الفصل الرابع

أفلام الطريق

بعد مرور ما يقرب من سبع دقائق من افتتاحية فيلم «الراكب البسيط» (١٩٦٩)، عندما تبدأ شارة البداية في الظهور، يبدأ بطلا الفيلم الشابان رحلة عبر الصحراء على زوج من الدراجات النارية المعدَّلة (شكل ٤-٢). يرتدي بيلي (الذي يقوم بدوره دينيس هوبر) قبعة بوشمان وزيًّا من جلد الغزال المميز لرجال التخوم الغربية. ويرتدي وايت (الذي يقوم بدوره بيتر فوندا) معطفًا وبنطالًا من الجلد الأسود، ويزين علمُ الولايات المتحدة خوذتَه وخزَّانَ وقود دراجته النارية. وبعد رميه ساعة يده في حركة رمزية، يتسابق هو وبيلي تجاه الأفق حتى يختفيا في سحابة من الغبار. تُظهِرهما الكاميرا في لقطات مقربة ضيِّقة، وفي لقطات بعيدة شاعرية ومن كل زاوية، بينما يتحول الطريق الترابي إلى طريق أسفلتي ويزيدان من سرعتهما وسط الرياح. وبسيرهما جنبًا إلى جنب، يصبح البطلان ودراجتاهما شيئًا واحدًا يتكوَّن من معدن لامع ويُصدِر صلصلة صاخبة. وبمجرد عبورهما نهرَ كولورادو، تصدح الموسيقى التصويرية بأغنية. تبدو كلمات الأغنية لفرقة ستيبينوولف، التي تتحدث عن البحث عن مغامرة على الطريق السريع، كما لو كانت تشير إلى الشابَّين وتوقعاتهما العالية. فهما «مثل طفل الطبيعة الحقيقي» الذي «وُلِد ليكون جامحًا». لكن بعد لحظات وبحلول الليل وتوقُّف المسافرَيْن للمبيت في أحد الفنادق، تقابلهما أولى المشكلات؛ ينظر إليهما مالكُ الفندق ثم يعود إلى الداخل خلال المدخل ليُنِير لافتةً مضيئة تقول: «لا توجد غرف شاغرة.»

بوعد الفيلم بتقديم الحرية والمغامرة على الطريق السريع، مستدعيًا متعةَ التنقل وكذلك الشعور المأساوي بالإحباط لرحلةٍ لم تكتمل، فإنه يُعتبَر على نطاق واسع نموذجًا مجسدًا لعقد الستينيات من القرن العشرين، وعلامةً فارقة في تطور أفلام الطريق. تصف باربرا كلينجر الفيلمَ بأنه «رمز واضح لجيله»،1 ويصفه لي هيل بأنه «الفيلم المستقل البارز الذي جعل بمفرده تقريبًا أفلامَ الطريق نوعًا سينمائيًّا أساسيًّا في الفترة التي تلت عقد الستينيات.»2 تقرُّ شاري روبرتس بأن «أفلام الطريق لم توجد باعتبارها نوعًا سينمائيًّا معروفًا حتى صدر فيلم «الراكب البسيط» عام ١٩٦٩».3
figure
شكل ٤-٢: بيتر فوندا ودينيس هوبر على دراجتَيهما الناريتَين المعدلتَين في فيلم «الراكب البسيط» (دينيس هوبر، ١٩٦٩) الذي ساهم في ظهور أفلام الطريق الأمريكية.

في هذا الفصل سنعود إلى فيلم «الراكب البسيط» مرة تلو الأخرى أثناء استكشافنا الأدوارَ العديدة للسفر في ثقافتنا وأنواعنا السينمائية. فما الذي يعنيه السفر والطريق والطريق السريع بالنسبة إلى الأمريكيين وشعوب العالم الأخرى؟ وما الذي يحدد أفلام الطريق كنوع سينمائي، فيما يتعلق بشخصياتها وقصصها وشكلها وأفكارها؟ ولماذا يظهر هذا النوع السينمائي في فترات معينة من التاريخ؟ وما العوامل المؤثرة التي مهدت لظهور فيلم «الراكب البسيط» وما تلاه من أفلام مشابهة؟ وإلى أين أخذنا الطريق؟ وإلى أين من المحتمل أن يقودنا؟

(١) أسئلة عن النوع السينمائي: «الراكب البسيط» نموذجًا لأفلام الطريق

لقرون عدة، خدمت الطرقُ العديدَ من الأغراض سواء بنحو مادي أو رمزي؛ فقد وحَّدت الطرقُ التي بناها الرومان الأوائل الإمبراطوريةَ؛ حيث حملت القوات العسكرية والثقافة اللاتينية عبر ثلاث قارات وعادت بالثروة والقوة إلى روما. وقبل هذا، تنقَّلت العربات التي تجرها الخيول عبر طرق الإمبراطورية الواسعة الخاصة بفارس القديمة. وخلال العصور الوسطى بأوروبا عندما اضمحلت السلطة المركزية وأصبحت الطرق القديمة في حاجةٍ إلى ترميم، أصبحت مجالًا للنهب والسلب والاغتصاب وسرقات الطريق السريع. ربما يجسد الطريق المفتوح الحريةَ والاستقلال، لكن الطرق كذلك تشتمل على أخاديد ومسارات متفرِّعة وانعطافات ونهايات مسدودة. كل هذا وأشكال أخرى من الطريق تنعكس في الأفلام، بدايةً بالأزقة المظلمة الملتفة لأفلام النوار في أربعينيات القرن العشرين وحتى الأفلام الكوميدية لسباقات الطرق المرحة عبر البلاد في السبعينيات. لكن ما الذي يجعل هذه الطرق السينمائية تستحق النظر إليها معًا باعتبارها مجموعة واحدة؟ وفي أي مرحلة مثلت نوعًا سينمائيًّا مثل أفلام الرعب أو الغرب الأمريكي؟ وهل يُعتبر فيلم «ساحر أوز» («ذا ويزارد أوف أوز»، ١٩٣٩) فيلمَ طريقٍ بسبب سلوك بطلته دوروثي لطريق القرميد الأصفر؟ وهل يُعتبر فيلمٌ من أفلام ما بعد نهاية العالم، مثل «ماكس المجنون: ما وراء قبة الرعد» («ماد ماكس: بيوند ثاندردوم») والمعروف كذلك باسم «ماكس المجنون ٣» (١٩٨٥)، فيلمَ طريقٍ إذا كانت أحداثُه تدور في عالَمٍ من دون طرق؟ وما أهمية هذه الأسئلة؟

بالنظر إلى فيلم «الراكب البسيط» كمعيار لهذا النوع السينمائي، نرى كيف يمثِّلُ العديد من رموز الفيلم المكوناتِ الأساسيةَ للحياة على الطريق. أولًا: هناك المركبات: الدراجتان الناريتان الرائعتان بالطبع، لكن هناك كذلك سيارة تاجر المخدرات التي من نوع «رولز رويس» التي ظهرت بعد بداية الفيلم بوقت قصير، والشاحنة الخفيفة الخاصة بالجنوبيين التي تمر بهما قرب نهاية الفيلم. تُجسِّد الدراجات النارية روحَ الاستقلالية وحرية التنقُّل، وقد تقلَّصت حتى أصبحت محركًا ومقعدًا دونَ عبء — أو حماية — هيكل أو صندوق السيارة. في هذا الفيلم الذي يمثِّل الثقافة المضادة للستينيات، تمثِّل الشاحنات والسيارات التقليدية عبئًا تجاريًّا وتهديدًا للحرية. ثانيًا: هناك الأرض التي يسافر عبرها بطلا الفيلم: الريف المفتوح في جنوب غرب الولايات المتحدة الذي تقدِّمه لقطاتٌ بانورامية خلَّابة على نحو حالم، والمناطق الأكثر اكتظاظًا بالسكان في الجنوب الأمريكي والمقدَّمة كمناطِقَ قَذِرة ومُقيِّدة. ثالثًا: هناك الطريق نفسه، وهو فكرة بصرية تُقدَّم في لقطات كثيرة للطرق الترابية والطرق السريعة المخططة والشوارع المزدحمة داخل المدن. وباستمرار الرحلة، يخسر المشهد سحره وفتنته، ويتحول الوعد الأصلي للطريق المفتوح إلى وعد أكثر تشاؤمًا. طوال الطريق، يعسكر بيلي ووايت في العراء ويتوقفان في أماكن عدَّة؛ فيشارك البطلان عائلةَ مالكِ مزرعةٍ للمواشي العشاءَ، ويُقِيمان في تجمُّعٍ للهيبيز، ويُقبَض عليهما بسبب الانضمام إلى موكب في بلدة صغيرة دونَ إذن، ويواجهان العداءَ في مطعم ريفي، ويزوران ماخورًا في نيو أورلينز، ويتناولان عقارَ هلوسة في مقبرة، ثم يتجهان إلى فلوريدا حيث يخططان للعيش في ترف بالمال الذي كسباه من بيع الكوكايين المكسيكي. تكشف الرحلة قطاعًا عرضيًّا من أمريكا؛ ففي كلِّ محطةِ توقُّفٍ هناك فرصةٌ لاستكشاف ناسِها وقِيَمِهم.

لكنَّ بطلَيِ الفيلم بلا ريب لديهما مشكلة فيما يتعلق بالوعي بالذات أو التعبير عنها. يبدو أن وايت يفضل فكرة الاستقرار والعيش مما تنتجه الأرض، لكن عصبية بيلي المتواصلة تظل تُعِيدهما مرةً أخرى إلى الطريق. لا يمكن لأيٍّ منهما التعبير عن أحلامه أو إحباطاته بنحو يتجاوز التعبيرات المختصرة المبتذلة لِلُّغة العامية للثقافة المضادة. بدلًا من ذلك، يُسنَد دور المتحدث إلى مسافر متطفل لا يُذكَر اسمه يصطحبانه إلى تجمع الهيبيز، وبنحو أكثر وضوحًا، إلى جورج هانسن، المحامي الشاب التابع للاتحاد الأمريكي للحريات المدنية (الذي يقوم بدوره جاك نيكلسون) والذي التقياه في السجن. تتعارض بدلة ورابطة عنق جورج المشعثتان مع ملابس المسافرَين المُعتَنى بها، بنفس الطريقة التي تؤدي بها طبيعته الطيبة الثرثارة في دخولهما إلى صمتٍ متجهم. ربما لا يعلم جورج كيف يلف سيجارةَ مخدرات، لكنه يفهم طبيعة الحرية ومخاطرها. يقول: «الحرية: التحدث عنها والعيش وفقًا لها أمران مختلفان تمامًا.» مضيفًا: «من الصعب حقيقةً أن تكون حرًّا عندما تُباع وتُشترى في السوق.» يدرك جورج أن سكان البلدة يخافون ممَّا يمثِّله بيلي ووايت، وهو ما يجعلهما مصدرَ خطر.

كمعظم أفلام الطريق، يمتلئ فيلم «الراكب البسيط» بنطاق كبير من الشخصيات من طوائف مجتمعية مختلفة، ومنها سكان الريف وجماعات الهيبيز وفتيات البغاء. لكن الشخصيتَين الرئيسيتَين هما الشابان اللذان يقومان بالرحلة معًا. يشير باحثو السينما إلى أن عددًا كبيرًا من الأبطال في الأفلام القائمة على رحلات الطريق هم من الأصدقاء الرجال: على سبيل المثال؛ بوب هوب وبينج كروسبي في فيلم «الطريق إلى المغرب» («رود تو موروكو»، ١٩٤٢) وجورج رافت وهمفري بوجارت في فيلم «إنهم يقودون ليلًا» («ذيي درايف باي نايت»، ١٩٤٠)، ولاحقًا جون فويت وداستين هوفمان في فيلم «راعي بقر منتصف الليل» («ميدنايت كاوبوي»، ١٩٦٩) أو روبرت دي نيرو وتشارلز جرودين في فيلم «مطاردة منتصف الليل» («ميدنايت ران»، ١٩٨٨). لكن من الممكن كذلك أن يكون الصديقان الرئيسيان المسافران رجلًا وامرأة مثل كلارك جيبل وكلوديت كولبير في «حدث ذات ليلة» (١٩٣٤) أو ديسي أرناز ولوسيل بول في «المقطورة الطويلة جدًّا» («ذا لونج لونج تريلر»، ١٩٥٣) أو وارين بيتي وفاي دوناواي في «بوني وكلايد» (١٩٦٧). لكن لم تحتل امرأتان المقدمة إلا عام ١٩٩١ بصدور فيلم «ثيلما ولويز» («ثيلما آند لويز») وهي لحظة في تاريخ السينما فتحت الباب أمام كل الأنواع من الرفقاء، واضعة أمورًا مثل النوع والعرق والتوجه الجنسي في صدارة المشهد.

يشير الباحثون إلى سمات سينمائية بعينها لفيلم «الراكب البسيط» تُجسِّد الأسلوب البصري والطابع العام للنوع السينمائي الخاص بأفلام الطريق. يُظهر التصوير الانسيابي للمصور السينمائي لاسلو كوفاتش راكبي الدراجات النارية أثناء الحركة شخصَين مسرعَين قبالة الخلفية المثيرة للإعجاب والهيبة للجنوب الغربي الأمريكي. وباستخدامه لقطات بانورامية واسعة ولقطات وجهة نظر متحركة، فهو يلتقط التجربة واضعًا إيانا كمشاهدين في مقعد القائد على الطريق. في إحدى اللقطات، يفرد المسافر الجالس وراء وايت أحد ذراعَيه ليتسع إطار المشهد في اتجاه امتداد ذراعه مما يوسِّع رؤيتنا لتشمل المشهد الطبيعي المتتابع والإحساس برياح الحرية. وبعمل كوفاتش في أواخر السبعينيات، كان يجرب التقنية الجديدة للكاميرات المحمولة مستعيرًا بعض الأساليب الخاصة بمخرجي الموجة الفرنسية الجديدة مثل القطع المونتاجي المفاجئ (ويعني إحداث اضطراب في انسياب الفعل لخلق تأثيرات مربكة)، والضوء الساطع (وهو ضوء يشع من شمس الصحراء)، ولقطات الزووم السريعة ولقطات المنصة المتحركة (وتعني إحداث ارتجاج في مجال رؤية المشاهد سواء بالتقريب أو الإبعاد). هذا الابتعاد المتعمَّد عن أسلوب الأستديو الهوليوودي جذب الانتباه إليه، مذكِّرًا إيانا أن الأفلام أعمال إبداعية، ومساعدًا في وضع سوابق أسلوبية لجيل من مخرجي «هوليوود الجديدة».

كان دينيس هوبر، مخرج فيلم «الراكب البسيط»، من بين صناع الأفلام الشباب مستقلِّي الفكر الذين وجَّهوا هوليوود في اتجاه جديد، في وقت كان يحتاج فيه نظام الأستديو القديم إلى مواهب شابة وأفكار جديدة. تنعكس رؤيته للثقافة المضادة للستينيات في جماليات الفيلم المُفكَّكة، التي ربما يقول البعض إنها مُبهمة عن عمد. على سبيل المثال، يعمل تفكك اللقطات المتتابعة لمشهد تناول عقار الهلوسة بصورته الخشنة بمقياس ١٦ مليمترًا ومونتاجه المفكك وموسيقاه التصويرية المتقطعة بوصفه انعكاسًا لجيلٍ ضلَّ طريقه في مرآة مُشوَّهة. أصبحت المرايا وتركيبات الصور عناصر ثابتة في أفلام الطريق وجزءًا من قواعدها كما سنرى. وبدمج العديد من اللقطات الخاطفة في تتابع سريع، يمكن لهذا التركيب أن يُرينا زوايا مختلفة للرحلة أو يلخصها لنا أو يوضح أن جزءًا من الطريق رائع أو قذر. بنحو مماثل، يمكن لزجاج السيارة الأمامي أو مرآة خلفية أن يُغيِّر منظورنا أو يكون له وظيفة رمزية، متيحًا لمحات من المستقبل أو الماضي المنقضي. لكن أحد أكثر إبداعات هوبر التي لا تُنسى هو استخدام أغاني الروك في الموسيقى التصويرية للفيلم؛ فبإضافة كلمات غنائية لموسيقيين مثل فرقة ستيبينوولف وجيمي هندريكس وبوب ديلان وفرقة ذا بيردز للموسيقى التصويرية، نجح هوبر في عكس روح الستينيات وأعطى صوتًا لشخصياته للتعبير عن أنفسهم، مهما كانوا عاجزين عن التعبير.

كان الملصق الإعلاني الأصلي لفيلم «الراكب البسيط» يقول: «رجل ذهب للبحث عن أمريكا. ولم يستطع العثور عليها في أي مكان …» في هذه النسخة من قصة الفيلم، تُعتبر الحكاية سعيًا للعثور على الهوية الوطنية، وهو سعي ينتهي بالإحباط والمأساة. هناك أفلام طريق أخرى تتبع مسار قصص السعي والبحث. على سبيل المثال، يبحث مخرج فيلم «رحلات سوليفان» («سوليفانز ترافيلز»، ١٩٤١) عن روح أمريكا في فترة الكساد الكبير. يريد المخرج فهم الطبيعة الحقيقية للفقر لكي يصنع فيلمًا ذا وعي اجتماعي. وفي فيلم «ساحر أوز»، تتوق دوروثي إلى ملاحقة قوس قزح لتحقيق أحلامها. بينما يخاطر سائقو الشاحنات في فيلم «إنهم يقودون ليلًا» بحياتهم من أجل المال الذي هو وسيلتهم للحصول على حياة أفضل. ويأمل الزوجان الجديدان في فيلم «المقطورة الطويلة جدًّا» في العثور على السعادة الزوجية بالربط بين وظيفة الزوج التي تتضمن السفر على الطريق وبيت متحرك. بنحو لافت للنظر، فإن التركيب السردي في كل هذه الأفلام دائري؛ إذ ينتهي الحال بسوليفان ودوروثي حيث بدءوا. ويكتشف سائقو الشاحنات ومالكا المقطورة أن ما كانوا يبحثون عنه أمامهم مباشرة. كل هذه الطرق المألوفة للمسافرين تقود إلى المنزل. لكن بالنسبة إلى وايت وبيلي، كما هو الحال بالنسبة إلى العديد من الأبطال الآخرين الرُّحَّل، فإن الطريق السريع الذي يقود إلى الحرية أو المغامرة أو الهوية هو طريق أحادي الاتجاه يقود إلى المأساة. هل سيصل المسافر المتطفل في «انعطاف» («ديتور») إلى المرأة التي يحبها؟ هل سيهرب البطلان الخارجان عن القانون في «بوني وكلايد» من قبضة العدالة؟ يتحالف القدر مع قواعد صنع أفلام الطريق ليكشفا عن العيوب البشرية التي تحكم على هذه الرحلات بالنهايات المأساوية. هذه القصص حكايات سردية أولية؛ أي، رحلات للبطل في طرق البحث عن الذات أو تدميرها. وكما هو الحال مع أفلام الرعب أو الزفاف، يمكننا العثور على الشخصيات الأولية (الناصحين والمحتالين والرفقاء) والمراحل الأولية (النداء للمغامرة وعبور العتبة والمحن والبلايا) التي وصفها جوزيف كامبل والتي أصبحت مألوفة من خلال عدد لا يُحصى من الحكايات في كل ثقافة يحويها العالم.

(٢) السوابق الأوروبية

كان هوبر والمخرجون الأمريكيون الآخرون الذين اصطحبوا كاميراتهم إلى الطريق السريع متأثرين بشدة باتجاهات السينما الأوروبية وبخاصة الواقعية الإيطالية الحديثة والموجة الفرنسية الجديدة. لقد تعلَّموا من مخرجي إيطاليا (من أمثال روبرتو روسيليني ولوتشينو فيسكونتي وفيتوريو دي سيكا وفيديريكو فيلِّيني) قيمة التصوير الخارجي بممثلين هواة ولقطات بعيدة متواصلة لعكس واقع الحياة القاسي في الشوارع. كما تعلموا من المخرجين الفرنسيين (من أمثال جان لوك جودار وفرانسوا تروفو وآلان رينيه) استخدام الكاميرات المحمولة والقطع المفاجئ ولقطات المتابعة الطويلة للإخلال باستمرارية السرد الكلاسيكي للفيلم، جاذبين الانتباه بدلًا من ذلك إلى الجانب الإبداعي للأفلام السينمائية والألم الوجودي لشخصيات أفلامهم. يسرد فيلم «رحلة إلى إيطاليا» («فوياج تو إيتالي»، ١٩٤٥) لروسيليني قصة زوجَين إنجليزيَّين ثريَّين خلال جولتهما السياحية التسكعية في إيطاليا، وهي المرة الأولى التي يكونان فيها بمفردهما خلال ثمان سنوات من الزواج. تصبح رحلتهما معًا فرصة لمواجهة أحدهما الآخر والصدوع في علاقتهما المتدهورة. وبتركيز الفيلم على الطبقة العليا من المجتمع واعتماده على التصوير اللامع، فإنه ينتمي للمرحلة فيما بعد الواقعية الجديدة في مسيرة روسيليني، على جانب آخر، فإن فيلم «لا سترادا» لفيلِّيني عام ١٩٥٤ يسرد قصة زوجَين مختلفَين تمامًا على طريق مختلف. جيلسومينا (التي تقوم بدورها جولييتا ماسينا، زوجة المخرج) شابة لطيفة بريئة تبيعها والدتها لممثل متجول، وهو رجل قوي فظ يُدعى زامبانو (الذي يقوم بدوره أنتوني كوين) وهو يعتبرها زوجته وعبدته الأليفة. بيتهما المتنقل هو عربة مؤقتة مغطاة بالخيش قائمة على عجلتَين ومثبتة إلى دراجة نارية تقذف الدخان بين الحين والآخر. يتتبع فيلِّيني سيرهما المتثاقل عبر ريف جنوب إيطاليا ملتقطًا بكاميرته المتعاطفة المتحركة أثر الفقر والجهل والحب غير المصرَّح به على الحيوات التي بلا هدف. تحمل هذه الرحلة عبر الحضيض والمصورة بالأبيض والأسود الخشن باستخدام مواقع خارجية حقيقية وممثلين هواة في الأدوار المساعدة، العديد من السمات البارزة لجماليات الواقعية الجديدة على الرغم من أن لحظات الفيلم الشاعرية وتركيزه الشديد على الشخصيات يمهد لانتقال المخرج إلى أسلوب أكثر شخصية وخيالية (انظر قسم «لقطة مقربة: لا سترادا»).

وضع أحد المخرجين الأوروبيين المؤثرين الآخرين من ذوي الأسلوب الخاص، وهو السويدي إنجمار بيرجمان، أفضل الممثلين لديه على الطريق في فيلم «وايلد ستروبيريز» («التوت البري»، ١٩٥٧). يقوم فيكتور خوستروم بدور أستاذ جامعي طاعن في السن في طريقه للحصول على جائزة مرموقة عن مجمل إنجازاته الوظيفية. وبينما يقود السيارة بصحبة زوجة ابنه (التي تقوم بدورها إنجريد تولين)، ينعطف ليمرَّ على منزله الصيفي ويزور والدته ذات الأربعة والتسعين عامًا، ويُقل ثلاثة مسافرين شبابًا ويكاد يصطدم بسيارة فولكس فاجن آتية في الاتجاه المعاكس. وبينما يعطينا إنجمار بيرجمان لمحات لا تُنسى من الطبيعة في السويد والطبقة المتوسطة العليا في المجتمع، فإنه مهتم بنحو أكبر بحياة الأستاذ الداخلية والمصورة من خلال تتابعات أحلام سريالية والمحادثات في السيارة. وكما في فيلم «رحلة إلى إيطاليا»، فإن الحميمية المفروضة بالقوة بسبب الجلوس في المقعد الأمامي للسيارة تؤدي إلى اكتشافات غير متوقعة واستبطان ذاتي. تحبسنا كاميرا بيرجمان في هذه المساحة للمدة الأكبر من زمن الفيلم مؤسسةً العلاقة المركزية بين رجل عجوز متشكك وزوجة ابنته المكروبة عن طريق صور لزوجَين يشعران بمرارة أزلية (من داخل السيارة الفولكس فاجن) في المقعد الأوسط والمسافرين المتطفلين الذين لم يتزوجوا بعد في المقعد الخلفي. يرى الأستاذ الجامعي هذه الانعكاسات لحب الشباب والزواج المجرد من الحب في حياته في مرآة السيارة الخلفية.

يقدم فيلم الإثارة «أجر الخوف» («ذا ويجز أوف فير»، ١٩٥٣) للفرنسي هنري جورج كلوزو رؤية مضادة بشدة لرؤية بيرجمان الاستبطانية للطريق والرحلة الشخصية لرجل في الماضي. يقدم النصف الأول من الفيلم الرجال الأربعة الذين يتطوعون لنقل حمولة شاحنة من المواد القابلة للانفجار عبر ٣٠٠ ميل من الأراضي الوعرة إلى حقل نفط يحترق. وباعتبارهم أجانب في قرية صغيرة في أمريكا الجنوبية، فإن هؤلاء الرجال عالقون في حياة فاترة مرهقة خالية من الأحداث، لكن النصف الثاني من الفيلم يعوض هذا السكون واللانشاط. المشاهد المثيرة للأعصاب التي يقدمها كلوزو للشاحنات التي تهدر خلال الظلام بحمولتها المميتة (شكل ٤-٣) تجعل الإثارة في فيلم «إنهم يقودون ليلًا» تبدو ضعيفة بالمقارنة. تركز الكاميرا على وجوه السائقين الغارقة في العرق بينما تهدر تروس المحركات وتصر الأرض الوعرة تحت الشاحنات ويقترب مؤشر السرعة من منطقة الخطر ببضع بوصات. في واقع الأمر، كان كلوزو سابقًا للموجة الجديدة، لكن الطريقة الملحَّة التي تسبر بها كاميرته المظهر الخارجي لشخصياته وتُعري بها الأصل المجرد لوجودهم مهدت الطريق للأسلوب الذي سيستخدمه مخرجون مثل جودار لإبراز عبثية ولا معقولية الحياة.

figure
شكل ٤-٣: فيلم «أجر الخوف» (١٩٥٣). يُعتبر فيلم الإثارة هذا لهنري جورج كلوزو أحد السوابق الأوروبية العديدة لفيلم الطريق العالمي.
يجد مؤرخو السينما في رائعة جودار المبكِّرة «منقطع الأنفاس» (١٩٦٠)، رابطًا وجوديًّا بين أفلام الطريق الأوروبية والأمريكية. يخصص ديفن أورجيرون فصلًا كاملًا عن الفيلم في دراسته لهذا النوع السينمائي مشيرًا إلى الحوار التداخلي بين جودار وهوبر وفيم فيندرز باعتباره «أحد أكثر المحادثات السينمائية العالمية التي لا تُنسى في القرن العشرين.»4 في بداية فيلم «منقطع الأنفاس»، يسرق ميشيل (الذي يقوم بدوره جان بول بلموندو) سيارة من طراز أولدزموبيل من ضابط أمريكي معيدًا تجسيد مشهد قُدِّم من قِبَل عدد لا يُحصى من المرات في أفلام العصابات. وجودار مفتون، مثل ميشيل، بأمريكا لكن بينما يعتنق ميشيل الثقافة الشعبية الأمريكية دون تفكير، يُخضعها جودار لنقدٍ واضح وحاد. وكما يقول دودلي أندرو، عندما يقتحم ميشيل السيارة، فإن جودار «يسرق نوعًا سينمائيًّا هوليووديًّا ويدفعه على الطريق.»5 في نفس الوقت، يستهين جودار بقواعد المونتاج الهوليوودية مخلًّا عن عمد باستمرارية السرد بالقطع المونتاجي المفاجئ والحوار غير المتزامن. الأثر المقصود هو إبعادنا عن الشخصيات وقصتهم؛ مما يساهم في خلق إحساس بالاغتراب يميز الموجة الفرنسية الجديدة ومقلديها من الأمريكيين من هوليوود الكلاسيكية. يقدم فيلم «منقطع الأنفاس» (١٩٥٣) تباشير بعض أكثر أفكار النوع السينمائي لأفلام الطريق تكرارًا؛ فعندما يسرق ميشيل وحبيبته سيارة كاديلاك من جراج في باريس، يقودانها على الطريق بنفس الانطلاق الذي يُظهره سارقو السيارات معجِّلين بظهور الرفقاء المجرمين لاحقًا مثل بوني وكلايد. إن طريقة حديث ميشيل غير المترابطة وسيل الأمور التافهة التي يقولها تتماشى مع أفعاله العشوائية وتبشران بظهور مسافرين آخرين لا يعبرون عن آرائهم مثل بيلي ووايت. يعود جودار نفسه إلى نفس الأفكار وإلى الطريق، خاصة في فيلم «نهاية الأسبوع» («ويك إند»، ١٩٦٧)، بسخريته اللاذعة من الثقافة الاستهلاكية واحتوائه على لقطة متابعة شهيرة تصل مدتها إلى ١٠ دقائق لاختناق مروري واحد (انظر قسم «لقطة مقربة: منقطع الأنفاس»).

(٣) المسار الأدبي المؤدي إلى فيلم «الراكب البسيط»

رغم أن نقاد السينما يكتبون عن أفلام الطريق منذ حوالي عشرين عامًا فقط، فإن المؤرخين ودارسي الأدب يدرسون منذ فترة طويلة قصص الرحلات من كل أركان العالم تقريبًا، من «الكتاب المقدس» و«الأوديسا» حتى «حكايات كانتربري» و«رحلة إلى الغرب». يمكن العثور على العديد من دوافع وأفكار أفلام الطريق في هذه النصوص القديمة. فرحلة بني إسرائيل الطويلة من مصر إلى أرض كنعان في سِفر الخروج تُعتبر هروبًا (من الاستعباد) وسعيًا (للوصول إلى الأرض المقدسة). وتسرد ملحمة هوميروس (التي يعود تاريخها إلى القرن الثامن قبل الميلاد تقريبًا) الرحلة البحرية التي خاضها أوديسيوس التي مر خلالها بمحن ومغامرات لا تُصدَّق حتى وصل البطل الإغريقي في النهاية إلى وطنه. وتحكي «حكايات كانتربري» لجيفري تشوسر (التي تعود إلى القرن الرابع عشر في إنجلترا) قصصًا يرويها مجموعة من الحجاج من قطاع عرضي من مجتمع العصور الوسطى وهم في طريقهم إلى ضريح مقدس. أما رواية «رحلة إلى الغرب» (التي نُشرت حوالي عام ١٥٩٠) فتسرد رحلة حج أخرى من الصين وحتى الهند، وهي رحلة مغامرات مفعمة بالمرح والنقد اجتماعي والتجربة الاستبصار الروحي. يتبع التركيب المفكك لهذه القصص والمعروف باسم «الأدب الصعلوكي»، المسار المتسكع للشخصيات المتنقلة من مكان لمكان وتكون هذه فرصة لمشاهدة البلاد وأناسها ومؤسساتها بعين الغريب.

لا شك أن العمل الأدبي الأقرب لفيلم «الراكب البسيط» في الروح والزمن هو رواية السيرة الذاتية لجاك كيرواك، «على الطريق». عندما نُشِرت الرواية عام ١٩٥٧، نجح سرد كيرواك لرحلاته البرِّية عبر البلاد في عكس الطاقة التي لا تهدأ والتلقائية الطائشة والتفاؤل المرح لشباب ما بعد الحرب. في أحد الأيام، ينظر بديل كيرواك لأدبي، سال برادايس، إلى خريطة ويقرر أن «يتبع خطًّا أحمر عظيمًا عبر أمريكا». يكتشف بعد وقت قصير أن الطريق الحقيقي لرؤية أمريكا هو سلوك الخط المتعرج بين الطريق السريع والطرق الجانبية، مسافرًا بالمجان وراكبًا الحافلات و«مستكشفًا للمناظر الطبيعية الأمريكية» أثناء رحلته. تعطي لقاءاته مع الناس والأماكن خلال رحلته لمحة عن أُمة في حالة حركة: «يمر زنوج جامحون بقبعات ولِحًى صغيرة أسفل الذقن وهم يضحكون؛ ثم مجموعة من الهيبيز طويلي الشعر رثِّي الملابس مباشرة من طريق ٦٦ من نيويورك؛ ثم جنود كبار في السن حاملين حقائبهم ومتجهين إلى مقعد في إحدى الحدائق في الساحة العامة؛ يُليهم رجال دين من الطائفة الميثودية وقد انسلَّ نسيج أكمامهم، وبنحو عارض أحد أفراد جماعة أولاد الطبيعة بلحية وصندل. أردت مقابلتهم جميعًا، والتحدث مع كل منهم.»6

بعد أحد عشر عامًا، جذب توم وولف انتباه جيل آخر بكتابه «اختبار عقار هلوسة الكول-إيد الكهربائي». يسرد كتاب وولف المغامرات المرحة للكاتب الأمريكي كين كيسي وأتباعه من جماعة «المخادعين المرحين» أثناء عبورهم لأمريكا من غربها إلى شرقها في حافلة مدهونة بألوان تشبه ما يراه متناولو عقاقير الهلوسة. حاول كيسي، الذي كان قد اشتهر بالفعل باعتباره مؤلف رواية «طار فوق عش الوقواق» (١٩٦٢)، صُنْع فيلم عن هذه الرحلة؛ أو «رواية سينمائية» كما سماها، لكنه لم ينجح مطلقًا في مزامنة الصور والأصوات معًا. لم يرَ جمهور السينما ما صوره كيسي حتى عام ٢٠١١ وذلك في فيلم وثائقي بعنوان «رحلة سحرية» من مونتاج أليكس جيبني وأليسون إيلوود. يُظهر «رحلة سحرية» كيف مزج كيسي الرحلة بالتجربة التي يمر بها من يتناول عقاقير الهلوسة محققًا لجيل الهيبيز ما حققه كيرواك لجيل البِيتْ، وممهدًا لظهور مشهد المقبرة في فيلم «الراكب البسيط» الذي يتناول فيه وايت وبيلي عقار هلوسة.

بينما اصطحب الأدب والسينما الجمهور في هذه الرحلات وأخرى سبقتها بوقت طويل، مثَّل فيلم «الراكب البسيط» نوعًا من الذروة ونقطة محورية في شكل سينمائي جديد. ففي الثلاثينيات، خاطبت الأفلام ذات المغزى الاجتماعي مثل «رحلات سوليفان» و«عناقيد الغضب» («ذا جريبس أوف راث»، ١٩٤٠) الجيل الذي عاصرها عن الأوقات الاقتصادية العصيبة والعقبات الطبقية والظلم الاجتماعي. وفي الأربعينيات، ناقش فيلما «الطريق إلى المغرب» و«انعطاف» (١٩٤٥) جيلًا آخر ذهب للحرب وعرضا كلًّا من لحظاته المرحة ومخاوفه المبهمة على الشاشة. وخلال حقبة ما بعد الحرب، سعت الأمة لتحقيق الحلم الأمريكي والاستقرار وسط رفاهية السلام والأمن التي حارب شباب البلاد في أوروبا والمحيط الهادي لتحقيقها. لكن ثار قلق جيل آخر بنحو عنيف وهو ما انعكس في عشرات أفلام الغرب الأمريكي ذات الحنين للماضي، ونوع سينمائي فرعي جديد عن رعاة البقر الذين يقودون دراجات نارية. كانت شخصية جون واين، كصائد الهنود المهووس في فيلم «الباحثون» (١٩٥٦)، تفهم بالكاد معنى رحلاتها في صحراء التخوم، بنحو لا يزيد عن فهم مارلون براندو لدوافعه في التجول والتنقل من بلدة لبلدة ومن حانة لحانة ومن شجار لشجار، من خلال قيامه بدور قائد الدراجة النارية الغاضب في فيلم «الجامح» («ذا وايلد وان»، ١٩٥٣). كان هدف كليهما هو الرحلة في حد ذاتها، وكان بيتهما هو الطريق أو الطريق السريع، وهو السبب وراء انتهاء الفيلم دائمًا بالتوجه نحو الشمس الغاربة. استعان فيلم «الراكب البسيط» بعناصر من كل هذه الأفلام السابقة جامعًا بينها جميعًا في إنتاج مستقل يحكي قصة اثنين من الرحالة لا يعبران عن مشاعرهما في فيلم خاطب الجيل التالي وقت بلوغه.

(٤) الأفلام والسيارات

أنتج العقد الأخير من القرن التاسع عشر ابتكارَين غيَّرا الطريقة التي يرى بها الناس العالم: الأفلام والسيارات؛ فمن مقعدهم في سيارة متحركة، أمكن للمسافرين مشاهدة المناظر الطبيعية المتتالية بسرعة تحبس الأنفاس تصل إلى ١٤ ميلًا في الساعة، أو من مقاعدهم الثابتة في دار العرض السينمائي، يمكنهم مشاهدة محاكاة حركية لهذه المشاهد على الشاشة. استخدمت كاتي ميلز، في دراستها عن قصة الطريق في الوسائط المتعددة، مصطلح «التحرُّك الحر» لتسليط الضوء على هذا الرابط التاريخي والحسي بين السينما والسيارات.7 المصطلحان الرئيسيان هنا هما الاستقلالية وسهولة الحركة. مكنت السيارات راكبيها من التجول بحرِّية في الطرق الأمريكية مما ربط بين المفهوم الأمريكي عن الحرية الفردية والحركة الآلية. وأكدت الأفلام هذا الإحساس بحرية الحركة من خلال آلية الكاميرات وآلات العرض السينمائي. كان الأمر مسألة وقت قبل أن تظهر أفلام الطريق كطريقة لاستكشاف الحرية والهوية الفردية في «ثقافة في حالة حركة مفرطة».8
استكشفت الأفلام الصامتة لتلك الحقبة المبكرة الحريات الجديدة للتنقل الآلي. كسر الأخوان لوميير في فرنسا وسيسيل هيبوورث في إنجلترا الحدود المستطيلة للمسرح التقليدي متجاوزين قوس خشبة المسرح بلقطات لقطارات متحركة في اتجاه المشاهد كما في فيلم «وصول القطار في محطة لا سويتا» («ذي أرايفال أوف آ ترين آت لا سويتا ستيشن»، ١٨٩٥) (شكل ٤-٤) وسيارات مسرعة بتهور كما في فيلم «اختبار شعور الدهس بالسيارة» («هاو إت فيلز تو بي ران أوفر»، ١٩٠٠). احتفت هذه الأفلام المبكرة بالسرعة لكنها كذلك حذرت من خطورة السفر بالآلات. يصف ديفن أورجيرون، في سرده التاريخي المتجاوز للحدود القومية لأفلام الطريق، هذه الأنواع السينمائية الفرعية المبكرة التي ركزت على المخاطر الجديدة للطرق (كما في فيلم «حادثة السيارة» («ذي أوتوموبيل أكسيدنت»، ١٩٠١)) وقدمت خيارات جديدة للهرب من المنزل (كما في فيلم «الفرار» («ذي إيلوبمينت»، ١٩٠٧)).9
figure
شكل ٤-٤: بدأ إعجاب السينما بالحركة الآلية في أفلام مبكرة مثل «وصول القطار في محطة لا سويتا» الذي صُور في فرنسا على يد الأخوان لوميير عام ١٨٩٥.

بحلول عشرينيات القرن العشرين، أصبحت الأفلام السينمائية والسيارات تُنتَجان على نطاق واسع. كانت أستديوهات هوليوود تنتج الأفلام باستخدام طرق قائمة على نموذج خطوط تجميع السيارات في ديترويت. ووُحِّدت شبكة الطرق السريعة المنتشرة بواسطة قانون المعاونة الفيدرالية للطرق السريعة الذي صدر في عام ١٩٢٥، والذي وضع معايير لأسماء الطرق السريعة التي تربط بين الولايات بنظام من تخصيصات الأرقام واللافتات الرمزية. وأصبح بإمكان الأمريكيين في ذلك الوقت السفر بنحو مريح عبر البلاد في طرق ممهدة مثل الطريق السريع رقم ٦٦ بسياراتهم الخاصة. في نفس الوقت، كان هناك نظام متسع من دور العرض السينمائي يمتد من ساحل أمريكا الشرقي وحتى ساحلها الغربي كجزء من نظام صناعة السينما المتكامل الذي يشمل الإنتاج والتوزيع والعرض. وبذلك، لم يعد مبدأ التحرك الحر مجرد بدعة، بل أصبح تجارة ضخمة. كما بدأ يصبح كذلك جزءًا من الشخصية الأمريكية.

(٥) الأسلاف الأمريكية لأفلام الطريق

صوَّرت أفلام فترة الكساد الكبير في أمريكا في ثلاثينيات القرن العشرين الأمريكيين على نحو متكرر وهم في حالة تنقُّل مستمر؛ ففي فيلم «عناقيد الغضب»، يجمع آل جود متاعهم في شاحنة ويتجهون غربًا إلى ولاية أوكلاهوما بحثًا عن عمل، بعد أن شُرِّدوا من مزرعة العائلة بسبب الجفاف والمصرفيين قساة القلوب. يرينا تتابعٌ لصور مركَّبة وهم يمرون بلافتات أوكلاهوما سيتي وساليسو وتشيكوتاه على الطريق السريع رقم ٦٦، ويتحركون بتثاقل خلال ريف جنوب غرب البلاد حيث ينضم إليهم موكب آخر من المهاجرين. إن بيتهم الوحيد هو الشاحنة الخَرِبة ومعسكرات الرحَّالة على جانب الطريق في كاليفورنيا حيث يجدون الراحة المؤقتة. يُدفَن بعض أفراد العائلة في جانب الطريق أو يُجبَرون على الهرب على أقدامهم، لكن كما تُفسِّر الأم في آخر مشاهد الفيلم وهي محشورة في مقعد الشاحنة الأمامي مع ما تبقى من عائلتها: «سنمضي للأبد يا بابا لأننا الشعب.» يعرض فيلم «حدث ذات ليلة» مشاهد أكثر لناس متنقلين؛ ففي الوقت الذي يطارد فيه صحفي طموح (يقوم بدوره كلارك جيبل) سيدة مجتمع مدللة (تقوم بدورها كلوديت كولبير) بطول ساحل أمريكا الشرقي، يواجهان نطاقًا كاملًا من أفراد الطبقات الاجتماعية من راكبي الحافلات والقطارات والطائرات والدراجات النارية وطائرات الأوتوجيرو، متوقفين في مطاعم وفنادق صغيرة ومعسكرات متنقلة في الطريق. إحدى أبرز اللحظات الكوميدية في الفيلم تحدث عندما يحاول جيبل، الفخور بذكوريته وخبرته العملية في الحياة الخاصة بالطبقة العاملة، تعليم كولبير كيف تسافر بالمجان. وبعد عدة محاولات فاشلة لإبهامه، يشاهدها مشدوهًا وهي تقف على الطريق وقد رفعت تنورتها فوق إحدى ركبتَيها لتقف السيارة التالية لها أثناء سيرها (شكل ٤-٥).

figure
شكل ٤-٥: تُعلِّم سيدة المجتمع كلوديت كولبير المراسل الصحفي كلارك جيبل كيف يمكنه إيقاف سيارة للسفر مجانًا في فيلم «حدث ذات ليلة» (فرانك كابرا، ١٩٣٤) مثبتةً أن استخدام الطريق المفتوح أمرٌ متاح لأي طبقة في المجتمع الأمريكي.
استمرت هوليوود في تقديم أفلام ترفيهية خفيفة خلال العقد التالي. حيث صنع بوب هوب وبينج كروسبي ستة أفلام سفر كوميدية بين عامَي ١٩٤٠ و١٩٥٣ واضعًا إياها على الطريق إلى أماكن غريبة مثل سنغافورة وزنجبار والمغرب وريو دي جانيرو وكلوندايك وبالي. فيجسد فيلم «الطريق إلى المغرب» هذا النوع من الفكاهة التي تتميز بالسخافة والانعكاس الذاتي في سلسلة أفلام «الطريق إلى …» هذه حيث يسخر أمريكيان أحمقان من القوالب الاجتماعية حول العالم ومن نفسَيهما. كذلك فإن هذه السلسلة الشهيرة من الأفلام تعتمد على فكرة مسرح الفودفيل عندما كان العديد من المؤدِّين يتجولون بعروضهم عبر البلاد. وخلال الحرب العالمية الثانية، نقل المؤدون الأمريكيون عروضهم إلى الطرق في أوروبا والمحيط الهادي للترفيه عن الجنود. وكان أول عرض لهوب أثناء الحرب لصالح منظمات الخدمة المتحدة في المغرب. حذت هوليوود حذوهم بتقديم أفلام ترفيهية وطنية مثل «هذا هو الجيش» («ذيس إز ذي آرمي»، ١٩٤٣) الذي سماه ستيفن كوهان «العرض المتنقل العسكري المثالي».10

بالطبع لم تكن الحرب نفسها تشبه العمل الترفيهي بأي شكل من الأشكال؛ فبوقت عودة الجنود إلى وطنهم، كانوا قد اكتسبوا قدرًا كبيرًا من الاستخفاف بالحياة وانعدام الثقة. فانعكست هذه النظرة الأكثر قتامة في القصص والأسلوب البصري لأفلام النوار، وهو نوع سينمائي ظهر في الأربعينيات والخمسينيات. كان أبطال أفلام مثل «إنهم يقودون ليلًا» لراءول والش و«انعطاف» لإدجار أولمر عادةً ما يكونون رجالًا متوترين ومهووسين بل حتى مصابين بجنون الارتياب. وكقاعدة، فإن البطلات في هذه الأفلام يكنَّ حسناوات فاتنات وغامضات لا يمكن الوثوق بهن. وتكون قصص أفلام النوار ملتوية مثل الشوارع التي تقود أبطالها إلى أعماق شباك غامضة من الخطر والإغراء، بنحو مضاد للمساحات الجيدة الإضاءة للطريق السريع. تعرض هذه القصص عالمًا ليليًّا من الوسائل المرئية المشوشة والإضاءة الخافتة حيث دائمًا ما تكون السماء تقريبًا تمطر أو على وشك الإمطار. نرى هذا مرارًا في فيلم والش حيث يقود السائقون المرهقون والباحثون بشدة عن المال طوال الليل خلال كل أشكال الطقس. وفي أحد المشاهد الليلية المتوترة، يلاحظ جورج رافت شاحنة أخرى تنحرف على الطريق يمنة ويسرة ويسرع محاولًا في مرواغة أن يوقظ السائق. وبينما يتوقف هو وبوجارت بجانب الشاحنة المهتزة، يريان زوجًا من المصابيح الأمامية يتجهان نحوهما في نفس الجادة التي يقفان فيها، وهو ما يمثل عيون الموت في كابوس كل سائق. يبدأ فيلم «انعطاف» بشَارَة البداية موضوعة فوق الصورة المتحركة لطريق سريع مهجور والخط الأبيض المنقوط يُرى على امتداد البصر ميلًا بعد ميل. ثم تُظلم الشاشة ويخرج من الظلام رجل يمشي متثاقلًا على طول الطريق ووجهه خالٍ من أي تعبير. ينتحل آل (الذي يقوم بدوره توم نيل)، وهو مسافر بالمجان من نيويورك إلى لوس أنجلوس ليلتقي بحبيبته، شخصية رجل يسمح له بالسفر معه، ولاحقًا يتعرض آل لابتزاز فيرا (التي تقوم بدورها آن سافيدج) وهي امرأة صعبة المراس تكشف حقيقته. وبالإضافة إلى السمات المميزة لأفلام النوار، فإن فيلم «انعطاف» يعرض العديد من السمات الأسلوبية لفيلم الطريق الكلاسيكي؛ إذ يُظهِر تتابعٌ من المشاهد المُرَكَّبة فوق خريطة لأحد الشوارع آل وهو يسافر بالمجان، حيث نراه يتجه غربًا ويرفع إبهامه مشيرًا إلى السيارات وهو يهذي عن الشرور التي يجلبها المال ومخاطر الحياة على الطريق. لاحقًا، عندما يتولى القيادة بصحبة فيرا، تستكشف الكاميرا التفاعل بينهما من كل الزوايا وينعكس وَجْهاهُما في المرايا الجانبية والخلفية كما لو كانت كل وجهة نظر تعرض بعدًا نفسيًّا جديدًا.

من بين كل الأنواع السينمائية التي تسبق وتمهد لفيلم الطريق الكلاسيكي لا يوجد ما هو أكثر أهمية من أفلام الغرب الأمريكي، وهو النوع السينمائي الذي صاغ الأسطورة الكبرى للتخوم الأمريكية. يُظهر فيلم «الراكب البسيط» امتنانه لأصوله التي ترجع إلى أفلام الغرب الأمريكي بعدة طرق؛ إذ يعود اسم وايت وملابسه إلى أيام رجل القانون الشهير وايت إيرب، بينما يستدعي اسم بيلي الأسطورة الرومانسية للخارج عن القانون «الولد بيلي». يبدأ فيلم هوبر في بلدة على الحدود المكسيكية ويقارن مشهدٌ في بداية الفيلم بين فن صناعة حدوة الحصان وصيانة الدراجات النارية. ومثل العديد من الأمريكيين، نشأ هوبر على قصص رعاة البقر والهنود وخاصة نسخة جون فورد السينمائية الشهيرة من الأسطورة. يسرد فيلم «عربة الجياد» (١٩٣٩) لفورد الرحلة المحفوفة بالمخاطر لعربة مسافرين تجرها الخيول خلال أراضي هنود الأباتشي العدائيين. بينما تسافر العربة من بلدة هادئة في ولاية أريزونا إلى نقطة حدود في ولاية نيو مكسيكو، نتعرف على المسافرين الذين يمثلون نسخة مصغرة من مجتمع التخوم الأمريكية؛ فبالإضافة إلى السائق وحارسه ذي البندقية، هناك مصرفي معتد بذاته وسيدة مسيحية مترفِّعة ورجل جنوبي مهذب كَيِّس وبائع ويسكي خنوع وطبيب مدمن للكحوليات وعاهرة طيبة القلب وزوجة ضابط من سلاح الفرسان حبلى. تتركهم فرقة من سلاح الفرسان كانت ترافقهم، وفي طريقهم يلتقون بالخارج عن القانون، جون واين، في دور «الولد رينجو» الذي دفعه لمصاف النجوم. وكلما تعمق المسافرون في البرِّية، زالت طبقات الحضارة وكشفت عن حقيقة كل فرد منهم. يمنح فورد هذه الشخصيات أهمية اجتماعية وبعض العمق النفسي، لكنه يعامل الهنود كجزء من الخلفية الغريبة كأهداف متحركة على خلفية الهضبات المستوية المهيبة التي تملأ الصحراء. في فيلم «الباحثون» (١٩٥٦)، يعطي فورد للهنود الحمر دورًا أكثر أهمية في الدراما، رغم أن افتتانه بالمناظر الطبيعية يبقى ثابتًا. في هذا الفيلم، يلعب جون واين دور محارب محنك سابق شارك في الحرب الأهلية يسعى للعثور على ديبي، ابنة أخيه المخطوفة، والانتقام من ذبح الهنود لعائلتها بالكامل. يدور معظم أحداث «الباحثون» على الطريق. إن شخصية واين، إيثان، رحَّالة مثل هنود الكومانشي الذين يتتبعهم. ورغم أن هدف سعيه هو إرجاع ديبي إلى منزلها، فإن هذا يتركه في النهاية وحيدًا ومشردًا. ومثل أفلام الغرب الأمريكي هذه أتاحت لفورد ومخرجين آخرين الفرصة لتطوير تفسيرات مجازية لفكرة الرحلة مع صقل الطرق السينمائية التي أثبتت أنها مناسبة جدًّا لفيلم الطريق، مثل كيفية تصوير مركبة سائرة مقابل مشهد طبيعي متغيِّر باستمرار.

بمرور الوقت، أصبحت وسائل التنقل ميكانيكية وأصبح المشهد الطبيعي ثابتًا بنحو أكبر. وبحلول الخمسينيات من القرن العشرين، كان قدامى المحاربين وعائلاتهم يؤسسون مجتمعات جديدة عبر جميع أراضي أمريكا ويحتفون بمتع الحياة المنزلية. لكن هذا التركيز المحلي على الحياة المنزلية لم يكن يعني أن الأمريكيين تخلوا عن الطريق. فبحلول عام ١٩٥٣، أصبحت أمريكا تمتلك ٦ بالمائة من تعداد سكان العالم و٦٠ بالمائة من سياراته.11 وبدأ السفر والتلفزيون في منافسة السينما في الحصول على دولارات المستهلكين من الطبقة المتوسطة. ردت هوليوود على هذا التحدي بأفلام مثل «المقطورة الطويلة جدًّا» الذي قام ببطولته نجمان من نجوم التلفزيون وهما لوسيل بول وديسي أرناز اللذان يصطحبان بيتهما معهما على الطريق. كان بيتهما المتحرك الذي يبلغ طوله ٤٠ قدمًا من بنات أفكار تايسي المتزوجة حديثًا من نيك، التي تريد أن تكون بصحبة زوجها أثناء سفره بسبب وظيفته. تُعتبر محاولة القيام بدور ربة المنزل المثالية في مطبخ متحرك وصفة كوميدية ناجحة للكوارث؛ فالمشهد الذي تحاول فيه تايسي صنع سلطة سيزر والمقطورة تتقافز فوق الطرق الوعرة يُعتبر مشهدًا مميزًا للوسيل بول. وبامتلاء الفيلم بالمواقف العاثرة المضحكة وصور المكانة الاجتماعية (إذ تملأ تايسي المقطورة باهظة الثمن بأدوات مطبخ لامعة وملابس فاخرة)، فإنه يُعتبر احتفاءً جذلًا بالنزعة الاستهلاكية والمُثل العائلية التي لم يمر وقت طويل قبل أن تنتقدها أفلام الطريق الخاصة بالثقافة المضادة. كان أبطال هذا النوع السينمائي الفرعي الصاعد يفضلون الدراجات النارية على البيوت المتنقلة. وجُسِّد انجذابهم للتخوم البرِّية في «الجامح»، وهو فيلم ساعد في شهرة مارلون براندو ووضع راكبي الدراجات النارية على خريطة السينما. يظهر طريق سفر وراء شارة بداية الفيلم بينما نلاحظ بالكاد من بعيد مجموعة من المركبات القادمة نحونا. يزيد حجم راكبي الدراجات ببطء في لقطة طويلة جدًّا، ثم فجأة يسرعون بينما تزأر محركاتنا الغاضبة متجاوزين إيانا فوق الأسفلت على طول جانبَي الخط المدهون على الأرض. في مقدمتهم يأتي جوني (الذي يقوم بدوره براندو) والذي يبدو واثقًا وهادئًا في معطف جلدي أسود وسالفَين ونظارات شمسية وقبعة مائلة. بعد قليل، يقود جوني أعضاء نادي الثوار السود للدراجات النارية إلى داخل المدينة ونحو إحداث المشكلات. راكبو الدراجات النارية هؤلاء ثوار بلا قضية ولا يعبرون عن دوافعهم أو أحاسيسهم. عندما يسأل أحدهم جوني ما الذي يتمرد ضده، يرد ردًّا فظًّا مقتضبًا: «ما الذي لديك [كي أتمرد ضده]؟» يبدو أزيز محرك دراجته النارية كما لو كان يعبر عنه وعن عُصبته. وبهذا الدمج بين أبطال الطريق المتمردين مقتضبي الحديث وبين دراجاتهم النارية المتحدية، مهد فيلم «الجامح» لظهور سلسلة كاملة من أفلام الطريق والدراجات النارية التي أدت إلى ظهور فيلم «الراكب البسيط» وما تلاه من أفلام مماثلة.

إن جوني وعُصبته من الثوار السود، مقارنة بإخوانهم اللاحقين، مثل المجرمين من راكبي الدراجات النارية الأستراليين في فيلم «ماكس المجنون» (١٩٧٩)، يبدون غير مؤذين نسبيًّا، ومشاكسين أكثر من كونهم مصدر خطر. وكذلك الحال بالنسبة إلى عصابة ملائكة الجحيم في فيلم الاستغلال «الملائكة الجامحون» («ذا وايلد إنجيلز»، ١٩٦٦) لروجر كورمان. أضاف كورمان، أستاذ صناعة الأفلام ذات الميزانيات المنخفضة لسوق الشباب، المخدرات والجنس والروك آند رول لخلطة الأحداث الجانحين من راكبي دراجات الهارلي النارية. يقوم بيتر فوندا بدور هيفينلي بلوز، وهو راكب دراجة نارية آخر لا يعبر عن مشاعره، وتقوم نانسي سيناترا بدور حبيبته. يقارن المشهد الأول في الفيلم بين أسلوب بلوز وأسلوب حياته الخالي من الهم والقيود المنزلية للحياة في الضواحي. فهناك ربة منزل تركض خلف طفلها الذي يركب دراجة ثلاثية العجلات الذي يتجاوز حد الأمان الذي يمثله سياج المنزل، وتلحق به مباشرة قبل أن يصطدم بمقدمة دراجة نارية. وتهزه باكية: «لا، لا، لا.» ثم تنظر نظرة خاطفة إلى أعلى بينما تدور الكاميرا لتُظهر بلوز جالسًا على صهوة دراجته النارية من نوع الهارلي وسيجارة تتدلى من فمه. يطفئ بلوز السيجارة (أو ربما كانت سيجارة مخدرات) ويدير محرك دراجته وينطلق على الطريق السريع بينما يعود الطفل إلى سجنه ذي البوابة. يتضح أن بلوز متجه لحضور احتفال لمجموعة من المتمردين الشباب، إناث وذكور، يرقصون وينثرون المياه بعضهم على بعض وهم نصف عرايا في أحد الأنهار. الهدف من وراء هذا المشهد هو إظهار صورة للمتعة من دون قيود. في عام ١٩٦٧، أخرج كورمان فيلم «الرحلة» («ذا تريب») وفيه يتناول بيتر فوندا أول جرعاته من عقار للهلوسة. بتتابعات مشاهد الهلوسة، وسيناريو كتبه جاك نيكلسون ودور مساعد يقوم به دينيس هوبر، يأخذ فيلم «الرحلة» خطوة أخرى في الطريق المؤدي إلى فيلم «الراكب البسيط».

أُنتج عام ١٩٦٧ فيلم آخر أكثر أهمية في تطور النوع السينمائي الخاص بأفلام الطريق. ربما يقول البعض إن فيلم «بوني وكلايد» في نفس أهمية فيلم «الراكب البسيط»؛ بل ويدَّعي الكثيرون أنه أفضل. على أي حال، فإن معالجة آرثر بين لكلايد بارو وبوني باركر، الرفيقَين الخارجَين عن القانون الأسطوريَّين في عقد الثلاثينيات، وضعت أفلام الطريق في مسار جديد. أعطى بين الأسطورة طابعًا رومانسيًّا عندما أسند الدورَين الرئيسيَّين إلى وارين بيتي وفاي دوناواي؛ فقد دمج بِين قصتهما بالوعي الاجتماعي بفترة الكساد الكبير، جاعلًا ما يقومان به ملائمًا لمشاعر عامة الشعب في مواجهة البنوك الكبرى والقانون. والأكثر أهمية أنه نشر صورة معينة للرفيقَين الخارجَين عن القانون أثناء ترحالهما على الطريق.

لم يكن بوني وكلايد أول رفيقَين يظهران على شاشة السينما حاملَين للسلاح ومحبَّين للتنقل؛ فقبل ذلك بعشرين عامًا تقريبًا، صنع جون إتش لويس فيلم إثارة له جماعاته الخاصة من المعجبين، وهو «مجنونان بالأسلحة» («جَنْ كريزي»، ١٩٥٠)، وهو فيلم نوار مثير تخطى عقبة ميزانيته المنخفضة بطاقة جنسية عنيفة وصور أخَّاذة ولافتة للنظر. عندما يلتقي بارت بآني في مسابقة للرماية، فإن انجذابهما أحدهما للآخر وحبهما للأسلحة وتوقهما للأشياء المادية الجيدة في الحياة يضعهما على طريق الجريمة والسعي الفاشل وراء الحلم الأمريكي. كان فيلم «مجنونان بالأسلحة» إنجازًا جريئًا في زمنه، لكن استقبال الجمهور له لا يمكن مقارنته بالأثر الذي أحدثه فيلم «بوني وكلايد»؛ فقد حقق فيلم بين شهرة واسعة وأدى إلى جدل نقدي جاد حوله وحقق عوائد ضخمة في شباك التذاكر. فقد عكس الفيلم روح الثقافة المضادة في الستينيات وكان سابقة لسلسلة طويلة من أفلام الطريق التي أبطالها من الخارجين عن القانون، بداية من «الأراضي الوعرة» («بادلاندز»، ١٩٧٣) وحتى «قتلة بالفطرة» («ناتشورال بورن كيلرز»، ١٩٩٤).

يفتتح بين الفيلم بلقطة مقربة جدًّا لشفاه بوني الملونة بلون الكرز. تتبع كاميرته المتحركة حركاتها المضطربة بينما تتململ في حدود غرفة نومها. وبالتبادل بين قطع سريع ولقطات طويلة بطيئة، نلمحها وهي تحدق في السقف المائل وتمسح بعينَيها صورتها العارية في المرآة وتطرق بيدَيها على قضبان السرير التي تشبه قضبان السجن بينما شهوانيتها المكبوتة على وشك الانفجار. بعد لحظات من رؤيتها لكلايد — الذي يشرع في سرقة سيارة والدتها — من خلال النافذة، تخرج لتقف جانبه ويشربان الكولا معًا من زجاجتَين ذاتَي عنق طويل، متحدية إياه أن يُثبت لها أنه قضى مدة في السجن بسبب سطو مسلح. باندفاع، يشهر كلايد مسدسه ويضعه بجانب فخذه في حركة موحية بينما ينظر بعيدًا ويلاعب عود ثقاب بين شفتَيه. بوني مفتونة به، وتمد يدها متحدية إياه أن يستخدم المسدس. يقول كلايد هامسًا: «حسنًا، انتظري هنا وابقَي منتبهة.» نرى السطو المسلح من خلال لقطة بعيدة جدًّا لشارع ترابي مهجور. وقبل أن ينتهي المشهد، نراهما يرحلان معًا في سيارة الهروب تاركين وراءهما صفًّا من ملصقات للرئيس فرانكلين روزفلت معلقة على السياج (شكل ٤-٦). إن ما يبدأ كنزوة يتحول إلى مهنة وقضية. يتنقل الاثنان ما بين السرقات الصغيرة والسطو على البنوك، وتحرضهما الصحافة التي تمجدهما كتجسيد لروبن هود العصر الحديث كمساعدين للفقراء ومواجهين لمؤسسات الدولة. وأثناء رحلتهما، يصحبهما ميكانيكي سيارات وشقيق كلايد وزوجته مكوِّنين عصابة «آل بارو». لكن الرحلة السعيدة لا يمكن أن تستمر إلى الأبد؛ إذ تتدهور العلاقات وتصبح الأفعال أكثر عنفًا، وتنتهي الرحلة بأحد أشهر مشاهد الكمين في تاريخ السينما؛ ففي تتابُع مشاهدَ شبيهٍ بالباليه لقطعات مونتاجية سريعة جدًّا وتصوير بطيء، تمطر الرصاصات جسدَي بوني وكلايد اللذين ينتفضان مع كل طلقة. كما يمتلئ جسد سيارتهما بثقوب الرصاص مما يذكرنا بدورها في مثلث الحب المميت.

figure
شكل ٤-٦: يمزج فيلم «بوني وكلايد» (آرثر بين، ١٩٦٧) بين عناصر من أفلام حقبة الكساد الكبير وأفلام العصابات وأفلام النوار والموجة الفرنسية الجديدة مؤسسًا لمسار جديد لأفلام الطريق: عشاق حاملون للأسلحة يتنقلون من مكان لآخر هربًا من العدالة.

من الناحية الأسلوبية والفكرية، من السهل رؤية ما يستعيره بين من هوليوود عن طريق الموجة الفرنسية الجديدة. يجمع «بوني وكلايد» بين عناصر من أفلام حقبة الكساد الكبير وأفلام العصابات وأفلام النوار داعمًا القصة بإضاءة قوية ومونتاج سريع الإيقاع وموسيقى بانجو مبهجة، مضيفًا قطع مونتاج مفاجئًا أنيقًا وتصويرًا بكاميرا محمولة مستوحًى من جان لوك جودار. يقدم لنا بِين رؤية للطريق كمهرب كبير نحو المغامرة والسحر والشهرة، بجانب كونه كذلك أداة للنقد الثقافي والبراعة السينمائية.

(٦) السبعينيات: الرحلات الوجودية

بحلول أوائل السبعينيات، كان من الواضح أن جيلًا جديدًا من المخرجين تولى القيادة. أدرك هؤلاء الشباب الموهوبون الجريئون كيف يصلون إلى جمهور جديد كانت هوليوود تسعى وراءه. أتقن بعضهم الحرفة من خلال العمل في الأستديوهات، بينما تخرَّج البعض الآخر في كليات السينما الأمريكية وحصلوا على الخبرة العملية في مواقع تصوير أفلام روجر كورمان. كان دينيس هوبر ينتمي إلى المجموعة الثانية، وكذلك تيرينس ماليك وفرانسيس فورد كوبولا وستيفن سبيلبرج، وباستلهامهم نجاحَ فيلمَي «بوني وكلايد» و«الراكب البسيط»، جرَّب جميعهم تقريبًا صنْعَ أفلامَ طريق؛ ففي فيلم «الأراضي الوعرة» (١٩٧٣) من إخراج تيرينس ماليك، يحاول رفيقان من الخارجين عن القانون (مارتن شين وسيسي سبيسيك) التنقل من ولاية لولاية أثناء الانخراط في سلسلة من عمليات القتل الطائش. وفي فيلم «بشر المطر» («ذا رين بيبول»، ١٩٦٩) للمخرج فرانسيس فورد كوبولا، تهجر امرأة حامل (شيرلي نايت) زوجها وتبدأ رحلة عبر البلاد. وفي فيلم «قطار شوجرلاند السريع» («ذا شوجرلاند إكسبريس»، ١٩٧٥) للمخرج ستيفن سبيلبرج، تساعد امرأة أخرى (جولدي هون) زوجَها في الهروبِ من السجن وتجنُّبِ الوقوع في قبضة القانون، آملَيْن في إنقاذ ابنهما وعدم التحاقه بدار لرعاية الأطفال.

يصنف ديفيد لادرمان هذه الأفلام وغيرها من أفلام الطريق الخاصة بتلك الحقبة باعتبارها تنويعات على فكرتَين: السعي وراء الحرية، والرفيقَين الخارجَين عن القانون. ومع استخدام لادرمان مصطلحاتِ توماس شاتس لوصف تطوُّر الأنواع السينمائية، فإنه يعتبِر كلًّا من «الراكب البسيط» و«بوني وكلايد» لحظتَين مُميِّزتَين في «المرحلة التجريبية» للنوع السينمائي الخاص بأفلام الطريق، وهي المرحلة التي يبدأ فيها الأبطال والأفكار والقصص وتقاليد صناعة الأفلام في الالتحام معًا لتكوين شكل مميز.12 وطبقًا للادرمان، تبدأ «المرحلة الكلاسيكية» لهذا النوع السينمائي في بداية السبعينيات، عندما أصبحت أفلام الطريق نوعًا مستقلًّا بذاته. وبتدهور مثالية الستينيات خلال عقد السبعينيات وتبنِّي الأفلام الأمريكية أساليبَ وإدراكاتِ السينما الأوروبية في حقبةِ ما بعد الحرب، اتخذت أفلام الطريق شكلًا أكثر تشاؤمًا مبتعدةً عن النقد الاجتماعي المتفائل نحو نظرات أكثر قتامةً تقوم على القلق الوجودي. وبدأت تلك الأفلام تشبه الرحلات النفسية لبيرجمان وكلوزو وفيلِّيني خلال مشاهدَ طبيعيةٍ مجازية بحثًا عن المعنى.

قليل من المخرجين سافَرَ على الطريق بين أوروبا وأمريكا بنفس الاهتمام والوعي اللذين لدى المخرج الألماني فيم فيندرز، الذي استكشف هذا النوعَ الفني على جانبَي المحيط الأطلسي. ومثل جودار، كان فيندرز مهتمًّا بالثقافة الأمريكية ويستخدم السيارةَ لنقدِ ما يراه نزعةً عالميةً خطيرة نحو التنقل والسرعة. وتُعتبَر أفلام فيندرز تأملاتٍ استبطانيةً متأنية ودقيقة، ففي فيلم «ملوك الطريق» («كينجز أوف ذا رود»، ١٩٧٦)، يلتقي رجلان عندما يحاول أحدهما إغراقَ نفسه بقيادة سيارته الخنفساء من نوع الفولكس فاجن دونَ تردُّد باتجاه بحيرة. ينضمُّ روبرت (الذي يقوم بدوره هانس زيشلر) الذي كان راغبًا في الانتحار إلى برونو (الذي يقوم بدوره روديجَر فوجلر) وهو ميكانيكي متنقل يُصلِح عارضات الأفلام، ويبدأ الاثنان رحلةً معًا خلال بلدات الحدود في الألمانيتَين الشرقية والغربية. وعلى الرغم من أن كلًّا منهما من خلفية مختلفة تمامًا، فإنهما يتشاركان حبَّ موسيقى البوب وغير ذلك الكثير من الأمور. وكلٌّ منهما رحَّالة وحيد تمتلئ روحه بالندوب العاطفية، وهما بعيدان عن النساء واستقرار المنزل. وهما يتحدثان بالإيماءات بنحوٍ أكبر من الكلمات؛ فالسفر والقيام بالأشياء بديلان للمحادثة. كان افتقادهما الاتجاهَ الواضح وعدم التأكد بشأن المستقبل من المشكلات المألوفة للشباب الألماني في تلك الحقبة؛ فيندرز نفسه تنقَّلَ من الطب إلى الفلسفة والفن قبل أن تصبح صناعةُ الأفلام هي مهنته. وبينما يتجول بطلا الفيلم خلال المشهد الكئيب لأوروبا ما بعد الحرب، نشعر بتعبهما وقلقهما. وفي دور عرض الأفلام الخَرِبة التي يزورانها، تحل الأفلام الهوليوودية محل التراث العظيم للسينما الألمانية. وهناك شظايا من الثقافة الأمريكية في كل مكان. يقول شخص ما: «لقد استعمر الأمريكيون لاوَعْينا.» كان فيلم «ملوك الطريق» آخِرَ وأفضلَ فيلمٍ في ثلاثية فيندرز باللغة الألمانية عن الطريق، التي تتضمن «أليس في المدن» («أليس إن ذا سيتيز»، ١٩٧٣)، و«خطوة خاطئة» («رونج موف»، ١٩٧٤)، لكن فيندرز قدَّمَ أفلامَ طريقٍ لاحقًا في أمريكا نفسها، وأبرزُ مثالٍ هو فيلم «باريس، تكساس» (١٩٨٤). الإحساس الشاعري لفيندرز والصور الملهمة للمصور السينمائي الخاص به روبي مولر ساعَدَا في إطلاقِ موجةِ السينما الألمانية الجديدة، وتركا علامتهما على جيلٍ من المخرجين في أمريكا وعبر العالم.

figure
شكل ٤-٧: شخصان منبوذان اجتماعيًّا يهيمان في الطبيعة المُقفِرة في قلب أمريكا في فيلم «الأراضي الوَعِرة» (تيرانس ماليك، ١٩٧٣) الذي جلب النغمةَ الوجودية لأفلام الطريق الأوروبية إلى الولايات المتحدة.

في فيلم «الأراضي الوعرة»، المشهد الطبيعي هو السهول المفتوحة التي تمتد من ولاية داكوتا الجنوبية وحتى ولاية مونتانا. تقع معظم الأحداث بعيدًا عن الطرق الرئيسية في الغابات المنعزلة والبراري التي لا يمكن تمييزها، والتي يمكن للهاربين الاختباءُ بها. تتبادل الكاميرا عرضَ لقطات مقرَّبة للحياة الحيوانية والنباتية ولقطات بانورامية رائعة توضح جمالَ هذه الأرض وكذلك قفرها المثير للرهبة (شكل ٤-٧). تسبِر كاميرا ماليك الخواءَ المرعب في قلب الأراضي الأمريكية، وهو خواء مادي وأخلاقي في نفس الوقت، وهو أمرٌ يُلمح إليه عنوان الفيلم. هذا الخواء ينعكس في شخصيتَي الفيلم الرئيسيتَين: كيت (الذي يقوم بدوره مارتن شين)، وهولي (التي تقوم بدورها سيسي سبيسيك). تبدأ رحلة كيت في شاحنة قمامة وتنتهي بمطاردة سريعة الإيقاع جدًّا مع الشرطة. كإنسان، يُعتبَر كيت لغزًا؛ فهو ضعيف الإدراك بذاته والتفكير فيها بنفس القدر. وباتسامه بالاندفاع وعجزه عن التعبير عن نفسه، يمكن أن يكون لطيفًا بنحو مُربك في لحظة، وعنيفًا بنحو مميت في اللحظة التالية. تصفه هولي بأنه «شديد التهور»، لكنه يبدو منفصلًا بنحو غريب عن أفعاله وعواطفه. كذلك، فإن هولي تبدو منفصلةً عن مشاعرها، لكن بنحوٍ مضاد لتلعثُم كيت في الحديث، تحتفظ هي بدفتر يوميات مليء بمقاطِعَ شاعريةٍ من الكتب الرومانسية التي قرأتها. إن المقاطع التي تقرؤها هولي بصوتٍ عالٍ كرواية للفيلم معبِّرة وشاعرية في الأغلب على الرغم من أن صوتها فاترٌ وخالٍ من العاطفة.

اقتبس ماليك فيلمه بنحو حر من قصة حقيقية لشاب في التاسعة عشرة قتل عائلةَ عشيقته ذات الأربعة عشر عامًا عام ١٩٥٨ واصطحبها في سلسلة من عمليات القتل الطائش. رحلتهما معًا كرفيقَين هاربَين قائمةٌ بنحوٍ جزئي على نموذج بوني وكلايد، وكذلك انشغالهما بالشهرة. يُقارن كيت مرتين بجيمس دين، ومثل كلايد، من الواضح استمتاعه بما يظن أنه مكانة أسطورية، مقيمًا نُصُبًا تذكاريًّا من الحجر لنفسه عندما يُقبَض عليه، وموزعًا التذكارات عندما تُجرَى المقابلات معه؛ لذا فإن شخصية كيت تحتل مكانها في سلسلة طويلة من الذكور النرجسيين (بجانب شخصيات أدَّاها براندو ودين وهوبر وبيتي) الذين يعانون للعثور على أنفسهم ووطن لهم. يضع ماليك في الفيلم كذلك تلميحاتٍ مُدرَكةً لأفلام الغرب الأمريكي وأفلام الأحداث الجانحين الخاصة بالخمسينيات، وحتى أفلام الكوميديا التهريجية، لكن أقوى انجذابه هو إلى المخرجَين الأوروبيَّين ذوَيِ الأسلوبِ الخاص. تبحث شخصياته المغتربة عن الراحة من نوعٍ من القلق الوجودي، ولكن مثل ميشيل في فيلم «منقطع الأنفاس»، يتضح أن رؤية كيت هوسيةٌ أكثرُ منها رومانسية. ومثل بيلي في فيلم «الراكب البسيط»، فإنه لا يهدأ بنحو لا يمنحه منزلًا حقيقيًّا. إن منزل الشجرة السعيد الذي يبنيه كيت من أجل هولي في الغابة هو وهمٌ من كتب الأطفال ومحطةُ استراحةٍ مؤقتة. أما الصور الأخرى للمنازل — كوخ البراري المهجور الخاص بصديقه، وبيت الرجل الغني، ومنزل والد هولي الذي يحرقه على بَكْرةِ أبيه — فتفتحُ الطريقَ لمزيدٍ من حالات التنقل المُلحِّ الذي يكون دون هدف.

إذا كان فيلم «الأراضي الوعرة» تبدو دوافعه أكثر مجازية وجمالية بنحو يختلف عن أفلام الطريق الأمريكية التي سبقته، فيجدر بنا تذكُّر أن ماليك درَسَ الفلسفةَ في جامعتَي هارفرد وأكسفورد قبل التحاقه بمعهد الفيلم الأمريكي. فمشهدًا تلو الآخر، تتفوَّق النبرةُ العامة والمجازُ على القصة أو الشخصيات أو النقد الاجتماعي؛ فعندما يحرق كيت منزل هولي، تلفُّ النيرانُ البيانو الخاصَّ بها ودُماها وسريرَها وجسدَ والدها في تركيبٍ لصور متتابعة باللون البني الداكن فائقة الجمال. وعندما يبنيان منزلَ الشجرة في أيكة الصفصاف، فإن درجات الألوان والتراكيب في الغابة مفصلة بامتياز. وقبل القبض على كيت، يرقص كلاهما ببطء في الوهج الخفيف الصادر عن مصابيح السيارة الأمامية على أغنية «سقوط زهرة» لنات كينج كول، التي من بين كلماتها: «الحلم انتهى لأن الحب الحقيقي يموت.» ولكل لحظة، يتحطم المزاج العام بنحو حتمي بسبب نداء الطريق. وعلى الرغم من أن ماليك كتَبَ وأخرَجَ وأنتَجَ «الأراضي الوعرة» بنحو مستقل وبميزانية منخفضة، فقد نجحت وارنر برذارز في شراء حقوق توزيع الفيلم. كانت أفلامُ ماليك التاليةُ قليلةً، وبين أحدها والآخر فتراتٌ طويلة، لكنَّ تأثيره وأصالته كانا طويلَي الأمد.

(٧) الثمانينيات: أفلام السباق الكوميدية والمعارضة ما بعد الحداثية

حتى قبل النجاح التجاري الذي حققه فيلم «سباق كانونبول» بجزأيه الأول والثاني عامَي ١٩٨١ و١٩٨٤، كانت هوليوود تجرب وصفة الأفلام الكوميدية التي تقوم على السباقات عبر البلاد لجذب الجمهور إلى دور العرض؛ ففي عام ١٩٦٣، استعان أستديو إم جي إم بستانلي كرايمر، وهو مخرج أفلام «جادة ذات رسالة»، لصنع فيلم «إنه عالم مجنون مجنون مجنون مجنون» («إتس آ ماد ماد ماد ماد وورلد»). تتضمن قصة الفيلم الهزلية مجموعةً من الغرباء الذين يلتقون صدفةً، ويسابق بعضهم بعضًا عبر جنوب كاليفورنيا ونيفادا للعثور على مبلغ من النقود المسروقة. راهن الأستديو على ميزانية ضخمة وطاقم مليء بالنجوم وأبعاد الشاشة العملاقة للسينيراما لجذب الجمهور من التلفزيون. إن العديد من العناصر المميزة لأفلام أستديو إم جي إم، مثل: الكوميديا الخشنة، وتحطُّم السيارات، والسرعة العالية، والرغبة الفوضوية المصمِّمة على التفوُّق على القانون؛ تظهر مجددًا في فيلم «سباق جامبول» («جامبول رالي»، ١٩٧٦) لتشارلز بايل، وهو تعاوُنٌ أرخصُ بكثير بين فيرست أرتيستس ووارنر براذرز. تبدأ الفِرَق العشر المتنافسة سباقًا غيرَ قانوني على الطريق من مدينة نيويورك وحتى لونج بيتش في كاليفورنيا، ويطاردهم ملازمُ شرطة متعصِّبٌ من شرطة لوس أنجلوس. لا يوجد حدود للسرعة أو محولات حفَّازة أو قواعد فيما عدا «القاعدة الأولى للقيادة الإيطالية» التي يتفوَّه بها راءول خوليا بنحوٍ لا يُنسَى بينما يتخلَّص من المرآة الخلفية الخاصة بسيارته: «ما ورائي لا يهم.»

تستثمر أفلامٌ مثل «سباق كانونبول» و«سباق جامبول» و«عطلة» («فيكيشن»، ١٩٨٣) الجانبَ الكوميدي من رحلة القيادة، موجِّهةً النوعَ السينمائي لأفلام الطريق نحو الطريق السهل للترفيه. لكن عقد الثمانينيات كان له أفلامه الجادة كذلك؛ فقد ظهر فيلم «طائرات وقطارات وسيارات» («بلينز، ترينز آند أوتوموبيلز»، ١٩٨٧)، وهو العام الذي انهارت فيه البورصة. أخرج الفيلم جون هيوز وقام ببطولته ستيف مارتن في دور نيل بيدج، وهو رجل أعمال نشيط تفُوته رحلتُه بالطائرة، وينتهي به الحال إلى السفر في الدرجة السياحية بصحبة بائع حلقات ستائر حمام أخرقَ يُسمَّى ديل جريفيث (الذي يقوم بدوره جون كاندي). في البداية، يبدو ديل فاشلًا، لكن يكتشف نيل في النهاية أنه مسافر ماهر له العديد من الأصدقاء وينتهي الحال بالرجلَين بمشاركةِ عشاءٍ عائلي في عيد الشكر. تسرِي فكرةٌ مشابِهة في فيلم «رجل المطر» («رين مان»، ١٩٨٨)، الذي يُضطَر فيه شابٌّ أناني ناجح مهنيًّا يُسمَّى تشارلي بابيت (الذي يقوم بدوره توم كروز) إلى اصطحاب شقيقه الأصغر المصاب بالتوحُّد رايموند (الذي يقوم بدوره داستين هوفمان) في رحلة عبر البلاد في سيارة بويك رودماستر. تُعتبَر أفعال رايموند الغريبة وذاكرته الاستثنائية مصادرَ دائمةً لإحباطِ وذهولِ تشارلي، لكن الرحلة تصبح فرصةً لتقوية الرابط بينهما. وعندما يصل الشقيقان إلى وجهتهما، يكونان قد وجد كلٌّ منهما في الآخر عائلته المفقودة. هذا الانشغال بالعائلة واستعادة قِيَم المنزل يعكسان هدفًا لحملة ترشح رونالد ريجان للرئاسة، الذي تولى منصب رئيس البلاد معظم سنين العقد. يظهر هذا بنحو بارز في فيلم «العودة إلى المستقبل» (١٩٨٥)؛ حيث تُعتبر رحلةُ السيارة في الزمان بدلًا من المكان؛ أيْ عودة إلى الماضي باشتياقٍ لصالح جمعِ شملِ أفراد العائلة معًا. وكما يوحي عنوان هذا الفيلم المحافِظ، فإن أفضل رؤية للطريق الآتي قُدُمًا ربما تكون في المرآة الخلفية.

يمزج فيلم «تربية أريزونا» («ريزينج أريزونا»، ١٩٨٧) بين العديد من هذه العناصر، وكونه نتاجًا للتعاون بين الأخوَين كوين (إذ أنتجه إيثان كوين وأخرجه جول كوين)، فإنه يتنقل بجنون بين الكوميديا السوداء والمحاكاة الساخرة العابثة. تحكي القصة عن رفيقَين آخرَين من الخارجين عن القانون وهما هربرت آي وإدوينا اللذان تعكس جريمتهما ولع تلك الحقبة بالعائلة. إذ يسرق هربرت وإدوينا طفلًا رضيعًا. هربرت (الذي يقوم بدوره نيكولاس كيدج) شخص قليل الحظ عالق في الباب الدوار لنظام العدالة الجنائية. إدوينا (التي تقوم بدورها هولي هانتر) هي الشرطية التي تلتقط صورته من أجل سجلات الشرطة. وفي مونتاج ساخر لمشاهد من أفلام الزفاف الرومانسية، يقعان في الحب ويتزوجان وينتقلان للعيش في مقطورة كخطوة أولى. لكن عندما تكتشف إدوينا أنها لا تستطيع الإنجاب، تضغط على هربرت لسرقة واحد من خمسة توائم وُلِدوا لناثان أريزونا وقد قرأت عنهم في الجرائد. إذا كانت تلميحات الفيلم الساخرة مؤشرًا على ما بعد الحداثة، فإن الأخوَين كوين بارعان في هذا الاتجاه. يمتلئ فيلم «تربية أريزونا» حتى آخره بتلميحات ماكرة لأفلام رعب ورسوم رود رانر المتحركة وأفلام الميلودراما وبالطبع أفلام الطريق. تأتي رؤيا هربرت الكابوسية للراكب الوحيد في نهاية العالم مباشرة من أحد أفلام سلسلة «ماكس المجنون». ربما كان أكثر مساهمات الأخوَين كوين أصالة لهذا النوع السينمائي هو صورة الطفل الرضيع، وهو جالس في منتصف الطريق السريع بينما تتجه مركبة بسرعة نحوه. ينظر لادرمان إلى هذا المشهد بوصفه «مجازًا بصريًّا ذكيًّا عن المعالجة الطفولية لأفلام الطريق في أواخر الثمانينيات».13 ربما يكون هذا صحيحًا، لكن معالجة الفيلم الكارتونية للثقافة الأمريكية تروق الطفل الموجود بداخلنا حتى عندما تسخر من تقبُّلنا القومي للعنف والنزعة الاستهلاكية. انظر إلى مشهد المطاردة في السوبر ماركت الذي يجري فيه هربرت وهو يحتضن صندوقًا مسروقًا من الحفاضات بينما يطارده موظفو المتجر المستعدون لإطلاق النار عليه. يتبعثر أثناء المطاردة الكثير من المنتجات من على الرفوف في طرقات المتجر، ويبدو أن الجميع يمتلكون مسدسات. أو انظر إلى المنزل الفاخر لناثان أريزونا وهو مليونير عصامي لديه أطفال رُضَّع أكثر مما يمكنه أن يتحمل ومال أكثر مما يحتاج. هل نُدين مظاهر الإفراط هذه أم ننادي بالمزيد من العنف والتشويه؟
في عام ١٩٨٤، صنع المخرج الأمريكي المستقل جيم جارموش فيلم «أغرب من الجنة» («سترينجر ذان برادايس») وهو تقديم ما بعد حداثي واعٍ لأفلام الطريق وصفه جارموش بسخرية بأنه «كوميديا سوداء شبه واقعية جديدة بأسلوب مخرج خيالي من شرق أوروبا مهووس بأفلام ياسوجيرو أوزو وملم بالمسلسل الأمريكي «العرسان» («ذا هاني مونرز») الذي كان يُعرض في الخمسينيات.»14 في نفس العام، أصدر فيندرز فيلم «باريس، تكساس» الذي صوره في جنوب غرب أمريكا. بعد بضع سنوات، اصطحب المخرج الفنلندي أكي كواريسماكي فرقة روك تخيلية من شرق أوروبا إلى الولايات المتحدة في فيلم «رعاة بقر لينينجراد يذهبون إلى أمريكا» («لينينجراد كاوبويز جو أميريكا»، ١٩٨٩). استكشف كل فيلم بطريقته الخاصة الطرق المتقاطعة بين أوروبا وأمريكا التي سلكها من قبل جودار وفيندرز وهيلمان. تدريجيًّا وبنحو مقصود أكثر، أصبحت أفلام الطريق عالمية.

يبدأ فيلم «باريس، تكساس» بلقطة جوية لصحراء تكساس حيث تستدعي هضابها الملونة للأذهان أفلام الغرب الأمريكي لجون فورد. وبعيدًا في الأسفل، هناك رجل يمشي وحيدًا يُدعى ترافيس (الذي يقوم بدوره هاري دين ستانتون) وهو ذو لحية كثيفة ويرتدي قبعة حمراء ورابطة عنق صفراء. عندما يُستدعى شقيقه والت (دين ستوكتون) من لوس أنجلوس ليصطحبه، نكتشف أن ترافيس مفقود منذ أربع سنوات. وبما أن ترافيس يرفض الطيران («لا أريد أن أترك الأرض»)، يسافر الرجلان بالسيارة وهي فرصة لتوثيق علاقتهما التي يفسدها صمت ترافيس المتجهم. ومثل الشقيقَين في «رجل المطر»، أحدهما رجل أعمال ناجح والآخر شخص منعزل اجتماعيًّا. ومثل العديد من شركاء الطريق قبلهما، فإنهما لا يجيدان التواصل. يبدو السفر بديلًا للتواصل بينهما. يبدأ ترافيس في الخروج من قوقعته فقط بعد أن يبدأ والت في عرض بكرة فيلم سوبر ٨ مليمترات لحياتهما في الماضي. بنحو ملحوظ، يُظهر فيديو العطلة عائلة متماسكة وسعيدة أثناء الترحال. هذه الصور البسيطة للفيديوهات المنزلية مشحونة بالحنين المميز لحقبة ريجان وهو توق شديد إلى المنزل السعيد المثالي قبل تمزقه. وبينما يستمر فيلم «باريس، تكساس» في إظهار تركيز فيندرز على الاغتراب العائلي، فإنه يبدو متفائلًا أكثر من فيلم «ملوك الطريق». يُبرز تصوير روبي مولر الألوان الأساسية الغنية للمناظر الطبيعية، الذي يعمل جنبًا إلى جنب مع موسيقى راي كودر التصويرية المفعمة بالعاطفة للتعليق على رحلة ترافيس الطويلة تجاه الخلاص.

يُعتبر فيلم «مقهى بغداد» («بغداد كافيه»، ١٩٨٧) الذي صوره مخرج ألماني آخر هو بيرسي أدلون في صحراء موهافي بأمريكا أكثر تفاؤلًا وبهجة. يحكي فيلم أدلون عن سائحة ألمانية من الطبقة الوسطى، وهي امرأة ممتلئة القوام تُدعى ياسمين تصل إلى محطة لخدمة الشاحنات تديرها امرأة أمريكية سوداء غاضبة تُدعى بريندا. كلا المرأتين انفصلتا عن زوجَيْهما، كلٌّ بطريقتها. يدور الفيلم، الذي يميل إلى أن يكون فيلم توقُّف في الطريق أكثر من كونه فيلم طريق، حول بدائل للعائلة المتماسكة التقليدية. يضم المقهى نطاقًا من الشخصيات — البيض والسود واللاتينيين والهنود الحمر والمتسربين من التعليم والشباب المُترَف وكبار السن والصغار — الذين ينجحون في العيش معًا. بصفتها أوروبية، تُعامَل ياسمين في البداية كدخيل متطفل لكن تدريجيًّا تصبح جزءًا من العائلة محولة المطعم الرث إلى ملهى مزدهر بمساعدة الألعاب والخدع السحرية. يتلاعب أدلون بالأنماط الاجتماعية بنحو مرح ولطيف. وفي أول مرة ترى فيها ياسمين بريندا، تتخيل نفسها وهي تُطبَخ في قِدْر أفريقية. وبسبب ضيقها من إهمال بريندا، فإنها تتولى مهمة تدبير المنزل بإرادة ألمانية قوية. لكن أدلون كذلك يعطينا لحظات من الفهم العابر للمحيط الأطلسي. إذ يحب ابن بريندا موسيقى باخ وتقرأ فنانة رسم الوشم المقيمة روايات لتوماس مان. وباشتمال الفيلم على أنواع مختلفة من البشر، فإنه يمهد الطريق لظهور أفلام الطريق متعددة الثقافات في التسعينيات.

بنحو مضاد لشخصيات وتصوير فيلم أدلون النابضَين بالحياة، اختار جارموش تصوير فيلم «أغرب من الجنة» بالأبيض والأسود. يمنح تصوير توم دي سيلو الفيلم واقعية وثائقية جافة بنحو يبرز الحوائط المتداعية والأرصفة المكسورة في المدينة. تجمع موسيقى الفيلم التصويرية بين موسيقى متوترة بآلات وترية (مما يذكرنا بالمؤلف الموسيقي المجري بيلا بارتوك) والكلمات الغنائية الفوضوية الخاصة بثقافة أندية وسط المدينة. الأثر العام لكل هذا كئيب وقاتم بلا شك. إن قصة جارموش تقدم الحد الأدنى من الأحداث حيث تدور حول فتاة مجرية اسمها إيفا (التي تقوم بدورها إيستر بالينت) تزور ابن عمها ويلي (الذي يقوم بدوره الموسيقي جون لوري) في مانهاتن في طريقها إلى مدينة كليفلاند بولاية أوهايو. معًا وبصحبة صديق ويلي الأحمق، إيدي (الذي يقوم بدوره موسيقي آخر وهو ريتشارد إدسون)، يسافرون أولًا إلى أوهايو ثم إلى فلوريدا. يسخر الفيلم من هذه الشخصيات وأسلوب حياتهم بدعابة جافة. في إحدى اللحظات، تراقب إيفا ويلي وهو يزيل الورق الفضي الذي يلف وجبته المسائية. تسأله: «لماذا يُسمى عشاءً تلفزيونيًّا؟» فيرد قائلًا: «لأنه من المفترض أن تتناوليه أثناء مشاهدة التلفزيون. هكذا نأكل في أمريكا.» أما جهوده لتفسير كرة القدم الأمريكية لها، فهي غير مجدية بنفس القدر، كاشفة قبوله من دون تفكير للثقافة الوطنية الذي لا يبدو منطقيًّا لشخص غريب على تلك الثقافة. بالإضافة إلى هذه الجوانب النقدية، يبدو جارموش مهتمًّا بنحو أكبر بتجربة أساليب سينمائية جديدة بدلًا من سرد قصة ما. يتكون الفيلم بالكامل من ٦٧ مقطعًا قصيرًا مصورًا بلقطة واحدة مستمرة يفصل بين كل منها شرائط سوداء بنحو يجعلها كاللقطات الفوتوغرافية في ألبوم صور، وذلك كما أشار المخرج ذات مرة. يبدو الأداء التمثيلي فجًّا ومرتجلًا كما لو كنا نشاهد واقعًا من دون أي استعداد أو تحضير. إن «أغرب من الجنة»، باعتباره فيلم طريق، يجلب الاغتراب الأوروبي إلى أمريكا باستخدام وضع مهاجرة غريبة لتوضيح الانجراف من دون هدف للحياة الأمريكية. وسط كل تنقُّل لإيفا مجيئًا وذهابًا بين المجر والولايات المتحدة، تتساءل هل كانت الرحلة تستحق العناء. وكما يقول إيدي: «أتعلمين؟ إنه أمر غريب. تأتين إلى مكان جديد وكل شيء يبدو بالطريقة نفسها.»

يمتلك أسلوب كواريسماكي الكثير من الأمور المشتركة بينه وبين جماليات جارموش بتقديم الحد الأدنى من الأحداث ودعابته الجافة، لكنه يبدو كما لو كان يستند على ابتكارات الإخوة كوين (أو الإخوة ماركس). عندما يفشل رعاة بقر لينينجراد في إقامة حفل في مكان ما في سهول التندرا الجرداء في القطب الشمالي، يُنصحون بأن يذهبوا إلى أمريكا؛ لأن الناس هناك «يسعدون بأي شيء». يصل أعضاء الفرقة إلى نيويورك مرتدين معاطف من الفراء ونظارات شمسية وأحذية مدببة الأطراف وتسريحات شعر كثيفة تشبه ذيول الثعالب المنتفخة فوق حواجبهم. يتضح لهم أن العالم الجديد لا يبدو أفضل بكثير من العالم القديم. الوظائف الوحيدة المتاحة لهم هي العمل في حانات رخيصة ونوادي ليلية رديئة السمعة. وحتى الشاطئ يبدو باردًا وفارغًا. ما يجعل فيلم «رعاة بقر لينينجراد يذهبون إلى أمريكا» فيلم طريق هو جولتهم من مانهاتن وحتى المكسيك التي يُنهونها في سيارة كاديلاك مستعملة حيث يجلس رجلان في صندوق السيارة الخلفي وهناك تابوت فوق سقفها. بالنسبة إلى الجزء الأكبر من الفيلم فإن الرحلة هي تجوال مليء بالحركات الإيمائية المضحكة والنكات القصيرة الساخرة، لكن موسيقاهم تتحسن بمرور الوقت. في لانجتري بولاية تكساس، يحققون نجاحًا لدى جمهور سائقي الدراجات النارية عندما يعزفون أغنية «وُلِد ليكون جامحًا» من فيلم «الراكب البسيط». نجح فيلم كواريسماكي بشدة لدرجة أن فرقة «رعاة بقر لينينجراد» أصبحت فرقة موسيقية حقيقية تقوم بجولات فنية وصنعت فيلمَين آخرين في التسعينيات.

(٨) التسعينيات: الطرق السريعة المتعددة الثقافات ورؤى جديدة للمنزل

إذا كانت أفلام الطريق في أمريكا تتبع مخطط شاتس التطوري، فربما تكون قد مرت بالمرحلة «التجريبية» السابقة على فيلم «الراكب البسيط» وصولًا إلى النماذج «الكلاسيكية» في أوائل السبعينيات واستمرت خلال حقبة من «التنقيح» الأسلوبي في الثمانينيات حتى تصل إلى المرحلة «الباروكية» أو مرحلة الانعكاس الذاتي التي يمتزج فيها الأسلوب والمحتوى. وكما رأينا فإن النوع السينمائي بدأ في الالتفات لذاته خلال الثمانينيات بأفلام تستغل — بل تسخر من — التقاليد المستخدمة في صناعتها. وفي أيدي مخرجين ما بعد حداثيين مثل أوليفر ستون وديفيد لينش، فإن الأسلوب السينمائي غالبًا ما بدا أنه كان يتغلب على المعنى. لكن مسار النوع السينمائي لا يتبع خطًّا مستقيمًا على نحوٍ منتظم. بدلًا من ذلك، فإنه يتقدم جانبًا أو يواجه انعطافات أو يعود إلى الخلف أو يعيد ابتكار ذاته أو يقفز للأمام متجاوزًا الوقت المتوقع للتطور. في التسعينيات، أعاد ريدلي سكوت تقديم فيلم الطريق القائم على الأصدقاء بفيلم «ثيلما ولويز»؛ مما أدى إلى حدوث جدل نسوي بسبب تولي المرأة دور البطولة. كما قدمت أفلامٌ أخرى في حقبة التسعينيات مجموعات كانت مهمَّشة فيما مضى ناقلةً إياها من التجاهل إلى بؤرة الانتباه: مسلطة الضوء على المثليين في فيلم «أيداهو خاصتي» («ماي أون برايفت أيداهو»، ١٩٩١)، والأمريكيين السود في «اركب الحافلة» («جيت أون ذا باس»، ١٩٩٦)، والهنود الحُمر في «إشارات الدخان» («سموك سيجنالز»، ١٩٩٨) وجيل طاعن في السن في «قصة ستريت» («ذا ستريت ستوري»، ١٩٩٩). بمعنى آخر، أصبح الطريق الأمريكي طريقًا سريعًا متعدد الثقافات يعكس وعيًا وطنيًّا جديدًا بالتنوع الثقافي والعرقي، وكذلك بحث هوليوود عن جمهور جديد متخصص. كذلك فإن أفلام الطريق الخاصة بهذه الحقبة تقدم رؤًى متغيرة للعائلة؛ فبانتهاء الحقبة المحافظة للرئيسَين رونالد ريجان وجورج بوش (١٩٨١–١٩٩٣) وإفساحها الطريق للحقبة الليبرالية الخاصة ببيل كلينتون (١٩٩٣–٢٠٠١)، فإن علماء اجتماع مثل ستيفاني كونتز وشير هايت ركزوا انتباههم على نشوء أشكال جديدة من العائلة. تغيرت العائلة المتماسكة «التقليدية» المتصورة في فيلم «العودة إلى المستقبل» إلى ترتيبات أكثر مرونة مثل تلك التي في فيلم «مقهى بغداد». كما تعرضت العائلة نفسها إلى الهجوم في فيلم «قتلة بالفطرة» (١٩٩٤) لأوليفر ستون الذي يقدم هجومًا عنيفًا على العائلة المفككة في محاكاة ساخرة بعنوان «أنا أحب مالوري»، وهو مسلسل كوميدي سوداوي من نوع كوميديا الموقف أو «السيت كوم» مزود بمؤثرات أصوات الضحك يسخر من مسلسلات تلفزيونية يُنظَر إليها كمثالية مثل مسلسل «الأب أعلم» («فاذر نوز بيست»). ميكي ومالوري، بطلا «قتلة بالفطرة» الجانحان، هما نتاج سايكوباتي لانتهاك الأطفال ولا يمكنهما الرجوع إلى منزلهما مرة أخرى لكنهما يصنعان نسختهما الخاصة الساخرة من العائلة على الطريق. لكن فيلم «قصة ستريت» لديفيد لينش يحكي قصة مختلفة مشيرًا إلى أنه من الممكن إعادة بناء عائلة مُحطَّمة حتى في أواخر العمر، رغم أن الطريق السريع المؤدي إلى المنزل ربما يكون بطيئًا للغاية. في نفس الوقت الذي أصبحت السينما فيه أكثر عالمية، أصبح فيلم الطريق ملائمًا لدول يتسبب التنقل الزائد فيها في حل وإحداث مشكلات بالنسبة إلى المهاجرين وجماعات البدو الرُّحَّل والسياحة، وذلك كما سنرى في أفلام من أوروبا وأفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وأماكن أخرى فيما بينها.

يُنسب إلى فيلم «ثيلما ولويز» على نطاق واسع فضل إعادة إحياء أفلام الطريق في الولايات المتحدة بإضافة تطور جديد غير متوقع، مما مهد الطريق لكوكبة من أفلام الطريق المُجدِّدة التي تحمل رسائل اجتماعية وسياسية جادة. تستدعي البطلتان المذكورتان في عنوان الفيلم للأذهان الصديقَين الذكرَين في فيلم «الراكب البسيط» والرفيقَين الخارجَين عن القانون في «بوني وكلايد»، مازجتَين بين فكرتَي السعي وراء ضالة منشودة والهروب (انظر قسم «لقطة مقربة: ثيلما ولويز»). ثيلما هاربة من سجن منزلها في الضواحي ولويز تهرب من وظيفة النادلة التي لا مستقبل لها. عندما تتوقفان في حانة على جانب الطريق في طريقهما لقضاء عطلة نهاية الأسبوع فرارًا من حياتهما، تتسبب حادثة غير متوقعة في تحولهما لهاربتَين مطلوبتَين للعدالة. تصبح رحلتهما عبر البلاد في سيارة فورد ثاندر بيرد موديل عام ١٩٦٦ ذات السقف القابل للطي مسعًى للحصول على الحرية والعلاقة الهادفة. ينظر البعض إلى فيلم «ثيلما ولويز» كنقطة تحوُّل في السينما النسوية؛ كلحظة يحل فيها أخيرًا النسوة القويات الحازمات محل المتمردين الذكور التقليديين المسافرين عبر الطريق. بينما يقول آخرون إن أي نقد نسوي للفيلم سيكون منقوصًا بسبب مشهد نهاية الفيلم أو تعقُّده الطريقة التي تقلد بها بطلتا الفيلم ببساطة النماذج الذكورية من دون طرح بدائل جديدة وأيدلوجية وجماليات خاصة بهن لفيلم الطريق. مع ذلك، ورغم أن «ثيلما ولويز» من إخراج رجل، فإن كاتبته هي كالي خوري التي فازت بأوسكار أفضل سيناريو مكتوب مباشرة للشاشة، وهي إحدى النسوة القليلات جدًّا اللاتي فزن بهذه الجائزة. الفيلم نفسه الذي حقق نجاحًا جماهيريًّا ونقديًّا كبيرًا في زمنه، يستمر في كونه أحد أكثر أفلام الطريق على مدار التاريخ التي تُشاهَد وتُناقَش.

بإدراك المخرج هربرت روس للاهتمام الكبير بمغامرات النساء على الطريق، فقد أتبع فيلمه الميلودرامي «زهور الماجنوليا الفولاذية» («ستيل ماجنولياز»، ١٩٨٩) بفيلم «صبية على الهامش» («بويز أون ذا سايد»، ١٩٩٥)، وهو فيلم كوميدي يتناول قصة نشوء علاقة قوية بين ثلاث نساء أثناء رحلة عبر البلاد متجهات غربًا. يستغل الفيلم السياسات الجنسية المعاصرة ويجعل إحدى الشخصيات الثلاث سحاقية (تقوم بدورها ووبي جولدبرج) وأخرى وسيطة عقارية حادة المزاج مصابة بالإيدز (تقوم بدورها ماري لويز باركر) والثالثة امرأة حامل تألف الرجال المؤذيين (تقوم بدورها درو باريمور). وللاتساق مع الأفكار المتعارف عليها للنوع السينمائي، تُعتبر رحلة الثلاثي من ناحية هروبًا ومن ناحية أخرى بحثًا عن بديل للمنزل: الأُخوة كعائلة. وبينما كان «رجال على الهامش» يسلك المسار المعتاد باعتباره فيلمًا ترفيهيًّا موجَّهًا إلى السوق الجماهيرية، فإن صُناع أفلام مستقلين مثل جاس فان سانت كانوا يسلكون طرقًا جديدة. يعُتبر فيلم فان سانت «أيداهو خاصتي» أكثر جرأة وأصالة في تناول العلاقات المثلية. تتركز قصته حول شابين محتالين وهما مايك (الذي يقوم بدوره ريفر فينيكس) وسكوت (الذي يقوم بدوره كيانو ريفز) اللذَين يجعلهما البحث عن والدة مايك يسافران عبر منطقة شمال غرب المحيط الهادي ذاهبين أثناء ذلك في رحلة لإيطاليا. وفي الوقت الذي ربما تكون أفلام الأصدقاء السابقة قد استغلت فيه بالصور الذكورية، فإن الانجذاب المثلي هنا ليس من النوع الخفي؛ فهذان الشابان خارجان عن القانون بحكم توجههما الجنسي العلني. يعيد فان سانت تقديم الأفكار والرموز المألوفة للنوع السينمائي بدلالات جديدة مازجًا بين الواقعية المبتكرة والتصوير السينمائي السريالي. في إحدى اللحظات، يرينا فان سانت مشاهد ليلية مثيرة للعواطف لطرق سريعة موحشة وأماكن مهجورة بالمدن؛ وفي أخرى، يرينا مناظر حالمة لسحب أو سمك سلمون يسبح ضد التيار نحو موطنه في صورة رمزية. وإضافة إلى فيلمِ طريقٍ مِثلي آخر وهو «نهاية العالم» («ذا ليفينج إند»، ١٩٩٢) للمخرج جريج أراكي، فقد ساعد فيلم «أيداهو خاصتي» في بدء حركة السينما الكويرية الجديدة في التسعينيات التي سرعان ما انتشرت عبر القارات.

قدم فيلم «مغامرات بريسيلا ملكة الصحراء» («أدفينتشرز أوف بريسيلا، كوين أوف ذا ديزرت»، ١٩٩٤) مغامرات ممثلين يؤدون أدوارًا نسائية في المناطق الريفية النائية بأستراليا؛ فبينما يسافر ثلاثة ممثلين يؤدون أدوار النساء لتقديم عرض اللهو المبتذل الخاص بهم، فإن أزياءهم الغريبة وتصرفاتهم الشاذة تتعارض بنحو كوميدي مع البيئة المحيطة. نرى مجموعة من ريش الطاووس تطير في الصحراء. ونرى الثلاثي يحركون شفاههم مزامنةً مع أغنية جلوريا جاينور «سأبقى» بملابس النساء الكاملة ويصاحبهم موسيقيون من السكان الأصليين لأستراليا. نتساءل ماذا سيحدث عندما يرقصون أمام جمهور من السكان المحليين الذي يرتدون ملابس مصنوعة من الجبردين. ورغم أن المخرج ستيفان إليوت يتلاعب بالأفكار النمطية عن الجنس والعرق، فإنه يحترم شخصياته كأفراد معقدين وينظر إليهم بتعاطف بل وبمحبة. كما يُبْرِز وعيًا دقيقًا بأساليب أفلام الطريق. لا يشير عنوان الفيلم إلى شخصية بل إلى الحافلة المدرسية التي يسافر فيها الثلاثة التي تتحول لشخصية في حد ذاتها (شكل ٤-٨). يظل أحد أبطال الفيلم يعيد دهان الحافلة، على نحو يذكِّرنا بحافلة كين كيسي السحرية. يقول بإصرار: «هذا ليس لونًا أرجوانيًّا. هذا أرجواني فاتح.» ومع نجاح الفيلم في المهرجانات واكتسابه لطوائف خاصة من المعجبين وإعجاب حتى عامة الجمهور به، فقد ساعد في توسيع دائرة قبول الأفلام ذات الأفكار المثلية وإعطاء دفعة قوية لصناعة السينما الأسترالية خارج أستراليا.

figure
شكل ٤-٨: السفر عبر المناطق النائية الأسترالية على أحدث طراز. هذه لقطة جوية من فيلم «مغامرات بريسيلا ملكة الصحراء» (ستيفان إليوت، ١٩٩٤) تعكس تقبلًا عالميًّا جديدًا للتنوع في التسعينيات.

ومثل السكان الأصليين لأستراليا، فإن السكان الأصليين لأمريكا ظهروا في أفلام الطريق كجزء من المنظر العام وكأفراد بين الفينة والأخرى، لكنهم لم يكن لهم أدوار رئيسية فيها حتى صدور فيلم «طريق باو واو السريع» («باو واو هاي واي»، ١٩٨٩)، ولم يُخرج مخرج من الهنود الحمر فيلم طريق حتى صدر فيلم «إشارات الدخان» لكريس إير. يقدِّم فيلم «طريق باو واو السريع» مسافرَيْن غير متوافقَين. الأول هو بادي ريد بو الأصغر سنًّا وهو ناشط يكافح من أجل حقوق أهله المشردين في محمية لهنود الشايان في مونتانا. أما الرجل الأكبر سنًّا، فهو فيلبرت بونو الذي ينظر إلى الرحلة باعتبارها رحلة روحية متحدثًا إلى سيارته البويك القديمة كما لو كانت فرسًا قزمًا. وبما أن فيلبرت هو السائق، فإن بادي مُجبر على أن يقطع الطريق السريع والطرق الفرعية التابعة له بإيقاع أبطأ وهو ما يُعتبر درسًا حياتيًّا في الإدراك الأسمى. استُعين بجاري فارمر، الممثل الذي قام بدور فيلبرت، لاحقًا في دور أرنولد الذي ينقذ طفلًا من منزل يحترق في فيلم «إشارات الدخان». ورغم أن سكان محمية كور دالين ينظرون إلى أرنولد كبطل، فإنه يخفي سرًّا غامضًا ويختفي يومًا ما تاركًا وراءه زوجة وطفلًا يُسمى فيكتور. وبعد سنوات، عندما يكتشف فيكتور موت أرنولد في فينيكس، يبدأ الشاب رحلة من أيداهو لاستعادة بقايا جثة والده. تصبح الرحلة التي تتخللها مشاهد استرجاع متكررة رحلة لاستعادة الماضي؛ لاكتشاف سر والده ومواجهة مشكلات تتعلق بالهجر والغضب. يصاحب فيكتور، على مضض، أحد معارفه المتطفلين وهو توماس، الطفل الرضيع الذي أنقذه أرنولد من الحريق قبل ٢٢ عامًا والذي كبر يتيمًا في رعاية جدته. وبمجرد رحيلهما عن المحمية، يتعلمان مواجهة من هما كأفراد وكهنود حمر. يأتي أول درس في الهُوية العِرقية على متن الحافلة المتجهة إلى فينيكس. يخبر فيكتور صديقه: «ليس من المفترض أن يبتسم الهنود الحمر. كُن رزينًا. يجب أن تبدو كمحارب … كأنك رجعت للتوِّ من رحلة لصيد الجاموس.» بعد لحظات، يحتل اثنان من البيض العدائيين مكانهما ويجبرانهما على العودة إلى مؤخرة الحافلة. يقول توماس بصوت عالٍ: «رعاة البقر يفوزون دائمًا.» لكنهما يردان بغناء أغنية مُختلقة عن توم ميكس وتشارلز برونسون وأسنان جون واين. رحلتهما رحلة دائرية على نحو كبير؛ فبمساعدة توماس، يتصالح فيكتور مع أبيه ومع غضبه. يعود المسافران إلى المحمية وقد أصبحا صديقَين واكتسبا إحساسًا جديدًا بالمنزل وبجذورهما القومية. وفي تتابع المشاهد الأخيرة للفيلم، وبينما نسمع توماس يتلو قصيدة تبث إحساسًا بالخلاص عن الآباء والأبناء، تسير الكاميرا بلقطة تتَبُّع طويلة إلى أعلى النهر، كسمكة سلمون عائدة إلى موطنها الأصلي.

يركب توماس وفيكتور الحافلة إلى فينيكس بسبب أنهما لا يمكنهما توفير ثمن سيارة. أما المسافرون في فيلم «اركب الحافلة» للمخرج سبايك لي، فلهم دافع آخر؛ فقد ركبوا الحافلة ليذهبوا ويشاركوا في «مسيرة المليون رجل» في واشنطن وهو حدث تاريخي نظمه لويس فرخان عام ١٩٩٥ بهدف وحدة السود. يتتبع جزء كبير من الفيلم رحلة نحو اثني عشر رجلًا أسود يركبون الحافلة وهم غرباء بعضهم عن بعض ويتفاعلون معًا طوال الطريق مما يجعل الحافلة مجتمعًا متنقلًا. تتضمن المجموعة سائق الحافلة الرزين (الذي يقوم بدوره تشارلز داتون) وسائق شاحنة مكبلًا بالأصفاد إلى ابنه بأمر المحكمة وشرطيًّا مختلط العرق يعتبر نفسه أسود وممثلًا أنانيًّا وزوجين مثليين وشابًّا مسلمًا يحاول التكفير عن حياته السابقة كعضو في عصابة وطالب سينما و«بوب» (الذي يقوم بدوره أوسي ديفيس) وهو رجل عجوز يتذكر حركة الحقوق المدنية في الستينيات. تُعتبر الحافلة عالمًا مصغرًا من الأمريكيين السود، وتتجسد نقاط اختلافهم وتضامنهم بنحو درامي خلال الرحلة. تتعطل الحافلة في الصحراء ويواجهون تحديًا ممثلًا في ضباط الشرطة والعديد من محطات التوقف في الطريق وصيادين مسافرين على الطريق السريع. يستخدم لي أساليب السينما ما بعد الحداثية (زوايا مائلة وتصوير بكاميرا محمولة ومُرشحات ملونة) تجذب الانتباه لنفسها. لكن قدرًا كبيرًا من هذه الشكلية السينمائية يلاحظها طالب السينما وتُرَى من خلال كاميرا الفيديو الخاصة به، ولهذا تبدو كما لو كانت اقتباسات. ينصبُّ تركيز سبايك لي الرئيسي على الحوارات الدائرة بين الرجال السود بشأن مواقفهم تجاه النساء والمثليين والسود ذوي البشرة الفاتحة والبيض والجريمة والقانون والعمل والسياسة، وهي مواقف تهدد بإفساد الهدف العام للمجموعة. وكعادة سبايك لي، فإن الفيلم في الأساس مصنوع بواسطة الأمريكيين السود وعنهم ومن أجلهم. هناك انتقادات تظهر بين الفينة والأخرى في الفيلم لما يصوره الاتجاه السائد في الإعلام بشأن السود. يقول أحد المسافرين: «هوليوود تظن أنها تدرك جيدًا من نحن. وفي نشرة أخبار المساء، يلخصون حياتنا في أربعة أشياء: موسيقى الراب والاغتصاب والسرقة والشغب.» لاحقًا، يتهم شرطي أسود الشاب المسلم الأسود بامتلاك رؤية غير واقعية للحياة في أحياء السود. يضيف الرجل: «كل ما تعرفه عن منطقة الجنوب الأوسط هو ما تراه في الأفلام التي يصنعها أشخاص لا يذهبون حتى إلى جنوب طريق سانتا مونيكا السريع.» يعرض فيلم «اركب الحافلة» بوضوح آراءً مختلفة غير ذلك.

بينما قدمت أفلام مثل «ثيلما ولويز» و«أيداهو خاصتي» و«إشارات الدخان» و«اركب الحافلة» تصوُّرًا جديدًا لأفلام الطريق في التسعينيات في ضوء السياسات الجنسية والعرقية وسلطت الضوء على المجموعات المهمشة ووضعتهم في بؤرة التركيز، فإن مخرجين مثل أوليفر ستون وديفيد لينش استخدموا هذا النوع السينمائي للنظر في انهيار القيم العائلية في قلب أمريكا. إن شخصيات ومسار قصة فيلم «قتلة بالفطرة» ليسا جديدين. إن ميكي (الذي يقوم بدوره وودي هارلسون) ومالوري (التي تقوم بدورها جولييت لويس) رفيقان خارجان على القانون يحبان أحدهما الآخر ويتشاركان حب العنف، شاقَّين طريقهما إلى الشهرة بارتكاب جرائم قتل ودخولهما في صراع مع رجال القانون عبر البلاد. ما يجعل فيلم «قتلة بالفطرة» يختلف عن أفلام «مجنونان بالأسلحة» و«الأراضي الوعرة» و«ثيلما ولويز» هو العنف العشوائي الذي لا يرحم والأسلوب البصري المحموم، وكأنه النسخة المحمومة الإيقاع من فيلم «بوني وكلايد». لا يوجد ما هو حاذق بشأن أسلوب أوليفر ستون الغريب الذي يظل يتنقل بين التصوير الوثائقي بالأبيض والأسود والألوان الصارخة الباعثة على الهلاوس؛ وبين المشاهد السريعة المصورة ببطء والحركة البطيئة، وهو أسلوب جمالي مميز لما تعرض قناة إم تي في مُطعَّم بموسيقى الروك وزوايا التصوير المائلة والرسوم المتحركة. يقدم تتابع مشاهد البداية خريطة رحلتهما كرحلة هلوسة للمتعة بلا هدف؛ أو كجرعة أدرينالين تندفع في بيت المرح الخاص بخيال مجنون تغذيه وسائل الإعلام. هل يسعى ميكي ومالوري وراء الحرية أم المتعة واللذة أم الهرب من كوابيس الطفولة؟ لا يترك السيناريو غموضا كثيرًا فيما يتعلق بنشأتهما في بيوت محطمة. تسخر المحاكاة الساخرة لمسلسل السيت كوم الكوميدي التي تصور بيت مالوري المفكك داخل الفيلم من صورة عائلات الخمسينيات التي كان ينظر إليها المحافظون نظرة مثالية في السبعينيات. يظهر ميكي ووالدته في مشاهد استرجاع من طفولته تحت رحمة والد سيئ المعاملة. لكن سلوكيات ميكي ومالوري المنحرفة تُعزَى كذلك إلى الإعلام الأمريكي. وكما لو كان ستون يوثق هذا الأثر، فإنه يُدخِل في نسيج الفيلم مئات الصور العنيفة من الأفلام والمسلسلات والقصص المصورة والصحف. يُلخص استغلال صناعة الإعلام للعنف في برنامج «مختلُّون أمريكيون» («أميريكان منياكز») وهو برنامج تلفزيوني شهير يكتبه وينتجه ويخرجه واين جايل (الذي يقوم بدوره روبرت داوني جونيور) والذي يريد إجراء مقابلة مع البطلَين من أجل برنامجه. حول جايل ميكي ومالوري إلى مشاهير لزيادة معدلات مشاهدة برنامجه. يقول جايل: «بانتقام قادم مباشرة من الكتاب المقدس، حولا طريق ٦٦٦ السريع إلى ساحة للقتل والتشويه.» رغم ذلك، وبعيدًا عن الكاميرا، فإنه يشير إلى برنامجه باعتباره «غذاءً خاليًا من القيمة للعقل» وجمهوره باعتبارهم «الحمقى المغفلين من أرض الزومبي.» تُبرز سخرية ستون من الإعلام تناقضًا أثار اعتراضات من المشاهدين والنقاد على حد سواء؛ فبجمع الفيلم لكل هذا القدر من الجنس والعنف وتقديمه بأسلوب بصري مفرط، ألا يساهم في تغذية نفس الثقافة التي ينتقدها بوضوح؟ كيف يمكن للفيلم شجب نفس المنتج الذي يقدمه؟ يبدو المشهد الافتتاحي الذي تغازل فيه مالوري رجلًا في مطعم ثم تهاجمه كمجاز عن طريقة عمل الفيلم الذي يحاول إغواء مشاهديه بالجنس والعنف ثم ينتقدهم من أجل ابتلاعهم الطُّعْم.

يبدو فيلم «قصة ستريت» لديفيد لينش، بصدوره في آخر عقد التسعينيات، كترياق للإفراط الساخر لستون ولمحاكاة لينش نفسه الساخرة ما بعد الحداثية في فيلم «قلب جامح» («وايلد آت هارت»، ١٩٩٠). وفي الوقت الذي كان فيه فيلم لينش الأول هوسيًّا وكاريكاتوريًّا مثل فيلمَي «قتلة بالفطرة» و«تربية أريزونا»، فإن «قصة ستريت»، كما يوحي عنوانه بخبث، فيلم مباشر وبطيء الإيقاع كالعشب الآخذ في النمو. في الحقيقة، فإن المركبة المختارة لبطل الفيلم الطاعن في السن، ألفين ستريت (الذي يقوم بدوره ريتشارد فارنسوورث) هي آلة جَزِّ عشب عبارة عن جرار من طراز جون دير ١١٠، يربطها بمقطورة ذات يوم ويبدأ في رحلة لستة أسابيع من ولاية أيوا وحتى ولاية ويسكونسن. يعيد لينش تقديم بعض أشهر ممثلي أفلام الطريق (إذ تقوم سيسي سبيسيك بدور ابنة ألفين وهاري دين ستانتون بدور لايل) وعناصر مألوفة (صور لمنازل محترقة ونيران معسكرات وحادثة سير وأميال وأميال من الطرق المستقيمة). لكنه كذلك يعيد تقديم هذا النوع السينمائي بقيم الغرب الأوسط المحافظة مضيفًا منظورًا جديدًا لجيل نادرًا ما كان يُسمَح له بالقيام بدور البطولة. يظهر أحد أكثر مشاهد الفيلم قوة ألفين وهو يتشارك الشراب وسرد قصص الحرب مع محارب سابق آخر. يؤدي فارنسوورث دوره بإقناع شديد، ربما يكون هذا بسبب أنه كان يعلم أثناء صنع الفيلم أنه يحتضر بسبب السرطان وأنه سينتحر قريبًا بعد إصداره.

(٩) تقاطعات أوروبية: الرحَّالة والمهاجرون والسياح

على الجانب الآخر من الأطلسي، شهدت التسعينيات موجات مُزلزِلة من التغيُّر الجيوسياسي؛ فبانهيار الاتحاد السوفييتي عام ١٩٩١ ونشوء الاتحاد الأوروبي عام ١٩٩٣، كانت الخريطة الأوراسية تتغير بسرعة كبيرة. غربًا، كان الاتحاد الأوروبي يزيل الحدود القديمة ويقلل من العقبات التجارية ويشجِّع على التدفق العابر للحدود القومية للناس والبضائع. شرقًا، كانت حدود جديدة تُصنَع حول المناطق التي اتحدت قسرًا على يد حكومة الاتحاد السوفييتي. هذه التغيرات في القوى والولاءات أدت إلى بدء فيضان من المهاجرين واللاجئين والمنفيين. وكما تقول إيفا ماجيرسكا ولورا راسكارولي في دراستهما عن السفر ما بعد الحداثي وفيلم الطريق الأوروبي: «لم يصبح الارتحال الاستثناء للقاعدة، بل أصبح هو القاعدة.»15

بنحو عام، فإن أسطورة الطريق السريع العظيم التي يُحتَفى بها في الأفلام الأمريكية مثل «الراكب البسيط» لها أهمية أقل في أوروبا حيث عادةً ما أعاقت الحدود واللغات والتاريخ الوطني سهولة المرور. والمشاهد الطبيعية الأوروبية أكثر ازدحامًا بالسكان، وعادةً ما يسافر الناس عن طريق المواصلات العامة ولا تكون الشخصيات في الغالب متمردة أو خارجة عن القانون بقدر ما يكونون مواطنين عاديين في رحلة سفر. رأينا بالفعل كيف تختلف أفلام الطريق الأوروبية في الخمسينيات (مثل «رحلة إلى إيطاليا» و«لا سترادا» و«التوت البَرِّي») في الروح عن نظيراتها الهوليوودية متخذة أهمية مجازية ومائلة بنحو أكبر تجاه التحليل الاجتماعي والنفسي أكثر من احتفائها بالحرية على طريق السفر. لاحظنا كذلك كيف أن بعض المخرجين الأوروبيين ذوي الأسلوب الخاص (مثل جودار وفيندرز وكواريسماكي) ينخرطون في حوارات ثنائية مع النسخ الأمريكية لهذا النوع السينمائي، عاثرين في بعض الأحيان على آثار للثقافة الأمريكية في فرنسا أو ألمانيا أو فنلندا، وغارسين في بعض الأحيان شخصيات أوروبية في الأرض الأمريكية. استمرت هذه النزعات خلال السبعينيات والثمانينيات. يستخدم المخرج اليوناني الشهير ثيو أنجيلوبولوس مجاز السفر لاستكشاف موضوعات متعلقة بالسياسة المحلية والأمراض الاجتماعية في فيلم «العازفون المسافرون» («ذا ترافيلينج بلايرز»، ١٩٧٥) و«مشهد في الضباب» («لاندسكيب إن ذا ميست»، ١٩٨٨). يسرد الفيلم الأول قصة فرقة من المؤدين خلال عقود من الحرب والحكم الديكتاتوري والخيانة والغيرة معيدين تجسيد مسرحيات درامية من عصور عتيقة على مستوى شخصي وتاريخي. يحكي الفيلم الثاني عن أخت وأخيها الأصغر خلال سعيهما للعثور على والدهما في ألمانيا (شكل ٤-٩). ورغم أن القصتين من قصص الرحلات، فإن أنجيلوبولوس يملؤها بلحظات ساكنة ذات ثقل رمزي وسمو روحي. لا يُعتبر فيلم «المتشردة» («ذا فاجابوند»، ١٩٨٥) للمخرجة الفرنسية أنييس فاردا أقل إبهامًا وغموضًا. تأتي منى، بطلة الفيلم الشابة (التي تقوم بدورها ساندرين بونير) من منزل جيد وتمتلك مهارات تمكنها من الحصول على وظيفة لكنها تختار عيش حياة الرحَّالة. تستخدم فاردا أسلوبًا وثائقيًّا حاذقًا لتتبع رحلة منى كاشفةً الظروف التي أدت إلى أن تُنهي هذه الفتاة حياتها متجمدة في خندق بالأرض.

figure
شكل ٤-٩: يواجه طفلان يونانيان يبحثان عن والدهما مخاطر عبور الحدود في فيلم «مشهد في الضباب» (ثيو أنجيلوبولوس، ١٩٨٨).

يقدم أنجيلوبولوس وفاردا لنا شخصيات تهيم خلال مشاهد كئيبة خالية من أي مضمون أو جوهر تأكيدي. ورغم أن هذه الشخصيات ربما يكون لها وِجهة ما غامضة كهدف يسعون إليه، فإنهم يبدون بنحو أكبر كالبدو الرُّحَّل في الصحراء. المنظِّرون ما بعد الحداثيين مثل جيل ديلوز وفيليكس جواتاري استخدموا كلمة «البَدَاوة» للتعبير عن أساليب حياتية بديلة ربما تبدو للبعض كتجوال بلا جذور، لكن يمكن النظر إليها كذلك بنحو إيجابي أكثر كنوع من المقاومة أو التحرر من القيود الأيديولوجية للثقافة السائدة. أحد الأفلام المناسبة للنظر إلى هذه الظاهرة الخاصة بالبداوة الحديثة هو فيلم «جادجو ديلو» (١٩٩٧) للمخرج توني جاتليف الذي يدور حول الغجر في رومانيا. يعني عنوان الفيلم «الغريب المجنون» باللغة الرومانية وهي لغة هندو أوروبية يتحدثها الغجر في رومانيا وغيرها، وهو اللقب الذي يحصل عليه بطل الفيلم الشاب، ستيفان، وهو عازفُ موسيقى من باريس يتجول في قرية للغجر بالقرب من بوخاريست بحثًا عن المغنية التي كان والده الراحل يحب الاستماع إليها. تبدو حالة ستيفان في بداية الفيلم — رحَّالة جائع ورث الهيئة لا يتحدث اللغة المحلية التي يتحدثها سكان المنطقة — كنقيض للأدوار التي اعتاد الغجر تقديمها في الأفلام والثقافة الأوروبية. هنا الدخيل هو الرجل الفرنسي. جاتليف نفسه كان دخيلًا عندما انتقل مع عائلته من الغجر من الجزائر إلى فرنسا عام ١٩٤٨. ينبض تصويره للمجتمع الغجري الروماني بالروح المفعمة بالحيوية للموضوع الذي يقدمه والذي يصبح أكثر أهمية بسبب تهديد التطهير العرقي الذي يحوم فوق المكان.

بينما تقضي الشخصيات الرُّحَّل في فيلم «جادجو ديلو» القليل من الوقت على الطريق، فإن ناني موريتي، مخرج فيلم «مذكراتي الحبيبة» («دير دايري»، ١٩٩٣)، يقدم قدرًا كبيرًا من التجوُّل في موطنه، إيطاليا. يشير عنوان فيلم إيطاليا إلى بناء الفيلم والذي يربط بين الكتابة والسفر، وبين تسجيل اليوميات والرحلات. يتتبع الجزء الأول من الفيلم بعنوان «على دراجتي النارية الصغيرة» رحلة موريتي في روما على متن دراجته النارية. يستمتع موريتي بالسير في شوارع مألوفة ملاحظًا تاريخ المدينة من خلال فن عمارتها ومجريًا مقابلات عشوائية مع الناس في الشارع. تطلق ماجيرسكا وراسكارولي على هذا مصطلح «البداوة المدنية» وهي حالة «تنقُّل» دائمة خلال الحاضر.16 في الجزء الثاني من الفيلم، «الجُزُر»، يتنقل موريتي من جزيرة إلى جزيرة بالقرب من ساحل صقلية باحثًا عن المأوى المثالي، لكنه لا يجد إلا أُناسًا تسيطر عليهم الهواجس المختلفة. في الجزء الأخير، «أطباء»، يبحث موريتي عن العلاج المثالي لتهدئة الحَكَّة التي لا تنقطع والتي يعاني منها. ربما يكون تنقُّل موريتي الدائم نفسه هوسًا، حكَّة دلالية، لكنه كذلك يمنحه، ويمنحنا، فرصة لرؤية جزء من إيطاليا الحديثة التي تحل محل القديمة. يعرض لنا جياني أميليو رقعة أكثر اتساعًا في فيلم «الأطفال المسروقون» («ذا ستولين تشلدرين»، ١٩٩٢). يقوم فيلم أميليو على قصة حقيقية لصبية صغيرة تجبرها والدتها على العمل في البغاء، ويتتبع الفيلم رحلة الفتاة مع شقيقها والشرطي المكلف باصطحابهما إلى ملجأ أيتام. عندما لا تسير الأمور على ما يرام، ينتهي الأمر بالشرطي أنتونيو ذي الخمسة وعشرين عامًا باصطحابهما في رحلة تقريبًا بطول إيطاليا من ميلان إلى بولونيا إلى روما إلى كلابريا إلى صقلية. خلال الرحلة، يتوقفون في أقسام شرطة وملاجئ أيتام ويزورون مطاعم للوجبات السريعة ومنتجعات ويسافرون بالقطارات وعلى الطريق الوطني السريع: تلك المساحات المتجانسة من الحياة الحديثة التي تمحو الشخصية الفريدة للأماكن المحلية. يذكرنا أميليو بأن كل طريق ممدود في البلاد جزء من نسيج أكبر من عدم الإحساس واللامبالاة المؤسسية التي تُفقِر وتُضعف كل شيء. يعيد فيلم «الأطفال المسروقون» (الذي يستدعي عنوانه فيلم «سارقو الدراجة» الكلاسيكي لفيتوريو دي سيكا والذي صدر عام ١٩٤٨) إحياء روح الواقعية الجديدة في إيطاليا ما بعد الحرب عندما كان مخرجون مثل دي سيكا وروسيليني يدربون كاميراتهم على تصوير الشوارع ويصورون قصصًا للمعاناة اليومية لعامة الناس. ومثل دي سيكا، فإن أميليو يستعين بممثلين هواة ومواقع تصوير قبيحة المنظر وتزامن مباشر وتصوير وثائقي. إن احترامه للأصالة، على النقيض من هوليوود، يظهر في تصويره كذلك. على سبيل المثال، الصور خشنة الطابع أو ضوء الشمس المزعج الذي يغمر المشهد بين الحين والآخر يثير حقائق عاطفية عن نسيج حيوات الناس وهشاشة هويتهم. لا يعتمد أميليو أبدًا على العاطفة أو الإثارة. فعلاماته المميزة هي البساطة والموضوعية، لكنه في نفس الوقت ينظر إلى الموضوع الذي يقدمه بفهم عميق ورؤية واضحة للحظة الدالة أو التفصيلة الكاشفة.

يسلك المسافرون في أفلام الترحال الأوروبية الطريق لعدة أسباب. في فيلم «الرحلة» («ذا رايد»، ١٩٩٤) ليان سفيراك، نرى صديقَين في سن الثلاثين يشعران بالضياع بين تشيكوسلوفاكيا في حقبة الشيوعية وجمهورية التشيك الجديدة بعد سقوط الشيوعية. يقرر فرانتا وراديك شراء سيارة متهالكة ويتظاهران بأنهما في فيلم طريق. لكن لأنهما داخل دولة لا تمتلك مساحات مفتوحة مثل أمريكا ولا يمتلكان الوثائق اللازمة، فإن خططهما تفشل بأسلوب عبثي وهو الأسلوب المميز لأفلام الكوميديا التشيكية في الستينيات. تُعتبر رحلتهما المجنونة فرصة لاستكشاف موضوعات تخص الهُوية الوطنية في لحظة بعينها في التاريخ التشيكي. نتجه بعيدًا جنوبًا إلى بلغاريا حيث يقدم ستيفان كومانداريف بنحو درامي الصراعات بين الأجيال فيما يتعلق بالتنقل والهُوية في فيلم بعنوان «العالم كبير والخلاص قريب» («ذا وورلد إز بيج آند سالفيشن ليركز أراوند ذا كورنر»، ٢٠٠٨). يسرد الفيلم قصة شاب بلغاري يُدعى ساشكو يفقد أبوَيه وذاكرته في حادث على طريق سريع بألمانيا ويأتي جده من بلغاريا لإنقاذه. تربط الرحلة التي يسلكانها على دراجة ذات مقعدَين بينهما جسديًّا ورمزيًّا؛ فشاسكو هو الذي يبذل الجهد بينما يقدم جده التوجيه. ورغم أن الفيلم يُروَّج له على غلاف قرص الفيديو الرقمي بأنه «أحد أكثر الأفلام المحبوبة لدى الجمهور لهذا العام»، فإن سيناريو الفيلم الذكي وأسلوبه السينمائي يضيفان عمقًا إلى القصة. يتنقل كومانداريف ذهابًا وعودة بين رحلتَين: الهروب المحفوف بالمخاطر لعائلة من بلغاريا في الحقبة السوفييتية نحو الغرب، وعودة ساشكو للوطن بصحبة جده إلى أوروبا جديدة خالية من حرس الحدود. يمثل فقدان ساشكو الذاكرة حيرة جيل ضَلَّ طريقه في خريطة متغيرة من القيم السياسية والثقافية.

بينما غالبًا ما تبدو الشخصيات في هذه الأفلام كأشخاص مشردين داخل أوطانهم، فإن عددًا متزايدًا من الأفلام الأوروبية يركِّز على محنة المهاجرين واللاجئين. يقدم فيلم «غربي» («ويسترن»، ١٩٩٧) لمانويل بوارييه قصة غريبَين أحدهما رجل مبيعات إسباني ومستوقف سيارة روسي متطفل حيث يجتازان قطاعًا عرضيًّا في بريتاني في غرب فرنسا. ويغطي فيلم «رحلات» («فوياجز»، ١٩٩٩) لإيمانويل فينكيل مساحة أكبر. يبدأ الفيلم بنقل يهود من وارسو إلى أوشفيتز، لكن هؤلاء اليهود ليسوا في طريقهم إلى معسكرات الاعتقال النازية على متن عربات ماشية. فهم على متن حافلة سياحية في وقت ما من الحاضر، ورغم أن معظمهم من العجائز ومنهم من نجا من محارق الهولوكوست، فلا يوجد أي من الرزانة والوقار اللذَين قد نتوقعهما؛ فحديثهم مليء بالنقاشات التافهة والشكاوى الطبية. يُعتبر فيلم «رحلات» لوحة ثلاثية مكونة من قصص مختلفة عن حيوات منفصلة لكنها متداخلة في نفس الوقت. تصحبنا القصص الثلاث إلى بولندا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وإلى أحياء الطبقة الوسطى في باريس وإلى الشوارع المليئة بالضوضاء في تل أبيب، مجسدة بنحو بارع الآثار طويلة الأمد للتحيز والإبادة الجماعية.

يقدم فيلم «رحلات» أحد أقدم وأكثر قصص الرحلات إثارة للحزن في العالم بنحو حديث وهي قصة اليهودي الرحَّالة. لكن العديد من رحلات الطريق تتخذ طابعًا أخف. على سبيل المثال، فإن السياح يقومون بالرحلات للمتعة الخالصة النابعة من تجربة الذهاب لمكان آخر جديد بعيدًا عن ضجر وملل المنزل. في فيلم «الإيطالية للمبتدئين» («إيتاليان فور بيجينرز»، ٢٠٠٠)، يلتحق ثلاثة رجال وثلاث نساء، كلهم وحيدون وفي حاجة إلى الرفقة تحت سماء الدنمارك الرمادية، بفصل لتعليم الإيطالية للكبار. تصبح الجاذبية الرومانسية للغة الإيطالية، ووعدها بمناخ أكثر اعتدالًا، النقطة المضيئة في روتين حياتهم الممل وحافزًا لتكوين علاقات جديدة. وبزيادة انخراط بعضهم في حياة بعض، يقررون العمل على تحقيق حلم مشترك: القيام برحلة ميدانية إلى فينيسيا. يُعتبر فيلم «الإيطالية للمبتدئين» أول فيلم كوميدي رومانسي يصدر عن حركة الدوجما السينمائية ذات المبادئ الصارمة وأول فيلم من تلك الحركة تخرجه امرأة. قدَّم بيان الدوجما، الذي صاغه صناع السينما الدنماركيون في ١٩٩٥، مجموعة من القواعد الجمالية الصارمة المصممة ﻟ «تنقية» صناعة السينما. طبقًا لهذه القواعد، يجب أن يُصوَّر الفيلم بالكامل في موقع خارجي بكاميرا محمولة باليد. ولا يجب استخدام ملحقات سينمائية خارجية أو مؤثرات خاصة للإضاءة أو مرشحات بصرية أو موسيقى تصويرية. وبنهاية التسعينيات، أنتجت القواعد المفروضة ذاتيًّا لنظام الدوجما الجمالي عددًا قليلًا من الأفلام المؤثرة، منها فيلم «احتفال» («سليبريشن»، ١٩٩٨) وهو فيلم ساخر جدًّا للمخرج توماس فينتربرج و«الحمقى» («ذي إيدياتز»، ١٩٩٨) للمخرج لارس فون ترير و«أغنية ميفوني الأخيرة» («ميفونيز لاست سونج»، ١٩٩٩) للمخرج سورين كاراج ياكوبسن. وبتطبيق نفس القواعد الأسلوبية على فيلم يدور حول عطلة، منحت المخرجة لون شيرفيج الحركة اتجاهًا جديدًا ونظرة أكثر تسامحًا للحياة. على جانب آخر، طبق المخرج الفرنسي إريك رومير مبادئ حركة سينمائية أخرى على العطلات. ولكونه أحد المخرجين المؤسسين للموجة الفرنسية الجديدة، فقد استكشف عقلية العطلات في فيلم تلو الآخر. تسعى الشخصيات في أفلام رومير «ركبة كلير» («كليرز ني»، ١٩٧٠) و«بولين على الشاطئ» («بولين آت ذا بيتش»، ١٩٨٢) و«حكاية شتاء» («آ وينترز تيل»، ١٩٩٢) و«حكاية صيف» («آ سمرز تيل»، ١٩٩٦)، وراء الإشباع الشخصي في بيئات جديدة، رغم أنها دائمًا ما تكون داخل فرنسا، عاملين على حلِّ مشكلاتهم الشخصية أثناء تحررهم من القيود العاطفية للمنزل والعمل. وبينما ربما لا تكون هذه الأفلام متماشية مع بعض مفاهيم أفلام الطريق، فإن ماجيرسكا وراسكارولي تكرسان فصلًا كاملًا حول اهتمام رومير ﺑ «الجغرافيا الاجتماعية» الخاصة بالسفر لقضاء العطلات.17

(١٠) الرحلات في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وما بينها

بدخول السينما الألفية الثالثة، يتغير ما كنا نسميه بفيلم الطريق ويتخذ أشكالًا جديدة أثناء سفره عبر العالم، مستخدمًا الطبيعة والأشخاص المحليين وقصصهم مادة جديدة لرؤيته المتغيرة دائمًا وأبدًا عن التنقل. وبوجود العديد من الدول والعديد من الأفلام، لا يمكننا القيام إلا بجولة انتقائية.

قارة أفريقيا قارة واسعة؛ فهي كبيرة لدرجة أنها يمكنها شمول الصين والهند وأوروبا والولايات المتحدة والأرجنتين ونيوزيلندا داخل مساحتها التي تبلغ ١١٫٧ مليون ميل مربع. كما يتحدث سكان أفريقيا الذين يبلغ عددهم مليار نسمة أكثر من ألف لغة ولديهم مجموعة متنوعة من الأنظمة الاجتماعية والعادات والأديان. مع ذلك، فإن سكان هذه المنطقة الواسعة لديهم الكثير مما هو مشترك الذي يعكس القيم والمؤسسات والوقائع التاريخية المميزة لهذا الجزء من العالم. فمن بين أمور أخرى، يتشارك الأفارقة تراثًا طويلًا من قصص الرحلات التي يتوارثها جيل عن جيل بواسطة القصاصين الشفهيين. ربما يصوغ القصاص قصة معروفة صياغة جديدة في كل مرة يحكيها حائدًا عن المسار الرئيسي وملائمًا التفاصيل لجمهور معيَّن ومضيفًا أجزاءً ضئيلة من التاريخ والمعالم المحلية خلال قيامه بهذا. غالبًا ما تكون الرحلات في هذه الحكايات رحلات مجازية؛ رحلات نمو شخصي لشباب يحاولون مواجهة مشكلات تخص الهُوية والمجتمع. وبتولي الأفلام المهمة التقليدية الخاصة برواية القصص، أصبح المخرجون الأفارقة قصاصين سينمائيين. على سبيل المثال، في فيلم «سطوع» («برايتنس»، ١٩٨٧)، يقدِّم المخرج المالي سليمان سيسيه أسطورة من القرن الثالث عشر لدى شعب البامبارا على الشاشة. يسرد الفيلم قصة نيانكورو، وهو شاب لديه قوى سحرية يترك المنزل ساعيًا وراء التنوير الروحي ويطارده خفية والده، وهو ساحر شرير تخلى عنه لدى مولده. وبتقديم الفيلم قصة صالحة لكل زمان ومكان عن التطور الذاتي وصراع الأجيال، مثيرًا بنحو قوي لحظات هامة عن طريق صور مبهرة، يقدم حالة الأسطورة مبرزًا المفارقة، التي تقول إن هذه القصص تكتسب المزيد من الجاذبية العالمية كلما تعمقت جذورها في التربة المحلية. يستعين فيلم «كيتا! صوت القصاص» («كيتا! فويس أوف ذا جريوت»، ١٩٩٦) بقصة من الملحمة الأفريقية «سوندجاتا» لقياس المسافة بين المستقبل والماضي. في الفيلم، يسافر قصاص طاعن في السن إلى بيت صبي في الثالثة عشرة من العمر في واجادوجو عاصمة بوركينا فاسو. يريد والدا الطفل له أن يتعلم اللغة الفرنسية ويتربى على الطريقة الحديثة، لكن القصاص يخبره أنه ينحدر من سلسلة قديمة من القصاصين المتمسكين بالتراث. تقوِّي حقيقة أن مخرج الفيلم داني كوياتي من عائلة قديمة من القصاصين وأن والده يقوم بدور الرجل العجوز في الفيلم، الصلات بين تراث رواية القصص وصناعة السينما المعاصرة محولًا رحلة كيتا إلى حكاية رمزية عن مستقبل أفريقيا. وكما يقول كوياتي في مقابلة عام ١٩٩٥: «أحيانًا حينما تجهل إلى أين أنت متجه، يجب أن تعود إلى المكان الذي أتيت منه … قبل استكمال رحلتك. اليوم، ومع كل هذه الأشياء التي تحدث لأفريقيا، فإنها تواجه مشكلة في العثور على الاتجاه الذي يجب أن تسلكه؛ التراث أم الحداثة أم طريق آخر.»18 يستمر المخرجون الأفارقة في استكشاف مثل هذه الطرق في أفلام مثل «عندما تلتقي النجوم بالبحر» («وين ذا ستارز ميت ذا سي»، ١٩٩٦) للمخرج رايموند راجاوناريفيلو من مدغشقر؛ وفيلم «بود يام» (١٩٩٧) للمخرج جاستون كابوريه من بوركينا فاسو، وفيلم «القطار السريع» («ذا تيه جيه فيه إكسبريس»، ١٩٩٨) لموسى توريه من السنغال، وفيلم «النهر» («ذا ريفر»، ٢٠٠٣) لماما كيتا من غينيا؛ وفيلم «زفاف أبيض» (٢٠٠٩) لجان ترنر من جنوب أفريقيا.

عبر البحر المتوسط من شمال أفريقيا واتجاهًا نحو الشرق الأوسط، نعبر خلال تركيا متجهين إلى إيران، وكلتاهما دولتان إسلاميتان في المقام الأول. يسرد فيلم «رحلة إلى الشمس» («جيرني تو ذا صن»، ١٩٩٩) للمخرجة يشيم أُسطى أوغلو، قصة محمد، الشاب الذي هاجر من غرب تركيا إلى إسطنبول حيث يصادق كرديًّا يسمى برزان من أقاصي جنوب شرق البلاد. عندما تقتل الشرطة برزان وتظن بالخطأ أن محمدًا إرهابي كردي، يبدأ محمد رحلة لإعادة جثة صديقه إلى القرية التي وُلد بها. تجسد رحلته الشاقة خلال الريف القاسي والمذهل في نفس الوقت محنة النازحين وسط النزاع العرقي في تركيا الحديثة. ويُعتبر فيلم «عشرة» («تِنْ»، ٢٠٠٢) أحد أفلام الطريق العديدة للمخرج الإيراني عباس كياروستامي. يتكون الفيلم من عشرة مشاهد كلها مصورة بكاميرا رقمية مثبتة داخل سيارة واحدة وكل مشهد يعرض محادثة شخصية بين السائقة والركاب العديدين الذين تقلُّهم أثناء تجولها في أنحاء العاصمة طهران. يُعتبر فيلم «عشرة» رؤية شديدة الأصالة للعلاقة بين اللغة والتنقل، مانحًا إيانا نظرة قريبة للمشكلات الاجتماعية في إيران من دون أي تعليق خارجي.

بالاتجاه شرقًا بنحو أكبر مجتازين الأراضي الجبلية لباكستان وأفغانستان، نجد شبه القارة الهندية الواسعة التي تُعد موطن أكبر صناعة سينما في العالم. ربما أضاف المخرج الهندي ديف بينيجال فاصلة في عنوان فيلمه «طريق، فيلم» («رود، موفي»، ٢٠٠٩) ليؤكد التوازي الذي يصوره بين المركبات المتحركة والأفلام. بطل الفيلم، فيشنو، شاب متململ لا يهدأ ولا يرى أي مستقبل له في مشروع والده الخاص بزيوت الشعر. بدلًا من ذلك، يوافق على قيادة شاحنة شيفروليه موديل ١٩٤٢ عبر الصحراء نحو البحر. الشاحنة ليست شاحنة عادية حيث يتضح أنها دار عرض سينمائي متحركة مجهزة بعارضات ٣٥ مليمترًا وعلب معدنية تحتوي شرائط أفلام قديمة. وبمساعدة بضعة مسافرين اصطحبهم من الطريق، يكتشف سحر السينما وقدرة الأفلام على التسلية والافتتان والتحرر. ومثل شهرزاد، الأميرة الفارسية الأسطورية التي أنقذت حياتها بسرد حكايات لمن يريد قتلها، فإن فيشنو ورفاقه يستخدمون مخزونهم من الأفلام لتسكين وتلطيف القوة المهددة بالخطر في أرض عدائية (شكل ٤-١٠). يقدم «طريق، فيلم» العديد من الأفكار والعناصر البصرية التقليدية للنوع السينمائي، ويتضمن هذا مشاهد مركبة للسفر وأخرى غير مترابطة مما يمنح حقيقة بديهية مألوفة تطورًا غير متوقع بنكهة هوليوودية: في بعض الأحيان يجب عليك السفر لأميال طويلة لكي تعثر على الطريق الذي سيقودك إلى المنزل. هناك فكرة مماثلة عُرِضت في فيلم «مسافرون وسحرة» («ترافيلرز آند ماجيشانز»، ٢٠٠٣) وهو أول فيلم روائي طويل يُصنع في مملكة بوتان، وهي مملكة حبيسة تقع فوق قمم جبال الهيمالايا بين الهند والصين. كتب الفيلم وأخرجه خينتِس نوربو وهو لاما متجسد من جديد (أي، كبير كهنة للبوذية التبتية بُعث من جديد)، وهو يتخذ شكل حكاية رمزية. يحكي الفيلم قصة الموظف الحكومي الشاب، دونداب، الذي يشعر بالملل بسبب الإيقاع البطيء للحياة في قريته المنعزلة، ويتوق إلى حياة أفضل في الولايات المتحدة. عندما تفوته الحافلة، يضطر إلى السفر على قدمَيه على طول الطريق السريع الرئيسي الضيق المتجه من الشرق إلى الغرب حيث يلتقي براهب وبائع تفاح ومسافرين آخرين (شكل ٤-١١). لتمضية الوقت، يروي الراهب قصة صبي مزرعة متململ نراه من خلال مشاهد استرجاع تعكس نمو نوربو الشخصي. يركز نوربو بشدة على نظرته إلى أمريكا لدرجة أنه يفشل في رؤية الجمال المحيط به. تدريجيًّا، يصبح أكثر وعيًا وتيقظًا للواقع الراهن مدركًا التعاليم البوذية التي تقول إن أكثر ما يهم ليس وجهة الوصول بل كيفية القيام بالرحلة. بمزج الفيلم بين مناظر أخاذة للطبيعة المحلية ونوع رمزي من السرد القصصي الخاص بالمنطقة، يُعتبر مثالًا جيدًا على كيف يمكن لفيلم الطريق التكيف مع الثقافة الحاضنة له. هناك رسالة روحانية أخرى في فيلم «الذهاب إلى المنزل بصحبة ثور» («رولينج هوم ويذ أ بول»، ٢٠١٠) وهو فيلم كوري جنوبي من إخراج إم سون راي. الثور في العنوان ثور حقيقي يسرقه شاعر طموح من مزرعة عائلته ويصحبه في رحلة على الطريق. بينما يبحث بطل الفيلم عن مشترٍ للثور وحياة أفضل، تطارده عشيقته السابقة التي خسرت زوجها لتوِّها. يمتلك الثور حياة حقيقية خاصة به، لكنه كذلك رمز بوذي للتنوير. تصبح رحلة الشاعر رحلة صاخبة مرحة في الريف الكوري ورحلة روحية للإدراك الذاتي كذلك.

figure
شكل ٤-١٠: يمنح فيلم «طريق، فيلم» (ديف بينيجال، ٢٠٠٩) أفلام الطريق تطورًا بنكهة هوليوودية. هنا، يعرض البطل فيلمًا هنديًّا على واجهة قسم شرطة لتسلية سجَّانيه تمامًا مثل شهرزاد.
figure
شكل ٤-١١: مسافر لا يهدأ من دولة بوتان على قمم الهيمالايا يسلك طريق السفر المؤدي إلى التنوير في فيلم «مسافرون وسحرة» (خينتس نوربو، ٢٠٠٣).

إلى الشرق من كوريا وعبر بحر اليابان، أنتج صناع الأفلام اليابانيون نسخهم الخاصة من أفلام الطريق. يقدم فيلم «الهزَّاز» («فايبريتور»، ٢٠٠٣) لريوتشي هيروكي قصة عن سيدة في الحادية والثلاثين من العمر تقابل سائق شاحنة في الثامنة والعشرين من عمره في متجر على جانب الطريق. لا يمر وقت قصير إلا ويمارسان الجنس في كابينة شاحنته. المرأة مصابة بالشره العصبي وتستخدم الكحول لإسكات الشياطين الموجودة في عقلها. ويروي الرجل لها قصصًا عن سنوات حياته السابقة التي قضاها في عالم الجريمة. يتبع معظم الفيلم رحلتهما خلال الطبيعة في اليابان خلال فصل الشتاء أثناء حديثهما وتقاربهما بحيث يصلان إلى مودة حقيقية: فهما قلبان وحيدان من جيل ضائع في اليابان. في إحدى اللحظات، يتخلى السائق عن مكانه وراء عجلة القيادة ويدعها تقود الشاحنة. ورغم عنوان الفيلم وفترة عمل المخرج في مجال الأفلام الإباحية، فإن الفيلم لا يتعلق بالجنس بقدر ما هو استكشاف للطريقة التي يمكن أن تبني بها الرفقة مع الغرباء على الطريق التعاطف وطرد الشياطين التي تسكن النفس. إن جمهور السينما الكبير والمتحمس في اليابان يجعلها سوقًا جذابًا للأفلام، وهو أحد الأسباب التي تجعل الممثلين اليابانيين يظهرون كأبطال في أفلام مصنوعة في دول أخرى. يُعتبر فيلم «السفر وحيدًا لآلاف الأميال» («رايدينج ألون فور ثاوساندز أوف مايلز»، ٢٠٠٥) إنتاجًا مشتركًا بين الصين واليابان وهو من إخراج المخرج الصيني جانج ييمو. يُعتبر الفيلم أحد الأفلام التي صنعها جانج بميزانية إنتاجية صغيرة بين الأفلام الملحمية ذات ميزانيات الإنتاج الضخمة التي صنعها («بطل» (٢٠٠٢) و«منزل الخناجر الطائرة» (٢٠٠٤) و«لعنة الوردة الذهبية» (٢٠٠٦))، ويعرض أداءً قويًّا للممثل الياباني المخضرم كين تاكاكورا في دور أب ياباني هَرِم تتسم العلاقة بينه وبين ابنه الوحيد بالجفاء. وبينما يرقد الشاب في المستشفى حيث يحتضر بسبب السرطان، يكتشف الأب، جو-إيتشي تاكاتا، أن ابنه يمتلك شغفًا بالأوبرا الشعبية الصينية وكان يصنع فيديو في مقاطعة يونان الريفية في الصين. وبدون معرفة أي شيء عن الفيديو أو الموسيقى الشعبية أو حتى كلمة من لغة الماندارين، يبدأ تاكاتا مهمة ذات هدف وحيد تأخذه لما هو أبعد من أي شيء كان في مخيلته. يتناول فيلم «السفر وحيدًا لآلاف الأميال» إصلاح نوعَين من العلاقات: العلاقة بين جيلَين والعلاقة بين شعبَين. يتيح الفيلم كذلك فرصة لعرض التنوع الثقافي الكبير لمقاطعات الصين الثلاث والعشرين. تلتقط كاميرا جانج جمال قمم جبال يونان المغطاة بالجليد وكهوفها ذات الجمال الآسر الأشبه بالمتاهات من الداخل وغاباتها الاستوائية الوارفة، وقبل كل شيء، الكرم العاطفي لسكانها. هناك إنتاج آخر مشترك وهو فيلم «حمى البرد» («كولد فيفر»، ١٩٩٥) ويضم حوارًا بأربع لغات (وهي الإنجليزية واليابانية والألمانية والأيسلندية) الأمر الذي يعكس تمويله. هذه المرة البطل الياباني رجل أعمال ناجح يُسمى هيراتا الذي يسافر شرقًا إلى الدولة الجزيرة الصغيرة المسماة بأيسلندا الواقعة في المحيط الأطلسي. ومثل تاكاتا، فإن هيراتا يسافر ليرأب صدعًا بين الأجيال. يحتاج هيراتا لتأدية طقس شعائري مقدس في المكان الذي مات فيه والداه منذ سبع سنوات. يتلاعب المخرج فريدريك فريدريكسون بالتقاليد المتبعة في صناعة فيلم الطريق. فيسافر هيراتا، خلال رحلته، بطائرة وحافلة وسيارة أجرة وشاحنة وسيارة جيب وحصان وسيارة سيدان فرنسية قديمة من طراز ستروين، متوقفًا في محطات إجبارية على جانب الطريق، ومستمعًا إلى موسيقى البوب وسالكًا انعطافات مفاجئة، وملتقيًا بمجموعة متنوعة وغريبة من الشخصيات خلال رحلته، منهم الوسيط الروحاني ومصور الجنازات وزوجان من الخارجين عن القانون اسمهما جاك وجيل. لكن ما يجعل الفيلم فريدًا بحق هو الطبيعة الأيسلندية في منتصف الشتاء، التي هي مزيج غامض بين النار والثلج يلهم رؤًى عن أرواح مخيفة وأحداث طبيعية رائعة.

من الواضح أن فيلم الطريق، بجانب استكشافه أفكارًا وأساليب سينمائية بعينها، قد أصبح أداة مناسبة كذلك لتصدير قيم ثقافية والترويج للسياحة والوصول إلى أسواق عالمية. ولا يظهر هذا بوضوح شديد إلا في أمريكا اللاتينية التي أنتجت عشرات الأفلام عن الرحلات، معظمها ضمن العشرين عامًا الأخيرة. أدى النجاح العالمي لأفلام مثل «المحطة المركزية» («سنترال ستيشن»، ١٩٩٨) و«وأمك أيضًا» (٢٠٠١) و«يوميات الدراجة النارية» (٢٠٠٤) إلى عثور صناع الأفلام بدءًا من المكسيك وكولومبيا إلى الأرجنتين والبرازيل على نوع سينمائي ينتج رد فعل إيجابيًّا في المهرجانات وحتى في دور العرض التجارية. بالإضافة إلى ذلك، وجد أولئك المخرجون أن الحكومات المحلية مستعدة لتمويل مثل هذه المشروعات من أجل تعزيز صورة إيجابية عن سكان بلادهم وطبيعتها الخلابة. لكن هذا لا يعني أننا نقول إن الدافع الأساسي وراء صناعة أفلام الطريق الأمريكية اللاتينية هو المال. فالأمر أبعد ما يكون عن هذا. تمتلك سينما أمريكا اللاتينية تاريخًا مستقلًّا وغنيًّا ومتنوعًا وشاملًا يضم بعض أكثر صناع السينما موهبة وإبداعًا في العالم، وذلك كما سنرى أثناء استكشافنا لهذا الموضوع بنحو أعمق في قسم بعنوان «نظرة خاصة على سينما أمريكا اللاتينية».

في نفس الوقت، وفي الولايات المتحدة، استمرت هوليوود وصناع الأفلام المستقلون في دفع النوع السينمائي الخاص بأفلام الطريق في اتجاهات قديمة وحديثة؛ فقد صدرت أفلام طريق تقدم كوميديا تتسم بالبلاهة مثل «سباق الفئران» («رات ريس»، ٢٠٠١) ودراسات لشخصيات غريبة الأطوار مثل «طرق جانبية» («سايدوايز»، ٢٠٠٤) ووثائقيات زائفة ساخرة مثل «بورات» (٢٠٠٦) وأساطير قاتمة عما بعد نهاية العالم مثل «الطريق» («ذا رود»، ٢٠٠٩). ربما تبدو المسارات التي تسلكها هذه الأفلام في بعض الأحيان بعيدة جدًّا عن المسار الأساسي لفيلم مثل «الراكب البسيط» وأسلافه، لكنها تبيِّن كيف أن نوعًا فنيًّا مثل أفلام الطريق يمكنه الاستمرار والتكيُّف وإعادة تطوير ذاته. ومثل التراث الشفهي والأدبي القديم لقصص الترحال المرتبطة به، فإن فيلم الطريق يخاطب نزوع البشر إلى السفر وانبهارنا بمركبات السير ورؤانا عن الحرية ومتع المغامرة والوعد الخاص بإدراك الذات وعيش الحياة كرحلة. بنحو أوضح، تذكِّرنا أفلام الطريق بتلك الرابطة الخاصة بين الأفلام والتنقل بالمركبات: آلة العرض كمحرك لأحلامنا والشاشة كزجاج أمامي عريض والعالم يظهر ويختفي بسرعة كالمشهد الطبيعي الذي نراه في المرآة الخلفية. وسواء كنا جالسين في دار عرض أو في المنزل، يمكننا سلوك الطريق بنحو غير مباشر قاطعين كل منحنًى ومنعطف من دون مخاطرات، مدركين أننا نحتاج فقط إلى أن نفصل أنفسنا عن أحداث الفيلم حتى نعود إلى أرض الواقع.

قائمة أفلام.
بلد الإنتاج العنوان بالعربية العنوان بالإنجليزية المخرج سنة الإصدار
الولايات المتحدة فتيان جامحون على الطريق Wild Boys of the Road ويليام ويلمان ١٩٣٣
الولايات المتحدة حدث ذات ليلة It Happened One Night فرانك كابرا ١٩٣٤
المملكة المتحدة الخطوات التسع والثلاثون The 39 Steps ألفريد هيتشكوك ١٩٣٥
الولايات المتحدة أنت تعيش مرة واحدة فقط You Only Live Once فريتس لانج ١٩٣٧
الولايات المتحدة ساحر أوز The Wizard of Oz فكتور فليمنج ١٩٣٩
الولايات المتحدة عربة الجياد Stagecoach جون فورد ١٩٣٩
الولايات المتحدة عناقيد الغضب The Grapes of Wrath جون فورد ١٩٤٠
الولايات المتحدة إنهم يقودون ليلًا They Drive by Night راءول والش ١٩٤٠
الولايات المتحدة رحلات سوليفان Sullivan’s Travels بريستون سترجيس ١٩٤١
الولايات المتحدة الطريق إلى المغرب Road to Morocco دان باتلر ١٩٤٢
الولايات المتحدة انعطاف Detour إدجار أولمر ١٩٤٥
الولايات المتحدة إنهم يحيون ليلًا They Live by Night نيكولاس راي ١٩٤٨
الولايات المتحدة مجنونان بالأسلحة (أو الأنثى المميتة) Gun Crazy (aka Deadly is the Female) جوزيف إتش لويس ١٩٥٠
الولايات المتحدة الجامح The Wild One لاسلو بينيديك ١٩٥٣
فرنسا أجر الخوف The Wages of Fear هنري جورج كلوزو ١٩٥٣
الولايات المتحدة المقطورة الطويلة جدًّا The Long, Long Trailer فينسنت مينيلي ١٩٥٣
إيطاليا رحلة إلى إيطاليا Journey to Italy (aka Voyage to Italy) روبرتو روسيليني ١٩٥٤
إيطاليا لا سترادا La Strada فيديريكو فيلِّيني ١٩٥٤
الهند أغنية الطريق الصغير Song of the Little Road ساتياجيت راي ١٩٥٥
السويد التوت البري Wild Strawberries إنجمار بيرجمان ١٩٥٧
الولايات المتحدة شمال شمال غرب North by Northwest ألفريد هيتشكوك ١٩٥٩
فرنسا منقطع الأنفاس Breathless جان لوك جودار ١٩٦٠
الولايات المتحدة إنه عالم مجنون مجنون مجنون مجنون It’s a Mad, Mad, Mad, Mad World ستانلي كرايمر ١٩٦٣
إيطاليا الحياة السهلة The Easy Life دينو ريسي ١٩٦٤
الولايات المتحدة الملائكة الجامحون The Wild Angels روجر كورمان ١٩٦٦
فرنسا نهاية الأسبوع Weekend جان لوك جودار ١٩٦٧
الولايات المتحدة بوني وكلايد Bonnie and Clyde آرثر بين ١٩٦٧
الولايات المتحدة الراكب البسيط Easy Rider دينيس هوبر ١٩٦٩
الولايات المتحدة راعي بقر منتصف الليل Midnight Cowboy جون شليسينجر ١٩٦٩
الولايات المتحدة خمس قطع سهلة Five Easy Pieces بوب رافلسون ١٩٧٠
الولايات المتحدة طريق ذو مسارين Two-Lane Blacktop مونتي هيلمان ١٩٧١
الولايات المتحدة الأراضي الوعرة Badlands تيرينس ماليك ١٩٧٣
ألمانيا ملوك الطريق Kings of the Road فيم فيندرز ١٩٧٦
فرنسا الشاحنة The Truck مارجريت دوراس ١٩٧٧
أستراليا ماكس المجنون Mad Max جورج ميلر ١٩٧٩
البرازيل وداعًا يا برازيل Bye Bye Brazil كارلوس دييجيس ١٩٨٠
الولايات المتحدة سباق كانونبول Cannonball Run هال نيدام ١٩٨١
الولايات المتحدة/ألمانيا باريس، تكساس Paris, Texas فيم فيندرز ١٩٨٤
الولايات المتحدة أغرب من الجنة Stranger Than Paradise جيم جارموش ١٩٨٤
الولايات المتحدة العودة إلى المستقبل Back to the Future روبرت زميكيس ١٩٨٥
فرنسا المتشردة Vagabond أنييس فاردا ١٩٨٥
الولايات المتحدة/ألمانيا مقهى بغداد (أو من روزينهايم) Bagdad Café (aka Out of Rosenheim) بيرسي أدلون ١٩٨٧
الولايات المتحدة طائرات وقطارات وسيارات Planes, Trains & Automobiles جون هيوز ١٩٨٧
الولايات المتحدة تربية أريزونا Raising Arizona جويل كوين ١٩٨٧
مالي سطوع Brightness سليمان سيسيه ١٩٨٧
الولايات المتحدة مطاردة منتصف الليل Midnight Run مارتن بريست ١٩٨٨
الولايات المتحدة رجل المطر Rain Man باري ليفينسون ١٩٨٨
اليونان مشهد في الضباب Landscape in the Mist ثيودوروس أنجيلوبولوس ١٩٨٨
المملكة المتحدة طريق باو واو السريع Powwow Highway جوناثان واكس ١٩٨٩
فنلندا رعاة بقر لينينجراد يذهبون إلى أمريكا Leningrad Cowboys Go America أكي كواريسماكي ١٩٨٩
الولايات المتحدة أيداهو الخاص بي My Own Private Idaho جاس فان سانت ١٩٩١
الولايات المتحدة ثيلما ولويز Thelma & Louise ريدلي سكوت ١٩٩١
سلوفينيا جدتي تتجه جنوبًا Grandma Goes South فينسي فوج أنزلوفار ١٩٩١
الأرجنتين الرحلة The Voyage فرناندو إي سولاناس ١٩٩٢
إيطاليا الأطفال المسروقون The Stolen Children جياني أميليو ١٩٩٢
إيطاليا مذكراتي الحبيبة Dear Diary ناني موريتي ١٩٩٣
أستراليا مغامرات بريسيلا ملكة الصحراء The Adventures of Priscilla, Queen of the Desert ستيفان إليوت ١٩٩٤
جمهورية التشيك الرحلة The Ride يان سفيراك ١٩٩٤
الولايات المتحدة قَتَلة بالفطرة Natural Born Killers أوليفر ستون ١٩٩٤
كوبا جوانتاناميرا Guantanamera توماس جوتيريز أليا ١٩٩٥
أيسلندا حمى البرد Cold Fever فريدريك ثور فريدريكسون ١٩٩٥
الولايات المتحدة رجال على الهامش Boys on the Side هربرت روس ١٩٩٥
الولايات المتحدة اركب الحافلة Get on the Bus سبايك لي ١٩٩٦
بوركينا فاسو كيتا! صوت القصَّاص Keita! Voice of the Griot داني كوياتي ١٩٩٦
فرنسا غربي Western مانويل بوارييه ١٩٩٧
السنغال القطار الفائق السرعة The TGV Express موسى توريه ١٩٩٧
بوركينا فاسو بود يام Buud Yam جاستون كابوريه ١٩٩٧
الولايات المتحدة إشارات الدخان Smoke Signals كريس إير ١٩٩٨
البرازيل المحطة المركزية Central Station والتر ساليس ١٩٩٨
تركيا رحلة إلى الشمس Journey to the Sun يشيم أُسطى أوغلو ١٩٩٩
فرنسا رحلات Voyages إيمانويل فينكيل ١٩٩٩
الولايات المتحدة قصة ستريت The Straight Story ديفيد لينش ١٩٩٩
المكسيك من دون أثر Without a Trace (aka Leaving No Trace) ماريا نوفارو ٢٠٠٠
الولايات المتحدة سباق الفئران Rat Race جيري زاكر ٢٠٠١
المكسيك وأمُّك أيضًا And Your Mother Too ألفونسو كوارون ٢٠٠١
المغرب عود الريح The Wind Horse أولاد السيد داوود ٢٠٠٢
موريتانيا في انتظار السعادة Waiting for Happiness عبد الرحمن سيساكو ٢٠٠٢
الأرجنتين قصص صغرى (أو قصص حميمية) Minimal Stories (aka Intimate Stories) كارلوس سورين ٢٠٠٢
المملكة المتحدة المعاقل Heartlands داميان أودونيل ٢٠٠٢
اليابان الهزَّاز Vibrator ريوتشي هيروكي ٢٠٠٣
غينيا النهر The River ماما كيتا ٢٠٠٣
مملكة بوتان مسافرون وسَحَرة Travelers and Magicians خينتس نوربو ٢٠٠٣
روسيا العودة The Return أندري زفياجينتسيف ٢٠٠٣
الأرجنتين العائلة المسافرة The Rolling Family بابلو ترابيرو ٢٠٠٤
البرازيل يوميات الدراجة النارية The Motorcycle Diaries والتر ساليس ٢٠٠٤
الصين السفر وحيدًا لآلاف الأميال Riding Alone for Thousands of Miles ييمو جانج ٢٠٠٥
الإكوادور كم بقي من المسافة؟ How Much Further تانيا هيرميدا ٢٠٠٦
بلغاريا العالم كبير والخلاص قريب The World is Big and Salvation Lurks Around the Corner ستيفان كومانداريف ٢٠٠٨
جنوب أفريقيا زفاف أبيض White Wedding جان ترنر ٢٠٠٩
الولايات المتحدة الطريق The Road جون هيلكوت ٢٠٠٩
كولومبيا رحلات الريح The Wind Journeys سيرو جيرا ٢٠٠٩
الهند طريق، فيلم Road, Movie ديف بينيجال ٢٠٠٩
أوروجواي ما وراء الطريق Beyond the Road تشارلي براون ٢٠١٠
كوريا الجنوبية الذهاب إلى المنزل بصحبة ثور Rolling Home with a Bull إم سون راي ٢٠١٠
الولايات المتحدة رحلة سحرية Magic Trip أليكس جيبني وأليسون إيلوود ٢٠١١
البرازيل/فرنسا/الولايات المتحدة على الطريق On the Road والتر ساليس ٢٠١٢
الولايات المتحدة سارقة الهُوية Identity Thief سيث جوردون ٢٠١٣

قراءات إضافية

  • Cohan, Steven and Ina Rae Hark, eds. The Road Movie Book. Routledge, 1997.
  • Corrigan, Timothy. A Cinema Without Walls: Movies and Culture After Vietnam. Rutgers University Press, 1991.
  • Lackey, Kris. Road Frames: The American Highway Narrative. University of Nebraska Press, 1997.
  • Laderman, David. Driving Visions: Exploring the Road Movie. University of Texas Press, 2002.
  • Mazierska, Ewa and Laura Rascaroli. Crossing New Europe: Postmodern Travel and the European Road Movie. Wallflower Press, 2006.
  • Mills, Katie. The Road Story and the Rebel: Moving Through Film, Fiction, and Television. Southern Illinois University Press, 2006.
  • Orgeron, Devin. Road Movies: From Muybridge and Méliès to Lynch and Kiarostami. Palgrave Macmillan, 2008.
  • Paes de Barros, Deborah. Fast Cars and Bad Girls: Nomadic Subjects and Women’s Road Stories. Peter Lang, 2004.
  • Sargeant, Jack and Stephanie Watson, eds. Lost Highways: An Illustrated Guide to the Road Movie. Creation Books, 1999.
  • Sherrill, Rowland. Road-Book America: Contemporary Culture and the New Picaresque. University of Illinois Press, 2000.
  • Sturken, Marita. Thelma & Louise. British Film Institute, 2000.
  • Williams, Mark. Road Movies: The Complete Guide to Cinema on Wheels. Proteus, 1982.
  • Wood, Jason. 100 Road Movies. British Film Institute. 2007.

هوامش

(1) Barbara Klinger, “The Road to Dystopia: Landscaping the Nation in Easy Rider,” in Steven Cohan and Ina Rae Hark, ed., The Road Movie Book (Routledge, 1997), 179.
(2) Quoted in David Laderman, Driving Visions: Exploring the Road Movie (University of Texas Press, 2002), 43.
(3) Shari Roberts, “Western Meets Eastwood: Genre and Gender on the Road,” in Steven Cohan and Ina Rae Hark, eds., The Road Movie Book (Routledge, 1997), 51.
(4) Devin Orgeron, Road Movies: From Muybridge and Méliès to Lynch and Kiarostami (Palgrave Macmillan, 2008), 76.
(5) Dudley Andrew, “Breathless Then and Now,” booklet accompanying À bout de souffle DVD (Criterion Collection, 2007).
(6) Jack Kerouac, On the Road (1957, reissued Penguin, 1976), 87.
(7) Katie Mills, The Road Story and the Rebel: Moving Through Film, Fiction, and Television (Southern Illinois University Press, 2006), 3.
(8) Mills, 17.
(9) Orgeron, 27–45.
(10) Steven Cohan, “Almost Like Being at Home: Showbiz Culture and Hollywood Road Trips in the 1940s and 1950s,” in Steven Cohan and Ina Rae Hark, eds., The Road Movie Book (Routledge, 1997), 115.
(11) Laderman, 147.
(12) Laderman, 82.
(13) Laderman, 164.
(14) Jim Jarmusch, quoted in “Some Notes on Stranger Than Paradise,” Press Book, Stranger Than Paradise Special DVD Edition (Criterion Collection, 1984), 8.
(15) Ewa Mazierska and Laura Rascaroli, Crossing New Europe: Postmodern Travel and the European Road Movie (Wallflower Press, 2006), 1.
(16) Mazierska and Rascaroli, 131-132.
(17) Mazierska and Rascaroli, 33–56.
(18) Maria Eriksson Baaz and Mai Palmberg, Same and Other: Negotiating African Identity in Cultural Production (Nordiska Afrikainstitutet, 2001), 99.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤