الخاتمة

حاولت الدارسة من خلال البحث أن تُقدِّم صورةً واضحة قدْر استطاعتها عن تطوُّر الأواني الحجرية؛ صناعتها، أنواعها، استخداماتها، وذلك من خلال تتبُّع مراحل تطوُّرها زمنيًّا، وأنواع تطوُّرها تصنيفيًّا واستخداماتها وظيفيًّا. وأثمر ذلك عن نقاطٍ تُوجِزها الدارسة فيما يلي:

  • زخرت أرض مصر بأنواعٍ عدَّة من الأحجار، ساعدت المصري القديم الفنان، عاشق الصِّعاب أن يتفنَّن في تصنيعها وإخراج هذا الكمِّ الهائل مما عُرف من أوانٍ حجرية كان بعضها بمثابة آياتٍ فنية مرسومة رغم قسوة وصلادة الحجر كمادةٍ خام.

  • تنوَّعت الأحجار بوجهٍ عام ما بين نارية ورسوبية ومُتحولة، وذلك بناءً على تكوينها وطبيعتها ومن ثَم اختلفت مُسمَّيات الأحجار تبعًا لمدى صلادتها وقوتها وتركيبها.

  • هناك من الأحجار التي استخدمها المصري القديم في صناعة الأواني الحجرية، ما كان نادِر الاستخدام، وذلك كما في حالة الأحجار الكريمة وشِبه الكريمة.

  • كانت ورش صناعة الأواني الحجرية واحدةً من بين ورش العمل المُختلفة التي تجمَّعت في أغلب الأحيان في مكانٍ واحد، وأكد ذلك ما جاء في النقوش والمناظر الجدارية المختلفة لا سيما في عصر الدولة القديمة.

  • تنوَّعت ورش العمل ما بين جنائزية أو خاصَّة بالمعبد الإلهي، وملَكية أو خاصة بالقصر الملكي، وورش عامة خاصَّة بالأفراد وأخرى ارتبطت بالمَحاجر.

  • هناك العديد من الألقاب الإدارية للعُمَّال بوِرَش العمل، تُبيِّن وظيفة كلٍّ منهم ودَورَه في الموسوعة الحرفية.

  • ظهرت صناعة الأواني الحجرية في مناظرَ ونقوشٍ عدَّة بيَّنت مراحلها وأنماطها وكيفية إتمام صناعتها والأدوات المُستخدَمة في ذلك.

  • لم تختلف مراحل صناعة الأواني الحجرية في العصر الحالي، في القرى النائية، عمَّا عُرف في العصور المصرية القديمة إلَّا في خطواتٍ بسيطة.

  • تنوَّعت أنماط الأواني الحجرية ما بين «التقليدية» المُعتادة الظهور والاستخدام، وغير التقليدية أو التي كان لها كيفية واستخدام خاص مِثل الأواني ذات الزخارف المتنوِّعة.

  • هناك أنماط بِعَينها ميَّزت عصر ما قبل الأسرات، كان على رأسها «الأواني المُعلَّقة».

  • وهناك من الأواني الحجرية ما عُرف في عصر ما قبل الأسرات واستمرَّ طوال مختلف العصور الأخرى مثل الأواني الأسطوانية باختلاف أنواعها.

  • كان عصر بداية الأسرات من أزهي عصور تطوُّر صناعة الأواني الحجرية؛ إذ تنوَّعت أنماط ومواد صُنع الأواني الحجرية في تلك الفترة، وجاءت مقابر ملوك تلك الفترة تحوي آلافًا من الأواني الحجرية المختلفة.

  • شهدت الأسرة الثالثة مرحلةً انتقالية هامَّة في تطور صناعة الأواني الحجرية؛ إذ كانت تلك الفترة بمثابة مدخل لبداية فترةٍ ونهايةٍ أخرى، وكان هرَم الملك زوسر بما زخر به من أوانٍ حجرية تؤرَّخ بتلك الفترة، هو الدليل الأمثل على مدى التطور الذي كانت عليه الأواني الحجرية آنذاك.

  • كان عصر الدولة القديمة من أزهي عصور فنِّ النحت المصري القديم ورغم ذلك قلَّت فيه أعداد الأواني الحجرية بشكلٍ ملحوظ مقارنةً بما سبقَه من عصور، وصغُرت فيه أحجام الأواني الحجرية.

  • كان استعمال الأواني الحجرية في عصر الدولة الوسطى بمثابة إحياءٍ للقديم، إذ لعبت الأواني الحجرية في هذا العصر دورًا أقلَّ مما لعبته في العصور الأولى، وكانت أقلَّ في الجودة ودقة الصناعة، ولم تلتزم بإطارٍ واحد يُحدد أنماطها، وقد غلب عليها صِغر الحجر.

  • تنوَّعت الأنماط غير التقليدية للأواني الحجرية ما بين أوانٍ حجرية بهيئاتٍ زخرفية متنوعة «نباتية – هندسية – رمزية»، وأوانٍ حجرية بهيئات حيوانية، وأوانٍ حجرية ذات نقوش، وكان لكل نوعٍ من هذه الأواني أهميته.

  • وكان من الأنماط غير التقليدية أيضًا ما عُرف بحوامل الأواني الحجرية، والأواني الوهمية، وأحواض ورءوس موائد التقدمة. وجميعها ينطبق عليه مُسمَّى «الأواني الحجرية» كتصنيف، ويبعُد عنه إلى حدٍّ ما في الاستخدام الفعلي لمنطوق كلمة «إناء».

  • كان للأواني الحجرية أهميتها لدى المصري القديم، وتنوَّعت أهمية الأواني الحجرية ما بين «الجنائزية» و«الدينية» و«الدنيوية» و«التاريخية» و«الفنية».

  • تنوَّعت وظائف واستخدامات الأواني الحجرية ما بين:
    • أواني الاستخدام اليومي: كأواني المائدة والتخزين والطهو «أواني الطعام والشراب».

    • أواني حفظ السوائل المختلفة: ومن خلال النقوش واللغة عرَفْنا منها الكثير.

    • أواني حفظ مواد التجميل: وقد تنوَّعت ما بين أواني حفظ الكُحل والعطر والدهان.

    • وأواني الاغتسال وهي أيضًا من أواني الاستخدام اليومي التي حرص المصري القديم على استعمالها سواء في حياته الدُّنيا أو في العالم الآخر.

  • وكان من بين ما عُرف من الأواني الحجرية أيضًا، الأواني ذات الأغراض الجنائزية أو الطقسية والتي كان منها:

    • (١)

      أواني حفظ الأحشاء: وهي من الأواني المتعلقة بالتحنيط، ومن ثم اكتسبت أواني حفظ الأحشاء صفة الطقسية لارتباطها بهذا الطقس الجنزي الهام.

    • (٢)

      أواني طقسة فتح الفم: وهي ترتبط أيضًا بطقوس الخدمة الجنائزية بطقسة عيد السد، استُخدِمت في هذا العيد، أو كان عليها نقشٌ يؤرِّخ لذكرى عيد السد لأيٍّ من ملوك مصر القديمة.

    • (٣)

      أواني الحب سد: وهي أوانٍ ذات صِبغة احتفالية، ترتبط بطقسة عيد السد، استُخدِمت في هذا العيد، أو كان عليها نقش يؤرِّخ لذِكرى عيد السد لأيٍّ من ملوك مصر القديمة.

    • (٤)

      أواني حفظ الزيوت السبعة المقدَّسة: وهي أوانٍ خاصة استُخدمت لأجل حفظ الزيوت المقدسة، واعتُبرت من الأواني الخاصة بتجهيزات الدفن وأداء طقوس التحنيط وفتح الفم.

  • ولقد تميَّزت أواني حفظ الزيوت السبعة المقدَّسة عن غيرها من أواني الزيت الأُخرى سواء في الشكل أو في المُسمَّيات.

  • عرفت العديد من أنواع الزيوت، ما بين زيت الطعام، والزيت أو الدهان العطري الذي يُستخدَم في التجميل، والزيوت المقدَّسة التي ارتبطت بالتحنيط على وجه الخصوص وبعض طقوس المعبد.

  • كانت الأواني الحجرية ذات الطبيعة السحرية واحدةً ممَّا عُرف من أوانٍ حجرية تحمِل نقوشًا خاصة ترتبط بالتعاويذ أو المُتون السحرية في فحواها، وكان يُرجى منها انتفاع صاحبها بها أو بما تحويه من قرابين.

  • كان هناك استخدامات أُخرى للأواني الحجرية تنوَّعت ما بين «المباخر – المصابيح والمشاعل» وبعض الأغراض الأخرى النادرة.

  • يصعُب حصر استخدام العديد من الأواني الحجرية، وذلك لغياب النقش في أغلبها فنحن نتعامَل مع مادةٍ صامتة ونطبق من خلال ما عُرف منها لنتوصَّل إلى ما لم يُعرف بعد، فقد نُخطئ وقد نُصيب، وما علينا إلا المحاولة.

  • ساهمت نقوش الأواني الحجرية في تأريخ فترات حُكم ملوكٍ عدَّة لا سيما في عصر ما قبل وبداية الأسرات، وساعدت على الوصول إلى معرفة الغرض من استخدامها في أحيانٍ أخرى من خلال ما قدَّمته من مُسمَّيات لِما كانت تحويه.

  • هناك من الأواني الحجرية ما كان له دلالته الجنائزية وذلك للعثور عليه ضمن الأثاث الجنائزي بالمقابر.

  • وهناك من الأواني الحجرية ما كان له دلالته الشعائرية وذلك مثل الأواني التي عُثر عليها في ودائع أساسات المعابد، مثل وديعة أساس معبد هيراكونبوليس.

  • ومن الأواني الحجرية ما كان له دلالته الدينية، كتلك الأواني التي ارتبطت بهيئاتٍ مقدَّسة لا سيما حيوانية، أو برموز تدلُّ على أهميتها العقائدية.

  • وهناك من الأواني الحجرية ما كان له دورُه الدنيوي كتلك التي عُثر عليها في مواقع السُّكنى.

  • استُخدِمت الأواني الحجرية كأوانٍ لحفظ الأحشاء «أواني كانوبية» وكانت بذلك واحدةً من الأواني الجنائزية.

  • دلَّت نقوش الأواني الحجرية في كثيرٍ من الأحيان على طبيعتها السحرية التي كانت عليها.

  • جاءت العديد من الأواني الحجرية التي عُثر عليها ببعض المقابر، تحوي بعض ما كان محفوظًا بها من زيتٍ أو عسل. ومن خلال ذلك تمكَّنت الدارسة من معرفة الغرَض من استخدام بعض أنماط الأواني الحجرية.

  • كانت أواني حفظ مواد التجميل من أكثر الأواني الحجرية التي تعمَّد المصري القديم أن يتفنَّن في نحتها، وزخرفتها. وكانت الأواني ذات الهيئات الحيوانية، والأواني ذات الزخارف المُتنوِّعة من أكثر الأواني المُستخدَمة في أغراض حفظ مواد التجميل من كُحل وزيوت ودهون عطرية.

  • كانت المقبرة صورةً للحياة الدنيا، ومن ثَم قدَّمت لنا المقبرة بما تحويه صورةً تنطق بالحياة. وجاءت الأواني الحجرية في كثيرٍ من الأحيان تحوي ما قُدِّم للمُتوفَّى فيها من طعام وشراب «كقرابين»، فاستطاعت الدارسة تكوين صورةٍ شِبه كاملة عمَّا عُرف من أنواع الأواني الحجرية، والتي لم تختلف في وظائفها عمَّا هو معروف في العصر الحالي من صحافٍ وأطباق وأكواب وأوانٍ أخرى مختلفة عنها فقط في مادة الصُّنع.

  • أبدع المصري القديم في تصنيع وإخراج أوانيه الحجرية التي كان لها مكانتها لدَيه، تلك المكانة التي جعلته لا يكترِث بالمجهود ولا صلادة الحجر، بل يُبدِع ليُخرج هذا الكم الهائل من الأواني الحجرية التي اعتُبرت في كثيرٍ من الأحيان إحدى الوسائل التي تُقدِّم في الترقيات، يُقدِّمها الملوك إلى كبار رجال الدولة كهدايا.

  • حرص المصري القديم على اقتناء الأواني الحجرية، ومن ثم اختلف عدد الأواني الحجرية بالمقابر بحسب ثراء أصحابها. واستعاض العامة من الناس في كثيرٍ من الأحيان عن الأواني الحجرية الحقيقية بأوانٍ حجرية وهمية كبدائل عنها في أثاثه الجنزي.

  • لا زالت أعمال البحث والتنقيب تكشف عن الجديد، ولا زلنا نتوخَّى الحيطة في تفسير هذا وذاك، ومن خلال مكان العثور، وطبيعة شكل الإناء والحجر المُستخدَم في صُنعه وما يحمِله من نقش. يمكن أن نتوصَّل إلى معرفة الغرَض من هذا الإناء أو ذاك، والغرض من استخدامه. وهذا هو الهدف المنشود من وراء ذاك البحث المتواضع، الذي حاولتْ فيه الدارسة قدْر استطاعتها تفسير كلِّ ما يتعلق بالأواني الحجرية من خلال التطوُّر الزمني التاريخي والتطوُّر في الوظيفة والاستخدام.

  • تُوصي الدارسة بضرورة إكمال هذا البحث حتى نهاية عصر الدولة الحديثة للوقوف على كلِّ ما لم تتناوله فيه من نقاطٍ غابت لتَوقُّف موضوع الدراسة عند عصر الدولة الوسطى فقط.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤