خاتمة

«صباح الورد» يا نجيب محفوظ١
figure

يدعوها صاحبها «مجموعة» لمجرد اشتمالها على «أم أحمد» مستقلة عن «صباح الورد»، وكلتاهما مستقلتان عن «أسعد الله مساءك». ولكني سأحاول هنا أن أقدم اجتهادًا مغايرًا أراها بمقتضاه «ثلاثية» على نحو جديد.

إنها تنتمي من حيث البناء إلى تلك المرحلة التي بدأها نجيب محفوظ في الستينيات، ومن حيث الموضوع تقترب كثيرًا من «الماضي» الذي حفرته أعماله الأولى حتى ثلاثية «بين القصرين». ولكنها ليست كالثلاثية القديمة مقسمة إلى ثلاث روايات تُفضي إحداها إلى الأخرى فيما يشبه الحتمية.

صحيح أن الثُّلاثيتَين تتشابهان في أطروحة الزمان والمكان والإنسان، ولكنهما يختلفان في تجسيم هذا الثالوث نفسه؛ لأن المقصود في «صباح الورد» هو أن الانتقال من زمان إلى آخر، يتضمن انتقالًا موازيًا للمكان والإنسان. لذلك فهي ثلاثية «أجيال» كالثلاثية القديمة، ولكن الراوي في الظل أو في الضوء يكاد يكون شاهدًا على فكرة «الانتقال» بحد ذاتها.

ماذا يفعل الزمن بالدنيا؟ هذا هو السؤال المحوري على طول «صباح الورد» وعرضها.

والدنيا هي مصر التي يمسك الكاتب بأطرافها ويضعها في مكانين أثيرين لديه هما حي الجمالية الشهير وحي العباسية الذي لا يقل شهرة.

وتبدو مصر بين هذين المكانين في زمانين يؤرخان للراوي — الكاتب.

وبالطبع، فليس الراوي دائمًا أو بالضرورة هو الكاتب، بل لعل العكس تمامًا هو الأغلب. ولكننا في «أم أحمد» و«صباح الورد» نكتشف تطابقًا مثيرًا بين ذكريات نجيب محفوظ الحقيقية وبين ما جاء في هذين القسمين، ولا أقول القصتين. ربما كان التغيير الوحيد في أسماء الأشخاص.

وهو أمر قريب مما فعله الكاتب في «ميرامار»؛ أشخاصها حقيقيون وإن تغيرت أسماؤهم وبعض سماتهم. وكأن الكاتب يفضل كتابة سيرته الذاتية على هذا النحو الذي يُعفيه من الحرج.

غير أننا يجب أن نلاحظ أن «المرايا» كانت لها بؤرة محددة هي هزيمة ١٩٦٧م. هذا هو الحدث التاريخي الضخم الذي يتخذ منه الكاتب عدسة يصور بها الشخصيات والفكر والسلوك. وفي «صباح الورد» نجد هذه البؤرة أيضًا، وهي «الانفتاح» مرورًا بالناصرية.

والبناء في الحالين، وفي بقية الحالات التي نجدها مبعثرة في أعمال نجيب محفوظ الأخيرة، هو العودة إلى الماضي. العودة وليس الاستحضار الحلمي أو الكابوسي أو التذكري. إنها العودة إلى الماضي قصدًا مقصودًا بهدف البحث عن الجذور. وليست هي الهدف بحد ذاتها. وهنا فرق أصيل بين مثلثة «صباح الورد» وثلاثية «بين القصرين»؛ ففي الثلاثية الجديدة نتوجه إلى الماضي لنربط بينه وبين الحاضر فنسأل ما إذا كان ذلك الماضي هو جذور الماضي حقًّا، أم أن المصائر والأقدار لا تتشكل على هذا النحو الميكانيكي، فهناك تربِض دائمًا «المفاجآت» و«المصادفات» وغيرها من الظواهر التي تنفي حتمية النمو الجبري للبذرة على هذا النحو المحدد سلفًا دون ذاك.

في جميع الأحوال، فإننا أمام ثلاثية لها مواصفات تُغاير — أكرر ذلك — مواصفاتِ الثلاثية العتيدة (التي لم تكن في الأصل سوى رواية واحدة اعتذر الناشر عن طبعها في مجلد واحد لضخامة حجمها، وتدخل صديقٌ آخِرَ الأمر فاقترح تقسيمها على النحو الذي عُرفت به).

إننا هنا في المقطوعة الأولى المسماة «أم أحمد» في قلب «الزمن القديم» و«الحي العتيق». هكذا يقترن الزمان بالمكان من بداية الرواية. ولذلك فإن العين التي ترصد هي عين الطفولة.

أي إننا برفقة راوٍ واحد مختلف أطوار العمر، وقد اقترن كل طور بزمان ومكان معينَين. ومن ثم فأسلوب الرؤية وطريقة الحضور تختلف من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكانٍ اختلافَ درجة الإبصار التي تطورت عند الراوي من الطفولة إلى الشباب إلى الكهولة.

وهو حين يختار «أم أحمد» فليس فقط لأنها وكالة أنباء الحي العتيق، وإنما لأنه «الطفل» الذي يرى أولَ ما يرى هذه المرأةَ من خارج أفراد الأسرة. والكاتب يقول صراحةً: «لم يَبقَ من حياته الحافلة إلا ما تعيه الطفولة.» ماذا يرى إذن من خلال «أم أحمد»؟

يرى بعينيه كبار التجار القادمين من الصعيد أو من القدس وقد أصبحوا من البكوات. ولكن أم أحمد تقول عن أحدهم: «كان أبوه يسرح بالبُن على باب الكريم، وفتح دكانًا صغيرًا في الخرنفش، وقامت الحرب، فأمر الله بالثراء ولا رادَّ لأمره.» وتقول عن آخر، بل وتُقسم، «أنها رأت أباه المرداني الكبير يتجول في الحارة حافيًا.» هذا هو الماضي، فماذا يكون حاضر «الذرية» التي أقبلت من صلب هؤلاء؟

ثورة يوليو كان لها نصيب موفور في تحديد الأقدار والمصائر، فقد فرضت الحراسة على البعض وسجنت البعض الآخر، ورحل قائدها فتغيرت البوصلة أو انقلبت. هكذا انفجر شريان في مخ علي بك البنان في الستينيات، وهكذا أيضًا أصبح ابنه محمد من وحوش الانفتاح في السبعينيات.

أما عباس بك المرداني الذي أصابته رصاصة طائشة، فقد استطاع ابنه أن يعمل في المخابرات والقوادة إبان المرحلة السابقة، فتكونت لديه ثروة ساعدته لأن يقفز «إلى درجات خيالية من الثراء» في ظل الانفتاح ·

وكان الانتقال من حال إلى حال انتقالًا من حي الجمالية إلى حي العباسية، ومن العصر الملكي إلى العصر الثوري، كما أن الانتقال من العباسية إلى الأحياء الجديدة أو القديمة الراقية، الأكثر رقيًّا، كان انتقالًا من العصر الثوري إلى عهد الانفتاح.

وإذا كانت مقطوعة «أم أحمد» نظرة سريعة شاملةً لحي الجمالية أساسًا — بالرغم من زيارات أم أحمد المتقطعة للعباسية ومن كونها قد عُمِّرت حتى الثمانينيات — فإن «صباح الورد» أكبر الأقسام وأطولها تتناول بالتفصيل مجموعة محددة من العائلات التي سكنت شارع الرضوان القديم القائم في الزمن القديم بين شارعَي العباسية وبين الجناين. وكان الشارعان يقسمان العباسية إلى شرقية للأغنياء وغربية للمتوسطين. ويكرر نجيب محفوظ ما سبق تأكيده في جزء «أم أحمد» حول الحد الفاصل المفقود بين الحقيقة والوهم، فيقول: «رُب كذبةٍ أصدق من حقيقة.» و«لا شك أن بعض الأساطير تتفوق على الوقائع بصدقها وجمالها.» وهما عبارتان يصوغان الإطار الفني الذي اختاره الكاتب لهذه «الذكريات».

و«صباح الورد» هي تفصيل ما جاء في الجزء الأول، ولكنه التفصيل الخبري الشديد الاختصار. أي إن نجيب محفوظ، بعين الشباب، اكتفى بالملامح التي توجز المرحلة الجديدة؛ الوسطى. وهي فترة الازدواجية الثقافية والتبلور الطبقي. وسنلاحظ صراعًا مريرًا بين الاحتفاظ بحي الجمالية في القلب واللحاق بالعباسية الشرقية في العقل. وهو صراع بين مجموعتين من القيم الدينية وشبه الدينية، والأخرى هي القيم الأوروبية، وأساسًا الفرنسية.

وسنلاحظ أن عثمان بن جمال بك إسماعيل هو نموذج التحول العنيف إلى التفرنس ثقافةً وعاداتٍ وتقاليد (ولاسمه مغزًى لا يغيب). ولكن هذ الفتى الذي يكبَر فيسافر في بَعثة إلى فرنسا ينتهي به القمار إلى السجن الفرنسي فالموت. هذه «نهاية» علينا أن نجمعها مع بقية الدلالات. فهناك حسين الجمحي الذي عاد من أوروبا دكتورًا في الزراعة، فاكتشف أن والده الشرس الجبار قد اغتيلَ في وضح النهار. وأمضى الابن عمره يفكر بالانتقام. وحين أقبلت هزيمة ١٩٦٧م كان في مقدمة السعداء. وفي الانفتاح أصبح من أغنى الأغنياء، ولكنه يفكر في «هجرة بلا رجعة». أما سامح شكري فهو «لم يكن ممن يعتبِرون الحضارة الغربية حضارةً غريبة عنا، وهي لم تُسمَّ باسم خاص إلا بسبب البيئة التي نشأت فيها، ولكنها في الواقع الثمرة الأخيرة في شجرة الحضارات الإنسانية التي أسهم البشر جميعًا في غرسها.» وهو رأي يقترب من آراء عزت ورأفت ابنَي حسن قيسون، وأحدهما قال ذات مرة: «أعداؤنا ليسوا الإنجليز والملك فقط، ولكن أيضًا الجهل والخرافات.»

إلا أن ابن سامح نفسه — شكري على اسم جده — هو الذي انطوى تدريجيًّا على ذاته، وانضم إلى إحدى الجماعات الإسلامية. حينئذٍ يسلم الأب «أنه جيل يعاني من ذكريات الهزيمة والغلاء والمستقبل المسدود.»

وسنضيف إلى بقية النماذج — الدلالات — مَن رأى في ثورة يونيو «إنجازات اجتماعية رائعة»، ومن هرَّب أمواله إلى الخارج «بمعاونة بعض أصدقائه اليهود»، وأضحى يردد أنه إذا كان لا بد من جيش يحكمنا، فالأفضل أن يحكمنا جيش متحضر (يقصد الاحتلال)، حتى انتهى ذات يوم إلى الصراحة الكاملة: «يقولون إننا نرتمي باختيارنا في حضن الاستعمار الأمريكي، فاللهم بارك خُطانا.»

هذه إذن «الصورة المفصلة» للَّقطة العامة التي التقطناها بعدسة أم أحمد. الانتقال من حي إلى آخر هو انتقال الثروة والزمان والمكان والبشر من حال إلى حال. متابعة سريعة لما آلت إليه المصائر في إطار الصراع من أجل هوية حضارية أصيلة ومعاصرة في آنٍ. ولكنها الهوية المضطربة؛ لأن القوام الاجتماعي الآخِذَ في التبلور عشيةَ الثورة لم يتبلور قط، بل تعرَّض لهزَّاتٍ عنيفة في ظل الثورة وفي ظل الانفتاح معًا. ومِن واقع هذه السيولة الاجتماعية المائعة، نشأت ظواهرُ يصعب القول إنها نبات طبيعي في شجرة ممتدة الجذور.

نجيب محفوظ يأخذ بيدنا إلى الجذور، ويعود إلى الفرع، لنكتشف معًا أن التغيرات ليست حتمية. وإذا كان هناك قانون اجتماعي شامل فهو «الفوضى المخيفة».

لذلك نصل الجزء الثالث وإذا بالكاتب يختار لنا نموذجًا واحدًا مكبرًا. وهو النموذج الوحيد الذي يروي قصته بنفسه، فليس هناك راوٍ. ولكن هذا الذي يروي حكايته ينتمي إلى عصر الكهولة، فيتكامل الانتقال الزمني من الطفولة إلى الشباب والرجولة ثم الكهولة أخيرًا. عندئذٍ يحتاج الفنان، ونحن معه، إلى عدسة مكبِّرة. ومقطوعة «أسعد الله مساءك» تكاد أن تكون بكاملها حوارًا مع الآخر ومع النفس. ولا يتوانى نجيب محفوظ عن تذكيرنا بالأصل الاجتماعي الذي أطلعنا على بعضه في القسمين السابقين «إن جدي البيه كان فطاطريًّا في شارع الشيخ قمر.» يجب ألا ننسى بقية الأصول، حتى ندرك أن مصدر الألقاب والثراء كان دومًا السرقة أو الغش أو الاختلاس أو الحروب.

بطل «أسعد الله مساءك» انكشفت له العورة الاجتماعية بموت أبيه، فلم يعد يستطيع أن يتزوج من «ملك»، حبيبته التي انتظرته طويلًا. ولكن الأم والأختين العانستين لا يسمحن لمثله بمغامرة الزواج. هكذا يولي الشباب أدباره وهو أعزب.

أما الحبيبة فتتزوج وتنجب ابنين هما الآن في السعودية. كلاهما أصبح كهلًا، وكلاهما وحيد. وإذا كانت الوحدة تُغري بالعودة المستحيلة إلى الماضي، فهل تسمح الكهولة؟ يجيب نجيب محفوظ: نعم. ولكنه يقولها بمرارة وحزن كبير من خلال الحوار المستمر مع النفس والآخر.

وهكذا تتكامل ثلاثية «صباح الورد» التي يراها صاحبها ثلاث قصص مستقلة عن بعضها البعض، أما أنا فأراها، وأدعو القارئ لأن يراها مثلي، ثلاثيةً من نوع جديد. ثلاث مقطوعات تجسد «الانتقال» من زمن إلى آخر ومن مكان إلى مكان ومن جيل إلى جيل. وليست الأصول دائمًا هي مصدر الجديد، ولا الينابيع تنتهي إلى مَصابَّ معروفةٍ سلفًا، وإنما هناك «الهوية» الوطنية، القومية، الحضارية؛ هي محور الصراع الخفي بين الطبقات والأجيال. هذه الهوية التي تبلبلت في الزمن الناصري وبلغت ذروة الاضطراب في عهد الانفتاح.

١  صباح الورد، هو أحدث كتاب لنجيب محفوظ، وقد صدر عام ١٩٨٨م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤