيِّه سِرٌّ من الأسرارِ
ناداهُما داعي الفِراق فأمْسَيا
يَتعانَقان على شفيرٍ هارِي
تاللهِ ما جَزعَ المُحِبُّ ولا بَكَى
لِنَوًى مُرَوِّعَةٍ وبُعْدِ مَزارِ
جَزَعَ (الهِلالِ) عليكَ يومَ تَرَكْتَه
ما بيْنَ حَرِّ أسًى وحَرِّ أُوارِ
مُتَلَفِّتًا مُتَحَيِّرًا مُتَخَيِّرا
رَجُلاً يُناضِلُ عنه يومَ فخارِ
إنّ الثلاثينَ الّتي بك فاخَرَتْ
باتَتْ تُقاسُ بأطْوَلِ الأعْمارِ
ضَمَّتْ إلى التاريخ بِضْعَ صَحائِفٍ
بَيْضاءَ مِثْلَ صحائِفِ الأبْرارِ
شَبَّهْتُهُنَّ بنُقْطةٍ عِطْرِيّةٍ
وَسِعَتْ مُحَصَّلَ رَوْضَةٍ مِعْطارِ
خَلَّفْتَها كالمَشْقِ يَحْذُو حَذْوَها
راجي الوُصولِ ومُقْتَفي الآثارِ
ماذا على السّاري — وهُنَّ مَنائرٌ —
لو سارَ بينَ مَجاهِلٍ وقِفارِ
ما زِلْتَ تَخْتارُ المَواقِفَ وَعْرَةً
حتّى وَقَفْتَ لذلك الجبّارِ
وهَدَمْتَ سُورًا قد أجادَ بِناءَه
فِرْعَوْنُ ذو الأوْتادِ والأنْهارِ
ووَصَلْتَ بين شَكاتِنا ومَشايِخٍ
في (البَرْلَمان) أعِزَّةٍ أخْيارِ
كَشَفوا الغِطاء عن العُيون فأبْصَروا
ما في الكِنانَةِ مِنْ أذى وضِرارِ
نَبَذوا كَلامَ (اللُّرْدِ) حين تَبيَّنوا
خَنَقَ المَغيظِ ولَهْجَةَ الثَّرْثارِ
ورماهُمُ بمُجَلَّدَيْنِ رَمَوْهُما
في رُتْبَةِ الأصْفارِ لا الأسفارِ
واهًا على تِلْكَ المَواقِفِ إنّها
كانتْ مواقِفَ لَيْثِ غابٍ ضاري
لم يَلْوِه عنها الوَعيدُ ولا ثَنَى
مِنْ عَزْمِه قوْلُ المُريبِ: حَذارِ
فاهَنأ بمَنْزِلِكَ الجديدِ ونَمْ به
في غِبْطَةٍ وانعَمْ بخَيرِ جِوارِ
واستَقْبِل الأجْرَ الكبير جَزاءَ ما
ضَحَّيْت للأوْطانِ من أوْطارِ
نِعْمَ الجَزاءُ ونِعْمَ ما بُلِّغْتَه
في مَنْزِلَيْكَ ونِعْمَ عُقْبى الدّارِ

(٩) رثاء قاسم أمين بك (نشرت في ٦ يونيه سنة ١٩٠٨م)

للهِ دَرُّكَ كُنْتَ من رَجُلِ
لو أمْهَلَتْكَ غَوائلُ الأجَلِ
خُلُقٌ كأنفاسِ الرِّياض إذا
أسْحَرْنَ غِبَّ العارِضِ الهَطِلِ
وشَمائلٌ لو أنّها مُزِجَتْ
بطبائع الأيّامِ لم تَحُلِ
جَمُّ المَحامِدِ غيرُ مُتَّهَمٍ
جَمُّ التَّواضُعِ غيرُ مُبْتَذَلِ
يا دَوْلَةَ الأخْلاقِ رافِلَةً
من (قاسِمٍ) في أبْهَجِ الحُلَلِ
كيف انطَوَيْتِ به على عَجَلٍ
أكذا تَكونُ مَصارعُ الدُّوَلِ؟
يا طالعًا للشَّرْقِ لَجَّ به
نَحْسُ النُّحوسِ فقَرَّ في (زُحَلِ)
هَلاَّ وَصَلْتَ سُراكَ مُنْتَقِلاً
عَلَّ السُّعودَ تَكونُ في النُّقَلِ
مالي أرَى الأجْداثَ حاليةً
وأرى رُبوعَ النِّيلِ في عَطَلِ
فإذا الكنانةُ أطْلَعَتْ رَجُلاً
طاحَ القَضاءُ بذلك الرَّجُلِ
أوَ كلَّما أرْسَلْتُ مَرْثِيَةً
من أدْمُعي في إثْرِ مُرْتَحِلِ
هاجَتْ بيَ الأخرى دَفينَ أسًى
فوَصَلْتُ بين مَدامِعِ المُقَلِ
إنْ خانَني فيما فُجِعْتُ به
شِعْري فهذا الدَّمْعُ يَشْفَعُ لي
ولقد أقولُ وما يُطاولُني
عند البَديهَةِ قوْلُ مُرْتَجِلِ:
يا مُرْسِلَ الأمْثالِ يَضْرِبُها
قد عَزَّ بَعْدَكَ مُرْسِلُ المَثَلِ
يا رائِشَ الآراء صائِبَةً
يَرْمي بهنّ مَقاتِلَ الخَطَلِ
للهِ آراءٌ شأوْتَ بها
في الخالِدين نَوابِغَ الأُوَلِ
قد كنتَ أشْقانا بِنا وكذا
يَشقَى الأبيُّ بصُحْبَةِ الوَكَلِ
لَهْفي عليكَ قَضَيْتَ مُرْتَجِلاً
لم تَشْكُ، لم تَسْتَوْصِ، لم تَقُلِ
غَلَّ القضاءُ يَدَ القضاءِ فذا
يَبْكي عليكَ وذاكَ في جَذَلِ
شَغَلَتْكَ عن دُنْياكَ أرْبَعةٌ
والمَرءُ من دُنْياهُ في شُغُلِ:
حَقٌّ تُناصِرُه ومَفْخَرةٌ
تَمشي إليها غيْرَ مُنْتَحِلِ
وحقائقٌ للعِلْمِ تَنْشُدُها
ما للحَكِيم بهِنَّ مِنْ قِبَلِ
وفَضيلةٌ أعْيَتْ سِواكَ فلَمْ
تَمْدُدْ إليه يدًا ولم يَصِلِ
إنْ رَيْتَ رأْيًا في الحِجابِ ولمْ
تُعْصَمْ، فتِلْكَ مَراتِبُ الرُّسُلِ
الحُكْمُ للأيّام مَرْجِعُه
فيما رَأيْتَ فنَمْ ولا تَسَلِ
وكذا طُهاةُ الرأي تَتْرُكُه
للدَّهر يُنْضِجُه على مَهَلِ
فإذا أصَبْتَ فأنتَ خيرُ فتًى
وَضَعَ الدَّواء مَواضِعَ العِلَلِ
أوْ لا، فحَسْبُكَ ما شَرُفْتَ به
وتَرَكْتَ في دُنياكَ من عَمَلِ
واهًا على دارٍ مَرَرْتُ بها
قَفْرًا وكانت مُلْتَقى السُّبُلِ
أرْخَصْتُ فيها كلَّ غالِيَةٍ
وذَكَرْتُ فيها وَقْفَةَ الطَّلَلِ
ساءَلْتُها عن (قاسِمٍ) فأبَتْ
رَدَّ الجَوابِ فرُحْتُ في خَبَلِ
مُتَعَثِّرًا يَنْتابُني وَهَنٌ
مُتَرَنِّحًا كالشارِب الثَّمِلِ
مُتَذكِّرًا يومَ (الإمامِ) به
يومَ انتُويتُ بذلِكَ البَطَلِ
يومَ احْتَسَبْتُ — وكنتُ ذا أمَلٍ —
تحتَ الترابِ بقيّةَ الأمَلِ
جاوِرْ أحِبَّتَكَ الأُلى ذَهَبوا
بالعَزْمِ والإقْدامِ والعَمَلِ
واذكرْ لهم حاجَ البلاد إلى
تلكَ النُّهى في الحادثِ الجَلَلِ
قُلْ (للإمام) إذا التَقَيْتَ به
في الجَنَّتَيْنِ بأكْرَمِ النُّزُلِ:
إنّ الحقيقةَ أصْبَحَتْ هَدَفًا
للرَّاكبين مَراكِبَ الزَّلَلِ
للهِ آثارٌ لكم خَلَدَتْ
صاحَ الزّوالُ بها فلمْ تَزُلِ
للهِ أيّامٌ لكم دَرَجَتْ
طالتْ عَوارفُها ولم تَطُلِ
نِعْمَ الظِّلالُ لو انّها بَقِيَتْ
أو أنّ ظِلاًّ غيرُ مُنْتَقِلِ

(١٠) ذكرى مصطفى كامل باشا (نشرت في ١٢ فبراير سنة ١٩٠٩م)

أنشدها في الحفل الذي أقيم عند قبره لإحياء ذكراه الأولى

طوفوا بأرْكانِ هذا القَبْرِ واستَلِموا
واقْضُوا هُنالِكَ ما تَقْضي به الذِّمَمُ
هُنا جَنانٌ تَعالى اللهُ بارِئُه
ضاقَتْ بآمالِه الأقدارُ والهِمَمُ
هُنا فَمٌ وبَنانٌ لاحَ بينَهما
في الشَّرْق فجْرٌ تُحَيِّي ضَوْءَهُ الأمَمُ
هنا فَمٌ وبَنانٌ طالما نَثَرا
نَثَرًا تَسيرُ به الأمْثالُ والحِكَمُ
هنا الكَمِيُّ الّذي شادَتْ عَزائِمُه
لطالِبِ الحَقِّ رُكْنًا ليس يَنْهَدِمُ
هنا الشَّهيدُ، هُنا رَبُّ اللِّواءِ هنا
حامي الذِّمار، هنا الشَّهْمُ الّذي عَلِموا
يأيُّها النائمُ الهاني بمَضْجَعِه
ليَهْنِكَ النومُ لا هَمٌّ ولا سَقَمُ
باتتْ تُسائِلُنا في كلِّ نازِلَةٍ
عنكَ المَنابرُ والقرْطاسُ والقَلمُ
تَرَكْتَ فينا فراغًا ليس يَشْغَلُهُ
إلاّ أبيٌّ ذكيُّ القَلْب مُضْطَرِمُ
مُنَفِّرُ النَّوْمِ سَبّاقٌ لغايَتِه
آثارُه عَمَمٌ آمالُه أمَمُ
إنِّي أرى وفؤادي ليسَ يَكذِبُني
روحًا يحُفُّ بها الإكْبارُ والعِظَمُ
أرى جَلالاً، أرى نورًا، أرى مَلَكًا
أرى مُحَيٍّا يُحَيِّينا ويَبْتَسِمُ
اللهُ أكبرُ، هذا الوَجْهُ أعْرِفُه
هذا فتى النِّيلِ هذا المُفْرَد العَلَمُ
غُضُّوا العُيونَ وحَيُّوه تَحيّتَه
من القلوب إذا لم تُسْعِد الكَلِمُ
وأقسِموا أن تَذْودوا عَنْ مَبادِئه
فنحن في مَوْقِفٍ يَحْلو به القَسَمُ
لَبّيْكَ نحنُ الأُلَى حَرَّكْتَ أنْفُسَهُمْ
لمّا سَكَنْتَ ولمّا غالَكَ العَدَمُ
جئنا نُؤدِّي حِسابًا عن مَواقِفِنا
ونَستَمِدُّ ونَسْتَعْدي ونَحْتَكِمُ
قيل اسكُتوا فَسكَتْنا ثم أنْطَقَنا
عَسْفُ الجُفاةِ وأعْلَى صوْتَنا الألَمُ
قد اتُّهِمْنا ولمّا نَطَّلِبْ جَلَلاً
إنّ الضَّعيفَ على الحالَيْنِ مُتَّهَمُ
قالوا: لقد ظَلَموا بالحقِّ أنفُسَهُمْ
واللهُ يَعلَمُ أنّ الظالمين هُمُ
إذا سَكَتْنا تَناجَوْا: تلك عادَتُهُمْ
وإنْ نَطَقنا تَنادَوْا: فِتنَةٌ عَمَمُ
قد مَرِّ عامٌ بنا والأمْرُ يَحْزُبُنا
آنًا وآوِنةً تَنْتابُنا النِّقَمُ
فالناسُ في شِدَّةٍ والدَّهْرُ في كَلَبٍ
والعَيْشُ قد حارَ فيه الحاذِقُ الفَهِمُ
وللسِّياسة فينا كلَّ آوِنَةٍ
لَوْنٌ جديدٌ وعَهْدٌ ليس يُحْتَرَمُ
بَيْنا نَرَى جَمْرَها تُخْشى مَلامِسُه
إذا به عِنْد لَمْسِ المُصْطَلي فَحَمُ
تُصْغي لأصْواتنا طَوْرًا لتَخْدَعَنا
وتارةً يَزْدَهيها الكِبْرُ والصَّمَمُ
فمِنْ مُلايَنَةٍ أَسْتارُها خُدَعُ
إلى مُصالَبةٍ أستارُها وَهَمُ
ماذا يُريدون؟ لا قَرَّتْ عُيونُهُمُ
إنّ الكنانةَ لا يُطْوي لها عَلَمُ
كم أمّةٍ رَغِبَتْ فيها فما رَسَخَتْ
لها — على حَوْلها — في أرْضِها قَدَمُ
ما كان رَبُّكَ (رَبُّ البيْتِ) تارِكَها
وهي التي بحبالٍ منه تَعْتَصِمُ
لَبَّيْكَ إنّا على ما كُنْتَ تَعْهَدُه
حتّى نَسودَ وحتّى تَشْهَدَ الأُمَمُ
فَيَعلَم النِّيلُ أنّا خيرُ مَنْ وَرَدُوا
ويَستطيلَ اختيالاً ذلك الهَرَمُ
هذا الغِراسُ الّذي والَيْتَ مَنْبِتَه
بخَيْرِ ما والَت الأضواءُ والنَّسَمُ
أمسَى وأضْحَى وعَيْنُ اللهِ تَحْرُسُه
حتّى نَما وحَلاهُ المَجْدُ والشَّمَمُ
فانظُرْ إليه وقد طالَتْ بَواسِقُه
تَهْنَأْ به ولأنْفِ الحاسِدِ الرَّغَمُ
يأيُّها النَشْءُ سيروا في طريقِته
وثابِروا، رَضِيَ الأعداءُ أو نَقِموا
فكلُّكُم (مُصطَفى) لو سارَ سِيرَتَه
وكلُّكُمْ (كامِلٌ) لو جازَه السَّأَمُ
قد كان لا وانِيًا يومًا ولا وَكِلاً
يَستَقْبِلُ الخَطْبَ بسَّامًا ويَقْتَحِمُ
وأنتَ يا قَبْرُ قد جِئْنا على ظمإٍ
فجُدْ لنا بجوابٍ، جادَكَ الدِّيَمُ
أينَ الشَّبابُ الّذي أُودعْتَ نَضْرَتَه
أينَ الخِلالُ — رَعاكَ اللهُ — والشِّيَمُ؟
وما صَنَعْتَ بآمالٍ لنا طُوِيَتْ
يا قَبْرُ فيكَ وعَفَّى رَسْمَها القِدَمُ؟
ألا جَوابٌ يُرَوِّي مِنْ جَوانِحنا
ما للقبور إذا ما نُودِيَتْ تَجِمُ؟
نَمْ أنتَ، يَكفيكَ ما عانَيْتَ من تَعَبٍ
فنحن في يَقظةٍ والشَّمْلُ مُلْتَئمُ
هذا (لِواؤُكَ) خَفَّاقٌ يُظَلِّلُنا
وذاك شخْصُكَ في الأكبادِ مُرْتَسِمُ

(١١) رثاء تولستوي (نشرت في نوفمبر سنة ١٩١٠م)

رَثاكَ أميرُ الشِّعْرِ في الشَّرْق وانْبَرى
لمَدْحِكَ منْ كُتّابِ مِصْرَ كَبيرُ
ولسْتُ أُبالي حين أرْثيكَ بَعْدَه
إذا قيلَ عنِّي قد رَثاهُ صَغيرُ
فقد كنتَ عَوْنًا للضَّعيف وإنّني
ضعيفٌ ومالي في الحياةِ نَصيرُ
ولستُ أُبالي حين أبكيكَ للوَرى
حَوَتْك جِنانٌ أم حَواكَ سَعيرُ
فإنِّي أُحِب النابغينَ لعِلْمِهمْ
وأعْشقُ رَوْضَ الفكْرِ وهو نَضيرُ
دَعَوْتَ إلى عيسى فضَجَّتْ كنائسٌ
وهُزَّ لها عَرْشٌ ومادَ سَريرُ
وقال أُناسٌ إنّه قوْلُ مُلْحِدٍ
وقال أُناسٌ إنّه لَبَشيرُ
ولَوْلا حُطامٌ رَدَّ عنكَ كيادَهُمْ
لَضِقْتَ به ذَرْعًا وساءَ مَصيرُ
ولكنْ حَماكَ العِلْمُ والرأْيُ والحِجا
ومالٌ — إذا جَدَّ النِّزالُ — وفيرُ
إذا زُرتَ رَهْنَ المَحْبَسَين بحُفرةٍ
بها الزُّهدُ ثاوٍ والذَّكاءُ سَتيرُ
وأبْصَرْتَ أُنْسَ الزُّهْدِ في وَحْشةِ البِلَى
وشاهَدْتَ وَجْهَ الشَّيخ وهو مُنيرُ
وأيْقَنْتَ أنّ الدِّينَ للهِ وَحْدَه
وأنّ قُبورَ الزّاهدين قُصورُ
فقِفْ ثمّ سلِّمْ واحتَشِمْ إنّ شَيْخَنا
مَهيبٌ على رَغْمِ الفناءِ وَقُورُ
وسائلْه عمّا غابَ عَنْكَ فإنّه
عليمٌ بأسرارِ الحياةِ بَصيرُ
يُخَبِّرُكَ الأعْمى وإنْ كنتَ مُبصِرًا
بما لم تُخَبِّرْ أحْرُفٌ وسُطورُ
كأنِّي بسَمْعِ الغَيْبِ أسْمَعُ كُلَّ ما
يُجيبُ به أستاذُنا ويُحيرُ
يُناديكَ: أهْلاً بالّذي عاشَ عَيْشَنا
وماتَ ولم يَدْرُجْ إليه غُرورُ
قَضَيْتَ حياةً مِلْؤُها البرُّ والتُّقى
فأنتَ بأجْرِ المُتَّقينَ جَديرُ
وسَمَّوْكَ فيهمْ فيْلَسوفًا وأمْسَكوا
وما أنتَ إلا مُحْسِنٌ ومُجيرُ
وما أنتَ إلا زاهِدٌ صاحَ صَيْحَةً
يَرِنُّ صَداها ساعةً ويَطيرُ
سلَوْتَ عن الدُّنيا ولكنّهم صَبَوْا
إليها بما تُعْطيهمُ وتَميرُ
حياةُ الوَرَى حَرْبٌ وأنتَ تُريدها
سلامًا وأسبابُ الكِفاحِ كَثيرُ
أبَتْ سُنّةُ العُمْرانِ إلا تَناحُرًا
وكَدْحًا ولو أنّ البَقاءَ يَسيرُ
تُحاوِلُ رَفْعَ الشَّرِّ والشَّرُّ واقِعٌ
وتَطْلُبُ مَحَضْ الخيرِ وهو عَسيرُ
ولولا امْتِزاجُ الشَّرِّ بالخَيْر لم يَقُمْ
دليلٌ على أنّ الإلهَ قَديرُ
ولم يَبْعَثِ اللهُ النَّبيِّينَ للهُدى
ولم يَتَطَلَّعْ للسَّرير أميرُ
ولم يَعْشَقِ العَلْياءَ حُرٌّ ولم يَسُدْ
كريمٌ ولم يَرْجُ الثَّراءَ فَقيرُ
ولو كان فينا الخَيْرُ مَحْضًا لمَا دَعَا
إلى اللهِ داعٍ أو تَبَلَّجَ نورُ
ولا قيلَ هذا فَيْلَسوفٌ موفَّقٌ
ولا قيل هذا عالِمٌ وخَبيرُ
فكَمْ في طريق الشَّرِّ خيرٍ ونِعْمَةٍ
وكم في طريق الطَّيّباتِ شُرورُ
ألم تَرَ أنِّي قُمْتُ قَبْلَكَ داعِيًا
إلى الزُّهْد لا يَأْوي إليَّ ظَهيرُ
أطاعوا (أبيقورًا) و(سُقْراطَ) قَبْله
وخُولِفْتُ فيما أرْتَئي وأُشيرُ
ومِتُّ وما ماتَتْ مَطامِعُ طامِعٍ
عليها ولا ألْقَى القيادَ ضميرُ
إذا هُدِمَتْ للظُّلْمِ دُورٌ تَشيَّدَتْ
له فوقَ أكتافِ الكَواكِبِ دُورُ
أفاضَ كِلانا في النَّصيحَةِ جاهِدًا
وماتَ كِلانا والقُلوبُ صُخُورُ
فكم قيلَ عن كَهْفِ المساكين: باطلٌ
وكم قيلَ عن شَيْخِ (المَعَرَّةِ) زُورُ
وما صَدَّ عن فِعْلِ الأذى قوْلُ مُرْسَلٍ
وما راعَ مَفْتُونَ الحياةِ نَذيرُ

(١٢) رثاء رياض باشا (نشرت في ٢٩ يوليه سنة ١٩١١م)

أنشدها على قبره في حفل الأربعين

(رِياضُ) أفِقْ من غَمْرَةِ المَوْتِ واستَمِعْ
حَديثَ الوَرَى عن طيبِ ما كنت تَصْنَعُ
أفِقْ واستَمِعْ منِّي رِثاءً جَمَعْتُه
تُشارِكُني فيه البَريَّةُ أجْمَعُ
لتَعْلَمَ ما تَطْوي الصُّدورُ من الأسى
وتَنظُرَ مقروحَ الحَشا كيف يَجْزَعُ
لئن تَكُ قد عُمِّرْتَ دَهْرًا لقد بَكَى
عَلَيْكَ مع الباكي خَلائقُ أرْبَعُ:
مَضَاءٌ وإقْدامٌ وحَزْمٌ وعَزْمَةٌ
منَ الصّارِمِ المَصْقولِ أمْضى وأقْطَعُ
رُحِمْتَ، فما جاهٌ يُنَوّهُ في العُلا
بصاحِبه إلاّ وجاهُكَ أوْسَعُ
ولا قامَ في أيّامِكَ البيضِ ماجِدٌ
يُنازِعُك البابَ الّذي كنتَ تَقْرَعُ
إذا قيلَ: مَنْ للرَّأي في الشَّرْق أوْمَأتْ
إلى رأيِكَ الأعْلى من الغَرْب إصبعُ
وإنْ طَلَعتْ في (مِصْرَ) شمْسُ نَباهَةٍ
فمِنْ بَيْتِكَ المَعْمورِ تَبْدو وتَطُلُعُ
حَكَمْتَ فما حَكَّمْتَ في قَصْدِكَ الهَوَى
طريقُكَ في الإنْصافِ والعَدْلِ مَهْيَعُ
وقد كنتَ ذا بطْشٍ ولكنّ تحْتَه
نزاهةَ نَفْسٍ في سبيلكَ تَشْفَعُ
وَقَفْتَ (لإسماعيل) والأمرُ أمرُه
وفي كفِّه سيْفٌ من البَطْشِ يَلْمَعُ
إذا صاحَ لَبّاهُ القضاءُ وأسْرَعَتْ
إلى بابه الأيّامُ، والناسُ خُشَّعُ
يُذِلُّ — إذا شاء — العزيزَ وتَرْتَئي
إرادَتُه رَفْعَ الذَّليل فيُرْفَعُ
ففي كَرَّةٍ مِنْ لَحْظِهِ وهو عابسٌ
تُدَكُّ جِبالٌ لم تَكُنْ تَتَزَعْزَعُ
وفي كرَّةٍ من لَحْظِهِ وهو باسِمٌ
تَسيلُ بحارٌ بالعطاء فتُمْرعُ
فما أغْلَبٌ شاكي العَزيمةِ أرْوَعٌ
يُصارِعُه في الغابِ أغْلَبُ أرْوَعُ
بأجْرَأ من ذاكَ الوزيرِ مُصادِمًا
إرادةَ (إسماعيلَ) والمَوتُ يَسمَعُ
وفي الثَّوْرةِ الكُبرى وقد أحْدَقَتْ بنا
صُروفُ اللَّيالي والمَنِيّةُ مَشْرَعُ
نَظَرْتَ إلى (مِصْرٍ) فساءَك أن تَرَى
حُلاها بأيْدي المُسْتَطيلينَ تُنْزَعُ
ولم تَستَطِعْ صبرًا على هَتْكِ خِدْرِها
ففارَقْتَها أَسْوانَ والقَلْبُ مُوجَعُ
وعُدْتَ إليها حينَ ناداكَ نِيلُها:
أقِلْ عَثْرَتي؛ فالقَوْمُ في الظُّلْمِ أبْدَعوا
فكنتَ (أبا مَحْمُودَ) غَوْثًا وعِصْمَةً
إليكَ دُعاةُ الحَقِّ تَأْوي وتَفْزَعُ
وكم نابِغٍ في أرْض (مِصْرَ) حَمَيْتَه
ومِثْلُكَ مَنْ يَحمي الكريمَ ويَمْنَعُ
رَعَيْتَ (جمالَ الدِّين) ثمّ اصْطَفَيْتَه
فأصْبَحَ في أفْياءِ جاهِكَ يَرتَعُ
وقد كان في دار الخلافةِ ثاويًا
وفي صًدْره كَنْزٌ من العِلْمِ مُودَعُ
فجِئْتَ به والناسُ قد طالَ شَوْقُهُمُ
إلى ألْمَعِيٍّ بالبَراهينِ يَصْدَعُ
فحَرَّكَ من أفْهامِهِمْ وعُقولِهِمْ
وعاوَدَهُمْ ذاكَ الذَّكاءُ المُضَيَّعُ
ووَلَّيْتَ تحريرَ الوقائِعِ (عَبْدَهُ)
فجاء بما يَشفي الغليلَ ويَنقَعُ
وكانت لربِّ الناس فيه مَشيئَةٌ
فأمْسَتْ إليه الناسُ في الحَقِّ تَرْجِعُ
وجاءوا (بإبراهيمَ) في القَيْدِ راسِفًا
عليه من الإمْلاقِ ثَوبٌ مُرَقَّعُ
فألْفَيْتَ مِلْءَ الثَّوْبِ نَفْسًا طَموحةً
إلى المَجْد من أطْمارِها تَتَطَلَّعُ
فأطْلَقْتَه من قَيْده وأقَلْتَه
وما كان في تلك السَّعادةِ يَطْمَعُ
وكم لك في (مِصرٍ) وفي (الشَّأْم) مِنْ يدٍ
لها أينَ حَلَّتْ نَفْحَةٌ تَتَضَوَّعُ
رَفَعْتَ عن الفلاّحِ عِبْءَ ضَريبةٍ
يَنوءُ بها أيّامَ لا غَوْثَ يَنْفَعُ
وأرْهَبْتَ حُكّامَ الأقاليمِ فارْعَوَوْا
وكانوا أُناسًا في الجَهالة أوْضَعُوا
فخافُوكَ حتّى لو تَناجَوْا بنَجْوَةٍ
لخالوا (رياضًا) فوقَهُمْ يَتَسَمَّعُ
أقَمْتَ عليهم زاجِرًا من نُفوسِهِمْ
إذا سَوَّلَتْ أمْرًا لهمْ قام يَرْدَعُ
سَلِ النّاسَ أيّامَ الرُّشا مُسْتَفيضَةٌ
وأيّامَ لا تَجْني الّذي أنتَ تَزْرَعُ
أكانَ (رياضٌ) عنهمُ غيرَ غافِلٍ
يَرُدُّ الأذى عن أهلِ (مِصْرَ) ويَدْفَعُ
(أمُؤْتَمَرَ الإصْلاحِ) والعُرْفِ، قد مَضَى
(رياضٌ) وأودَى الوازعُ المُتَوَرِّعُ
وكان على كُرْسيِّه خيرَ جالِسٍ
لهَيْبَتِه تَعْنُو الوُجوهُ وتَخْشَعُ
فيا وَيْلَنا إنْ لم تَسُدُّوا مَكانَه
بذي مِرَّةٍ في الخَطْبِ لا يَتَضَعْضَعُ
بَعيدِ مَرامِ الفِكْر أمّا جَنانُه
فَرَحْبٌ، وأمّا عِزُّه فمُمَنَّعُ
فَيَا ناصِرَ المُسْتَضْعَفينَ إذا عَدَا
عليهم زمانٌ بالعَداوَةِ مُولَعُ
عليكَ سلامُ اللهِ ما قامَ بيْنَنا
وَزيرٌ على دَسْتِ العُلا يَتَرَبَّعُ

(١٣) رثاء الشيخ علي يوسف صاحب المؤيّد (نشرت في ٥ ديسمبر سنة ١٩١٣م)

أنشدها في الحفل الذي أقيم لتأبينه بمنزل السادات

صُونوا يَراعَ (عَليٍّ) في مَتاحِفِكُمْ
وشاوِروه لدى الأرْزاءِ والنُّوَبِ
واستَلْهِمُوه إذا ما الرَّأْيُ أخْطَأكُمْ
يومَ النِّضالِ عن الأوْطانِ والنَّشَبِ
قد كان سَلْوَةَ (مِصْرٍ) في مكارِهِها
وكان جَمْرةَ (مِصْرٍ) ساعةَ الغَضَبِ
في شِقِّه ومَراميه وريقَتِه
ما في الأساطيل مِنْ بَطْشٍ ومِنْ عَطَبِ
كم رَدَّ عنّا وعَيْنُ الغَرْبِ طامِحَةٌ
من الرَّزايا وكمْ جَلَّى مِنَ الكُرَبِ
له صَريرٌ إذا جَدَّ النِّزالُ به
يُنْسي الكُماةَ صَليلَ البيضِ والقُضُبِ
ما ضَرَّ مَنْ كان هذا في أنامِله
أنْ يَشهَدَ الحَرْبَ لم يَسْكُنْ إلى يَلَبِ
فلو رآهُ (ابنُ أوْسٍ) ما قَرَأْتَ له:
(السَّيْفُ أصْدَقُ أنباءً من الكُتُبِ)
ألا فتًى عربيٌّ يَستَقِلُّ به
بَعْدَ الفقيد ويَحْمي حَوْزَةَ الأدَبِ
ويَمنَعُ الحَقَّ أنْ يُغْشي تَبَلُّجَه
ما في السِّياسة مِنْ زورٍ ومِنْ كَذِبِ
أوْدَى فتى الشَّرْقِ، بل شَيْخُ الصّحافة بَلْ
شَيْخُ الوَفائيّة الوَضّاحةِ الحَسَبِ
أقامَ فينا عِصاميٍّا فعَلَّمَنا
مَعْنى الثَّباتِ ومَعْنى الجِدِّ والدَّأبِ
وراحَ عنّا ولم تَبْلُغ عزائِمُنا
مدى مُناها ولم تَقْرُبْ مِنَ الأرَبِ
قالوا: عَجْبنا لمِصْرٍ يومَ مَصْرَعه
وقد عَجِبْتُ لهمْ من ذلك العَجَبِ
إنَ الألَى حَسِبوها غير جازِعةٍ
لا يَنْظُرونَ إلى الأشياءِ مِنْ كَثَبِ
تاللهِ ما جَهِلَت فيه مُصيبَتَها
ولا الّذي فَقَدَتْ مِنْ كاتِبِ العَرَبِ
لكنّها ألِفَتْ والأمرُ يَحْزُبُها
فَقْدَ الرِّجالِ ومَوْتَ السّادةِ النُّجُبِ
وعلَّمَتْها اللَّيالي أنْ تُصابِرَها
في الحادثاتِ وإنْ أمْعَنَّ في الحَرَبِ
كم أرْجَفوا بعد مَوْتِ الشَّيخ وارْتَقَبوا
مَوْتَ (المُؤَيَّدِ) فينا شَرَّ مُرْتَقَبِ
وإنْ يَمُتْ تَمُتِ الآمالُ في بَلِدٍ
لولا (المُؤَيَّدُ) لم يَنْشَطْ إلى طَلَبِ
صَبابَةٌ من رَجاءٍ بين أضْلُعِنا
قد باتَ يَرشُفُ منها كلُّ مُغْتَصبِ
ألمْ يَكُنْ لِبَني (مِصْرٍ) وقد دُهِمُوا
من ساسَةِ الغَرْبِ مِثْلَ المَعْقِلِ الأشِبِ
كم انبَرَتْ فيه أقلامٌ وكم رُفِعَتْ
فيه مَنائرُ مِنْ نَظْمٍ ومِنْ خُطَبِ!
وكان مَيْدانَ سَبْقٍ للألى غَضِبوا
للدِّين والحَقِّ مِنْ داعٍ ومُحْتَسِبِ
فكم يَراعِ حكيمٍ في مشارِعِه
قد التقى بيراعِ الكاتبِ الأرِبِ
أيُّ الصَّحائفِ في القُطْرَيْن قد وَسِعَتْ
رَدَّ (الإمامِ) مُزيلِ الشَّكِّ والرِّيَبِ
أيّامَ يَحْصِبُ (هانُوتُو) بفِرْيَتِه
وَجْهَ الحقيقةِ والإسْلامُ في نَحَبِ
مالي أُعَدِّدُ آثارَ الفقيدِ لكُمْ
والشَّرْقُ يَعْرِفُ رَبَّ السَّبْق والغَلَبِ
لولا (المُؤَيَّدُ) ظَلَّ المُسلِمون على
تَناكُرٍ بينهم في ظُلْمَةِ الحُجُبِ
تَعارَفوا فيه أرْواحًا وضَمَّهُمُ
رَغْمَ التنائي زِمامُ غيرُ مُنْقَضِبِ
في مِصرَ في تُونُسٍ في الهنْدِ في عَدَنٍ
في الرُّوس في الفُرسِ في البَحْريْنِ في حَلَبِ
هذا يَحنُّ إلى هذا وقد عُقِدَتْ
مَوَدَّةٌ بينهم مَوْصولةُ السَّببِ
(أبا بُثَيْنَةَ) نَمْ يَكْفيكَ ما تَرَكَتْ
فينا يَداك وما عانَيْتَ مِنْ تَعَبِ
جاهَدْتَ في اللهِ والأوْطانِ مُحْتَسِبا
فارجِعْ إلى اللهِ مَأْجورًا وفُزْ وطِبِ
واحمِل بِيُمْناكَ يومَ النَّشْرِ ما نَشَرَتْ
تلك الصَّحيفةُ في دُنْياكَ وانْتَسِبِ

(١٤) رثاء علي أبي الفتوح باشا (نُشرت في ٩ فبراير سنة ١٩١٤م)

أنشدها في الحفل الذي أقيم لتأبينه في الجامعة

جَلَّ الأسى فتَجَمَّلي
وإذا أبَيْتِ فأجْمِلي
يا مِصْرُ قد أوْدَى فَتا
كِ ولا فتًى إلاّ (علي)
قد ماتَ نابِغَةُ القَضا
ءِ وغابَ بَدْرُ المَحْفِلِ
وعَدا القضاءُ على القضا
ءِ فصابَه في المَقْتَلِ
حَلاّلُ عَقْدِ المُعْضِلا
تِ قَضَى بداءٍ مُعْضِلِ
وَيْحَ الكِنانَةِ ما لها
في غَمْرَةٍ لا تَنْجَلي
باتَتْ وكارثَةٌ تَمُرْ
رُ بها وكارثةٌ تَلي
يا زَهْرَةَ الماضي ويا
رَيحانَةَ المُسْتَقبَلِ
كُنّا نُعِدُّكَ للشّدا
ئِدِ في الزّمان المُقْبِلِ
يا لابسَ الخُلُق الكَريـ
ـمِ المُطْمَئِنِّ الأمْثَلِ
فارَقْتَنا في حين حا
جَتِنا ولم تَتَمَهَّلِ
يا راميًا صَدْرَ الصِّعا
بِ رَماكَ رامي الأجْدَلِ
يا حافظًا غَيْبَ الصَّديـ
ـقِ ويا كريمَ المِقْوَل
أيُّ المَحامِدِ غَصَّةً
بحُلاكَ لَمْ تَتجمَّلِ
تَلهُو لِداتُكَ بالصِّبا
لَهْوًا وأنتَ بمَعْزِلِ
تَسْعَى وراءَ الباقيا
تِ الصالحاتِ وتَعْتلي
بين المحابر والدَّفا
ترِ دائبًا لا تَأْتَلي
أدْرَكْتَ عِلْمَ الآخِريـ
ـنَ وحُزْتَ فَضْلَ الأوّلِ
أدْنى مَرامِكَ هِمّةٌ
فوقَ السّماكِ الأعْزَلِ
وأجَلُّ قَصْدِكَ أنْ ترى
(مِصْرًا) تَسودُ وتَعْتَلي
دَرَجَ الأحِبَّةُ بعْدَما
تَرَكوا الأسى والحُزْنَ لي
لم يَحْلُ لي من بعدهم
عَيْشٌ ولم أتعَلَّلِ
لي كلَّ عامٍ وقْفةٌ
حَرَّى على مُتَرَحِّلِ
أبكي بُكاءَ الثّاكِلا
تِ وأصْطَلي ما أصْطَلي
لم يُبْقِ لي يوْمُ الفقيـ
ـدِ عزيمةً لم تُفْلَلِ
يومٌ عبوسٌ قد مَضَى
بفتًى أغَرَّ مُحَجَّلِ
مَنْ لم يُشاهِدْ هَوْلَه
عند القضاء المُنْزَلِ
لم يَدْرِ ما قَصْمُ الظُّهو
رِ ولا انخِزالُ المُفْصِلِ
يا قبرُ وَيْحَكَ ما صَنَعْـ
ـتَ بوَجْهِه المُتَهَلِّلِ
عَبَّسْتَ منه نَضْرَةً
كانتْ رياضَ المُجْتَلي
وعَبَثْتَ منه بطُرّةٍ
سَوْداء لمّا تَنْصُلِ
يا قبرُ هل لعِبَ البِلَى
بلِطافِ تلك الأنْمُلِ؟
لهْفي عليها في الطُّرو
سِ تَسيلُ سَيْلَ الجَدْولِ
لهْفي عليها في الجِدا
لِ تَحُلُّ عَقْدَ المُشْكِلِ
لهْفي عليها للرَّجا
ءِ وللعُفاةِ السُّؤَّلِ
يا قبْرُ ضَيفُكَ بَيْننا
قد كان خَيْرَ مُؤَمَّلِ
لم يَنْقَبِضْ كِبْرًا بنا
ديه ولم يَتَبَذَّلِ
إنِّي حَلَلْتُ رِحابَه
فنَزَلْتُ أكرَمَ مَنْزِلِ
ونَهِلْتُ من أخْلاقه
فورَدْتُ أعْذَبَ مَنْهَلِ

(١٥) رثاء فتحي وصادق (نشرت في أوّل أبريل سنة ١٩١٤م)

قالها في رثاء الطيّارين العثمانيّين فتحي بك وصادق بك اللذين سقطت بهما الطيّارة قرب دمشق، وكانا يعتزمان الطيران من دمشق إلى القدس ثمّ إلى مصر، ويؤمل فيها وصول الطيّار الآخر نوري بك سالمًا

أخْتَ الكواكِبِ ما رَما
كِ وأنتِ رامِيَةُ النُّسورِ؟
ماذا دَهاكِ وفوْقَ ظهْـ
ـرِكِ مَرْبِضُ الأسَدِ الهَصُورِ؟
خَضَعَتْ لإمْرَته الرِّيا
حُ مِنَ الصِّبا ومِنَ الدَّبورِ
فغَدا يُصَرِّفُ مِنْ أعِنْـ
ـتها تَصاريفَ القَديرِ
(فَتْحي) وهَل لي إنْ سَألْـ
ـتُ عنِ المُصيبةِ مِنْ مُحيرِ؟
وَيْلاهُ هل جُزْتَ الحُدو
دَ وأنتَ مُخْتَرِقُ السُّتور؟
فَرَماكَ حُرّاسُ السَّما
ءِ وتلك قاصِمَةُ الظُّهورِ
أمْ غارَ منك السابِحا
تُ وأنتَ تَسْبَحُ في الأثيرِ
حَسَدَتْكَ حين رَأْتْكَ وَحْـ
ـدَكَ ثَمّ كالفَلَك المُنيرِ
والعَيْنُ مثلُ السَّهْمِ تَنْـ
ـفُذُ في التَّرائِبِ والنُّحُورِ
حاوَلْتَ أنْ تَرِدَ المَجَرْ
رَةَ والوُرودُ مِنَ العَسيرِ
فوَرَدْتَ يا (فَتْحي) الحِما
مَ وأنتَ مُنْقَطِعُ النَّظيرِ
وهَوَيْتَ من كَبِدِ السِّما
ءِ وهكذا مَهْوَى البُدورِ
إنْ كان أعْياكَ الصُّعو
دَ بذلك الجَسَدِ الطُّهورِ
فاسْبَحْ بروحِكَ وَحْدَها
واصْعَدْ إلى المَلِكِ الكبيرِ
إنْ راعَنا صْوتُ النَّعِيـ
ـيِ وفاتَنا نَبَأُ البَشيرِ
فلعلَّ مَنْ ضَنَّتْ يَدا
هُ على الكِنانَةِ بالسُّرورِ
أنْ يَستَجيبَ دُعاءَها
في حِفْظِ صاحِبِكَ الأخيرِ
باتَتْ تُراقِبُ في المَشا
رِقِ والمَغَارِبِ وَجْهَ (نُوري)

(١٦) رثاء الدكتور شبلي شميل

أنشدها في الحفل الذي أقيم في نادي جمعيّة الاتّحاد السوريّ في مساء الأحد ٩ فبراير سنة ١٩١٧م

سَكَنَ الفَيْلسوفُ بعد اضْطِرابِ
إنّ ذاك السُّكونَ فَصْلُ الخِطابِ
لَقِيَ اللهَ رَبَّه فاترُكوا المَر
ءَ لدَيَّانِه فسيحِ الرِّحابِ
حَزِن العِلْمُ يومَ مِتَّ ولكنْ
أمِنَ الدِّينُ صَيْحَةَ المُرْتابِ
كنتَ تَبغي بَرْدَ اليقين على الأرْ
ضِ وتَسعَى وراءَ لُبِّ اللُّبابِ
فاستَرِحْ أيُّها المُجاهِدُ واهْدأ
قد بَلَغْتَ المُرادَ تحتَ التُّرابِ
وعَرَفْتَ اليَقينَ وانبَلَجَ الحَـ
ـقُ لعَيْنَيْك ساطِعًا كالشِّهابِ
لَيْتَ شِعْري وقد قَضَيْتَ حياةً
بين شَكٍّ وحَيْرَةٍ وارتِيابِ
هل أتاكَ اليقينُ من طُرُقِ الشَّـ
ـكِ فشَكُّ الحكيم بَدْءُ الصَّوابِ
كم سَمِعْنا مُسائِلاً قَبْل (شِبْلي)
عاش في البَحْثِ طارِقًا كلَّ بابِ
أطْلَقَ الفِكْرَ في العَوالِم حُرًّا
مُسْتَطيرًا يُريغُ هَتْكَ الحِجابِ
يَقرَعُ النَّجْمَ سائلاً ثمّ يَرْتَدْ
دُ إلى الأرضِ باحِثًا عن جوابِ
أَعْجَزَتْه من قُدْرَةِ اللهِ أسْبا
بٌ طَواها مُسَبِّبُ الأسْبابِ
وَقَفَتْ دونَها العُقولُ حَيارَى
وانثَنى هبْرِزِيُّها وهو كابي
لم يَكُنْ مُلْحِدًا ولكنْ تَصَدَّى
لشؤون المُهَيْمِن الوَهّابِ
رامَ إدراكَ كُنْه ما أعْجَزَ النا
سَ قديمًا فلم يَفُزْ بالطِّلابِ
إيهِ شبلي قد أكْثَرَ الناسُ فيكَ الْـ
ـقَوْلَ حتّى تَفنَّنوا في عِتابي
قيلَ: تَرْثي ذاكَ الّذي يُنْكِرُ النُّو
رَ ولا يَهْتَدي بهَدْيِ الكِتابِ؟
قلتُ: كُفُّوا فإنّما قُمْتُ أرْثي
منه خِلاًّ أمْسى طويلَ الغِيابِ
أنا واللهِ لا أُحابيه في القَوْ
لِ فقد كان صاحبي لا يُحابي
أنا أرْثي شَمائلاً منه عِندي
كُنَّ أحْلى من الشِّهادِ المُذابِ
كان حُرَّ الآراءِ لا يَعرِفُ الخَتْـ
ـلَ ولا يَستَبيحُ غَيْبَ الصِّحابِ
مُفْضِلاً مُحْسِنًا على العُسْرِ واليُسْـ
ـرِ جميعَ الفُؤادِ رَحْبَ الجَنابِ
عاشَ ما عاشَ لا يُليقُ على الأيْـ
ـامِ مالاً ولم يَلِنْ للصِّعابِ
كان في الوُدِّ مَوْضِعَ الثِّقةِ الكُبْـ
ـرى وفي العِلْم مَوضِعَ الإعجابِ
نُكِبَ الطِّبُّ فيه يومَ تَولَّى
وأُصيبَتْ روائِعُ الآدابِ
وخَلا ذلك النَّديُّ مِنَ الأنْـ
ـسِ وقد كانَ مَرْتَعَ الكُتّابِ
وبَكَتْ فَقْدَه الشآمُ وناءَتْ
فوقَ ما نابَها بهذا المُصابِ
كلَّ يوْمٍ يُهَدُّ رُكْنٌ من الشَّأْ
مِ، لقد آذَنَتْ إذًا بالخَرابِ
فهي (باليازجي) و(جُرْجي) و(شِبْلي)
فُجِعَتْ بالثَّلاثةِ الأقطابِ
فعَلَى الرّاحِلِ الكريمِ سلامٌ
كلَّما غَيبَ الثَّرى لَيْثَ غابِ

(١٧) رثاء جورجي زيدان سنة ١٩١٤

دَعاني رفاقي والقوافي مَريضةٌ
وقد عَقَدَتْ هُوجُ الخُطوبِ لساني
فجئْتُ وبي ما يَعلَم اللهُ مِنْ أسًى
ومِنْ كَمَدٍ قد شَفَّني وبَراني
مَلِلْتُ وُقوفي بينكم مُتَلَهِّفًا
على راحِلٍ فارَقْتُه فشَجاني
أفيِ كلِّ يومٍ يَبْضَعُ الحُزْنُ بَضْعَةً؟
مِنَ القلب إنِّي قد فَقَدْتُ جَناني
كَفاني ما لُقِّيتُ مِنْ لَوْعَةِ الأسَى
وما نابَني يومَ (الإمام) كَفاني
تَفَرَّقَ أحبابي وأهلي وأخَّرَتْ
يَدُ اللهِ يَوْمي فانتَظَرْتُ أواني
ومالي صديقٌ إنْ عَثَرْتُ أقالَني
ومالي قريبٌ إنْ قَضَيْتُ بَكاني
أرانيَ قد قَصَّرْتُ في حَقِّ صُحْبَتي
وتَقصيرُ أمثالي جِنايَةُ جاني
فلا تَعْذِروني يوم (فَتْحي) فإنني
لأعْلمُ ما لا يَجْهَلُ الثَّقَلانِ
فقد غابَ عنّا يومَ غابَ ولم يَكُنْ
له بَيْنَ هالاتِ النَّوابِغِ ثاني
وفي ذّمتي (لليازجيّ) وَديعَةٌ
وأخرى (لزَيْدانٍ) وقد سَبَقاني
فيا ليْتَ شِعْري ما يَقولان في الثَّرى
إذا الْتَقيا يومًا وقد ذَكَراني
وقد رَمَيا بالطَّرْف بين جُموعِكُمْ
ولم يَشْهَدا في المَشْهَدَيْنِ مكاني
أيَجمُلُ بي هذا العُقوقُ وإنّما
على غير هذا العَهْد قد عَرَفاني
دَعاني وفائي يومَ ذاكَ فلمْ أكُنْ
ضَنينًا ولكنّ القريضَ عَصاني
وقد تُخْرِسُ الأحْزانُ كلَّ مُفَوَّهٍ
يُصَرِّفُ في الإنْشادِ كلَّ عِنانِ
أأنْساهُمَا والعِلْمُ فوق ثَراهُما
تَنَكَّس من أعْلامِهِ عَلَمانِ
وكم فُزْتُ مِنْ رَبِّ (الهِلالِ) بحِكْمَةٍ
وكم زِنْتُ من رَبِّ (الضِّياء) بَياني
(أزيْدانُ) لا تَبْعَدْ وتلك عُلالةٌ
يُنادي بها النَّاعونَ كلَّ حُسانِ
لكَ الأثرُ الباقي وإنْ كنتَ نائيًا
فأنتَ على رَغْم المَنِيَّةِ داني
ويا قبرَ (زَيْدانٍ) طَوَيْتَ مُؤَرِّخًا
تَجَلَّى له ما أضْمَرَ الفَتَيانِ
وعَقْلاً وَلُوعًا بالكُنوز فإنّه
على الدُّرِّ غوّاصٌ ببحْرِ (عُمانِ)
وعَزْمًا شَآمِيًّا له أيْنَما مَضَى
شَبَا هِنْدُوانيٍّ وحَدُّ يَماني
وكفًّا إذا جالَتْ على الطرْس جَوْلَةً
تَمايَلَ إعْجابًا بها البَلَدانِ
أشادَتْ بذِكْرِ الرّاشِدين كأنّما
فتى (القُدْسِ) ممّا يُنْبِتُ الحَرَمانِ
سَألْتُ حُماةَ النَّثْر عَدَّ خِلالِه
فمالي بما أعْيا القَريضَ يَدانِ

(١٨) رثاء إبراهيم حسن باشا ومحمّد شكري باشا

أنشدها في الحفل الذي أقيم لتأبينهما في مدرسة القصر العَيني في ٢٣ فبراير سنة ١٩١٧م

لا مَرْحَبًا بكَ أيُّهذا العامُ
لم يُرْعَ عِندَكَ للأُساةِ ذِمام
في مُستَهَلِّكَ رُعْتَنا بمآتمٍ
للنافِعِين من الرِّجال تُقام
عَلَمانِ مِنْ أعلام (مِصْرَ) طَواهُما
فيكَ الرَّدى فبَكَتْهُما (الأهْرام)
غَيَّبْتَ (شُكْري) وهو نابِهُ عَصْرِه
وأصَبْتَ (إبراهيمَ) وهو إمام
خَدَما رُبوعَ النِّيل في عَهْدَيْهِما
والطِّبُّ نَبْتٌ لم يَجُدْه غَمامُ
والناسُ بالغَرْبيِّ في تَطْبيبه
وَلِعُوا على بُعْد المَزارِ وهاموا
حتّى انْبَرَى (شُكري) فأثْبَتَ سَبْقُه
أنّ ابنَ (مِصْرَ) مُجَرِّبٌ مِقْدام
وأقام (إبراهيمُ) أبْلَغَ حُجَّةٍ
أنّ العَرينَ يَحُلُّه ضِرْغام
وتَرَسَّمَ المُتَعَلِّمون خُطاهُما
فانشَقَّ من عَلَمَيْهِما أعْلام
قد أقْسَموا للطِّبِّ أن يَسْموا به
فوق السِِّماكِ فَبَرَّتِ الأقْسام
وغَدَتْ رُبوعُ الطِّبِّ تَحكي جنَّةً
فيها (لبُقْراطَ) الحكيم مقام
ورَأَى عليلُ النِّيلِ أنّ أُساتَه
بَذُّوا الأساةَ فلم يَرُعْهُ سَقام
يا (مِصْرُ) حَسْبُكِ ما بَلَغْتِ مِنَ المُنَى
صَدَقَ الرَّجاءُ وصَحَّت الأحْلام
ومَشَى بَنوكِ كما اشتَهَيْتِ إلى العُلا
وعلى الوَلاءِ — كما عَلِمْتِ — أقاموا
ومَدَدْتِ صَوْتَكِ بَعْدَ طولِ خُفُوتِه
فدَعَا بعافِيةٍ لكِ الإسْلام
ورَفَعْت رأْسَكِ عند مُفْتَخَرِ النُّهى
بين المَمالِكِ حيثُ تُحْنَى الهام
كم فيكِ جَرْاحٍ كأنّ يمينَهُ
عند الجراحَةِ بَلْسَمٌ وسَلام
قد صِيغَ مِبْضَعُه وإنْ أجرَى دَمًا
مِنْ رَحْمةٍ فجَريحُه بَسّام
ومُوَفَّقٍ جَمِّ الصَّوابِ إذا التَوَى
داءُ العليلِ وحارَت الأفْهام
يُلْقي بسَمْعٍ لا يَخونُ إذا هَفَتْ
أذُنٌ وخانَ المِسْمَعَيْنِ صِمام
وإذا عُضالُ الدّاء أبْهَمَ أمْرُهُ
عَرَفَتْ خَفِيَّ دَبيبِه الإبْهام
يَسْتَنْطِقُ الآلامَ وهي دَفينَةٌ
خَرْساءُ حَتّى تَنْطِق الآلام
كم سَلَّ من أيدي المنايا أنفُسًا
وثَنى عِنانَ المَوْتِ وهْوَ زُؤام
ومُطَبِّبٍ للعَيْن يَحمِلُ مِيلُه
نُورًا إذا غَشَّى العُيونَ قَتام
وكأنَّ إثْمِدَه ضِياءٌ ذَرَّه
(عِيسى بنُ مَرْيَمَ) فانجَلَى الإظْلام
ومُطَبِّبٍ للطِّفل لم تَنْبُتْ له
سِنٌّ ولم يَدْرُجْ إليه فِطام
يَشْكو السِّقامَ بناظِرَيْه وما لَه
غيرُ التَّفَرُّزِ والأنينِ كَلام
فكم استَشَفَّ وكم أصابَ كأنّما
في نَظْرَتَيْه الوَحْيُ والإلْهام
ومُوَلِّدٍ عَرَفَ الأجِنَّةُ فَضْلَه
إنْ أعْسَرَتْ بوِلادها الأرْحام
كم قد أنارَ لها بحالِكَة الحَشا
سُبُلاً تَضِلّ سُلوكَها الأوْهام
لولا يَداهُ سَطَا على أبدانِها
كَرْبُ المَخاضِ وشَفَّها الإيلامُ
فبهؤلاء الغُرِّ يا (مِصْر) اهنَئي
فبمِثْلهمْ تَتَفاخَرُ الأيّام
وعلى طبيبَيْكِ اللّذيْنِ رَماهُما
رامي المَنونِ تحيّةٌ وسَلام

(١٩) رثاء المغفور له الشيخ سليم البشري (نشرت في ١٧ أكتوبر سنة ١٩١٧م)

أنشدها عند دفنه

أيَدْري المُسْلِمونَ بمَنْ أصيبوا
وقد وارَوْا (سَليمًا) في التُّرابِ
هَوَى رُكْنُ الحديث فأيُّ قُطْبٍ
لطُلاّب الحقيقةِ والصَّوابِ
(مُوَطَّأَ مالِكٍ) عَزِّ (البُخاري)
ودَعْ للهِ تعْزِيَةَ (الكِتابِ)
فما في النّاطِقين فَمٌ يُوَفِّي
عَزاءَ الدِّين في هذا المُصابِ
قَضَى الشيخُ المُحَدِّثُ وهْوَ يُمْلي
على طُلاّبِه فَصْلَ الخِطابِ
ولم تَنْقُصْ له التِّسعون عَزْمًا
ولا صَدَّتْه عن دَرْكِ الطِّلابِ
وما غالَتْ قَريحَتَه اللَّيالي
ولا خانَتْه ذاكِرةُ الشَّبابِ
أشَيْخَ المُسلِمين نَأَيْتَ عنّا
عَظيمَ الأجرِ مَوْفورَ الثَّوابِ
لقد سَبَقَتْ لك الحُسنَى فطوبَى
لمَوقِفِ شَيْخِنا يوْمَ الحِسابِ
إذا ألْقى السُّؤالَ عَلَيْكَ مُلْقٍ
تَسدَّى عنْكَ بِرُّكَ للجوابِ
ونادى العَدْلُ والإحسانُ إنّا
نُزَكِّي ما يَقولُ ولا نُحابي
قِفوا يأيُّها العُلَماءُ وابْكُوا
ورَوُّوا لَحْدَه قَبْلَ الحِسابِ
فهذا يومُنا ولَنَحْنُ أوْلى
بَبَدْلِ الدَّمْعِ من ذاتِ الخِضابِ
عليكَ تحيّةُ الإسلامِ وَقْفًا
وأهْليه إلى يوم المَآبِ

(٢٠) رثاء المغفور له السلطان حسين كامل (نشرت في أوّل نوفمبر سنة ١٩١٧م)

دُكَّ ما بين ضَحْوَةٍ وعَشيِّ
شامِخٌ مِنْ صُروحِ (آل عَليِّ)
وهَوَى عن سَماوَةِ العَرْش مَلْكٌ
لم نُمَتَّعْ بعهْده الذَّهَبيِّ
قد تَساءَلْتُ يومَ مات (حُسَيْنُ)
أفَقَدنا بفَقْده كلَّ شيِّ؟
أمْ ترى يُسْعِدُ الكِنانَةَ باريـ
ـها ويَقضي لها بلُطْفٍ خَفي؟
لم تَكَدْ تُدْرِكُ النفوسُ مُرادًا
في زَمان المتوَّجِ العَلَوِي
لم تَكَدْ تَبْلُغ البلادُ مُناها
تحتَ أفْياءِ عَدْلِه الكِسْرَوي
لم يَكَدْ يَنْعَمُ الفقيرُ بعَيْشٍ
مِنْ نَداهُ وفَيْضه الحاتِمي
حَجَبَ المَوْتُ مَطْلَعَ الجُودِ يا (مِصْـ
ـرُ) فجُودي له بدمْعٍ سَخي
ومَضَى واهِبُ الألوفِ فَوَلَّتْ
يومَ وَلَّى بَشاشةُ الأرْيَحي
وقَضَى كافِلُ اليَتامى فوَيْلٌ
لليَتامى مِنَ الزَّمانِ العَتي
كم تَمَنَّى لو عاشَ حتّى يَرانا
أمّةً ذاتَ مَنْعَةٍ ورُقي
غالَه الضَّعْفُ حين شَمَّرَ للإصْـ
ـلاحِ في مُلْكِه بعَزْمٍ فَتي
حَبَسَ الخَطْبُ فيكَ ألْسِنَةَ القَوْ
لِ وأعْيا قريحَة العَبْقِري
وإذا جَلَّت الخُطوبُ وطَمَّت
أعْجَزَتْ في القَريض طَوْقَ الرَّوِي
إنَّ شَرَّ المُصابِ ما أطْلَقَ الدَّمْـ
ـعَ وراعَ المُفَوَّهينَ بِعِي
لَهْفَ نَفْسي على انبساطِكَ للضَّيْـ
ـفِ وذيَّالِكَ الحديث الشَّهيِّ
يَحْسَبُ الدارَ دارَه وهو يَمشي
فوقَ زاهي بِساطِكَ الأحْمَدي
خُلُقٌ مِثلما نَشَقْتَ أريجَ الزْ
زَهْرِ جادَتْه زَوْرَةُ الوَسْمي
واهتزازُ للعُرْف مثلُ اهتزاز السْـ
ـيْفِ في قَبضَةِ الشُّجاعِ الكَمي
وحَياءٌ عند العَطِيَّةِ يَنْفي
خَجَلَ السائِل الكَريمِ الأبي
واختبارٌ يُثْني عِنانَ العَوادي
وَوَقارٌ يَزينُ صَدْرَ النَّدِي
رَحِمَ اللهُ (يا حُسَيْنُ) خِلالاً
فيكَ لم يَجْتَمِعْنَ في نَفْسِ حَي
يا كريمًا حَلَلْتَ ساحَ كريمٍ
وضَعيفًا حَلَلْتَ ساحَ القوي
قد كفاكَ السُّهادُ في العَيْشِ فاهنأْ
يا أليفَ الضَّنَى بنَوْمٍ هَني
وَيْحَ (مِصْرٍ) فأيُّ خَيْطِ رَجاءٍ
قَطَعَتْه رَنَّاتُ صَوْتِ النَّعي

(٢١) رثاء باحثة البادية (نشرت في سنة ١٩١٨م)

(مَلَكَ) النُّهى لا تَبْعَدِي
فالخَلْقُ في الدنيا سِيَرْ
إنّي أرى لكِ سِيرَةً
كالرَّوْضِ أرَّجَهُ الزَّهَر
رَبَّى أبوكِ الناشئيـ
ـنَ فعاشَ محمودَ الأثَر
وسَلَكْتِ أنتِ سَبيلَه
في الناشئاتِ من الصِّغَر
رَبَّيْتِهِنَّ على الفضيـ
ـلَةِ والطَّهارة والخَفَر
وعلى اتّباعِ شريعَةٍ
نَزَلَتْ بها آيُ السُّوَر
فلَبيْتِكُمْ فَضْلُ على الـ
ـاحياءِ أنْثى أو ذَكَر
للهِ دَرُّكِ إنْ نَثَرْ
تِ ودَرُّ (حفني) إنْ نَثَر
قد كنتِ زَوْجًا طَبَّةً
في البَدْوِ عاشَتْ والحَضَر
سادَتْ على أهْل القُصو
رِ وسَوَّدَتْ أهْلَ الوَبَرْ
غَربيّةٌ في عِلْمِها
مَرْموقَةٌ بين الأسَر
شَرقيّةٌ في طَبْعِها
مَخْدورَةٌ بين الحُجَر
بَيْنا تَراها في الطُّرو
سِ تَخُطُّ آياتِ العِبَر
وتُريكَ حِكْمَةَ نابِهٍ
عَرَكَ الحَوادِثَ واختَبَر
فإذا بها في مَطْبَخٍ
تَطهو الطَّعامَ على قَدَر
وإذا بها قَعَدَتْ تَخيـ
ـطُ وتَرتَضي وَخْزَ الإبَر
فَخَرَتْ بوالِدها ووا
لِدُها بحِلْيَتها افتَخَر
بالعلم حَلَّتْ صَدْرَها
لا باللآلئِ والدُّرَر
فانظُرْ شمائِلَ فِكْرِها
باللهِ يَوْمَ (المُؤْتَمَر)
واقْرأ (مُحاضَرَةَ الجريـ
ـدةِ) والمقالاتِ الغُرَر
وارجِعْ إلى ما أوْدَعَتْ
عند المَجَلاّتِ الكُبرَ
تَعْلَمْ بأنّا قد فَقَدْ
نا خَيْرَ ربّاتِ الفِكَرْ
ذَنْبُ المَنِيّةِ في اغتيا
ل شبابها لا يُغْتَفَر
يا لَيْتهَا عاشَتْ (لمصْـ
ـرَ) ولمْ تُغَيِّبْها الحُفَر
كانت مِثالاً صالحًا
يُرْجى وكَنزًا يُدَّخَر
إنِّي رَأيْتُ الجاهِلا
تِ السَّافراتِ على خَطَر
ورأيْتُ فيهنّ الصِّيا
نَةَ والعَفافَ على سَفَر
لا وازعٌ — وقد انطَوَتْ
(مَلَكٌ) يقِيهنَّ الضَّرر
لا كان يومُكِ يوم لا
حَ الحزنُ مختلِف الصُّور
عَلَّمْتِ هاتِفَةَ القصو
رِ نُواحَ هاتِفةِ الشَّجَر
وتَرَكْتِ أتْرابَ الصِّبا
حُزْنًا يُقَطِّعْنَ الشَّعَر
يَبْكينَ عَهْدَكِ في الصَّبا
حِ وفي المساء وفي السَّحَر
وتَرَكْتِ شَيْخَكِ لا يَعي
هلْ غابَ زَيْدٌ أو حَضَر
ثَمِلاً تُرَنِّحُه الهُمو
مُ إذا تحامَلَ أو خَطر
كالفَرْعِ هَزَّتْه العَوا
صِفُ فالتوى ثمّ انكَسَر
أو كالبِناءِ يُريدُ أنْ
يَنقَضَّ من وَقْعِ الخَوَرْ
قد زَعْزَعَتْهُ يَدُ القضا
ءِ وزَلْزَلَتْه يدُ القَدَر
أنا لم أذُقْ فَقْدَ البنيـ
ـنَ ولا البَناتِ على الكِبَر
لكنّني لمّا رأيْـ
ـتُ فؤادَه وقد انفَطَر
ورأيتُه قد كادُ يُحـ
ـرِقُ زائِريِه إذا زَفَر
وشَهِدْتُه أنَّى خَطا
خَطْوًا تَخَبَّل أو عَثَر
أدْرَكْتُ مَعْنى الحُزْنِ حُزْ
نِ الوالِدَيْنِ، فما أمَرّ
وشَهِدْتُ زَوْجَكِ مُطْرِقًا
مُسْتَوْحِشًا بين السَّمَر
كالمُدْلِجِ الحَيْرانِ في الـ
ـبَيْداءِ أخْطَأهُ القَمَر
فعَلِمْتُ أنّكِ كنتِ عِقـ
ـدَ هَنائِه وقد انتَثَر
صَبْرًا أبا (مَلَكٍ) فإنْـ
ـنَ الباقياتِ لمَنْ صَبَر
وبقَدرِ صبْرِ المُبْتَلى
طولُ المُصيبةِ والقِصَر
كُن أنتَ أنتَ إذا تُسا
ءُ كأنتَ أنتَ إذا تُسَرّ
يا بَرَةً بالوالِدَيْـ
ـنِ أبوكِ بَعْدَكِ لا يَقَِرّ
فسَلي إلهَكِ سَلْوَةً
لأبيكِ فهْوَ به أبَرّ
وليَهْنِكِ الخِدْرُ الجَديـ
ـدُ فذاكَ دارُ المُسْتَقَرّ

(٢٢) رثاء محمّد فريد بك (في سنة ١٩١٩م)

مَنْ ليَوْمٍ نحنُ فيه مَنْ لِغَدْ
ماتَ ذو العَزْمَةِ والرَّأْيِ الأسَدّ
حَلَّ (بالجُمْعةِ) حُزْنُ وأسًى
ومَشَى الوَجْدُ إلى يومِ (الأحَد)
وبَدا شِعْري على قِرْطاسِه
لَوْعَةً سالَتْ على دَمْعٍ جَمَد
أيُّها النِّيلُ لقد جَلَّ الأسَى
كُنْ مِدادًا لي إذا الدَّمْعُ نَفِد
واذْبُلي يا زَهْرَةَ الرَّوْضِ ولا
تَبْسِمي للطَّلَِّ فالعَيْشُ نَكِد
والزَمِ النَّوْحَ أيا طَيْرُ ولا
تَبْتَهِجْ بالشَّدْوِ فالشَّدوُ حَدَد
فلقد وَلَّى (فَريدٌ) وانطَوَى
رُكنُ (مصرٍ) وفَتاها والسَّنَدْ
خالدَ الآثارِ لا تَخْشَ البِلَى
ليس يَبْلَى مَنْ له ذِكْرٌ خَلَد
زُرْتَ (بَرْلينَ) فنادَى سَمْتُها:
نَزَلَتْ شمْسُ الضُّحَى بُرْجَ الأسَد
واختَفَتْ شَمْسُكَ فيها وكَذا
تَختَفي في الغَرْبِ أقمارُ الأبَد
يا غَريبَ الدّارِ والقَبْر ويا
سُلْوةَ (النِّيل) إذا ما الخَطْبُ جَدّ
وحُسامًا فَلَّ حَدَّيْه الرَّدى
وشِهابًا ضاءَ وَهْنًا وخَمَد
قُلْ لصَبِّ (النِّيل) إنْ لاقَيْتَه
في جِوارِ الدّائِم الفَرْدِ الصَّمَد
إنّ (مِصْرًا) لا تَني عنْ قَصْدِها
رَغْمَ ما تَلْقَى وإنْ طالَ الأمَد
جئتُ عنها أحْمِلُ البُشْرى إلى
أوّلِ البانينَ في هذا البَلَد
فاستَرِحْ واهنأْ ونَمْ في غِبْطَةٍ
قد بَذَرْتَ الحَبَّ والشَّعْبُ حَصَد
آثَرَ (النِّيلَ) على أمْوالِهِ
وقُواهُ وهَواهُ والوَلَد
يَطْلُبُ الخيرَ (لمصرٍ) وهْوَ في
شِقْوَةٍ أحْلَى مِنَ العيش الرَّغَد
ضارِبٌ في الأرض يَبغي مأرَبًا
كلَّما قارَبَه، عنه ابتَعَدْ
لم يَعبْه أنْ تَجَنَّى دَهْرُه
رُبَّ جِدٍّ حادَ عن مَجْراه جَدّ
يَستَجِمُّ العَزْمَ حتّى إنْ بَدَتْ
فرصةٌ شَدَّ إليها وصَمَد
فهو لا يَثْني عِنانًا عن مُنًى
وهو هِجِّيراهُ (مَنْ جَدٍّ وَجَد)
فأياديه إذا ما أُنْكِرَتْ
إنّما تُنْكِرُها عَيْنُ الحَسَد
فَقَدَتْ (مِصرُ فَريدًا) وهي في
مَوْطِنٍ يُعْوِزُها فيه المَدَد
فَقَدَتْ (مِصرُ فريدًا) وهي في
لَهْوَةِ المَيْدانِ والموتُ رَصَد
فَقَدَتْ منه خبيرًا حُوَّلا
وهي والأيّامُ في أخْذٍ ورَدّ
لم يَكَدْ يُمْتِعُها الدَّهْرُ به
في رُبوعِ (النِّيل) حَيًّا لم يَكَد
ليْتَه عاشَ قليلاً فتَرى
شعْبَ (مِصْرٍ) عَيْنُه كيفَ اتَّحَد
وَيْحَ (مصرٍ) بل فوَيحًا للثَّرى
إنّه أبْلَغُ حُزْنًا وأشَدّ
كم تَمَنَّى وتَمَنَّى أهْلُه
لو يُوارَى فيه ذَيّاكَ الجسَد
لَهْفَ نَفْسي هل (ببَرْلين) امرُؤٌ
فوق ذاك القَبْرِ صَلَّى وسَجَدْ؟
هل بَكَتْ عَيْنُ فرَوَّتْ تُرْبَه
هل على أحْجارِه خَطَّ أحَد؟
ها هُنا قَبْرُ شهيدٍ في هَوَى
أمَّةٍ أيْقَظَها، ثُمَّ رَقَد

(٢٣) رثاء عبد الله أباظه بك

(أنشد هذين البيتين على قبره في سنة ١٩١٩م)

يا عابِدَ اللهِ نَمْ في القبْرِ مُغْتَبِطًا
ما كنتَ عَنْ ذِكْرِ ربِّ العَرْشِ باللاّهي
يا رحمةَ اللهِ هذا قبرُه فقِفي
وآنِسي رُوحَه يا رَحْمَةَ اللهِ

(٢٤) رثاء عبد الحميد رمزي (نشرت في ٦ مارس سنة ١٩٢٠م)

قالها على لسان إبراهيم رمزي بك في حفل تأبين ابنه عبد الحميد، وكان طالبًا بالمدارس الثانويّة، ولم يَقوَ أبوه على الكلام في هذا الحفل، فناب عنه حافظ وقال هذه القصيدة:

وَلَدي، قد طالَ سُهْدي ونَحيبي
جِئْتُ أدْعوكَ فهلْ أنْتَ مُجيبي؟
جِئْتُ أرْوي بدموعي مَضْجَعًا
فيه أوْدَعْتُ من الدُّنيا نصيبي
لا تَخَفْ من وَحْشَةِ القَبْرِ ولا
تَبْتَئِسْ إنِّي مُوافٍ عنْ قريبِ
أنا لا أتْرُكُ شِبلي وَحْدَه
في جَديبٍ مُوحِشٍ غَيْرِ رَحِيب
أوَ حينَ ابتَزَّ دَهْري قوّتي
وذَوَى عُودي ووافاني مَشيبي
واكتَسَى غُصْنُكَ من أوْراقِه
تحْتَ شمسِ العِزِّ والجاه الخَصيب
ورَجَوْنا فيك ما لم يَرْجُهُ
مُنْجِبُ الأَشْبالِ في الشِّبْلِ النجيب
يَنْتَوِيكَ المَوْتُ في شَرْخِ الصِّبا
والشَّباب الغَضّ في البُرْدِ القَشيب
لم يَدَعْ آسيكَ جُهْدًا إنّما
غابَ عِلْمُ اللهِ عنْ عِلْمِ الطَّبيب
إيهِ يا (عَبْدَ الحَميد) انظُرْ إلى
والدٍ جَمِّ الأسى بادي الشُّحوبِ
ذاهِلٍ من فَرْطِ ما حلَّ به
بيْنَ أتْرابِكَ يَمشي كالغَريب
كلَّما أبْصَرَ منهم واحِدًا
هَزَّهُ الشَّوقُ إلى وَجْهِ الحبيب
يَسألُ الأغْصانَ في إزْهارِها
عن أخيها ذلك الغُصْنِ الرَّطيب
يَسألُ الأقْمارَ في إشراقِها
عن مُحَيًّا غابَ من قَبْلِ المَغيبِ
غَمَرَ الحُزْنُ نواحي نَفْسِه
وأذابَتْ لُبَّه سُودُ الخُطوبِ
فهو لا يَنْفَعُه العَيْشُ وهَلْ
تَصْلُحُ الأبدانُ من غَيْرِ قُلوبِ؟
طالِعي يا شَمْسُ قبرًا ضَمَّه
بالتَّحايا في شروقٍ وغُروبِ
واسْكُني يا رَحْمَةَ اللهِ به
واجْعَلي فيَضَكِ مُنْهَلَّ السُّكُوبِ

(٢٥) رثاء عبد الحليم المصري الشاعر المعروف (نشرت في ٨ يوليه سنة ١٩٢٢م)

لكَ اللهُ قد أسْرَعْتَ في السَّيْرِ قَبْلَنا
وآثَرْتَ يا«مِصْرِيُّ» سُكْنَى المقابِرِ
وقد كنتَ فينا يا فتى الشِّعْرِ زَهْرةً
تَفَتَّحُ للأذْهانِ قبل النَّواظِر
فلَهْفي على تلكَ الأنامِل في البِلَى
فكَمْ نَسَجَتْ قَبْلَ البِلَى مِن مَفاخر
ويا وَيْحَ للأشعارِ بَعْدَ نَجيِّها
ووَيْحَ القوافي ساقَها غيرُ شاعِر
تَزَوَّدْتَ من دُنياك ذِكْرًا مُخَلَّدا
وذاكَ لَعَمْري نِعْمَ زادُ المُسافِر
وأوْرَثْتَنا حزْنًا عليكَ وحَسْرَةً
على فَقْدِ سَبَّاقٍ كريم المَحاضِر
فلم تَثْوِ يا (عَبْدَ الحليم) بحُفْرَةٍ
ولكنْ برَوْضِ من قَريضِكَ ناضِر
فديوانُك الرَّيّانُ يُغْنِيكَ طِيبُه
عَن الزَّهْرِ مَطلولاً بجَوْدِ المَواطِر
فسامِرْ (أبا بَكْر) هُناك فإنّه
سَيَظْفَرُ في عَدْن بخَيْرِ مُسامِر
هنيئًا لك الدّارُ الّتي قد حَلَلْتَها
وأعْظِمْ بمَنْ جاوَرْتَه مِنْ مُجاوِرِ
عليكَ سَلامٌ ما تَرَنَّمَ مُنْشِدٌ
وقامَ خَطيبٌ فوْق هامِ المَنابِر

(٢٦) ذكرى الأستاذ الإمام الشيخ محمّد عبده

أنشدها في الحفل الذي أقيم بالجامعة المصريّة في يوم الثلاثاء ١١ يوليه سنة ١٩٢٢م وقد ضمّنها رثاء المرحوم حفني ناصف بك

آذَنَتْ شمسْسُ حياتي بمَغيبِ
ودَنَا المَنْهَلُ يا نَفَسُ فطيبي
إنّ مَنْ سارَ إليه سَيْرَنا
وَرَدَ الراحةَ مِنْ بَعْدِ اللُّغُوبِ
قد مَضَآ (حَفْني) وهذا يوْمُنا
يَتدانَى فاستَثيبي وأنيبي
وارْقُبيه كلَّ يوْمٍ إنّما
نحنُ في قَبْضَةِ عَلاّمِ الغُيوبِ
اذْكُري الموتَ لدى النَّوْمِ ولا
تَغْفِلي ذِكْرَتَه عند الهُبوبِ
واذكُري الوَحْشَةَ في القَبْرِ فلا
مُؤْنِسٌ فيه سوى تَقْوَى القُلوبِ
قَدِّمي الخَيْرَ احْتِسابًا فكَفَى
بعضُ ما قَدَّمْتِ من تِلْكَ الذُّنوبِ
راعَني فَقْدُ شبابي وأنا
لا أراعُ اليَوْمَ من فَقْدِ مَشيبي
حَنَّ جَنْبايَ إلى بَرْد الثَّرى
حَيْثُ أُنْسَى من عَدُوٍّ وحَبيبِ
مَضْطَعُ لا يَشْتَكي صاحبُه
شِدَّةَ الدَّهْرِ ولا شَدَّ الخُطوبِ
لا ولا يُسْئِمُه ذاك الّذي
يُسئِمُ الأحْياءَ من عَيْشٍ رَتيبِ
قد وَقَفْنا سِتَّةً نَبْكي على
عالِمِ المَشْرِق في يَوْمٍ عَصيبِ
وَقَفَ الخَمْسَةُ قَبْلي فَمَضَوْا
هكذا قَبْلي وإنِّي عن قريبِ
وَرَدُوا الحَوْضَ تِباعًا فقَضَوْا
باتّفاقٍ في مَناياهُمْ عَجيبِ
أنا مُذ بانوا وَولَّى عَهْدُهُمْ
حاضِرُ اللَّوْعَةِ مَوْصولُ النَّحيبِ
هَدَأَتْ نيرانُ حُزْني هَدْأةً
وانطَوَى (حفْني) فعادَتْ للشُّبوبِ
فتَذَكَّرْتُ به يومَ انْطوى
صادِقُ العَزْمَةِ كَشّافُ الكُروبِ
يومَ كَفّنّاه في آمالِنا
وذَكَرْنا عِنْده قَوْلَ (حَبيب):
عَرَفوا مَنْ غَيَّبوه وكذا
تُعْرَفُ الأقْمارُ من بَعْدِ المَغيبِ
وفُجِعْنا بإمامٍ مُصْلِحٍ
عامِرِ القَلْبِ وأوّابٍ مُنيبِ
كمْ له من باقياتٍ في الهُدى
والنَّدى بين شُروقٍ وغُروبِ
يَبْذُلُ المَعْروف في السِّرِّ كما
يَرْقُبُ العاشِقُ إغْفاءَ الرَّقيب
يُحْسِنُ الظَّنَّ به أعداؤُه
حينَ لا يَحْسُنُ ظَنٌّ بقريب
تَنْزِلُ الأضْيافُ منه والمُنى
والخِلالُ الغُرُّ في مَرْعًى خَصيبِ
قد مَضَتْ عَشْرٌ وسَبْعٌ والنُّهى
في ذُبولٍ والأماني في نُضوبِ
نَرْقُبُ الأفْقَ فلا يَبْدو به
لامِعٌ من نورِ هادٍ مُسْتَثيب
ونُنادي كلَّ مأْمولٍ وما
غيرُ أصْداءِ المُنادي مِنْ مُجيب
دَوِيَ الجُرْحُ ولم يُقْدَرْ له
بعْدَ ثاوي (عَيْنِ شمْسٍ) مِنْ طبيبِ
أجْدَبَ العِلْمُ وأمْسَى بَعْدَه
رائِدُ العِرْفان في وادٍ جَديب
رْحمَةُ الدِّين عليه كلَّما
خَرَج التفسيرُ عن طوْقِ الأريبِ
رَحْمَةُ الرأيِ عليه كلَّما
طاشَ سهمُ الرأيِ في كفِّ المُصيب
رَحْمَةُ الفَهْمِ عليه كلَّما
ضاق بالحِدْثانِ ذو الصَّدْر الرَّحيب
ليسَ في مَيْدانِ (مِصْرٍ) فارِسٌ
يَرْكَبُ الأخْطارَ في يَوْمِ الرُّكوبِ
كلَّما شارَفَه مِنّا فتًى
غالَه المِقْدارُ من قَبْلِ الوُثوبِ
ما تَرَى كيف تَوَلَّى (قاسِمٌ)
وهو في المَيْغَةِ والبُرْدِ القَشيب
أُنْسِيَ الأحْياءُ ذِكْرى (عَبْدِه)
وهي للمُسْتافِ من مِسْكٍ وطِيب
إنَّهم لو أنْصَفوها لبَنَوْا
مَعْهَدًا تَعْتادُه كفُّ الوَهُوب
مَعْهَدًا للدِّين يُسْقَى غَرْسُه
من غَيرٍ فاضَ مِْ ذاكَ القَليب
ونَسينا ذِكْرَ (حفْني) بَعْدَه
ودَفَنَّا فَضْلَه دَفْنَ الغَريب
لم تَسِلْ منَّا عليه دَمْعَةٌ
وهو أوْلى الناسِ بالدَّمْعِ الصَّبيب
سَكَنَتْ أنفاسُ (حَفْني) بعْدَما
طَيَّبتْ في الشَّرْقِ أنفاسَ الأديب
عاشَ خِصْبَ العُمْرِ مَوْفُورَ الحِجَا
صادِقَ العِشْرَةِ مأْمُونَ المَغيب

(٢٧) تأبين حسن عبد الرازق باشا وإسماعيل زهدي بك

قالها في الحفل الذي أقامه الأحرار الدستوريّون لتأبين الفقيدي (يوم الأربعين ٢٦ ديسمبر سنة ١٩٢٢م)ن

عَلَمانِ من أعْلامِ مِصْـ
ـرَ عَدا الرَّدى فطَواهُما
(حَسَنٌ) و(زُهْدي) لم يُمَتْـ
ـعْ بالشَّبابِ كِلاهُما
سَلَكا سبيلَ الحَقِّ ما
عاشا وما أوْلاهُما!
داسَ الأثيمُ حِماهُما
تحْتَ الدُّجى ودهاهُما
فرَمَى النُّهى والفَضْلَ مُجْـ
ـتَمِعَيْنِ حينَ رَماهُما
إنْ تَذْكُروا هِمَمَ الرِّجا
لِ فقَدِّموا ذِكْراهُما
أوْ تَسْألُونِي عنْ شهيـ
ـدَيْ مَبْدإٍ فهُما هُما

(٢٨) رثاء إسماعيل صبري باشا

أنشدها في حفل التأبين الذي أقيم في فناء مدرسة المعلّمين بالمنيرة في مايو سنة ١٩٢٣م، وحين وقف لإنشاد هذه القصيدة.. أكثر المجتمعون التصفيق ترحيبًا به، فقال مرتجلاً:

أكثَرْتُمُ التَّصفيقَ في مَوْطنٍ
كان البُكا فيه بِنا ألْيَقَا
فَأكْرِموا (صَبْري) بإنْصاتِكُمْ
ولْيُعْذَرِ الدَّمْعُ إذا صَفَّقا

ثمّ ابتدأ في إنشاد قصيدته:

نَعاكَ النُّعاةُ وحُمَّ القَدَرْ
ولم يُغْنِ عنّا وعَنْكَ الحَذَرْ
طَوَتْ ذَبْحَةُ الصَّدْرِ صدْرَ النَّدِيّ
فلم تَطْوِ إلا سِجِلَّ العِبَر
فأمْسَيْتَ تُذْكَرُ في الغابِرين
وإنْ قَلَّ مِثْلُكَ فيمَنْ غَبَر
إذا ذُكِرَتْ سِيَرُ النّابهين
فسيرَةُ (صَبْري) تَجُبُّ السِّيَر
لقد كنتَ بَرًّا بظلِّ الشباب
فلمَّا تَقَلَّصَ كُنتَ الأبَرّ
فلم تَسْتَبِقْ نَزْوَةً في الصِّبا
ولم تَسْتَبِحْ هَفْوَةً في الكِبَرْ
أُهَنِّي الثَّرى أم أعَزِّي الوَرَى
لقد فازَ هذا وهذا خَسِر
أأوّلَ يومٍ لعَهْدِ الرّبيع
تَجِفُّ الرِّياضُ ويَذْوَى الزَّهَر؟
ويَذْبُلُ زَهْرُ القَريض الثَّريّ
ويُقْفِرُ رَوْضُ القوافي الغُرَر
لِيَهْدأْ (عُمانُ) فغَوّاصُه
أُصيبَ وأمْسى رَهينَ الحُفَر
فقد كان يَعْتادُه دائبًا
بَكُورًا رَؤوحًا لنَهْبِ الدُّرَر
يقولُ فيُرْخِصُ دُرَّ النُّحُور
ويُغْلي جُمانَ بَناتِ الفِكَر
يَسوقُ القِصارَ فيَأْبَى العِثار
وكم مِنْ مُطيلٍ مُمِلٍّ عَثَر
قِصار وحَسْبُ النُّهى أنّها
لها مُعْجِزاتُ قِصارِ السُّوَر
رُحِمْتَ، فقد كنتَ حُلْوَ اللِّسان
جَليَّ البيانِ صَدوقَ الخَبَر
قليلَ التَّعَجُّبِ جَمَّ الأناة
حَكيمَ الوُرودِ حكيمَ الصَّدَر
شمائلُكَ الغُرُّ هُنَّ الرّياض
رَوَى عن شَذاها نسيمُ السّحَر
لها مِثْلُ رَوْحِ الدُّعاء استُجيب
فعافَى وآوى وأغْنى وسَرّ
إذا ما وَرَدْتَ لها مَنْهَلاً
وَرَدْتَ نَميرًا لذيذَ الخَصَر
وفِكْرُكَ في خِصْبِه ثروَةٌ
لفِكْرِ الأديب إذا ما افْتَقَر
وشِعْرُكَ كالماء في صَفْوِه
على صَفْحَتَيْهِ تَراءى الصُّوَر
عُيون القصائِد مثل العُيون
وشِعْرُكَ فيهنّ مثل الحَوَر
وكم لك شَكْوى هوًى أو أسًى
لها نَفَثاتٌ تُذيبُ الحَجَر
هَتَفْتَ بها مَرَّةً في الهَجِير
فكاد يَدِبّ إليك الشَّجَر
وكم كنتَ تُشْعِلُ فَحْمَ الدُّجى
بأنْفاسِ صَبٍّ طويلِ السَّهَر
فيا وَيْحَ قَلْبِكَ ماذا ألَحْ
حَ عليه من الدّاء حتّى انفَطَر
أيَخْفُقُ تحتَ الدُّجى وَحْدَه
لِذِكْرى أليفٍ سَلا أو هَجَر
إذا قيل (صَبْري) ذَكَرْتُ (الوَليد)
ومَرَّتْ بنفسي ذِكْرى (عُمَرْ)
يَزينُ تواضُعُه نَفْسَه
كما زان حُسْنَ الملاح الخَفَر
زكيُّ المشاعِرِ عَفُّ الهوى
شَهِيُّ الأحاديث حُلْوُ السَّمَر
لقد كنتُ أغْشاهُ في دارِه
وناديه فيها زَها وازْدهر
وأعْرِضُ شِعْري على مَسْمَعٍ
لَطيفٍ يُحِسُّ نُبُوَّ الوَتَر
على سَمْعِ باقِعَةٍ حاضِرٍ
يَميزُ القديمَ مِن المُبْتَكَر
فيَصْقُلُ لَفْظيَ صَقْلَ الجُمان
ويَكْسوه رِقّةَ أهْلِ الحَضَر
يُرَقْرِقُ فيه عَبيرَ الجِنان
فتَسْتافُ منه النُّهى والفِكَر
كذلك كان — عليه السَّلام —
إمامًا لكلِّ أديبٍ شَعَر
فكُنّا الجداوِلَ نُرْوي الظِّماء
ظِماءَ العُقولِ وكان النَّهَر
زَهِدْتَ على شُهْرَةٍ طَبَّقَتْ
وجاهٍ أظَلَّ وفَضْلٍ بَهَر
خَلَعْتَ الشَّبابَ فلم تَبكِه
وساءَكَ أنّك لم تُخْتَصَرْ
وقد ذُقْتَ طَعْمَ الرَّدى عِندما
أصيبَ قِطارُكَ يومَ السَّفَر
فأقْسَمْتَ أنّكَ ألْفَيْتَه
لذيذَ المَذاقَةِ إذْ تُحْتَضَرْ
تَمنَّيْتَ أنْ لم تَعُدْ للحياة
ولكنْ أباها عليكَ القَدَر
وكم ساعةٍ بين ساعِ الحياة
سَقَتْكَ المُرارَ بكأسِ الضَّجَر
فرُحْتَ إلى أخْتها شاكيًا
أذاتَكَ منها فكانَتْ أمَر
ففَتَّشْتَ أثْناءَها جاهِدًا
بعَيْني بصيرٍ بَعيدِ النَّظَر
فلمْ تَرَ فيها على طُولها
هُنَيْهَةَ صَفْوٍ خَلَتْ مِنْ كَدَر
وما زِلْتَ تَشْكو إلى أنْ أتَتْ
كما تَشْتَهي ساعَةٌ لم تَذَرْ
فلا صَدَّ تَخشاه بعد الوِصال
ولا ضَعْفَ تَشكوه بَعْدَ الأشَر
أريحَ فُؤادُكَ مّما ضَناه
وصَدْرُكَ مّما عليه انكَدَر
تَمَنَّيْتَها خُطْوَةً للممات
تُفَرِّجُ عنكَ كُروبَ الغِيرَ
وها قدْ خَطاها ونِلْتَ المُنى
فهل في المَماتِ بُلوغُ الوَطَر
صَدَقْتَ ففي المَوْتِ نَصْرُ الأبيّ
على الدَّهْرِ إنْ هُوَ يوْمًا غَدَر
مَلِلْتَ الثَّواءَ بدارِ الزَّوال
فماذا رَأيْتَ بدارِ المَقَرّ
أتَحْتَ التُّرابِ يُضامُ الكريم
ويشقى الحَليمُ ويَخْفي القَمَر؟
ويُهْضَمُ حَقُّ الأديب الأريب
ويُطْمَسُ فَضْلُ النَّبيه الأغَرّ؟
أتحتَ التّراب تُساقُ الشُّعوب
بسَوْطِ العُبودَةِ سَوْقَ البَقَر؟
ويُعْقَدُ مُؤْتَمَرٌ للسَّلام
فنَخْرجُ منه إلى مُؤْتَمَر؟
فإنْ كان ما عِنْدنا عِنْدَكُمْ
فليسَ لنا مِنْ شَقاء مَفَرّ
خِضَمُّ الحياةِ بَعيدُ النَّجاة
فطوبى لراكبه إنْ عَبَر
فعُدْ سالمًا غانِمًا للتّراب
كرأيِكَ في الموت واهنَأ وقِرّ

(٢٩) رثاء سعد زغلول (نشرت في ٢١ يوليه سنة ١٩٢٣م)

ما أنتَ أوّل كَوْكَب
في الغَرْب أدْرَكَه المَغيبْ
فهناكَ أقمارُ المَشا
رِقِ قد أُتيحَ لها الغُروب
داسَ الحِمامُ عرينَ خا
لِكَ، وهو مَرْهوبٌ مَهيب
لم يَثْنِه عنْكَ الرَّئيـ
ـسُ ولا رَمَى عَنْكَ الخُطوب
يا (سَعْدُ) كيْفَ قَضَى (سَعيـ
ـدٌ) وهْوَ مِنْ (سَعْدٍ) قريب؟
عَجَبًا! أتَحْمي أمَّةً
وتَخافُ جانِبَكَ الخُطوبْ
ويُغالُ ضَيْفُكَ وابنُ أُخْـ
ـتِكَ وهْوَ عن (مِصْرٍ) غَريب؟
نُبِّئْتُ أنّكَ قد بَكَيْـ
ـتَ وهالَكَ اليَوْمُ العَصيب
وإذا بَكَى (سَعْدٌ) بَكَتْ
لبُكائِه منّا القُلوب
يا (آلَ زُغْلولِ) ذَوَى
مِنْ رَوْضِكُمْ غُصْنٌ رَطيب
فَقَدَتْ به (مِصْرٌ) فَتًى
أخْلاقُه مِسْكٌ وطيب
يا (آلَ زُغْلولٍ) وعُو
دُكُمُ على الجُلَّى صَليب
إنِّي لأخْجَلُ أنْ أُعَزْ
يَكُمْ وكلُّكُمُ أريب
شاكي سلاحِ الصَّبرِ مُمْـ
ـتَحنٌ لدُنْياهُ لبيب
خَطْبُ الكِنانَةَ في فَقيـ
ـدِكُمُ لخَطْبِكُمُ يُشيب
لم يَبْقَ مِنّا واحِدٌ
إلا له مِنْه نَصيب

(٣٠) رثاء محمّد سليمان أباظه بك (في سنة ١٩٢٣م)

مَنْ لم يَذُقْ فَقْدَ أليفِ الصِّبا
لم يَدْرِ ما أُبْدي وما أُضْمِرُ
أفْقَدَني المَوْتُ به وافِيًا
لا يَعْرِفُ الخَتْلَ ولا يَغْدِر
تَقْرَأ في عَيْنَيْه كلَّ الّذي
في نَفْسه عن نَفْسِه يَسْتُر
ثلاثةٌ لم تَعْرُ عنْ عِفّةٍ:
لسانُه والذَّيْلُ والمِئْزَر
قد كان مِتْلافًا لأمْوالِه
وكان نَهّاضًا بمَنْ يَعْثُر
أوْشَكَ أن يُفْقِرَه جُودُهُ
ومِنْ صُنُوفِ الجُودِ ما يُفْقِر
أصيبَ فيه المَجْدُ يَوْمَ انطَوَى
والعُرْفُ والسائلُ والمُعْسِر
كنّا على عَهْدِ الصِّبا سَبْعَةً
بمُسْتَطابِ اللَّهْوِ نَسْتَأْثِر
(البابِلي) صَفْوَةُ فِتْياننا
و(ابن المُوِلْحِي) الكاتبُ الأشْهَر
و(صادِقٌ) خيرُ بَني (سيِّدٍ)
و(بَيْرَمٌ) إذْ عُودُهُ أخْضَر
وكانَ (عَبْدُ الله) أنْسًا لنا
وأُنْسُ (عَبْدِ اللهِ) لا يُنْكَر
لَهْوٌ كريمٌ لم يَشُبْ صَفْوَه
رِجْسٌ ولم يَشْهَدْه مُسْتَهْتر
فكم لنا من مَجْلسٍ طَيِّبٍ
يَشتاقُه (هارون) أو (جَعْفرُ)
نَلْعَبُ باللَّفْظ كما نَشْتَهي
ونَضمِر المَعنَى فما يَظْهَر
ونُرْسِلُ النُّكْتَةَ مَحْبُوكَةً
عَنْ غَيْرِنا في الحُسْنِ لا تَصْدُر
ثمّ انطوى هذا وهذا، وما
يُطوَى من الأيّام لا يُنْشَر
كم دَوْحَةٍ أوْدَى بها عاصِفٌ
والنَّجْمُ مِنْ مَأْمَنه يَنْظُر

(٣١) ذكرى المرحوم محمّد أبي شادي بك

عَجِبْتُ أنْ جَعَلوا يوْمًا لذِكْراكا
كأنّنا قد نَسينا يومَ مَنْعاكا
إذا سَلَتْ (يا أبا شادي) مُطَوَّقَةٌ
ذِكْرَ الهَديلِ فثِقْ أنّا سَلَوْناكا
في مُهْجَةِ (النِّيل) والوادي وساكِنِه
رَجْعٌ لصَوْتِكَ مَوْصولٌ بِذِكْراكا
قد عِشْتَ فينا نَميرًا طابَ مَوْرِدُه
أسْمَى سَجايا الفَتَى أدْنى سَجاياكا
فما كأُولاكَ في بِرٍّ وفي كرمٍ
أولى كريمٍ، ولا عُقْبى كعُقْباكا
قَضيّةُ الوَطنِ المَغْبونِ، قد مَلأتْ
أنحاءَ نَفْسِكَ شُغْلاً عن قَضاياكا
قَضيّةُ الوَطنِ المَغْبونِ، قد مَلأتْ
أنحاءَ نَفسِكَ شُغْلاً عن قَضاياكا
أبْلَيْتَ فيها بَلاءَ المُخْلِصين لها
وكان سَهْمُكَ أنَّى رِشْتَ فتّاكا
أجْمَلْتَ ما فَصَّلوه في قصائدهمْ
حتّى لقد نَضَّروا بالحَمْدِ مَثْواكا
لم يُبْقِ لي قَيْدَ شبْرٍ صاحِبايَ ولم
يَفسَحْ ليَ القوْلَ لا هذا ولا ذاكا
يا مُدْمِنَ الذِّكْرِ والتَّسبيحِ مُحْتَسِبًا
هأنْتَ في الخُلْدِ قد جاوَرْتَ مَوْلاكا
لو لم يَكُن لك في دُنْياكَ مَفْخَرةٌ
سِوى (زكيٍّ) لقد جَمَّلْتَ دُنياكا

(٣٢) رثاء المغفور له سعد زغلول باشا

أنشدها في الحفل الذي أقيم لتأبين الفقيد في ٧ أكتوبر سنة ١٩٢٧م

إيهِ يا لَيْلُ هَل شَهِدْتَ المُصابا
كيف يَنْصَبُّ في النُّفوسِ انصِبابا؟
بَلَّغ المَشْرِقيْن قبلَ انْبلاجِ الصْـ
ـبْحِ أنَّ الرئيسَ وَلَّى وغابا
وانْعَ للنَّيِّرات (سعْدًا) فـ (سَعْدٌ)
كان أمضى في الأرضِ منها شِهابا
قُدَّ يا ليْلُ من سَوادِكَ ثَوْبًا
للدَّراري وللضُّحى جِلْبابا
أُنسُجِ الحالِكاتِ منكَ نِقابًا
واحبُ شمسَ النَّهارِ ذاكَ النِّقابا
قُل لها: غابَ كوكبُ الأرضِ في الأر
ضِ فغيبي عن السَّماء احتِجابا
والبَسيني عليه ثوْبَ حِدادٍ
واجلسي للعَزاء فالحُزْن طابا
أين (سعْدٌ)؟ فذاك أوّلُ حَفْلٍ
غابَ عن صَدْره وعافَ الخِطابا
لم يُعَوِّدْ جُنودَه يومَ خَطْبٍ
أنْ يُنادَى فلا يَرُدُّ الجَوابا
عَلَّ أمْرًا قد عاقَه، عَلَّ سُقْمًا
قد عَراهُ، لقد أطال الغِيابا
أيْ جُنودَ الرئيس نادُوا جِهارًا
فإذا لم يُجِبْ فشُقُّوا الثِّيابا
إنّها النَّكبَةُ الّتي كنتُ أخْشى
إنّها الساعةُ الّتي كنتُ آبى
إنّها اللّفظة التي تَنْسِفُ الأنْـ
ـفُسَ نَسْفًا وتَفْقُرُ الأصْلابا
ماتَ (سَعْدٌ)، لا كنتِ يا (ماتَ سعْدٌ)
أسِهامًا مَسْمُومَةً أمْ حِرابا
كيف أقْصَدْتِ كلَّ حَيٍّ على الأرْ
ضِ وأحْدَثْتِ في الوُجود انقِلابا؟
حَسْرَةٌ عند أنَّةٍ عند آهٍ
تحتَها زَفْرَةٌ تُذيبُ الصِّلابا
قُل لِمَن بات في (فِلَسْطينَ) يَبكي
إنّ زِلْزالنا أجْلُّ مُصابا
قد دُهيتُمْ في دُورِكُمْ ودُهينا
في نُفوسٍ أبَيْنَ إلا احتِسابا
ففَقَدتُمْ على الحَوادث جَفْنًا
وفَقَدْنا المُهَنَّدَ القِرْضابا
سَلَّهُ رَبُّه زمانًا فأبْلى
ثمّ ناداهُ رَبُّه فأجابا
قَدَرُ شاء أنْ يُزَلْزِلَ (مِصرًا)
وتَخَطَّى التُّحوتَ والأوْشابا
والمَقاديرُ إنْ رَمَتْ لا تُبالي
أرُءوسًا تُصيبُ أمْ أذْنابا
خَرَجَتْ أمّةٌ تُشَيِّعُ نَعْشًا
قد حَوَى أمّةً وبَحْرًا عُبابا
حَمَلوه على المَدافِع لمّا
أعْجَزَ الهامَ حَمْلُه والرِّقابا
حالَ لوْنُ الأصيلِ والدَّمْعُ يَجري
شَفَقًا سائلاً وصُبْحًا مُذابا
وسها النِّيلُ عنْ سُراهُ ذُهولاً
حين ألْفَى الجُموعَ تَبكي انتِحابا
ظَنَّ يا (سَعْدُ) أنْ يَرَى مِهْرَجانًا
فرأى مأتمًا وحَشدًا عُجابا
لم تَسُقْ مِثْلَه فراعينُ (مِصْرٍ)
يومَ كانوا لأهْلها أرْبابا
خَضَبَ الشِّيبُ شَيْبَهُم بسَوادٍ
ومَحا البيضُ يومَ مِتَّ الخضابا
واستَهَلَّت سُحْبُ البُكاءِ على الوا
دي فغَطَّتْ خَضْراءَه واليَبابا
ساقَتْ (التَّيْمِسُ) العَزاءَ إلينا
وتَوَخَّتْ في مَدْحِكَ الإسْهابا
لم يَنُحْ جازعٌ عليكَ كما نا
حَتْ ولا أطْنَبَ المُحِبُّ وحابَى
واعترافُ (التَّاميزِ) يا (سَعْدُ) مِقْيا
سٌ لِما نالَ نِيلَنا وأصابا
يا كبيرَ الفُؤادِ والنفس والآ
مالِ أينَ اعتَزَمْتَ عنّا الذَّهابا؟
كيف نَنْسَى مَواقِفًا لك فينا
كنتَ فيها المَهيبَ لا الهَيّابا؟
كنتَ في مَيْعَةِ الشَّباب حُسامًا
زادَ صَقْلاً فِرِنْدُه حينَ شابا
لم يُنازِلْكَ قارِحُ القَوْمِ إلا
كنتَ أقْوى يَدًا وأعْلى جَنابا
عِظَمُ لو حَواهُ (كِسْرى أنُوشَر
وانَ) يومًا لَضَاقَ عَنَه إهابا
ومَضاءٌ يُريكَ حَدَّ قضاءِ اللـ
ـهِ يَفري مَتْنًا ويَحْطِمُ نابا
قد تَحدَّيْتَ قُوّةَ تَملأ المَعْـ
ـمُورَ من هَوْلِ بَطْشِها إرْهابا
تَمْلِكُ البَرَّ والبِحارَ وتَمشي
فوقَ هامِ الوَرى وتَجْبي السَّحابا
لم يُنَهْنِهْ من عَزْمِكَ السِّجْنُ والنَّفْـ
ـيُ وساجَلْتَها (بمصرَ) الضِّرابا
سائِلوا (سيشِلاً) أأوْجَسَ خَوْفًا
وسَلوا (طارِقًا) أرامَ انْسِحابا؟
عَزْمَةٌ لا يَصُدُّها عَنْ مَداها
ما يَصُدُّ السُّيولَ تَغْشى الهِضابا
ليتَ (سَعْدًا) أقام حتّى يَرانا
كيفَ نُعْلي على الأساسِ القِبابا
قد كَشَفْنا بهَدْيِهِ كلَّ خافٍ
وحَسِبْنا لكلِّ شيءٍ حِسابا
حُجَجُ المُبْطِلين تَمضي سِراعًا
مثلما تُطْلِعُ الكؤوسُ الحَبابا
حين قال: (انتَهَيْتُ) قُلنا بَدأنا
نَحْمِلُ العِبْءَ وَحْدَنا والصِّعابا
فاحْجُبوا الشَّمْسَ واحبسوا الرَّوْحَ عَنّا
وامنَعُونا طعامَنا والشَّرابا
واستَشِفُّوا يَقينَنا رَغْمَ ما نَلْـ
ـقَى فهل تَلْمَحُون فيه ارْتيابا؟
قد مَلَكْتُمْ فَمَ السَّبيلِ عليْنا
وفَتَحْتُمْ لكلِّ شَعْواءَ بابا
وأتَيْتُمْ بالحائماتِ تَرامى
تَحْمِلُ الموتَ جائِمًا والخَرابا
وملأتُمْ جَوانِبَ النِّيلِ وعْدًا
ووعَيدًا ورَحْمَةً وعّذابا
هل ظفِرْتُمْ منّا بقَلْبٍ أبيٍّ
أو رأيْتُمْ منّا إليكمْ مَثابا
لا تَقولوا خَلا العَرينُ ففيه
ألْفُ لَيْثٍ إذا العرينُ أهابا
فأجمَعُوا كَيْدَكُمْ ورُوعوا حِماها
إنّ عندَ العرينِ أُسْدًا غِضابا
جَزِعَ الشَّرْقُ كلُّه لعظيمٍ
مَلأ الشَّرْقَ كلَّه إعْجابَا
عَلَّمَ (الشامَ)، و(العِراقَ) و(نَجْدًا)
كيف يُحْمَى الحِمى إذا الخَطْبُ نابا
جَمَع الحقَّ كلَّه في كتابٍ
واستثارَ الأُسُودَ غابًا فغابا
وَمشَى يَحمِلُ اللِّواءَ إلى الحَـ
ـقِ ويَتلو في النّاس ذاكَ الكِتابا
كلَّما أسْدَلوا عليه حِجابًا
مِنْ ظلامٍ أزالَ ذاكَ الحِجابا
واقِفٌ في سبيلهمْ أينَ ساروا
عالِمٌ باحتيالِهِمْ أينَ جابا
أيُّ مَكْرٍ يَدِقُّ عن ذِهْنِ (سَعْدٍ)
أيُّ خَتْلٍ يُريغُ منه اضطِرابا؟
شاعَ في نَفْسه اليقينُ فَوَقّا
هُ به اللهُ عَثْرةً أو تَبابا
عَجَزَتْ حيلَةُ الشِّباكِ وكان الشْـ
ـرقُ للصَّيْدِ مَغْنَمًا مُستَطابا
كلَّما أحْكَموا بأرْضِكَ فخًّا
من فِخاخِ الدَّهاء خابُوا وخابا
أو أطاروا الحَمامَ يومًا لزَجْلٍ
قابَلوا منكَ في السَّماء عُقابا
تَقْتُلُ الدَّسَّ بالصّراحَةِ قَتْلاً
وتُسَقِّي مُنافِقَ القَوْمِ صابا
وتَرَى الصِّدْقَ والصَّراحَةَ دينًا
لا يَراهُ المُخالِفون صَوابا
تَعْشَقُ الجَوَّ صافيَ اللَّوْن صَحْوًا
والمُضِلُّون يَعْشَقونَ الضَّبابا
أنتَ أوْرَدْتَنا من الماء عَذْبًا
وأراهُمْ قد أوْرَدونا السَّرابا
قد جَمَعْتَ الأحْزابَ حَوْلَكَ صَفًّا
ونَظَمْتَ الشُّيوخَ والنُّوّابا
ومَلَكْتَ الزِّمامَ واحتَطْتَ للغَيْـ
ـبِ وأدْرَكْتَ بالأناةِ الطِّلابا
ثمّ خَلَّفتَ بالكنانَةِ أبْطا
لاً كُهولاً أعِزَّةً وشَبابا
قد مشى جَمْعُهُمْ إلى المَقْصِدِ الأسْـ
ـمَى يُغِذُّونَ للوصولِ الرِّكابا
يَبْتَنُونَ العُلا يَشيدونَ مَجْدًا
يُسْعِدون البنينَ والأعْقابا
قد بَلَوْناكَ قاضيًا ووَزيرًا
ورئيسًا ومِدْرَهًا خَلاّبا
فوَجَدْناكَ من جميع نواحيـ
ـكَ عظيمًا مُوَفَّقًا غَلاّبا
لم يَنَلْ حاسِدوكَ منكَ مُناهُمْ
لا ولم يُلْصِقوا بعَلْياكَ عابا
نَمْ هنيئًا فقد سَهِدْتَ طويلاً
وسَئِمْتَ السَّقامَ والأوْصابا
كم شَكَوْتَ السُّهادَ لي يومَ كُنّا
بالبَساتين نَستَعيدُ الشَّبابا
نَنْهَبُ اللَّهْوَ غافِلَيْنِ وكُنّا
نَحْسَبُ الدَّهْرَ قد أنابَ وتابا
فإذا الرُّزْءُ كان منّا بمَرْمًى
وإذا حائمُ الرَّدى كان قابا
حَرَمَتْنا المَنُونُ ذَيّالِكَ الوَجْـ
ـهَ وذاكَ الحِمى وتِلْكَ الرِّحابا
وسَجايا لهُنَّ في النَّفْسِ رَوْحٌ
يَعْدِلُ الفَوْزَ والدُّعاءَ المُجابا
كم وَرَدْنا مَوارِدَ الأنْسِ منها
ورَشَفْنا سُلافَها والرُّضابا
ومَرَحْنا في ساحِها فنسينا الْـ
ـأهْلَ والأصْدِقاءَ والأحْبابا
ثمّ وَلَّت بَشاشَةُ العَيْش عنّا
حينَ سارُوا فَوَسَّدوك التُّرابا
خِفْتَ فينا مَقامَ ربِّكَ حَيًّا
فتَنَظَّرْ بجَنَّتَيْهِ الثَّوابا

(٣٣) رثاء أمين الرافعي بك

أنشدها في الحفل الذي أقامه الحزب الوطني لذكرى الشهداء في ١٦ فبراير سنة ١٩٢٨م

أمّا (أمينُ) فقد ذُقْنا لمَصْرَعِه
وخَطْبِه من صُنُوفِ الحُزْنِ ألْوانا
لم تُنْسِنا ذِكْرَه الدُّنيا وإنْ نَسَجَتْ
للرّاحلين من النِّسيان أكْفانا
مَضَى نَقيًّا عفيفَ النَّفْسِ مُحْتَسِبا
فهَدَّ من دَوْلَةِ الأخْلاقِ أركانا
جَرَتْ على سَنَنِ التَّوحيد نَشْأتُه
في اللهِ والرأي إخْلاصًا وإيمانا
لم يَلْوِه المالُ عنْ رأْيٍ يَدينُ به
(ولو حَمَلْتَ إليه الدَّهْرَ مَلآنا)
ولم يَلِنْ عُودُه للخَطْبِ يُرْهِقُه
قَسَا عليه شديدُ العَيْشِ أمْ لانا
ظُلْمٌ من القَبْرِ أن تَبْلى أنامِلُه
فكم رَمَتْ في سبيل اللهِ مَنْ خانا
كانت مَطِيَّةَ سَبّاقٍ جَوانِبُه
يُرْويك فيّاضُها صِدْقًا وعِرْفانا
عِشرون عامًا على الطِّرْسِ الطَّهور جَرَى
ما خَطَّ فاحِشَةً أو خَطَّ بُهْتانا
يَجُولُ بين رياض الفِكْرِ مُقْتَطِفًا
مِنْ طيبِ مَغْرِسِها وَرْدًا وَرَيْحانا
فيَنْشَقُ الذِّهْنُ من أسطارِه أرَجًا
وتُبْصِرُ العَيْنُ فوقَ الطِّرْسِ بُسْتانا
(أمينُ) فارَقْتَنا في حين حاجَتنا
إلى فتًى لا يَرَى للمال سُلْطانا
إلى أمينٍ على أوْطانه يَقِظٍ
ذي مِرَّةٍ يَتَلقَّى الخَطْبَ جَذْلانا
أيَلْبَسُ الخَزَّ مَنْ لانَتْ مَهَزَّته
وأنتَ تَخْرُجُ من دُنياكَ عُرْيانا؟
إنَّ القناعَةَ كَنْزٌ كنتَ حارِسَه
تَرَى به القُوتَ ياقُوتًا ومَرْجانا
فما سَعَيْتَ لغَيْرِ الحَمْدِ تكْسِبُه
ولا رَضيتَ لغَيْرِ الحَقِّ إذْعانا
أودى بكَ (السُّكَّر) المُضْني ولا عَجَبٌ
أنْ يُورِثَ الحُلْوُ مُرَّ العَيْشِ أحْيانا
ما هانَ خَطْبُكَ والأخْلاقُ والهِةٌ
تَبكي عليكَ إذا خَطْبُ امريءْ هانا
(أمينُ) حَسْبُكَ ما قَدَّمْتَ من عَمَلٍ
فأنتَ أرْجَحُنا في الحَشْرِ مِيزانا
أبْشِرْ فإنَّكَ في أُخْراكَ أسْعَدُنا
حَظًّا وإنْ كنتَ في دُنْياكَ أشْقانا
بَلِّغْ ثلاثَتَكُمْ عنّا تحيّتَنا
واذكُرْ لهم ما يُعاني قَوْمُنا الآنا
واضرَعْ إلى اللهِ في الفِرْدَوْسِ مُبْتَهِلاً
أنْ يَحْرُسَ النِّيل ممّن رامَ طُغْيانا

(٣٤) رثاء الدكتور يعقوب صرّوف

أنشدها في الحفل الذي أقيم لتأبينه بدار الأوبرا الملكيّة في ٣٠ مارس سنة ١٩٢٨م

أبْكي وعَيْنُ الشَّرْقِ تَبكي معي
على الأريبِ الكاتِبِ الألْمَعي
جَرَى عَصِيُّ الدَّمْعِ من أجْلِه
فزادَ في الجُودِ على الطَّيِّعِ
نَقْصٌ من الشَّرقِ ومن زَهْوِه
فَقْدُ اليَراعِ المُعْجِز المُبْدِع
ليس لمِصْرٍ في رِجالاتها
حَظٌّ ولا للشامِ في أرْوَعِ
مُصابُ (صَرُّوفٍ) مُصابُ النُّهَى
فلْيَبْكه كلّ فؤادٍ يَعِي
كُرِّم بالأمْسِ وأكْفانُه
تَنْسِجُها الأقدارُ للمَصْرَعِ
يا صائِغَ الدّرِّ لتَكْريمه
صُغْهُ لمَنْعاهُ من الأدْمُعِ
قد زَيَّنَ العِلْمَ بأخْلاقِه
فعاشَ مِلَْء العَيْنِ والمَسْمعِ
تَواضُعٌ والكِبْرُ دأْبُ الفَتى
خَلا منَ الفَضْلِ فلم يَنْفَعِ
تَواضُعُ العِلْمِ له رَوْعَةٌ
يَنْهار منها صَلَفُ المُدَّعي
وحُلَّةُ الفَضْلِ لها شارَةٌ
أزْهى مِنْ السَّيْفَيْنِ والمِدْفَعِ
يُشْبِعُ مَنْ حَصَّلَ من عِلْمِهِ
وهو مِنَ التَّحْصيلِ لم يَشْبَعِ
مُبَكِّرٌ تَحْسَبُهُ طالِبًا
يُسابِقُ الفَجْرَ إلى المَطْلَعِ
قد غالَت الأسْقامُ أضْلاعَه
والرأْسُ في شُغْلٍ عن الأضْلُعِ
ماتَ وفي أنْمُله صارِمٌ
لم يَنْبُ في الضَّرْبِ عن المَقْطَعِ
صاحَبَه خَمْسينَ عامًا فلم
يَخُنْ له عَهْدًا ولم يَخْدَعِ
مُوَفَّقًا أنَّى جَرَى مُلْهَمًا
ما ضَلّ في الوِرْدِ عن المَشْرَع
لم يَبْرِه بارٍ سوى ربِّه
ولم يَحُزْه جاهلٌ أوْ دَعي
في النَّقْلِ والتَّصْنيفِ أرْبَى على
مدى (ابنِ بَحْرٍ) ومدى (الأصْمَعي)
أيَّ سبيلٍ للهُدى لم يَرِدْ
وأيَّ بابٍ منه لم يَقْرَعِ
يَقتَطفُ الزَّهْرَ ويَخْتارُه
كالنَّحْلِ لا يَعْفُو عنِ الأيْنَعِ
فتَحْسَبُ القُرّاءَ في جنَّةٍ
عُقولُهُمْ في رَوْضِها تَرْتَعي
(صَرُّوفُ) لا تَبْعَدْ فلسْتَ الّذي
يَطويه طاوِي ذلِكَ المَضْجَعِ
أسْكَتَكَ المَوْتُ ولكنّه
لم يُسْكِت الآثارَ في المَجْمَعِ
ذِكْراكَ لا تَنْفَكُّ مَوْصولةً
في مَعْهد العِلْمِ وفي المَصْنَع

(٣٥) رثاء عبد الخالق ثروت باشا

أنشدها في الحفل الذي أقيم بالأوبرا الملكية لتأبينه في يوم السبت ١٠ نوفمبر سنة ١٩٢٨م

لعِبَ البِلى بمُلاعِبِ الألبابِ
ومَحَا بشاشةَ فمِّكَ الخَلاّبِ
وطَوَى الرَّدى (عَمْرو) الكِنانَةِ غافِلاً
ورَمَى شهابَ دَهائِه بشِهابِ
مَنْ كانَ يَدري يوْمَ سافَر أنّه
سفَرٌ من الدُّنيا بغَيْرِ إيابِ
حزِنَتْ عليه عُقولُنا وقُلوبُنا
وبَكَتْ، وحُزْنُ العَقْلِ شَرُّ مُصابِ
القَلْبُ يُنْسيه الغِيابُ أليفَه
والعَقْلُ لا يُنْسيه طولُ غِيابِ
بالأمْسِ ماتَ أجَلُّنا وأعَزُّنا
جاهًا وأبْقانا على الأحْقابِ
واليومَ قد غالَ الحِمام أسَدَّنا
رأْيًا فطاحَ بحِكمةٍ وصَوابِ
رأْسٌ يُدَبِّرُ في الخَفاء كأنّه
قَدَرٌ يُدَبِّرُ من وَراء حِجابِ
حتّى إذا أرْضى النُّهى وتَناسَقَتْ
آياتُه راعَ الوَرَى بعُجابِ
يَمشي على سَنَنِ الحِجا مُتَمَهِّلاً
بيْنَ العُداةِ الكُثْرِ والأحْبابِ
تَتناثَرُ الأقْوالُ عن جَنَباتِه
مِنْ شانئٍ ومُناصِرٍ ومُحابي
لا المَدْحُ يَغْريه ولا يُلْوِي به
عَنْ نَجْدِه المَرْسومِ وَقْعُ سِبابِ
حُلْوُ التَّواضُعِ لم يُخالِط نَفْسه
زَهْوُ المُدِلِّ يُحاطُ بالإعْجابِ
حُلْوُ الأناةِ إذا يَسوسُ وعِنْدَه
أنَّ التَّعَجُّلَ آفَةُ الأقْطابِ
حُلْوُ السُّكوتِ ككَوْكَبٍ مُتَألِّقٍ
والليلُ ساجٍ أسْوَدُ الجِلْبابِ
يَهْدي السَّبيلَ لسالِكيه ولم يُرِدْ
شُكْرًا ولم يَعْمَلْ لنَيْلِ ثَوابِ
مُتَمَكَِّنٌ من نَفْسه لم يَعْرُه
قَلَقُ الضَّعيف وحَيْرَةُ المُرْتابِ
يَزِنُ الأمورَ كأنّما هُوَ صَيْرَفٌ
يَزِنُ النُّضارَ بدقّةٍ وحِسابِ
ويَحُلُّ غامِضَها بثاقِبِ ذِهْنِه
حَلَّ الطَّبيبِ عناصِرَ الأعْشابِ
ويَقيسُ شُقَّتَها بمِقياسِ النُّهى
فتَرى صحيحَ قياس (الاْصْطُرْلابِ)
مُتَبَسِّمٌ وعلى مَعارِفِ وَجْهِه
آياتُ ما يَلْقَى مِنَ الأوْصابِ
شِيَمٌ تَرُدُّ الناقمين لوُدِّه
وشَمائلٌ تَسْتَلُّ حِقْدَ النَّابي
يَُرْضي المُرَتِّلَ في الكنيسةِ صُنْعُه
كَيْسًا ويُرضي ساكِنَ المِحْرابِ
يَرتاحُ للمَعْروفِ لا مُتَربِّحًا
فيه ولا هُوَ في الجَميلِ مُرابي
يُروي الصَّديقَ من الوفاء ولم يَكُن
بالحاسِدِ النُّعْمى ولا المُغْتابِ
لم يَبْدُ فينا جازِعًا أو غاضِبًا
لاهُمَّ إلاّ غَضْبَةَ النُّوّابِ
وبُكاؤُه في يوم (سَعْدٍ) زادَني
عِلْمًا بأنّ اليومَ يَوْمُ تَبابِ
قامَتْ صِعابٌ في مسالِكِ سَعْيِه
من بَعْد (سَعْدٍ) دُعِّمَتْ بصِعابِ
فظَهيرُه عند النِّضال ورُكْنُه
أمْسى حَديثَ جَنادِلٍ وتُرابِ
للهِ سِرٌّ في بنايَةِ (ثَرْوَتٍ)
سُبحانَ باني هذه الأعْصابِ
إنِّي سألْتُ العارِفين فلمْ أفُزْ
منهم على عرْفانِهم بجَوابِ
هو مُسْتَقيمٌ مُلْتَوٍ، هو لَيِّنٌ
صُلْبٌ، هو الواعي، هو المُتَغابي
هو حُوَّلٌ، هو قُلَّبٌ، هو واضِحٌ
هو غامِضٌ، هو قاطِعٌ، هو نابي
هو ذلك الطِّلَّسْمُ.. مَنْ أعْيا الحِجا
حَلاًّ وماتَ ولم يَفُزْ بطِلابِ
هو ما تَراهُ مُفاوِضًا كيف انْبَرَى
لكبيرهِمْ بذَكائه الوَثّابِ
لم يَأْتِ من بابٍ لصَيْدِ دَهائِه
إلا نَجا بدَهائه مِنْ بابِ
ويَظَلُّ يَرْقُبُه ويَغْزو كِبْرَه
بلُيونَةٍ ولَباقِةٍ وخِلابِ
ويَرُوضُه حتّى يَرى أُسطولَه
خَشَبًا تَناثَر فوْقَ ظَهْرِ عُبابِ
ويَرَى صُنوفًا مِنْ ذكاء صُفِّفَتْ
دونَ الحِمى تُعْيي أسودَ الغابِ
وأتَى بأقْصى ما يَنالُ مُفاوِضٌ
يَسْعَى بغَيْرِ كَتائِبٍ وحِرابِ
واستَلّ من أشْداقِ آسادِ الثَّرَى
عَلَمًا عَضَضْن عليه بالأنْيابِ
خَلَقًا خَبا ضَوْءُ الهِلالِ لطَيِّه
جَمَّ التَّوَجُّعِ دامِيَ الأهْدابِ
فاخضَرَّ فوقَ رُبوعِ مِصْرٍ عُودُه
في مَنْبِتٍ خِصْبٍ ورَحْبِ جنابِ
إنْ فاتَه بعضُ الأماني فاذْكُروا
أنّا أمامَ مُحَنَّكِينَ صِلابِ
قد جازَ تَيْهاءَ الأُمورِ ولم يَكُنْ
في وَعْرِها وكُؤودِها بالكابي
رَجُلٌ يُفاوِضُ وَحْدَه عن أُمَّةٍ
إنْ لم يَفُزْ فَوْزًا فليس بعابِ
رَفَعَ الحِمايَةَ بعْدَما بُسِطَتْ على
أبْناءِ (مِصْرَ) وأيَّدَتْ بكتابِ
وأَتَى (لمِصْرَ) وأهْلِها بسيادَةٍ
مَرْفوعَةِ الأعْلامِ والأطْنابِ
غَفْرًا فلَسْتُ ببالِغٍ فيكَ المَدَى
إنِّي غَذَذْتُ إلى مَداكَ رِكابي
كم مَوْقِفٍ لكَ في الجِهادِ مُسَجَّلٍ
بشهادَةِ الأعْداء والأصْحابِ
في خَطْبِ مِصْرَ (لبُطْرُسٍ) أخْمَدْتَها
مَشْبُوبَةً كانت على الأبوابِ
ألَّفْتَ بيْنَ العُنْصُرَيْنِ فأصْبَحا
رَنْقًا، وكنتَ مُوَفِّقَ الأسْبابِ
خالفْتُ فيكَ الجازعين فلم أنُحْ
حُزْنًا عليكَ وأنْتَ من أتْرابي
النَّوْحُ في الجُلَّى اجْتهادُ مُقَصِّرٍ
ألْفَى دُعاءَ الصَّبْرِ غَيْرَ مُجابِ
فأنا الّذي يَبكي بشِعْرٍ خالِدٍ
يبقى على الأجْيالِ للأعْقابِ
قد كنتَ تُحْسِنُ بي وتَرْقُبُ جَوْلَتي
في حَلْبَةِ الشُّعَراء والكُتّابِ
وتَهَشُّ إنْ لاقَيْتَني وتَخُصُّني
بالبِشْرِ في ناديكَ والتَّرْحابِ
فاذهَبْ كما ذَهَبَ الرَّبيعُ بنَوْرِه
تأْسَى الرِّياضُ عليْه غِبَّ ذَهاب

(٣٦) رثاء محمود سليمان باشا (نشرت في ١٩ فبراير سنة ١٩٢٩م)

مُسْدي الجَميل بلا مَنٍّ يُكَدِّرُه
ومُكْرِمُ الضَّيْفِ أمْسَى ضَيْفَ (رِضْوانِ)
تَجْتازُنا عَبْقَةٌ من رَوْضَةٍ أنُفٍ
إذا ألَمَّتْ بنا ذِكْرى (سُليمانِ)
فقُلْ (لآلِ سُليمانٍ) إذا جَزِعوا
رُدّوا النُّفوسَ إلى صَبْرٍ وسُلْوانِ
ما إنْ رَأيْتُ دَفينًا قبلَ شَيْخكُمُ
تحتَ التُّراب وفوْقَ النَّجْمِ في آنِ
قَضَيْتَها مِئَةً في كلِّ واحدةٍ
تُعِدُّ زادَكَ من برٍّ وإحْسانِ
فكم صَفَحْتَ عن الجاني ولم تَرَه
وكم غَرَسْتَ وكان المُعْوِزُ الجاني
وكم أقَلْتَ كريمًا عند عَثْرَته
وكم مَشَيْتَ بصُلحٍ بيْنَ إخْوانِ
إنِّي رأيْتُكَ قبلَ المَوْتِ في فَلَكٍ
مِنَ الجلال على جَنْبَيْهِ نُورانِ
نُورُ اليَقين ونُورُ الشَّيْبِ بَينَهُما
سكينَةٌ حَرَّكَتْ نَفْسي ووِجْداني
على جَبيِنكَ آياتُ الرِّضا ارتَسَمَتْ
وبَيْنَ جَنْبَيْكَ قَلْبٌ غَيْرُ وَسْنانِ
قَسَمْتَ ما جَمَعَتْ كفَّاكَ من نَشَبٍ
على بَنيكَ فكنتَ الوالِدَ الحاني
مالٌ حَلالٌ مُزَكَّى ما خَلَطْتَ به
مِلِّيمَ سُحْتٍ ولا حَقًّا لإنسانِ
زَهِدْتَ فيها وهامَ العابدونَ لها
بجَمْعِ فانٍ يُعاني جَمْعَه فاني
بكَسْرَةٍ وكِساءٍ عِشْتَ مُغْتَبِطًا
تُسَبِّحُ اللهَ في سِرٍّ وإعْلانِ
أقَرَّ عَيْنَيْكَ في دُنياكَ أنْ رأتَا
(مُحَمَّدًا) يَتراءى فَوْقَ (كِيوانِ)
قَضَيْتَ في الأوْجِ من عِزَّيْكُما وكذا
يَقضي (سُلَيْمانُ) في عِزٍّ وسُلْطانِ
أنْجَبْتَ أرْبَعَةً سادُوا بأرْبَعَةٍ:
فَضْلٍ ونُبْل وإحسانٍ وعِرفان
أوْرَثْتَهُمْ شمَمًا هَشَّ الإباءُ له
وأوْرَقَتْ في ذُراهُ عِزَّةُ الشَّان
يَذْكُرنَ بَرًّا رَحيمًا قد أقامَ لهُمْ
صَرْحًا من المَجْد أعْلى رُكْنَه الباني
كَم نِعْمَةٍ لك يا (مَحْمودُ) عِنْدَ أبي
بشُكْرِها لكَ عِنْد المَوْتِ أوْصاني

(٣٧) تأبين محمّد المويلحي بك (نشرت في ١٨ أبريل سنة ١٩٣٠م)

أبيات قالها وهو يسير خلف نعشه

غابَ الأديبُ أديبُ (مِصْرٍ) واخْتَفَى
فلْتَبْكِه الأقْلامُ أو تَتَقصَّفَا
لَهْفي على تِلْكَ الأنامِلِ في البِلَى
كم سَطَّرَتْ حِكَمًا وهَزَّتْ مُرْهَفا
مات (المُوِلحِيُّ) الحُسانُ ولم يَمُتْ
حتّى غَزا «عِيسى» العُقولَ وثَقَّفا

وقال يرثيه أيضًا: أنشد هذه القصيدة في حفل التأبين الذي أقيم في مسرح حديقة الأزبكيّة في ١٣ يونيه ١٩٣٠م

دَمْعَةٌ من دموعِ عَهْدِ الشَّبابِ
كُنْتُ خَبَّأْتُها ليوْمِ المُصابِ
لَبَّت اليومَ يا (مُحَمَّدُ) لمَّا
راعَني نَعْيُ أكْتَب الكُتّابِ
هَدَّأتْ لَوْعَتي وسَرَّتْ قليلاً
عن فؤادي ولَطَّفَتْ بعضَ ما بي
مَوْكِبُ الدَّفْنِ خَلْفَ نَعْشِكَ يَمشي
في احْتِسابٍ وحَسرةٍ وانتِحابِ
لم يُجاوِزْ منازِلَ البَدْرِ عَدًّا
من بقايا الصَّديق والأحْبابِ
لم يَسِرْ فيه مَنْ يُحاوِلُ أجْرًا
عند حَيٍّ مُؤَمَّلٍ أو يُحابي
مَوْكِبٌ ماجَ جانباهُ بحَفْلٍ
من وُفودِ الأخْلاقِ والأحسابِ
شاعَ فيه الوفاءُ والحُزْنُ حتّى
ضاقَ عنْ حَشْده فَسيحُ الرِّحابِ
فكأن السَّماءَ والأرْضَ تَمشي
فيه من هَيْبَةٍ وعِزِّ جَنابِ
تَتَمَنَّى قياصرُ الأرضِ لَوْ فا
زَتْ لدى مَوتِها بهذا الرِّكابِ
رُبَّ نَعْشٍ قد شَيَّعَتْهُ ألوفٌ
مِنْ سَوادٍ تَعْلوه سُودُ الثِّيابِ
ليس فيهم من جازعٍ أو حَزينٍ
صادِقَِ السَّعْيِ أو أليفٍ مُصابِ
كنتَ لا تَرْتَضي النُّجومَ مَحَلاًّ
فلماذا رَضيتَ سُكْنَى التُّرابِ!
كنتَ راح النُّفوسِ في مَجْلس الأنْـ
ـسِ وراحَ العقولِ عند الخِطابِ
كنتَ لا تُرْهِقُ الصَّديقَ بلَوْمٍ
لا ولا تَسْتَبيحُ غَيْبَ الصِّحابِ
ولئن بِتَّ عاتِبًا أو غَضوبًا
لَقَريبُ الرِّضا كريمُ العِتابِ
جُزْتَ سَبْعينَ حِجّةً لا تُبالي
بشِهادٍ تَعاقَبَتْ أم بصابِ
وسَواءٌ لَدَيْكَ والرأيُ حُرٌّ
رَوْحُ (نَيْسانَ) أو لَوافِحُ (آبِ)
يا شُجاعًا وما الشَّجاعةُ إلا الصْـ
ـبرُ لا الخوض في صدور الصعاب
كنت نعم الصَّبور إنْ حزَبَ الأمـ
ـرُ وسُدَّتْ مسارِحُ الأسْبابِ
كم تَجَمَّلْتَ والأمانيُّ صَرْعَى
وتَماسَكْتَ والخُظوظُ كَوابي
عِِشْتَ ما عِشْتَ كالجِبالِ الرَّواسي
فوْقَ نارٍ تُذيبُ صُمَّ الصَّلابِ
مُؤْثِرَ البُؤسِ والشَّقاءِ على الشَّكْـ
ـوى وإنْ عَضَّكَ الزَّمانُ بنابِ
كنتَ تَخْلو بالنَّفْس والنَّفْسُ تُشْوَى
من كُؤُوسِ الهُمومِ والأوْصابِ
فتُسَرِّي بالذِّكْرِ عنها وتَنْفي
ما عَراها من غُصَّةٍ واكتِئابِ
وتَرى وَحْشَةَ انفرادَكَ أنْسًا
بحديث النُّفوس والألْبابِ
بِنتَ عنها وما جَنَيْتَ وقد كا
بَدْتَ بأْساءَها على الأحْقابِ
ونَبَذتَ الثَّراء تَبْذُلُ فيه
من إباءٍ في بَذْلِه شَرُّ عابِ
لو شَهِدْتُم (محمَدًا) وهو يُمْلي
آيَ «عيسى» ومُعْجِزات الكِتابِ
وقَفَتْ حَوْلَه صُفوفُ المَعاني
وصُفوفُ الألْفاظِ من كلِّ بابِ
لعَلِمْتُمْ بأنّ عهْدَ (ابنِ بَحْرٍ)
عاوَدَ الشَّرْقَ بَعْدَ طولِ احتِجابِ
أدَبٌ مُسْتَوٍ وقَلْبٌ جميعٌ
وذَكاءٌ يُريكَ ضَوْءَ الشِّهابِ
عند رأيٍ مُوَفَّقٍ، عند حَزْمٍ
عنْدَ عِلْم يَفيضُ فَيْضَ السَّحابِ
جَلَّ أُسلوبُه النقيُّ المُصَفَّى
عن غُموضٍ ونَفْرَةٍ واضطِرابِ
وسَمَا نَقْدُه النَّزيهُ عن الهُجْـ
ـرِ فما شِيبَ مرّةً بالسِّبابِ
ذُقْتَ في غُرْبَةِ الحياةِ عَناءٌ
فذُقِ اليومَ راحَةً في الإيابِ
بَلِّغ (البابِليَّ) عنِّي سَلامًا
كعَبيرِ الرِّياضِ أوْ كالمَلابِ
كان تِرْبي وكان من نِعَمِ المُبْـ
ـدِعِ — سُبحانَه — على الأتْرابِ
فارِسٌ في النَّدى إذا قَصَّرَ الفُرْ
سانُ عنه وفارِسٌ في الجوابِ
يُرْسِلُ النُّكْتَةَ الطَّريفةَ تَمشي
في رَقيق الشُّعور مَشْيَ الشَّرابِ
قد أثارَ (المُحَمَّدانِ) دَفينًا
في فؤادي وقد أطارا صَوابي
خَلَّفاني بيْنَ الرِّفاقِ وَحيدًا
مُسْتَكينًا وأمْعَنَا في الغِيابِ

(٣٨) رثاء عبد الحليم العلايلي بك (نشرت في ٦ مايو سنة ١٩٣٢م)

يا بنَ (عَبْدِ السَّلامِ) لا كانَ يوْمٌ
غِبْتَ فيه عن هالَة الأحرارِ
كنتَ فيهِمْ كالرُّمْحِ بأْسًا ولينًا
كنتَ فيهِمْ كالكَوْكَبِ السَّيّارِ
يا عَريقَ الأصولِ والحَسَبِ الوَضْـ
ـاح والنُّبْلِ يا كريمَ الجِوارِ
كنتَ فَرْعًا بدَوْحَةِ العِزِّ تَأوي
تحْتَ أفنانه عُفاةُ الدِّيارِ
قَصَفَتْهُ المَنُونُ وهو نَضيرٌ
مُورِقٌ عُودُه جَنيُّ الثِّمارِ
كنتَ تَأسو جِراحَهُمْ وتَقيهِمْ
وتُقيلُ العِثارَ عند العِثارِ
خانَ نُطْفِي ولم تَخُنِّي دُموعي
— لَهْفَ نفسي — فقَصَّرَتْ أشعاري
غيرُ بِدْعٍ إذا نَظَمْتُ رِثائي
في صديقي من الدُّموعِ الجَواري
فمِنَ الحُزْنِ ما يَدُكُّ الرَّواسي
ومِن الحُزْن ما يَهُدُّ الضَّواري

وقال يرثيه أيضًا: (نشرت في ١٦ يونيه ١٩٣٢م)

مَضَيْتَ ونحنُ أحْوَجُ ما نَكونُ
إليكَ ومِثلُ خَطْبِكَ لا يَهونُ
برَغْم (النِّيل) أنْ عَدَت العَوادي
عليْكَ وأنْتَ خادِمُه الأمينُ
برَغْمِ (الثَّغْرِ) أنْ غُيِّبْتَ عَنْهُ
وأنْ نَزَلَتْ بساحَتِكَ المَنونُ
أجَلُّ مُناهُ لو يَحْوِيكَ مَيْتًا
ليَجْبُرَ كَسْرَهُ ذاكَ الدَّفينُ
أسالَ منَ الدُّموعِ علَيْكَ بَحْرًا
تَكادُ بلُجِّه تَجري السَّفينُ
وقامَ النّادِياتُ بكلِّ دارٍ
وكَبَّرَ في مآذِنه الأذينُ
أصيبَ بذي مَضاءٍ أرْيِحيٍّ
به عند الشَّدائِدِ يَستعينُ
فتى الفِتْيان غالَتْكَ المَنايا
وغُصْنُكَ لا تُطاوِلُه غُصونُ
صَحِبْتُكَ حِقْبَةً فصَحِبتُ حُرًّا
أبِيًّا لا يُهانُ ولا يُهينُ
نبيلَ الطَّبْعِ لا يَغْتابُ خِلاًّ
ولا يُؤْذي العَشيرَ ولا يَمينُ
تَطوَّعَ في الجِهادِ لوَجْهِ (مِصْرٍ)
فما حامَتْ حَوالَيْهِ الظُّنونُ
ولم يَثْنِ الوَعيدُ له عِنانًا
ولم تَحْنَثْ له أبَدًا يَمينُ
ولم تَنْزِلْ بعِزَّته الدَّنايا
ولم يَعْلَقْ به ذُلٌّ وهُونُ
مَضَى لسبيله لم يَحْنِ رأسًا
ولم يَبْرَحْ سريرَتَه اليقينُ
تَرَكْتَ أليفَةً تَرْجُو مُعينًا
وليْسَ سوى الدُّموعِ لها مُعينُ
تَنوحُ على القَرينِ وأيْن منها
وقد غالَ الرَّدى — ذاكَ القَرينُ
سمِعْتُ أنينَها واللَّيلُ ساجٍ
فمَزَّقَ مُهْجَتي ذاكَ الأنينُ
فقد عانَيْتُ قِدْمًا ما يُعاني
على عِلاّته القَلْبُ الحَزينُ
منَ الخَفِراتِ قد نَعِمَتْ بزَوْجٍ
سَمَا بجلالِه أدَبٌ ودِينُ
أقامَتْ في النَّعيم ولمْ تَرَوَّعْ
فكلُّ حياتها رَغَدٌ ولينُ
لقد نَسَجَ العَفافُ لها رِداءً
وزانَ رِداءَها الخِدْرُ المَصونُ
دَهاها المَوْتُ في الإلْفِ المُفَدَّى
وكَدَّرَ صَفْوَها الدَّهْرُ الخَؤونُ
فكاد مُصابُها يَأتي عليْها
لساعَتِها وتَقْتُلُها الشُّجونُ
ربيبَة نِعْمَةٍ لم تَبْلُ حُزْنًا
ولم تَشْرَقْ بأدْمُعِها الجُفونُ
وَفَتْ لأليفِها حَيًّا ومَيْتًا
كذاك كريمةُ (اللَّوزي) تَكونُ
ستَكْفيها العنايةُ كلَّ شَرٍّ
ويَحْرُسُ خِدْرَها (الرُّوحُ الأمينُ)

(٣٩) رثاء محمود الحمولي

وهو ابن المرحوم عبده الحمولي المغنّي المعروف، وكان قد مات بعد قرانه بقليل

شَوْقْتُماني أيُّها الفَرْقَدانِ
لبَدْرِ تمٍّ غابَ قبلَ الأوانِ
وكُلَّما أشْرَقْتُما مَرَّةً
عَلَّمْتُما عَيْنَيَّ نَظْمَ الجُمانِ
على عزيزٍ قد تَوَلَّى ولن
يَؤوبَ حتّى يَرجِعَ القارِظانِ
عَجّلْتَ يا (محمود) في رِحْلَةٍ
قَرَّتْ بها أعْيُنُ حُورِ الجِنانِ
كأنّما آخِرُ عَهْدِ الهَنا
قد كان مِنّا ليلَةَ المِهْرَجانِ

(٤٠) رثاء حبيب المطران باشا

أُعَزِّي فيكَ أهْلَكَ، أمْ أُعَزِّي
عُفاةَ النّاسِ، أمْ هِمَمَ الكِرامِ؟
وما أدري أرُكنُ الجاهِ أوْدَى
— وقد أوْدَيْتَ — أمْ رُكْنُ الشَّآمِ؟

(٤١) رثاء المرحوم أحمد البابلي

بَدأَ المَماتُ يَدِبُّ في أتْرابي
وبَدأتُ أعْرِفُ وَحْشَةَ الأحْبابِ
يا بابِليُّ فِداكَ إلْفُكَ في الصِّبا
وفِدا شَبابِكَ في التُّرابِ شبابي
قد كُنْتَ خُلْصاني ومَوضعَ حاجتي
ومَقرَّ آمالي وخَيْرَ صِحابي
فاذْهَبْ كما ذَهَبَ الكِرامُ مُشَيَّعًا
بالمَجْدِ مَبْكِيًّا من الأحْبابِ

(٤٢) تعزية المرحوم محمود سامي البارودي باشا في ابنته

وديعةٌ رُدَّتْ إلى ربِّها
ومالِكُ الأرْواحِ أوْلى بها
ألَمْ يَكُنْ صَبْرُكَ في بُعْدِها
يَرْبُو على شُكْرِكَ في قُرْبِها؟

وقال يرثيها أيضًا:

بيْنَ السَّرائِرِ ضِنَّةً دَفَنُوكِ
أمْ في المحاجِرِ خُلْسَةُ خَبَئوكِ؟
ما أنْتِ ممّنْ يَرتضي هذا الثَّرى
نُزُلاً فهَلْ أرْضَوْكِ أمْ غَبَنُوكِ؟
يا بِنْتَ (مَحْمودٍ) يَعِزُّ على الوَرى
لَمْسُ التُّرابِ لجِسْمِكِ المَنْهوكِ
تَرَكوا شبابكِ فيه نَهْبًا للبِلَى
واهًا لغَضِّ شبابِكِ المَتْروكِ
وحَثَوْه فوق سَناكِ يا شَمْسَ الضُّحى
فبَكى له بَدْرُ السَّماء أخوكِ
داسَ الحِمامُ عَرينَ آسادِ الشَّرى
يا ليْتَ شِعْري أينَ كان أبُوكِ؟
عَهْدي به يَلْقَى الرَّدى بمُهَنَّدٍ
يَعْلوه غِمْدٌ من دَمٍ مَسْفوكِ
يا نَفْسَ (مَحْمُودٍ) وأنتِ عليمَةٌ
بطريقِ هذا العالَمِ المَسلوكِ
عَهِدوكِ لا تَتَصدَّعينَ لحادِثٍ
أوَ أنْتِ باقيَةٌ كما عَهِدوكِ
هذا التُّرابُ — وأنتِ أعلمُ — مُلتقى
هذا الوَرى مِنْ سُوقَةٍ ومُلُوك
هل أنتِ إلا بَيْنَ جَنْبَيْ ماجِدٍ
صَعْبِ الشَّكيمَةِ للخُطوبِ ضَحُوكِ
يُغْضي بحَضْرَتِه الزَّمانُ فيَلْتقي
عِزُّ المَليكِ وذِلَّةُ المَمْلوكِ

(٤٣) «من مرثيّة وهميّة»

بلغ حافظًا أنّ جورج الخامس ملك إنجلترا قد توفِّي، فلم يكد يسمع هذا النبأ حتى بدأ ينظم قصيدة في رثائه، ثمّ تبيّن له — بعدُ — عدمُ صحّة هذا الخبر وقد وقفنا على بيتين من هذه المرثيّة، وهما:

إنّ الّذي كانت الدّنيا بقَبْضَتِه
أمْسى من الأرض يَحْويه ذِراعانِ
وغابَ عن مُلْكِه مَنْ لم تَغِبْ أبَدًا
عن مُلْكِه الشَّمْسُ مِنْ عِزٍّ وسُلْطانِ

(٤٤) شهداء العلم (جريدة السفور (١٥ أبريل سنة ١٩٢٠))

في سنة ١٩٢٠ أوفدت مصر أوّل بعثة دراسيّة من شبابها النابه إلى أوربا لاستكمال دراساتهم العليا في جامعاتها، وقد ذهبوا جميعًا ضحيّة حادث أليم وقع للقطار الذي كان يقلّهم عبر إيطاليا في أكبر كارثة للسكك الحديديّة شهدتها أوربا.

وكان وَقْع المصاب الفادح بالغ الألم والأثر في مصر وفي سائر البلاد العربيّة والأجنبيّة. وقد رثاهم شاعر النيل بهذه القصيدة التي ألقيت في حفل جريدة السفور التي أقيمت مساء ١٤ من أبريل سنة ١٩٢٠.

عَلَّمونا الصبرَ يُطْفي ما استَعَرْ
إنّما الأجرُ لَمفجوعٍ صَبَرْ
صدْمَةٌ في الغربِ أمسى وَقْعُها
في ربوع الشَّرقِ مشئومَ الأثرْ
زَلْزَلَتْ في أرضِ مصرٍ أنفُسًا
لم يُزَلْزِلْها قرارُ المؤتمرْ
ما اصطدامُ النجم بالنجمِ على
ساكني الأرضِ بأدْهى وأمَرْ
قَطَفَ الموتُ بَواكيرَ النُّهى
فجَنَى أجملَ طاقاتِ الزهَرْ
وعَدا الموتُ على أقمارِنا
فتهاوَوْا قمرًا بعد قمرْ
في سبيل النِّيلِ والعِلْمِ وفي
ذمّةِ اللهِ قَضَى الإثنا عشرْ
أيْ بُدورَ الشَّرقِ ماذا نابَكُمْ
في مسارِ الغربِ من صَرْفِ الغِيَرْ
نَبأٌ قَطّعَ أوصالَ المنى
وأصَمَّ السمعَ منّا والبصرْ
كم بمصرٍ زَفْرَةٌ من حَرِّها
كُنِسَ الأعفرُ، والطيرُ وكرْ
كم أبٍ أَسوانَ دامٍ قَلْبُهُ
مستطيرِ اللبِّ مفقورِ الظَّهَرْ
ساهِمَ الوجهِ لِما حَلَّ به
سادِرَ النظرةِ مِنْ وَقْعِ الخبرْ
كم بها والدةٍ والهةٍ
عَضَّها الشُّكلُ بنابٍ فعَقَرْ
ذاتِ نَوْحٍ تحت أذيالِ الدُّجى
عَلَّمَ الأشجانَ سُكّانَ الشجرْ
نسألُ الأطيارَ عن مؤنسِها
كلّما صَفَّقَ طيرٌ واصطَحَرْ
تَسأل الأنجمَ عن واحِدها
كلّما غُوِّرَ نجمٌ أو ظَهَرْ
نَهَبُ العمرَ لَمنْ يُنبئُها
أنّه أفْلَتَ من كَفِّ القَدَرْ
وَيْحَ مِصرٍ، كلَّ يومٍ حادثٌ
وبلاءٌ ما لها منه مَفَرّ
هانَ ما تَلقاهُ إلا خَطْبُها
في تُراثٍ مِنْ بَنيها مُدَّخرْ
قد ظَلَمتم مَجدَهُمْ في نَقْلِهم
إنّما نَقَلتهُم إحدى الكُبرْ
فسَواءٌ في ترابِ الشَّرقِ أم
في ترابِ الغَرْبِ كان المُستقرْ
أأبَيْتُم أن نَرى يومًا لنا
في ربوع العِلمِ شبرًا فنُسَرْ
أضَنِنْتُم أن تُقيموا بينهم
شاهِدًا منّا لكُتَّابِ السِّيَرْ
ومَزارًا كلّما يَمَّمَهُ
ناشئٌ حَيَّا ثراه وادّكرْ
ودليلاً لابنِ مصرٍ كلّما
قامَ في الغربِ بمصرٍ فافتَخَرْ
كم مِسَلاَّتٍ لنا في أرضهمْ
صَوَّرَتْ مُعْجِزةً بين الصُّوَر
قُمنَ رَمزًا لعصورٍ قد خَلَتْ
أشْرَقَ العِلْمُ عليها وازدَهَرْ
فاجعَلوا أمواتَنا اليومَ بها
خيرَ رمزٍ لرجاءٍ مُنتظَرْ
أمّةَ الطليانِ خَفَّفْتِ الأسى
بصنيعٍ من أياديك الغُرَرْ
جَمَعَتْ كفَّاكِ عِقْدًا زاهيا
مِنْ بنينا فوقَ واديك انتثَرْ
ومَشَى في مَوْكِبِ الدَّفْن لهُمْ
مِنْ بَنيكم كُلُّ مِسْماحٍ أغَرْ
وسَعى كلُّ امرئٍ مُفْضِلٍ
بادِيَ الأحزان مَخْفوضَ النظرْ
وبَكَتْ أفلاذُكُمْ أفلاذَنا
بدموعٍ رَوَّضَتْ تلك الحُفَرْ
وصَنَعْتُم — صَنَعَ اللهُ لكم —
فوقَ ما يَصْنَعُهُ الخِلُّ الأبَرْ
قد بَكَيْنا لكُمُ من رحمةِ
يوم «مِسينا» فأرخصنا الدُّررْ
فحَفِظْتُم وشَكَرْتُمْ صُنْعَنا
وبَنو الرومانِ أوْلى مَن شكَرْ
أيْ شبابَ النيل لا تَقْعُدْ بكم
عن خطيرِ المجدِ أخطارُ السَّفرْ
إنَّ مَنْ يَعْشَقُ أسْبابَ العُلا
يَطْرحُ الإحجامَ عنه والحذْر
فاطلُبوا العِلْمَ ولو جَشَّمَكُمْ
فوقَ ما تَحْمِلُ أطواقُ البَشَرْ
نحنُ في عَهْدِ جِهادٍ قائمٍ
بين مَوْتٍ وحياةٍ لم تَقِرْ

(٤٥) رثاء فقيد العلم والوطن محمّد عاطف بركات باشا (المقطّم في ١٣ سبتمبر ١٩٢٤)

(أُلقِيت في حفل تأبينه)

ثَمَنُ المجدِ والمحامِد غَالي
آل زغلولَ فاصبروا لليالي
قد هَوَى منكم ثلاثةُ أقما
رٍ خَلَتْ منهمُ بروجُ المعالي
مات «فتحي» ومَنْ لنا بحجاهُ
وأفانين فِكْره الجَوّالِ
كان أعْجوبَةَ الزمان ذَكاءً
ومَضَاءً في كلِّ أمرٍ عُضالِ
و«سعيدٌ» وكان غُصنًا ندِيًّا
فُتِّحتْ فيه زهرةُ الآمالِ
وقَضَى «عاطف» وكان عظيمًا
صادِقَ العزمِ مُطْمئِنَّ الخِلالِ
يَهزِلُ الناسُ والزمانُ، ويَأْبى
غيرَ جِدٍّ مُواصِلٍ ونِضالِ
ساهِدُ الرأي، نائمُ الحقدِ، لاهٍ
عن ملاهي الوَرَى، عفيفُ المقالِ
قد جَلا سيفَ عَزْمِهِ صَيْقَلُ الـ
ـنفي، فأرْبَى على السيوف الصِّقال
ونَمَتْ رأيَه التَّجارِبُ حتّى
باتَ أمْضَى من نافِذاتِ النِّبالِ
يا شهيدَ الإصلاحِ غادَرْتَ مِصرًا
وهْي تجتازُ هَوْلَ دَوْرِ انتقالِ
لو تَرَيَّثْتَ لاسْتطالَ بك النيـ
ـلُ على هذه الخُطوبِ التوالي
غير أنّ الردى، وإن كَثُر النا
سُ، حريصٌ على البعيدِ المَنالِ
كلّما قامَ مُصْلِحٌ أعْجَلَتْهُ
عن مُناهُ غَوائلُ الآجالِ
يُخْطَفُ النَّابغُ النبيهُ ويَبْقى
خاملُ الذكرِ في نعيم وخالِ
أيَعيشُ الرئبالُ في الغاب جيلا
ويَمرّ الغرابُ بالأجيالِ
كنتَ فوق الفراشِ والسقمُ بادٍ
لهفَ نَفسي عليك والجسمُ بالِ
لم يُزحْزِحْك عن نهوضِك بالأعبا
ءِ داءٌ يَهدّ أُسْدَ الدِّحالِ
شَغَلَتْكَ الجهودُ والداء يَمشي
فيك مَشيَ المُحاذِرِ المُغْتالِ
لم يَدَعْ منك غير قوّة نفسٍ
تَتَجلَّى في هيكلٍ من خَيالِ
عجز السُّقْمُ عن بلوغ مَداها
فمَضَتْ في سبيلها لا تُبالي
لم تَزَلْ في بِناءةِ النشء حتّى
هَدَم الموتُ عُمْرَ باني الرجالِ
عَجبَ الناسُ أنْ رَأوْا سَرَطانَ الـ
ـبَحرِ قد دَبَّ في رؤوسِ الجبالِ
مَنْ رَأى «عاطفًا» وقد وَصَل الأشـ
ـغالَ بعدَ الهُدوِّ بالأشغالِ
ظَنَّ، أو كادَ، أنَّ أوّل نَوْمٍ
نامَه كانَ تحت تِلكَ الرمالِ
أو رأى قوّةَ العزيمة فيه
وهو فوق الفراشِ بادي الهُزالِ
ظَنَّ بأسَ الحديدِ فارَقْ مَثْوا
هُ اجتواءً وحَلَّ عودَ الخلالِ
قد تَبَيَّنْتَ كُلَّ مَعْنًى فأنْكَرْ
تَ على السالفين مَعنى المُحالِ
رُمْتُ في أشْهُرٍ صَلاحَ أمورٍ
دَمَّرتها يدُ العصورِ الخوالي
رُمْتُ إصلاحَ ما جَنَت يدُ «دنلو
بَ» على العلم السنين الطوالِ
وقليلٌ عندي لها نصفُ جيلٍ
لمُجِدٍّ مُوَفَّقٍ فَعَّالِ
لم تكن مصرُ بالعقيم ولكن
قد رماها أعداؤها بالحَيالِ
أفْسِحُوا للجياد فيها مجالاً
قد أضرَّ الجيادَ ضيقُ المَجالِ
أصْبَحَتْ في القيود تَمشي الهُوَيْنى
كسفينٍ يَعْبُرْنَ مَجرى القَنالِ
فاصدَعُوا هذه القيودَ وخَلّو
ها تُباري في السَّبْقِ ريحَ الشمالِ
عَرَفَ الغَرْبُ كيف يَستثمرُ الجِد
فيَبني بفضْلِهِ كلَّ غالِ
ودَرَى الشَّرقُ كيف يَسْتَمريءُ اللهـ
ـو فيُفضي به إلى شَرِّ حالِ
فاتركوا اللهوَ في الحياةِ وجِدُّوا
إنَّ في اسم الرئيس أيمنَ فالِ
فاصنعوا صُنْعَ عاطف واذكروه
آيةَ المجدِ — ذِكرةَ الأبطال
يا مُحبَّ الجدالِ نَمْ مستريحًا
ليس في الموتِ مَنْفَذٌ للجدالِ
صامِتٌ يُسكِتُ المفَوّهَ فاعجب
وبطيءٌ يَبزُّ خَطْو العِجالِ
كلُّ شيء إلا التحيةَ يُرْجَى
فهي للهِ، والدُّنا للزوالِ
إن بَكَت غيرَك النساءُ وأذرفـ
ـنَ عليه الدموعَ مثلَ اللآلي
فعَلى المصلحين مثلكَ تَبكي
ثمّ تَبكي جلائلُ الأعمالِ

(٤٦) رثاء الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي

رحِمَ اللهُ صاحِبَ النظراتِ
غابَ عنّا في أحرجِ الأوقاتِ
يا أميرَ البيان والأدبِ النضِـ
ـرِ لقد كنتَ فخرَ أمِّ اللغاتِ
كيف غادَرْتَنا سريعًا وعهدي
بك يا مصطفى كثيرَ الأناةِ
أقْفَرَتْ بعدك الأساليبُ واستر
خَى عِنانُ الرسائل الممتِعاتِ
جَمَحَتْ بعدكَ المعاني وكانت
سَلِساتِ القيادِ مُبْتَدَراتِ
وأقامَ البيانُ في كلِّ نادٍ
مأتمًا للبدائع الرائعاتِ
لطَمَتْ «مجدلينُ» بعدَك خدَّيْـ
ـها وقامَتْ قيامةُ «العَبَراتِ»
وانْطَوَتْ رِقَّةُ الشعور وكانت
سلوةَ البائسين والبائساتِ
كنتَ في مصرَ شاعرًا يَبْهَرُ اللـ
ـبَ بآياتِ شِعْره البيِّناتِ
فهَجَرْتَ الشِّعْرَ السَّريَّ إلى النشـ
ـرِ فجئتَ الكُتَّابَ بالمُعْجِزاتِ
مُتَّ والناسُ عن مُصابِكَ في شُغْـ
ـلٍ بجرحِ الرئيس حامي الحُماةِ
شُغِلوا عن أديبهم بمُنَجِّيـ
ـهِمْ فلم يَسْمَعوا نداءَ النُّعاةِ
وأفَاقوا بَعْد النجاة فألفَوْا
منزلَ الفضلِ مُقفرَ العَرَصاتِ
قد بَكاكَ الرئيسُ وهو جريحٌ
ودموعُ الرئيسِ كالرَّحَماتِ
لم تُبَقِّ يا فتى المحامدِ مالاً
فلقد كنتَ مُغْرَمًا بالهِباتِ
كم أسالَتْ لك اليراعةُ سَيْلاً
من نُضارٍ يَفيضُ فيْضَ الفُراتِ
لم تُؤثِّلْ مما كَسَبْتَ ولم تَحْـ
ـسِبْ على ما أرى حِسابَ المماتِ
مِتَّ عن يافع وخمسِ بناتٍ
لم تُخَلَِّفْ لها سوى الذِّكْريَاتِ
وتُراثُ الأديبِ في الشَّرق حُزْنٌ
لبنيه، وثروةٌ للرواةِ
لا تَخَفْ عثْرَة الزمان عليهم
لا، ولا صولَةَ الليالي العَواتي
عَيْنُ سعْدٍ تَرْعاهُمُ بعد عيـ
ـنِ اللهِ فاهْدأ فقد وَجَدْتَ المُواتي

(٤٧) رثاء أحمد حشمت باشا

كان أحمد حشمت باشا من رجالات مصر في العصر السابق، وليَ مناصب القضاء والإدارة ثمّ وزيرًا للمعارف «التربية والتعليم الآن».

وقد ناصَر الأدب واللغة العربيّة في عصر اشتدّت حملة الاستعمار والمبشّرين عليها شدّة مسعورة، وكانت له — رغم منصبه الوزاري ووجود مستشار المعارف الإنجليزي — مواقفُ مشهودة، خرجت بفضلها اللغة العربيّة سليمة خالصة لأهلها، وحفظت عليهم لسانهم العربيّ المبين.

وكان من الطبَعِيِّ أن تقوم الصلة قويّة متينة بين حشمت باشا وشاعر النيل، وأن يقرِّبَه الوزير إليه، ويعيّنه رئيسًا للقسم الأدبي بدار الكتب المصريّة. فكان عملا جريئًا من الوزير أن يعيّن في وظيفة حكوميّة، أديبًا يطارد الاستعمار ويطارده الاستعمار في عصر الاستعمار.

ولقد رثاه الشاعر سنة ١٩٢٦ بهذه المرثية المنبعثة من ضمير ووجدان الشاعر الوطنيّ الوفيّ الكليم.

حَبَسَ اللسانَ وأطْلَقَ الدَّمْعا
ناعٍ أصَمَّ بنَعْيِكَ السَّمْعَا
لك مِنَّةٌ قد طَوَّقَتْ عُنُقي
ما إن أُريدُ لطَوْقِها نَزْعَا
ماتَ الإمامُ وكان لي كَنَفًا
وقَضَيْتَ أنتَ وكنتَ لي دِرْعَا
فلْيَشْمَتِ الحُسَّادُ في رَجُلٍ
أمْسَتْ مُناهُ وأصْبَحَتْ صَرْعَى
ولتَحْمِلِ الأيّامُ حَمْلَتَها
غاضَ المَعينُ وأجْدَبَ المَرْعَى
إنِّي أرى من بَعْده شَلَلاً
بيَدِ العُلا وبأنْفها جَدْعَا
وأرى النَّدى مُسْتَوحِشًا قَلِقًا
وأرى المروءةَ أقْفَرَتْ رَبْعَا
قد كان في الدُّنيا أبو حَسَنٍ
يُولي الجميلَ ويُحْسِنُ الصُّنْعَا
إن جاء ذو جاهٍ بمَحْمَدةٍ
وَتْرًا شَآهُ بمثلها شَفْعَا
فإذا نَظَرْتَ إلى أنامِلِهِ
تَنْدَى، حَسِبْتَ بكفِّه نَبْعَا
سَلْني فإنِّي من صنائِعِه
وسَلِ «المعارفَ» كم جَنَتْ نَفْعَا
قد أخْصَبَتْ أُمُّ اللغاتِ به
خِصْبًا أدْرَّ لأهلها الضَّرْعَا
تاللهِ لَوْلا أنْ يُقالَ أتى
بِدْعًا، لَطُفْتُ بقَبْرِهِ سَبْعَا
قد ضِقْتُ ذَرْعًا بالحياة، ومَنْ
يَفْقِدْ أحِبَّتَه يَضِقْ ذَرْعَا
وغَدَوْتُ في بَلَدٍ تَكَنَّفُني
فيه الشُّرورُ ولا أرى دَفْعَا
كم مِنْ صديقٍ لي يُحاسِنُني
وكأنَّ تحتَ ثيابهِ أفْعَى
يَسْعَى فيُخْفي لينُ مَلْمَسهِ
عنِّي مَسارِبَ حيَّةٍ تَسْعَى
كم حاوَلَتْ هَدمي مَعاوِلُهم
وأبى الإلهُ فزادني رَفْعَا
أصبَحتُ فرْدًا لا يُناصِرُني
غيرُ البيانِ، وأصبَحوا جَمْعَا
ومُناهُمُ أنْ يَحطِموا بيَدي
قَلَمًا أثارَ عليهم النَّقْعَا
ولَرُبَّ حُرٍّ عابَه نَفَرٌ
لا يَصْلُحونَ لنَعْلِه شِسْعَا
مَنْ ذا يُواسيني ويَكْلؤني
في هذه الدنيا ومَنْ يَرْعَى
لا جاهَ يَحميني، ولا مَدَدٌ
عَنّي يَرُدُّ الكيدَ والقَذَعَا
بك كنتُ أدفعُ كلَّ عاديةٍ
وأجيبُ في الجُلَّى إذا أْدعَى
وأقيلُ عَثْرَة كلِّ مبتئسٍ
وأفي الحقوقَ وأُنجحُ المَسعَى
حتى نَعَى الناعي أبا حَسَنٍ
فوَدَدْتُ لو كنتُ الذي يُنعَى
غِيظ العِداةُ فحاولوا سَفَهًا
منه لحبلِ وِدادنا قَطْعَا
رَاموا له بَتًّا — وقد حَمَلوا
ظلمًا — فكان لوصْلِهِ أدْعَى
يا دوحةً للبرِّ قد نَشَرَتْ
في كلِّ صالحةٍ لها فرعَا
ومنارةً للفضل قد رُفِعَتْ
فوقَ الكنانةِ نورُها شعَّا
ومَثابةً للرزقِ أحْمَدُها
ما رَدَّ مِسكينًا ولا دَعَّا
إني رثيتُك والأسى جَلَلٌ
والحزنُ يَصْدَعُ مهجتي صَدْعَا
لا غَرْوَ إن قَصَّرْتُ فيك فقد
جَلَّ المصابُ وجاوَز الوُسْعَا
سأفيك حَقَّك في الرثاءِ كما
تَرضَى، إذا لم تُقْدَرِ الرُّجْعَى

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤