الفصل الثاني

تطبيقات على النمو المكاني في بعض مناطق في القاهرة

(١) حلوان في قرن من الزمان

التنمية البيئية الهادئة (١٨٧٠–١٩٥٠)

لا شك في أن عصر الخديو إسماعيل (١٨٦٣–١٨٧٩) على قِصَره كان عصر تحديث القاهرة وتنميتها. فهو بحق أحد البنائين العظام شأنه في ذلك شان ملوك أوروبا الذين غرقوا في الديون كما غرق إسماعيل. والفرق بينه وبينهم أن مصر كانت مستهدفة من قبل الإمبراطورية البريطانية التي كانت تنظر إلى مصر صاحبة قناة السويس على أنها واسطة العقد في إمبراطوريتها، ولا بد من احتوائها. وكانت مسألة الديون المصرية ذريعة أولى لإجبار إسماعيل ذي السياسات الطموحة على التنازل عن الحكم، كما كانت ثورة المصريين على الامتيازات الأجنبية في مصر وما تلاها من الحركة العرابية الخطوة الثانية لاحتلال مصر سنة ١٨٨٢؛ أي بعد قرابة ثلاث سنوات من سقوط حكم إسماعيل.

وحين رغب الخديو إسماعيل في تنمية القاهرة في نطاقها الجنوبي (١٨٧٤م)، أنشأ حلوان الحمامات شرق حلوان البلد كضاحية حدائق موسرة على غرار ضواحي المدن الأوروبية، مثل: فرساي، ومما ساعد على ذلك أن المشروع كان يتضمن الاستفادة من عيون الماء الكبريتية للعلاج والترفيه. بنيت المدينة على منسوب أعلى من الأراضي الزراعية — محطة سكة حديد حلوان تقع على منسوب ٥٧ مترًا، بينما المزارع على ارتفاع نحو ٢١ مترًا — وروعي أن تكون البيوت الواسعة على نمط الفيلات وسط حديقة ولا تتعدى طابقين، وللتشجيع بيع المتر المربع بنحو مليمين، على أن تكون القطعة أكبر من ٥٠٠ متر، ولا يزال هذا النمط قائمًا في صورة متفرقة من البلدة، وإن كان غالبه قد شَابَهُ القِدَم والإهمال، ولتشجيع حركة العمران وحركة المتنزهين بُني خط السكة الحديدية (١٨٧٧) من ميدَان المنشية تحت القلعة بحيث يسير شرق مدافن الإمام وقرية البساتين إلى طرة، ثم يسير إلى حلوان في نفس مسار الخط الحالي، ولكن مع امتداد العمران وبداية التفكير في إنشاء ضاحية المعادي، رُؤيَ تسهيل الحركة من وسط قاهرة إسماعيل بإنشاء خط حديدي من باب اللوق (١٨٩٢) عبر مصر القديمة إلى طرة، ومن ثم يستكمل الخط مساره القديم، وفي ١٩١٥ ازدوج خط حلوان لكي يخدم ضاحية المعادي التي بدأت امتيازها شركة أراضي الدلتا في ١٩٠٥.

fig15
شكل ٢-١: حلوان في العشرينيات.
fig16
شكل ٢-٢: تداخل الصناعة مع السكان والزراعة في منطقة حلوان.
وفي العهود التالية أضيفت منشآت أخرى ترفيهية وترويحية وصحية، مثل: الحديقة اليابانية ومصحة فؤاد الأول ومستشفى بهمان للأمراض العصبية، فضلًا عن الفنادق الجيدة بمستوى العصر، وبذلك صارت لحلوان مكانة ترفيهية متميزة يزورها مئات الناس من القاهرة للترويح في العطلات، وتوضح الخريطة ٢-١ صورة التآلف الإقليمي لمنطقة حلوان-المعصرة حسب خرائط المساحة المصرية عام ١٩٢٩؛ حلوان الحمامات مبنية على مخطط شبكي حدائقي على منحدرات هينة بعيدًا عن مصبات الأودية السيلية القوية كوادي حوف، وبعيدًا عن النطاق الزراعي الممتد على مياه ترعتي الخشاب والحاجر وتاركة القرى والعزب الزراعية تتابع نشاطها الزراعي دون تداخلات اقتصادية أو بيئية مؤثرة على الحرفة الأولى، ولو أن مجرد مد الخط الحديدي كان يقود في النهاية إلى مثل هذه التداخلات في الأنشطة وبخاصة الخدمية، والمعنى أن تخطيط حلوان اعتمد الظروف البيئية، ولم يجور على الأرض الزراعية، فصارت حلوان مشتى جميل المناخ صافي الأديم، وهو ما دعى إلى إنشاء مرصد حلوان — إلى الشمال الشرقي على منسوب ١١٤ مترًا — الذي كان ذائع الصيت عالميًّا كأحد المراصد المتوسطة في جو صافٍ غالبية أشهر السنة، فأين هو الآن من العطاء العلمي؟ لقد نقلت كثير من وظائف المرصد إلى منطقة جبلية صافية الجو في القطامية نأمل ألا تطولها أدخنة المصانع التي تبنى في مدن جديدة كمدينة بدر.

وبالرغم من هذا الشكل الجديد من العمران والطرق الحديدية والبرية في حلوان الحمامات، فإن سكان القرى والعزب الكثيرة، المنتشرة اسمًا حتى الآن، ظلوا يمارسون أعمالهم في الإنتاج الزراعي، ويعيشون في دعة؛ لقربهم من سوق القاهرة الذي يستوعب منتجاتهم من الخضراوات والفواكه، وخاصة الجوافة التي كان الباعة الجائلون ينادون عليها: «جوافة حلوان» على أنها ترمز إلى الجودة والحلاوة.

وفي هذا المجال لا بد من الإشارة إلى أن موقع حلوان ومناخها الطيب لم تفت ملاحظة الخليفة المأمون حين زار مصر لإخماد ثورة المصريين عام ٨٣٢م، وكان عبد العزيز بن مروان قد سكن حلوان أثناء ولايته على مصر نحو عام ٦٨٥م، بعيدًا عن الفسطاط التي تفشى فيها الطاعون آنذاك.

التنمية الصناعية في نصف قرن

تعود بدايات الصناعة في المنطقة إلى مصنع للإسمنت في طرة، ومصنع سيجوارت للحراريات في المعصرة. وبطبيعة الحال فإن منطقة جبل طرة تتكون من نوع راقٍ شديد التماسك والصقل من الحجر الجيري عرفه قدماء المصريين، ومنه اشتقوا أحجار الأهرام الضخمة، وهي بذلك مؤهلة لصناعة الأسمنت الممتاز، ولكن هذا المنطق لم يأخذ في الحسبان أن الرياح الشمالية شبه الدائمة سوف تلقي بالغبار والأتربة الناجمة عن الكسارات وتصنيع الأسمنت جنوبًا إلى مدينة حلوان والقرى والحقول المحيطة بها. لكن زهوة التصنيع كانت أقوى من هذا التفكير البيئي المبكر، وحتى حينما أصبح رأسمال الدولة أو الشراكة بين القطاعين العام والخاص هو القائم بتنمية الصناعة فإننا نجده يتخذ النمط ذاته من حيث الإكثار من المصانع في منطقة حلوان، كأن مصنع أسمنت طرة أصبح مثالًا يحتذى في تفضيل هذا الموقع.

صحيح أن مواقع الصناعة محكومة بمثلث «فيبر» Weber الذي تتكون رءوسه من الخامة والسوق وتكلفة النقل للخامة أو المنتج النهائي، وإذا كانت طرة قد اختيرت بأفضلية الخامة الموجودة، فما هو مبرر اختيار موقع صناعة الحديد والصلب علمًا بأنه قد أنشئ خطٌّ حديديٌّ مكلِّفٌ من مناجم الواحات البحرية وكوبري المرازيق لتصل الخامة إلى المصنع في التبين؟ قيل في هذا: إن السوق كانت العامل الحاكم في اختيار الموقع بالإضافة إلى استيراد الفحم من الخارج، ولكن سوق الحديد والصلب ليست مقتصرة على القاهرة، بل تعم المعمور المصري بدرجات متفاوتة، وكذلك فإن حافة الهضبة الشرقية من قنا إلى القاهرة تتكون من أنواع من الحجر الجيري الجيد، فلماذا كان التركيز على طرة من البداية؟

لا شك في أن عامل القرب من القاهرة كان الحافز البيروقراطي لاتخاذ منطقة حلوان قلعة صناعية، بحيث يستفيد المسئولون من ذوي «الياقات البيضاء» من سكنهم في القاهرة قرب كبار رجال السلطة، في الوقت الذي يعملون في مقار لمكاتبهم لا تبعد سوى القليل من الكيلومترات، وظهر شعار لتبرير ذلك؛ أن منطقة حلوان يمكن أن تكون مماثلة — بدرجة أقل — لحوض الرور الصناعي في ألمانيا، وبعبارة أخرى: يمكن أن يكون هناك «رور النيل» كما أن هناك «رور الراين»، والفوارق كبيرة معروفة بين الطموح والبيروقراطية وبين المقومات الفعلية في جوانب توافر الخامات والموارد المالية والتكنولوجية.

ونتيجة لهذا فقد تزاحمت الصناعة في المنطقة بشكل يعرفه الجميع. فقد توسع أسمنت طرة إلى أن أصبح عملاقًا يرسل ملوثاته الغازية والصلبة عاليًا في الجو إلى كل مناطق السكن في المنطقة، وكذلك أسمنت بورتلاند حلوان لِصق جنوب غرب مدينة حلوان والقومية للأسمنت إلى الجنوب منها، وبذلك وقعت المدينة تحت حصار الأسمنت، وفي جنوب المعصرة مصنع ٤٥ الحربي، وإلى الشمال الشرقي من حلوان مصانع النصر للسيارات والنصر للمواسير الصلب وحلوان للصناعات الهندسية وسيماف لصناعة عربات السكة الحديدية، ولصق المدينة من الجنوب مصنع الطائرات، ثم إلى الغرب منها مصنع مصر حلوان للحرير — وهو من أقدم الصناعات، أنشأه بنك مصر في أواخر العشرينيات — وفي منطقة التبين المصنع الهائل للحديد والصلب، ومصانع فحم الكوك والأسمدة، وصناعات الطوب الرملي والإسمنتي والطفلي. هذا إلى جانب عدد آخر من المصانع الأصغر تتبع القطاع العام أو الخاص، وجملة عدد المصانع يزيد على ٤٠ مصنعًا أحاطت وتداخلت وزاحمت كل المحلات السكنية من المعصرة شمالًا إلى مدينة حلوان والتبين جنوبًا وما بينها من قرى كثيرة تضخمت مثل كفر العلو وعرب غنيم وكامل صدقي.

وترتب على هذا انفجار سكاني عنيف؛ في سنة ١٩٢٧ كان سكان قسم حلوان نحو خمسين ألفًا، وفي إحصاء ١٩٨٦ بلغ العدد نصف المليون بما في ذلك التبين (٥٠ ألفًا) و١٥ مايو (٢٥ ألفًا)، وبعبارة أخرى: فقد تضاعف سكان المنطقة عشر مرات في ستين سنة، بينما تضاعف سكان القاهرة ككل ست مرات في المدة ذاتها. وفي تعداد ١٩٩٦ كاد النمو السكاني يتوقف في قسم حلوان عن نظيره قبل عشر سنوات؛ إذ بلغ نحو ٥١٩ ألفًا، ولكن زاد سكان التبين إلى نحو ٦٠ ألفًا، بينما ارتفع عدد سكان قسم ١٥ مايو إلى ٦٥ ألفًا، وسكان طرة إلى نحو ٥٩ ألفًا، بمجموع كلي ٧٠٣ آلاف لهذه الأقسام الأربعة. ويدل هذا الرقم المتزايد على عظم الزيادة السكانية الناجمة عن انتشار الصناعة في المنطقة، وتكدس الناس في أحياءٍ الكثير منها عشوائي: «الهجانة، ومنشأة جمال عبد الناصر، وعزبة الصفيح»، أو قروي قديم: «الوالدة، وكفر العلو، والتبين، والمرازيق، والمعصرة البلد، وكامل صدقي … إلخ» وكلها تساوي نحو ثلثي سكان المنطقة.

وتوضح الخريطة ٢-٢ هذا التداخل بين السكن والصناعة وبقايا الزراعة بصورة لا مزيد عليها. صحيح أن كثيرًا من المصانع الكبيرة أنشئت في الأماكن غير المأهولة (قارن مع الخريطة ٢-١) إلا أن مردودها السكني والسكاني أدى إلى تغير استخدام الأرض الريفي إلى سكن عمالي شديد العشوائية والفقر والتكدس.

وفي ١٩٩٦ بلغ عدد سكان الشريط الجنوبي للقاهرة من دار السلام والبساتين والمعادي إلى منطقة حلوان سالفة الذكر، مليونًا و٤٣٢ ألفًا، وربما زاد عن مليون ونصف المليون شخص في الوقت الحاضر، أكثر من نصفهم يقطنون سكنًا متهالكًا أو عشوائيًّا في حاجة ماسة إلى إرشاد ورعاية حكومية ومشاركة فعالة من كثير من الجهات والجمعيات الأهلية؛ لتحسين أحوالهم السكنية والمعيشية.

المشكلات الحالية

  • (١)

    غبار الأسمنت والغازات المنبعثة من المصانع الثلاثة، والكثير من المسابك الأهلية ما زالت تهدد حياة السكان. المشكلة مثارة من عشرين سنة، وحلها في تركيب «فلاتر» على جميع الأفران، لكن يقال: إنها تقلل الإنتاج بنحو الربع أو يزيد، ولهذا يقال أيضًا: إن الفلاتر تعطل بعض الأيام لزيادة الإنتاج رغم أن الجهات الرسمية تؤكد أن ثلاثة أرباع المصانع قد حسنت موقفها في هذا المجال، ويؤكد السكان أن الغبار، وخاصة من أسمنت طرة، يغطي المنطقة إلى حلوان والتبين بدليل تلويث الغسيل المنشور.

  • (٢)

    مصنع الحديد والصلب، وفحم الكوك تتطاير بها برادة الحديد وغازات ضارة في منطقة التبين وما حولها.

  • (٣)

    الصرف الصناعي مشكلة خطرة، ويلقى به في ترعة الخشاب والنيل، ويؤكد المسئولون أن غالبية المصانع قد حسنت الصرف الصناعي بوسائل تقنية جيدة، بما في ذلك تنقية مياه الصرف الصناعي قبل وصولها إلى النيل.

  • (٤)

    وتبقى مشكلة الصرف الصحي للسكن الفقير المكدس مشكلة المشكلات؛ ما زال الصرف في «ترانشات»، أو يجد طريقه إلى ترعة الخشاب التي تشق مناطق السكن العشوائي والقروي القديم.

    وهذا هو ما يهدد أساسات البيوت الفقيرة، ويزيد من مخاطر الموت. وهناك مشروع لردم ترعة الخشاب، وجعلها مصرف مغطي. لكن لم يتم الردم إلا في جزء يسير من المعادي حتى المعصرة، والباقي ما يزال مستخدمًا للصرف الصحي.

  • (٥)

    قوانين البيئة بصفة عامة مهملة. هناك محاولات للتشجير في الشوارع، وحول المصانع، أو إنشاء غابة في التبين، مع تحسين الحديقة اليابانية وإنشاء حديقة الزلزال على مساحة ٣٥ فدانًا بغرض زيادة المساحات الخضراء من أجل تحسين الجو. كلها أمور مفيدة إذا ما قضي تمامًا على الملوثات الصناعية الغازية والصلبة، وخاصة أتربة الأسمنت والكسارات، إضافة إلى الصرف الصحي.

  • (٦)

    ترتب على هذه الأوضاع أن فاتورة العلاج في التأمين الصحي ارتفعت أربع مرات في الآونة الأخيرة، وأكثر الأمراض شيوعًا الرمد والجهاز التنفسي وتحجر الرئة!

هذا بعض من كل

ما ضرنا لو بدأنا تقليص تراخيص المحاجر والمصانع، وأحلنا رغبات إنشاء مصانع ومحاجر جديدة إلى محافظات أخرى، وبخاصة في الصعيد حيث الكلام كثير عن التنمية والفعل قليل. فالمفروض وضع خطة صارمة لمواقع الصناعات بعيدًا عن المدن الكبرى، وخاصة تلك الملوثة للبيئة، والتركيز على جوانب الصعيد وحواجره الصحراوية من بني سويف إلى قنا وسوهاج.

ما ضرنا لو أعدنا بعض أشكال التوازن البيئي بتفكيك بعض مصانع الإسمنت ونقلها بعيدًا عن القاهرة، وتفكيك ضخامة مصنع الحديد والصلب إلى مصانع أحدث تكنولوجيا، وأصغر مساحة، وأكثر إنتاجًا وتخصصًا، واستخدام الغاز بديلًا للفحم؟

ولا شك في أن هذه المطالب تستغرق زمنًا لتنفيذها، ولكنها ستخفض عدد السكان، وتحل مشكلة العشوائية وتكلفة العلاج المتضخمة، وتحيط القاهرة من الجنوب بضواحٍ أقل فقرًا وأكثر إنسانية.

(٢) السكن الطفيلي أو العشوائي

هناك تضارب كبير حول معنى السكن الطفيلي أو العشوائي في الأرقام التي لدينا. فهل المقصود المهاجرون الفقراء للمدن الذين يعيشون على أطراف المدن دون سكن اعتيادي، ودون عمل منتظم يقيم أودهم كأفراد أو أسر؟ أم المقصود بالإضافة إلى هؤلاء سكان الأحياء الفقيرة داخل المدن من العاملين أو العاطلين، المتزاحمين في شقق صغيرة أو شقق الشرك مع غيرهم، بحيث يتشاركون في المطبخ والحمام وصنبور الماء الوحيد؟ خاصة وأن البناء في كثير من الأحياء الفقيرة قد يخرج عن خط التنظيم أو يعلو دون تصريح على أساس غير سليم، وغالبًا هو آيل للسقوط أو قريب من ذلك.

الأرقام التي لدينا لا تفرق بين هذين النوعين من العشوائيات، وربما استخدمنا مصطلح «سكن طفيلي» للمهاجرين الجدد على أطراف المدن، و«سكن عشوائي» على النمطين معًا، وبخاصة سكن الأحياء المتدينة في داخل المدن، ويوضح الشكل ٢-٣ أن القاهرة الكبرى تحتوي على ثلث عشوائيات مصر، مما يجعل للموضوع أهمية بالغة الحيوية.

توزيع سكان العشوائيات بالمحافظة ١٩٩٥ (نسب مئوية)

شكل ٢-٣: عدد سكان العشوائيات نحو ١١٫٨ مليون شخص.
حيث إن النيل يحد مدينة القاهرة من الغرب، فإننا نجد العشوائيات وحزام الفقر يحيط بالقاهرة من الشمال والشمال الشرقي والجنوب والغرب على نحو ما تصوره الخريطة ٢-٥.

الشمال الشرقي

عشوائيات القاهرة الكبرى بالمنطقة الجغرافية

شكل ٢-٤: الشمال: يشمل أحياء أقسام شبرا الخيمة وشبرا والساحل وروض الفرج والشرابية. الشمال الشرقي: مدينة السلام والمرج وعين شمس والمطرية والزيتون والزاوية والقبة والوايلي، الشرق: مصر الجديدة والنزهة ومدينة نصر ومنشأة ناصر، الجنوب: السيدة والخليفة ومصر القديمة والبساتين ودار السلام والمعادي وطرة وحلوان ومايو والتبين. الغرب: كل أقسام مدينة ومركز الجيزة وإمبابة. الوسط: كل الأقسام من الزمالك وبولاق إلى الجمالية والدرب الأحمر.
  • حي السلام: ويشمل مناطق: مدينة السلام – المرج – الزهور – الأندلس – كفر الشرفا – بركة الحاج – كفر الباشا – كفر أبو صير – السد العالي – قباء – عزبة النخل – العصارة. عدد سكان عشوائيات هذا الحي نحو ٢٩٦ ألفًا.
  • حي المطرية: ويشمل مناطق المطرية وعين شمس: عرب الطوايلة – عرب الحصن – عزبة النخل – عزبة معروف – منطقة العزب – شجرة مريم – منطقة الليمون. عدد سكان العشوائيات هنا ٥٣٢ ألفًا، وهو ثاني أكبر تجمع عشوائي في القاهرة الكبرى بعد شبرا الخيمة، وقد يوازيه تجمع عشوائيات إمبابة.
  • حي الزيتون: ويشمل عزبة مرسي خليل وعزبة البمبي، هذا فضلًا عن عزبة «أبو حشيش» أو القرود بالزيتون وسكانهما ٣٠ ألفًا، وهما مدرجتان في خطة المحافظة للإزالة. عدد السكان ٢٣٠ ألفًا (+٣٠ ألفًا).

مجموع سكان الشمال الشرقي مليون و٥٨ ألفًا، وبإضافة عشوائيات الزاوية الحمراء والوايلي (٢٥٥ ألفًا) يصبح إجمالي سكان عشوائيات الشمال الشرقي نحو مليون و٣٦٣ ألفًا، وهذا الرقم يمثل ثاني أكبر تجمع عشوائي في القاهرة شرق النيل.

الشمال

  • حي شبرا: ويشمل عزبة جرجس ومنطقة العالي. عدد سكانهما ٣٠ ألفًا.
  • حي الساحل: ويشمل عزبة وهبة، داير الناحية، حكر محمود شلبي، حكر قشقوش، حكر محمد علي دياب. هذا فضلًا عن منطقة عشش وأكشاك في حي الساحل وحكر أبو دومة بروض الفرج، وسكانها نحو ٥٠٠٠ وهما في خطة الإزالة بمحافظة القاهرة، وكذلك حكر السكاكيني بالشرابية ٢١ ألفًا. مجموع سكان منطقة أحياء شبرا ١٦٢ ألفًا (+ نحو ٢٥ ألفًا).
  • شبرا الخيمة: تضم أكبر تجمع عشوائي في القاهرة الكبرى يبلغ سكانه ٦٥٠ ألفًا معظمهم في بهتيم في قسم شرق، وعزبة بيجام في قسم غرب.

جملة سكان عشوائيات شمال القاهرة الكبرى ٨١٢ ألف شخص.

الشرق

  • حي مدينة نصر: عزبة العرب – عزبة الهجانة – عزبة نصار. عدد السكان ٢١٠ آلاف.
  • حي منشأة ناصر: منشأة ناصر – الدويقة – برقوق – قايتباي. عدد السكان ١٢٠ ألفًا.

جملة سكان عشوائيات شرق القاهرة: ٣٣٠ ألف شخص.

الجنوب

  • حي السيدة زينب: عشش وأكشاك تلال زينهم وقلعة الكبش. عدد سكانهما: ٤١ ألفًا.
    fig19
    شكل ٢-٥: عشوائيات القاهرة.
  • حي مصر القديمة: مساكن الأرض الوعرة شرق الفسطاط، وفي خطة الإزالة عزبة أبو قرن وعشش تل العقارب وسكانهما: ٤٥ ألفًا. عدد السكان نحو ١٠٠ ألف.
  • حي البساتين: شرق البساتين – غرب البساتين – جنوب البساتين – حسن التهامي – عزبة دسوقي – بير أم سلطان – عزب عبد الخالق والعمدة والنصر. عدد السكان: ١٤٨ ألفًا.
  • دار السلام: دار السلام والعزب المجاورة. عدد السكان: ٤٨٠ ألفًا.
  • حي المعادي: عزبة جبريل – عزبة فهمي عدد سكانهما: ٣٧ ألفًا.
  • حي طرة/المعصرة: عدد السكان نحو ٣٠٠ ألف شخص، معظمهم في المعصرة البلد والمحطة.
  • حي حلوان: حلوان البلد – منشأة جمال عبد الناصر – عرب السلام وراشد وغنيم – كفر العلو – عزبة عناني – مدينة الهدى – عزب النخل والهجانة والصفيح – السلام – منشأة ناصر – عزبة الوالدة. عدد السكان نحو ٤٠٠ ألف.
  • حي التبين: الحكر البحري والقبلي – دوران كوبري المرازيق. عدد السكان: ٤٨ ألفًا.

مجموع سكان الجنوب نحو مليون و٥٥٤ ألفًا، وهو بهذا يُعد أكبر التجمعات العشوائية القاهرية.

الغرب

إمبابة والمنيرة الغربية ٥٦٠ ألفًا بولاق الدكرور ٤٥٥ ألفًا
فيصل ٣٠٠ ألف الأهرام ٤٢٠ ألفًا
غرب المريوطية ونزلة السمان ٣٢٥ ألفًا ساقية مكي ٥٢ ألفًا
منيل شيحة ٣٠ ألفًا المنيب ٤٥ ألفًا

إجمالي سكان عشوائيات الغرب: مليونان و١٨٢ ألفًا، وهو بذلك أكبر تجمع عشوائي في القاهرة الكبرى.

إلا أن هذه الأرقام غالبًا ما تأخذ في الحسبان أشكالًا من السكن القروي المحيط بمدينة الجيزة، والتي لم تندمج بعد كسكن حضري رغم مؤثرات المدينة الملاصقة، وربما جاز لنا القول: إن العشوائيات هي تلك المتداخلة في نسيج المدينة في إمبابة وبولاق الدكرور وميت عقبة وقلب مركز الجيزة القديم وعشوائيات عديدة ملتصقة بالامتداد الحضري على طول محوري الهرم وفيصل. وبهذا يمكن القول: إن سكان العشوائيات غرب القاهرة قد لا يزيد سكانها عن مليون و٨٠٠ ألف شخص كحد أعلى، وهو في حد ذاته رقم يجعلها أولى عشوائيات القاهرة الكبرى.

مجموع سكان عشوائيات القاهرة الكبرى شرق النيل أربعة ملايين و٦٠ ألفًا بما في ذلك مناطق خطط الإزالة التي يبلغ عدد سكانها ١١٨٠٠٠ أو ما يساوي ٣٪ فقط من سكان العشوائيات.١

أما المجموع الكلي للقاهرة الكبرى: فهو أقل قليلًا من ستة ملايين عشوائي، وربما يساوي نحو ٥٠ أو ٥٥٪ من سكان القاهرة الكبرى.

وبتحليل شكل وخريطة ٢-٥ «عشوائيات القاهرة الكبرى» تتضح النقاط الآتية:
  • (١)

    أكبر تجمع سكاني للعشوائيات هو في غرب القاهرة، حيث تزحف المدينة على مناطق ريفية، وتبتلع الكثير من القرى، فضلًا عن المهاجرين المستمرين من قرى محافظة الجيزة والصعيد، وتضم المنطقة نحو ٣٠٪ من جملة عشوائيات القاهرة الكبرى.

  • (٢)
    جنوب القاهرة هي ثاني أكبر تجمع للعشوائيات؛ وذلك لكونها امتداد طبيعي من وسط القاهرة إلى نوايات أصلًا زراعية في البساتين ودار السلام وحلوان، والمسافة الممتدة على طول ضفاف ترعة الخشاب. ثم أضيف إليها تنمية حلوان الحمامات في أواخر القرن ١٩، ومخطط ضاحية المعادي في أوائل القرن ٢٠، ثم أضيفت إلى المنطقة صناعات ضخمة للإسمنت في طرة، والحديد والصلب وصناعات أخرى؛ مما جلب معه تركيز هائل للعمال٢ وتحول العزب الزراعية القديمة إلى إيواء فقير للعمالة، ربما ضم ٢٥٪ من سكان عشوائيات القاهرة الكبرى.
  • (٣)

    التجمع العشوائي الثالث هو ذلك الذي يحتل أجزاء من الأحياء الشمالية الشرقية من القاهرة، والذي يضم نحو ٢٢٪ من سكان العشوائيات، والتوجه الشمالي الشرقي اقترن بنمو في امتداد طبيعي على حافة جنوب الدلتا من الوايلي إلى مدينة السلام ابتلع عدة قرى ومساحات زراعية، منها: المطرية والمرج وعزبة النخل وبركة الحاج، وأراضٍ شبه صحراوية في عين شمس والمطرية وكفر الجاموس. ولكونها المدخل الملائم لشمال القاهرة الشرقي، فقد كانت هذه الأحياء مقرًّا للمهاجرين من جنوب الدلتا وبخاصة الشرقية وشرق القليوبية، وترتب على نمو أنشطة كثيرة — وبخاصة الصناعات الحرفية في مناطق كثيرة، مثل: قباء والحرفيين — تركيز كبير للسكن الفقير والسكن العشوائي معًا، فقد استبدل السكان الزراعيون بحقولهم أرضًا للبناء في مساحات ووحدات سكنية صغيرة في عملية استمرت منذ إنشاء خط حديد الضواحي «كوبري الليمون–المرج»، ثم الطرق الإسفلتية، وأخيرًا الطريق الدائري في قطاعه الشمالي.

  • (٤)

    يتركز نحو ١٣٪ من سكان العشوائيات في مناطق شبرا الخيمة والساحل، والقطاع الشمالي هو أيضًا أحد المجالات الطبيعية لنمو القاهرة؛ لأنها تستقبل الهجرة من وسط الدلتا منذ أمد طويل، وقد زاد تيار الهجرة إلى الساحل وشبرا الخيمة بنشأة المصانع الكبيرة والصناعات الحرفية بكثرة، والهجرة هنا مصدرها الكثير من سكان بقية أحياء شبرا والمناطق المكتظة في الوايلي والشرابية، إلى جانب الهجرة الريفية، وسكان القرى التي ابتلعتها المدينة.

  • (٥)

    ومن أنماط السكن العشوائي: سكن المقابر، الذي تكاد تختص به محافظة القاهرة، والذي يضخمه بعض الكتاب على أنه غير إنساني، والحقيقة أن هذا النوع من السكن ليس عشوائيًّا بالمعنى المادي، وإن كان عشوائيًّا بمعنى الناس الذين يمارسونه؛ فالمقابر القاهرية مناطق مخططة داخل التنظيم، ومخصصة كمدينة للأموات في الجبانة الشرقية (شرق الدراسة وجنوب العباسية)، والقرافة الكبرى (الإمامين الشافعي والليثي)، وجبانة البساتين (جنوب الإمام وفي شرق دار السلام)، والجبانات الأحدث في مصر الجديدة ومدينة نصر … إلخ.

fig20
شكل ٢-٦: توزيع عشوائيات القاهرة الكبرى.
fig21
شكل ٢-٧: عشوائيات منشأة ناصر على منحدرات الجبل الصعبة.
fig22
شكل ٢-٨: كثافة مفرطة للسكن في دار السلام وإسطبل عنتر.
fig23
شكل ٢-٩: عشوائيات القاهرة المطلوب إزالتها.
ولا يمكن لأحد أن يبني مقبرة بدون ترخيص، وهناك شوارع مختطة داخل مدن الأموات، والذي حدث ببساطة أن بعض اللحادين وحراس المقابر كانوا يسكنون إلى جوارها، ثم انتقل أبناؤهم داخل المنطقة أو الأحواش، ثم أصبحت تؤجر لمهاجرين من داخل وخارج القاهرة، وساعد على ذلك أن المقابر القاهرية — خاصة القديمة منها — كانت أحواشًا واسعة تملكت أسر بها غرفة أو أكثر لإقامة أفراد الأسرة حين يترحمون على موتاهم في مناسبات معروفة كتقليد حضاري اندثر؛ وبذلك خلت غرف المقابر من المستخدمين الأصليين، وأصبحت جاذبة للسكن الدائم بما فيها من مؤسسات السكن: مبنى، وبوابة إلى جانب مياه وكهرباء في أحيان، وأخيرًا طرق وشوارع ومواصلات عامة. وقد أضيفت أنواع أخرى من الاستخدام، وخاصة ورش سمكرة ودهان السيارات، وذلك لأن شوارع المقابر الجانبية قليلة الحركة، فضلًا عن أسواق معينة لأشياء سابقة الاستخدام بديلًا لسوق الكانتو الشهير في العتبة الخضراء، مثل: سوق الملابس والأغطية والأثاث والحمام والطيور والأفاعي في أول طريق الإمام الشافعي. ثم أضيف إلى ذلك سوق للأقمشة وحلقة لبيع السيارات المستعملة في الجانب الشرقي من البساتين. يحتاج أمر هذا النوع من سكن المقابر والأنشطة التي يمارسونها إلى دراسة ميدانية مسحية لتحديد عدد السكان، وهم على الأغلب ليسوا بالكثرة التي نجدها في عشوائيات أخرى،٣ ومشكلتهم آنية نتيجة لأنها مناطق مخططة أصلًا، وبها من البنية التحتية الشيء الكثير، والكثير من الضبط القانوني سوف يحجم هذه العشوائيات، وغالبًا سوف يفضي إلى نهاية تدريجية لها.

عشوائيات القاهرة المزمع إزالتها

  • (١)

    بلغ عدد سكان هذه المناطق العشوائية ١١٨ ألفًا (أو +١٥٠ ألفًا نتيجة التضارب الرقمي) موزعين على ١٣ منطقة في عدة أحياء من العاصمة، وقد تم إزالة منطقتين، هما: مساكن إيواء عين شمس (٢٧٠٠ شخص) وعشش شرق ترعة الإسماعيلية (١٢٢٠ شخصًا).

  • (٢)

    تتراوح مساحات هذه المناطق بين ١٥٠ ألف متر مربع في «أبو قرن» و٧٥ ألف متر في تل العقارب، وبين أقل من ثلاثة آلاف متر في عشش المظلوم وعشش حي الساحل، ويترتب على ذلك صغر ما يخص الفرد من المساحة إلى حدود عليا (+٦ أمتار مربعة) في تل العقارب في جنوب القاهرة، وحكر أبو دومة بروض الفرج، وبين حدود دنيا تبلغ ربع متر مربع في عزبة «أبو حشيش» وعزبة القرود بالزيتون، وفي عشش المظلوم شرق السكة الحديدية جنوب الزاوية الحمراء. ولا شك أن هذه المساحات الصغيرة تتفاقم مشكلاتها بكثرة الشقق التي تشترك فيها عدة أسر، ولعل هذه المساحات تتعدل قليلًا إذا أخذنا في الاعتبار أن في بعض هذه المناطق المتدنية بيوتًا تشمل أكثر من طابق واحد، ومن ثم ترتفع مخصصات الفرد من المساحة السكنية بعض الشيء، ويتضح ذلك الموقف من كثرة عدد الأفراد للعقار الواحد كما هو ظاهر في الشكل.

  • (٣)

    لا بد من إجراء دراسة ميدانية في كل منطقة على حدة؛ لبيان حالة المباني وارتفاعاتها، وعدد الأفراد للغرفة (درجة التزاحم) وعدد الأسر في الوحدة السكنية (إيجار الشرك)، وتعيين المخصصات السكنية من المباني بالقياس إلى المباني المستخدمة في أنشطة تجارية أو حرفية أو صناعية وغيرها، مثل: مساحات جمع القمامة وتصنيفها، وزرائب الخنازير في الدويقة ومنشأة ناصر، أو زرائب الأغنام والماعز في عزب مختلفة في المطرية والسلام ومدينة نصر وجنوب وغرب القاهرة، وغير ذلك كثير مما قد تسفر عنه الدراسات الميدانية. الاقتراح: أن تتولى المحافظة تكليف بعض طلبة الدراسات الاجتماعية والإنسانية خلال الإجازات — مقابل أجر شامل مجزٍ — القيام بدراسة قطاعات من هذه العزب والأحياء المراد إزالتها أو تطويرها، بغرض التعرف على إمكانية تحسين أشكال الحياة بدايةً من إيجاد أنشطة اقتصادية إلى تحسين الحالة الصحية والتعليمية بإنشاء مدارس ومراكز صحية قليلة الربح بواسطة الأهالي، ومشاركة حكومية محدودة أو تشجيعية.

ملاحظات عامة

  • أولًا: حيث إن الموضوع يتناول السكن العشوائي؛ فإن هناك عشوائية كبيرة في أرقام المصادر وضحت أيضًا في بعض أرقام هذا الفصل، ولعل ذلك مرتبط بالمفهوم الأساسي للعشوائية. مرة أخرى نسأل: هل العشوائية هي أشكال السكن غير المرخص حول المدن، أم هي إلى جانب ذلك جميع أشكال السكن المتدني مساحة وصحة وفقرًا داخل الكتل القديمة للمدن المصرية؟ فإذا كان الخيار هو المفهوم الأول فلا شك أن عدد سكان العشوائيات سيهبط كثيرًا إلى نحو نصف الأرقام الواردة في المصادر المذكورة وغيرها من البحوث التي تتناول الموضوع.

    وبدراسة ليست سهلة لمحاولة فهم ما جاء في تعداد ١٩٩٦ تحت اسم: سكن حجرة؛ أي سكن شرك، وتحت مسمى: أشكال أخرى للسكن كالدكان والأسطح والجراجات … إلخ. فقد وصلنا إلى النتائج الآتية:

    المحافظة ألف وحدة سكن شرك ألف فرد سكان سكن شرك ألف وحدة سكن جوازي ألف فرد سكن جوازي
    القاهرة ٢٨٥ ١١٤٠ ٤٠٠ ١٦١٠
    الجيزة ٨٠ ٣٦٠ ١٥٠ ٦٦٠

    وبعبارة أخرى: فإن مجموع سكان العشوائيات يصبح في القاهرة ٢٧٥٠٠٠٠ نسمة، أي نحو نصف ما ذهبت إليه الأرقام السابقة، وفي الجيزة ١٠٢٠٠٠٠ أيضًا نحو النصف، وبذلك فإن الأرقام معًا تساوي ثلاثة ملايين و٧٧٠ ألفًا، هم ربما كانوا سكان الطفيليات والعشوائيات. وإذا أضفنا نحو ٣٠٠ ألف من سكان عشوائيات شبرا الخيمة يصبح العدد النهائي أربعة ملايين أو نحوها. أي أنهم يشكلون نحو ربع سكان القاهرة الكبرى وليس نصفهم، وهي أيضًا نسبة كبيرة توجب معالجتها.

  • ثانيًا: التوسع السكني حول القاهرة الكبرى — عشوائيًّا أو مخططًا — هو في غالبه الأعم على حساب الأراضي الزراعية التي كانت في يوم ليس ببعيد مزرعة الخضر للقاهرة والجيزة، وتقدر مساحة اجتياح المناطق المبنية للأرض الزراعية في العقدين الأخيرين بنحو ٢٣ إلى ٢٥ ألف فدان، منها نحو النصف في الجيزة ونحو ستة آلاف في شبرا الخيمة والخانكة وقليوب، ومثلها في محافظة القاهرة. فكم يتكلف استصلاح مثل هذا القدر من الأراضي ذات الجودة العالية؟٤
  • ثالثًا: صحيح أن عائد الاستثمار العقاري أعلى من الزراعي، وأن نمو السكان يتطلب بإلحاح مساكن جديدة كل سنة، ولكن لو كان التخطيط سليمًا في اختيار مواضع النمو السكني لكان بالإمكان توفير أجزاء من الأرض الزراعية حول القاهرة ببعثرة المدن الجديدة في الأراضي الصحراوية بعيدًا عن القاهرة شريطة أن تكون لها قواعد اقتصادية ذاتية غير معتمدة على المدن الأم، وربما كانت مدينة ١٠ من رمضان والسادات من المدن الناجحة في هذا المضمار، فاقتراب مدينة ٦ أكتوبر من الجيزة هو عامل حاسم في امتداد ألسنة العمران المدني بطول طرق الاختراق — الهرم، وفيصل، ومحور ٢٦ يوليو، وكوبري المنيب، والدائري — تأكل الأرض الزراعية، وتبتلع ما يصادفها من قرى لتحولها إلى مسخ قروي-مدني. فهي اجتماعيًّا ما زالت ريفًا لكنها اقتصاديًّا فقدت مقومات الريف، ولم تكتسب من المدينة إلا أدنى الأعمال.
  • رابعًا: غالبية المناطق العشوائية ملتصقة بأطراف المدن، ووظيفتها الأساسية سكنية دون حرفة أو نشاط اقتصادي، باستثناء دكاكين التجارة الصغيرة. ويعتمد العاملون على موارد عمل هشة غير منتظمة في رحلة عمل يومية إلى داخل المدينة، ومن ثم الفقر المدقع سمة سائدة، ولكن لبعض العشوائيات مهام مميزة كجمع القمامة وتصنيفها، وبيع بعضها، وتربية الخنازير على البعض الآخر كما هو ممارس في منشأة ناصر.٥ أو أعمال نحت الحجارة والرخام والحدادة في البساتين شرق أو العمل في الورش والمسابك المنتشرة في شبرا الخيمة.
  • خامسًا: إن هذا التزاحم مع فقدان الخصوصية وارتفاع نسبة العطالة إلى حدود عليا هو مكون أساسي في تشكيل مسرح لأشكال الانحرافات والتطرف السياسي قلَّما يوجد خارج العشوائيات، ومن ثم فإن تحسين الأحوال هو جزء مهم من الواجبات الإنسانية والقومية والسياسية والأمنية معًا. فالغرض النهائي تحويل هذه المناطق من مجتمعات سلبية إلى مجتمعات سوية تُبنى بوضوح على أسس علاقات ولاء مكانية وعائلية بدلًا من الشتات الحالي.
  • سادسًا: التحويل المجتمعي المرغوب ليس أمرًا سهلًا، ولا يمكن أن يتم بقرار إداري أو سياسي؛ بل هو في حاجة إلى مجموعة متطلبات متشاركة معًا موجزها كالآتي:
    • (١) ضرورة تحديد مفهوم العشوائيات حتى لا يختلط الحابل بالنابل، ومن خلال هذا يمكن وضع أوليات التحسين والتنمية للمناطق المحتاجة فعلًا، وأولها وركيزتها مواجهة المشكلات الاقتصادية التي تدفع الناس للتغيير المجتمعي.
    • (٢) معالجة أسباب الهجرة الريفية ليس بمنعها من الانتقال إلى المدن بأوامر ولوائح كما يقترح البعض، ولكن بالتأكيد على ضرورة تشجيع المشروعات الاستثمارية لإقامة وسائط حياة فوق الزراعية في الريف قبل المدينة لاجتذاب البطالة داخل إطارها الريفي، ويفضل التركيز على محافظات الصعيد باعتباره شريطًا متباعد الأطراف.
    • (٣) تكامل التنمية في المدن والريف في إستراتيجية الدولة — سواء أجهزة الحكم المركزي والمحلي — بحيث لا تحتل المدن مركز الصدارة وحدها.
    • (٤) خفض بيروقراطية المحليات في استخراج تراخيص إقامة منشآت الأعمال وأبنية السكن التي يقوم بها السكان المحليون داخل القرى.
    • (٥) أن تنفذ الجهات المختصة بحزم كل قوانين ولوائح البناء، وبخاصة حول حرم مسارات الطرق السريعة حتى لا نهدر قيمتها كطرق للنقل والتنقل السريع.
    • (٦) اشتراك سكان العشوائيات مع الهيئات المحلية في تحسين أحوال الحياة بنشر البنى التحتية والمدارس والمراكز الصحية بأنواعهما، ومشاغل حرفية للنساء والرجال كواحد من مثبتات أقدام الناس داخل أحيائهم.
    • (٧) لا تتأتي فاعلية مشاركة السكان في العشوائيات بخطاب النوايا الحسنة؛ بل بدخول الباحثين الرسميين والعلميين إلى مثل هذه المناطق لبناء جسور تفاهم مشترك مع من يتوسمون فيهم القيادة الحسنة داخل مجتمعهم وأسرهم، ومن ثم إدخال أعمال نموذجية بواسطة بعض الجمعيات الأهلية في مجالات التعليم والقراءة والطفولة والصحة وبرامج التنشيط الاقتصادي تتضح نتائجها الطيبة لكي تكون أمثلة تحتذى في التنمية الهادئة غير المتعجلة.٦

(٣) المدن الجديدة حول القاهرة

إنشاء المدن الجديدة في مصر ليس بظاهرة جديدة؛ بل هي موغلة في القدم، وغالبًا ما كان ذلك مرتبطًا بانتقال أسرة ملكية حاكمة من مدينة الحكم إلى عاصمة أخرى بدوافع غالبها سياسي وعسكري أو اقتصادي لتعمير مناطق جديدة، وفي القرن ١٩ أنشئت مدن وضواحٍ جديدة كبورسعيد والإسماعيلية مصاحبة لإنشاء قناة السويس، أو إنشاء حي وسط البلد الذي كان يسمى حي الإسماعيلية بعد أن نزل إسماعيل من القلعة كمقر للحكم إلى قصر عابدين، وإنشاء مدينة حلوان الحمامات للاستشفاء والترفيه. وفي أول القرن ٢٠ أنشئت ضواحي: مصر الجديدة والمعادي والزمالك في القاهرة، والرمل في الإسكندرية؛ استجابةً للتعمير المخطط الذي كانت تقوده شركات استثمارية أجنبية آنذاك.

وفي النصف الثاني من القرن ٢٠ بدأت مصر بإنشاء عدة مدن جديدة خارج المدن الكبرى المكتظة بالسكان. ففي الستينيات رسمت هيئة تخطيط القاهرة الكبرى مخططًا لإنشاء سلسلة من المدن الحلقية حول القاهرة على نسق مماثل للتجارب الأوروبية، وذلك بغرض تخفيف الضغط السكاني في القاهرة، مع إعطاء فرصة كافية لتجديد وإعادة تخطيط أحياء القاهرة المزدحمة بالسكان آنذاك، وفي السبعينيات إلى التسعينيات خططت وزارة التعمير عدة مدن في ثلاثة أجيال، بعضها دخل حلقة القاهرة الكبرى: «١٠ من رمضان، ٦ أكتوبر، ١٥ مايو»، وبعضها خارج نطاق القاهرة: «السادات» التي كان يراد بها عاصمة جديدة، «العامرية» التي أعيد تسميتها إلى برج العرب الجديدة، «دمياط الجديدة» حول مشروع الميناء الجديد، «الصالحية الجديدة» عاصمة لمشروع زراعي حديث المفهوم والإنتاج.

الواضح إذن أن القاهرة، وإن استأثرت بنصف عدد المدن الجديدة، إلا أن المخطط في كامل صورته كان متعادلًا بين القاهرة والدلتا فقط، ولكن الصعيد لم يدخل حسابات هذا المخطط آنذاك.

هناك أسباب متعددة أدَّت إلى إنشاء هذه الأجيال الثلاثة من المدن الجديدة في أجزاء متفرقة من أراضي جمهورية مصر، وأهم هذه الأسباب ما يأتي:
  • أولًا: الأسباب الديموجرافية الخاصة بالنمو العددي الكبير للسكان مع عدم التناسب المكاني لهذه الزيادة السكانية بين أجزاء مصر؛ مما أدى إلى هجرة داخلية من الريف إلى الحضر بقدر لا يتم استيعابه بالدرجة التي تؤدي إلى ارتفاع البطالة، وانتشار أنماط متعددة من السكن العشوائي حول المدن. لقد زاد المصريون في نحو نصف قرن (١٩٤٧–١٩٩٣) بنحو ٣٠٠٪ (من ١٩ إلى ٥٧ مليونًا). وفي الفترة ١٩٦٠ إلى ١٩٩٣ وضح أن معدلات الزيادة قد اختلفت بين أقاليم مصر على النحو الآتي:
    جدول : جدول ٢-١ معدلات النمو السنوي في أقسام مصر الرئيسية (٪).*
    الأقسام ١٩٦٠–١٩٦٦ ١٩٨٦–١٩٩٣
    المدن الحضرية ٣٫٤ ١٫٨
    محافظات الدلتا ٢٫٣ ٢٫٢
    محافظات الصعيد ٢٫١ ٢٫٧
    المصدر: «التقرير الوطني المقدم لمؤتمر الأمم المتحدة الثاني للمستوطنات البشرية (قمة المدن)» وزارة الإسكان ١٩٩٦.

    وواضح من هذه النسب هبوط ملحوظ في المدن الحضرية الأربعة: «القاهرة، الإسكندرية، السويس، بورسعيد»، وفي محافظات الدلتا، بينما ارتفعت معدلات النمو في الصعيد. والغالب أن هناك تحفظًا على نسب الفترة ٨٦–١٩٩٣؛ حيث إن غالبها دراسات عينة وتقديرات أكثر منها إحصاء معتمد، ولو صحت هذه النسب لما كانت هناك المشكلات التي نعرفها ونعانيها.

  • ثانيًا: الأسباب الاقتصادية المرتبطة بتغير الفكر الاقتصادي في الستينيات والسبعينيات وإلى الآن، بين الأنظمة شبه الاشتراكية إلى سياسة الانفتاح والتغيرات الاقتصادية المختلفة التي تقع تحت مسمى: «الإصلاح الاقتصادي»، والتدفقات الاستثمارية في أنشطة متعددة، على رأسها الصناعة وقطاع الخدمات وتجارة الاستيراد والسياحة. أما الزراعة: فقد نالها القليل من المدخرات المحلية، ربما لعدم ثبات السياسة الزراعية، أو لأنها تدخل مرحلة تغيير لم تستوعب تطبيقيًّا بالدرجة الكافية.
    fig24
    شكل ٢-١٠: المدن الجديدة حول القاهرة.

    بعض أشكال الحرمان في مصر الأمية والعطالة والفقر ١٩٩٤

    شكل ٢-١١: لاحظ ارتفاع قيم الحرمان في محافظات الصعيد. فقراء الصعيد ٤٨٫٥٪ من السكان والدلتا ٣٦٫٣٪ ومحافظات المدن ١٣٫٤٪ والصحاري ١٫٨٪.

    وكل هذا أدى إلى ذبذبة كبيرة في السوق بين الإغراق والندرة في السوق المحلية وسوق التصدير؛ النتيجة النهائية هي: فقدان الحوافز للتمويل الزراعي، مما يؤدي إلى مزيد من البطالة الريفية التي وصلت فيها العمالة لحد التشبع في ظل إستاتيكية وجمود أنماط المحاصيل وأدوات الإنتاج وأنماط التسويق، وحيث إن الأنشطة الحديثة تتجه إلى الأوتوماتية في الإنتاج؛ فقد تناقص الاحتياج إلى العمالة؛ مما يزيد من حدة البطالة التي ارتفعت، على سبيل المثال، من نحو ٥٪ إلى ١٥٪ في عقد ١٩٧٦–١٩٨٦.

    ولا شك أن البطالة العامة لا تعبر عن الاختلافات بين المهن والأنشطة، لكن الأغلب أن الزراعة هي أكبر نشاط تتراكم فيه البطالة، ومن ثم الهجرة إلى المدن. ففي المصدر السابق ونفس الصفحة نجد أن العاملين بالزراعة تناقصوا من ٣٢٪ من قوة العمل ١٩٩١ إلى ٣٠٪ عام ١٩٩٦. هبوط ٣٪ ليس بالشيء القليل، فهي تساوي نحو نصف مليون شخص من قوة عمل عامة قدرت ﺑ ١٦٫٥ مليون عامل، وفي الفترة المذكورة ذاتها زادت العمالة الصناعية بنسبة ١٪ فقط.

    ويعطي شكل ٢-١١ صورة واضحة لظروف الحياة الأساسية: كيف ترتفع كل نسب الحرمان في محافظات الصعيد بالقياس إلى بقية مصر؟ وكيف ترتفع في كل الريف بصفة عامة، بينما تزيد البطالة في المدن عن ريف المحافظات؟ ومنحنى الفقر والفقر المدقع هو مؤشر جامع لكل أشكال الحرمان، ومن ثم هو سبب جوهري في تيار الهجرة الداخلية إلى المدن الرئيسية، مما يزيد من إفقارها كما يتضح من الجدول ٢-٢.

    الأرقام ١ إلى ٢١ تشير إلى أسماء المحافظات على التوالي: ١ القاهرة، ٢ الجيزة، ٣ القليوبية، ٤ الإسكندرية، ٥ بورسعيد، ٦ السويس، ٧ دمياط، ٨ الإسماعيلية، ٩ الشرقية، ١٠ الدقهلية، ١١ المنوفية، ١٢ الغربية، ١٣ كفر الشيخ، ١٤ البحيرة، ١٥ بني سويف، ١٦ الفيوم، ١٧ المنيا، ١٨ أسيوط، ١٩ سوهاج، ٢٠ قنا، ٢١ أسوان.

    «مصدر الأرقام التي بنيت عليها النسب التقارير السنوية لمعهد التخطيط القومي سنوات: ١٩٩٤ و١٩٩٥ و١٩٩٦.».

    جدول ٢-٢: صافي الهجرة الداخلية ١٩٨٦ (الأرقام بالألف شخص).
    الإقليم الحركة إلى الحركة من صافي الهجرة
    إقليم الحضر ٩٣٥٩ ٨٣٤٣ +١٠١٦
    إقليم الدلتا ٢٠٥٢ ٢١٢٣ −٧٠٩
    إقليم الصعيد ؟ ؟ −٣٣٥

    (المصدر السابق لوزارة الإسكان ١٩٩٦، ص١٩. الحركة في محافظات الصعيد غير مقبولة؛ لأنها تعطي نحو ١٦٫٧ مليونًا و١٧ مليونًا على التوالي، لهذا وضعنا علامة (؟) بدلًا من الأرقام المذكور. علامة (+) تساوي إضافة هجرة إلى الحضر، علامة (−) تساوي فقدان سكان بالهجرة من الإقليم)

    fig26
    شكل ٢-١٢: شكل سكان المدن الجديدة. السكان المقيمون ١٩٩٦ ونسبتهم من المستهدف ج = الجديدة — أرقام ١٩٩٦ عن التعداد الرسمي لسكان مصر ١٩٩٦.
  • ثالثًا: الكوارث الطبيعية التي تؤدي إلى موقف سكاني وسكني حاد، يتطلب نمط الإيواء السريع في مدن أو أحياء تقام لذلك. لكن لحسن الحظ أن مصر لا تتعرض لكوارث واسعة الدمار والضحايا، وبرغم قلة ما تتعرض له مصر من كوارث طبيعية — زلازل وسيول — فإن آثارها ذات أبعاد أكبر من قوتها لسببين؛ أولهما: كثافة السكان العالية، وتزاحمهم في نطاقات أرضية صغيرة ومساكن غالبها متهالك مكتظ بالناس، وحين تحدث الواقعة فإن ضحايا عزبة صغيرة أو حي قديم تكون أخطر من قدر الكارثة، والسبب الثاني: أن الإيواء ليس سريعًا وغير شامل لكل من حاقت بهم الكارثة — لقصور إداري على الأغلب — ومن ثم يظل شبح الكارثة لمدة طويلة قابعًا في صورة سكن مؤقت قد يصبح سكنًا عشوائيًّا لطول زمنه، وقد تدهم كارثة أخرى المكان ذاته بعد فترة وجيزة مما يضيف متضررين جددًا إلى القدماء، فتصبح أبعاد الموضوع قائمة مستمرة دون حل.

أطلنا في ذكر الأسباب؛ لأنها عوامل متفاعلة تؤدي في النهاية إلى أن الضغوط السكانية في المدن، وبالذات في القاهرة، كانت وما زالت صلب أغراض بناء مدن جديدة.

جدول ٢-٣: أعداد السكان المستهدفة في المدن الجديدة.*
المدن حول القاهرة عدد السكان المدن في الدلتا السكان مدن الصعيد السكان
المجموع ٤٢٠٠٠٠٠ ١٤٣٠٠٠٠ ٥٣٠٠٠٠
من مجموع المستهدف ٦٨٪ ٢٣٪ ٨٫٦٪
١٠ رمضان ٥٠٠٠٠٠ السادات ٥٠٠٠٠٠ بني سويف (ج) ١٢٠٠٠٠٭
٦ أكتوبر ٥٠٠٠٠٠ برج العرب ٥١٠٠٠٠٭ المنيا (ج) ١٢٠٠٠٠
١٥ مايو ٢٥٠٠٠٠ دمياط (ج) ٢٧٠٠٠٠ أسيوط (ج) ١٣١٠٠٠٭
بدر ٢٥٠٠٠٠ الصالحية (ج) ١٠٠٠٠٠٭ سوهاج (الكوثر) ٦٠٠٠٠
العبور ٢٥٠٠٠٭ النوبارية ٥٠٠٠٠ أسوان ١٠٠٠٠٠
الأمل ٢٥٠٠٠٠
تجمعات ١، ٥ ٢٢٠٠٠٠٠
ملاحظة: (ج) = الجديدة. العلامة (٭) عند رقم تشير إلى تضارب القيم على النحو الآتي: العبور في أرقام مخصصة لسكن ٤٧٧ ألف شخص، وفي أرقام مخصصة لسكن ٥٢ ألفًا، وفي أرقام أخرى برج العرب مخصصة لسكن ١٥٠ ألفًا فقط، والصالحية الجديدة ٧٠ ألفًا، بني سويف مخصصة لسكن ٩٠ ألفًا، وأسيوط الجديدة ١١٥ ألفًا وفي أرقام أخرى هي مخصصة إلى ٢٥ ألفًا.

بدأت مدن الجيل الأول بمدينة العاشر من رمضان أوائل ١٩٧٨، وكذلك ميناء ومدينة دمياط الجديدة، ومدن السادات و١٥ مايو و٦ أكتوبر وبرج العرب ١٩٧٩.

أما الجيل الثاني، فقد بدأ نحو ١٩٨٦؛ أي بعد سبع سنوات من بداية الجيل الأول، وهي مدة غير كافية للتجربة والخطأ. أما مشروعات الجيل الثالث، فالأغلب أنها بدأت في أوائل التسعينيات؛ أي بفارق زمني قصير منذ البدء في الجيل الثاني، ويظهر الجدول ٢-٣ والشكل ٢-١٢ نسبة السكان المقيمين إلى العدد المستهدف من السكان في المدن الجديدة.

ولا شك في أن تضارب الأرقام هو أمر يجعل الدراسة غير موضوعية، والنتائج غير مرضية إلا في صورة عامة كمؤشرات. وسوف نجد فيما بعد تضاربات أشد في موضوعات حيوية أخرى، مثل: عدد العمالة، ورأس المال المستثمر، وقيمة الإنتاج في المدن الجديدة.

أخطر ما نستنتجه من الأرقام السابقة، هو ذلك التركيز المستهدف للسكن في منطقة القاهرة، بحيث تستوعب أكثر من ثلثي السكان المراد توطينهم — كأن القاهرة فقيرة سكانيًّا. إن الغرض الأساسي من المدن الجديدة هو رفع العبء عن المدن التي تشكو علة الازدحام والاكتظاظ السكاني، وأولها القاهرة؛ فإذا بالمخططين والمنفذين يزيدون المشكلة بدلًا من حلها بخلخلة الاكتظاظ السكاني بإبعادهم عنها. كم هو عدد سكان القاهرة الكبرى الآن؟ تتضارب الأرقام حسب مفهوم ومعنى مصطلح القاهرة الكبرى؛ ففي مفهوم هم عشرة ملايين، وفي مفهوم آخر هم ١٢ مليونًا إذا أضفنا كل سكان محافظتي الجيزة والقليوبية، وماذا عن الحركة اليومية للسكان الذين يعملون في القاهرة ويسكنون خارجها: هل تقدر الحركة بمليون أو نصف مليون يجيئون ويخرجون يوميًّا، أو أكثر أو أقل؟

وتأتي تقديرات وزارة التعمير بمخطط يزيد سكان القاهرة بنحو مليونين وربع المليون! وذلك فيما عرف باسم مخطط القاهرة الجديدة التي تضم التجمعات الأول والخامس والنخيل … إلخ.٧ فإذا أضفنا إليهم مليونين في مدن رمضان وأكتوبر ومايو … إلخ. يصبح لدينا إضافة سكانية قدرها ستة ملايين فوق السكان الحاليين، وبذلك تصبح القاهرة الكبرى موطنًا لنحو ١٦ إلى ١٨ مليونًا!

وماذا عن الرقعة المكانية لمثل هذا التجمع السكاني شديد الضخامة؟ سوف تمتد القاهرة من أكتوبر إلى الكيلو ٤٠ أو ٥٠ من طريق السويس — مسافة تقترب من ١٠٠ كيلومتر في خط مستقيم من الشرق للغرب، وبين مدينتي رمضان في الشمال الشرقي والتبين في الجنوب مسافة أخرى تقترب من ١٠٠ كيلومتر. هذه الرقعة الشاسعة هل يمكن التحكم فيها إداريًّا بالنمط الذي نسير عليه؟ وماذا عن الانتقال في أرجاء هذه المدينة العملاقة؟ نصف هذه المساحة مشغول الآن بالعمران والسكان، ومع ذلك نرى صعوبات بالغة في الحركة برغم وجود قوانين مرور جيدة، لكنها غير قادرة على التنظيم نتيجة انفلات الناس من بين أمور أخرى كثيرة.

وفي مواجهة مشكلات القاهرة الكبرى يقترح البعض خطتين متناقضتين تمامًا؛ الأولى: تجميع الإدارة في محافظة واحدة بدلًا من محافظتي القاهرة والجيزة، والثانية: تدعو إلى تفكيك هذه الكتلة السكنية المترامية إلى عدة محافظات؛ واحدة في الشمال الشرقي، وأخرى في الشمال الغربي، وثالثة في الوسط، ورابعة في الجنوب … إلخ. ولكل من الاتجاهين فلسفة إدارة؛ فالتجميع يعني قرارات موحدة، والتفكيك يعني قرارات نابعة عن الواقع الاقتصادي الاجتماعي الذي يختلف في أجزاء المدينة بين الفقر والغنى، وبين وظائف الأعمال وتجارة الجملة والقطاعي، وبين الدكاكين الصغيرة والأسواق الحديثة، وبين الموظفين وعمال الصناعة … إلخ.

النجاح والفشل في جذب السكان للمدن الجديدة

قد يبدو أن موضوع المدن الجديدة لا يرتبط بالقاهرة الكبرى. لكنه في الحقيقة جزء لا يتجزأ من موضوع واحد؛ لأن مخططي وزارة التعمير قد ركزوا أكثر من نصف مخططاتهم حول القاهرة، وكان حريًّا بهم أن يبتعدوا عنها، وينقلوا المنشآت العمرانية الجديدة في مناطق أخرى كنطاق القناة؛ حيث التنمية ممكنة مرتكزة على تعظيم فوائد الشريان البحري العالمي لإنشاء قواعد اقتصادية وعمرانية أجدى من تضخيم مشكلة القاهرة إلى حدود وخيمة. وقد تنبه المسئولون في الدولة إلى هذه المزالق، وتعالج الآن بالتركيز على مشروعات، مثل: شرق التفريعة وشمال رأس خليج السويس وترعة السلام وتوشكى. ومع ذلك تظل مشكلة القاهرة وحلقات المدن حولها مشكلة مزمنة تحتاج إلى كثير من التروي؛ لتخفيف مضار ما حدث، مع إلغاء بعض المشروعات العمرانية التي ما زالت مخططات على الورق، فالكثير من مشروعات المدن الجديدة حولها لم تبدأ، أو بدأت ولم تنته عمليات إعمارها، وهذا مما يسهل اتخاذ قرار بإيقافها لإنقاذ القاهرة، ويوضح الجدول التالي هذه الأمور الواقعة.

جدول ٢-٤: السكان المقيمون بصفة دائمة في المدن الرئيسية الجديدة عام ١٩٩٦ ونسبتهم إلى العدد المستهدف.*
المدن حول القاهرة عدد السكان النسبة ٪ المدن خارج القاهرة عدد السكان النسبة ٪
المجموع ٢٢٥٠٠٠ ١٨ ٣٧٠٠٠ ٢٫٩
١٠ رمضان ٥٠٠٠٠ ١٠ برج العرب ١٠٠٠٠ ٢
٦ أكتوبر ٧٥٠٠٠ ١٥ السادات ١٦٠٠٠ ٣٫٢
١٥ مايو ١٠٠٠٠٠ ٤٠ دمياط ١١٠٠٠ ٤
وزارة الإسكان ١٩٩٦ — مصدر سابق.

وظائف المدن الجديدة حول القاهرة – مخصصات الوظائف بالكيلومتر المربع منفذة أو قيد التنفيذ

شكل ٢-١٣: مصدر الأرقام كتاب «مبارك والعمران» عن وزارة التعمير — بدون تاريخ، وغالبًا أوخر ١٩٩٩.
ولنا بعض ملاحظات على الأرقام السابقة نوجزها فيما يلي:
  • (١)

    تتضارب هذه الأرقام المستقاة من وزارة التعمير وأرقام التعداد العام للسكان ١٩٩٦. فالتعداد يسجل أن المقيمين في المدن الجديدة حول القاهرة بلغوا في ١٠ رمضان ٤٧ ألفًا، ٦ أكتوبر ٣٥ ألفًا، ومدينة ١٥ مايو ٦٦ ألفًا بمجموع ١٤٨ ألفًا مقابل نحو ٣٠ ألفًا فقط في المدن الثلاث خارج القاهرة (برج العرب ٧ آلاف، السادات ١٦ ألفًا، ودمياط الجديدة ٦٫٥ آلاف)، ومرة أخرى يظهر التحيز الشديد للمدن حول القاهرة.

    بعض مواصفات الصناعة في المدن الجديدة (نسب مئوية)

    شكل ٢-١٤: عدد المصانع ١٠٩٠ – رأس المال ١١ مليار جنيه – قيمة الإنتاج ١٧ مليار جنيه – القوة العاملة ٨٢٠٠٠ عامل – الأجور السنوية ٥٠٠ مليون جنيه.
  • (٢)

    لا شك في أن نجاح مدينة ١٥ مايو مرتبط بوقوعها في قلب المنطقة الصناعية الجنوبية للقاهرة، ومن ثم كان استيطانها بنسبة عالية، وذلك برغم المخاطر الصحية الناجمة عن تلوث الهواء بالأتربة ودخان المصانع، وما ترتب عليه من أمراض الجهاز التنفسي.

  • (٣)

    إن فشل مدينتي رمضان وأكتوبر في جذب السكان خلال عشرين سنة من الإنشاء، هو دليل على خطأ اتخاذ موقع قريب من الكتلة العمرانية للقاهرة والجيزة، ويصعب على العمالة في مصانع المدينتين الهجرة الدائمة لنقصٍ معروف في قطاع الخدمات، ولارتباطات اجتماعية ونفسية غير موجودة بالمدن الجديدة، ولهذا فإن جانبًا من السكن الدائم في المدينتين يرتبط بقطاع الأغنياء الذين يقيمون منتجعات لعطلة نهاية الأسبوع.

القواعد الاقتصادية للمدن الجديدة

الفرضية الأولى للمدن الجديدة هي أنها يجب أن تنظر إلى داخلها، وليس إلى المدينة الكبيرة إلى جوارها، وذلك في مجالات القوة البشرية والاقتصادية والخدمية. وإذا كانت تجربة إسكان المدن الجديدة لم تلق النجاح المطلوب، فإنها قد نجحت في إقامة قواعد اقتصادية جيدة ربما تساعد في ربع القرن القادم على إنشاء قواعد سكانية وخدمية مواكبة للقاعدة الصناعية، ويوضح الجدول ٢-٥ والشكل البياني ٢-١٤ الوضع الحالي.
جدول ٢-٥: مدى النجاح الحالي والمتوقع في الصناعة في المدن الجديدة (١٩٩٦).*
مقومات الصناعة ١٠ رمضان ٦ أكتوبر برج العرب السادات دمياط
مصانع منتجة: ١٠٩٠ مصنعًا، منها في ٤٧٪ ٢٥٪ ٧٫١٤٪ ٣٫٨٪ ٢٫٥٪
مشروع مصانع: ٧٥٩ مصنعًا ٢٩٪ ٣٣٪ ٦٫١٣٪ ٥٫١٠٪ ٧٫٢٪
رأس المال للمصانع المنتجة: ١١ مليار جنيه ٦٣٪ ٢٣٪ ٧٫٥٪ ٧٫٣٪ ٣٫٨٪
قيمة الإنتاج: ١٧ مليار جنيه ٥٧٪ ٣٢٪ ٨٫٤٪ ٥٫٤٪ ٠٫٦٪
العمالة: ٨٢ ألف عامل ٣٤٪ ٢٠٪ ٣٫٤٪ ٢٪ ٣٩٪
أجور عمال: ٥٠٠ مليون جنيه ٦٠٪ ٣٠٪ ٩٫٥٪ ٩٫٢٪ ٠٫٥٪
وزارة الإسكان ١٩٩٦ – مصدر سابق.
وتتلخص التعليقات على الشكل والأرقام على النحو الآتي:
  • (١)

    التركيز واضح في مدينة ١٠ رمضان التي تكاد أن تحوز على نصف المصانع المنتجة في المدن المذكورة أعلاه، وتنوي أن تحوز على ثلث المصانع تحت الإنشاء. كما أن لها نصيب الأسد في بقية العناصر الصناعية: ثلثي رأس المال، ونحو الثلثين في الأجور المدفوعة للعاملين، وقيمة الإنتاج، ويبدو أن الصناعة في هذه المدينة من النوع كثيف رأس المال قليل العمالة.

  • (٢)

    الأغلب أن ١٠ رمضان تتفوق على بقية المدن الأخرى لعامل جغرافي شديد الفاعلية. فهي تقع في مواجهة شرق الدلتا بين أقطاب عمرانية ذات شأن كمصدر تمويل وعمالة وتسويق لدرجة أنه يطلق عليها أحيانًا اسم: «الميناء الجاف»؛ فهي تتوسط أوتوستراد الإسماعيلية بين القاهرة والقناة، ويتقاطع معها طريق إلى الشرقية والصالحية. العمالة تأتيها من القاهرة والشرقية والخامات والتصدير السلعي في اتجاه الخارج والداخل. المياه موردها ميسر نسبيًّا من ترعة الإسماعيلية، وهي بهذا يمكن أن تصبح مدينة مستقلة ذات نفوذ صناعي تجاري، وتخرج بذلك من حيز المدن التوابع.

  • (٣)

    أما مدينة ٦ أكتوبر، فهي بحق مدينة تابعة للقاهرة الكبرى، وخلفيتها لا تمتد إلى ظهير متنوع الأبعاد والقوة والإنتاج على عكس مدينة رمضان، فهي أقرب إلى الضاحية منها إلى مدينة ذات استقلال، ومن ثم كثر السكن فيها حتى لغير العاملين بها.

  • (٤)
    السادات: عبارة عن تخليق جديد لمستوطنة بنيت لهدف لم يتحقق لتغير الظروف٨ وربما تتطور إلى مدينة ذات خلفية زراعية صناعية. العامرية أيضًا تحولت من منطقة استصلاح زراعي إلى تجمع صناعي يحل أزمة المكان المحدود للصناعة السكندرية، وغالبًا ما ستنمو باتخاذها مقرًّا للمطار الدولي للإسكندرية. دمياط الجديدة، بالتحامها القريب مع دمياط، ونمو عمل ميناء الحاويات ستشكل في المستقبل تجمعًا سكنيًّا صناعيًّا نشطًا.٩
  • (٥)

    وأخيرًا نورد جدولًا مركبًا بين حقيقة الأوضاع في المدن الجديدة على ضوء ما استهدفته هذه المدن من حل لمشكلة التزاحم السكاني الكثيف في مصر الوادي والدلتا ومدنها، وما تحقق منها بأرقام التعداد السكاني لعام ١٩٩٦ التي هي أصدق أرقام متاحة لأحوال السكان في مصر.

جدول ٢-٦: موقف حلقة المدن الجديدة حول القاهرة*
المدينة عدد السكان ٪ سكان ١٩٩٦ من المستهدف# ٪ نمو السكان ٨٦–١٩٩٦#
المستهدف* ١٩٨٦** ١٩٩٦**
المجموع ٤٢٠٠٠٠٠ ٣٣٢٥٥ ١٨٥٢٣٩ ٤٫٤٪
١٠ رمضان ٥٠٠٠٠٠ ٨٥٠٩ ٤٧٨٣٩ ٩٫٦٪ ٥٢٥
٦ أكتوبر ٥٠٠٠٠٠ ٥٢٨ ٣٥٤٧٧ ٧٫٢٪ ٧٠٠
القاهرة الجديدة (القطامية + التجمعات)@ ٢٢٠٠٠٠٠ - ٣٤٨١٩ ١٫٦٪
بدر ٢٥٠٠٠٠ - ٢٤٨ ٠٫٠١٪
الشروق ؟ - -
١٥ مايو ٢٥٠٠٠٠ ٢٤١٠٦ ٦٥٨٦٥ ٢٦٫٥٪ ٢٧٣
العبور ٥٠٠٠٠٠ ١٠٣٧ ٩٩١ ٠٫٢٪ −٥
ملاحظات على جدول ٢-٦:
* أرقام وزارة التعمير عن التقرير الوطني المقدم لمؤتمر الأمم المتحدة الثاني للمستوطنات البشرية (قمة المدن)، وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، جمهورية مصر العربية ١٩٩٦.
** أرقام التعداد ١٩٩٦ «النتائج الأولية للتعداد العام للسكان والإسكان والمنشآت لسنة ١٩٩٦» فصل: «عدد السكان في المدن العمرانية الجديدة مقارنًا بنتائج تعداد ١٩٨٦».
# من حساب الباحث.
@ تظهر في التعداد باسم «الأمل» وتشمل القاهرة الجديدة بما فيها القطامية والتجمعات.
fig29
شكل ٢-١٥: مشروعات تطوير عمرانية بمنطقة القاهرة عام ٢٠٠٠.
وبالرغم من أن موقف المدن الجديدة حول القاهرة غير مشجع إلى الآن، فهناك مئات المباني والوحدات السكنية التي بنيت غير مسكونة لأسباب كثيرة، على رأسها: قلة الخدمات الأساسية ونقص بعض البنية الأساسية، إلا أن الإعلان مستمر عن إنشاء مشروعات تطوير ومشروعات إسكان وغير ذلك. وعلى سبيل المثال اخترنا أحدث المشروعات التي تعلن عنها محافظة القاهرة لعام ٢٠٠٠ لتطوير الهوامش الجنوبية من المعادي إلى القطامية، وحول الطريق الدائري كما يوضحه الشكل ٢-١٥.

واضح أن هناك تركيزًا على الوظيفة السكنية التي تستغرق نحو نصف المشروعات، وأن معظمها مركز في القطامية. يلي ذلك ٢٦٪ من مساحة المشروعات مخصصة للسياحة والترفيه حول الطريق الدائري، وربما كان ذلك هو ملاعب الجولف القائمة حاليًّا، وثار حول العمارات الشعبية المقامة حولها جدل بمعنى: هل تهدم الأبنية الشعبية القائمة حفاظًا على جمال البيئة المحيطة بالملاعب؟ وذلك برغم أن المساحات الخضراء مرغوبة في هذه المنطقة الصحراوية الصخرية، إلا أن هذه المساحة الخضراء مغلقة على عضوية كبار القوم وأغنيائهم، ولا سبيل إليها للعامة من الناس!

الصناعة تحتل المركز الثالث في وظائف هذه المشروعات، وأغلبها مركَّز في حلوان، والقليل منها في القطامية، وتحتل وظائف التعليم والخدمات الصحية مساحة لا بأس بها في القطامية التي تفتقر إليها كمدينة ناشئة، بينما تستخدم مثل هذه الوظائف القائمة في مدينة نصر والمعادي لخدمة التنمية السكنية الجديدة التي يتضمنها المشروع في كل منهما.

ولا يسعنا إلا التساؤل عن جدوى الإعلان عن مثل هذه المشروعات التنموية برغم عدم استكمال سابقاتها من مشروعات؟ وهل العملية التخطيطية حول القاهرة وفي القاهرة عبارة عن ميادين منفصلة لكل وزارة أو إدارة على حدة؟ ألا يستحسن إيجاد تكامل في التخطيط الفيزيقي والاجتماعي والخدمي معًا في إدارة واحدة بدلًا من هذا الشتات؟

(٤) شبرا الخيمة: مخطط للصحة والترويح في شمال القاهرة

من نافلة القول أن المناطق الصناعية هي أحد أهم بؤرات التلوث في العالم بما تطلقه من غازات ومواد عالقة وما تلقيه من مخلفات سائلة وصلبة أغلبها تحتوي على مواد ضارة بالجسم البشري، وبعضها سام بكل المعنى. وقد تمكنت الدول المتقدمة من الحد النسبي من هذه الملوثات بتكلفة وتكنولوجيا عالية مع رقابة صارمة من قبل أجهزة عديدة حكومية وجماعات غير حكومية. ولكن تحقيق ذلك ما زال بعيد المنال في الدول النامية المنشغلة بتحسين ناتجها الوطني بتنمية الصناعة بأي شكل كان.

وربما كان الوضع في مصر قد دخل مرحلة ما من الرقابة على التلويث الصناعي؛ فقد كثرت الإشارة إليه، وترددت حوله الأقوال من الجهات المسئولة والصحافة وأنصار البيئة معًا، وأنشئت له وزارة للبيئة، وهيئة حكومية عليا، ومعاهد للدراسات البيئية، ووكالات للبيئة بالكليات الجامعية، وكلها علامات مبشرة بخير قريب. ومعروف أن القول يسبق الفعل، ومن ثم بدأت بعض الإجراءات تأخذ طريقها إلى حيز الوجود، لكنها بكل المقاييس غير كافية بعد؛ بل إن بعض شركات الصناعة تشكو من تكلفة إجراءات منع الملوثات، كما أن بعضها يرى أنها تؤدي إلى تقليل الإنتاج.

ولسوء حظ القاهرة أن المناطق الصناعية قد أنشئت في مناطق متنزهات طبيعية ظلت كذلك لفترة قرون وقرون، فحلوان منذ العصر العباسي مشهود لها بطيب المناخ كمنتجع لأغنياء القاهرة وولاتها. وشبرا هي رئة القاهرة الشمالية حيث تهب الرياح الشمالية محملة بنسائم نقية عند مرورها على الزروع المختلفة؛ فتنعش جو القاهرة القائظ صيفًا وتميل إلى ترطيبه شتاء. ومن هنا كانت نشأة القصور التي بناها محمد علي الكبير وبعض الأمراء في شبرا، وقد تحولت كلها إلى أبنية مدرسية باستثناء قصر محمد علي في شبرا البلد الذي أصبح مقرًّا لكلية زراعة جامعة عين شمس منذ أمد طويل. ولكن في الثلاثينيات من القرن الحالي تراءى لبعض أصحاب الفكر الصناعي اتخاذ شبرا الخيمة مركزًا للصناعات؛ لوجود عدة عناصر مشجعة، منها: القرب من القاهرة مركز السوق الرئيسي، ولوجود الأيدي العاملة الرخيصة من سكان قرى وعزب المنطقة، ومن القاهرة بصفة خاصة حتى غلب «المهاجرون» من العمال على الصيغة السكانية لشبرا الخيمة. لم يفكر هؤلاء الصناعيين بمنطق التنمية الصناعية التي بدأها بنك مصر وشركاته في إقامة الصناعة في أماكن بعيدة عن القاهرة كالمحلة الكبرى وكفر الدوار على سبيل المثال؛ ذلك أن بدايات الصناعة في شبرا الخيمة كانت صناعات محدودة رأسماليًّا بالقياس إلى شركات بنك مصر، وربما كان أصحابها من جاليات غير مصرية هدفها تشغيل أموالهم في صناعات فردية محدودة موفورة الربح بالقرب من القاهرة.

أيًّا كانت الأسباب؛ فقد وقر ذي ذهن الصناعيين فيما بعد أن شبرا الخيمة منطقة صناعية، وتتالت المنشآت الصناعية إلى أن وصلنا إلى الوضع الحالي، حيث تغطي المناطق الصناعية ثلاثة محاور رئيسية، هي:
  • (١)
    المحور الشرقي: الذي يمتد على طول واجهة ترعة الإسماعيلية من زاوية الترعة إلى شمال مسطرد بطول نحو خمسة كيلومترات. وعبرت الصناعة الترعة على كوبري مسطرد إلى شرق الترعة — خارج المنطقة الإدارية لشبرا الخيمة — لكي تلتحم مع المنطقة الصناعية النامية من غرب عزبة النخل والمطرية إلى السواح.
  • (٢)
    المحور الغربي: ويمتد على طول محور الخط الحديدي والطريق الزراعي شمالا مساحةً تبلغ نحو أربعة كيلومترات حتى قرب قرية ميت نما شرق الطريق الحديدي، وعند ملتقى الطريق الدائري الجديد، وحتى قليوب غرب الطريق مساحةً تبلغ نحو ثمانية كيلو مترات تمتد سلسة من المخازن والمصانع والورش.
  • (٣)
    المحور الأوسط: ويمتد فيما بين المحورين السابقين مسافات تتراوح بين ٢ إلى ٣ كيلومترات مكونًا في أحيان كتلة ملتحمة كما هو الحال شرقي حي بيجام، ومتفرقًا أحيانًا أخرى في غرب بهتيم. ويمر المحور الأوسط بين المناطق السكنية فيقسمها قسمين: الغربي يتكون من بيجام والسعادة وشبرا الخيمة، والشرقي يتكون من بهتيم وعزب أخرى صغيرة اندمجت في كتلة عمرانية.
figure
شكل : شبرا الخيمة والتداخل السكني والعشوائي والصناعي.

وترتكز هذه المحاور الصناعية الثلاثة على الواجهة الشمالية لترعة الإسماعيلية في امتداد نحو ثلاثة كيلومترات يراها السائر على كورنيش الترعة أمام محطة كهرباء شمال القاهرة، وتتكون المنطقة الشمالية من حقول زراعية كانت مساحتها نحو ٣٥٠٠ فدان تنتج الكثير من خضراوات سوق القاهرة، لكن هذه المساحة الزراعية آخذة في التناقص، ليس فقط نتيجة نمو الصناعة، ولكن إنشاء الطريق الدائري رفع فجأة قيمة الأرض، فأصبحت تحسب بالمتر بدلًا من القيراط من أجل زحف عمراني عشوائي غير منظم ولا مضبوط ليس فقط في شمال شبرا الخيمة، بل على طول الطريق الدائري حتى المرج وبركة الحاج وكفر الشرفا إلى قرب مدينة السلام.

الصناعات الرئيسية في المنطقة هي بالترتيب: النسيج والصناعات المعدنية والصناعات الكيماوية وصناعة مواد البناء، ثم الصناعات الصغيرة من مختلف الأنواع: «خراطة – لحام – نجارة … إلخ» ويعمل بها جميعًا نحو سبعين ألف عامل، وكل هذه الصناعات الكبيرة والصغيرة مسئولة عن أنواع عدة من التلوث، وبخاصة الغازات والأتربة العالقة والساقطة، فضلًا عن تصريف مخلفات الصناعة في مياه الترع العديدة في المنطقة، وعلى رأسها ترعة الشابوري التي تحولت إلى رشاح هو مصدر لكل السموم بكل ما تعنيه الكلمة.

ونورد هنا نتائج بعض الدراسات التي قام بها المركز القومي للبحوث عن مقدار تلوث الجو، والتي تشير إلى مخاطر صحية وعمرانية جمة.

مثلًا غاز ثاني أكسيد الكربون يتولد بنسب عالية من نواتج الصناعات المعدنية والكيماوية ومصانع الطوب الحراري والزجاج والصيني والبلاط والمواسير الإسمنتية والكابلات الكهربائية والغزل، ويختلط الدخان بثاني أكسيد الكربون مكونًا أنواعًا من الجو المشبع بالضباب — ضبخان = ضباب ودخان معًا — يضر بالجهاز التنفسي للإنسان، ويؤدي إلى تآكل المعادن والأبنية. درجة تركيز ثاني أكسيد الكربون تتراوح في المناطق المختلفة من شبرا الخيمة إلى ما بين ٠٫٠٨ في المليون إلى ٠٫٣٣ جزء من المليون، بينما المتوسط الآمن في الدول المتقدمة يتراوح بين ٠٫٠١ إلى ٠٫٠٣ جزء في المليون؛ أي نحو عُشر ما في شبرا الخيمة. والأغلب أن ارتفاع النسبة في شبرا الخيمة راجع إلى استخدام وقود صلب، الذي يزيد في الورش الصغيرة الكثيرة. أما الأتربة العالقة فهي أعلى من المتوسطات المأمونة. فهي +٥٠٠ و+٧٠٠ ميكروجرام/م٣ في شبرا الخيمة وحلوان على التوالي، بينما هي في حدود ١٠٠ إلى ١٥٠ في بلاد العالم المتقدم، وتحتوي الأتربة العالقة على مواد سامة مثل الرصاص والزنك والنيكل.

وبطبيعة الحال فإن التركيز في هذه الملوثات يكون على أشده فوق مناطق المصانع التي أشرنا إليها سابقًا، وفوق المناطق السكنية المتداخلة في المناطق الصناعية، فتزيد مشكلات السكن الصحية سوءًا على سوء.

فالصناعة تخلق مناخات محلية خاصة. فإن التسخين الناجم عن دخان المصانع يخلق نوعًا من التيارات الهوائية الساخنة الصاعدة فوق شبرا الخيمة، ثم تبرد هذه التيارات كلما ارتفعت في طبقات الجو، فترتد إلى الأرض منتشرةً في صورة أتربة ساقطة على مساحات واسعة فتشمل نطاق الزراعة والسكن، ليس فقط في شبرا الخيمة؛ بل تنتشر أيضًا على معظم شمال القاهرة نتيجة دفع الرياح الشمالية لها، ومن ثم فإن الكثير من الخضراوات المزروعة في المنطقة تتأثر بالملوثات، مثل الرصاص، الذي يمتص في التربة، ويدخل غذاء النمو النباتي. وبلا شك فإن الكميات القليلة من الملوثات التي تدخل الجسم نتيجة لأكل هذه الحاصلات تصبح كثيرة المضاعفات الصحية مع دوام أكلها. هذا فضلًا عن تعرض السكان إلى الكثير من أمراض التنفس وأمراض العظام، ولتأكيد ذلك فالمقترح إجراء مسوح صحية في المنطقة لتبين مدى وشيوع أمراض معينة خاصة بالبيئة الصناعية بين سكان شبرا الخيمة.

والمسألة لا تقتصر على محلية شبرا الخيمة فقط. فالرياح الشمالية الدائمة تحمل معها ملوثات الصناعة المذكورة إلى بقية القاهرة، وبطبيعة الحال سيكون التأثير أكبر في شمال القاهرة يقل تدريجيًّا صوب الجنوب إلى أن يلتقي بملوثات منطقة الصناعة الجنوبية الممتدة من دار السلام والمدابغ إلى حلوان-التبين، وبذلك تقع القاهرة بين شقي رحى التلوث من شبرا الخيمة في الشمال إلى حلوان في الجنوب، وعلينا أن ندرك أن تأثير شبرا الخيمة على معظم القاهرة هو الأقوى بحكم أن القاهرة تقع في منصرف رياح الشمال بعد أن تتحمل بملوثات الصناعة. أما ملوثات الجنوب من دار السلام حتى التبين، فيقتصر أثرها الضار على جنوب القاهرة الكبرى فقط.

كيف نواجه هذه المخاطر؟

  • أولًا: إجراء مخطط شامل جديد لمنطقة شبرا الخيمة. في ١٩٧٣ أجرت الهيئة العامة للتخطيط العمراني دراسة حول التخطيط الابتدائي العام لمدينة شبرا الخيمة، فهل كانت هناك متابعة لهذه الدراسة؟ وهل رسمت مخططات أخرى؟ وهل دخل أي مخطط حيز التصديق والموافقة أم حيز الأضابير؟ والأغلب أن شيئًا لم يتم، بدليل نمو عدد الورش والمصانع الصغيرة في فترة الثمانينيات؛ مما أدى إلى زيادة التلوث بنسب كبيرة.

    فالمطلوب إذن تنشيط وتعديل الدراسات التخطيطية السابقة، والعمل الدءوب للحصول على اعتمادها من قبل متخذي القرار، والبدء بتنفيذها في صورة مرحلية. فليس سهلًا إجراء التنفيذ في منطقة كثيفة العمران والإنتاج. ففي شبرا الخيمة الآن نحو ٨٠٠ ألف نسمة.

  • ثانيًا: نقل الصناعة تدريجيًّا من شبرا الخيمة بصورة غير مفاجئة، بمعنى:
    • (١) وقف تراخيص إنشاء ورش أو مصانع جديدة بصورة حازمة.
    • (٢) عدم تجديد تراخيص المصانع القائمة تدريجيًّا، وخاصة تلك التي لا تتقيد بقوانين الحفاظ على البيئة.
    • (٣) لا شك أنه في المناخ الاستثماري الحالي فإن الكثير من الشركات الصناعية تفضل تحديث مساحاتها وآلاتها من أجل المزيد من الإنتاج المحدث. فالكثير من المصانع الحالية تشكو ضيق المكان والمخازن وقدم العدد والآلات وكثرة العمالة، وكلها يجب عليها بالإيجاب عمليات الانتقال إلى أماكن أرحب وآلية أحدث ومشكلات عمالة أقل.
    • (٤) لهذا فإن إعطاء حوافز من مختلف الأنواع للمصانع التي تنتقل إلى أماكن جديدة سيكون مطلبًا مرغوبًا؛ طالما أن المواقع الجديدة ملائمة لشروط الصناعة من حيث الطرق والبنية الأساسية والاتصالات.
    • (٥) أن تختار مواقع الصناعة الجديدة في أماكن لا تتسبب في الإضرار بالمناخ المحلي لمدينة القاهرة. مثلًا على امتداد طريق السويس ابتداء من الكيلو ٥٠ فالمنطقة إلى جنوب هذا النطاق صحراوية بالمعنى المعهود، فأي تلوث صناعي قد لا يطول القاهرة إلا إذا صادفت رياحًا شرقية، وهي ليست مستمرة ولا دائمة، وعلي أية حال فالمفروض أن المصانع الجديدة ستكون مراعية لضوابط البيئة تمامًا.
    • (٦) مع هذا الانتقال يجب إنشاء مدن أو قرى سكنية حديثة التخطيط ومستوفية للشروط الصحية؛ لإقامة العمال والعاملين بهذه المصانع على نسق مدينة العاشر من رمضان.

تحويل شبرا الخيمة إلى متنزه وطني

ماذا نفعل بأرض شبرا الخيمة بعد انتقال الصناعات منها؟

أن يراعى على وجه لا تشوبه شائبة تحويل أراضي المصانع المنقولة من شبرا الخيمة إلى حدائق أو متنزهٍ وطنيٍّ كبير يمتد نحو ثلاثة كيلومترات على ضفاف ترعة الإسماعيلية، وبعرض يمتد نحو كيلومتر واحد، بحيث يكون رئة لشمال القاهرة، على غرار المدن الكبرى، مثل: غابة بولونيا في باريس أو هايدبارك في لندن أو شتاد بارك في فيينا أو سنترال بارك في نيويورك. وأن يصاحب ذلك رسم مخطط شامل يهدف في النهاية إلى إقامة مدينة حدائق من أجل مساحات من الخضرة تساعد على تحسين جو القاهرة كما كان الأمر في أوائل هذا القرن، ويمكن أن يتم ذلك تدريجيًّا بضبط نوعية المباني والالتزام بقوانين التنظيم الأخرى. فالكثير من أسر العاملين في الصناعة سوف تنتقل إلى المواقع الجديدة، ويحدث تفريغ جزئي للمنطقة السكنية الحالية مع الوقف الفوري لزحف العمران العشوائي حول الطريق الدائري حفاظًا على المنطقة الزراعية. ولا شك أن قيمة الأراضي السكنية سوف ترتفع في هذه البيئة الجديدة؛ مما يؤدي إلى تغير الأنماط السكنية العشوائية إلى نمط عمائر وبيوت أكثر انضباطًا وأرقى حالًا، كما حدث في النمو العمراني حينما التف حول قرية الدقي أو العجوزة على سبيل المثال.

وباختصار سوف نرفع عن القاهرة أحد مصادر التلويث الواقعة جغرافيًّا في مهب رياح القاهرة؛ مما يؤدي إلى هواء نقي يسهم في تحسين جو القاهرة الذي ابتلي بكل أشكال الملوثات، ويسبب أمراضًا لم تكن معهودة من قبل.

١  الأرقام فيها الكثير من التضارب، وربما يعود بعضها إلى أخطاء مطبعية، وبخاصة ترقيم الأصفار. مصدر الأرقام: الإدارة العامة للخطة والمتابعة – محافظة القاهرة، ١٩٩٧.
٢  إقامة صناعة ما تخلق فرص عمل خارج الصناعة لشخصين أو ثلاثة كخدمات وأنشطة مكملة. انظر: علا سليمان الحكيم «ظاهرة التحضر ونمو المدن» ندوة التوسع الحضري، معهد التخطيط القومي ١٩٨٨ ص١٥٢.
٣  في ١٩٧٦ لم يتعد سكان مناطق المقابر ١٤٥ ألفًا كان منهم ١٨ ألفًا فقط هم الذين يسكنون داخل الأحواش في جبانات القاهرة التقليدية، وهناك تفريق بين سكان مناطق الجبانات الذين يعيشون في بيوت أو شقق داخل المنطقة وبين أولئك الذين يسكنون داخل الأحواش، وهؤلاء هم المعنيون باسم سكان عشوائيات، مثلهم في ذلك مثل سكان أسطح العمارات حتى في أرقى أحياء المدينة.
عزة سليمان وشنوده سمعان «التوسع الحضري ومشكلة الإسكان في مصر» — ورقة في ندوة التوسع الحضري التي نشرها معهد التخطيط القومي بالقاهرة ١٩٨٨، ص٣٢٨–٣٣٠.
وفي ١٩٨٤ كان تقدير سكان المقابر نحو ١١٧ ألفًا بدون تمييز لعدد سكان الأحواش الفعلي. ممدوح الولي «سكان العشش والعشوائيات»، نقابة المهندسين – القاهرة ١٩٩٣، ص ٥٠-٥١.
٤  خسرت مصر نحو نصف مليون فدان في الفترة ١٩٥٠–١٩٨٤ من الأرض الزراعية الجيدة في الدلتا والصعيد نتيجة زحف المدن. انظر: محمد سمير مصطفى وعزة سليمان «مستقبل التوسع الحضري في مصر وأثره على البيئة» ندوة التوسع الحضري — معهد التخطيط القومي ١٩٨٨، ص٣٧٤-٣٧٥.
٥  يتواجد الزبالون بكثرة في منشأة ناصر، لكن هناك أماكن أخرى لتواجد الزبالين، مثل: عزبة النخل وحلوان وطرة والمعتمدية والبراجيل، ويزيد عددهم على ٣٠ ألفًا، وقد بدأ المهاجرون من الوادي الجديد هذه المهنة لكن لحقهم في ذلك مهاجرون من الصعيد. انظر: عزة سليمان وشنودة سمعان، مصدر سابق، ص ٣٤٠–٣٤٢.
٦  ملاحظة: الكثير من موضوع السكن الطفيلي والعشوائي متضمن في بحث للمؤلف بعنوان: «السكن العشوائي في جمهورية مصر، وحالة القاهرة بشيء من التفصيل» ألقي في ندوة لجنة الجغرافيا — المجلس الأعلى للثقافة في مارس ٢٠٠٠ — تحت الطبع.
٧  غيرت وزارة الإسكان خطة الإسكان في القاهرة الجديدة في صمت من منطقة لاستقبال الزيادة السكانية الشعبية في القاهرة إلى تخصيص مساحات واسعة لفيلات وقصور وعمارات الموسرين، وبالتالي لن تستوعب القاهرة الجديدة مليونين وربع المليون كما كان المستهدف، بل ربما اقتصرت على ربع هذا العدد. راجع: أبو زيد راجح، رئيس الهيئة العامة لبحوث الإسكان والبناء والتخطيط العمراني سابقًا، عن العمران في القاهرة في مجلة الكتب وجهات نظر الشهرية القاهرية عدد نوفمبر ٢٠٠٠ ص٥٨–٦١.
٨  كان التخطيط في بناء مدينة السادات أن تصبح المقر الرسمي للحكومة المصرية كخطوة نحو نقل العاصمة السياسية من القاهرة. ولكن نقل موظفي بعض الوزارات، وبخاصة وزارة التعمير، لقي معارضة شديدة علنية وغير علنية (سياسة المقاومة السلبية)؛ مما أدى — إضافة إلى متغيرات سياسية أخرى بعد رحيل السادات — إلى التغاضي عن مشروع نقل العاصمة، ثم ضُمَّت مؤخرًا إلى محافظة المنوفية التي استفادت من المباني الكثيرة الفارغة في تحويل بعض كليات جامعة المنوفية إليها.
٩  الأرقام مجمعة عن «قمة المدن» لوزارة الإسكان ١٩٩٦ سابق الذكر — صفحات متعددة، وهناك في الحقيقة تضارب كبير في قيمة الأرقام داخل المصدر نفسه. على سبيل المثال عدد المصانع المنتجة هي ١٠٩٠ في صفحة و١٥٠٦ في مكان آخر من نفس المصدر، ورأس المال المدفوع في المصانع المنتجة ٤ مليارات في مكان و١١ مليارًا في مكان آخر، وقيمة الإنتاج ٤٫٨ مليارات و١٧ مليارًا، وقس على هذا بقية الأرقام. فأيها نصدق؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠