نظرة خاصة على سينما أمريكا اللاتينية

figure
شكل ٤-١٢: خريطة أمريكا اللاتينية.

يتيح لنا التركيز على فيلم الطريق كنوع سينمائي عالمي الفرصةَ للنظر عن كثب أكثر في صناعة السينما في جزءٍ من العالم قريبٍ منا بعدة طرق. ربما تكونون قد لاحظتم بالفعل أن العديد من الأفلام القادمة من أمريكا اللاتينية التي عبرت الحدود إلى أمريكا في السنين الأخيرة كانت أفلام رحلات. انظروا إلى أفلام مثل «جوانتاناميرا» (١٩٩٥)، و«المحطة المركزية» (١٩٩٨)، و«وأمك أيضًا» (٢٠٠١)، أو «يوميات الدراجة النارية» (٢٠٠٤). الأسباب وراء هذا الاتجاه اقتصادية في جزء منها. يميل تمويل الأفلام إلى اتباع الطرق المألوفة للنجاح، لكن هناك كذلك أبعاد ثقافية هامة لهذا النوع السينمائي. يتيح لنا مجازُ السفر نظرةً عن قرب للأراضي والناس لمن يعرف منَّا القليلَ عن الحياة في جبال الأنديز أو غابات الأمازون المطيرة أو هضاب باتاجونيا. إن التراث السينمائي المتنوع لأمريكا اللاتينية، وبخاصة أفلام الطريق، يتيح لنا لمحات عما يقرب من ٦٠٠ مليون شخص ينحدرون من شعوب المايا والإنكا والأزتك والغزاة الإسبان والعبيد الأفارقة وآخرين ممَّن يسكنون مساحةً تبلغ ٧ ملايين و٨٨٠ ألف ميل مربع. نتعلم من تلك الأفلام الكثير عن تاريخ وثقافة وأساليب حياتهم في أرض تضم أكبر نهر وأعلى شلال وأطول سلسلة جبال في العالم.

سنستخدم مصطلح أمريكا اللاتينية لأن كلمة «لاتينية» تشمل روابط اللغة والثقافة المفقودة في المعنى الجغرافي البحت لمصطلحي أمريكا الوسطى أو أمريكا الجنوبية. تضم هذه المناطق من الأمريكتَين التي تسود فيها اللغتان الإسبانية والبرتغالية دولةَ المكسيك الواقعة في أمريكا الشمالية وجزر الكاريبي والرقعة البرِّية الكبرى لأمريكا الجنوبية ومضيق أمريكا الوسطى الذي يصل بين شبه القارتَين الشمالية والجنوبية. هذه المنطقة تفوق في الحجم وعدد السكان منطقة أنجلو-أمريكا، وهي المنطقة التي تضم كندا والولايات المتحدة وبضع مناطق أخرى (مثل برمودا وبيليز)، والتي تربط بينها اللغةُ الإنجليزية وتراثٌ بريطاني مشترك. وبازدياد نسبة متحدثي الإسبانية بين سكان الولايات المتحدة — حيث وصلت إلى أكثر من ١٦ بالمائة بحلول عام ٢٠١٠ — فحتى هذا الفارق بين سكان المنطقتَين يتلاشى تدريجيًّا.

معظم التكوين اللغوي والديني لأمريكا اللاتينية هو إرث من الاستعمار الأوروبي؛ فقد ترك مستكشفو القرن الخامس عشر، الذين سيطروا على معظم أراضي العالم الجديد لصالح إسبانيا والبرتغال، آثارًا قوية من خلال اللغات الرومانسية والمذهب الكاثوليكي الروماني. اليومَ، تُعتبر اللغة الإسبانية اللغةَ الأم لحوالي ٢٠ دولة من دول أمريكا اللاتينية، بينما تُعتبَر البرتغالية هي اللغة الرسمية للبرازيل، وهي أكبر دول المنطقة في المساحة وعدد السكان. تمتلك المكسيك وحدها أكثر من ضعف عدد المتحدثين بالإسبانية في إسبانيا نفسها. بينما يفوق عدد متحدثي البرتغالية في البرازيل عدد متحدثيها في البرتغال بست عشرة مرة. يعتبر حوالي ٧٠ بالمائة من سكان أمريكا اللاتينية أنفسهم كاثوليكيين، وهي نسبة كبيرة تفوق نسبة الكاثوليكيين في أوروبا أو آسيا أو أفريقيا. لكن هذه الأرقام تُخفِي التنوعَ الغني للمنطقة وهرمها المتعدد الطبقات من الثقافات والعوامل المؤثرة، الذي يتضمَّن اليهودَ ومجتمعًا بروتستانتيًّا متزايدًا في النمو. في قاعدة هذا الهرم هناك السكان الأصليون الذين سكنوا القارة قبل وصول كريستوفر كولومبس إليها: أحفاد شعوب المايا والأزتك وغيرهم من السكان الأصليين للأمريكتَين الذين أسَّسوا حضاراتٍ متقدِّمة، لكلٍّ منها لغتها ونظامها العقائدي وتدرُّجها الاجتماعي وتقنياتها وفنونها. وإضافةً إلى هذا التراث السابق لعهد كولومبس، فثمة عواملُ تأثير كانت تسعى لتحلَّ محله بالقوة، وهي تلك العوامل الخاصة بالدول الأوروبية — وخاصة إسبانيا والبرتغال وفرنسا — التي كانت قوية بنحو خاص خلال الحقبة الاستعمارية من القرن السادس عشر وحتى التاسع عشر. بالإضافة إلى أساليب القوى الاستعمارية الغربية، فقد استوردت العبيد الأفارقة الذين ساعَدَ أحفادُهم كذلك في تشكيل المشهد الثقافي. وفي القرن العشرين، أصبحت الولايات المتحدة لاعبًا أساسيًّا، مصدِّرةً نسختَها الخاصة من الثقافة الشعبية أثناء سعيها لتوجيه المستقبل السياسي والاقتصادي للمنطقة.

كل هذه الخيوط المتعددة الجوانب تظهر في كل أنواع الفنون: في رسومات مانويل ريندون البنائية، والجداريات الشعبية لدييجو ريفيرا، واللوحات المستلهمة من الفولكلور لفريدا كالو، ومنحوتات فرناندو بوتيرو المجسمة، وقصص خورخي لويس بورخيس المتاهية، وروايات الواقعية السحرية لجابرييل جارسيا ماركيز، والإيقاع العاطفي لشِعْر بابلو نيرودا. ويمكن سماعُ صداها في موسيقى رقص الميرينجي لدول البحر الكاريبي، وموسيقى البوسا نوفا في البرازيل، والتانجو في الأرجنتين وأوروجواي. ما يجعل هذه الأشكالَ الفنية فريدةً ومتميزة جدًّا عن نظرائها في أي مكان في العالم هو الطريقة التي امتزجت بها بتراث السكان الأصليين أو التراث الأفريقي مُشكِّلةً ثقافةً هجينة بين القديم والحديث. على الأرجح، لا يوجد مكان لمشاهدة هذا التخليق الثقافي أثناء حدوثه أفضل من السينما.

أي شخص يقرأ عن تاريخ السينما في أمريكا اللاتينية سيقابل كلماتٍ معينةً مليئةً بالمعاني والتلميحات المتعارضة. يحوي الكتاب الرائد «نقد المركزية الأوروبية: التعددية الثقافية ووسائل الإعلام» لإيلا شوحط وروبرت ستام مقدمةً جيدة عن هذه المصطلحات والأيديولوجيات التي تقف وراءها. تسعى شوحط وستام إلى نقل قرَّائهما من أسلوبِ تفكيرٍ متركِّزٍ على العِرْق إلى آخَرَ متعدِّدِ الثقافات، موسِّعين رؤيتهم للثقافات الأخرى بنحوٍ يتخطى افتراضاتهم وتحيُّزاتهم الموروثة بطرقٍ تحترم وجهاتِ نظرِ تلك الثقافات الأخرى ومعتقداتها. وكما يقولان، تعني التعددية الثقافية «النظر إلى تاريخ العالم والحياة الاجتماعية المعاصرة من منظور المساواة المُطلقة بين الناس في المكانة والإمكانيات والحقوق.»1 تسرد شوحط وستام تاريخَ المصطلحات المستخدَمة لوصف منطقة مثل أمريكا اللاتينية — وتعبيرات مثل «استعماري» و«متخلفة» و«عالم ثالث» — محلِّلَيْن النظرات العِرْقية المترسخة في هذه المصطلحات. على سبيل المثال، يقولان إن وصفَ دولةٍ ما على أنها تنتمي إلى «العالم الثالث» ربما يشير إلى نوع من الدونية، لكن هذا المصطلح أصبح له مدلول إيجابي بواسطة صناع السينما في أمريكا اللاتينية في الستينيات من القرن العشرين، عندما أعلنوا عما سُمِّيَ بحركة «السينما الثالثة» التي تختلف عن سينما «العالم الأول» الرأسمالي وسينما «العالم الثاني» الاشتراكي. تقول شوحط وستام إن الفترة الطويلة التي كانت فيها دول العالم الثالث مستعمراتٍ أوروبيةً، تركت أثرًا مدمِّرًا على تفكيرنا وخطابنا. ويزعمان أن «الاستعمار عِرْقيةٌ مُسلَّحة وممنهجة وعالمية»، وأن شكلًا من «الاستعمار الجديد» استبدَلَ بالسيطرة السياسية والعسكرية المباشرة أشكالًا اقتصادية غير مباشِرة من السيطرة، وأنَّ نظرية «ما بعد الاستعمار» تمثِّل مجهودًا ﻟ «تجاوز الثنائيات (المفترضة) للصراعات في العالم الثالث»؛2 أيْ تجاوز التمييزات المتعارضة بين «نحن» و«هم». أحد المصطلحات الأخرى المستخدمة على نطاق واسع هو «سينما أمريكا اللاتينية الجديدة». تُرجِع زوزانا بيك أصلَ حركة سينما أمريكا اللاتينية الجديدة إلى أحداثٍ مثل مهرجان فينيا ديل مار الدولي عام ١٩٦٧ عندما اتحد صناعُ السينما من عدة دول من أجل صراعات مشتركة من أجل «الاستقلال السياسي وحرية التعبير والتغيير الاجتماعي»،3 وهي مُثُل كانت متماشيةً بنحوٍ كبير مع أهداف حركة السينما الثالثة.
جدول زمني (شكل ٤-١٣).
التاريخ البلد التاريخ الوطني تاريخ السينما
١٤٩٢ أمريكا اللاتينية يستولي كريستوفر كولومبس على أراضٍ في كوبا وجزيرة هيسبانيولا لصالح التاج الإسباني.
١٤٩٤ أمريكا اللاتينية تقسم اتفاقية توردسيلاس الأراضي في العالم الجديد بين إسبانيا والبرتغال.
١٨٠٤ هاييتي هاييتي تستقل عن فرنسا.
١٨٢٥ أمريكا اللاتينية تستقل معظم الدول المتحدثة بالإسبانية عن إسبانيا.
١٨٤٦–١٨٤٨ المكسيك الحرب الأمريكية المكسيكية.
١٨٩٨ كوبا الحرب الأمريكية الإسبانية.
١٨٩٩–١٩٠٢ كولومبيا حرب الألف يوم.
١٩١٠–١٩٢١ المكسيك الثورة المكسيكية.
١٩١٩ المكسيك صدور فيلم «السيارة الرمادية» (ذا جراي أوتوموبيل) لإنريكي روساس.
١٩٣١ المكسيك المخرج الروسي سيرجي آيزنشتاين يصل المكسيك.
١٩٣٣ الأرجنتين يثير فيلم «حانة التانجو» (تانجو بار) لجون راينهارت الشهية الوطنية لأفلام التانجو الكوميدية.
١٩٣٣ الولايات المتحدة يبدأ الرئيس الأمريكي فرانكلين ديلانو روزفلت سياسة الجار الطيب.
١٩٣٥ البرازيل يقدم جواو جي بارو ووالاس داوني أفلام التشانشادا الغنائية بفيلم «مرحبًا مرحبًا البرازيل!» (آلو آلو برازيل!)
١٩٣٦ المكسيك يطلق فرناندو دي فوينتيس موجة أفلام الكوميديا الخاصة بمزارع المواشي بفيلم «في المزرعة الكبيرة» (أوت أون ذا بيج رانش).
١٩٣٦–١٩٣٩ إسبانيا اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية.
١٩٤٣ المكسيك صدور فيلم «ماريا كانديلاريا» لإيميليو فرنانديز.
١٩٤٨–١٩٥٨ كولومبيا حقبة «العنف».
١٩٥٠ المكسيك صدور فيلم «الشباب والملاعين» (ذا يانج آند ذا دامد) للمخرج لويس بونويل.
١٩٥١–١٩٦٤ البرازيل يحكم البرازيل رؤساء منتخبون ديمقراطيًّا حتى وقوع انقلاب عسكري عام ١٩٦٤. صدور فيلم «كانجاسيرو» للمخرج ليما باريتو.
١٩٥٩ كوبا وصول فيدل كاسترو للحكم بعد وقوع الثورة الكوبية. يؤسس كاسترو مدرسة السينما باسم المعهد الكوبي لفن وصناعة السينما.
١٩٦٢ كوبا أزمة الصواريخ الكوبية.
١٩٦٣ البرازيل يبدأ فيلما «جانجا زومبا» لكارلوس دييجيس و«حيوات قاحلة» («بارين لايفز») لنيلسون بيريرا دوس سانتوس حركة السينما الجديدة.
١٩٦٦–١٩٦٩ البرازيل فترة رئاسة أرتور دا كوستا إي سيلفا العسكرية.
١٩٦٦–١٩٧٣ الأرجنتين اندلاع الصراعات الطبقية في هيئة «الثورة الأرجنتينية».
١٩٦٧ بوليفيا إعدام إرنستو «تشي» جيفارا في بوليفيا.
١٩٦٨ المكسيك وقوع مذبحة تلاتيلولكو: الجيش يطلق النار على مظاهرات الطلاب.
١٩٦٨ كوبا صدور فيلم «ذكريات تخلف حضاري» («ميموريز أوف أندرديفلوبمينت») لتوماس جوتيريز أليا.
١٩٦٨–١٩٧٣ البرازيل حرب العصابات ضد الحكومة الديكتاتورية للبرازيل.
١٩٦٩ الأرجنتين صدور بيان «نحو سينما ثالثة» بواسطة فرناندو سولاناس وأوكتافيو خيتينو.
١٩٦٩ بوليفيا صدور فيلم «دم النسر» («بلود أوف ذا كوندور») لخورخي سانخينيس.
١٩٧٠ الأرجنتين صدور فيلم «ساعة الأفران» («أور أوف ذا فيرنيسيس») لسولاناس وخيتينو.
١٩٧٠ البرازيل صدور فيلم «كم كان الفرنسي الصغير الخاص بي لذيذًا» لنيسلون بيريرا دوس سانتوس.
١٩٧٠–١٩٧٣ تشيلي حقبة رئاسة سلفادور أييندي اليسارية.
١٩٧١ بوليفيا الديكتاتور العسكري هوجو بانزر يحل محل الجنرال اليساري خوان خوسيه توريس.
١٩٧٣ تشيلي يستبدل انقلاب بينوشيه العسكري نظامًا يمينيًّا بحكومة أييندي.
١٩٧٥ إسبانيا موت الديكتاتور العسكري فرانشيسكو فرانكو.
١٩٧٦–١٩٨٣ الأرجنتين حقبة «الحرب القذرة» التي اتسمت بالقمع السياسي.
١٩٧٧–١٩٩٠ تشيلي صدور فيلم «معركة تشيلي» («ذا باتل أوف تشيلي») لباتريسيو جوزمان.
١٩٧٩ أمريكا اللاتينية انعقاد أول مهرجان دولي لسينما أمريكا اللاتينية الجديدة في كوبا.
١٩٨٠ البرازيل صدور فيلم «وداعًا يا برازيل» («باي باي برازيل») لكارلوس دييجيس.
١٩٨٢ إسبانيا حزب العمال الاشتراكي الإسباني يبدأ عملية الديمقراطية والنمو الاقتصادي.
١٩٨٣ الأرجنتين يعيد راءول ألفونسن الديمقراطية إلى الأرجنتين.
١٩٨٤ الأرجنتين صدور فيلم «كاميلا» لماريا لويزا بيمبرج.
١٩٨٥ الأرجنتين صدور فيلم «القصة الرسمية» («ذي أوفيشال ستوري») للويس بوينزو.
١٩٨٦ المكسيك صدور فيلم «فريدا» لبول ليدوك.
١٩٩٠ كولومبيا صدور فيلم «رودريجو دي: بلا مستقبل» («رودريجو دي: نو فيوتشر») لفيكتور جافيريا.
١٩٩٢ المكسيك صدور فيلم «مثل الماء للشوكولاتة» («لايك ووتر فور تشوكليت») لألفونسو أراو.
١٩٩٥ الأرجنتين صدور «قانون السينما» الذي يوفر الدعم الحكومي لصناعة السينما.
١٩٩٩–٢٠٠٢ الأرجنتين الأزمة المالية.
٢٠٠٠ الأرجنتين صدور فيلم «تسع ملكات» («ناين كوينز») لفابيان بيلينسكي.
٢٠٠٠ المكسيك صدور فيلم «أموريس بيروس» لأليخاندرو جونزاليس إنياريتو.
٢٠٠١ المكسيك صدور فيلم «وأمك أيضًا» لألفونسو كوارون.
٢٠٠٢ البرازيل صدور فيلم «مدينة الرب» («سيتي أوف جود») لفرناندو مييريليس.
٢٠٠٣ كولومبيا يعيد قانون السينما إنعاش صناعة السينما في البلاد.
٢٠٠٤ الأرجنتين صدور فيلم «العائلة المسافرة» («ذا رولينج فاميلي») لبابلو ترابيرو.

سيساعد تقديم موجز تاريخي في التعرف على بعض القوى الكبرى المؤثرة في هذه الحركات والأفكار. قبل وصول كريستوفر كولومبس للأمريكتَين، كانتا مسكونتَين لآلاف السنين، تقريبًا لما يقرب من ٣٠ ألف سنة، ببشر استقروا في النصف الغربي من الكرة الأرضية. طور العديد منهم مجتمعات زراعية معقدة ومدنًا كبرى وشيدوا آثارًا معمارية ضخمة ما زالت قائمة فيما يُسمى الآن بالمكسيك وأمريكا الوسطى وجبال الأنديز. وخلال حقبة الاستعمار، التي بدأت عام ١٤٩٢، أرسلت البرتغال وإسبانيا ولاحقًا فرنسا مستكشفين ومبشرين وجنودًا ومغامرين لمد رقعة إمبراطورياتهم المتنامية. ولأكثر من ٣٠٠ عام، استخدم الحكام الأوروبيون السيف والصليب ووسائل أخرى للسيطرة على هذه المنطقة. وفي عام ١٨٠٤، أصبحت هاييتي أول مستعمرة تتخلص من قيود الاستعمار. وبحلول عام ١٨٢٥، كانت معظم المستعمرات قد استقلت. شهدت تلك الفترة لما بعد الاستعمار التي تميزت بالثورات والحروب وبناء الدول ووضع حدود معظم دول أمريكا اللاتينية. لكن وخلال الجزء الأكبر من القرن التاسع عشر، ولفترة كبيرة من القرن العشرين، كانت هذه الدول الجديدة معتمدة اقتصاديًّا على قوًى خارجية مثل فرنسا وبريطانيا العظمى والولايات المتحدة. عززت مصالح الولايات المتحدة مجموعة من السياسات والاتفاقيات؛ فقد حوَّل مبدأ مونرو الذي أُعلن عام ١٨٢٣ تركيز واشنطن من أوروبا إلى نصف الكرة الغربي حيث تولَّت دور «الأخ الأكبر» من خلال القوة العسكرية والهيمنة الاقتصادية. ونجح الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت في السيطرة على قناة بنما عام ١٩٠٤. وقوى فرانكلين روزفلت النفوذ الأمريكي عام ١٩٣٣ بإطلاق سياسة الجار الطيب التي استُغلت لاحقًا لصنع جبهة متحدة خلال الحرب العالمية الثانية. وخلال الحرب الباردة ضد روسيا وحلفائها، مارست الولايات المتحدة سياسة الاحتواء والدعم الانتقائي ساعية لعزل أعدائها ودعم أنظمة سياسية صديقة. وكان عقدا الستينيات والسبعينيات مليئين بالثورات والديكتاتوريات؛ ففي البرازيل، أسقط انقلاب عسكري نظام الرئيس اليساري جواو جولار عام ١٩٦٤. وفي بوليفيا، أبعد هوجو بانزر الجنرال اليساري خوان خوسيه توريس عن الحكم عام ١٩٧١. وفي تشيلي، أقصى أوجستو بينوشيه الرئيس المنتخب ديمقراطيًّا سلفادور أييندي عام ١٩٧٣. وحدثت أحداث مماثلة في أوروجواي والأرجنتين بينما قاتلت القوات العسكرية الجماعات اليسارية في نيكاراجوا وجواتيمالا وسان سلفادور. بازدياد العولمة في الثمانينيات والتسعينيات، حافظت واشنطن على روابطها بدول تمر بأزمات اقتصادية من خلال اتفاقيات تجارية ومؤسسات مالية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. كل هذه الحركات والأحداث تظهر في سينما أمريكا اللاتينية، أحيانًا كبؤرة تركيز أساسية وأحيانًا تحوم في الخلفية أو بعيدًا عن الشاشة تمامًا.

(١) السنوات الأولى

وصلت الحداثة والأفلام إلى أمريكا اللاتينية في نفس الوقت تقريبًا كما تشير آنا لوبيز وباحثون آخرون. وعندما وصل وكلاء إديسون والأخوان لوميير إلى ريو دي جانيرو أو بوينس آيرس أو مكسيكو سيتي أو مونتيفيديو أو سانتياجو، قدموا السينما كإحدى العجائب التكنولوجية للعالم الحديث. أبرزت أفلامهم البدع الجديدة وجوانب الإثارة التي تميز المدينة الكبيرة باريس، مقدمة في أغلب الأحيان موضوعات عن واردات ذلك الوقت التي كانت تعرض الحركة والتنقل مثل السيارات وعربات الترام والقطارات. ولم يمر وقت طويل على ظهور القطار الفرنسي على الشاشات البرازيلية حتى وجَّه المصورون عدساتهم إلى القطارات والترام المحلي صانعين أفلامًا قصيرة عن السفر مثل «رحلة من الجبال وحتى البحر» («تريب فروم ذا ماونتينز تو ذا سي»، ١٩١٠)؛ لذا من البداية، اصطحب صناع السينما في أمريكا اللاتينية كاميراتهم إلى الطريق أو خطوط السكك الحديدية. كذلك، فإنهم اصطحبوا آلات العرض مسافرين من بلدة إلى بلدة مع سينماهم المتحركة. تؤكد لوبيز أن «السينما التي شاهدها سكان أمريكا اللاتينية كانت — وما تزال — أجنبية في المقام الأول.» فقد أصبحوا «مشاهدين للحداثة، بدلًا من مشاركين فيها.»4 نظر الأرجنتينيون بالذات عبر المحيط الأطلسي إلى أوروبا كقدوة لهم. وفي عام ١٩١٠، كان ثلاثة أرباع البالغين في بوينس آيرس من المهاجرين الأوروبيين الذين كانوا يطمحون إلى أن يحولوا عاصمة بلادهم إلى «باريس النصف الجنوبي من الكرة الأرضية».5

على الرغم من ذلك، في أماكن أخرى، فقد أراد سكان أمريكا اللاتينية صنع أفلام عن موضوعات محلية لجمهور محلي بمواهب محلية. أرادوا صنع سينما وطنية؛ ففي المكسيك حيث كان التمرد الوطني ثائرًا، أصبحت «الثورة المكسيكية» موضوعًا مفضلًا بين عامَي ١٩١٠ و١٩١٨. قُدمت هذه الثورة في أفلام روائية طويلة مثل «التمرد المكسيكي» («مكسيكان إنسريكشن»، ١٩١١) ووثائقيات مثل «التاريخ الكامل للثورة» («كومبليت هيستوري أوف ذا ريفولوشن»، ١٩١٥). إن الجنرال الثوري بانشو فيا نفسه أصبح نجمًا سينمائيًّا مؤديًا معارك في وضح النهار حتى يمكن تصويرها. وبين عامَي ١٩١٧ و١٩٢١، أنتجت المكسيك حوالي ٧٥ فيلمًا روائيًّا طويلًا وهو رقم قياسي بالنسبة إلى حقبة السينما الصامتة. وطبقًا للوبيز، كان أبرزها فيلم «السيارة الرمادية» («ذا جراي أوتوموبيل»، ١٩١٩) لإنريكي روساس وهو فيلم طريق. يرتكز الفيلم على قصة حقيقية لمجموعة من سارقي المنازل، ويسرد أفعالهم الجريئة وهربهم من الشرطة حتى القبض عليهم ومحاكمتهم، دامجًا مقاطع واقعية لعقابهم في السرد. يستعير روساس بعناصر من الميلودراما الإيطالية والأسلوب الهوليوودي (اللقطات المقربة ولقطات القزحية) ملائمًا إياها مع الأفكار المكسيكية مع التصوير في المواقع الطبيعية في مكسيكو سيتي. هذا المزيج الهجين بين الأساليب الأجنبية والمحتوى المحلي استمر لفترة كبيرة بعد ظهور السينما الناطقة.

مثَّل الانتقال من السينما الصامتة للصوت المتزامن انتكاسة لصناعة السينما الناشئة في أمريكا اللاتينية. كانت تقنية الصوت الجديدة كبيرة الحجم وباهظة الثمن؛ لذا كان من الأسهل والأقل تكلفة استيراد الأفلام من هوليوود بدلًا من صنعها محليًّا. بدأت أستديوهات مثل باراماونت في إنتاج أفلام إسبانية في الثلاثينيات مستهدفة عن عمد الجمهور المتحدث بالإسبانية. تزامن هذا القرار التسويقي مع بدء سياسة الجار الطيب لفرانكلين روزفلت واندلاع الحرب العالمية الثانية. وبما أن الحرب جعلت من الصعب تصدير الأفلام إلى أوروبا، توجهت هوليوود جنوبًا. كانت هذه فرصة لتطوير أسواق جديدة مدرة للأرباح وفي نفس الوقت بناء روابط ثقافية بين القارتَين المتجاورتَين. فتدفقت الأيقونات الثقافية في الاتجاهَين. انتقلت كارمِن ميراندا، التي كانت في الأساس مهاجرة برتغالية إلى البرازيل، إلى هوليوود حيث جسدت صورة معينة عن أمريكا اللاتينية برقص السامبا مرتدية قبعة من الفاكهة. ساهمت ديزني في هذه الصورة الرمزية بفيلم «الفرسان الثلاثة» («ثري كاباييروز»، ١٩٤٤)، وهو فيلم رسوم متحركة يعرض دونالد داك وهو يفتح ثلاث هدايا تثقيفية من أصدقائه في أمريكا اللاتينية. ظهر العديد من النجوم من متحدثي الإسبانية في الفيلم في ظهور قصير وحي، منهم دورا لوز وأورورا ميراندا، شقيقة كارمِن. في نفس الوقت، وكجزء من تبادل الهدايا الودي هذا، أُرسِل المخرج الأمريكي أورسون ويلز عام ١٩٤٢ إلى البرازيل لتصوير كرنفال ريو دي جانيرو. لكن ويلز بدا مهتمًّا أكثر بتصوير الفقر الذي وجده في الأحياء العشوائية الواقعة على جوانب التلال والمسماة «الفافيلا». لكن جرى استدعاؤه بعد فترة قصيرة ولم ينتهِ من مشروعه الذي كان بعنوان «إتس أول ترو» («كل شيء صحيح»). مخرج آخر من أشهر مخرجي العالم وهو الروسي سيرجي آيزنشتاين لاقى مصيرًا مشابهًا. وصل آيزنشتاين إلى المكسيك عام ١٩٣١ لصنع فيلم عن الثقافة المحلية. وبعد لقائه بدييجو ريفيرا، وصف الأخير مشروعه السينمائي بأنه «لوحة فريسكو متحركة» عن سكان المكسيك وتاريخهم من حقبة ما قبل الغزو وحتى الثورة. وعلى الرغم من أن آيزنشتاين لم تُتح له الفرصة لإكمال مشروعه، فقد صُنِع العديد من الأفلام الأخرى من المادة الفيلمية التي صورها (مثل «الرعد فوق المكسيك» («ثاندر أوفر مكسيكو»، ١٩٣٣) و«تحيا المكسيك!» («كي فيفا مكسيكو!» ١٩٧٩)) واستمر أثره على مخرجي المكسيك لفترة طويلة بعد رحيله.

ورغم سيطرة هوليوود الكبيرة على السوق المحلية، كان صناع السينما في أمريكا اللاتينية يجربون أنواعًا سينمائية مميزة خاصة بهم؛ ففي عام ١٩٣٦، أخرج المخرج المكسيكي فرناندو دي فوينتيس فيلم «في المزرعة الكبيرة» وهو نوع من أفلام الغرب الأمريكي الغنائية الذي يتضمن كوميديا وميلودراما وموسيقى شعبية وموضوعات فولكلورية. أطلق النجاح الكبير لهذه الوصفة أحد أشهر أنواع الأفلام في المكسيك، وهو كوميديا مزارع المواشي التي تضم مجموعة من الفرسان المكسيكيين المفعمين بالحيوية كنجوم. أنتجت البرازيل نوعًا سينمائيًّا خاصًّا بها وهو التشانشادا بفيلم «مرحبًا مرحبًا البرازيل» (١٩٣٥)، والذي قدم للجمهور عروضًا مسلية تحوي الموسيقى والكوميديا والكثير من رقصات السامبا. وفي الأرجنتين، كانت الرقصة المختارة هي التانجو التي قُدِّمت في أفلام التانجو الكوميدية مثل فيلم «حانة التانجو» (١٩٣٣) لجون راينهارت. استعارت هذه الأنواع وأنواع سينمائية أخرى محلية بنحو حر من النماذج الأمريكية، لكنها عملت على ملاءمتها للأذواق والمواهب اللاتينية المحلية داخل السوق الدولية. أطلقت هذه الأنواع عصر السينما اللاتينية الذهبي ومهدت الطريق لتقديم قصص سينمائية محلية.

هناك أوقات يكون من المنطقي فيها التحدث عن سينما أمريكا اللاتينية بنحو جماعي: على سبيل المثال في عصر السينما الناطقة، أو خلال الستينيات والسبعينيات عندما بدأ صناع السينما في التحدث عن حركة سينما لاتينية جديدة عابرة للحدود القارية، أو حركة السينما الثالثة العابرة للحدود المحلية، أو خلال فترة العولمية في التسعينيات وما تلاها. لكن بوجه عام، يستلزم التاريخ الفريد لصناعة سينما في كل دولة انتباهًا خاصًّا. لكن ليس لدينا مساحة هنا إلا لذكر التراث السينمائي الذي كان وما زال الأكثر تماسكًا وتأثيرًا وقوةً. ما يلي إذن هو عرض مختصر لصناعة السينما في المكسيك والبرازيل والأرجنتين وكوبا، وبنحو أكثر اختصارًا، دول قليلة مختارة لديها صناعة سينما ناشئة.

(٢) المكسيك

بحلول الأربعينيات من القرن العشرين، كان العصر الذهبي للسينما المكسيكية في أوج ازدهاره. كان ممثلون كوميديون مثل ماريو كانتينفلاس والمسمى ﺑ «تشارلي تشابلن المكسيك»، ولاحقًا جيرمان فالديس والمعروف باسم «تِن تان» نجومًا ذوي شهرة كبرى في الدول المتحدثة بالإسبانية. وكذلك كانت دولوريس ديل ريو، الجميلة المفعمة بالعاطفة في فيلم «ماريا كانديلاريا» (١٩٤٣)، وماريا فيليكس، النجمة المتغطرسة في فيلم «دونا باربرا» إنتاج نفس العام. بحلول عام ١٩٤٣، كانت المكسيك تنتج ٧٥ فيلمًا في العام وهو أكثر من أي دولة أخرى تتحدث الإسبانية. وبحلول عام ١٩٤٧، أصبحت السينما ثالث أكبر صناعة في البلاد. يعود جزء كبير من نجاح صناعة السينما في المكسيك إلى قدرتها على إنتاج نجوم محبوبين وأنواع سينمائية مسلية من أجل عامة الجمهور. لكن المكسيك استفادت كذلك من مكانتها المفضلة لدى الولايات المتحدة وهي مكانة استمتعت بها حتى دعمت الحكومة المكسيكية الثورة الكوبية عام ١٩٥٩. وهناك الكثير مما يتعلق بهذه الأفلام التي تنتمي لأنواع سينمائية شهيرة أكثر من مجرد انتزاع الضحكات والدموع بسهولة. ففيلم «دونا باربرا» مقتبس من رواية فنزويلية كلاسيكية وهو عمل إقليمي يجسد فكرة أمريكية لاتينية خالدة: النزاع بين الحضارة والهمجية التي ابْتُلِيَت بها البشرية في أرض همجية. تدور أحداث فيلم «ماريا كانديلاريا» في مجتمع شوتشيميلكو الخاص بالهنود الحمر عشية الثورة. التصوير السينمائي الشاعري لجابريل فيجيروا يحتفي بطبيعة البلاد وسكانها تماشيًا مع هدف المخرج إميليو «إنديو» فرنانديز لخلق وعي وطني متجذِّر في الثقافة المحلية (انظر شكل ٤-١٤). يستعين عمله بالشعبية الكبيرة للميلودراما لصالح بناء الأمة.

figure
شكل ٤-١٤: قدم المخرج إميليو فرنانديز والمصور السينمائي جابرييل فيجيروا المشهد الطبيعي للمكسيك وسكانها في فيلم «ماريا كانديلاريا» (١٩٤٣).

دُمر هذا المشروع المثالي الخاص بالأربعينيات على يد المخرج لويس بونويل في الخمسينيات. وُلِد بونويل في إسبانيا وحصل على الجنسية المكسيكية بعد العيش في فرنسا والولايات المتحدة. عثر بونويل على عمل في صناعة السينما التجارية لبلده بصنع أفلام الأنواع السينمائية الشهيرة لكنه كان يمتلك أجندة خاصة به. يُعتبر فيلمه «الشباب والملاعين» (١٩٥٠) نقطة تحول في السينما المكسيكية. يدور الفيلم في الأحياء الفقيرة في مكسيكو سيتي ويسرد حياة أطفال الشوارع أثناء صراعهم للبقاء على قيد الحياة في ظروف بائسة. استعان بونويل بفيجيروا باعتباره مصوره السينمائي، لكن وبنحو مضاد للتصوير الرومانسي في فيلم «ماريا كانديلاريا»، فإنه هنا يركز كاميرته على الجانب الكريه للواقع في المدن حيث الحياة كريهة ووحشية وقصيرة. ويعيش الناس في أكواخ خشبية بأسقف من المعدن المضلع. يُبعد متسول أعمى اللصوص بعصاه الخشبية. وتسلي عصابة من الأطفال نفسها بدحرجة رجل بلا ساقَين من فوق منحدر. أسلوبيًّا، يتبع فيلم «الشباب والملاعين» التركيب المفكك للرواية الصعلوكية ويستخدم أساليب واقعية جديدة مألوفة — مثل التصوير الخارجي والصور الخشنة والممثلين غير المحترفين — لكن جوهره المتجرد من العاطفة أبعد ما يكون عن القيم المقبولة محليًّا الخاصة ﺑ «الرب، والوطن، والمنزل». في البداية كان يُنظر إلى الفيلم على أنه إهانة للمكسيك، لكن عمل بونويل كان سابقًا لوقته وأسس لاتجاه غير مسبوق بنقده الحاد للمجتمع وصوره العنيفة التي غالبًا ما تكون سريالية وهو ما اتبعه آخرون بعد مدة قصيرة.

استمر بعض المخرجين في صنع أفلام تنتمي للأنواع السينمائية الشهيرة خلال الستينيات والسبعينيات صانعين أفلام رعب وحركة ومزيجًا مكسيكيًّا فريدًا يتضمن مصارعين محترفين مقنعين مثل إل سانتو وهو «لوتشا ليبري» أو أفلام المصارعة الحرة. جرب آخرون أفكارًا جادة ودراسات للشخصيات؛ ففي فيلم «جحيم بلا حدود» («هيل ويذاوت ليميتس»، ١٩٧٧)، يستخدم المخرج أرتورو ريبستين الأساليب السينمائية الخاصة بميلودراما المواخير، وهو نوع سينمائي له شهرته الخاصة في المكسيك، لاستكشاف موضوعات مثل التعصب الذكوري ورهاب المثليين والسلطة السياسية. يعتمد الكثير في هذا الفيلم على شاحنة حمراء وفستان فلامنكو أحمر. وذهب أليخاندرو خودوروفسكي إلى ما هو أبعد حتى من حدود النوع السينمائي. ترك خودوروفسكي بلده تشيلي وذهب للدراسة في باريس حيث تشرَّب بدوافع السريالية والفوضوية التي جلبها فيما بعد إلى المكسيك. يتحدى فيلمه «الخُلد» («إل توبو»، ١٩٧٠) التصنيف الذي يتحدث عن مقاتل عنيف خلال بحثه عن التنوير الروحي. حقق الفيلم نجاحًا فوريًّا كأحد الأفلام ذات الجماعات الخاصة من المعجبين بين شخصيات شهيرة في الثقافة المضادة مثل جون لينون. كانت تلك الأوقات أوقاتًا مشحونة بالنسبة إلى محبي السينما في المكسيك، الذين أسسوا نوادي السينما ونشروا الدوريات المتخصصة، وبنوا أول كلية وطنية للسينما في أمريكا اللاتينية بدعم حكومي وهي المركز الجامعي للدراسات السينمائية. لكن بحلول عام ١٩٧٦، انتهى الدعم الحكومي بقدوم رئيس جديد كان يفضل الإنتاج المستقل. ونضج جيل جديد من المخرجين في الثمانينيات وأنتج بعضهم أفلامًا حققت نجاحًا دوليًّا مثل بول ليدوك بفيلم «فريدا، حياة ساكنة» («فريدا، ستيل لايف»، ١٩٨٦) وخايمي هومبرتو هيرموسيو بفيلم «دونا هيرليندا وابنها» («دونا هيرليندا آند هير صن»، ١٩٨٥). وبحلول العقد التالي، أصبح مخرجون مكسيكيون مثل أليخاندرو جونزاليس إنياريتو وألفونسو كوارون وجييرمو ديل تورو ظواهر عالمية.

(٣) البرازيل

يحدد روبرت ستام وراندال جونسون، في مقدمتهما الوافية التي لا تُقدر بثمن عن السينما البرازيلية، بعض أوجه التشابه اللافتة للنظر بين البرازيل والولايات المتحدة. كلتا الدولتَين نشأتا كمستعمرات أوروبية وتوسعتا من خلال غزو أراضٍ ومناطق واسعة وتشريد السكان الأصليين للبلاد واستيراد العبيد الأفارقة والاستيطان بواسطة جماعات متعددة من المهاجرين. لكن بينما حققت الولايات المتحدة الاستقلال الاقتصادي بعد وقت قصير بجانب الحرية السياسية، بقيت البرازيل معتمدة بنحو كبير على أمم أخرى. ورغم أن البرازيليين يصدرون الذهب والسكر والمطاط والقهوة والموارد الطبيعية الأخرى خلال أوقات الوفرة، فإن تدفق البضائع كان بنحو كبير «إلى» وليس «من» الأراضي البرازيلية. هذا التوازن التجاري المختل يتضمن منتجات ثقافية مثل الأفلام.6

تمثَّل أحد ردود الأفعال البرازيلية تجاه هذا الوابل من الأفلام والنفوذ الأجنبيَّيْن في المحاكاة الساخرة. فإذا كان صناع السينما المحليون يفتقرون إلى التمويل المتاح لهوليوود، فإنه ما زال بإمكانهم السخرية من أسلوب وتقاليد هوليوود المصقولة في صناعة السينما بمحاكاة تهكمية لغرابة الأفلام الميلودرامية للثلاثينيات أو أفلام الغرب الأمريكي في الخمسينيات وهو أسلوب في السخرية الحاذقة لا يزال مستمرًّا. وتمثَّل رد فعل آخر في استيعاب الحركات السينمائية الخارجية وتطبيقها على الموضوعات المحلية مثلما فعل ماريو بيشوتو في تحفته الطليعية «حدود» («ليمتيس»، ١٩٣١) وهومبرتو ماورو في «عصابة متوحشة» («بروتال جانج»، ١٩٣٣) مكيفًا التعبيرية الألمانية والمونتاج السوفييتي مع الحياة في الأحياء العشوائية في ريو دي جانيرو والحياة الداخلية القاسية في البرازيل. وتمثلت استراتيجية أخرى في التقليد الفج. فبدايةً من عقد الأربعينيات، أنتجت شركات إنتاج برازيلية مثل أستديو أتلانتيدا في ريو دي جانيرو أفلامًا كوميدية وأفلام تشانشادا غنائية وأفلامًا تجارية على غرار هوليوود. لكن إحدى الشركات، وهي فيرا كروز، أرادت إحلال الأفلام المستوردة بأخرى «برازيلية ١٠٠ بالمائة». استعانت الشركة المقامة على نموذج الأستديو الخاص بشركة إم جي إم لكن بتطلعات إبداعية، بالمخرج الوثائقي ذي الشهرة العالمية ألبرتو كافالكانتي للإشراف على الإنتاج. وخلال عمر الشركة القصير، أنتجت أفلامًا درامية مثل «ابنة مالك الأرض» («ذا لاند أونرز دوتر»، ١٩٥٣) الذي يُشبَّه بفيلم «ذهب مع الريح» («جَن ويذ ذا ويند»، ١٩٣٩)، وأفلامًا كلاسيكية حائزة جوائز مثل «قاطع الطريق» («كانجاسيرو»، ١٩٥٣) وهو فيلم غرب أمريكي «شمال شرقي» تدور أحداثه في المناطق النائية في شمال شرق البرازيل.

وكما هو الحال في المكسيك، فإن حقبة ما بعد الحرب كانت تتميز بالازدهار النسبي للبرازيل؛ ففي ظل حكم رؤساء منتخبين ديمقراطيًّا (فارجاس من ١٩٥١ وحتى ١٩٥٤، وكوبيتشيك من ١٩٥٦ وحتى ١٩٦١)، تمتعت البلاد بفترة من الاستقرار والتقدم، وعقد من بناء الأمة بحماس بلغ أوجَه ببناء عاصمة جديدة حديثة وهي برازيليا عام ١٩٦٠. لكن السعادة لم تدم؛ فقد بدأ الاقتصاد في التدهور في عهد الرئيس جواو جولار (١٩٦١–١٩٦٤) الذي خلقت سياساته الخارجية وبرامجه الاجتماعية أعداءً له في الداخل. وفي عام ١٩٦٤، أسقط انقلاب عسكري جولار واستبدل به سلسلة من الطغاة الديكتاتوريين الذين ازدادوا في القمع. إن المئات، بل الآلاف، من المعارضين نُفوا أو سُجنوا أو عُذبوا أو قُتلوا. واندلعت حرب عصابات مريرة من عام ١٩٦٨ وحتى ١٩٧٣. لكن وكما يحدث غالبًا في أوقات المحن، شكلت الستينيات والسبعينيات أحد أكثر العصور المنتجة فنيًّا في تاريخ البرازيل.

عُرِفت الإبداعات السينمائية في هذه الأوقات المضطربة عمومًا باسم «سينما نوفو» أو «السينما الجديدة». وفي الوقت الذي يبدو أن كل دولة منتجة للأفلام تمتلك «السينما الجديدة» الخاصة بها، بعضها أكثر من الأخرى، فإن هذه الحركة تبرز في تاريخ صناعة السينما في أمريكا اللاتينية بسبب طاقتها المجردة وهدفها السياسي. عرَّف أبطال تلك الحركة أنفسهم في البداية من خلال المعارضة. ومن خلال لغة البيانات الجريئة، أعلنوا الحرب على محاكاة هوليوود والنزعة التجارية ودوافع جعل الإنتاجات المشتركة ذات نكهة أجنبية وإنتاجات فيرا كروز المتسمة بالصور المتكلفة والمتصنعة. بدلًا من ذلك، سعوا إلى صنع «فن شعبي» يعتبر «عامة الناس» فكرته الأساسية، ويتخذ من الأحياء العشوائية والمناطق النائية مواقع للأحداث ويتناول على نحو صادق الصراع والعنف والاضطراب.7 يقسم ستام وجونسون حركة السينما الجديدة لثلاث مراحل. في المرحلة الأولى، التي تتزامن تقريبيًّا مع تولي نظام جولار الحكم، سعى مخرجون مثل كارلوس دييجيس وجلوبر روشا ونيلسون بيريرا دوس سانتوس لصنع أفلام مستقلة ذات أهداف سياسية مستخدمين أساليب صناعة السينما ذات الميزانية المنخفضة، لكن ليس بالضرورة نفس الأفكار، الخاصة بالواقعية الجديدة الإيطالية والموجة الجديدة الفرنسية. صدقت أفلام جريئة مثل «جانجا زومبا» (١٩٦٣) لكارلوس دييجيس و«حيوات قاحلة» («بارين لايفز»، ١٩٦٣) لدوس سانتوس و«إله أسود وشيطان أبيض» («بلاك جود وايت ديفل»، ١٩٦٤) لروشا في استخدامها للكاميرا كسلاح موجِّهة إياه نحو الاستعمار والديكتاتورية وقناعة وخنوع الطبقة الوسطى في المجتمع. في المرحلة الثانية، التي امتدت منذ انقلاب ١٩٦٤ وحتى ١٩٦٨، عندما تولت القيادة مجموعة أكثر رجعية، تحول التفاؤل الأولي لهؤلاء المخرجين إلى خيبة أمل بسبب انهيار الجبهة اليسارية ويلخص حالة الغضب التي تملكتهم عنوان فيلم روشا «أرض في حالة كرب» («لاند إن أنجويش»، ١٩٦٧). ومع فشل الحركة في الوصول للعامة، أطلقت المرحلة الثالثة متبنية استراتيجية جديدة رمزية أكثر من كونها متمسكة بأفكار بعينها بنحو متعصب. فيسرد فيلم «ماكونايما» (١٩٦٩) للمخرج خواكيم بيدرو دي أندرادي الشدائد التي يواجهها رجل أسود وُلِد ناضجًا بنحو كامل لسيدة عجوز من الهنود الحمر في غابات الأمازون. وعندما يتسبب ينبوع في تحوله إلى رجل أبيض بنحو إعجازي، يتوجه إلى ريو دي جانيرو بحثًا عن حجر سحري. حقق الفيلم — الذي يتهكم بأسطورة تأسيس البرازيل وهي اتحاد ثلاثة أعراق ويتأمل بنحو كوميدي في الفوضى الاجتماعية التي تلت الانقلاب العسكري — نجاحًا كبيرًا لدى الجمهور البرازيلي، ممهدًا لاتجاه جديد للسينما الجديدة عُرِف باسم «التروبيكاليا». دعم هذا الاتجاه عن عمد الذوق السيئ مشددًا على إبراز الشخصيات المنفِّرة والمواقف البغيضة. حوَّل بعض ممارسيه «قيم الإنتاج المنخفض التكلفة» الخاصة بالإضاءة السيئة والشاشات المعتمة إلى مزايا، معلنين ما يُسمى ﺑ «جماليات النفايات» كتوجه موازِ ﻟ «جماليات الفقر». بعضهم استكشف الجانب الكوميدي من أكل لحوم البشر كما فعل دوس سانتوس في فيلم «كم كان الفرنسي الصغير خاصتي لذيذًا» (١٩٧٠) مقدمًا صورة النزعة الاستهلاكية المجازية بنحو حرفي من خلال من يمثلون الثقافة الأصلية للبلاد الذين يقلبون الطاولة على مضطهديهم الاستعماريين الشرهين (شكل ٤-١٥). وفي أحد أقوى أفلام تلك الحقبة، «أنتونيو داس مورتيس»، نسج روشا أفكار الجوع والعنف والقتل في عمل معقد شاعري وواقعي بنحو صارخ وخرافي وغريب في نفس الوقت.
figure
شكل ٤-١٥: يعرض نيلسون بيريرا دوس سانتوس نقدًا كوميديًّا للنزعة الاستهلاكية في فيلم «كم كان الفرنسي الصغير الخاص بي لذيذًا» (١٩٧٠).

بحلول عام ١٩٧١، كانت السينما الجديدة قد سلكت مجراها الطبيعي، لكنها لم تكن ظاهرة منعزلة؛ فقد كان هناك مخرجون متشابهون في التوجه والأفكار في الأرجنتين وكوبا وبوليفيا يكتبون بياناتهم الخاصة ويصنعون أفلامًا تحررية. وكانوا كلهم جزءًا مما سُمِّيَ بحركة «السينما الثالثة» التي انتشرت في دول العالم الثالث من فيتنام وحتى أنجولا ملهمةً قادة ثوريين مثل تشي جيفارا وهو تشي منه. تجاوزت البرازيل نفسها أزمة أوائل السبعينيات متحررة بنحو تدريجي من الحكم العسكري والديكتاتورية؛ ففي عام ١٩٨٩، أصبح فرناندو كولور دي ميلو أول رئيس منتخب ديمقراطيًّا خلال ٢٩ عامًا. وفي نفس الوقت، استمر صنع أفلام هامة مثل «دونا فلور وزوجاها» («دونا فلور آند هير تو هزباندز»، ١٩٧٦) لبرونو باريتو و«شيكا دا سيلفا» (١٩٧٧) و«وداعًا يا برازيل» (١٩٨٠) وكلاهما لكارلوس دييجيس. وكان إنتاج وتوزيع العديد من هذه الأفلام يُدعَم بواسطة وكالة حكومية مركزية وهي إمبرافيلم. وعندما فكك كولور الوكالة عام ١٩٩٠، انفتحت البرازيل على حقبة جديدة من العولمة.

(٤) الأرجنتين

تُعتبر الأرجنتين ثاني أكبر دولة في أمريكا الجنوبية بعد البرازيل في المساحة، كما تمتلك أحد أكثر ثقافات واقتصاديات شبه القارة قوةً، كما أنتجت بعض أهم أفلام المنطقة. وقد استخدم صناع السينما فيها كاميراتهم لتجسيد تاريخ البلاد المضطرب بنحو درامي واستكشاف تراثها الثقافي وتغطية جغرافيتها المميزة، من جبال الأنديز في الغرب وحتى ساحلها الشرقي المطل على المحيط الأطلسي، وسهول باتاجونيا النادرة الأشجار الشبيهة بالسهوب والممتدة جنوبًا حتى القارة القطبية الجنوبية.

بحلول عام ١٩٢٩، كانت الأرجنتين تمتلك رابع أكبر ناتج إجمالي محلي للفرد في العالم، وهو مؤشر لمستوى المعيشة المرتفع بها. لكن انهيار البورصة ذلك العامَ دفَعَ البلاد لدخول دوامةِ الكساد الكبير، وكذلك حقبة من الفساد والاضطهاد السياسي عُرِفت باسم «العقد السيئ السمعة». وعانى الأرجنتينيون لسنوات من الاضطراب الاجتماعي والانقلابات العسكرية حتى الثمانينيات. ومن بين أشهر قادة ذلك الوقت كان الجنرال خوان بيرون وزوجته إيفا (المعروفة باسم «إيفيتا») اللذَين اجتذبت نسختهما الاستبدادية من الشعبوية دعمًا حماسيًّا ومعارضةً شديدة خلال ثلاث فترات رئاسية مُعرقلة في أربعينيات وخمسينيات وسبعينيات القرن العشرين. ومن عام ١٩٦٦ وحتى ١٩٧٣، وبينما كانت حركات المعارضة تتحدى الوضع الراهن حول العالم، كانت الأرجنتين ساحةً لمعركة طبقية تُسمَّى «الثورة الأرجنتينية». ومن عام ١٩٧٦ وحتى ١٩٨٣، انغمست البلاد في «حرب قذرة» داخلية، وتعرَّضَ الآلاف من معارضي النظام العسكري المنقلب للاعتقال والسجن أو الإعدام، و«اختفى» ما يُقدَّر بأكثر من ثلاثين ألف شخص. وبعد مشكلات اقتصادية متفاقمة ومحاولات فاشلة للاستيلاء على جزر الفوكلاند من بريطانيا العظمى، أعاد المجلسُ العسكري الحاكم الحريةَ السياسية عام ١٩٨٣، معيدًا الأرجنتين إلى أول انتخابات ديمقراطية خلال عشر سنوات.

في إطار هذه الخلفية التاريخية، اتبعت صناعة السينما في الأرجنتين مسارَ الإنتاج التجاري والنشاط السياسي كما رأينا في أماكن أخرى في أمريكا اللاتينية. وبظهور السينما الناطقة في ثلاثينيات القرن العشرين، تدفَّقَ الأرجنتينيون جماعاتٍ إلى دور العرض لمشاهدة رقصتهم المفضَّلة، التانجو، أثناء تأدية نجومهم المفضَّلين لها تزامُنًا مع الموسيقى. كان خوسيه فيريرا أشهرَ مخرجي الحقبة؛ حيث صنع ٢٤ فيلمًا في ٢٠ عامًا. وخلال أواخر الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات، كانت صناعة السينما تنتج في المتوسط حوالي أربعين فيلمًا في العام، لكن هذه الأفلام كانت متأثرةً بنحو متزايد بالأنواع السينمائية لهوليوود، وخاصةً الأفلام الكوميدية والرومانسية. وخلال الحرب العالمية الثانية وما تلاها، استطاعت الولايات المتحدة السيطرةَ على سوق العرض المحلية على الرغم من سياسات بيرون الحمائية. واستمر الحال هكذا حتى الستينيات عندما ظهرت حركة السينما الثالثة التي ألهمت جيلًا جديدًا من المخرجين بطاقةٍ وهدفٍ جديدَين. صرَّح فرناندو سولاناس وأوكتافيو خيتينو بهدفهما في بيان جريء بعنوان «نحو سينما ثالثة»، داعين إلى ثورة سينمائية ضد «جيش الاحتلال الأجنبي»، ومنادين ﺑ «إنهاء استعمار الثقافة» باختيار آلة العرض كسلاح «يمكنه طلق ٢٤ إطارًا في الثانية».8 وبتطبيق كلماتهم على أرض الواقع، صنع سولاناس وخيتينو فيلم «ساعة الأفران» (١٩٧٠)، وهو فيلم وثائقي مدته أربع ساعات صُنِع سرًّا أثناء حقبة الحرب القذرة، واستخدم أسلوبًا صداميًّا بنحو أساسي كأسلوبه الخاص للدعوة إلى حمل السلاح. وبعد اضطرار سولاناس لترك البلاد بسبب تهديدات بالقتل، لم يعُد إلى الأرجنتين حتى عام ١٩٨٣. ويقدِّم فيلمه «تانجوز» (١٩٨٥) الذي كان إنتاجًا فرنسيًّا أرجنتينيًّا مشتركًا أسلوبًا أكثر اعتدالًا وأقل وعظًا. يدور الفيلم بين رفاقه من المغتربين الأرجنتينيين في باريس، ويستخدم رقصة التانجو وسيلةً للتعبير عن توْقِهم للعيش في وطنهم، بوينس آيرس.

بحلول ذلك الوقت، كانت الحرب القذرة قد انتهت وكانت حكومة الرئيس الجديد والمنتخب ديمقراطيًّا راءول ألفونسن (١٩٨٣–١٩٨٩) تحاول استعادة الاستقرار الاجتماعي والعافية الاقتصادية لأمة جريحة. أنهى ألفونسن الرقابة وعرض دعم الحكومة لصنع أفلام قابلة للتصدير ستعوض تكاليفَ إنتاجها بعرضها بالخارج وتروِّج صورة جديدة للبلاد. وعُيِّن مانويل أنتين رئيسًا لمعهد السينما الوطني. كان أنتين صانعَ أفلام مخضرمًا يفضل الأفلام الفنية الموجَّهة للمثقفين وجمهور الطبقة الوسطى، وصُنع تحت إشرافه عدد من الأفلام الجيدة الصنع مثل «كاميلا» (١٩٨٤) لماريا لويزا بيمبرج، و«القصة الرسمية» (١٩٨٥) للويس بوينزو، و«ليلة أقلام الرصاص» («نايت أوف ذا بينسيلز»، ١٩٨٦) لهيكتور أوليفيرا. كان كلٌّ من هذه الأفلام الثلاثة يتناول بنحو أو بآخر الإرهاب الذي ترعاه الدولة. ورغم أن فيلم «كاميلا» كان ميلودراما تدور في أواسط العقد الأول من القرن التاسع عشر، فإن قصته الحقيقية التي تدور حول عاشقة شابة يعدمها ديكتاتور قاسٍ ذكَّرَتِ الجمهور بالنظام العسكري الذي كان يحكم البلاد من فترة ليست بالطويلة. يُعتبر فيلم بوينزو أكثرَ مباشَرةً حيث يناقش مأساة السبعينيات من خلال عينَي امرأة غنية تتبنى طفلًا لتكتشف أنه ربما يكون من الضحايا الذين اختفوا قسريًّا خلال الحرب القذرة (شكل ٤-١٦). إن فيلم أوليفيرا مباشر بنحو أكبر حيث يعيد تقديم القبض على طلاب حقيقيين وتعذيبهم، وكانوا ضحايا للحكم العسكري بمشاهد صريحة. وقد فاز فيلم «ليلة أقلام الرصاص» بجوائز في عدة مهرجانات، بينما كان فيلم «القصة الرسمية» هو أول فيلم أرجنتيني يفوز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي، لكن «كاميلا» كان هو الوحيد من بين الثلاثة الذي حقق نجاحًا لدى الجمهور المحلي. ساعدت هذه الأفلام وأفلام أخرى ظهرت في الثمانينيات في تضميد جراح البلاد عاملة كنوع من التطهير المجتمعي ومهدت الطريق لسينما أرجنتينية جديدة في التسعينيات.

figure
شكل ٤-١٦: عرَّف فيلم «القصة الرسمية» (١٩٨٥) للويس بوينزو العالم الخارجي على حقبة «الحرب القذرة» في الأرجنتين (١٩٧٦–١٩٨٣).

(٥) كوبا

تُعتبر جمهورية كوبا هي أكبر وأكثر جزر البحر الكاريبي ازدحامًا بالسكان. ومنذ الحكم الإسباني بوصول كريستوفر كولومبس عام ١٤٩٢ وحتى نهاية الحرب الأمريكية الإسبانية عام ١٨٩٨، تحمَّل شعبها تتابعًا غير منتظم للحكومات لمدة ستين عامًا أخرى في الظل الضخم لأقرب جيرانها، الولايات المتحدة. ثم أنهت الثورة الكوبية حكم باتيستا الديكتاتوري عام ١٩٥٩ وجاءت بفيدل كاسترو الذي حكم البلاد أكثر من خمسين عامًا كرئيس لدولة شيوعية قائمة على النموذج السوفييتي. كانت علاقة كاسترو كثيرة الخلافات بأمريكا تتسم بسلسلة من الأحداث المهمة مثل الغزو الفاشل لخليج الخنازير عام ١٩٦١ وأزمة الصواريخ عام ١٩٦٢ والهجرة الجماعية للكوبيين من مارييل إلى فلوريدا في الثمانينيات. وكان لسيطرة كاسترو الشديدة خلال تلك السنوات أثرٌ عميق على كافة أنحاء الحياة في كوبا، ومن ضمنها السينما. ولسنوات، تمتعت الجزيرة بمزيج من العوامل المؤثرة التي تنوعت ما بين إسبانية وأفريقية وقومية وأمريكية. وفي كتاب مايكل تشانان الشامل عن السينما الكوبية، يشير كيف أن «ثقافة كوبا التوفيقية بنحو كبير احتفت بالرومبا والسريالية وآلهة اليوروبا والسمو الكاثوليكي بنفس القدر».9 إن تصور كاسترو الأحادي للمجتمع والفن كان واضحًا جدًّا: «في إطار الثورة، كل ما ضدها فهو عدم.» وحيث إنه لم يكن هناك ابتكار كبير نسبيًّا في صناعة السينما الكوبية قبل عام ١٩٥٩، فإن هذا التصور يتيح مثالًا توضيحيًّا لكيف أن أجندة سياسية محددة يمكنها تحرير وتقييد فن السينما في نفس الوقت.
خلال أول ستين عامًا من عمر السينما، أنتجت كوبا القليل من الأفلام الطويلة الجديرة بالذكر ومعظمها كان كوميديا غنائية وميلودراما للسوق التجارية، لكن طبيعة كوبا الخصيبة وموسيقاها النابضة بالحيوية والنشاط ساعدتا في أن تكون مسرح أحداث غير مألوف للأفلام الهوليوودية والمكسيكية. ورغم هذا الاختلال، فإن الكوبيين كانوا جمهورا متحمسًا للسينما. فهم كاسترو الجاذبية الكبرى لشاشة السينما وسعى لتطويع قوتها لخدمة برنامجه السياسي. وخلال شهور، كان قد أسَّس المعهد الكوبي لفن وصناعة السينما كبداية وعيَّن صديقه ألفريدو جيفارا رئيسًا. أتى صناع سينما عالميون متعاطفون ذوو شهرة ومكانة إلى كوبا لتقديم المساعدة مثل كريس ماركر من فرنسا وجوريس إيفنز من هولندا وميخائيل كالاتوزوف من الاتحاد السوفييتي. دُرب جيل جديد من المخرجين الكوبيين الشباب في ظل الروح الجديدة للسينما الثورية. وبحلول عام ١٩٦٥، كان المعهد الكوبي لفن وصناعة السينما يسيطر على جميع عمليات الإنتاج والتوزيع والعرض في الجزيرة. وفي تلك السنين الأولى، كان معظم الجهد والتمويل يذهبان إلى صنع الوثائقيات وهي الأفلام التعليمية التي تهدف إلى توعية الناس وحشدهم وراء القضية الوطنية. وقليل من الأفلام كانت أفلامًا روائية طويلة تجاوزت الطرق والأهداف الأحادية الخاصة بالدعاية السياسية؛ ففي فيلم «لوشيا» (١٩٦٨)، مزج هومبرتو سولاس ببراعة بين عناصر الميلودراما والسياسة لإعادة استعراض ستين عامًا من التاريخ القومي منتهيًا بنقد ذكي للتعصب الذكوري. وفي فيلم «موت موظف بيروقراطي» («ديث أوف آ بيروكرات»، ١٩٦٦)، استخدم المخرج توماس جوتيريز أليا الكوميديا للسخرية من الرؤية البيروقراطية للأمور. الفيلم التالي لأليا كان «ذكريات تخلف حضاري» (١٩٦٨) ويتتبع الصراعات الداخلية لمفكِّر كوبي عالق في فترة ما بعد الثورة. استكشف الفيلم أغوار شخصيته واغترابه الأخلاقي بنحو معقد اعْتِيد مشاهدته في الأفلام الأوروبية الموجهة للنخبة، وهو السبب وراء فوزه بعدة جوائز دولية واستمرار اعتباره كأحد أكثر الأفلام الكوبية مناقشة ودراسة.10

امتد أثر رؤية كاسترو الثورية لما وراء الحدود القومية؛ ففي عام ١٩٧٩، أنشأ المعهد الكوبي لفن وصناعة السينما المهرجان الدولي لسينما أمريكا اللاتينية الجديدة الذي يُقعد كل عام في هافانا لعرض الأفلام ذات التوجه الأيديولوجي وتقوية التضامن الإقليمي. في الثمانينيات، أُسِّست مدرسة سينما العالم الثالث في كوبا لتدريب صناع سينما جُدُد من جميع أنحاء العالم. في ذلك الوقت، كان خوليو جارسيا إسبينوسا يدير المعهد الكوبي لفن وصناعة السينما الذي حل محل جيفارا بعد جدل حول فيلم «سيسيليا» (١٩٨٢)، وهو دراما تاريخية تكلفة إنتاجها باهظة من إخراج هومبرتو سولاس تدور أحداثها أثناء تمرد العبيد في القرن التاسع عشر. دعا إسبينوسا، الذي كان مخرجًا مخضرمًا، إلى «سينما معيبة» تُفضل المحتوى على الشكل. كان الهدف، كما أكَّد هو، تقديم صراعات الناس والأسباب وراء مشكلاتهم وليس إبراز الأصالة الفنية أو الجودة التقنية. مع ذلك، فقد استمر صناع السينما في تقديم أفلام شعبية مُبتكرة مثل «منزل للمقايضة» («هاوس فور سواب»، ١٩٨٥) لخوان كارلوس تابيو وهو نوع من الكوميديا الرومانسية الحضرية، وفيلم «مصَّاصو دماء في هافانا» («فامبايرز إن هافانا»، ١٩٨٥) لخوان بادرون وهو فيلم رسوم متحركة من نوع الرعب. وفي عام ١٩٩١، استقال إسبينوسا بعد الاستقبال العاصف لفيلم آخر مثير للجدل وهو «أليس في بلدة العجائب» («أليس إن ووندرتاون») لدانيال دياز توريس.

استمر الدافع وراء صنع سينما سياسية ذات توجه أيديولوجي في كوبا لمدة أطول من الأرجنتين أو البرازيل، لكن القوى التي كانت تدفع صناعة السينما في كل الدول تجاه عولمة تجارية في التسعينيات طالت كوبا في التسعينيات بعد سقوط الاتحاد السوفييتي. وبدون الدعم المالي لأقوى حليف شيوعي لصناع السينما الكوبيين، اضطروا إلى الاعتماد بنحو متزايد على التمويل الرأسمالي. أُنتج فيلم «سيسيليا» بنحو مشترك مع شركة أيبرميديا الإسبانية. وكان فيلم «فراولة وشوكولاتة» («ستروبيري آند تشوكليت»، ١٩٩٣) لأليا وتابيو — الذي يقدم كوميديا ساخرة عن عضو في أحد الأحزاب محروم من الحب ومفتخر بذكوريته وصديقه الجديد المثلي — إنتاجًا مشتركًا بين كوبا وإسبانيا والمكسيك والولايات المتحدة. صنع أليا وتابيو بعد ذلك فيلم «جوانتاناميرا» (١٩٩٥) وهو فيلم طريق ساخر يسرد قصة نقل جثة عبر البلاد. وبعد عامَين، هاجم فيدل كاسترو الفيلم علانية دون أن يشاهده أو أن يتذكر أن مخرجه الشهير كان من الناس الذين يكنُّ لهم احترامًا.11 هذه الهفوة واعتذار كاسترو اللاحق كانا علامات إضافية على تغيُّر الأزمان.

(٦) أماكن أخرى في أمريكا اللاتينية

تُعتبر جمهورية كولومبيا التي تقع في الركن الشمالي الغربي من أمريكا الجنوبية هي الدولة الوحيدة في شبه القارة التي تمتلك حدودًا على كلا المحيطين الأطلسي والهادي. ومع امتلاكها لرابع أكبر تعداد سكاني في أمريكا اللاتينية (بعد البرازيل والمكسيك والأرجنتين) وثالث أكبر جمهور سينمائي في المنطقة، ربما يكون من المتوقع أن تمتلك تاريخًا سينمائيًّا مماثلًا، لكن إنتاجها السينمائي كان متقطعًا حتى وقت قريب. أحد أسباب هذا هو شبح العنف المتكرر؛ ففي عام ١٨٩٩، اندلع صراع بين الحزبَين السياسيَّين الأساسيَّين في البلاد وتحول إلى حرب الألف يوم الوحشية. وفي عام ١٩٤٨، اندلع صراع أهلي أطول اجتاح البلاد لحوالي عشر سنوات. لكن أطول مدة لعدوان مسلَّح بدأت في الستينيات عندما هاجمت القوى الحكومية ومتمردو اليسار ومليشيات اليمين بعضهم بعضًا في الشوارع والريف فاتحين جروحًا زادت شدتها لاحقًا بنشاطات تنظيمات تجارة المخدرات القوية خلال الثمانينيات والتسعينيات. مع ذلك، وخلال تلك الحقب الصعبة، وجد المخرجون واسعو الحيلة طرقًا لصنع أفلام هامة؛ ففي عام ١٩٢٧، صنع بي بي جامبرينا فيلم «فجر العدالة» («ذا دون أوف جستيس») وهو شجب ساخر لبيع بنما للولايات المتحدة. وبعد عرضَين فقط للجمهور، يُقال إنه سُحِب من دور العرض تحت ضغط من واشنطن، رغم أن نسخًا من الفيلم الأصلي ظهرت مرة أخرى بعد ذلك.12 وفي عام ١٩٥٤، صنع مجموعة من المخرجين الشباب فيلم «ذا بلو لوبستر» («السلطعون الأزرق») وهو فيلم تجريبي قصير على الطراز الأوروبي للأفلام السريالية. ومن بين هؤلاء الشباب كان الأديب جابرييل جارسيا ماركيز الذي درس السينما في روما وأصبح لاحقًا أشهر أدباء كولومبيا. وفي عام ١٩٧٨، سعت الحكومة لإحياء صناعة السينما الوطنية بتأسيس شركة ذات تمويل حكومي وهي شركة فوسين. ومن بين الأفلام التي نتجت عن هذا الجهد فيلم «دم نقي» («بيور بلود»، ١٩٨٢) للويس أوسبينا وهو فيلم إثارة عن مصَّاصي الدماء بتلميحات سياسية، وفيلم «رودريجو دي: بلا مستقبل» (١٩٩٠) لفيكتور جافيريا ويسرد قصة بحث من بطولة أطفال العشوائيات في ميديين، وقد صُوِّر الفيلم في المواقع الطبيعية بأسلوب بونويل غير المتساهل. كان الإنتاج صعبًا خلال جزء كبير من التسعينيات، لكن الظروف تحسنت بفعل صدور قانون السينما عام ٢٠٠٣، ووجدت الحكومة الكولومبية طرقًا أخرى لتشجيع المخرجين لصنع أفلام قوية ودخول السوق العالمية. في نفس الوقت، كانت الموضوعات والمواهب الكولومبية تزداد بروزًا حول العالم من خلال إنتاجات دولية مثل «النساء الحقيقيات لهن منحنيات» («ريل ويمن هاف كِرفز»، ٢٠٠٢) و«سيدة القتلة» («أور ليدي أوف ذي أساسينز»، ٢٠٠٠) و«ماريا المليئة بالنعمة» («ماريا فول أوف جريس»، ٢٠٠٤). الفيلم الأول كان من إخراج المخرجة الكولومبية باتريشا كوردوسو لصالح قناة إتش بي أو، أما الثاني فكان مرتكزًا على قصة للروائي الكولومبي فرناندو فاييخو، وأما الثالث فكان من بطولة الممثلة الكولومبية كاتالينا ساندينو في دور امرأة حامل تتحول لمهربة مخدرات حاملة أكياس «النعمة» (الكوكايين) داخل جسدها. سُوِقت الأفلام الثلاثة عالميًّا.

جنوب كولومبيا وغرب البرازيل تقع جمهورية بيرو التي تضم مساحات من جبال الأنديز وغابات الأمازون وساحل المحيط الهادي. ومثل العديد من جيرانها، يتشارك التعداد السكاني متعدد الأعراق لها تراثًا غنيًّا لحقبة ما قبل كريستوفر كولومبس وفترة طويلة من الاحتلال الإسباني وتاريخًا حديثًا يتسم بالعنف والأزمات المالية. ورغم بعض الجهود المتفرقة المبكرة، لم تبدأ صناعة السينما في بيرو إلا في السبعينيات. وخلال بضع سنوات، نشأ أكثر من ١٥٠ شركة في ظل السياسات الداعمة للحكومة. وفي الوقت الذي استمر فيه قليل من هذه الشركات، ظهر عدة مخرجين موهوبين غزيري الإنتاج، أشهرهم فرانشيسكو لومباردي. كان فيلمه «الموت وقت الفجر» («ديث أت دون»، ١٩٧٧) أول فيلم يعود بتكاليف إنتاجه من خلال العروض المحلية. اقْتُبِسَ الفيلم من قصة حقيقية لقاتل أطفال واستخدم هذا الحدث الشهير لإثارة قضايا سياسية تتعلق بالسلطة والسجن. وفي فيلم «فم الذئب» («ذا ماوث أوف ذا وولف»، ١٩٨٨)، ركَّز لومباردي عدسة كاميرته على تنظيم مسلح في بيرو يُدعى «الدرب المضيء»، مازجًا مرة أخرى بين الأفكار السياسية وتقاليد الأفلام الرائجة.

تقع بوليفيا في أعالي جبال الأنديز جنوب شرق بيرو، وتُعتبر تلك الدولة الحبيسة أفقر دول أمريكا اللاتينية. كانت بوليفيا يومًا ما جزءًا من إمبراطورية الإنكا الضخمة وما تزال موطنًا لأكبر عدد من السكان الأصليين للقارة. عانت بوليفيا من فترات طويلة من الثورات والحكم الديكتاتوري والحروب مع الدول المجاورة. وفي عام ١٩٥٢، تولت الحكم قوة ثورية ذات قاعدة شعبية عريضة، وهي الحركة القومية الثورية التي بدأت الإصلاح الزراعي وتأميم مناجم القصدير في البلاد. وفي عام ١٩٦٤، قام الجيش بانقلاب عسكري. وقُتِل تشي جيفارا هناك عام ١٩٦٧ حسب ما يُقال بأمر وكالة الاستخبارات الأمريكية أثناء قيادة قوات المتمردين ضد هذه الحكومة العسكرية. ورغم هذه الظروف المضطربة، استطاع صناع سينما ذوو عزم مثل خورخي سانخينيس صنع أفلام هامة. كان سانخينيس أول مخرج يستخدم ممثلين غير محترفين من السكان الأصليين لسرد قصصهم من وجهة نظرهم. يجسد فيلمه «وهكذا هو الحال» («أند سو إت إز»، ١٩٦٦) الظلم الاجتماعي الذي يتعرض له «الهنود» الأصليون وأصحاب الدم المختلط (المواطنون ذوو الأصل الأوروبي والهندي المشترك) والبوليفيون البيض. أما فيلم «دم النسر» (١٩٦٩)، فهو ظاهريًّا عن برنامج تعقيم كانت تديره قوات السلام — وهو حدث حقيقي — ويُعتبر حكاية رمزية مُدينة للتدخل الأجنبي. وقد صُور بنحو رائع بالأبيض والأسود. وعندما مُنِع عرضه في العاصمة لاباز، نظم المشاهدون مسيرات احتجاجية في الشارع. وفي خلال عامَين كانت قوات السلام قد طُرِدت من البلاد.

تمتد جمهورية تشيلي من حدود بوليفيا جنوبًا على طول شريط ضيق بين جبال الأنديز وساحل المحيط الهادي. حصلت تشيلي على استقلالها عام ١٨١٧ لكن شعبها، مثل الدول المجاورة، عانى طويلًا من الاضطرابات الأهلية وعدم الاستقرار الاقتصادي والمجتمع الطبقي. وفي عام ١٩٧٠، تولى الرئيس سلفادور أييندي من الحزب الاشتراكي السلطة، لكن الجنرال أوجستو بينوشيه أسقط ائتلاف حكومته المسمى «الوحدة الشعبية» عام ١٩٧٢، واستمر نظامه العسكري القمعي في الحكم ثمانية عشر عامًا. خلال ذلك الوقت، سُجِن أو نُفِي أفضل صناع السينما في تشيلي الذين كان معظمهم قد نضج في الستينيات. فاعتقل باتريسيو جوزمان خلال فترة الانقلاب العسكري أثناء تصويره لفيلم «معركة تشيلي» (١٩٧٥–١٩٨٠). وبعد سجنه لفترة قصيرة، فر جوزمان إلى أوروبا ثم إلى كوبا حيث نجح في إكمال فيلمه الوثائقي المهم المكون من ثلاثة أجزاء. بقي مخرج آخر وهو ميخيل ليتين في أمريكا اللاتينية حيث صنع فيلم «أرملة مونتييل» («ذا ويدو أوف مونتييل»، ١٩٧٩) في المكسيك، وفيلم «ألسينو والنسر» («ألسينو آند ذا كوندور»، ١٩٨٢) في نيكاراجوا. استقر راءول رويس في أوروبا حيث أنتج عددًا بارزًا من الأفلام سنة تلو الأخرى وترك إرثًا يفوق المائة فيلم بعد موته عام ٢٠١١.

قبل حلول التسعينيات، كانت بقية دول أمريكا اللاتينية — أوروجواي وفنزويلا وحتى باراجواي — قد ساهمت بنحو متواضع في الفن وصناعة السينما. وكذلك دول الكاريبي مثل بورتوريكو وجمهورية الدومينيكان. أنتجت أمريكا الوسطى أفلامًا أقل بكثير ومعظمها كان أفلامًا قصيرة ووثائقيات. وأشهر الأفلام الروائية الطويلة التي ركزت على القضايا المعاصرة في هذه المناطق صُنِعت بواسطة شركات أجنبية مثل «الشمال» («إل نورتي»، ١٩٨٣)، وهو إنتاج أمريكي بريطاني مشترك تدور أحداثه بنحو جزئي في جواتيمالا، وفيلم «تحت القصف» («أندر فاير»، ١٩٨٣) الذي تدور أحداثه في نيكاراجوا، وفيلم «سلفادور» (١٩٨٦) الذي تدور أحداثه في السلفادور. كان على المخرجين في تلك البلاد الانتظار حتى ظهور البنى التحتية الجديدة للعولمة لصنع أفلام خاصة بهم.

(٧) العولمية وأفلام الطريق

تنظر العولمية إلى العالم كشبكة معقدة من العناصر المتداخلة: الاقتصاديات والمعلومات والشعوب والثقافات؛ وهي شبكة تتجاوز الحدود القومية وتشمل قارات كاملة. وفي وقت تتدفق فيه الأموال والمواهب والأفكار والمنتجات الثقافية بحرية شديدة بين الحدود، أصبح من الصعب التحدث عن أمريكا اللاتينية من ناحية السينمات القومية، كما فعلنا بداية من حقبة السينما الناطقة وحتى الثمانينيات. وفي الوقت الذي كانت تعبر فيه الأموال والناس والأفلام الحدود دائمًا من الأيام الأولى للسينما، فإن سرعة التبادل وحجمه وصلا إلى نقطة حرجة في التسعينيات. دعنا نذكر مثالين فقط على ذلك وهما المخرجان ألفونسو كوارون وأليخاندرو جونزاليس إنياريتو. ولد كوارون في مكسيكو سيتي عام ١٩٦١، وحصل على الشهرة العالمية بفيلم «وأمك أيضًا» (٢٠٠١) وهو فيلم مرح عن صبيين في عمر المراهقة يقومان برحلة برية عبر المكسيك. الفيلم إنتاج مكسيكي وصُوِّرَ في المكسيك بممثلين يتحدثون الإسبانية، لكن فيلم كوارون التالي وهو «هاري بوتر وسجين أزكابان» (٢٠٠٤) كان إنتاجًا مشتركًا بين الولايات المتحدة وبريطانيا بميزانية أكبر وممثلين يتحدثون الإنجليزية. وفي عام ٢٠٠٦، أخرج كوارون قسمًا من الفيلم الفرنسي «أحبك يا باريس» («باريس، جيه تيم») ودراما الخيال العلمي «أبناء الرجال» («تشلدرين أوف مين») الذي تدور أحداثه في لندن بطاقم ممثلين دولي يتحدثون ست لغات. هل يجب النظر إلى كوارون الذي يعبر الحدود القومية بسهولة شديدة كمخرج مكسيكي؟ ماذا عن أليخاندرو جونزاليس إنياريتو، وهو ابنٌ آخر من أبناء مكسيكو سيتي وتتضمن أفلامه «أموريس بيروس» (٢٠٠٠) والناطق بالإسبانية و«٢١ جرامًا» («توينتي وان جرامز»، ٢٠٠٣) والناطق بالإنجليزية و«بابل» (٢٠٠٦)، وهو دراما متعددة اللغات تتنقل بين المكسيك والمغرب وطوكيو والولايات المتحدة. الهدف من وراء القصص المتداخلة في فيلم «بابل»، كما يوحي العنوان، هي أن جميع شخصياته المتجولة في أنحاء العالم مرتبطة بعضها ببعض.

هذا الانتقال إلى صناعة السينما العالمية لا يتعلق فقط بالممثلين واللغات والقصص. فقد بدأ بعض الدول إعادة بناء بنًى تحتية أكثر مرونة في التسعينيات؛ ففي عام ١٩٩٥، أسست الأرجنتين المعهد الوطني للسينما والفنون السمعية البصرية، وهو وكالة حكومية جديدة تسن تشريعات لصالح السينما وتفتح مدارس سينمائية وتشجع الإنتاجات المشتركة. كذلك قامت المكسيك بمبادرات مماثلة من خلال المعهد المكسيكي للسينما. لكن الاتجاه العام كان يهدف إلى الخصخصة. فعندما تفككت شركة إمبرافيلم البرازيلية الحكومية، قدمت قوانين جديدة حوافز لمستثمري القطاع الخاص. وبعد فشل شركة فوسين في كولومبيا، سعى «قانون السينما» الجديد لدعم صناعة السينما بإبطال مركزية الإنتاج وتوجيه الانتباه إلى ما وراء الحدود القومية. وبدأ التمويل يتدفق من خلال الإنتاجات المشتركة، وبدأت المكانة الدولية لكولومبيا في البروز من خلال الحصول على جوائز في المهرجانات. وفي الأرجنتين أُعيد إحياء مهرجان مار ديل بلاتا السينمائي الدولي عام ١٩٩٦، الذي كان قد توقَّف لمدة ٢٦ عامًا. وعملت دول مثل البرازيل والأرجنتين وغيرهما معًا من خلال الميركوسور، أو السوق الجنوبية المشتركة، لتسهيل الإنتاج والتوزيع والعرض العابر للحدود القومية خلال المنطقة. إحدى النتائج الكبرى لهذا كانت حدوث زيادة كبيرة في النشاط السينمائي. وبدأ النقاد في التحدث عن «عودة» برازيلية و«موجة جديدة» أرجنتينية و«نهضة لاتينية» وحتى «سينما لاتينية جديدة».

إحدى النتائج الأخرى لهذا التحول كانت أنواع الأفلام التي تُصنَع. بدأ عدد أكبر من الأفلام في اتخاذ طابع عالمي. فربما تدور أحداث فيلم «أموريس بيروس» في شوارع مكسيكو سيتي ويُقدِّم ممثلين أغلبهم مكسيكيون، لكن لقطاته المقربة الهجومية وقطعه السريع وسرده المتقطع يبدو أقرب إلى الأسلوب الحسِّي المسعور في التصوير، الذي أذاع صيته أفلام في الولايات المتحدة مثل «خيال رخيص» («بالب فيكشن»، ١٩٩٤) وقناة إم تي في. نفس الاتجاه يظهر في أفلام روائية طويلة مثل «تسع ملكات» (٢٠٠٠) لفابيان بيلينسكي من الأرجنتين و«مدينة الرب» (٢٠٠٢) لفرناندو مييريليس من البرازيل. ساعد نجاح هذه الأفلام خارج البلاد، سواء في دور العرض لعامة الجمهور وفي المهرجانات، في إكساب رواج شديد لما اعْتُبِرَ أسلوبًا جماليًّا عالميًّا جديدًا. ربما يُعتبر كذلك فيلما «أموريس بيروس» و«مدينة الرب»، الذي تدور أحداثه في الأحياء الفقيرة في ريو دي جانيرو، من الأفلام التي تنتمي لنوع سينمائي رائج؛ إذ يمثلان جزءًا من اهتمام عالمي بعصابات الشوارع يتضمن جوهانسبرج في جنوب أفريقيا (فيلم «تسوتسي»، ٢٠٠٥) وجاكرتا بإندونيسيا (فيلم «ميرانتو»، ٢٠٠٩) وكوتشي بالهند (فيلم آخر بعنوان «مدينة الرب»، ٢٠١١). ينتمي فيلم «تسع ملكات»، الذي يتحدث ظاهريًّا عن مجموعة من المحتالين، لنوع سينمائي فرعي قريب من أفلام الجريمة وتدور قصته الذكية خلال الأزمة المالية للأرجنتين. سُمِّيَ بيلينسكي بالمخرج «الصناعي ذي الأسلوب المتفرد» بسبب مزجه بين التطلعات الفنية والتجارية في نفس الوقت، وهي تسمية يمكن إطلاقها بشكل مساوٍ على كوارون أو إنياريتو أو مييريليس.

لا يعني هذا أن كل مخرجي أمريكا اللاتينية سلكوا نفس الدرب بعد عام ١٩٩٠؛ فالعديد من أفضل صناع الأفلام اختاروا درب الهوية الوطنية ساعين لعرض صور واستكشاف أساليب تعبر عن تميز وأصالة الهُوية المكسيكية أو الكولومبية. أصبح أرتورو ريبستين (مخرج فيلم «أحمر قانٍ» («ديب كريمزن»، ١٩٩٦)) وكارلوس ريجاداس (مخرج فيلم «ضوء صامت» («سايلنت لايت»، ٢٠٠٧)) من صناع الأفلام المُوقرين حيث صنع كلٌّ منهما مجموعة من الأفلام تتميز بطابع شخصي فريد. هناك مخرجون أُخر كانوا أكثر ميلًا لاتباع الاتجاه السائد، لكنهم حافظوا على هُويتهم المكسيكية في نفس الوقت مثل ماريا نوفارو التي يحتفي فيلمها «دانزون» (١٩٩١) بالشهرة الشعبية لرقصة الدانزون الكوبية؛ وألفونسو أراو، الذي يعتمد فيلمه «مثل الماء للشوكولاتة» (١٩٩٢) على تقليد الواقعية السحرية لسرد قصة امرأة مضطهدة؛ وكارلوس كاريرا الذي واجه فيلمه «جريمة الأب أمارو» («ذا كرايم أوف فاذر أمارو»، ٢٠٠٢) معارضة شديدة من قبل مجموعات كاثوليكية رومانية. في الأرجنتين، ابتعد مخرجون مستقلون مثل إسرائيل أدريان كايتانو وبرونو ستاجنارو ولوكريثيا مارتيل وبابلو ترابيرو عن الأساليب السابقة متجنبين المجاز أو السياسات الوعظية، واستخدموا كاميراتهم لاستكشاف الشخصيات المهمشة في أماكن تقليدية. يسرد فيلم «بيتزا وجَعَة وسجائر» («بيتزا، بير آند سيجاريتس»، ١٩٩٨) الذي اشترك كايتانو وستاجنارو في إخراجه، قصة مجموعة من المراهقين المنشقين عن المجتمع الذين يعيشون في نفس المنزل. ويدور فيلم «المستنقع» («ذا سوامب»، ٢٠٠١) لمارتيل في السهول الشمالية الغربية المرتفعة، ويركز على عائلتَين عالقتَين في عالم مغلق وضيق من الحرارة الخانقة والظلم الاجتماعي. يرفض فيلم «العائلة المسافرة» لترابيرو (٢٠٠٤) إعطاء الطبيعة في الأرجنتين طابعًا غير مألوف رغم كونه فيلم طريق، مركزًا بدلًا من ذلك على الصورة الداخلية للعربة والعلاقات العائلية التي دائمًا ما تكون على حافة الانفجار.

في دول أخرى، في تشيلي وكولومبيا على سبيل المثال، كان صناع السينما لا يزالون في صراع مع الماضي أو يسعَون لتجاوزه؛ فبعد سقوط نظام بيونشيه، عاد ريكاردو لارين من المنفى وصنع فيلم «التخوم» («ذا فرونتير»، ١٩٩١) الذي يدور عن تجربة النفي داخل الوطن. يتخذ فيلم «العائلة المقدسة» («ذا سيكرد فاميلي»، ٢٠٠٥) لسباستيان ليليو، وهو من أفلام الدراما العائلية المكثفة، اتجاهًا آخر حيث يستكشف الجوانب المحرِّرة والمهددة للجنسانية الأنثوية. في نفس الوقت، يستمر ماضي ومستقبل كولومبيا في إلهام مشاركات عابرة للحدود. بعض تلك المشروعات ما زالت تمتلك رابطًا قويًّا بحقبة العنف وتتضمن «سيدة القتلة» و«ماريا مليئة بالنعمة» و«النساء الحقيقيات لهن منحنيات» وفيلم «ظل المتجول» («ذا واندررز شادو»، ٢٠٠٤) لسيرو جيرا وفيلم «الحلم الكولومبي» («إل كولومبيان دريم»، ٢٠٠٥) لفيليبي ألخوري، رغم أنها ربما تميل نحو الكوميديا أو الدراما أو الرقص. وفي استعراض والتر ساليس للمشهد السينمائي الحديث للمنطقة عام ٢٠٠٣، أشار إلى أن هذه الاتجاهات العديدة تجعل من الصعب التحدث عن حركة واحدة بعينها. كتب ساليس قائلًا: «لا توجد سينما لاتينية واحدة فقط، بل هناك «سينمات» عديدة مصنوعة من تيارات متضاربة، عادةً ما تتعارض، لكنها في نفس الوقت تجتمع معًا في رغبتها لتصوير واقعنا بنحو عاجل وحسي. نحن نصنع أفلامًا، تشبه بوتقة الانصهار التي تشخص ثقافاتنا، وتتصف بأنها مشوبة ومعيبة وتعددية.»13

يشير ساليس، الذي صنع العديد من أفلام الطريق البرازيلية، لسبب تحول هذا النوع السينمائي لنوع مهم بنحو خاص بالنسبة إلى مخرجي أمريكا اللاتينية. ومثل الولايات المتحدة، فإن أفلام الطريق «تُظهر هويات وطنية في طور التغيُّر». وبمراقبة كيفية تشجيع العولمية لأنواع جديدة من التنقل — عمليات الهجرة التي تقف وراءها دوافع اقتصادية — يجد ساليس أن «أكثر أفلام الطريق أهمية هي التي تعكس أزمة هُوية بطلها أزمة هُوية الثقافة ذاتها.» وباتباع هذه الفكرة، سنفحص عن قرب عددًا من الأمثلة اللاتينية، من الأرجنتين وحتى أوروجواي.

يقدم فيلم «الرحلة» («ذا فوياج»، ١٩٩٢) لفرناندو سولاناس رحلة شخص واحد خلال خمس دول بحثًا عن هُويته الأمريكية اللاتينية. يسافر مارتن بطل الفيلم ذو السبعة عشر عامًا مسافة قدرها ٣٠ ألف ميل بأي وسيلة مواصلات تُتاح له من الطرف الجنوبي للأرجنتين وحتى المكسيك في أقصى الشمال. وبأسلوب مضاد للأسلوب الواقعي شبه الوثائقي للأفلام السابقة للمخرج، يعتبر «الرحلة» عملًا من الفانتازيا العبثية، المليء بالشخصيات المستوحاة من صفحة مقطوعة من قصة مصورة هزلية تركها وراءه والد الشاب الغائب. في هذا الفيلم، نرى ثلجًا يتساقط داخل المنزل وفيضانات مائية من تشيلي تُغرق شوارع بوينس آيرس والقارة بأكملها مائلة، وهي أحداث غير طبيعية تتخذ معنًى مجازيًّا. وبنحو ذي أهمية دلالية، يبدأ الفيلم في مدرسة حيث تؤدي هزات كارثية لإيقاع صور الرؤساء من على الحوائط وإطلاق الحصان الصخري من تمثال سان مارتن، محرر الأرجنتين الشهير. وبعد تحرر مارتن (الذي اخْتِير اسمه عن عمد) من هذه الرموز الخاصة بتاريخ أمريكا الجنوبية، يترك المدرسة ويبدأ رحلة تصبح درسًا بديلًا في التاريخ والجغرافيا والثقافة الخاصة بناسه. ظاهريًّا، يريد مارتن العثور على والده الحقيقي، وهو شخصية رمزية أخرى. يقوده الطريق إلى تجاوز مضيق ماجلان الذي يجتاحه البحر وسهول باتاجونيا المرتفعة وأطلال الإنكا في ماتشو بيتشو وغابات الأمازون والصحاري، بالإضافة إلى منجم فحم مشئوم في ريو توربيو ومنجم ذهب في سييرا بيلادا وأميال من الأغنام في حظائر مسيَّجة، بمعنى آخر رحلة خلال مشاهد طبيعية رمزية تستدعي فخامة وتشوه تضاريس الأرض في أمريكا اللاتينية. وخلال طريقه، يلتقي مارتن بسائق سيارة أجرة مجنون مختلط الأصول من منطقة الكاريبي يُدعى أميريكو وينصت إلى خطاب للرئيس فروج، ويمارس الجنس مع العديد من النساء. إن هذا الفيلم يتحدث عن البدائل. وعلى عكس الأساليب الهوليوودية التقليدية في تقديم شخصيات معقولة واستمرارية منطقية في المونتاج، يقدم سولاناس شخصيات كاريكاتورية ومونتاجًا بنائيًّا. يكسر بناؤه المتقطع للفيلم قواعد النص المحبوك بدقة. ورؤيته للتعدد الثقافي — كلوحة فسيفساء مكونة من اللغات والأعراق والأجناس — تختلف بنحو كبير عن القصص المهيبة التي تخص الوحدة الوطنية أو الثقافة اللاتينية المتجانسة أو الالتقاء العالمي. وعندما يصل مارتن إلى المكسيك، تكون رؤيته للقارة ومكانه فيها قد تغيرت.

يُعتبر الفيلم الأرجنتيني «قصص صغرى» («مينيمال ستوريز»، ٢٠٠٢) لكارلوس سورين أكثر بساطة في النطاق والمغزى، وذلك كما يوحي عنوانه. تركز قصص الفيلم الثلاث المتداخلة على ثلاثة أشخاص متجهين إلى بلدة سان خوليان في جنوب باتاجونيا. سمع دون خوستو، وهو رجل عجوز وحيد، بأن كلبه الهارب قد شُوهد هناك. أما روبرتو، وهو رجل مبيعات متجول صعب الإرضاء، فيحاول الفوز بإعجاب أرملة جميلة بإحضار كعكة عيد ميلاد من أجل عيد ميلاد ابنها. والشخصية الثالثة هي ماريا وهي أم شابة فقيرة لديها فرصة الفوز بجائزة برنامج مسابقات إذا أمكنها الوصول إلى الأستديو في الوقت المناسب. يظل روبرتو يُغيِّر في تفاصيل شكل الكعكة محولًا إياها من كرة قدم إلى سلحفاة أحادية الجنس قبل أن يدمرها في النهاية في نوبة من الغيرة. وبمساعدة رجل شرطة طيب، تُتاح لدون خوستو فرصة الالتقاء بالشيء الوحيد الذين يهتم بأمره حقًّا. ورغم استعانة سورين بممثلين غير محترفين في الأغلب وسيناريو أولي وطاقم عمل صغير، فإنه ينجح في إيصال الكثير بالحد الأدنى من الموارد المتاحة له. تدور الانشغالات اليومية لشخصياته واللقطات المقربة من وجوههم بحدة مقابل التضاريس الرائعة للأرض التي تعصف بها الرياح. يتعارض استقبال الأرجنتينيين المحليين الحار لهم طوال الطريق بنحو واضح مع البرامج التلفزيونية الفاترة الاستهلاكية الدائرة في الخلفية. وفي الوقت الذي يُعتبر فيه «قصص صغرى» مثالًا دالًّا عن أفلام الطريق في أمريكا الجنوبية، فإن الإعلانات الترويجية العديدة له تحكي قصة أخرى مثيرة للاهتمام؛ قصة تتعلق بالتسويق. يركز أحد الإعلانات الترويجية على المغامرات الطريفة الطائشة لروبرتو وكعكته. ويركز إعلان آخر على الرحلة العاطفية للرجل العجوز ليصل إلى كلبه. وينتهي كلاهما بإشارة إلى فوز الفيلم بجائزة مهرجان سان سباستيان في إسبانيا. على العكس، فإن الإعلان الترويجي الأمريكي للفيلم يقدم قطعًا مونتاجيًّا سريعًا متنقلًا بين القصص الثلاثة مضيفًا ترجمة مرئية إنجليزية ومقارنة بفيلم «قصة ستريت» لديفيد لينش، وبدون أي ذكر لجائزة مهرجان سان سباستيان.14

مثل فيلم سورين، يستخدم فيلم «العائلة المسافرة» لترابيرو الأُلفة التي تنشأ أثناء الرحلات البرِّية لينخرط مشاهدوه في حياة أناس آخرين، هذه المرة مع عائلة أرجنتينية كبيرة (شكل ٤-١٨). عندما تُدعى إميليا ذات الأربعة والثمانين عامًا لتصبح رئيسة الشرف في إحدى حفلات الزفاف في مسقط رأسها، تقرر اصطحاب ١٢ من أقربائها معها. تتكدس المجموعة كلها في منزل متحرك مصنوع يدويًّا، وتبدأ الرحلة من بوينس آيرس إلى بلدة ميسيونيس التي تبعد ٦٠٠ ميل عن الحدود الشمالية للبلاد مع البرازيل. ما يحدث أثناء الرحلة — من مكائد صغيرة وانتصارات ثانوية وانهيارات عاطفية ونزاعات عائلية — يقدم ما يكفي من الكوميديا والدراما لمسلسل من مسلسلات الدراما الشعبية الشهيرة في أمريكا اللاتينية التي تُسمى «تيلينوفيلا». لكن بين يدي ترابيرو، تُعد الرحلة التي تستمر يومين أكثر من مجرد مسلسل درامي شعبي عن السفر. يمنح التصوير بالكاميرا المحمولة والتأطير الضيق والممثلين غير المحترفين (إذ تقوم بدور إميليا جدة ترابيرو) الفيلم إحساسًا بالأصالة كما لو كنا نجلس داخل الشاحنة نشاهد كل لحظة أثناء حدوثها. في نفس الوقت، نحن مدركون تمامًا أن عنوان الفيلم مجازي؛ فهذه العائلة تجسد كل الفوضى والسحر الخاصين بالمجتمع الأرجنتيني ككل.

figure
الشكلان ٤-١٧ و٤-١٨: الأسرة الأمريكية اللاتينية على الطريق: في فيلمَي «وداعًا يا برازيل» و«العائلة المسافرة».
فيما وراء ذلك الحد الشمالي، وفي البرازيل، كانت أفلام الطريق تستكشف الطبيعة الواسعة وسكانها متعددي الأعراق لسنوات. أحد أشهر هذه الأفلام هو «وداعًا يا برازيل» (١٩٨٠) الذي كان من إخراج كارلوس دييجيس، أحد رواد السينما الجديدة. يسرد الفيلم، الأكثر تقليدية في ظاهره من أعماله السابقة، قصة سيرك يضم مجموعة متنوعة من الأشخاص ويتنقل من بلدة إلى أخرى (انظر شكل ٤-١٧). تُسمي الفرقة نفسها كارافانا روليدي وتضم جيبسي لورد، وهو مدير الفرقة الجذاب الذي يقوم بدورَي الساحر والعرَّاف، وعشيقته وهي راقصة رومبا سوداء العينين تُسمى سالومي، ورجلًا أسود قويًّا يُسمى سوالو. خلال الرحلة، ينضم إليهم عازف أكورديون شاب يُدعى شيكو يقع في حب سالومي أمام عينَي زوجته الحامل المصدومة. العرض الذي يقدمه السيرك عرض رخيص مسلٍّ وهو مزيج من خدع السيرك التقليدية المقدمة معًا بشجاعة وخيال. في إحدى الفقرات، يتساقط ثلج صناعي داخل الخيمة بينما يدندن صوت بينج كروسبي على الفونوغراف بأغنية «كريسماس أبيض» وهو، كما يدعي جيبسي لورد، دليل على أن المناطق البعيدة غير المأهولة داخل البرازيل أصبحت الآن جزءًا من العالم المتحضر. تُعتبر رحلة السيرك المتنقل رحلة واقعية ومجازية في نفس الوقت وفرصة لاستكشاف البلاد بدايةً من المناطق النائية القاحلة في شمال شرقها وعبر غابات الأمازون الخصيبة حتى المرتفعات الوسطى. تأخذهم الطرق الخلفية والطرق السريعة عبر قرى خاملة ومدن مليئة بالضوضاء والحركة عابرين ببلدوزرات وأيكات النخيل في طريقهم. في إحدى البلدات، تصلي مجموعة دينية من أجل هطول المطر بينما يحزم عارض أفلام متنقل حقائبه راحلًا حيث إنه لا مستقبل له هنا. هكذا يتجه السيرك المتنقل إلى ألتاميرا، «أرض الوفرة»، حيث يعثرون على الكثير من دور السينما ومتاجر الموسيقى والكوكا كولا والاختناقات المرورية وهوائيات التلفزيون «المصنوعة من عظم الأسماك»، لكن لا يوجد مكان مناسب للسيرك الخاص بهم. لقد وصلوا متأخرًا جدًّا؛ لأن الطريق السريع عبر الأمازون كان قد صنع بالفعل جنة الاستهلاك هذه. الطريقة الوحيدة لهؤلاء الممثلين للبقاء هي العمل في البغاء. تقوم سالومي بهذا، عائدةً بالمال الذي سيحول العرض الخاص بهم إلى نسخة هوليوودية جديدة مبهرجة منه. إن فيلم دييجيس، كما يُوضِّح عنوانه، يُودِّع البرازيل القديمة، التي أصبحت مهجورة ومُهملة مثل السيرك القديم، حيث يحل محلها التصنيع وأشكال جديدة من التسلية ونظام عالمي جديد استهلاكي بنحو نَهِم. تأقلمت جماليات دييجيس في صناعة الأفلام، مثل سيرك روليدي والسينما البرازيلية نفسها، مع الأزمنة المتغيرة، موفيةً بالتوجه الحكومي لشركة إمبرافيلم، وهو «خلق هُوية وطنية من خلال الحفاظ على التنوع الإقليمي»،15 منتجةً فيلم طريق يقدم كذلك نقدًا جريئًا لتلك الهُوية بلمسة من الكوميديا السوداء.

عرض والتر ساليس، الذي أدرك بالتأكيد كيف يمكن أن تتطور الأنواع السينمائية بمرور الوقت، نظرة أكثر تفاؤلًا إلى المستقبل بفيلم «المحطة المركزية». بطلة الفيلم هي دورا، مدرسة متقاعدة تكسب عيشها بكتابة رسائل للأميين من البرازيليين لكنها لا ترسلها بالبريد أبدًا. وبوصولها لسن السابعة والستين، تفقد قدرتها على التواصل، وتعيش حياة تشاؤمية منعزلة حتى يقودها الطفل خوسويه ذو التسعة أعوام لاكتشاف احتمالية عيش حياة تجعلها راضية عن نفسها أكثر. وعندما يفقد خوسويه والدته، توافق دورا على مضض على البحث عن والده (شكل ٤-١٩) الذي يعيش في مكان ما في قلب البرازيل. تأخذهما رحلتهما الطويلة من شوارع ريو دي جانيرو الباردة إلى مستوطنة جديدة في المناطق النائية في شمال شرق البرازيل. عندما يصلان إلى الضريح الكاثوليكي في بلدية بوم جيسوس، يفترقان وتدرك دورا أن الرسائل مثل الصلوات؛ رسائل أمل تستحق أن تصل إلى أصحابها. وبعد مشهد مميز في الضريح تُصاب فيه بالهذيان، تستخدم دورا أخيرًا مهاراتها في الكتابة بنحو مفيد. هذا المشهد، الذي يذكرنا بمشاهد تناول مخدرات الهلوسة في فيلم «الراكب البسيط» ولحظات سريالية بعينها في السينما الجديدة، يثير الذهول بنحو أكبر في فيلم مميز باللمسات الواقعية لمخرج وثائقيات سابق. ربما يشير عنوان الفيلم إلى محطة القطارات المركزية في ريو دي جانيرو أو قلب البلاد. يمكن النظر إلى بحث خوسويه عن والده المفقود وبحث دورا عن مشاعرها الضائعة كأوديسا حديثة عن الرحلة إلى الوطن التي تجعلنا ندرك من نحن. يمكن فهم بحثهما كذلك من منظور أوسع: التقاء البرازيل القديمة الخاصة بالثمانينيات بثقافتها الخاصة بالسخرية واللامبالاة بالبرازيل الحديثة بكل رفضها تقبُّل وضعها المفترض واختيارها مستقبلًا جديدًا جريئًا.

figure
الشكلان ٤-١٩ و٤-٢٠: النضوج على الطريق في أمريكا اللاتينية. رحلتان لاكتشاف الذات والتغيُّر التاريخي.
وكما لو كان يريد تأكيد تلك الرؤية المفعمة بالأمل، يبدأ وينتهي فيلم «وسط العالم» («ذا ميدل أوف ذا وورلد»، ٢٠٠٣) لفيسنتي أموريم بمشاهد للسُّحب. تتحرك الكاميرا لأسفل مظهرةً زوجَين توقَّفا بدراجتَيهما عند لافتة تقول «ميدان منتصف الطريق». الزوجان هما روماو وروز وهما أبوان يمران بظروف صعبة حيث يصطحبان أبناءهما الخمسة في رحلة شاقة؛ لأن روماو يعتقد أن الأب سيسيرو سيعطيه وظيفة ليعول أسرته. يتضح أن سيسيرو مات منذ عقود لكن ضريح هذا القس يزوره ملايين المؤمنين الذي يعتقدون بأنه موقع لحدوث المعجزات. إيمان روماو قوي لكنه مدفوع بنحو جزئي بالفخر الذكوري وإصرار عنيد على ممارسة تحكُّم أبوي في عائلته. وفي الوقت الذي يقود أبناؤه الدراجات لمئات الأميال، ويتعلمون الغناء من أجل الحصول على الطعام ويجوعون ويتعرضون لإغراء الهروب، يهدد مشروعه الذي يستقطب كل قواه سعادة من يشعر بأنه من واجبه حمايتهم. وتنتهي رحلتهم التي تبلغ ألفَي ميل من شمال شرق البرازيل إلى ريو دي جانيرو عند قمة جبل كوركوفادو التي تطل على المدينة من وراء ذراعَي تمثال المسيح الشهير الذي يبلغ طوله ١٢٥ قدمًا. يمتلئ فيلم أموريم بمثل هذه الصور الوطنية والتلميحات الواعية إلى أفلام الطريق التي أصبحت بحلول عام ٢٠٠١ نوعًا سينمائيًّا له شهرته الكبرى داخل البرازيل ورياضة وطنية إلى حد كبير. وبعد مرور عشر سنوات، نشرت صحيفة «ذا نيويورك تايمز» مقالًا عن زوَجين برازيليَّين قاما برحلة تصل مسافتها إلى ٢٣ ألف ميل من أرخبيل تييرا ديل فويجو في أقصى جنوب أمريكا الجنوبية إلى ألاسكا على متن دراجة نارية.16

كانت المكسيك كذلك تتجه نحو احتلال موقع القيادة؛ فبعد مرور تسع سنوات على نجاح فيلم «دانزون»، أخرجت ماريا نوفارو فيلم «بدون أثر» («وايذاوت أ تريس»، ٢٠٠٠)، وهو فيلم يعرض رحلة امرأتَين مطلوبتَين من حدود تكساس وحتى مدينة كانكون. تلتقي آنا وأوريليا على الطريق أثناء هروبهما. آنا، وهي طالبة فنون مثقفة من إسبانيا، مطلوبة من الشرطة بسبب اتجارها في آثار مزيفة لحضارة المايا. أما أوريليا، الأم العزباء ذات الخبرة في عالم الشوارع، فقد سرقت مالًا من حبيبها تاجر المخدرات. وأثناء رحلتهما معًا في سيارة جيب قديمة، تتلاشى الفروق بينهما ويبدآن في أن يبدوا ويتصرفا أحدهما مثل الآخر. يؤكد سيناريو نوفارو على المعاملة السيئة للنساء ومجتمع المايا الأمر الذي يقوي الروابط بينهن. لكن لسوء حظ نوفارو، فإن النقاد قارنوا بين فيلمها وفيلم «ثيلما ولويز» مقارنة لم تكن في صالحه، وهو مثال لكيف أنه يمكن لنوع سينمائي عابر للثقافات أن يؤدي أحيانًا إلى نتائج معاكسة عند تطبيقه محليًّا.

كان فيلم «وأمك أيضًا» لألفونسو كوارون أكثر نجاحًا بالنسبة إلى النقاد والجماهير، وداخل وخارج البلاد، ورُشِّح لجائزة أوسكار وفاز بثلاث جوائز في مهرجان فينيسيا. وفي المكسيك، حقق الفيلم رقمًا قياسيًّا في أول عطلة نهاية أسبوع عُرض فيها بلغ ٢٫٢ مليون دولار. وبجانب كسر الفيلم لأرقام شباك التذاكر، فإنه كسر بعضًا من المحظورات الخاصة بتقديم الجنس على الشاشة. لكن الكثير من النقاد اتفقوا على أن حوار الفيلم ومشاهده الصريحة بعيدة كل البعد عن كونها من دون مبررات. تبدأ رحلة الطريق هذه بعرض. يدعو صبيان مراهقان امرأة في السابعة والعشرين إلى الشاطئ. يُعتبر خوليو وتينوتش صديقَين حميمَين، وهما مراهقان خاليان من الهموم مشغولان بالجنس والمخدرات. لويزا امرأة مكسيكية جذابة متزوجة نشأت في إسبانيا لكن زوجها غير مخلص لها. تذهب معهما في رحلة من مكسيكو سيتي إلى شاطئ «فم الفردوس» وهي فرصة للشابَّين أن يعبرا عن خيالاتهما الذكورية وفرصة لنا أن نحلل حافز الجنس لدى فرويد على أرض الواقع (شكل ٤-٢٠). يتباهى الصبيان بجسدَيهما بنرجسية وهي حالة عقلية يُشار إليها بنحو رمزي في مشاهد حمام السباحة. الجنس لا يتعلق بالمتعة فقط، بل هو لعبة سيطرة تستغل النساء لمراقبة منطقة النفوذ وترسيخ سيادة وتفوُّق الذكر المهيمن. يستمر خوليو وتينوتش في التنافس معًا مستخدَمين مغامراتهما الجنسية كمعيار. لكن بابتعادهما عن المنزل، تتخذ اللعبة منعطفًا غير متوقع. هل التشارك في نفس المرأة مجرد خطوة في اللعبة أم طريقة لاقتراب أحدهما من الآخر كقناع لمشاعر مِثلية؟ تترك هذه الاحتمالية كلا الشابَّين مصدومَين. إذا كانت هذه الرحلة البرِّية رحلة اكتشاف ذاتي، مثل العديد من الرحلات الأخرى، فإنها كذلك بطرق أخرى رحلة تدمير للذات، وهو ما يمثِّل حافز الموت لدى فرويد. يمهد العديد من التلميحات للموت خلال الرحلة — الاختناق المروري الذي يُحدِثه موت عامل مهاجر وتحديد موقع حادث مميت وعرض قطيع من الخنازير في طريقهم للمذبح — لحدوث مأساة شخصية في نهاية الرحلة. وإذا كانت هذه الأبعاد النفسية يُلمَّح إليها بدلًا من أن يُصر على إظهارها، فهذا ما يحدث كذلك مع الأبعاد السياسية للفيلم. يأتي تينوتش من أسرة غنية لها امتيازاتها. يستضيف والداه حفل زواج يتميز بالبذخ ويُدعى إليه الرئيس المكسيكي كضيف شرف. يتيح هذا لصديقه خوليو الاستمتاع بالرحلة المجانية؛ فالمال لا يمثِّل مشكلة. إنهما يعبران بسهولة نقاط تفتيش الشرطة على الطريق بينما يتوقف الآخرون تحت تهديد السلاح. لكن بنهاية رحلتهما، يُهزَم الحزب الحاكم لأول مرة منذ ٧٠ عامًا. وحياتاهما وبلدهما على شفا حقبة جديدة؛ لذا فإن قصة نضوجهما تمثل كذلك قصة عن المكسيك التي تستعد لإعادة خلق نفسها من جديد. تُعتبر أفلام كوارون جزءًا من إعادة الخلق هذه. أعاد فيلم «وأمك أيضًا» — الممول بالكامل بأموال خاصة الذي قدم نجمَين من نجوم مسلسلات الدراما الشعبية المكسيكية (دييجو لونا وجايل جارسيا برنال، اللذَين كانا صديقَين في الواقع منذ الطفولة) — بالإضافة إلى فيلم «أموريس بيروس»، تعريف السينما المكسيكية، والمكسيك ذاتها، للجمهور العالمي.

باكتساب أفلام الطريق زخمًا في الأرجنتين والبرازيل والمكسيك، كانت كذلك قد وصلت إلى دول أصغر مثل كوبا وكولومبيا والإكوادور وأوروجواي. أشهر أفلام الطريق من كوبا، ولا يوجد مفاجأة في هذا، من إخراج توماس جوتيريز أليا وخوان كارلوس تابيو، مخرجَيْ فيلم «فراولة وشوكولاتة»، وهو فيلم «جوانتاناميرا» الذي يُعد آخر أعمال أليا، وهو مرثاة تأملية تؤكد على استمرارية الحياة وتحتفي بالروح المبهجة لأهل كوبا بينما تسخر من مشاكل سياساتها. في قلب القصة جثة يجب نقلها من أحد طرفَي كوبا إلى الطرف الآخر. تصبح سيارة الدفن مركبة تنقلنا في رحلة عبر البلاد تعرض لنا مقطعًا مستعرضًا من عامة الناس في كوبا. نلتقي بسائق شاحنة يُدعى ماريانو وهو نموذج للفخر بالذكورية الذي له حبيبة في كل محطة توقُّف للشاحنات. نلتقي العديد من حبيبات ماريانو الحازمات وبعضًا من أصدقائه الذكور الذين يتاجرون بنحو كبير في الدولارات وبضائع السوق السوداء. نتعرف على جورجينا وهي معلِّمة يستنزف زواجها الخانق من موظف بيروقراطي مدَّعٍ حيويتها. في نفس الوقت، نرى لمحات من اقتصاد قومي في وضع سيئ. إن كل الطرق السريعة في هذا الفيلم تقريبًا خالية بنحو دائم. وتتجمع حشود على ظهر شاحنات مارة كنوع من المواصلات العامة. وفي الوقت الذي تعرض فيه الأسواق الرسمية اختيارات قليلة غير جذابة من البضائع، تزدهر وراء بواباتها المغلقة أسواق زاخرة مليئة باللحوم والخضروات. في نفس الوقت، يعلن الراديو إحصائيات المسئولين المتعلقة بتحقيق أرقام قياسية في الحصاد. ورغم أن القصة ربما تبدو غير واقعية، فإنها قائمة على أحداث واقعية ذكرتها الصحافة في كوبا في الثمانينيات عندما دفع نقص الوقود المسئولين في كوبا إلى وضع خطة تتطلب نقل الأكفان من مركبة إلى أخرى عبر الحدود الداخلية لمقاطعات كوبا حتى لا تتجاوز أي مقاطعة حصة الوقود الخاصة بها. شددت بطلة الفيلم، ميرتا إيبارا، على مصادر الفيلم الواقعية عندما قالت: «إنه ليس كوميديا عبثية بل كوميديا مستقاة من الواقع. إنه أشبه بصورة أشعة سينية لجزيرة كوبا.»17

وجَّه سيرو جيرا كاميرته الكاشفة إلى بلده كولومبيا عندما أخرج فيلم «رحلات الريح» («ذا ويند جيرنيز»، ٢٠٠٩). صُوِّر الفيلم في نحو ٨٠ موقعًا في شمال البلاد حيث ما زال يتحدث الناس لغات السكان الأصليين مثل البالينكيرو والوايونايكي والإِكن بجانب الإسبانية. يقدِّم «رحلات الريح» قصة مغنٍّ شعبي والصبي الذي يبجله ويتخذه مثلًا أعلى. يقرر إيجناسيو كارييو، بعد موت زوجته المفاجئ، إنهاء مسيرته كموسيقي؛ لأنه يعتقد أن الأكورديون الذي جلب له الشهرة ملعون. يركب كارييو حماره ويبدأ رحلة تبلغ ٥٠٠ ميل خلال مروج وغابات وجبال وصحراء تحترق تحت أشعة الشمس ليعيد الآلة الموسيقية إلى صانعها. يظل الصبي، الذي يُدعى فيرمين، يلح على الرجل العجوز ليتخذه تلميذًا له مما يبدأ علاقة تتسم بالمشاكسة لكنها تتعمق تدريجيًّا خلال رحلتهما. في إحدى البلدات، يتنافس كاييرو ضد مغنٍّ متعجرف يستخدم السحر ضد منافسيه. ينخرط الرجلان في نزال موسيقي في شكل شعائري ينتهي بالعنف. وفي بلدة أخرى، هناك رجلان يتقاتلان بمنجلَين فوق جسر. يصر أحدهما على أن يعزف كارييو الموسيقى خلال قتالهما حتى الرمق الأخير. ما زالت هذه دولة العنف الذي يبدو مرتبطًا بموسيقاها بنحو لا فكاك منه. عندما يُسرَق الأكورديون، يجب أن يقاتل فيرمين رجلًا ضعف حجمه ليستعيده مرة أخرى. في كل مرحلة من الرحلة، يقابل كارييو وفيرمين قطاعًا آخر من قطاعات الشعب الكولومبي واختبارًا مختلفًا. وفي أحد البساتين، يجد فيرمين مجموعة من قارعي الطبول الأفارقة. ولتَوْق فيرمين الشديد إلى إثبات ذاته والانضمام للجماعة، يعثر على القوة والإيقاع الداخليَّين ليقرع طبلته حتى تردد الغابات صداها. هذا المشهد كذلك ينتهي بسفك دماء. لاحقًا، وعلى ارتفاع عالٍ في جبال السييرا، ينقذ مجموعة من الهنود الحمر كارييو. تكون موسيقاه هذه المرة مصحوبة بنغمة الجايتا التطهيرية وهو مزمار السكان الأصليين. هكذا تصبح هذه الرحلة نوعًا من الأوديسا الموسيقية التي تتتبع أصل عناصر الموسيقى الكولومبية حتى تصل إلى جذورها متعددة الثقافات. وخلال شارة نهاية الفيلم، بينما يعزف الأكورديون (وهو من الآلات الهوائية) نغمته الأخيرة، تتراجع الكاميرا من كوخ مكشوف في أرض قاحلة عارضة لقطات من المشهد الطبيعي: محيط تلمع مياهه وجبال قرمزية ونباتات صحراوية ضامرة. وبينما يعبر جسد ضئيل الصحراء، يسقط ظل ويبقى صوت الريح هو الموسيقى الوحيدة المسموعة. يقدِّم فيلم «رحلات الريح» مشاهد طبيعية أخاذة ووجوهًا لافتة للنظر، العديد منها مصور بنحو رائع كما لو كان جيرا يريد موازنة إرث من العنف بعرض صور أكثر إيجابية للبلاد.

أُشيد بفيلم «رحلات الريح» وفي نفس الوقت تعرَّض للانتقاد بسبب تصويره المشاهد الطبيعية بنحو مثير: أُشيد به كمعرض للتنوع الجيولوجي والعرقي في كولومبيا، بينما تعرَّض للانتقاد كتسجيل مصور لرحلة صُمِّمَ للتصدير إلى الخارج. لكنه كذلك يُعتبر فيلمًا جيد الحبكة ومصنوعًا بعناية. على سبيل المثال، صوِّر النزال بالمناجل فوق الجسر بأقل قدر ممكن من الحوار؛ فبعد القليل من اللقطات التي تبني الحدث (رجل يحمل منجلًا يستعين بخدمات إيجناسيو ليعزف الموسيقى أثناء قتاله لرجل آخر حتى الموت على جسر القرية)، يبدأ مشهد القتال بلقطة بعيدة لحامل المنجل، وهو يسير بعزم وإصرار نحونا عبر الجسر الخشبي وخلفه مجموعة من الداعمين والمتفرجين (شكل ٤-٢١). في اللقطة التالية، يستمر في السير لكن الكاميرا الآن تركز على عزلته بلقطة بعيدة جدًّا من النهر (شكل ٤-٢٢)؛ إنه يعبر وحده حتى المنتصف تقريبًا ثم يتوقف في انتظار خصمه. يعرض شكل ٤-٢٣ الرجل الآخر من وجهة نظر الأول. يتجه الرجل الثاني كذلك نحونا حاملًا منجلًا مبعدًا امرأة تحاول إيقافه في محاولة يائسة. تعود الكاميرا الآن لعرض المشهد من النهر بلقطة بعيدة جدًّا للرجلَين أحدهما في مواجهة الآخر حاملَين المناجل فوق الجسر (شكل ٤-٢٤). ربما تذكرنا هذه الصورة اللافتة للنظر بمواجهات مماثلة في أفلام الغرب الأمريكي أو أفلام الساموراي (كان جيرا من محبي أفلام الغرب الأمريكي في صباه)، لكن موقع الأحداث هنا هو كولومبيا والمقاتلان صيادان يحمل كلٌّ منهما منجلًا والموسيقى المصاحبة للمشهد لا تصدر من أوركسترا خفية بل من أكورديون البطل الذي يأذن عزفه ببدء القتال. في اللقطات التالية، تنتقل الكاميرا بين إيجناسيو (شكل ٤-٢٥) وطرفَي النزال والمتفرجين الذين يقفون كتماثيل صامتة. يبرز صمتهم وعزف إيجناسيو الحزين عبثية المشهد. وبدلًا من انخراط الكاميرا في الصراع، كما يحدث في أي فيلم غرب أمريكي، فإنها تراقب ضرباتهم القاطعة المترددة من مسافة، عارضةً حركاتهم كظلال فوق الجسر أو انعكاسات على سطح مياه النهر. يتقاتل الطرفان ذهابًا وجيئة، ويلتحمان بجسدَيهما ثم يبتعدان. تتناثر الدماء فوق الألواح الخشبية للجسر ويسقط رجل للوراء عبر السياج الخشبي في المياه التي تقبع تحته بثماني أقدام (شكل ٤-٢٦). لا يصدر المتفرجون أي حركة بينما يُسقط الرجل الأول سلاحه ويسقط على ركبتَيه وينهار فوق الجسر. تعرض لقطة بعيدة من أسفل إيجناسيو الذي لا يزال يعزف الموسيقى وهو يقترب ببطء من السياج المكسور وينظر إلى الأسفل (شكل ٤-٢٧). اللقطة الأخيرة هي لقطة مقرَّبة للمقاتل الطريح من خط المياه وتقف في الخلفية بعض الأكواخ البسيطة بينما يلفظ الرجل أنفاسه الأخيرة وتغوص الكاميرا في الأعماق المظلمة (شكل ٤-٢٨). ورغم أن المشهد قد يبدو غريبًا بنحو لا يُصدق، فإن جيرا يقول إنه اقتبسه من حادثة تاريخية سُجِّلت في نويفا فينيسيا عام ٢٠٠٥.18
figure
الأشكال من ٤-٢١ إلى ٤-٢٨: نزال بالمناجل في فيلم «رحلات الريح» (سيرو جيرا، ٢٠٠٩) يعرض لحظة من تاريخ كولومبيا العنيف.

يمكن إبراز نقاط مماثلة عن فيلم «كم بقي من المسافة؟» («هاو ماتش فرذر»، ٢٠٠٦) وهو فيلم طريق إكوادوري من إخراج تانيا هيرميدا. وكما لو كان يقصد الفيلم التركيز على جاذبية البلاد للسياح، فإن إحدي بطلتَيه وكيلة سفريات من إسبانيا. أما البطلة الأخرى، فهي طالبة ناشطة محلية. تلتقي المرأتان على متن حافلة متجهة جنوبًا إلى العاصمة، كيتو. عندما تتوقف الحافلة بسبب إضراب للعمال، تقرران السفر بالتطفل. تصحبهما الرحلة عبر بعض أكثر مناطق البلاد جمالًا التي توجد بها مناظر طبيعية خلابة للجبال والمحيط، لكنها كذلك تكشف أرضًا مليئة بالاضطراب السياسي والأزمات الاقتصادية والظلم الاجتماعي. هذه النظرة المقسمة للإكوادور تترك انطباعات متضادة، على كلٍّ من السياح والكولومبيين التوفيق بينها. يُوفِّق فيلم آخر وهو «ما وراء الطريق» («بيوند ذا رود»، ٢٠١٠) بين أمريكي لاتيني وأجنبية. البلد هو أوروجواي هذه المرة والمسافران شابة بلجيكية تبحث عن الحب ورجل أرجنتيني موسر ترك وظيفته في بنك في نيويورك ليستعيد إرث عائلته على ساحل أوروجواي. لقاؤهما مع المشاهد الطبيعية المثيرة والدراما الشخصية يُعتبر رحلة أخرى للاستكشاف الداخلي والخارجي. تستمر أفلام طريق مثل هذه — وهناك العشرات الأخرى — في حصد جوائز المهرجانات وزيادة توزيعها خارجيًّا.

كما رأينا، يمكن لفيلم الطريق أن يكون وصفة للنجاح للعديد من مخرجي أمريكا اللاتينية. بوجود جمهور خاص له، تأتي فرص التمويل من حكومات تتوق إلى تصدير صور جذابة عن بلادها، ومن شركات للإنتاج المشترك تكون مستعدة لاستغلال الصلات الثقافية والجاذبية السياحية للنوع السينمائي. تتيح أفلام الطريق كذلك للمخرجين فرصة لتقديم رؤيتهم للأفكار التي قُدِّمت على مدار تاريخ النوع السينمائي من مخرجين مثل دينيس هوبر وفيم فيندرز وريدلي سكوت وثيو أنجيلوبولوس وديفيد لينش. فيمكنهم بدء بحثهم الخاص عن المغامرة والأُلفة والهُوية الوطنية والحرية والعدل والهروب وطريق العودة إلى الوطن. وبمؤامة هؤلاء لفيلم الطريق مع الطبيعة المحلية وثقافات أهل البلاد، وتكييفه حسب الأساليب السينمائية الوطنية وربطه بقضايا إقليمية هامة، أخذوا الطريق لمنطقة جديدة؛ فبفضل أفلام مثل «جوانتاناميرا» أو «يوميات الدراجة النارية»، فإن شعوب الأرجنتين وكوبا والبرازيل لم يعودوا مجرد مشاهدين للحداثة، بل أمكنهم احتلال مقعد القيادة ومحاولة اللحاق بالركب.

من دون شك، وكما يُظهِر مسار سينمات أمريكا اللاتينية، فإن صناعها كانوا يسلكون مسارًا خاصًّا بهم منذ زمن طويل. فمنذ العصر الذهبي للأفلام الإنسانية من الأنواع السينمائية الشهيرة في الأربعينيات والخمسينيات، وخلال مرحلة السياسة المسلحة في الستينيات والأفلام الانعكاسية والتعددية بنحو معقد للسبعينيات والثمانينيات، أعادوا على نحو مستمر صياغة لغات السينما لمناقشة أكثر القضايا إلحاحًا التي تهم سكان أمريكا اللاتينية. وحتى في أفلام الطريق الخاصة بهم، وفي عصر العولمة، فإن أدواتهم تظل لاتينية بنحو مميز. بعض الباحثين والنقاد قلقون من هذا الاتجاه الجديد. فعندما نظر بول شرودر رودريجيز في مستقبل السينما اللاتينية، عبر عن قلقه من أن «جيلًا جديدًا من صناع السينما نجح في إعادة إدخال سينما أمريكا اللاتينية داخل السوق السينمائية العالمية بملاءمة بعض الأساليب التي رفضتها حركة السينما اللاتينية الجديدة من حيث المبدأ.»19 تقدم خوانا سواريز، وهي باحثة أخرى رائدة في السينما الكولومبية عبرت عن قلق مماثل، نصيحة يمكن تطبيقها عبر الوجه الجديد للسينما اللاتينية، تقول سواريز: «لكي تصبح السينما الكولومبية صناعة قوية وتكون جزءًا من النظام العالمي العابر للحدود القومية، فإنها تحتاج إلى الدخول «بنحو أكبر» في عالم الخيال معتمدة بنحو أقل على الصيغ السهلة باعتبارها جواز مرور للنطاق العالمي المتجاوز للحدود القومية.»20 ومهما كان الرأي الذي تتبناه، فمن المهم فهم السبب الذي يجعل نوعًا سينمائيًّا مثل أفلام الطريق (أو أفلام الرعب أو أفلام الزفاف) نوعًا شهيرًا وكيف يعبر الحدود حاملًا الإرث الثقافي معه وممتزجًا مع رؤًى أخرى للطريق. لا يجب على المسارات التي يسلكها صناع الأفلام المعاصرون أن تمتزج لتكون طريقًا واحدًا متجانسًا أو تمنح التحكم الذاتي للطيار الآلي. إن تاريخ سينمات أمريكا اللاتينية الطويل لوحة فسيفساء تقوم على التنوع والالتزام والخيال وهي ما زالت قيد الصنع. وربما يكون ما هو مختلف اليوم هو وجود فهم أعمق لكيفية تلاقي كل الطرق.

قراءات إضافية

  • Aguilar, Gonzalo. Other Worlds: New Argentine Film. Translated by Sarah Ann Wells. Palgrave, 2008.
  • Amaya, Hector. Screening Cuba: Film Criticism as Political Performance during the Cold War. University of Illinois Press, 2010.
  • Barnard, Timothy and Peter Fist, eds. South American Cinema: A Critical Filmography: 1915–1994. University of Texas Press, 1996.
  • Barrios, Nayibe Bermúdez, ed. Latin American Cinemas: Local Views and Transnational Connections. University of Calgary Press, 2011.
  • Berg, Charles Ramírez. Cinema of Solitude: A Critical Study of Mexican Film, 1967–1983. University of Texas Press, 1992.
  • Chanan, Michael. Cuban Cinema. University of Minnesota Press, 2004.
  • Dennison, Stephanie and Lisa Shaw. Popular Cinema in Brazil, 1930–2001. Manchester University Press, 2004.
  • Elena, Alberto and Marina Díaz López. The Cinema of Latin America. Wallflower Press, 2003.
  • Falicov, Tamara Leah. The Cinematic Tango: Contemporary Argentine Film. Wallflower Press, 2007.
  • Hart, Stephen M. A Companion to Latin American Film. Tamesis, 2004.
  • Hernandez-Rodriguez, R. Splendors of Latin Cinema. Praeger, 2010.
  • Johnson, Randal and Robert Stam, eds. Brazilian Cinema. Columbia University Press, 1995.
  • King, John. Magical Reels: A History of Cinema in Latin America. Verso, 1990.
  • Konstantarakos, Myrto. “New Argentine Cinema.” In Linda Badley, R. Barton Palmer, and Steven Jay Schneider, eds., Traditions in World Cinema, 130–140. Rutgers, 2006.
  • Levine, Robert and John Crocitti, ed. The Brazil Reader: History, Culture, Politics. Duke University Press, 1999.
  • López, Ana. “Early Cinema and Modernity in Latin America.” Cinema Journal 40(1) (Fall 2000): 53-54.
  • Martin, Michael, ed. New Latin American Cinema, 2 Vols. Wayne State University Press, 1997.
  • Nagib, Lúcia. The New Brazilian Cinema. I.B. Tauris. 2003.
  • Noble, Andrea. Mexican National Cinema. Routledge, 2005.
  • Page, Joanna. Crisis and Capitalism in Contemporary Argentine Cinema. Duke University Press, 2003.
  • Pick, Zuzana M. The New Latin American Cinema: A Continental Project. University of Texas Press, 1983.
  • Régo, Cacilda and Carolina Rocha, eds. New Trends in Argentine and Brazilian Cinema. Intellect, 2011.
  • Shaw, Deborah, ed. Contemporary Latin American Cinema: Breaking Into the Global Market. Rowan & Littlefield, 2007.
  • Shohat, Ella and Robert Stam. Unthinking Eurocentrism: Multiculturalism and the Media. Routledge, 1994.
  • Stam, Robert. Tropical Multiculturalism: A Contemporary History of Race in Brazilian Cinema and Culture. Duke University Press, 1997.
  • Suárez, Juana. Critical Essays on Colombian Cinema and Culture: Cinembargo Colombia. Translated by Laura Chesak. Palgrave, 2012.
  • William, David Foster. Contemporary Argentine Cinema. University of Missouri Press, 1992.

هوامش

(1) Ella Shohat and Robert Stam, Unthinking Eurocentrism: Multiculturalism and the Media (Routledge, 1994), 5.
(2) Shohat and Stam, 16–36.
(3) Zuzana M. Pick, The New Latin American Cinema: A Continental Project (University of Texas Press, 1983), 13.
(4) Ana López, “Early Cinema and Modernity in Latin America,” Cinema Journal 40(1) (Fall 2000): 53-54.
(5) John King, Magical Reels: A History of Cinema in Latin America (Verso, 1990), 11.
(6) Randal Johnson and Robert Stam, eds., Brazilian Cinema, expanded edition (Columbia University Press, 1995), 17–19.
(7) Carlos Diegues, “Cinema Novo,” in Johnson and Stam, Brazilian Cinema, 64–67, and “History of Cinema Novo,” Framework 12 (1979): 19–27.
(8) Fernando Solanas and Octavio Getino, “Towards a Third Cinema,” Tricontinental 14 (October 1969 [Havana]): 107–132, reprinted in Michael Chanan, ed., Twenty-Five Years of New Latin American Cinema (BFI, 1983), 17–23. Available at: http://documentaryisneverneutral.com/words/camasgun.html (accessed June 16, 2013).
(9) Michael Chanan, Cuban Cinema (University of Minnesota Press, 2004), 5.
(10) King, 155.
(11) Chanan, 2.
(12) See Juana Suárez, Ramiro Arbeláez, and Laura Chesak, “Garras de oro (The Dawn of Justice—Alborada de justicia): The Intriguing Orphan of Colombian Silent Films,” The Moving Image 9(1) (Spring 2009): 54–82.
(13) Walter Salles, “Preface,” in Alberto Elena and Marina Díaz López, eds., The Cinema of Latin America (Wallflower, 2003), iv.
(14) See trailers for Minimal Stories (Historias mínimas, dir. Carlos Sorín, 2002), DVD (Optimum Releasing, 2003).
(15) Quoted in Timothy Barnard and Peter Fist, eds., South American Cinema: A Critical Filmography 1915–1994 (University of Texas Press, 1996), 189.
(16) Jim Dwyer, “The Point is That You Don’t Have to Spend a Lot of Money to Do What You Love,” The New York Times, September 13, 2013. Available at: http://www.nytimes.com/2011/09/16/nyregion/brazilian-couple-traverses-the-americas-on-motorcycle.html?_r=0 (accessed June 16, 2013).
(17) Larry Rother, “A Final Journey into the Heart of Cuba,” The New York Times, July 20, 1997. Available at: http://www.nytimes.com/1997/07/20/movies/a-final-journey-into-the-heart-of-cuba.html?pagewanted=all&src=pm (accessed June 16, 2013).
(18) Letter from Ciro Guerra, November 19, 2012. See Inter-American Commission on Human Rights, Report No. 88/06, Petition 1306–05, “Admissibility, Nueva Venecia Massacre, Colombia, October 21, 2006.” Available at: http://www.cidh.oas.org/annualrep/2006eng/COLOMBIA.1306.05eng.htm (accessed June 16, 2013).
(19) Paul Schroeder Rodriguez, “After New Latin American Cinema,” Cinema Journal 51(2) (Winter 2012): 87–112.
(20) Juana Suárez, “At the Transnational Crossroads: Colombian Cinema and Its Search for a Film Industry,” in Nayibe Bermúdez Barrios, ed., Latin American Cinemas: Local Views and Transnational Connections (University of Calgary Press, 2011), 277–310 at 299.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤