الفصل التاسع

الأغنياء: إنهم يقودوننا على طريق الاستيراد

صُدِمْتُ عندما علمت من بيان غرفة صناعة الأخشاب١ أننا قد استوردنا عام ٢٠١٤ أخشابًا ومنتجاتٍ خشبيةً بقيمة ١٫٥ مليار دولار! أعتقد أن «كلنا في الهم شرق»؛ فالدول العربية تقع في منطقة من أشد مناطق العالَم جفافًا، وتعتمد بصورة أساسية على الاستيراد في الوفاء بحاجتها من الأخشاب؛ فالمملكة العربية السعودية قد استوردت عام ٢٠١٣ أخشابًا ومنتجات خشبية بما قيمته ٣٫١ مليارات دولار!٢ أعود إلى إحصائية استيراد الأخشاب ومنتجاتها في مصر؛ أوصاني رئيس الغرفة بأن أضرب الرقم في ١٫٥ لأن الحصر الذي قامت به الغرفة لا يغطي كل عمليات الاستيراد. قلت لنفسي: دع عنك حكاية ١٫٥ وقُمْ بحسبة بسيطة؛ إذا أخذنا في الاعتبار زيادة السكان ومتوسط التضخم السنوي، فإننا سوف نستورد عام ٢٠٥٠ أخشابًا ومنتجات خشبية بقيمة ٥٤٫٤ مليار دولار! صُدِمْتُ أكثر وقلت لنفسي: أي عارٍ يقع علينا؟ وهل ماتت ضمائرنا حيث ارتضينا أن نورِّث أبناءنا أو أحفادنا هذا العبء الثقيل؟ أَلَا يدفعنا هذا الوضع إلى إعادة التفكير في قضية الاستيراد؛ استيراد أي شيء وكل شيء؟ وفيما يتعلق بمجال الأخشاب ومنتجاتها، أَلَا يولِّد لدينا هذا الوضعُ إرادةً جديدة للتعامل الرشيد مع بدائل الأخشاب ومنتجاتها المحلية؟ إنني أتكلم عن البواقي الزراعية اللجنوسلليلوزية (بواقي الحاصلات الحقلية ونواتج التقليم) التي تصل كمياتها السنوية إلى حوالي ٨٠ مليون طن؟

(١) زراعة الغابات الشجرية في مصر: فرصة تنموية جديدة

رُشِّحْتُ للقيام بدور الباحث الرئيسي ممثِّلًا مصر في مشروع للتعاون بين جامعة ميونيخ بألمانيا وجامعة عين شمس، في مجال الاستفادة من الغابات الشجرية المزروعة على مياه الصرف الصحي المعالَجة. أذهلتني القيمة التنموية لهذا المشروع! يمكننا الآن استثمار ٥٫٥ مليارات متر مكعب من مياه الصرف الصحي لزراعة غابات شجرية على مساحة ١٫٥ مليون فدان، ممَّا يوفر فرصَ عمل كثيرة ويُحسِّن البيئة بامتصاص ثاني أكسيد الكربون بمعدل ١٠ أطنان للفدان سنويًّا.

والأكثر من ذلك أن معدل نمو الأشجار الخشبية في مصر ٤٫٥ أمثاله في ألمانيا؛ نظرًا لتميُّز مصر بمعدل عالٍ لسطوع الشمس! إنك تحتاج كي تحصد ناتج زراعة الغابات في ألمانيا من ٨٠ إلى ٢٥٠ سنة، في حين أنك تحتاج في مصر لأغلب السلالات التي نجحت بالفعل من ١٥ إلى ١٧ سنة فقط، أيُّ كنزٍ هذا كنَّا غافلين عنه؟

إنني أرى أن زراعة الغابات الشجرية على مياه الصرف الصحي هي بمثابة تحويل نقمة إلى نعمة، وتحويل مشكلة إلى إمكانية تنموية في خطوة واحدة، فبدلًا من التخلُّص من مياه الصرف الصحي بإلقائها في النيل أو البحيرات أو البحر، وما يرتبط بذلك من مخاطر بيئية وصحية، سوف يتم التعامل معها كمورد لزراعة الغابات الشجرية؛ ممَّا يوفر فرصَ عملٍ كثيرة بدءًا من الزراعة وعمليات الخف Thinning، ثم العمليات الصناعية المتتابعة عبر سلسلة القيمة Value chain؛ من التلويح للتجفيف ووصولًا لتصنيع المنتجات الوسيطة كالألواح الخشبية وألواح الحبيبي واﻟ MDF، وانتهاءً بتصنيع المنتج النهائي (قطع الأثاث والأبواب والشبابيك والأرضيات)؛ مما يسهم في إطلاق الطاقات الإنتاجية لمصانع الأخشاب والأثاث، المعطَّلة حاليًّا نظرًا لعدم توافر أو/وارتفاع أسعار الأخشاب المستوردة، كما تسهم زراعة هذه الغابات في خفض تكلفة الأثاث ومكونات البناء الخشبية لغالبية بنات وأبناء مصر من الأجيال الجديدة، كما سوف يؤدي ذلك إلى دعم التوجُّه اللامركزي في التنمية، من خلال ربط خريطة إنشاء الغابات الشجرية الجديدة مع مشروعات إنشاء محطات الصرف الصحي في مصر حتى عام ٢٠٥٠.

(٢) ثقافة تفضيل الأخشاب المستوردة: عقبة كئود

تبيَّنَ من اللقاء مع السادة ممثلي الصناعات الخشبية في مصر، أن الثقافة السائدة حاليًّا في مجال المنتجات الخشبية تُعلِي من قيمة الأخشاب المستوردة مثل الأرو Oak والزان Beech، وتنظر بتعالٍ وازدراء للسلالات الخشبية المحلية، مثل: الكازوارينا Casuarina والكافور Eucalyptus، التي ثبت بالفعل نجاح زراعتها على مياه الصرف الصحي المعالَجة باعتبارها «خامات الفقراء»، وأعتقد أن هذه النظرة ممتدة لسائر الأخشاب المحلية مثل الجميز والتوت والسنط … إلخ؛ أي إن هناك تَحيُّزًا مسبقًا ضد هذه الموارد التي يمكن توفيرها محليًّا من خلال مياه الصرف الصحي المعالَجَة وغيرها (زراعة الأشجار الخشبية على حوافِّ الترع والمصارف على سبيل المثال).

ذكَّرَني هذا الأمر برحلتنا مع جريد النخيل والعديد من الخامات (الموارد) المحلية، فعندما بدأنا بحوثنا على جريد النخيل كنَّا نُواجَهُ في المجتمع العلمي بالكلية (كلية الهندسة، جامعة عين شمس) بمشاعر السخرية والتهكُّم إزاء اهتمامنا البحثي بجريد النخيل؛ فلقد تعوَّدنا — بل تربَّينا — على احترام الحديد الصلب والزهر والألومنيوم، وفي المقابل على النظر باستعلاء — وربما باحتقار — للخامات والموارد الزراعية كجريد النخيل وحطب القطن وقش الأرز … إلخ. كنت أقصد — عندما يبدأ طالب الدبلوم أو الماجستير دراسته معي على جريد النخيل — أن آمره بأن يحمل جريدة النخيل، ويذهب بها إلى ورشة النجارة لتشغيلها على مختلف الماكينات: الرابوه والتخانة والمنشار … إلخ. كنت أريد بهذا أن يواجِه الطالب مشاعرَ الاحتقار التي ترسَّبَتْ في نفسه إزاء جريد النخيل، وأن تتغيَّر هذه المشاعر تدريجيًّا من خلال اكتشافه لما يحوزه هذا الموردُ من إمكاناتٍ تتبدَّى عبر تعرُّضه لعمليات التشغيل المختلفة. إلا أن النجاحات العلمية والتكنولوجية التي حقَّقناها مع جريد النخيل والعديد من المواد اللجنوسلليلوزية، غيَّرت تدريجيًّا من نظرة المجتمع العلمي لهذه الموارد المحلية!

وسألت نفسي، بعدما أكَّدت نتائجُ بحوثنا العلمية بشكل قاطع وحاسم أن جريد النخيل — كنموذج للعديد من المواد المتجددة اللجنوسلليلوزية — يضاهي الأخشابَ المستوردة في الخواص الميكانيكية والطبيعية: ما هي مشكلة جريد النخيل؟ الإجابة في ظني أنه يقع — إنتاجًا وتصنيعًا واستهلاكًا — في دائرة الفقر. من هذا المنطلق فإنني إن أردتُ تقييمَ إنجازاتنا مع جريد النخيل (تصنيع ألواح الكونتر والباركيه وبدائل الأخشاب والأثاث العصري) من الزاوية الاجتماعية؛ فتقييمي هو أننا تمكنَّا من تقديمه في صورة جديدة كمنتجات تقبَّلَتْها الطبقات الاجتماعية الأعلى، وأننا بذلك قد أزلنا «الوصمةَ» التي علقت به كخامة الفقراء!

تذكَّرْتُ أيضًا — عندما كنتُ أقوم بدراسة نمط المسكن العرايشي عام ١٩٧٩، بما يضمُّه من عناصر متميزة مثل السقف من جريد النخيل وسائر المنتجات المحلية — كيف كان الكثيرون من مثَّقفي العريش يشعرون بالخجل إزاء أسلوب حياتهم التقليدي وكل ما ينتجه مجتمعهم محليًّا؛ نتيجة لانبهارهم بالنموذج الغربي الذي جاء إليهم عن طريق إسرائيل؟ وكيف كان لديهم تحيُّز مسبق يدين كل ما هو تقليدي وموروث بالتخلف والرجعية!

(٣) البُعْد التاريخي

في كتابه الرائع يتحدَّث أسعد نديم٣ عن وصول الفنون والحِرَف التقليدية إلى ذروةِ ازدهارها في العصر المملوكي (١٢٥٠–١٥١٧)، «عندما كانت مصر المملوكية دولةً مستقلة، وكان المماليك ينفقون ببذخ؛ مما جعل الفنانين والحِرَفيين المصريين يتبارون في إبداع ما يحتاجه المماليك في قصورهم ومنشآتهم وجميع متطلبات حياتهم»، كما يحدد أهم «محطات» انهيار الحِرَف التقليدية؛ بدءًا من انتقال السلطة إلى العثمانيين في ١٥١٧، ونَقْل السلطان سليم أكثر من ٥٠٠ من الفنانين والحِرَفيين إلى بلاده، و«تَولِّي محمد علي حكمَ مصر واتجاهه لبناء الدولة الحديثة»، والاحتلال البريطاني في نهاية القرن التاسع عشر، إلا أنه يولي اهتمامًا بعصر إسماعيل حيث «كان أمل الخديوي أن تصبح مصر قطعةً من أوروبا، وكان الابتعاد أكثر وأكثر عن الفن التقليدي. فمثلًا مع تشجيع البناء على الطراز الغربي لم يكن هناك احتياج لسقف مزخرف، ولا إلى مشربية، ولا إلى أبواب ذات تعشيقات، ولا التطعيم أو الجبس المعشق أو تكفيت النحاس أو الزجاج المنفوخ وغيرها وغيرها، فتَمَّ الاستغناءُ عن إبداعات الكثير من أسطوات الفنون والحِرَف التقليدية.» لقد مثَّل عصر إسماعيل باشا تحوُّلًا دراميًّا في اختيار رموز التميُّز الاجتماعي في البناء والأثاث؛ من الأنماط المحلية المرتبطة بإبداع الفنانين والحِرَفيين المصريين، إلى الأنماط الأوروبية المستوردة. هكذا بدأ تبنِّي نمط الأثاث الأوروبي بقصور إسماعيل باشا، ثم باشوات القاهرة والإسكندرية تدريجيًّا، ثم باشوات الريف وأعيانه وصولًا إلى كبار موظفي المدن.

(٤) التحدي الرئيسي لمشروع الجريد: إعادة اكتشاف مواردنا الخشبية المحلية

أشعر أن المشكلة الأساسية فيما يتعلق بأخشابنا — وسائر مواردنا — المحلية لا تتمثَّل فيها باعتبارها موادَّ بالمعنى الفيزيائي، بل في علاقتنا نحن بها، أي إنها مشكلة حضارية. يبدو أن انبهارنا بالنموذج الغربي وتعلُّقنا بكل ما ارتبط به من أساليب للحياة وأنماط للاستهلاك والإنتاج، ورغبتنا الجامحة في الالتحاق بهذا النموذج بأسرع ما يمكن، قد جعلنا نفقد الشعور بالقيمة؛ قيمتنا نحن كبشر وذوات، وقيمة ما نحوزه من خبرات وتراث تقني وموارد محلية؛ حتى إننا عدنا لا نرى أنفسنا وما نحوزه من خبرات وموارد إلا من خلال عيون الغرب، مما أفقدنا من ثَمَّ متعةَ الاكتشاف؛ أن نكتشف مواردنا بأنفسنا ولأنفسنا، كما فقدنا القدرةَ على المبادرة في علاقتنا بمواردنا المحلية.

إنني أرى أن التحدي الرئيسي للمشروع الجديد بين جامعتَيْ ميونيخ وعين شمس، يتمثَّل في إعادة اكتشاف مواردنا الخشبية المصرية؛ سواء أكانت منتجات الغابات الجديدة المزروعة على مياه الصرف الصحي المعالَجة، أم الأشجار الخشبية التي اصطحبتنا خلال مسيرتنا الحضارية الطويلة مثل الجميز والتوت والسنط، أو أشجار الفاكهة. نحن مُطالَبون بأن نقدِّم طبعةً عصرية لهذه الموارد شاملة الخواص الميكانيكية والطبيعية، وفقًا للمواصفات القياسية العالمية مقارَنةً بالأخشاب المستوردة، وأن نساعد بنات وأبناء مصر على أن يروا مواردهم بعيون جديدة؛ ممَّا يسهم في بناء ثقافة جديدة للتعامل مع الموارد المحلية من أجل التنمية.

١  بيان بواردات الأخشاب عام ٢٠١٤، غرفة صناعة الأخشاب (١٥ أبريل ٢٠١٥).
٢  واردات المملكة العربية السعودية بحسب تصنيف الدليل التجاري الدولي للسنوات ٢٠١١–٢٠١٣.
٣  Traditional arts and crafts from Cairo, Asaad Nadim.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١