الفصل الثالث

المصادر السومرية للملحمة البابلية

لقد كان اكتشاف الحضارتين الآشورية والبابلية خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، واحدًا من أهم منجزات العلوم الإنسانية الأوروبية. أما اكتشاف الحضارة السومرية فقد جاء بعد ذلك بوقت لا بأس به. فحتى عام ١٨٧٠م كان الجدل ما زال حاميًا بين المؤرخين والأركيولوجيين واللغويين حول حقيقة وجود الشعب السومري واللغة السومرية. ورغم أن بعض الرُّقم التي تحتوي كتابة سومرية قد وصل إلى علماء ذلك الوقت، إلا أن بعضهم قد بقي يجادل في أن هذه الكتابة ليست لغة جديدة، بل هي شكل من الأكادية ابتدعها البابليون للأغراض الدينية والطقسية في المعابد. ولكن الحقيقة ما لبثت أن أظهرت نفسها، وتم الكشف عن أول موقع سومري وهو مدينة لجش، وذلك خلال العقدَين الأخيرَين من القرن التاسع عشر، وأخذت روائع الأدبيات السومرية منذ ذلك الوقت تخرج من تحت الأنقاض، وبينها نصوص جلجامش التي تعرَّف عليها الباحثون بعد أكثر من نصف قرن على ظهور الألواح الأولى لملحمة جلجامش البابلية في نينوى.

وصلنا حتى الآن ستة نصوص سومرية تدور موضوعاتها حول جلجامش وهي:

(١) جلجامش وأرض الأحياء، (٢) جلجامش وثور السماء، (٣) جلجامش وشجرة الحلبو، (٤) جلجامش وإنكيدو والعالم الأسفل، (٥) جلجامش وأجا، (٦) موت جلجامش. يضاف إلى هذه النصوص الستة نصٌّ عن الطوفان لا يدور حول جلجامش ولكنه أثر في أسطورة الطوفان البابلية التي أدمجها محرر النص الأساسي في نسيج الملحمة. وهذه النصوص جميعها قد تم تدوينها في عصر أسرة أور الثالثة.

(١) جلجامش وأرض الأحياء

يُعتبر هذا النص من روائع الأدب السومري القديم، سواء بأفكاره أم بأسلوبه وبنائه الفني وإيقاعه الذي يعتمد التكرار المؤثر. ويدور الموضوع هنا حول انشغال جلجامش بفكرة الموت التي تلاحقه وهو يرى المنية تختطف الناس من حوله، وبحثه عن طريقة يخلِّد بها اسمه بعد مماته. فإذا كان لا بدَّ من الموت فلا أقل من فعل جليل يترك لصاحبه ذكرًا باقيًا على مر الأزمان. فيزمع القيام بحملة إلى غابة الأرز البعيدة التي يسكنها ويحميها كائنٌ وحشيٌّ مخيفٌ اسمه حواوا. وسأقدم فيما يلي ترجمةً لأكثر المقاطع وضوحًا في هذا النص:
إلى أرض الأحياء،١ تاق السيد إلى السفر.
إلى أرض الأحياء، تاق جلجامش إلى السفر.
فقال لخادمه إنكيدو:
«أي إنكيدو، إن الختم والآجر،٢ لم يأتيا بالمصير المحتوم بعد.
ولسوف أدخل أرض الأحياء وأُخلِّد لنفسي هناك ذِكرًا.
في الأماكن التي رفعت فيها الأسماء سأرفع اسمي،
وفي الأماكن التي لم تُرفع فيها الأسماء سأرفع اسم الآلهة.»
فأجابه خادمه إنكيدو:
«أخبر أوتو، البطل أوتو،٣
أرض الأرز الوحشية في رعاية أوتو، بلغ أوتو.»
فرفع جلجامش بيديه جدْيًا تام البياض،
وضغط إلى صدره جدْيًا أسمر قربانًا،
وأمسك بيده صولجان سيادته الفضي،
وتوجه بالقول إلى أوتو السماوي:
«أي أوتو، إني لداخل أرض الأحياء فكن نصيري.
إني لداخل أرض الأرز الجبلي فكن معيني.»
فأجابه أوتو:
«إنك لمقاتل نبيل حقًّا. ولكن ما هي بغيتك من تلك الأرض؟»
«أي أتو، سأتوجه إليك بكلمةٍ علَّك تصغي إليّْ،
وكلامٌ أُسمِعك إياه علَّك تنصت إليّْ:
في مدينتي يموت الرجل كسير القلب،
يقضي الرجل حزين الفؤاد.
أنظر من فوق السور
فأرى الأجساد الميتة طافية في النهر،
وأرى أني سأغدو مثلها حقًّا.
فالإنسان مهما علا، لن يبلغ السماء طولًا،
ومهما اتسع لن يغطي الأرض عرضًا.
وما دام الختم والآجر لم يأتيا بالمصير المحتوم بعد،
سأدخل أرض الأحياء وأُخلِّد لنفسي هناك ذِكرًا.
في الأماكن التي رُفعت فيها الأسماء سأرفع اسمي،
وفي الأماكن التي لم تُرفع فيها الأسماء سأرفع اسم الآلهة.»
تقبَّل أوتو دموعه قربانًا،
وكرجلٍ رحيم أظهر له من رحمته،
(ثم أسلمه) سبعة جبابرة، إخوة من أم واحدة:
الأول […]
الثاني، الأفعى السامة التي […]
الثالث، التنين الذي […]
الرابع، النار الحارقة التي […]
الخامس، الحية الهائلة التي تخلع الأفئدة […]
السادس، الطوفان المدمر الذي يطغى […]
السابع، البرق الوامض لا يصده شيء.٤
يلي ذلك تسعة وعشرون سطرًا كثيرة التشوه، ولكننا نفهم منها أن جلجامش قد جمع بعد ذلك خمسين متطوعًا يذهبون معه، واشترط في مرافقيه أن يكونوا بدون بيوت يملكونها أو زوجات وأولاد، ثم أعطى تعليماته إلى الحدادين ليصنعوا له ولمرافقيه أجود أنواع الأسلحة. وعندما أكمل استعدادته شرع في حملته، فقطع بجماعته ستة جبال هائلة، وعند عبور السابع يتوقف الركب للراحة. وهناك يقع جلجامش في سباتٍ عميق وطويل، ويحاول عبثًا إنكيدو إيقاظه:
هزه فلم يتحرك،
كلَّمه فلم يلقَ جوابًا:
«أيها المضطجع، أيها المضطجع،
أي سيدي جلجامش، إلى متى ترقد؟
أظلمَت الأرض، وانتشر الليل في كل مكان، وها هو الشعاع
الأخير عند الغسق،
وأوتو قد مال رافع الرأس إلى حضن أمه نيجال.٥
فإلى متى ترقد يا سيدي جلجامش؟
هل تترك مَن رافقك من أبناء مدينتك
يقفون بانتظارك عند سفح الجبل؟
هل تترك أمك تجرجر أذيال الخيبة في ساحة المدينة؟»
وهنا انتبه من غفوته.
نهض وقد جللته الهيبة كرداء.
ضم إلى صدره عباءته التي تزن ثلاثين شاقلًا،
وانتصب على الأرض كثور عتيٍّ،
ثم انحنى حتى لامس فمه الأرض وبرزت أسنانه:
«أقسم بحياة أمي ننسون وبأبي لوجال بندا،
إني سأجابه ذلك الكائن، رجلًا كان أم إلهًا.
ستتوجه خطواتي قدمًا نحو الأمام، لا خلفًا نحو المدينة.»
وهنا ناشده خادمه المخلص قائلًا:
«أي سيدي، إنك لم ترَ ذلك الكائن ولم تعرف منه الخوف،
أما أنا فقد رأيته ونالني منه الهلع الشديد.
لذلك الجبار أسنان كأسنان التنين،
ووجه يشبه وجه الأسد،
انقضاضه أشبه بسيل عرم،
ومن جبهته التي تلتهم القصب والشجر لا ينجو أحد.
فيا سيدي، تابع رحلتك نحو تلك الأرض، فإني عائدٌ إلى المدينة.
سأخبر أمك بأمجادك فتهلل،
ثم أخبرها بموتك المرتقب فتذرف الدمع الغزير.»
ولكن جلجامش يأخذ بتشجيع إنكيدو، الذي انتابه الهلع بعد أن أيقن أنهما لاحقان بحواوا، مقتربان من مقره، حتى تعود الطمأنينة إلى نفسه. فيتابع الركب مسيرته إلى أطراف غابة الأرز، وهناك يشرع الرجال في قطع الأشجار حول عرين الوحش. فيخرج حواوا للانقضاض على الدخلاء، ولكن البطلين يتصديان له ويدخُلان معه في معركة مميتة تنتهي بوقوعه بين أيديهما، فيأخذ في الاستعطاف من أجل البقاء على حياته، متوجهًا بالكلام أولًا إلى الإله أوتو، ثم إلى جلجامش بعد ذلك:
«أي أوتو، لم أعرف لي أمًّا ولدتني ولا أبًا رباني
أنت من أوجدني في هذه الأرض ورعاني.»
ثم التفت إلى جلجامش واستحلفه بالسماء والأرض والعالم الأسفل.
أخذه من يده وشده إليه،
فأخذت جلجامش به الشفقة،
وقال لخادمه إنكيدو:
«أي إنكيدو، لندع الطائر الحبيس يرجع إلى بيته،
لندع الرجل الأسير يعود إلى حضن أمه.»
فقال إنكيدو لجلجامش:
«إن من لا حصافة عنده
سرعان ما يلتهمه نمتار (شيطان الموت) الذي لا تمييز عنده.
إذا عاد الطائر الحبيس إلى حضن أمه،
فإنك لن ترى ثانيةً مدينة أمك التي ولدتك.»
وهنا قال حواوا لإنكيدو:
«لقد أوغرتَ صدره ضدي يا إنكيدو،
أيها الأجير، لقد أوغرت صدره ضدي.»
وعندما نطق بهذا القول،
قطعا منه العنق،
وقدماه قربانًا لإنليل وننليل.٦
لقد دخل العديد من أفكار وعناصر هذا النص السومري في نسيج الملحمة البابلية، رغم الاختلاف الواسع بين النصَّين. فلدينا أولًا الدافع الذي قاد جلجامش إلى التفكير في مغامرته الجريئة هذه، وهو متشابه هنا وهناك، ويتلخص في الإحساس بالموت والرغبة في قهره عن طريق خلود الاسم والذكر، على ما نبينه في المقارنة التالية:

النص السومري

فالإنسان مهما علا لن يبلغ السماء طولًا،
ومهما اتسع لن يغطي الأرض عرضًا،
أنظرُ من فوق السور
فأرى الأجساد الميتة طافية في النهر،
وأرى أني سأغدو مثلها حقًّا.
وما دام الختم والآجر لم يأتيا بالمصير المحتوم بعد.
سأدخل أرض الأحياء وأخلِّد لنفسي هناك ذكرًا.
في الأماكن التي رُفعت فيها الأسماء سأرفع اسمي،
وفي الأماكن التي لم تُرفع فيها الأسماء سأرفع اسم الآلهة.

النص الأكادي

من ترى يا صديقي يرقى إلى السماء،
الآلهة هم الخالدون في مرتع شمَس، أما البشر فأيامهم
معدودات وقبض الريح كل ما يفعلون،
في الغابة، هناك يعيش حواوا الرهيب هيَّا أنا وأنت نقتله،
سأمضي أمامك ولينادني صوتك: تقدم.
فإذا سقطتُ أصنع لنفسي شهرة،
سأمد يدي وأقطع أشجار الأرز فأحفر لنفسي اسمًا خالدًا.

وإنكيدو في كلا النصَّين يعارض مشروع جلجامش ويُظهر مخاوفه من نتائجه بينما يعمل جلجامش على تشجيعه وتحسين الأمر في عينيه.

النصُّ السومريُّ

أي سيدي، إنك لم ترَ ذلك الكائن ولم تعرف منه الخوف،
أما أنا فقد رأيته ونالني منه الهلع الشديد.
لذلك الجبار أسنان كأسنان التنين،
ووجه يشبه وجه الأسد.
انقضاضه كسيل عرم،
ومن جبهته التي تلتهم القصب والشجر لا ينجو أحد.

النصُّ الأكادي

عندما كنت أطوف البراري مع القطعان،
إن غابة حواوا تمتد عشرة آلاف ساعة مضاعفة.
فمن يستطيع المضي في أعماقها، وحواوا يزأر فيها كعاصفة الطوفان،
في فمه نار وفي أنفاسه العطب.

ولدينا في كلا النصين مشهد عن نوم جلجامش في الطريق قبل الوصول إلى مقر خمبابا/حواوا. والمشهدان مختلفان في التفاصيل وفي طريقة التوظيف.

النصُّ السومري

هزه فلم يتحرك،
تحدث إليه فلم يلقَ جوابًا:
أيُّها المضطجع، أيُّها المضطجع،
أي سيدي جلجامش إلى متى ترقد.
وهنا انتبه من غفوته،
نهض وقد جللته الهيبة كرداء.

النصُّ الأكادي

أسند جلجامش ذقنه إلى ركبته وهبط عليه النوم؛
راحة البشر.
وعند منتصف الليل انتبه.
رفع رأسه وقال لصديقه:
«هل ناديتني أيُّها الصديق،
لماذا أفقت؟
هل لمستني،
لماذا أنا خائف؟»

وبعد أن يقع خمبابا (حواوا) بين يدي البطلين ويدرك قرب نهايته، يأخذ بالتضرع إلى جلجامش الذي تأخذه به الشفقة، ويفكر بإطلاقه لولا تحذير إنكيدو.

النصُّ السومري

التفت إلى جلجامش واستحلفه بالسماء والأرض والعالم الأسفل.
أخذه من يديه وشده إليه.
فأخذت جلجامش به الشفقة، فقال إنكيدو لجلجامش:
إن من لا حصافة عنده،
سرعان ما يلتهمه شيطان الموت الذي لا تمييز عنده.
إذا عاد الطائر الحبيس إلى بيته
فلن ترى ثانية مدينة أمك التي ولدتك.

الترجمة الحثية للنص الأكادي

وهكذا أعلن حواوا الاستسلام، وقال لجلجامش:
«أطلقني يا جلجامش تكن لي سيدًا،
وأكن لك خادمًا.
والأشجار التي رعيتها سأقطعها وأصنع لك بيوتًا.
ولكن إنكيدو سارع جلجامش بالقول:
لا تُعر سمعًا لقول حواوا،
فحواوا لن يبقى على قيد الحياة.

ومن ناحية أخرى فإن النصَّ السومري يختلف عن النصِّ الأكادي في عنصرين أساسيين، الأول صلة جلجامش بإنكيدو التي تبدو في النصِّ السومري على أنها صلة السيد بتابعه، بينما يغدو إنكيدو في النصِّ الأكادي صديقًا وندًّا لجلجامش.

وهذه الصداقة ذات بوادر واضحة في النص السومري؛ لأن إنكيدو كان تابعًا من نوعٍ خاص ومميز، والصلة بينه وبين سيده ترقى إلى مستوى الصداقة. وسوف نرى في نصوصٍ سومرية أخرى أن جلجامش يخاطب تابعه مستخدمًا صيغة أيها الصديق. أما عنصر الاختلاف الثاني الرئيسي فهو اصطحاب جلجامش لخمسين متطوعًا من رجال أوروك في حملته على غابة الأرز، بينما نجد البطلين في الملحمة البابلية يشرعان وحدهما في تلك المغامرة.

(٢) جلجامش وثور السماء

وصلَنا هذا النص في حالة من التشوه لا تسمح بأخذ فكرة واضحة عن مضمونه وسَير أحداثه. فبعد الكسر الذي ذهب بمقدمة النص، هناك عدد من السطور المشوهة التي اختلف الاختصاصيون في ترجمة ما تبقى فيها من كلمات ومقاطع واضحة نسبيًّا. فبينما يرى كريمر أن الإلهة إنانا تتحدث إلى جلجامش عارضة عليه أعطيات وهدايا دون أن يتضح غرضها من ذلك (كما هو الحال في النص الأكادي، حيث تعرض عشتار على جلجامش هبات كثيرة لقاء زواجه منها)، فإن باحثين آخرين، ومنهم فالكنشتاين، لا يوافقون كريمر على قراءته. بعد ذلك يتشوه النص تمامًا، وعندما يعود إلى الوضوح ثانية نجد إنانا في حضرة أبيها آنو إله السماء تطلب منه أن يعطيها ثور السماء لتُهلك به جلجامش، وتهدده بصوت مرتفع دون أن نعرف بالضبط مضمون تهديداتها، فيرضخ آنو لمشيئتها بعد تردد، ويسلمها قياد ثور السماء الذي ترسله إلى أوروك فيعيث فيها فسادًا. يلي ذلك حديث غير واضح بين جلجامش وإنكيدو، ثم ينكسر اللوح مجددًا. وعلى الأغلب فإن البقية تحدِّثنا عن انتصار البطلين وقتلهما ثور السماء.٧

إن التشابه بين النصِّ السومري والنصِّ الأكادي للملحمة واضحٌ في عدد من النقاط:

النصُّ السومري

إنانا تغضب على جلجامش لسبب لا نستطيع تبينه في النص بسبب التشوه.
إنانا تعرج إلى سماء آنو، وتطلب منه أن يسلمها قياد ثور السماء لتهلك به جلجامش، وتهدد وتتوعد في حال الرفض؛ مضمون التهديد غيرُ واضح.
يرضخ آنو لمشيئة إنانا ويعطيها ثور السماء الذي يتسلط على أوروك ويعيث فيها فسادًا.
حوار غير واضح بين جلجامش وإنكيدو، ربما قبل مواجهة الثور أو خلالها.
النتيجة غير واضحة، والأرجح أن القسم المفقود من النصِّ يقصُّ عن انتصار البطلين.

النصُّ الأكادي

عشتار تعرِض على جلجامش هدايا وأعطيات ومكانة متميزة إذا تزوج منها.
جلجامش يرفض عرض عشتار ويهينها بكلمات قاسية، فيشتعل غضبها عليه.
عشتار تعرج إلى سماء آنو وتشتكي له من إهانة جلجامش، وتطلب منه أن يسلمها قياد ثور السماء لتهلك به جلجامش، وتهدد في حال الرفض بأنها ستحطم بوابات العالم الأسفل، فيخرج الموتى إلى الأرض ويأكلون كما الأحياء، وتحل المجاعة.
يرضخ آنو لمشيئة عشتار ويعطيها ثور السماء الذي يتسلط على أوروك ويعيث فيها فسادًا.
يتصدى البطلان لثور السماء.
وفي غمرة الصراع يجري حديث بين جلجامش وإنكيدو عن شدة بأس الخصم، وعن ضرورة التغلب عليه بعد أن تفاخرا كثيرًا بقتل حواوا.
إنكيدو يشل حركة الثور في النهاية، بينما يطعنه جلجامش، ثم يقدمانه قربانًا للإله شمس.

(٣) إنانا وشجرة الحلَبو

يظهر جلجامش في هذا النصِّ كنصير ومعين للإلهة إنانا لا كخصم لها كما في نصِّ ثور السماء. فعلى ضفة الفرات نمت شجرة حلبو، ودلالة هذا الاسم ما زالت مجهولة. ثم إن ريح الجنوب العتيَّة اقتلعت الشجرة ورمت بها في تيار الماء الذي حملها بعيدًا. وبينما كانت الإلهة إنانا تتمشى قرب ضفة النهر، رأت الشجرة فانتشلتها من الماء وحملتها إلى مدينة أوروك، حيث زرعتها في حديقتها المقدسة.

وبمرور السنين نمت الشجرة وكبرت حتى صارت فتنة للناظرين، إلا أن ثلاثة كائنات فوق طبيعية استولت على الشجرة وصنعت لها مساكن فيها، فقد استولت الحية العملاقة على قاعدة الشجرة وجعلت فيها جُحرًا لها، وحط طائر الزو الهائل على قمتها، حيث بنى له ولصغاره عشًّا، وجاءت ليليث شيطانة القفار فاتخذت من الوسط بيتًا لها، وبذلك لم تستطع إنانا من الشجرة اقترابًا. مضت إنانا إلى أخيها أوتو تشكو إليه ما حل بشجرتها، فسمعها جلجامش وهب لنجدتها. لبس درعه الذي يزن خمسين رطلًا وحمل فأسه الذي يزن أربعين رطلًا، وأتى إلى الشجرة حيث صرع الأفعى العملاقة، وعندما رأى الطائر زو ما حلَّ بالأفعى فر بصغاره إلى الجبل، كذلك ليليث التي قوضت مسكنها وهربت إلى الأماكن المهجورة، حيث تعودت أن تعيش. عند ذلك عمد جلجامش إلى الشجرة فقطعها وقدمها إلى الإلهة، فصنعت من الشجرة كرسيًّا وسريرًا، كما صنعت له آلتين موسيقيتين مكافأة على صنيعه: واحدة من قاعدة الشجرة اسمها بكو والأخرى من قمتها اسمها مكو.٨ وهاتان التسميتان غير واضحتي الدلالة، فربما كانت الأداة الأولى طبلًا والثانية عصا الطبل.
لا يوجد أثر لعناصر وأفكار هذا النص في الملحمة الأكادية. وهناك جدل أكاديمي بين اللغويين حول ظهور عنصر التباري بين جلجامش وشباب أوروك (مما نراه في بداية اللوح الأول من الملحمة البابلية) في نصِّ إنانا وشجرة الحلبو. ويفسر البعض المقطع الغامض الدلالة في نهاية النص من السطر ١٤٧ إلى السطر ١٦٤، بقولهم: إنه يشير إلى مقارعة بين جلجامش والفتيان، وإن البكو والمكو هما في الواقع من أدوات هذا النزاع من القراع أو التباري.٩ وإني لا أجد داعيًا هنا للخوض في هذه المسألة التخصصية جدًّا.

(٤) جلجامش وإنكيدو والعالم الأسفل

بقي هذا النص متداولًا في ثقافة بلاد الرافدين منذ العصر السومري الجديد وحتى أواسط الألف الأول قبل الميلاد، حيث تم العثور على نسخة أكادية منه ملحقة بمجموعة ألواح ملحمة جلجامش. وقد جاء هذا النص في نسخته السومرية القديمة بمثابة استمرار لنص إنانا وشجرة الحلبو. فبعد وقت قصير من حصول جلجامش على آلتي البكو والمكو تسقطان منه في بئرٍ عميقة جافة تتصل بالعالم الأسفل، مسكن الأموات، فيحزن لفقدهما ويندبهما قائلًا:
يا «بكي» من سيعيدك إليَّ من العالم الأسفل؟
ويا «مكي» من سيعيدك إليَّ من العالم الأسفل؟
وبما أن النص السومري كثير التشوه، فإنني سأقدم فيما يأتي النص الكامل للنسخة الأكادية، التي تعتبر ترجمة شبه كاملة للنص السومري مع تعديلات طفيفة جدًّا. وهذه النسخة تُشكل اللوح الثاني عشر من ملحمة جلجامش، النص الأساسي:١٠

(١) ليتني تركت البكو في حانوت النجار.

(٢) ليتني تركته مع زوجة النجار التي كأمي.

(٣) ليتني تركته مع ابنة النجار التي كأختي الصغرى.

(٤) والآن، من سيعيد إليَّ البكو من العالم الأسفل؟

(٥) ومن سيعيد إليَّ المكو من العالم الأسفل؟

(٦) فقال له خادمه إنكيدو، قال لجلجامش:

(٧) «سيدي ما الذي يبكيك، وما الذي يوجع قلبك؟

(٨) اليوم آتيك بالبكو من العالم الأسفل،

(٩) وآتيك بالمكو من العالم الأسفل.»

(١٠) فقال له جلجامش، قال لإنكيدو:

(١١) «إذا عزمتَ الآن على النزول إلى العالم الأسفل،

(١٢) فإن لديَّ كلمة أقدمها لك، فخذ بها،

(١٣) ونصيحة أزودك بها، فاتبعها:

(١٤) لا تضع عليك ثيابًا نظيفة،

(١٥) وإلا صرخ الأموات في وجهك كغريب.

(١٦) لا تضمخ نفسك بالعطر الفاخر،

(١٧) وإلا تجمعوا حولك لفوحانه منك،

(١٨) لا ترمِ رمحًا في العالم الأسفل،

(١٩) وإلا أحاط بك من أصابهم رمحك.

(٢٠) لا تحمل بيدك هراوة،

(٢١) وإلا تراقصت حولك الأشباح.

(٢٢) لا تضع في قدميك صندلًا.

(٢٣) لا تحدث جلبة في العالم الأسفل.

(٢٤) لا تقبل زوجتك التي تحب.

(٢٥) ولا تضرب زوجتك التي تكره.

(٢٦) لا تقبِّل ابنك الذي تحب.

(٢٧) ولا تضرب ابنك الذي تكره.

(٢٨) وإلا أمسك بك صراخ العالم الأسفل.

(٢٩) صراخ تلك المضطجعة، أم الإله ننازو، تلك المضطجعة.

(٣٠) التي لا يغطي كتفيها رداء،

(٣١) وصدرها كطاسٍ حجري لا يستره غطاء.»١١

(٣٢) لم يعطِ إنكيدو مشورة سيده سمعًا،

(٣٣) وضع عليه حُلة نظيفة،

(٣٤) فصرخ الأموات في وجهه كغريب.

(٣٥) وضمخ نفسه بالعطر الفاخر،

(٣٦) فتجمعوا لفوحانه حوله.

(٣٧) رمى رمحًا في العالم الأسفل،

(٣٨) فأحاط به من أصابهم رمحه.

(٣٩) حمل بيده هراوة (فتراقصت أمامه الأشباح)،

(٤٠) انتعل في قدميه صندلًا،

(٤١) وأحدث جلبة في العالم الأسفل.

(٤٢) قبَّل زوجته التي يحب،

(٤٣) وضرب زوجته التي يكره.

(٤٤) قبَّل ابنه الذي يحب،

(٤٥) وضرب ابنه الذي يكره.

(٤٦) فأمسك به صراخ العالم الأسفل،

(٤٧) صراخ تلك المضطجعة، أم الإله ننازو، تلك المضطجعة،

(٤٨) التي لا يغطي كتفيها رداء،

(٤٩) وصدرها، كطاسٍ حجري، لا يستره غطاء.

(٥٠) منعت عنه، من عالم الأموات، صعودًا.

(٥١) لم يمسك به نمتار١٢ ولم تمسك به علة،

العالم الأسفل أمسك به.

(٥٢) لم يمسك به وكيل نرجال الذي لا يرحم،١٣

العالم الأسفل أمسك به.

(٥٣) لم يسقط في ساح معركة الرجال،

العالم الأسفل أمسك به.

(٥٤) جلجامش، السيد ابن ننسون، بكى خادمه إنكيدو.

(٥٥) مضى وحيدًا إلى إيكور، بيت إنليل:

(٥٦) «أيها الأب إنليل، لقد سقط بَكي إلى العالم الأسفل.

(٥٧) وسقط مَكي إلى العالم الأسفل.

(٥٨) بعثت إنكيدو ليرجعهما فأمسك به العالم الأسفل.

(٥٩) لم يمسك به نمتار، ولم تمسك به علة،

العالم الأسفل أمسك به.

(٦٠) لم يمسك به وكيل نرجال الذي لا يرحم،

العالم الأسفل أمسك به.

(٦١) لم يسقط في ساح معركة الرجال.

العالم الأسفل أمسك به.»

(٦٢) فلم يجبه إنليل بكلمة. فمضى وحيدًا.

إلى إيكيش-شيريجال بيت الإله سن:

(٦٣) «أيها الأب سن، لقد سقط بَكي إلى العالم الأسفل،

(٦٤) وسقط مَكي إلى العالم الأسفل.

(٦٥) بعثت إنكيدو ليرجعهما، فأمسك به العالم الأسفل.

(٦٦) لم يمسك به نمتار، ولم تمسك به علة،

العالم الأسفل أمسك به.

(٦٧) لم يمسك به وكيل نرجال الذي لا يرحم،

العالم الأسفل أمسك به.

(٦٨) لم يسقط في ساح معركة الرجال،

العالم الأسفل أمسك به.»

(٦٩) فلم يجبه سن بكلمة، فمضى وحيدًا.

إلى إيا-بسو، بيت الإله إيا:

(٧٠) «أيها الأب إيا، لقد سقط بَكي إلى العالم الأسفل،

(٧١) وسقط مَكي إلى العالم الأسفل.

(٧٢) بعثت إنكيدو ليرجعهما فأمسك به العالم الأسفل.

(٧٣) لم يمسك به نمتار، ولم تمسك به علة،

العالم الأسفل أمسك به.

(٧٤) لم يمسك به وكيل نرجال الذي لا يرحم،

العالم الأسفل أمسك به.

(٧٥) لم يسقط في ساح معركة الرجال،

العالم الأسفل أمسك به.»

(٧٦) فلما سمع الأب إيا هذا،

(٧٧) توجه بالقول إلى نرجال البطل المحارب:

(٧٨) نرجال أيها البطل المحارب، يا بن بيليت إيلي.

(٧٩) افتح الآن ثقبًا في العالم الأسفل،

(٨٠) تتسلل منه روح إنكيدو من العالم الأسفل،

(٨١) فيشرح لأخيه مسالك العالم الأسفل.»

(٨٢) امتثل البطل المحارب نرجال لطلب إيا.

(٨٣) وما لبث أن فتح ثقبًا في العالم الأسفل.

(٨٤) تسللت عبره روح إنكيدو كالنسيم من العالم الأسفل.

(٨٥) تعانقا وقبَّل كل منهما الآخر،

(٨٦) ثم أخذا يتحدثان ويتحاوران:

(٨٧) «أخبرني أيُّها الصديق، ألا أخبرني أيُّها الصديق،

(٨٨) حدثني عن مسالك العالم الذي شهدت.»

(٨٩) «لا أحب أن أخبرك أيُّها الصديق، لا أحب.

(٩٠) فإذا كان عليَّ أن أخبرك بمسالك العالم الذي شهدت،

(٩١) اجلس أولًا وابكِ.

(٩٢) «سأجلس وأبكي.»

(٩٣) «إن جسمي الذي عانقته وقلبك مبتهج،

(٩٤) تنهشه الحشرات كخرقة بالية.

(٩٥) إن جسمي الذي عانقته وقلبك مبتهج،

(٩٦) جثة مليئة بالتراب.»١٤

(٩٧) فصرخ: يا ويلتاه وانكب فوق التراب.

(٩٨) صرخ جلجامش: يا ويلتاه وانكبَّ فوق التراب.

(٩٩) «هل رأيت الذي لم ينجب أولادًا؟»

(١٠٠) (سطر مشوه.)

(١٠١) (سطر مشوه.)

(١٠٢) «هل رأيت الذي أنجب ولدًا واحدًا؟»

«نعم لقد رأيت.

(١٠٣) إنه ساجدٌ عند الجدار يبكي بحرقة.»

(١٠٤) «هل رأيت الذي أنجب ولدين؟»

«نعم لقد رأيت.

(١٠٥) إنه يسكن في بيت من الآجر ويأكل الخبز.»

(١٠٦) «هل رأيت الذي أنجب ثلاثة أولاد؟»

«نعم لقد رأيت.

(١٠٧) إنه يشرب من ينابيع الأعماق.»

(١٠٨) هل رأيت الذي أنجب أربعة أولاد؟»

(١٠٩) «نعم لقد رأيت فقلبه مبتهج مثل …»

(١١٠) «هل رأيت الذي أنجب خمسة أولاد؟»

«نعم لقد رأيت.

(١١١) إن يده مبسوطة كالكاتب الطيب،

(١١٢) … دون تأخير يحل في قصر.»

(١١٣) «هل رأيت الذي أنجب ستة أولاد؟»

«نعم لقد رأيت.»

(١١٤) (سطر مشوه.)

(١١٥) «هل رأيت الذي أنجب سبعة أولاد؟»

(١١٦) (سطر مشوه.)

(١١٧) «هل رأيت الذي …؟»

«نعم لقد رأيت.

(١١٨) إنه كرايةٍ جميلة …»

(١١٩–١٤٣) (خمسة وعشرون سطرًا ناقصة بسبب كسر في اللوح.)

(١٤٤) «هل رأيت الذي سقط من الصارية؟»

«نعم لقد رأيت.

(١٤٥) إنه لتوه … عند مربط الحبال.»

(١٤٦) «هل رأيت الذي مات ميتة فجائية؟»

(١٤٧) «نعم لقد رأيت، إنه مضطجع على الأرائك يشرب الماء القراح.»

(١٤٨) «هل رأيت الذي قُتل في المعركة؟»

«نعم لقد رأيت.

(١٤٩) إن أمه وأباه يسندان رأسه، وزوجته تبكيه.»

(١٥٠) «هل رأيت الذي تُركت جثته في العراء؟»

(١٥١) «نعم لقد رأيت، إن روحه لا تجد مستقرًّا في العالم الأسفل.»

(١٥٢) «هل رأيت الذي لا يُعنى براحة روحه أحد؟»

«نعم لقد رأيت.

(١٥٣) إنه يأكل فتات الموائد وما يُرمى في الطريق.»

(١٥٤) (نهاية اللوح الثاني عشر من: هو الذي رأى كلَّ شيء، من سلسلة جلجامش التي تمت.)

•••

إن انشغال جلجامش بفكرة الموت في نصِّ «جلجامش وأرض الأحياء»، يتحول في نصِّ «جلجامش وإنكيدو والعالم الأسفل» إلى مواجهة فعلية مع الموت من خلال فقدان البطل لتابعه الأمين الذي يخاطبه هذه المرة في أحد المواضع بيا أيُّها الصديق عندما يقول: «أخبرني أيُّها الصديق، ألا أخبرني أيُّها الصديق.» وهنا يمتزج حزن جلجامش على صديقه بإحساسه الخاص بموته ورغبته في معرفة المزيد عن العالم الأسفل وأحوال الموتى فيه. وبذلك يتعاون هذان العنصران على خلق عنصر أساسي من عناصر الملحمة الأكادية، وهو تحوُّل همِّ الموت الهاجع في نفسه إلى انتباهٍ مؤلم بعد أن يفارق إنكيدو الحياة بين يديه. نقرأ في النص الأكادي:

لم يفتح إنكيدو عينيه.

وضع جلجامش يده على قلبه، لم يتحسس له نبضًا.

فرمى عليه وشاحًا كوشاح العروس،

ورفع صوته بصراخ كزئيد الأسد.

وكلبوةٍ سُلبت أشبالها،

صار يروح ويجيء أمام السرير،

يقطع بيديه شَعر رأسه ويرميه.

يمزق عنه ثيابه النقية كأنها نجس.

(اللوح الثامن: العمود ٢ من النصِّ الأساسي.)

وهذا المشهد يعيد علينا بطريقة مختلفة مشهد هلع جلجامش في النص السومري بعدما تأكد من أنه لم يكن يعانق سوى شبح إنكيدو الميت:
«إن جسمي الذي عانقتَه وقلبك مبتهج
جثة مليئة بالتراب.»
فصرخ: يا ويلتاه وانكب فوق التراب.
صرخ جلجامش: يا ويلتاه وانكب فوق التراب.

وخطاب جلجامش للإله إنليل الذي يتكرر بحرفيته أمام الإله سن وأخيرًا أمام الإله إيا، بخصوص غياب إنكيدو في العالم الأسفل، نجد صدًى له في خطاب جلجامش لفتاة الحان التي توقَّف عندها في الطريق إلى أوتنابشيتم، والذي يتكرر بحرفيته أمام أوتنابشتيم نفسه فيما بعد.

النصُّ السومري

– لم يمسك به نمتار ولم تمسك به علة.
العالم الأسفل أمسك به.
– لم يمسك به وكيل نمتار الذي لا يرحم.
العالم الأسفل أمسك به.
– لم يسقط في ساح معركة الرجال.
العالم الأسفل أمسك به.
– فلم يجبه إنليل بكلمة.

النصُّ الأكادي

إنكيدو، صديقي، أخي الأصغر الذي طارد حمار وحش
البراري وفهد الفلاة.
صديقي الذي أحببته جمًّا ومضى معي عبر المهالك،
أدركه مصير البشر.
ستة أيامٍ وسبع ليالٍ بكيت عليه حتى سقطت دودة من أنفه.
فانتابني هلع الموت حتى هِمت في البراري (اللوح العاشر، العمود الأول من النصِّ الأساسي).

ولدينا أيضًا وصف إنكيدو لأحوال الموتى في العالم الأسفل في النصِّ السومري، الذي يجد صدًى له في حلم إنكيدو وهو على فراش الموت، حيث يرى نفسه وقد اقتيد من قبل نمتار إلى العالم الأسفل ورأى أحوال أهله، فيستيقظ مذعورًا ليقص على صديقه حلمه:

نظر إليَّ وقادني إلى بيت الظلام، مسكن إرجالا (إرشكيجال).
إلى دار لا يرجع منها داخل إليها،
إلى درب لا يرجع بصاحبه من حيث أتى.
في بيت التراب حيث دخلت،
رأيت الملوك وقد نزعت تيجانها؛
تيجان حكمت البلاد منذ القِدم.
هناك الكاهن الأعلى ومعاونوه،
وهناك كاهن التعاويذ والإنشاد.
هناك القائمون على أجران زيت الآلهة.
هناك تجلس إريشكيجال ربة العالم الأسفل.

(أسطر منتخبة من اللوح السابع، العمود الرابع، من النصِّ الأساسي.)

وكما نلاحظ أعلاه، فإن وصف إنكيدو للعالم الأسفل في النص الأكادي مختلف تمامًا، من حيث المؤدى والغاية، عنه في النصِّ السومري. وهذا الاختلاف الواسع في كيفية معالجة العناصر المتشابهة في النصين تُظهر مدى الحرية التي استخدمها المحرر الأكادي في الاعتماد على النصوص السومرية والإفادة منها، وأسلوبه الخلاق في صهر العناصر والأفكار القديمة في قالب حديث خاص به.

وأخيرًا، فإن نصائح جلجامش لإنكيدو قبل هبوطه إلى العالم الأسفل قد هدفت إلى إفهامه مزية الحي على الميت، وتحذيره من أن يسلك سلوك الحي في عالم الأموات. فالنظافة والثياب الجميلة وانتعال الصندل والعطور هي من نِعم الحياة التي تثير حفيظة الموتى، وإحداث جلبة أثناء المشي ورمي الرمح في العالم الأسفل تذكرهم بالديناميكية التي يتمتع بها الأحياء، وتقبيل الزوجة المحبوبة والابن المحبوب، أو ضرب الزوجة المكروهة والابن المكروه، وهو عرض لتلك العواطف التي غدوا محرومين منها. وقد شدد النص الأكادي، بالمقابل، على نِعم الحياة هذه في خطاب فتاة الحان إلى جلجامش:

إلى أين تمضي يا جلجامش؟
الحياة التي تبحث عنها لن تجدها؛
فالآلهة عندما خلقت البشر
جعلت الموت لهم نصيبًا،
وحبست في أيديها الحياة.
أما أنت يا جلجامش فاملأ بطنك،
وافرح ليلك ونهارك.
اجعل من كل يوم عيدًا،
وارقص لاهيًا في الليل وفي النهار.
اخطِر بثياب نظيفة زاهية.
واغسل رأسك واستحمَّ بالمياه.
دلل صغيرك الذي يمسك بيدك،
وأسعد زوجك بين أحضانك.
هذا نصيب البشر (في هذه الحياة).

(اللوح الثالث من النص البابلي القديم.)

أما لماذا ألحَق محرر النصِّ الأساسي للملحمة أسطورة «جلجامش وإنكيدو والعالم الأسفل» السومرية هذه بالملحمة البابلية، وجعل منها اللوح الثاني عشر والأخير، رغم أن أحداث الملحمة تنتهي في اللوح الحادي عشر؛ فمسألة خلافية لم يتفق الباحثون على تفسيرها.

(٥) موت جلجامش

في الملحمة الأكادية تنتهي الأحداث بعودة جلجامش إلى أوروك ومعه أورشنابي ملاح أوتنابشتيم، دون أية إشارة إلى موته بعد ذلك، أما في النص السومري المدعو من قبل الباحثين المحدثين ﺑ «موت جلجامش»، فنجد أن المنية توافي جلجامش في حينها، مع إشارة غامضة إلى مقاومته لها ورفضه القبول بمصير البشر. وهناك شخص آخر يقنعه بقبول النهاية المحتومة لكل الأحياء. وقد بقي من هذا النص الطويل قرابة الأربعين سطرًا فقط، وهي مشوهة وعلى درجة من الغموض لا تسمح بتقديم ترجمة كاملة وواضحة لها. في أكثر الأسطر وضوحًا نقرأ ما يأتي:

إنليل …
لقد أعطى لك يا جلجامش السلطان،
أما الحياة الخالدة فلم تكتب لك.
وهبك السيادة على كل البشر.
وهبك … لا نظير له.
وهبك نزالًا في المعركة لا ينجو منه أحد،
وهبك انقضاضًا لا يجاريه أحد،
وهبك كرًّا لا ينجو منه أحد.١٥
ومن الشذرات الواضحة الأخرى في النصِّ، نعرف أن جلجامش قد هبط أخيرًا إلى العالم الأسفل، حيث قدم القرابين لآلهة العالم الأسفل وللشخصيات المهمة من الأسلاف المبجلين هناك، وذلك عنه وعمن «اضطجع معه» في «قصره الطهور» بأوروك؛ وهم زوجته وخليلته وموسيقيوه وندماؤه ورئيس خدمه ومشرفو قصره وعدد آخر من أمراء حاشيته. ورغم غموض النص في هذا الموضع فإن بعض المفسرين يعتقد بأن المقرَّبين من جلجامش قد رافقوه إلى العالم الأسفل، وذلك وفق التقليد الذي كان شائعًا في عصر الأسرات الأولى، والذي تدل عليه المكتشَفات في المقابر الملكية لمدينة أور السومرية.١٦ ففي أور كان الراحل الملكي إلى العالم الأسفل يصطحب معه زوجته وخليلاته وجميع أفراد حاشيته، وكانت زوجته بدورها تصطحب معها وهي تلحق به جميع وصيفاتها وخدمها المقربين. ولدينا من مقبرة الملك أبارغي وزوجته شوب، وهي واحدة من عدة مقابر ملكية تم اكتشافها، أوضح مثال على هذا النوع من الرحيل الجماعي إلى العالم الأسفل. ففي حجرة الدفن الخاصة بالملك عُثر على ثلاثة مرافقين شخصيين للملك المتوفى، وفي حجرة ملحقة ثانية عُثر على ثمانية وستين مرافقًا ومرافقة انتظمت جثثهم في صفوف متوازية وعليهم أفضل ثيابهم وزينتهم، إضافة إلى عربتين شُدَّ إلى كل منهما ثلاثة ثيران جر. أما في مدفن زوجته التي تبِعته، فقد عُثر على خمس وعشرين مرافقة، وعربة خفيفة شُدَّ إليها حماران.١٧ وعقب هذا الاكتشاف، جهد علماء السومريات في العثور على نصوص ووثائق من أي نوع توضح الخلفية الدينية لهذه الممارسة الغريبة، ولكن دون جدوى. ولعل السبب في ذلك راجع إلى أن هذه الممارسة ترجع إلى عصر الأسرات الأولى وخصوصًا القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد، بينما ترجع معظم النصوص السومرية التي بين أيدينا إلى فترة أور الثالثة في القرن الحادي والعشرين قبل الميلاد، عندما صار طقس الدفن الجماعي هذا في طيِّ النسيان. وعندما تم اكتشاف نص موت جلجامش وجد الباحثون في طيات سطوره المشوهة ما يمكن أن يشير إلى ذلك الطقس المنسي. ونحن لا نعرف في الحقيقة ما إذا كان نصُّ جلجامش هذا قد ألقى ضوءًا على ذلك الطقس وقدم البينة النصية عليه، أم أن بعض القراء قد فهمه اعتمادًا على وجود ذلك الطقس القديم، وحمَّل تلك الكلمات والجُمل الباقية في اللوح المكسور والمشوه ما لا تحمل.
فإذا صرفنا النظر مؤقتًا عن طقس الدفن الجماعي وعلاقته بنص موت جلجامش، استطعنا العثور في أكثر من نصٍّ سومري على ما يُلقي ضوءًا على الطقوس التي مارسها جلجامش لدى هبوطه إلى العالم الأسفل. ولدينا بشكل خاص نصٌّ من عصر أسرة أور الثالثة يصف موت الملك أورنمو وهبوطه إلى العالم الأسفل، منقوش على لوح يحتوي على ستة أعمدة. العمود الأول مكسور، ويعتقد أنه يحتوي على وصف لمنجزات الملك أورنمو العسكرية والعمرانية، والظروف التي قادت إلى مقتله في الحرب. أما بقية الأعمدة المقروءة بشكل جيد، فتبدأ بوصف واقعة موت الملك الذي تُرك وحيدًا في أرض المعركة، وجثمانه المُسجى في القصر يبكيه أهله وشعب أوروك. بعد ذلك نجد الملك في العالم الأسفل يقدم الهدايا والقرابين للآلهة السبعة هناك وللأسلاف البارزين ممن ماتوا قبله وبينهم الملك جلجامش. وأخيرًا يصل أورنمو إلى المسكن الذي خصص له من قبل كهنة العالم الأسفل، وهناك يأتي إليه جلجامش الذي يصفه النص بالأخ المحبوب لأورنمو، فيشرح له قوانين وأنظمة العالم الأسفل. وبعد عشرة أيسم يصل إلى سمعه نُواح بلاد سومر عليه، وعويل مدينة أور التي مات دون أن يكمل فيها تحصين سورها العظيم وتطويب قصره المنيف، وندب زوجته التي لم يعد بمقدوره عناقها وابنه الصغير الذي لم يعد بمقدوره تدليله على ركبته. فيبكي أورنمو وتصدر عنه صرخات عويل مُرَّة وعالية، ويلوم الآلهة التي ما انفك يخدمها طيلة حياته ولكنها خذلته حين الحاجة إليها. أما نهاية النصِّ فغير واضحة بسبب الكسر الحاصل في العمود الأخير.١٨

وبشكل عام فإننا لا نستطيع العثور على عناصر مشتركة بين نص موت جلجامش السومري والملحمة الأكادية. أما بخصوص قول النص السومري على لسان شخصية حاضرة عند فراش موت جلجامش، بأنه قد وُهب الكثير من الخصائص والمزايا التي تعليه فوق أقرانه جميعًا ولكنه لم يوهب نعمة الخلود، فلا يقودنا إلى الاستنتاج بأن جلجامش، في النصِّ السومري، كان يتوق إلى هذا النوع من الخلود الشخصي ويبحث عنه خلال حياته. وعلى الأغلب فإن التوق إلى الخلود هنا قد رافق هلع جلجامش من اقتراب ساعة المنية. ومع ذلك فإنه من الممكن جدًّا أن تكون هذه الفكرة بشكلها الجنيني الوارد هنا، هي الأساس الذي بنى عليه محررو النصِّ الأكادي فكرة بحث جلجامش عن الخلود.

(٦) جلجامش وأجا ملك كيش

على عكس بقية نصوص جلجامش التي استعرضناها حتى الآن والتي غلب عليها، إلى هذا الحد أو ذاك، الطابع الميثولوجي، فإن نص جلجامش وأجا هو نص ذو طابع تاريخي، يقص علينا حدثًا وقع أيام حكم جلجامش، ويعالجه بطريقة واقعية بسيطة ومباشرة. ولعل أهم ما في هذا النص هو إطلاعنا على جانب من جوانب التنظيم السياسي للمجتمعات السومرية، فنعرف لأول مرة عن وجود مجالس شعبية استشارية، يلجأ إليها ملوك دويلات المدن من أجل اتخاذ القرارات المصيرية. في مطلع هذا النص نجد الملك أجا حاكم مدينة كيش السومرية، يبعث برسله إلى جلجامش طالبًا خضوع أوروك أو تحمل تبعات حرب لن تكون في صالحها. بعد الاستماع إلى فحوى رسالة أجا، يدعو جلجامش مجلس شيوخ المدينة إلى الانعقاد ويبسط أمامهم المسألة طالبًا مشورتهم. ولكن مشورة مجلس الشيوخ جاءت مخيبة لجلجامش؛ لأنه صوت إلى جانب الرضوخ لأجا وعزف عن القتال. وهنا يتحول جلجامش إلى مجلس آخر هو مجلس الشباب، ليجد لديه حماسًا للقتال يعادل حماسه. ويعلن الشباب بصوت واحد:

«لا تستسلم إلى كيش، ولنقهرها بالسلاح.
أوروك صنعة يد الآلهة،
ومعبدها إيانا هبة من السماء،
صاغت أجزاءه يد الآلهة العظام.
أسوارها السامقة تلمس أطراف الغمام،
ومرابعها، آنو قد وضع لها الأساس.
أنت الذي رعاها أيها الملك، أيها البطل،
أيها الغازي، أنت. فكيف نخشى قدوم أجا؟
إن جيشه لقليل وصفوفه مترنحة،
رجاله لا يقوون على رفع أبصارهم إلينا.»
أثلج صدر جلجامش ما سمعه من الفتيان وانتشت روحه.
التفت إلى خادمه إنكيدو قائلًا:
«الآن، دع عدة السلام تخلي مكانها لمعمعان القتال،
ولتأخذ عدة الحرب مكانها إلى جانبك ثانية.»١٩

وهكذا يرفض جلجامش تبعية أوروك إلى كيش، ويبدأ استعداداته للقتال، ولكن أجا يطبق على أوروك ويحكم حولها الحصار قبل أن يتمكن جلجامش من شن حرب دفاعية ضده، فيدير جلجامش الدفاع عن المدينة بحنكة وحكمة، ويفلح أخيرًا في إنهاء القتال لما فيه مصلحة الطرفين اللذين يعقدان بينهما صلحًا دائمًا.

لن نتوقف أكثر من ذلك عند هذا النص لعدم وجود أية صلة بينه وبين الملحمة الأكادية، وننتقل إلى نص الطوفان الذي انتقلت عناصره إلى الملحمة رغم عدم وجود ذكر لجلجامش فيه.

(٧) نصُّ الطوفان

تأتي قصة الطوفان السومرية في سياق نصٍّ طويل يبدأ، على ما يبدو، بقصة الخليقة ثم خلق الإنسان فظهور المدن السومرية الأولى. بداية النص تالفةٌ تمامًا، ومن المُرجح أنها تحكي عن قيام الآلهة بخلق الكون. وعندما يبدأ النص بالوضوح يحدثنا عن خلق الإنسان وظهور خمس مدن إلى الوجود هي إريدو وباديتيبيرا ولارك وشوروباك وسيبار، والتي يتم توزيعها على عدد من الملوك والأبطال. بعد ذلك يتشوه النص، وعندما تبدأ سطوره بالوضوح نجد أن الآلهة قد قررت لسبب غير واضح إفناء الجنس البشري بواسطة طوفان يغمر الأرض. ويبدو أن مقدمات هذا القرار موجودة في الحيز المشوه. ورغم أن بقية النص غير واضحة تمامًا إلا أن الأجزاء الباقية كافية لفهم خلاصة ما حدث بعد ذلك. فالإلهة إنانا لا تخرج عن إجماع الآلهة ولكنها تحزن للقرار وتقيم مناحة على البشر، وكذلك الإلهة ننتو، الأم الخالقة التي ساهمت على ما نعرف بخلق الجيل الأول من البشر. أما الإله إنكي المعروف بحبه لبني الإنسان فقد قرر على ما يبدو الخروج سرًّا على قرار الآلهة وإنقاذ بذرة الحياة على الأرض. فيظهر في الحلم لملك مدينة شوروباك الصالح المدعو زيوسودرا ويكشف له عن نية الآلهة:

في ذلك الحين، بكت ننتو كامرأة في المخاض،
وإنانا ناحت على شعبها.
إنكي فكر مليًّا وقلب الأمر على وجوهه.
آنو وإنليل وإنكي ونننخرساج […]
آلهة الأرض وآلهة السماء دعوا باسم آنو وإنليل.
في تلك الأيام، زيوسودرا كان ملكًا وقيمًا على المعبد.
قام بتقديم قربان عظيم،
وجعل يصلي ويسجد بخشوع،
ودونما كلل توجه إلى الآلهة في المعبد.
فرأى في أحد الأيام حلمًا لم يرَ له مثيلًا؛
الإله […] جدار […]
وعندما وقف زيوسودرا قرب الجدار سمع صوتًا:
«قف قرب الجدار عن يساري واستمع.
سأقول لك كلامًا فاتبع كلامي،
وأعط أُذنًا صاغية لوصاياي.
إنَّا مرسلون طوفانًا من المطر […]
يقضي على بني الإنسان […]
ذلك حكمٌ وقضاءٌ من مجمع الآلهة؛
أمر آنو وإنليل،
فنضع حدًّا لملكوت البشر.»

يلي ذلك تشوه في النص، ومن المرجَّح أن الجزء المفقود من النص يصف تعليمات الإله إنكي حول بناء السفينة ومواصفاتها ونوعية ركابها، ثم قيام زيوسودرا بتنفيذ هذه التعليمات التي لا نستطيع معرفة فحواها. ولكن من المؤكد أن زيوسودرا قد حمل فيها بعض البشر من الذكور والإناث؛ لأن النص يصفه في النهاية بأنه حافظ بذرة الحياة. كما أن من المؤكد أيضًا أنه قد حمل في سفينته أنواعًا مختلفة من الحيوانات؛ لأن المقطع التالي الواضح يتحدث عن قيام زيوسودرا بنحر بعض الحيوانات على السفينة قربانًا للآلهة:

هبَّت العاصفة كلها دفعة واحدة،
ومعها انداحت سيول الطوفان فوق وجه الأرض.
ولسبعة أيام وسبع ليال،
غمرت سيول الأمطار وجه الأرض،
ودفعت العواصف المركب العملاق فوق المياه العظيمة.
ثم ظهر أوتو، إله الشمس، ناشرًا ضوءه في السماء والأرض.
فتح زيوسودرا كوة في المركب العملاق،
تاركًا أشعة أوتو البطل تدخل منه.
زيوسودرا الملك،
خرَّ ساجدًا أمام أوتو،
ونحر ثورًا وقدم ذبيحة من غنم.
يعود النص للتشوه مرة أخرى. ومن المُرجح أنه يتحدث هنا عن انحسار الطوفان، ورسو زيوسودرا بمركبه على اليابسة، ثم حضور الآلهة إليه بعد أن عرفوا بنجاته ومن معه، وسرورهم لذلك والإنعام عليه بالحياة السرمدية في أرض دلمون، وهي الجنة السومرية التي تصفها لنا نصوص معروفة أخرى:
زيوسودرا الملك،
سجد أمام آنو وإنليل.
ومثل إله، وهباه حياة أبدية.
ومثل إله وهباه روحًا خالدة.
عند ذلك، زيوسودرا الملك
دُعي باسم حافظ بذرة الحياة.
وفي أرض […]، أرض دلمون،
حيث تشرق الشمس، أسكناه.٢٠

يقدم لنا هذا النصُّ السومري عددًا من العنصر المشتركة مع قصة الطوفان الواردة في اللوح الحادي عشر من ملحمة جلجامش الأكادية، وهذه العناصر هي:

  • (١)

    قرار إلهي بإفناء الحياة على الأرض.

  • (٢)

    وقوف فريق من الآلهة عاطفيًّا إلى جانب البشر وإظهارهم الحزن (إنانا وننتو في النصِّ السومري، وعشتار وحدها في النص الأكادي).

  • (٣)

    خروج إنكي (إيا) على إجماع الآلهة، واختياره واحدًا من البشر لمهمة إنقاذ بذرة الحياة على الأرض، وإعطاؤه تعليمات بخصوص بناء سفينة ينجو بها مع أهله وأصناف من الحيوانات.

  • (٤)

    نجاة السفنية وركابها وفرح الآلهة بإنقاذ بذرة الحياة وإسباغهم نعمة الخلود على بطل الطوفان.

غير أن محرر الملحمة الأكادية، على ما يبدو، لم يستلهم النصَّ السومري مباشرةً بل النص البابلي القديم، على ما تبينه المقارنة التالية في الموضع الذي ينقل فيه إنكي/إيا لبطل الطوفان قرار الآلهة ويبين له ما يتوجب عليه فعله:

النصُّ السومري

فرأى (زيوسودرا) في أحد الأيام حلمًا لم يرَ له مثيلًا:
الإله […] جدار […]
وعندما وقف زيوسودرا قرب الجدار سمع صوتًا:
«قف قرب الجدار على يساري واستمع.
سأقول كلامًا فاتبع كلامي.
أعطِ أذنًا صاغية لوصاياي:
إنَّا مرسلون طوفانًا من المطر […]
فيقضي على بني الإنسان […]
ذلك حكم وقضاء من مجمع الآلهة:
أمر آنو وإنليل،
فنضع حدًّا لملكوت البشر.
… [تشوه في النص]
جلجامش. النصُّ الأساسي:
ننجيكو الذي هو إيا كان حاضرًا
فنقل حديثهم إلى كوخ القصب.٢١
كوخ القصب يا كوخ القصب، جدار يا جدار،
أنصت يا كوخ القصب وتفكر يا جدار،
رجل شوروباك، يا بن أوبارا-توتو،
قوِّض بيتك وابنِ سفينة.
اترك ممتلكاتك وأنقذ حياتك.
اهجر متاعك وأنقذ نفسك.
احمل في السفينة بذرة كل مخلوق حي.
والسفينة التي أنت بانيها.
(… إلخ …)

بابلي قديم، اللوح السادس

فتح أتراحيسيس فمه، وقال لمولاه:
«هلا أعطيتني شرحًا لأحلامي،
 […]»
«حسنًا فلتصغ إليَّ:
اسمع يا جدار،
وتملَّ كلماتي يا كوخ القصب.
قوِّض بيتك وابنِ سفينة.
اهجر ممتلكاتك وأنقذ نفسك
والسفينة التي أنت بانيها،
… (تشوه في النص.)٢٢

يتضح من هذه المقارنة كيف انتقلت أفكار وعناصر قصة الطوفان، عبر عملية تحريرية طويلة، من الصيغة السومرية إلى الصيغة الأكادية في العصر البابلي القديم، فالصيغة الأكادية الثانية في النص الأساسي. ومن الجدير بالذكر أن اسم بطل الطوفان الذي تحول من زيوسودرا في النص السومري إلى أتراحيسيس في النص البابلي القديم، قد عاد إلى الظهور مرة أخرى في النص الأخير واستعمل بشكل تبادلي مع الاسم أوتنابشتيم. وترى ذلك في مشهد حوار إنليل وإيا بعد انتهاء الطوفان وحضور الآلهة إلى السفينة الناجية، حيث يقول إيا:

وبعد، لست الذي أفشي سر الآلهة العظيمة.
لقد أريت أتراحيسيس حلمًا فاستشف منه السرَّ.
والآن اعقد أمرك بشأنه.

(٧-١) تقييم

بشكل عام يمكن القول بأن محرر (أو محرري) النص الأكادي قد اعتمد عددًا من قصص جلجامش السومرية، سواء في نصوصها المعروفة لدينا أو في نصوص أخرى لم تصلنا. كما اعتمد قصصًا وأساطير أخرى أكادية، وصاغها جميعًا في سلسلة متماسكة ذات مؤدًّى ومعنًى جديد كل الجِدة، وبطريقة مبدعة خلَّاقة جعلت الأحداث والأفكار التي صبت في الملحمة من خارجها لا يربطها بمصادرها الأصلية إلا أوهى الروابط. يضاف إلى ذلك ما ساهم به المحررُ الأكاديُّ من إضافات خاصة به لا علاقة لها بمصادره القديمة. وهذه الإضافات التي ينفرد بها النص الأكادي هي التي أعطت الملحمة لحمتها وتماسكها، وأدت إلى صياغة رسالتها الفلسفية. ولعل من أهم إضافات المحرر الأكادي تلك السلسلة من الأحداث التي قادت إلى قيام الصداقة بين جلجامش وإنكيدو. أما واقعة موت إنكيدو التي كانت في النصِّ السومري مدخلًا لإعطاء جلجامش معلومات عن أحوال الموتى في العالم الأسفل، فقد جعل منها المحرر الأكادي ذروة التطور الدرامي في قصته، ونقطة الانعطاف في حياة جلجامش، الذي هجر الملك والسلطان، وابتدأ رحلة بحثه الروحي الطويل. كما أن هذه الرحلة وما جرى له خلالها انتهاءً بلقائه بأوتنابشتيم ثم عودته إلى أوروك وقد تغير تمامًا، هي ابتكار خاص بالملحمة الأكادية.

إن الملحمة الأكادية هي عمل أدبي مبدع وخلَّاق ينطوي على حكمة أصيلة وغير مستعارة. كما أن الجديد الذي قدمته، سواء في الشكل أو المضمون، يفوق كلَّ ما تدين به لمصادرها القديمة. وسننتقل فيما يأتي إلى استجلاء الملحمة في نَصِّها الأقدم، والذي يعود إلى العصر البابلي القديم (٢٠٠٠–١٦٠٠ق.م.) ثم نتابع التطورات التي طرأت على النص إلى أن استقر تمامًا خلال الألف الأول قبل الميلاد.

١  المنطقة التي يتوجه إليها جلجامش هي منطقة شجر أرز جبلية، كما نعرف من سياق الأحداث التالية. أما تسميتها بأرض الأحياء فغير واضح الدلالة.
٢  لا تتضح هنا علاقة الختم والآجر بالمصير المحتوم لكل إنسان وهو الموت، فالختم يطبع على طين طري ويترك ليجف أو يشوى في الفرن متحولًا إلى فخار عليه صورة الختم. وربما كان المقصود أن لكل إنسان ساعة موت معلومة مطبوعة في لوح القدر. فنحن نعرف من نصوص سومرية وبابلية أخرى عن وجود ألواح تدعى بألواح الأقدار يحتفظ بها عادةً كبير الآلهة.
٣  أوتو، هو شمَش البابلي، إله الشمس وحامي جلجامش.
٤  من غير الواضح هنا دور هذه القوى، وهناك احتمالان: فإما أن أوتو قد وضع هذه القوى تحت تصرف جلجامش، أو أنه عمل على شلها وتحييدها لأنها تحرس طريق جبل الأرز.
٥  نيجال هي إلهة سومرية تمثل الأرض-الأم، والمعنى هنا أن الشمس قد أوت إلى حضن الأرض عند الغروب.
٦  S. N. Kramer, Sumerian Myths and Epic Tales (in: James Pritchard Edt., Ancient Near Eastern Texts, Princeton, New York 1969).
٧  ص. ن. كريمر: من ألواح سومر، ترجمة طه باقر، مكتبة المثنى، بغداد ص٣١٦. وأيضًا: J. H. Tigy, The Evolution of the Gilgamesh Epic, University of Pennsylvania 1982, p. 24.
٨  D. Wolkstein and S. N. Kramer, Inanna, Harper, New York 1963, pp. 3–9.
٩  H. Tigay, The Evolution of the Gilgamesh Epic, op. cit., pp. 189-190.
١٠  Alexander Heidel, The Epic of Gilgamesh, Phoenix Books, Chicago 1963.
١١  المقصود هنا إلهة العالم الأسفل إرشكيجال. وقد شبه النص صدرها بالطاس الحجري في إشارة بليغة إلى وظيفتها كسيدة للموت والعقم. وذلك على العكس من نقيضتها عشتار، سيدة الحياة التي يدفق من ثدييها حليب الخصب. وكلمة «حجري» في السطر ٣١ أعلاه أخذتها عن ترجمة Gadner؛ لأن Heidel قد ترك مكانها شاغرًا.
١٢  نمتار هو شيطان الموت وقابض الأرواح، وهو وزير العالم الأسفل.
١٣  نرجال هو الإله الثاني في العالم الأسفل وزوج إلهته إريشكيجال. والمقصود هنا أن إنكيدو لم يمت موتًا طبيعيًّا.
١٤  أي أن جلجامش قد عانق شبح إنكيدو، أما جسمه المادي فقد تفسخ.
١٥  G. H. Tigay, op. cit., p. 212.
١٦  S. N. Kramer, The Sumerians, University of Chicago, 1967.
١٧  Joseph Campbell, the Masks of God, Vol. 1, pp. 406-407.
١٨  S. N. Kramer, op. cit., pp. 130-131.
١٩  Ibid., p. 180.
٢٠  Alexander Heidel, op. cit.
٢١  المقصود بكوخ القصب هنا بيت أوتنابشتيم.
٢٢  Alexander Heidel, op. cit.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤