الفصل الحادي عشر

قرى الظهير الصحراوي كنموذج للهجرة المخطَّط لها

أنا شاب في مقتبل العمر، أنتمي إلى قرية … محافظة … عُدْت إلى قريتي بعد أن أنهيتُ دراستي الجامعية (أو بعد أن حصلت على شهادة الثانوية العامة أو شهادة الدبلوم في مجال …) تربطني بأهلي في القرية علاقاتٌ وثيقة، لكنني أحلم بأن أحيا حياة تختلف عن حياة أبي وجدِّي؛ فماذا أعمل؟ ما الذي أستطيع أن أعمله بنفسي أنا ومَن معي من أقراني الشباب؟ هل أنتظر الفرصةَ التي سوف تقدِّمها لي الحكومة على طبقٍ من ذهب — هذه الفرصة التي قد لا تأتي إلى الأبد — أم أبدأ أنا ثم أطلب من الحكومة أن تساعدني؟ هل أستطيع أن أحقِّقَ أحلامي في قريتي، أم عليَّ أن أهاجِرَ منها؟ وإلى أين؟ هل تظلُّ هجرتنا — هجرة الشباب — عشوائيةً؛ سواء أكانت إلى المدن الكبرى أم إلى دول جنوب أوروبا؟ أم أن هناك بدائل أخرى؟ هل يمكننا أن نحقِّق أحلامنا في حياة أفضل في المستقبل؟ هل يمكننا أن نشارك في هجرة مخطَّط لها وليست عشوائية؟ هل يمكننا أن نبني سويًّا قريةً جديدةً أو مجتمعًا عمرانيًّا جديدًا؟

تكتظُّ قرانا وتضيق بأحلام الشباب، فيهاجرون منها عشوائيًّا إلى المدن التي تنمو بدورها بشكل عشوائي تختلط فيها «مظاهِرُ الحياة الحديثة» — المنقولة كما هي دون أي تعديل — مع العادات والتقاليد الموروثة دون أي تجديدٍ، في مزيج غير متجانس وغير متوافق لا يعطي أي ضمانٍ للاستقرار أو الاستمرار، فضلًا عن التحقُّق والازدهار! «أَلَا يدفعنا هذا للتفكير في الهجرة المخطَّط لها من القرى؟»

(١) قُرَى الظهير الصحراوي: ميلاد الفكرة

وُلِدت فكرة قرى الظهير الصحراوي في إطار البرنامج الانتخابي للرئيس الأسبق حسني مبارك عام ٢٠٠٥، وكان القصد منها توفير امتدادٍ صحراوي للقرى القائمة في وادي النيل في صعيد مصر، بديلًا عن امتداد هذه القرى في الوادي والبناء على الأرض الزراعية؛ وذلك تلبيةً لحاجة الأجيال الجديدة من أبناء الفلاحين للسكنى. وُلِدت هذه الفكرة في إطار الدعاية الانتخابية للرئيس الأسبق، ولم تَحْظَ في حينها بأي دراسة جدوى من قِبَل الدولة.

(٢) مصطلح قرى الظهير الصحراوي: رؤية نقدية

غَلَبَ على مصطلح قرى الظهير الصحراوي منذ ولادته الطابعُ المكاني، كما لو كان الهدف هو مجرد إيجاد «مكان» لسكنى أبناء الفلاحين في الصحراء، بدلًا عن البناء على الأرض الزراعية، وكما لو كان تفكيرُ الدولة قد توقَّفَ عند مجرد تلبية حاجة شباب الريف للمسكن، دون النظر إلى الحاجات الأخرى لهم، كما لو كان المطلوب هو بناء «قرى نوم» لهم. أَلَا يحتاج شباب الريف إلى فرص عمل؟ هل يستجيب هذا المصطلح كما ظهر في هذا الوقت لتطلُّعات وآمال وأحلام شباب الريف في المستقبل؟ وحتى الآن يغلب الطابعُ الجامد في فهم واستقبال فكرة قرى الهجرة المخطَّط لها باعتبارها قرى مرآة Mirror villages١ للقرى الأصلية، كما لو كان أبناء وأحفاد الفلاحين سوف يمارسون نفس الأنشطة الزراعية لآبائهم وأجدادهم، ويعيشون نفس أساليب الحياة!

(٣) الوضع الراهن لقرى الظهير الصحراوي

تمَّ حتى الآن بناء ٣٩ قرية في محافظات الفيوم وبني سويف والمنيا وأسيوط وسوهاج وقنا والأقصر وأسوان؛ حيث تمَّ بناء مبانٍ سكنية (منازل ريفية) ومباني خدمات (مسجد، وحدة صحية، مدرسة … إلخ) في كلٍّ منها، إلا أنها مهجورة حتى الآن لعدم مدِّ المرافق المطلوبة (خطوط المياه والكهرباء والطاقة)، كما لم يتم تحديد الحيِّز الزراعي لكلٍّ منها، ولم تتوافر بعدُ مياهُ الري، كما لم يتم حتى الآن تشغيل مباني الخدمات بما فيها الخدمات الأمنية، كما لا تتوافر حتى الآن وسائلُ النقل الجماعي للانتقال من القرية الأمِّ إلى القرية الجديدة والعكس، «إلا أنه منذ يونيو ٢٠١٤، وفي إطار المشروع القومي لتطوير قرى الظهير الصحراوي، تقوم الدولة حاليًّا بإعادة تخطيط هذه القرى وتحويلها إلى قرًى تعاونية مُنتِجة.»

(٤) رؤية جديدة لمصطلح قرى الظهير الصحراوي

أقترح أن نتعامل مع مصطلح قرى الظهير الصحراوي باعتباره مصطلحًا تنمويًّا وليس جغرافيًّا/مكانيًّا، هذا المصطلح بمضمونه التنموي له الأبعاد الآتية:

(٤-١) الشباب

علينا أن نعطي اعتبارًا هامًّا لشباب الريف الذين تتجاوز أحلامهم وتطلعاتهم الحياةَ الريفية المألوفة في القرية، القائمة على النشاط الزراعي فقط أو بشكل أساسي، هؤلاء الشباب يمثِّلون القوة الدينامية لقيادة تنمية القرية؛ القائمة والجديدة، وهم يبحثون عن الفرصة لإظهار قدراتهم وإمكاناتهم في مجتمع القرية، التي إذا لم يجدوها فسوف يهاجرون منها إلى المدن الكبرى في مصر أو دول جنوب أوروبا عبر المتوسط! «علينا إذن أن نقوم بدراسة توجُّهات الشباب ورغباتهم وتطلعاتهم، ومساعدتهم في التعبير عن رؤيتهم لقريتهم في المستقبل.»

(٤-٢) التعايُش مع الصحراء، وليس غزوها

إذا كنا نرى في قرى الظهير الصحراوي نموذجًا للخروج من وادي النيل وتنمية الصحراء، فعلينا أن نسعى لبلورة نموذج جديد للتعايش مع الصحراء يتجاوز نفسية وادي النيل، ويختلف كيفيًّا عن نموذج الحياة الموروث في وادي النيل؛ بدءًا من اختيار نمط المحاصيل الملائمة لظروف الصحراء، وأسلوب الري المناسب، وأسلوب التعامل مع الماء (الاستخدام الآدمي والصرف الصحي … إلخ)، ونمط العمران، وأسلوب الحياة … إلخ.

(٤-٣) تجاوُز النظرة القطاعية فيما يتعلَّق بالأنشطة الاقتصادية

ففي ظل تدنِّي الجدوى الاقتصادية لأغلب الحاصلات الحقلية على رأس الغيط، هناك حاجة لتجاوُز النظرة القطاعية الضيقة في التعامل مع الزراعة كنشاط أساسي للقرية، المطلوب هو تبنِّي رؤيةٍ لأنشطة اقتصادية جديدة، بلا أي مخلفات تقوم على الاستخدام الشامل للمورد بعناصره الأساسية (فرز أول وثانٍ وثالث)، والثانوية (البواقي الزراعية وبواقي البواقي … وهكذا)؛ مما يعني الاستفادة بالإمكانات التنموية الكاملة لكل عنصر (عبر عدَّة حيوات متتالية)، والاستغناء تمامًا عن المدافن Landfills.
يعني المبدأ السابق أيضًا ربْطَ النشاط الزراعي بالصناعي وبالتجاري محليًّا قدر الإمكان، وذلك من خلال اكتشاف الميزات النسبية والتنافسية لكل قرية، واختيار منتج معيَّن تتميَّز به كلُّ قرية، ويكون لها العلامة التجارية Trade mark الخاصة به، حتى يتكلل بالنجاح تسويقُ المنتج قوميًّا وعالميًّا.

(٤-٤) نموذج لريادة الأعمال مناسِب للقرية

اعتدنا على تقسيم للعمل يجعل الصناعة من نصيب المدينة، والزراعة من نصيب القرية، هناك حاجة ماسة لإيجاد تقسيمٍ جديدٍ للصناعة يجعل للريف نصيبًا منها، وكذلك بلورة نموذج لريادة الأعمال Business model يناسب توجُّه أبناء الريف وقدراتهم المالية، حتى يتمكَّنوا من إنشاء الكيانات الاستثمارية المناسبة لهم ولقراهم، وحتى لا تُستنزَف مدخراتهم في أنماط الاستهلاك الترفي أو تخرج إلى خارج القرية.

(٤-٥) مراعاة مبادئ الاستدامة مع الاهتمام بالبُعْد التكنولوجي

مطلوب تقديم نموذجٍ لتنمية الظهير الصحراوي متوافِقٍ مع مبادئ التنمية المستدامة Sustainable development، مع إعطاء اهتمام خاص بالبُعْد التكنولوجي، والمقصود هنا أن تتوافق التكنولوجيا المختارة مع خصائص النسيج الاجتماعي الحضاري الحي لمجتمع القرية، بحيث يكون في مقدور هذا النسيج هَضْم المكونات التكنولوجية الجديدة وتمثُّلها؛ مما يجعله قادرًا بعد ذلك على تطويرها ذاتيًّا. ويوجد هنا دور هام وأساسي ومتميِّز لإقامة مدارس/مراكز تدريب في المجالات المختلفة للتكنولوجيا في القرية.
سوف يكون النشاط الصناعي هو النشاط الاقتصادي القائد في مشروع قرى الظهير الصحراوي؛ وذلك لأنه يرتبط ﺑ:
  • (أ)

    القدرة على توفير فرص عمل أكثر، وذلك من خلال المرونة في اختيار التكنولوجيا.

  • (ب)

    تحقيق قيمة مضافة أعلى.

  • (جـ)

    تميُّز النشاط الصناعي مقارَنةً بالزراعي بمعدل أقل لاستهلاك المياه.

(٥) المنهجية التنموية المقترحة لقرى الظهير الصحراوي

  • (١)
    جمع وتكوين قاعدة بيانات ومعلومات عن القرية الأم والقرى المحيطة بها تغطي الجوانب الآتية:
    • تاريخ القرية وأهم الأحداث التاريخية التي مرت بها.

    • التركيب المحصولي الحالي (إنتاج نباتي وحيواني)، ومكونات الغطاء النباتي الطبيعي (الفلورا) والحيواني (الفونا)، وكذلك الإنتاج من الموارد التعدينية المتوافرة.

    • الحِرَف التقليدية والحِرَفيين القدامى الذين يمكن اعتبارهم كنوزًا قومية National Treasures، وكذلك عناصر المسكن والزي والمأكل … إلخ، التي تتميز بها.
    • الأنشطة الصناعية القائمة: عدد العاملين والمنتجات والتكنولوجيا المستخدَمة.

  • (٢)
    الدراسة الميدانية المكثفة للقرية الأم والقرى المحيطة، وذلك بهدف:
    • التعرُّف على الجمعيات الأهلية النَّشِطة بها.

    • التواصل مع القادة الطبيعيين بها.

    • الإعلام عن بدء تنمية القرية الجديدة وقياس اتجاهات أبناء القرية — خاصةً الشباب منهم — للانتقال إليها، ومطالبهم للاستقرار في القرية الجديدة.

    • عقد لقاءات موسَّعة مع شباب القرية والقرى المحيطة، للتعرُّف على تطلُّعاتهم وتوقُّعاتهم فيما يتعلق بمستقبل القرية الأم والقرية الجديدة.

    • تدقيق البيانات والمعلومات الخاصة بموارد القرية الأم والقرى المحيطة.

    • دراسة الاستخدامات المحلية للعديد من الموارد المتوافرة في القرية الأم والقرى المحيطة.

  • (٣)
    تخطيط القرية الجديدة بمنهجية تشاركية Participative approach لضمان ملكية أبناء القرية الأم لمشروع إقامة القرية الجديدة، ومشاركتهم الفعَّالة فيه بدءًا من بلورة الفكرة وحتى تنفيذ المخطَّط؛ وذلك عن طريق عقد لقاءات دورية موسَّعة بالقرية الأم يُدعَى لها كافة الأطراف المعنِيَّة، مع تكوين لجنة تسيير Steering committee تمثل فيها هذه الأطراف وتقوم بدور تنسيقي بين هذه الجهات على المستويين المحلي والقومي.
  • (٤)
    قيام لجنة التسيير بوضع برنامج زمني Timeline لتنفيذ مشروع القرية الجديدة، مع تحديد أدوار الأطراف المختلفة، والموارد المطلوبة، ومعايير قياس الأداء عبر مراحل التنفيذ المتتابعة.

(٦) مقترحات لإنجاح الهجرة المخطَّط لها من القرى

(٦-١) حاضنات الأعمال والتكنولوجيا Business and technology incubators

مطلوب إقامة حاضنات أعمال وتكنولوجيا لإكساب شباب القرية/القرى مهارات المبادرة وإدارة المشروعات الزراعية والصناعية والتجارية الجديدة، وكذلك تسهيل اكتسابهم للتكنولوجيات الجديدة المرتبطة بمنتجات مطلوبة في الأسواق المحلية والقومية والعالمية.

(٦-٢) مراكز التدريب والتعليم الفني

مطلوب إنشاء مراكز تدريب ومدارس فنية متخصصة (إعدادي وثانوي) في القرية الجديدة في التخصصات المرتبطة بالأنشطة الاقتصادية بالقرية؛ وذلك لضمان توفير الكوادر المدرَّبة من الجنسين، كشرط لنجاح الأنشطة الزراعية والصناعية والتجارية الجديدة التي سوف تضمُّها القريةُ الجديدة.

(٦-٣) الجمعيات والمؤسسات الأهلية

مطلوب حفز قيام جمعيات ومؤسسات أهلية تعبِّر عن القرية الأم وتمثِّلها، ويتزامن نشوءها ونموها مع ميلاد ونمو القرية الجديدة، وتتحمل المسئولية الاجتماعية والبيئية لنشوء ونمو ذلك الكيان العمراني الجديد كعملية اجتماعية/حضارية/بيئية Socio-cultural-ecological process، مما يوفر أعلى ضمان لاستدامة القرية الجديدة.

(٦-٤) فيلم فيديو دعائي

تكليف إحدى الشركات المتخصصة بإخراج فيلم فيديو دعائي عن فرص الحياة والاستثمار والسكنى في القرية الجديدة، يُذَاع في القرى (والمحافظات) التي يُتوقَّع أن يأتي منها السكانُ والمستثمرون.

(٦-٥) إنشاء شركات

مطلوب إنشاء شركات يؤدِّي نشاطُها إلى الإسراع من نموِّ القرية — الكائن العمراني الجديد — وذلك في المجالات الآتية:
  • التأجير التمويلي للأراضي (تأجير ينتهي بالبيع) للأغراض الزراعية والصناعية والتجارية.

  • الاقتراض بضمان الأرض (حق الانتفاع).

  • تأجير المعدات (وحدات توليد الطاقة والمعدات الزراعية ووسائل النقل).

  • تدوير القمامة والبواقي الزراعية.

  • بناء وتأجير المساكن والمنشآت الصناعية والتجارية.

١  Mahdi Dina, Dynamics of Development in Rural Egypt to New Desert Communities: The Case of the Bassayah Village, A Master Thesis, Stutgart and Ain Shams Universities Programme, July, 2015.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١