الفصل العاشر

الشَّم وميكانيك الكَم

Olfaction and Quantum Mechanics
جميع الأحياء تتحسَّس الإشارات البيئية التي تكون غير مباشرة؛ مثل الضوء والصوت، أو مباشرة كالروائح والطعم واللمس. لكن تحسُّس الروائح حسب Turin (1997) مثلها مثل تحسُّس الضوء والصوت يكون أيضًا من خلال اهتزاز الطيف.
القدرة على إدراك الروائح موجودةٌ في جميع الأحياء تقريبًا من الأحياء الوحيدة الخلية؛ مثل البكتيريا والأوَّليَّات إلى الحشرات والفِقاريات واللبائن بما فيها الإنسان. كما أن المواد جميعها تقريبًا تمتلكُ رائحةً باستثناءاتٍ قليلةٍ مثل الماء النقي أو الصخور (Grabe & Sachse, 2018).

(١) طبيعة المواد العطرية Nature of Odorant Materials

حسب Bushdid et al., (2014) يتمكَّن البشر من التفريق بين بضعة ملايين من الإشارات الضوئية (الألوان) وحوالي نصف مليون إشارة (نغمة) صوتية، بينما تُشير المعلومات المنشورة سابقًا وغير المؤكَّدة تجريبيًّا إلى أن الإنسان يتمكَّن من التفريق بين ١٠٠٠٠ رائحةٍ فقط؛ فالإنسان يتمكَّن من تحسُّس الضوء بالأطوال الموجية بين ٣٩٠ و٧٠٠ن م، والنغمات بتردُّد ٢٠ إلى ٢٠٠٠٠ هيرتز. وتُشير التجارب الفيزيائية النفسية إلى أن قدرة تحسُّس الضوء تتمكَّن من التفريق بين ٢٫٣ إلى ٧٫٥ مليون لون وتمييز النغمات بحدود ٣٤٠٠٠٠ نغمة. وإن الدراسة التي قام بها الباحثون المُشار إليهم أعلاه وباستخدام كشوفاتٍ فيزيائية نفسية بيَّنَت أن البشر يمكنهم تمييزُ واحد ترليون محفِّزٍ شمِّي. هذا الرقم أكبر بكثير مما كان معروفًا سابقًا، كما أنه يزيد كثيرًا أيضًا عن الإشارات الضوئية والصوتية التي يمكن تمييزها من قِبَل الإنسان. كما يُبرِز فاعلية مئات المستقبلات الشمية في تحسُّس هذا العدد الهائل من المحفِّزات الشمية. لكن هذا العدد الهائل للإشارات الشمية التي يتمكَّن الإنسان من تمييزها موضعُ انتقادٍ من باحثين آخرين (Gerkin & Castro, 2015; Meister, 2015) حيث يصعُب تقدير العدد الكلي للإشارات الشمية التي يتمكَّن الإنسان من تمييزها. السبب هنا يرجع إلى أن الإشارات الضوئية والسمعية يمكن تحديدها اعتمادًا على طول الموجة والشدة (الضوء) أو التردُّدات (الصوت) بينما الإشارة الشمية تقع ضمن طيفٍ من عددٍ هائلٍ من المحفِّزات (Grabe & Sachse, 2018).
القدرة على تحسُّس المركَّبات العضوية الطيارة موجودة في جميع الحيوانات من الأحادية الخلية إلى اللبائن. لهذه الظاهرة أهميةٌ كبيرةٌ في القدرة على البقاء والتكاثُر؛ فالعثور على الغذاء والابتعاد عن الخطر والتعرُّف على أفراد النوع والتزاوُج بعضٌ من المواضيع المرتبطة بتحسُّس الروائح. البعوض يعثُر على الحيوان اللبون من خلال تتبُّع غاز ثاني أوكسيد الكاربون، بينما تتحسَّس المفترساتُ الشائعةُ رائحة الدم من على بعد كيلومترات (Genva et al., 2019). تعرُّف المواليد على أمهاتهم يمكن أن يتم من خلال رائحة فرمون يُفرَز من قِبل الأم (Vaglio, 2009).
جدول ١٠-١: أمثلة لموادَّ ذاتِ روائحَ مختلفة ومجاميعَ فعالةٍ مشتركة. مُحوَّر عن: Genva et al., (2019) مستشهدًا ﺑ (Nara et al., 2011)
نوع الرائحة والمركَّب المسئول عنها المجموعة الفعَّالة
ليمونية
حلوة، ألديهايدية، شمعية، قشرة البرتقال، ليمونية، زهرية Aldehydes
منعشة، عنبرية، ألديهايدية، طحلبية، ليمونية، مسك رومي
منعشة، جافة، ليمونية، شمعية، مائية
سمكية
سمكية، شبه أمينية Amines
أمونية، سمكية، نتنة
فاكهي
حبق، فاكهية، خضرواتي، استوائي، برقوقي، خشبي Esters
فاكهية، خشبية، خضرواتية، تفاحية، عشبية
حبقة، فاكهية، توتي فروتي، تفاحية
fig113
شكل ١٠-١: أمثلة بموادَّ ذاتِ مجاميعَ فعالةٍ مشتركة لكن ذات روائحَ مختلفة. مُحوَّر عن: Genva et al. (2019) مستشهدًا ﺑ (Dufossé et al., 1994).
fig114
شكل ١٠-٢: مركَّباتٌ بأشكالٍ آيزوميريةٍ مرآتية وذات روائحَ مختلفة. مُحوَّر عن: Genva et al., (2019) مُستشهدًا ﺑ (Brookes et al., ؛2009 Meierhenrich et al., 2005).
fig115
شكل ١٠-٣: مركَّباتٌ ذات تراكيبَ مختلفة وروائحَ متشابهة (المسك). مُحوَّر عن: Genva et al., (2019) مستشهدًا ﺑ (Boelens & van Gemert, ؛1993 Sell, 2006).
fig116
شكل ١٠-٤: مثال لتغيُّر الرائحة لمركَّب مع تغيُّر تحويرٍ طفيفٍ لتركيبه. مُحوَّر عن: Genva et al., (2019).
حسب Richard Axel وLinda B. Buck الحائزَين على جائزة نوبل في الطب والفسلَجة سنة ٢٠٠٤م، أن الرائحة هي محفِّزٌ كيميائي، يتألَّف من جُزيئات عطرٍ واحد أو مزيجٍ من العطور ويُحدِث استجابةً فسلَجية. عملية الاستجابة للعطر، والذي يكون بشكل مركَّباتٍ طيارة بتراكيزَ قليلة، تتمُّ في الحيوانات والإنسان من خلال حاسَّة الشم. الرائحة يمكن أن تكون محبَّبة، عطرة أو كريهة، خفيفة أو نفَّاذة، وفي الحالتَين يمكن أن تُستخدَم من قِبل الأحياء لأغراضٍ مختلفة.
الروائح لا تقتصر على المواد العضوية فقط؛ حيث إن بعض المواد اللاعضوية تُصدِر روائحَ مختلفة؛ فللأوزون (O3) رائحةٌ حادَّةٌ لاذعة، ولغاز الكلور (Cl2) رائحةٌ حادَّة، والأمونيا (NH3) تُصدِر رائحةً سمكيةً مخدشة، ولغاز كبريتيد الهيدروجين رائحةُ البيض الفاسد (Turin, 1997; Genva et al., 2019).
أما المواد العضوية المحتوية على عُنصرَي الكاربون والهيدروجين فتُشكِّل مجموعةً كبيرةً ذاتَ أوزانٍ جُزيئيةٍ منخفضة (أقل من ٣٠٠ دالتون) وضغطِ بخارٍ عالٍ (مساوٍ أو أكبر من ٠٫٠١ كيلو باسكال في ٢٠مº) وعاليةٍ إلى معتدلةِ الكراهية للماء.
من المعلوم أن حاسَّة الشم البشرية تتمكَّن من تحسُّسِ وتمييزِ المجاميع الفعَّالة في المركَّبات، مقارنةً بغيرها؛ فالمركَّبات التي تحتوي جزيئاتُها على مجموعة الثيول (-SH) تكون ذات رائحةٍ كبريتية، والتي تحتوي على مجموعة الأوكسين (-NOH) تكون برائحة الكافور الأخضر، بينما التي تحتوي على مجموعة النيترو (-NO2) تكون برائحةٍ إيثرية (Genva et al., 2019). ويبدو أن المركَّبات المحتوية على المجموعة الفعَّالة نفسها تكون ذات رائحةٍ متشابهة؛ فالمركبات الإسترية (Esters) لها رائحةٌ فاكهيةٌ وزهرية واللاكتونات (Lactones) تُظهِر رائحة جوز الهند أو المشمش، والأمينات (Amines) تُعطِي رائحة الشِّواء، والثيولات (Thiols) لها رائحةٌ عفنةٌ أو ثومية. كما تعطي الأحماض الدهنية الطيَّارة رائحةً حامضة أو زنخةً، والألديهيدات (Aldehydes) تُصدِر رائحةً نباتيةً كأوراق الحشائش. في الجدول ١٠-١ عرض لبعض المجاميع الفعَّالة والروائح المصاحبة لها. لكن الاعتماد على المجاميع الفعَّالة في تحديد نوع الرائحة لا يصحُّ إلا على عددٍ قليلٍ من المواد؛ فبعض المواد تحتوي على المجاميع الفعَّالة نفسها، لكنها تُصدِر روائحَ مختلفة (شكل ١٠-١)؛ فمركَّبات اللاكتون 4,4-dimethyl-2-octeno-δ-lactone و8-methyl-2-noneno-δ-lactone و5,6,6-trimethyl-2-hepteno-δ-lactone لها تركيبٌ متقاربٌ جدًّا، إلا أنها تُصدِر روائحَ متمايزةً تمامًا. كذلك المركَّبات المُصاغَة مرآتيًّا (Enantiomeres) والتي هي تركيبيًّا شديدة التقارُب فإن معظمها تكون مختلفةَ الروائح (شكل ١٠-٢). وتُوجد مركَّباتٌ مختلفةٌ تركيبيًّا، إلا أن لها رائحةً متشابهة (شكل ١٠-٣). ويمكن أن يؤدي تغييرٌ طفيفٌ في التركيب الكيميائي للمركَّب، إلى تغييرٍ كبيرٍ في نوع الرائحة، وكذلك في شدَّتها (شكل ١٠-٤) (Genva et al., 2019).

(٢) تركيب ووظيفة المنظومة الشمِّية

Structure and function of Olfactory System
fig117
شكل ١٠-٥: موقع (يسار) وتشريح منظومة الشم في الإنسان (يمين). مُحوَّر عن: (Cigoj, 2013).
fig118
شكل ١٠-٦: النسيج الطلائي الشمِّي حيث تتصل جُزيئات الرائحة مع الجهاز العصبي المركزي. المستقبِلات الشمِّية تمثِّل البوَّابين الذين يقدحون الإشارة. هذه المستقبِلات تتواجد في السطح البَيْني للأهداب الشمِّية التي تسيطر إمكانية جُزيئات الرائحة في أن تبدأ أولًا عملية نقل الإشارة، التي تؤدي إلى إزالة استقطاب نيرون الشم. الإشارة الكهربائية المتولِّدة ستُنقل إلى الفص الشمِّي. محوَّرة عن: (Brookes, 2010).
fig119
شكل ١٠-٧: مسلسل التفاعُلات التي تحصُل مع دخول الجُزيئات العطرية إلى التجويف الأنفي. الجُزيئات تعبُر من خلال الطبقة المخاطية مباشرةً أو بواسطة بروتينٍ ناقل (Tp) وتصل إلى المُستقبِل الذي يُعاني تحوُّرًا تركيبيًّا وينشط بروتين G. تتحرَّر وحدة (Ga) وتُنشِّط الإنزيم lyase adenylate cyclase الذي يُحوِّل جزيئة ATP إلى cAMP التي تفتح القنوات الأيونية لتسمح لأيونات وNa+ بدخول الخلية، والتي تؤدي إلى إزالة استقطاب العصَب المُستقبِل لجُزيئة العِطر ونقل الإشارة إلى الدماغ. مُحوَّر عن: (Genva et al., 2019).
الجزء الحسِّي من المنظومة الشمِّية في الإنسان يقع في سقف التجويف الأنفي، بمساحة ٣سم٢ على كل جانب وحوالي ٧سم. فوق وخلف المنخرَين. النسيج الطلائي الشمي يضم خلايا مساندة، وخلايا جذعيةً قاعدية، وغدةً شمية، وخلايا شمِّية هي خلايا عصبية (Neurons) شمِّية ذات أهداب (Cilia). عدد الخلايا العصبية بحدود ٥٠ مليون خلية، وكل خلية تحتوي على ٥–٤٠ هدبًا. الأهداب تَحتضِن المُستقبِلات الشمِّية وهي المسئولة عن تحسُّس الرائحة. وتنفصل الأهداب عن التجويف الشمِّي بطبقةٍ مخاطيةٍ بسُمك ١٠–٤٠مكم. والتي يتوجَّب مرور جُزيئات الرائحة من خلالها للوصول إلى المستقبلات الشمِّية. الخلايا الجذعية القاعدية تستبدل الخلايا العصبية كل ٣٠–٤٥ يومًا (Cigoj, 2013) (شكل ١٠-٥).

الأنف منظومةٌ حسيةٌ كيميائية، تهدف إلى تشخيص روائح المواد. الروائح جزيئاتٌ صغيرةٌ غيرُ متفاعلة تصدُر عن المواد بشكل غازٍ عن طريق التبخُّر أو التطايُر. هذه الجُزيئات تدخُل المنظومة الشمِّية عن طريق المنخرَين أو من خلف الحنجرة، خلال تناوُل الطعام، لتصل إلى التجويف الشمي. يقوم الأخير بترشيح وتدفئة الهواء الذي يحتوي على جزيئات الرائحة بواسطة الطبقة المخاطية. تقوم الخلايا الطلائية الشمِّية بتشخيص الرائحة التي تُرسَل بواسطة العصب الشمِّي والفص الشمِّي إلى الدماغ؛ حيث تتم معالجتها وإدراكها. تصطدم جُزيئات الرائحة بواحد من عشرات آلاف الأهداب البارزة من الخلايا العصبية الشمية وتدخُل في أحد المُستقبِلات التي هي ٣٤٧ نوعًا، والتي تقع على غشاء الخلية. هذه المُستقبِلات تضبط حسب نوع الرائحة وبمساعدة الغِشاء.

لكل مُستقبلٍ سبعة لوالبَ تخترق الغشاء، وهنا يتم بداية التآثُر بين البيئة الخارجية والجهاز العصبي (شكل ١٠-٦). عملية التعرف على الرائحة تبدأ بجزيئاتها التي تمثِّل الإشارة الأُولى التي تجعل المُستقبِلات المرتبطة ببروتينات G (G-protein-coupled receptors) تُحرِّر وحد بروتين Ga التي تُبدي الإشارة الثانية التي تسبِّب تدفُّق أيونات وأيونات Na+ إلى داخل الخلية. تدفُّق أيونات الكالسيوم يؤدي بأيونات الكلور إلى التدفُّق، وهذه تسبِّب تشغيل العصب الحسِّي الشمِّي (شكل ١٠-٧). وهكذا تتحول إشارة الرائحة إلى إشارةٍ كهربائيةٍ تصل الدماغ لتفسيرها. هنا تلعب المُستقبِلات وبوَّاباتها دَور المقرر في بثِّ الإشارة أو لا (تحسُّس الرائحة أو لا) (Brookes, 2010).

(٣) نظرياتُ الشَّم Olfaction Theories

(٣-١) نظرية القفل والمفتاح Lock and Key Theory

النظرية الأقدم التي ترجع فكرتها إلى أرسطو (٣٥٠ سنة ق. م) وطُوِّرَت من قِبل Amoore سنة ١٩٦٣م، هي نظرية القفل والمفتاح أو الكيمياء الفراغية (Stereochemical theory). هذه النظرية تفترض وجودَ توافُق أو تكامُل في الهيئة الفراغية بين جُزيئة المادة العطرية، ومُستقبِل الحاسة الشمِّية من أجل تحقيق الاتصال بينهما واستكمال عملية الشم. ومثل هذه النظرية كانت سائدةً أيضًا لتفسير عمل الإنزيمات حيث التوافُق بين المادة الأساس والمركز الفعَّال للإنزيم. ومع وجود بعض الأمثلة التي تُناسِب هذه النظرية، إلا أن تزايُد أعداد المواد العطرية التي لا تُفسِّرها قاد إلى البحث عن تفسيراتٍ أخرى؛ فهناك مَوادُّ بالأشكال الجُزيئية نفسها تُظهِر روائحَ مختلفةً وهناك مَوادُّ بأشكالٍ جزيئيةٍ مختلفة وتُظهِر روائحَ متشابهةً (شكل ٩-١ و٩-٣).

(٣-٢) نظرية الاهتزاز Vibrational Theory

fig120
شكل ١٠-٨: الليمونين والدايبنتين آيزوميرات لها التركيب نفسُه لهما رائحتان مختلفتان ولكن بنفسِ طيفِ التردُّد. عن: McFadden & Al-Khalili (2014).
حسب هذه النظرية التي افترضَها دايسون (Malcolm Dyson) أن حاسة الشم تتحسَّس تردُّدات اهتزاز جُزيئات الرائحة، وليس شكل الجُزيئة. بُنيَت هذه النظرية اعتمادًا على ملاحظة أن المجاميع الفعَّالة لجُزيئات المواد العِطرية هي العنصر الفعَّال في عملية الشم؛ فوجود مجموعة فعالة مثل الكاربونيل (C=O) في جُزيئات عطورٍ مختلفةٍ تُكسِبها الرائحة نفسها. كلك الحال بوجود مجاميع الثيول (SH) في جُزيئاتِ عطورٍ مختلفةٍ تجعلها تُصدِر الرائحة نفسها، بغَض النظر عن الشكل الفراغي للجُزيئة. وقام دايسون بقياس تردُّدات اهتزاز المركَّبات انطلاقًا من مبدأ رامان (Chandrasekhara Venkata Raman). رامان الحائز على جائزة نوبل سنة ١٩٣٠م، لعمله في مجال تشتُّت الضوء؛ فحسب مبدأ رامان، عند اصطدام الضوء بوسطٍ شفَّافٍ فإن الفوتونات يمكن أن تنعكس بصورةٍ مَرِنة؛ أي دون أن تفقد الفوتونات جزءًا من طاقتها، أو أنها تنعكس بصورةٍ غيرِ مرنة فتفقد جزءًا من طاقتها للجُزيئات التي تصطدم بها؛ وبالتالي سيكون للفوتونات تردُّداتُ اهتزازٍ مختلفةٌ حسب طبيعة الجُزيئات التي تصطدم بها، وهكذا ينشأ ما يُعرف بطيف رامان. هذا الأخير استُخدِم في أجهزة المطياف (Spectroscopy) للتعرُّف على الموادِّ المختلفةِ حسب تردُّدات الضوء المُنعكِس، والذي يمثِّل «بصمةً» خصوصية للمادة حسب طبيعة أواصر جُزيئاتها. وهكذا يمكن أن يعمل الأنف كجهاز مطيافٍ لكشف بصمة التردُّدات الاهتزازية لأواصر جُزيئات العِطر. ولاحظ دايسون وجود ارتباطٍ قويٍّ بين بعض التردُّدات في طيفِ رامان وعِطرٍ معيَّن؛ فكل المركَّبات التي لها آصرةُ ثيول طَرفية (R-S-H) يكون لها تردُّد رامان بنفس المدَى. غير أن هذه النظرية تتطلَّب اشتراكَ الضوءِ في عملية الشم، وهو ما يصعُب إثباتُه. إضافةً إلى ذلك، هو قدرةُ الإنسانِ على تمييزِ عطورٍ لها طيفُ رامان نفسه كما هو الحال مع عِطر الليمونين (Limonene) الذي هو آيزومير صورة مرآةٍ يُمنى وعِطر الدايبنتين (Dipentene) الذي هو آيزومير صورة مرآةٍ يُسرى للجُزيئة نفسها (Asogwa, 2019) (شكل ١٠-٨).

(٣-٣) نظريةُ الشكلِ الضعيفِ أو نموذجُ المحدد

Weak shape or Odotope model
fig121
شكل ١٠-٩: الفانيلين والآيزوفانيلين لهما التراكيبُ الجزئيةُ للجُزيئة نفسها، ولكن بمواقعَ مختلفةٍ ولهما رائحتان مختلفتان. عن: McFadden & Al-Khalili (2014).
حاوَلَ Kensaku Mori وGordon Shepherd سنة ١٩٩٤م، تفسير تحسُّس الرائحة نفسها لجُزيئاتٍ عِطريةٍ لها أشكالٌ جُزيئيةٌ مختلفة. افترض الباحثان حصولَ عمليةِ تعرُّفٍ على جُزيئات العِطر من قِبَل المُستقبِلات ليس اعتمادًا على الشكل الكُلي للجُزيئة، وإنما على شكل تراكيبَ جُزئية مفتاحية أو مُحددات (Odotopes) فيها كأن تكون مجاميع فعَّالة. شدَّدَت هذه النظرية على أهمية الذرَّات أكثر من موقع الذرَّات في الجُزيئة (Brookes, 2010). غير أن هذه النظرية تفشل في تفسيرِ وجودِ تراكيبَ جُزئيةٍ متماثلة، ولكن بمواقعَ مختلفةٍ في الجُزيئة وتُعطي روائحَ مختلفة، كمثال الفانيلين (Vanillin) وآيزوفانيلين  (Isovanillin) (شكل ١٠-٩).

(٣-٤) التحليل الطيفي لاختراق الإلكترون غير المرن

Inelastic electron tunnelling spectroscopy (IETS)
IETS هي شكلٌ غيرُ ضوئيٍّ لقياسِ الطيف الاهتزازي (Turin, 1997). وُضعَت هذه النظرية من قِبل الباحث اللبناني المَولِد Luca Turin وتنطلق من مَبدأِ أنَّ حاسة الشم تعتمد على تردُّدات الاهتزاز لجُزيئات العِطر كما ذكَرها دايسون، لكن آلية التمييز تعتمد على قُدرة الجُزيئات الحيوية على تحسُّس الاهتزازات للأواصر الكيميائية للجُزيئة العِطرية، عن طريق التسرُّب الكمومي للإلكترونات. وكما ذكرنا سابقًا فإن ظاهرة التسرُّب الكمومي تقوم بها الجُسَيمات تحت الذرية؛ مثل الفوتونات والإلكترونات والبروتونات، في اختراقِ حواجزَ لا يُمكِن اختراقُها بالسلوك التقليدي، وإنما من خلال السلوك الموجي الاحتمالي.
تعتمد فكرة IETS على وضع صفيحتَين معدنيتَين متقاربتَين جدًّا يفصلهما فضاءٌ ضيقٌ جدًّا. عند توفير فرق جهدٍ كهربائي بين الصفيحتَين، تتجمَّع الإلكترونات على أحدهما مضفيةً عليها شحنةً سالبة (المانح) وتتعرَّض إلى قوةٍ جاذبةٍ من الأخرى، والتي تكون موجبةَ الشحنة (المُستقبِل). حسب الفيزياء التقليدية، لا تمتلك الإلكترونات الطاقة اللازمة للقفز من الصفيحة إلى الصفيحة الأخرى، وعبور الفضاء الفاصل بينهما. غير أن الإلكترونات جسيماتٌ كموميةٌ كما هو معروف، وبإمكانها أن تخترق الفضاء الفاصل إن كان ضيقًا بما يكفي، وتنتقل من الصفيحة المانحة إلى الصفيحة المُستقبِلة. مثل هذه العملية كانت تُسمَّى تسرُّبًا كموميًّا مرنًا؛ حيث إن الإلكترونات لا تكتسب ولا تفقد طاقة. لكن ذلك غيرُ مُمكنٍ إلا إذا كان ثمَّة فضاءٌ خالٍ وبنفس الطاقة بالضبط. لكن إن كان مثل هذا الفضاء الخالي الأقرب للمستقبل بطاقةٍ أقل، حينها يمكن أن تفقد الإلكترونات بعضًا من طاقتها لتحقيق القفزة. مثل هذه العملية تُسمَّى تسرُّبًا كموميًّا غيرَ مَرِن. غير أن الطاقة المفقودة يجب أن تذهب إلى شيءٍ يمتصُّها، وإلا فلن يتحقق الاختراق الكمومي. وهكذا لو وُجدَت مادةٌ كيميائيةٌ في الفجوة بين الصفيحتَين ستتمكَّن الإلكترونات من الاختراق طالما أن الطاقة المفقودة ستستلمها هذه المادة الكيميائية، والتي لها أواصرُ قادرةٌ على الاهتزاز بالتردُّد الذي تُحدِثه الطاقة المفقودة بالضبط. عند ذلك، ستصل الإلكتروناتُ غيرُ المرنة التسرُّب إلى الصفيحة المُستقبِلة، وهي بطاقةٍ أقلَّ قليلًا. وهكذا تُستخدَم هذه الطريقة في قياسِ طيفِ التسرُّب غيرِ المرِن بتتبُّع فرق طاقة الإلكترونات وكشفِ طبيعةِ الأواصر الجُزيئية (McFadden & Al-Khalili, 2014). ويُشبِّه الباحثان ما يحدُث بما يحصُل عند العزف على الكيتار؛ فعند الضرب على أحد الأَوتار، سيهتَز ويُحرِّك الهواء. وهذا بدوره سيُسبِّب اهتزازَ (رنين) الوتَر المجاوِر دون لمسه. وهكذا سيُسبِّب انتقال الإلكترون خلال التسرُّب إلى اهتزاز أواصر المادة العطرية التي تتلقَّى الطاقة التي يفقدُها الإلكترون أثناء انتقاله. وحسب Turin، فإن المُستقبِلات الشمية وهي جُزيئةٌ واحدة، تعمل بطريقةٍ مشابهةٍ لصفائح IETS والفضاء بينهما. وهكذا يُمكِن للإلكترون الموجود على موقعِ المانحِ أن يتسرَّب إلى موقع المُستقبِل بنفس الجُزيئة لكنه يمنع من ذلك بسبب فرقِ الطاقةِ بين الموقعَين. لكن عند وجود الجُزيئة العِطرية في المستقبل والتي لها آصرةٌ منغَّمة بتردُّد اهتزازٍ مناسبٍ بالضبط، عندها يتمكَّن الإلكترون من القفز من المانح إلى المُستقبِل عَبْر الاختراق الكمومي، وهو ينقل كمية الطاقة المناسبة بالضبط إلى الجُزيئة العِطرية مُسبِّبًا اهتزازَ إحدى أواصرها. وعندما يكون الإلكترون الآن في موقع المُستلِم، يُسبِّب تحرير وقذف جُزيئة بروتين G المشدودة مؤدية إلى قَدحِ العصَب الشمِّي، والذي يرسل إشارةً إلى الدماغ الذي يقوم بتحديد نوع الرائحة (شكل ١٠-١٠).
fig122
شكل ١٠-١٠: مخطَّط لآلية النقل المُفترَضة. يستلم البروتين المُستقبِل إلكتروناتٍ من مانح الإلكترونات الذائب NADPH. وعندما يكون موقع الربط للمُستقبِل فارغًا (في الأعلى)، لا تتمكَّن الإلكترونات من التسرُّب الكمومي لموقع الارتباط بسبب عدم توافُر مستوياتٍ فارغةٍ بالطاقة المناسبة. وهكذا تبقى رابطة ثنائي الكبريت (-S-S-) وبروتين G المرتبط بها في حالة أكسدة، ولكن عندما تشغل المادة العَطِرة (ممثَّلة هنا بثنائي قطبٍ مَرِن) موقع الارتباط، يمكن للإلكترونات أن تفقد طاقةً خلال عملية التسرُّب بإثارة نمطها الاهتزازي. هذا يحدُث فقط إذا كانت طاقة نمط الاهتزاز مساويةً لفجوة الطاقة بين المستويات الملآنة والمستويات الفارغة. عندها تنساب الإلكترونات خلال البروتين، وتختزل رابطة ثنائي الكبريت بواسطة أيون الزنك وتُحرِّر بروتين G لاستكمال خطواتِ التوصيل التالية. مُحوَّر عن: (Turin, 1997).
من المعروف أن المركَّبات التي تحتوي على آصرة H-S تُعطي رائحة البيض الفاسد بغَض النظر عن شكل الجُزيئة. وعند قيام تورين بقياس تردُّد اهتزاز هذه الآصرة، وُجِد أنها تُساوِي ٧٦ تيراهيرتز (٧٦ ترليون ذبذبة/ثانية). غير أنه لم يجد مُركَّبًا يُظهِر التردُّد نفسه، وبعد بحثٍ مطوَّلٍ في أدبياتِ قياسِ طيف التردُّدات، وجد أن مركَّبات البورونات (Boranes) والتي تمتلك آصرة بورون-هيدروجين (B-H) طرفية تُظهِر تردُّد اهتزازٍ يُساوِي ٧٨ تيراهيرتز، وهو قريبٌ من تردُّد المركَّبات الكبريتية. وهكذا لإثباتِ فرضيةِ تورين فإن هذه المركَّبات مثل ديكابورون (Decaborane) (B10H14) التي لا تحتوي على آصرة S-H ولها التردُّد نفسه ينبغي أن تُظهِر رائحة البيض الفاسد. وكانت النتيجة مطابقةً لتوقُّع تورين.
لكن ومع هذا النجاحِ بقيَت مسألة الآيزوميرات مثل الليمونين والدايبنتين؛ واللذان هما صورة مرآة لبعضهما، ولهما طيفُ تردُّد الاهتزاز نفسه. ولكن رائحتهما مختلفةٌ جدًّا، لا تُفسَّر بهذه النظرية. هذا قاد تورين إلى اعتماد طريقة تأثير النظير الحركي (Kinetic isotope effect) والتي سبق عَرضُها في إثبات التسرُّب الكمومي في الإنزيمات. تتلخَّص الطريقة باستبدالِ ذرَّاتِ الهيدروجين في مركَّبٍ عِطري بذرَّاتِ أحدِ نظائره مثل الديتيريوم الذي هو أثقلُ من الهيدروجين الاعتيادي؛ فالمفروض في مثل هذه الحالة أن يكون طيف التردُّد للجُزيئة التي تحتوي على ذرَّاتِ الهيدروجين الاعتيادية، أعلى من طيف التردُّد للجُزيئة المحتوية على الديتيريوم بدل الهيدروجين. عندها إذا حصَل تغيُّر في الرائحة نتيجةَ ذلك، فسيكون دعمًا إضافيًّا لنظرية تورين. استخدم تورين المادةَ العِطرية أسيتوفينون (Acetophenone) ذات الرائحة العَطِرة الحادَّة التي تُشبِه رائحة الزعرور البري أو رائحة القداح (زهرة الحمضيات) الحادَّة. تحتوي هذه الجُزيئة ثمان ذراتِ هيدروجين مُرتبطة بالكاربون، وحصل على مركَّبٍ مماثلٍ لكنه يحتوي على ثمان ذرات ديتيريوم بدل ذرات الهيدروجين الاعتيادي. وعند إجراءِ تجربةِ استنشاقِ الرائحتَين من قِبل ٢٠ شخصًا لم تكن النتيجة إيجابية.
وحيث إن تقييم الرائحة من قِبل البشَر يمكن أن يكون مُشوَّشًا بسبب محدوديةِ حاسةِ الشم في الإنسان، وتأثير الحالة النفسية وغيرها، تم اللجوء إلى الحشرات لإجراء تجربة استنشاق وإمكانية التفريق بين الرائحتَين أن وُجدَت. استُخدمَت حشرات ذبابة الفاكهة (Drosophila) حيث يُسمَح للحشرات بالمرور من خلال ساق أنبوبٍ يتفرَّع في النهاية إلى فرعَين على شكل حرف T يمين ويسار، ويُمكِن للحشرات الخروج من أيٍّ منهما. في نهاية أحد الفرعَين تُوضَع المادة العِطرية المحتوية على ذرات الهيدروجين الاعتيادية، وفي نهاية الفرع الآخر تُوضَع المادة العِطرية التي تحتوي على الديتيريوم. وعند إطلاق الحشَرات ستتجه أعدادٌ أكبر إلى الفرع المحتوي على الرائحة المحبَّبة لها، اليمين أو اليسار إذا كانت تفرق بين الرائحتَين أو أن أعدادها لا تختلف في أيٍّ من الفرعَين إذا لم تكن تميِّز الرائحتَين. بدايةً تم تجريبُ ما إذا كانت هذه الحشرات تتحسَّس عِطر الأسيتوفينون. عند وضع مسحةٍ صغيرةٍ من هذه المادة العطرية في نهاية أحد الفرعَين وإطلاق الحشَرات من ساق الأنبوب، اتجهَت جميعها إلى الأنبوب الذي يحتوي المادةَ العطرية. في التجارب اللاحقة تم استبدالُ ثلاث أو خمس أو كل ذرات الهيدروجين لجُزيئات عِطر الأسيتوفينون بذَرَّات الديتيريوم في كل حالةٍ على حِدَة. عند استخدام المركَّب الذي يحتوي على ثلاث ذَرَّات ديتيريوم بوضعه في نهاية أحد الفرعَين، والمركَّب الذي يحتوي على ذَرَّات هيدروجين اعتيادية في نهاية الفرع الآخر، لم تتمكن الحشرات التمييز بينهما. لكن مع استخدام المركَّب الحاوي على خمس أو كل ذرات الديتيريوم بدل الهيدروجين، اتجهَت جميع الحشرات نحو المركَّب المُحتوِي على ذرات الهيدروجين الاعتيادية، وتجنَّبَت الفرع الذي به مركَّب يحتوي على ذرات الديتيريوم. تَمَّ تكرار التجربة باستخدام مركَّبَين آخرَين؛ هما الأوكتانول (Octanol) والبنزالديهايد (Benzaldehyde). مع الأوكتانول ميَّزَت الحشرات بوضوح بين المركَّب المحتوي على ذرات الهيدروجين الاعتيادية ونظيره المحتوي على ذرات الديتيريوم بدل الهيدروجين الاعتيادي، لكن الحشرات لم تُفرِّق بين النظيرَين المماثلَين في حالة البنزالديهايد. وللتأكُّد من استخدام الحشرات لحاسَّتها الشمية في تمييزها رائحة الديتيريوم، قام الباحثون باستخدام سُلالةٍ طافرة من حشرة ذباب الفاكهة فاقدة للمُستقبِلاتِ الشمية. والنتيجة كانت فشل هذه الحشرات في التفريق بين جُزيئات العِطر المحتوي على الديتيريوم، والعطر المحتوي على الهيدروجين الاعتيادي، ما أكَّد صحة نتائجِ التجارب السابقة. إضافةً إلى ذلك تبيَّن أن حشرات ذبابة الفاكهة المدرَّبة على تجنُّب رائحة المركَّبات المحتوية على كاربون-ديتيريوم بما يتميز به من اهتزاز بتردُّد ٦٦ تيراهيرتز تتجنَّب أيضًا مركَّباتٍ مختلفةً تحتوي على كاربون-نتروجين وهي النتريلات (Nitriles)، والتي لها التردُّد نفسه (٦٦ تيراهيرتز) ما عزَّز نظرية اهتزاز أجزاءٍ من المكوِّنات الشمِّية في الحشَرات على الأقل.
وبالعودة إلى تجريب قدرة حاسة الشم في الإنسان على تمييز رائحة الأسيتوفينون الذي استُبدلَت فيه الثماني ذرات هيدروجين الاعتيادي بثمان ذرات ديتيريوم، فشِل ١١ شخصًا في التمييز بينهما. لكن باستخدام جُزيئاتٍ معقدة برائحة المسك (شكل ١٠-٣) حيث استُبدلَت جميع ذرات الهيدروجين الاعتيادي الثمانية والعشرين بذرات الديتيريوم. تمكَّن جميع الأشخاص في التجربة من التمييز بينهما بسهولة. هذا عزَّز النظرية وبيَّن وجود فروقاتٍ بين الأحياء في تحسُّس تردُّد الاهتزازات (McFadden & Al-Khalili, 2014).

(٣-٥) نموذج بطاقة المرور Swipe-card model

تستند هذه النظرية على مبدأ أن شكل المُستقبِل الشمِّي واهتزاز جُزيئة المادة العطرية، يلعبان دورًا في عملية الشم. وتفتَرض أن موقع الارتباط في المُستقبِل الشمِّي يقوم بما يشبه عمل ماكنة بطاقة المرور؛ فالمطلوب أولًا في مثل هذه الماكنة أن تكون البطاقة بشكلٍ وحجمٍ مناسبَين، يمكِّنانها من الولوج واتخاذ موضعها الصحيح، وأن تحتوي على شريطٍ مغناطيسي يمكِّن من توليد تيارٍ كهربائي، لتتمكَّن الماكنة من التعرُّف عليه. وهكذا يجب أن تشغل جُزيئة المادة العِطرية موقع الارتباط المناسب في المستقبل الشمِّي أولًا، فإذا كان لها شكلان مختلفان؛ كأن يكون لها آيزوميران صورة مرآة يمين ويسار، فإن لكل جُزيئةٍ منهما مستقبِلًا مناسبًا مختلفًا. وبعد أن تشغل الموقع المناسب ضمن المستقبل، يكون لها القدرة على تحفيز التسرُّب الكمومي للإلكترون عَبْر الاهتزاز وتشغيل العصَب المُستقبِل. وحيث إن لكل آيزومير مُستقبِلًا مختلفًا، فسيكون لكلٍّ منهما رائحتُه المميزة. وهكذا تم حل مشكلة الآيزوميرات التي لها تردُّداتُ الاهتزاز نفسها ولكن بروائحَ مختلفة.

وهكذا يُعتبَر تفسير حاسة الشم على أساس التسرُّب الكمومي غير المرن للإلكترون هو التفسير الأفضل، إلا أن الإثبات المباشر لحصول هذه الظاهرة الكمومية يتطلَّب تجاربَ دقيقةً على المستقبِلات الشمية. وحيث إن هذه المُستقبِلات هي بروتيناتٌ تُشكِّل جزءًا من غشاء الخلية العصبية، فمن الصعب عزلُها وكشفُ تركيبها بالضبط والتعامُل معها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٣