الفصل الرابع

القاهرة والناس

سكان أي مدينة هم الذين يطبعون المدينة بميزات وخصائص معينة، مثل أن تكون عاصمة إقليمية أو قومية أو تكون مدينة ذات طابع حربي أو ميناء عسكري، ولكنها في كل الحالات تجمع الوظيفة التجارية جنبًا إلى جنب مع وظيفتها الأولى، وفي الفصول السابقة عالجنا مجموعة هياكل القاهرة في المكان والزمان، وآن لنا أن نكسي الهيكل بالنسيج الحي؛ وهو الإنسان ساكن المدينة.

وموضوع الإنسان متشعب نتناوله أعدادًا ومجتمعًا واقتصادًا وسياسة. وسوف نتناول الموضوع السكاني بشكل أساسي، مع إشارات لصفة أو أخرى حسب السياق والمقتضى.

ويشمل موضوع السكان عدة نواحٍ على رأسها العدد الكلي والتوزيع المكاني لأعداد السكان داخل المدينة، وحركتهم من حي لآخر لإنشاء سكن جديد، ويشمل أيضًا خصائص السكان الديموجرافية كتقسيم الجنس والفئات العمرية، ودرجة النمو، ودرجة التزاحم وكثافتهم، وغير ذلك كثير، وعلى رأسه نسب الأمية.

(١) عدد السكان وتطوره

من السهل الحصول على عدد سكان القاهرة في قرن من الزمان أو أكثر سواء كان العدد تقديري أو إحصائي، والنوع الأول نحصل عليه من كتابات الكتاب والرحالة القدامى، بينما أرقام النوع الثاني مصادرها: التقارير الرسمية السنوية، والتعدادات العشر سنوية التي تصدرها أجهزة حكومية مسئولة. وأول تعداد رسمي في مصر كان عام ١٨٨٢ وتوالت التعدادات بعد ذلك في ١٨٩٧، ثم كل عشر سنوات باستثناء ظروف محلية أدت إلى تعداد ١٩٦٠ وبعد ذلك عاد التعداد إلى ١٩٦٦، وكل عقد بعده إلى آخر تعداد في ١٩٩٦.

أما التقديرات السابقة على التعدادات فمصادرها كثيرة، نذكر من أهمها: تقدير «الحسن ابن الوزان» — ليون الإفريقي — في عام ١٥٢٢، وتقدير «جومار» أحد علماء الحملة الفرنسية في آخر القرن ١٨. وقام «كليرجيه» بمجهود مشكور في جمع وتحقيق التقديرات السكانية للقاهرة من ١٤٠٠ إلى ١٨٠٠ بشيء كثير من الدقة واعتمادًا على كتابات تاريخية سابقة،١ وهو ما سنأخذ به لتلك الفترة، بالإضافة إلى نتائج التعدادات المختلفة.
جدول ٤-١: تقديرات وتعدادات سكان القاهرة من ١٤٠٠ إلى ١٩٩٦ (بالألف).
السنة تقدير السكان السنة تقدير السكان السنة تقدير السكان
١٤٠٠ ٦٢٥ ١٨٨٢ ٤٠٢ ١٩٦٠ ٣٣٤٩
١٥٥٠ ٤٣٥ ١٩٠٧ ٦٧٩ ١٩٦٦ ٤٢٢٠
١٨٠٠ ٢٤٥ ١٩٢٧ ١٠٦٥ ١٩٧٦ ٥٠٨٤
١٩٤٧ ٢٠٩٠ ١٩٨٦ ٦٠٦٨
١٩٩٦ ٦٧٨٩
واضح من تقديرات السكان في القرون ١٥–١٨ أن هناك تدهورًا في عدد سكان القاهرة، وربما كان ذلك ناجمًا عن تضخم تقدير سنة ١٤٠٠، ولكن لا شك أن عدد السكان قد هبط بعد الاحتلال العثماني وسقوط دولة المماليك وانهيار كبير في تجارة الترانزيت من المحيط الهندي بعد أن استولى الأوروبيون عليها باكتشاف طريق الدوران حول أفريقيا. وقد أورد «الوزان» تقدير عدد الأسر في معظم أحياء القاهرة عام ١٥٢٢ فكان نحو ٣٠٥٠٠ أسرة، وإذا كان عدد أفراد الأسرة في ذلك الحين نحو تسعة أفراد — بإضافة الخدم والرقيق — فمعنى ذلك أن سكان معظم أحياء القاهرة كان تقديرًا نحو ٢٧٥ ألفًا، يجب أن نضيف إليهم عددًا آخر، هم سكان جنوب القاهرة: «طولون والسيدة ومصر عتيقة»، بما يوازي نحو عشر الرقم السابق، فيصبح لدينا ٣٠٠ ألف أو نحوه هم سكان القاهرة في الفترة التي تلت دخول العثمانيين مباشرة، وهو رقم مقبول يصح البدء به كتقدير لسكان القاهرة في القرن السادس عشر بدلًا من ٤٥٠ ألفًا الواردة في الجدول ٤-١، وفي القرنين التاليين حدث تدهور لعدد سكان القاهرة نتيجة الظروف الاقتصادية والأمنية المتدهورة كما أسلفنا في الفصل الثالث.

ونتيجة للنظام الجديد والنمو الاقتصادي منذ عصر علي إلى الآن؛ نرى سكان العاصمة في ازدياد مستمر، من نحو نصف مليون إلى نحو سبعة ملايين في الوقت الحاضر؛ أي تضاعف العدد نحو ١٤ مرة في نحو قرن من الزمان (٧١٦٢٠٠٠ نسمة في يناير ٢٠٠٠).

قرن من تطور سكان مصر ١٨٩٧–١٩٩٦، والنسبة المئوية لسكان القاهرة إلى مجموع سكان مصر

شكل ٤-١
ولا شك أن النمو كان بطيئًا في أواسط فترة حكم محمد علي، ولكنها تحسنت تدريجيًّا مع نمو الاقتصاد الزراعي بصفة خاصة، واستتباب الأمن. واستمر التحسن في عهد إسماعيل برغم الاضطراب المالي، وكان هذا تمهيدًا ثابتًا لاطراد النمو السكاني المصري والقاهري، بحيث إنه ارتفع إلى ٢٫٨٪ سنويًّا للقاهرة لمدة ربع قرن من ١٨٨٢ إلى ١٩٠٧. ويوضح منحنى الانحدار اللوغرتمي في الشكل ٤-٢ أن هذا الارتفاع في أعداد السكان بنسبة عالية أخذت تهبط تدريجيًّا فيما بعد. ثم تضاعف مرتين في الفترة ١٩٢٧–١٩٤٧، وبلغ أقصاه في الفترة ١٩٤٧–١٩٦٦؛ حيث بلغ نحو ٥٪ سنويًّا، وأخذت نسبة النمو في الهبوط السريع إلى ٢٪ في ١٩٧٦، وأخيرًا هبطت إلى ١٫٢٪ سنويًّا في عقد التسعينيات.

نمو سكان القاهرة في قرن

شكل ٤-٢: يمثل المنحنى نقاط عدد السكان منحنى انحدار لوغارتمي Log regression.
وهذا الشكل من النمو هو أمر منطقي في مدينة تجدد نفسها؛ تبدأ بنمو بطيء ثم تبلغ ذروتها في منتصف الفترة التي تقع تحت الدراسة، وأخيرًا تنتهي بانخفاض كبير بعد أن تشبعت المدينة سكانًا حتى ضاقت بهم، وقد وقعت ذروة النمو في أواخر الخمسينيات وكل الستينيات بالتوافق مع إقامة مشروعات تنموية متعددة على رأسها تحويل منطقة حلوان إلى نطاق صناعي كثيف، ومضاعفة إنتاج الكهرباء من محطات حرارية متعددة وكهرباء السد العالي؛ مما ساعد على إنشاء صناعات كهربية عديدة في مناطق متفرقة حول القاهرة وداخلها من شبرا الخيمة إلى ألماظة ودار السلام، وترتب على ذلك التحول الصناعي٢ هجرة متزايدة إلى القاهرة ونمو سكان الأطراف بالقياس إلى قلب المدينة كما سنوضح فيما بعد.
الشكل ٤-١ و٤-٢ يعطينا صورة متفائلة عن إشكالية القاهرة والسكان. فالنمو قد تباطأ كثيرًا الآن بالقياس إلى جيل سابق، ولكن إذا كانت محافظة القاهرة قد حدث فيها ذلك التباطؤ، فإنه إنما حدث لثلاثة أسباب متفاعلة معًا:
  • (١)

    تطور توزيع الكتل السكانية في نصف قرن – نسب مئوية

    شكل ٤-٣: + القاهرة الكبرى = القاهرة + الجيزة + القليوبية.

    السواحل الشمالية = الاسكندرية = دمياط + محافظات القناة.

    الدلتا = كل الدلتا عدا دمياط والإسماعيلية. الصعيد ابتدءًا من بني سويف.

    شكل ٤-٤ تطور مكونات القاهرة الكبرى ١٩٤٧–١٩٨٦–١٩٩٦ محافظة القاهرة ومدينة الجيزة وشبرا الخيمة

    شكل ٤-٤: سكان القاهرة الكبرى.
    محافظة القاهرة قد تشبعت سكنًا وسكانًا بما لا مزيد عليه بشكلها الحالي، بحيث لا يوجد متسعات لسكان وعمران جديد، ولكنها يمكن أن تستوعب وتتحسن أحوالها السكنية والسكانية بإعادة تخطيط وتجديد الأحياء القديمة أو ما يسمى اصطلاحيًّا ﺑ «التجديد العمراني للمدينة Urban renewal» على سبيل المثال هجرة الوزارات من منطقة لاظ أوغلي التقليدية سوف تترك مساحات كبيرة، فهل تباع أرضها للمضاربين على الأرض أم يعاد رسم خطوط التنظيم فيها، وتصبح جزئيًّا حدائق وملاعب يحتاجها بشدة سكان عابدين والسيدة زينب؟ وبالمثل ففي أعماق السيدة والحلمية والخليفة والدرب الأحمر وباب الشعرية وروض الفرج والشرابية شوارع تحتاج للتحديث يسهلها وجود بيوت تهالكت، ويؤدي انهيارها من حين لآخر إلى ضحايا كثيرة؛ لأن البيوت مسكونة بكثافة، وأبنيتها متلاصقة بحيث إن انهيار إحداها كثيرًا ما يؤدي إلى انهيار البيت المجاور أو يهدده بالانهيار.

    ومثل هذا التجديد العمراني الملتزم بخطوط تنظيم جديدة سوف يرفع قيمة الأراضي الداخلية في القاهرة ويساعد على بناء حديث أكثر التزامًا بالشروط الصحية، وأكثر انتفاعًا بخدمات البنية الأساسية مما هو عليه الوضع الحالي المتصف بالفقر والتكدس الآدمي.

  • (٢)
    محافظة القاهرة ليست جزيرة منعزلة؛ بل هي جزء لا يتجزأ منذ الستينيات بما تسميه الجهات المسئولة باسم: «القاهرة الكبرى»، التي تمتد عبر النيل إلى بر الجيزة وإمبابة وما بينهما وإلى شبرا الخيمة التي بدأت تظهر كضاحية صناعية عمرانية صغيرة للقاهرة منذ أواسط الثلاثينيات. فالنمو السكاني في القاهرة كان يجد له منافذ جديدة في الغرب والشمال بحيث أصبحت هذه المناطق أسرع نموًّا من محافظة القاهرة منذ عقد الستينيات، ويوضح شكلي ٤-٣ و٤-٤ كيف أن للقاهرة الكبرى مفهومين؛ أولهما: أنها تتركب من مجمل محافظات ثلاث، هي: القاهرة والجيزة والقليوبية، والثاني: أنها تتشكل من محافظة القاهرة ومدينة الجيزة بضواحيها وقسمي شبرا الخيمة أول وثان، وفي الحالتين نجد اطرادًا في الزيادة السكانية بتأثير النمو الداخلي والهجرة. فحسب المفهوم الأول زادت نسبة سكان القاهرة الكبرى في نصف قرن إلى نحو ربع سكان الجمهورية، وتناقصت نسبة سكان الريف في الدلتا والصعيد من ٧٢٪ إلى ٦٤٪ مقابل زيادة محسوسة بمقدار نحو ٣٪ في سكان السواحل. فالهجرة إلى المدن، وبخاصة القاهرة الكبرى شيء واضح نتيجةً لظروف كثيرة معروفة، وسبقت الإشارة إليها.
    ويؤكد شكل ٤-٤ تراجع نسبة سكان القاهرة إلى مجموع مكونات القاهرة الكبرى، من ٨٢٪ عام ١٩٢٧ إلى نحو ٦٩٪ فقط في الوقت الحاضر، بينما تضاعفت نسبة سكان مدينة الجيزة وشبرا الخيمة من نحو ١٨٪ إلى ٣١٪، وهذا مؤشر على أن الجيزة وشبرا تستقبلان عددًا وفيرًا من سكان الريف المجاور والريف البعيد، ودليل ذلك تقسيم مركز شبرا الخيمة إلى قسمين، وزيادة أقسام مدينة الجيزة من أربعة أقسام عام ١٩٦٦: الجيزة والهرم والدقي وإمبابة، إلى سبعة أقسام إدارية — بزيادة العجوزة وبولاق الدكرور والعمرانية — لكي تتعامل الإدارة مع العدد المتنامي بسرعة من السكان.

    ومجموع سكان القاهرة الكبرى حسب المفهوم الأول — المحافظات الثلاث — يبلغ نحو ١٤٫٨ مليون شخص، بينما هو قريب من عشرة ملايين حسب المفهوم الثاني، وتأخذ كثير من الجهات الحكومية والتخطيطية والإعلامية بالرقم الأكبر دلالة على ضخامة القاهرة الكبرى، بينما هو في الواقع مبالغة كبيرة؛ لأنه يضم كل ريف وحضر محافظتي الجيزة والقليوبية. صحيح أنهم يقعون في الظل المباشر لكتلة القاهرة الكبرى العمرانية، ولكنهم ليسوا جزءًا منها. أما رقم الملايين العشرة: فهو أقرب إلى الحقيقة وإن كان يزيد بنحو ما يتراوح بين نصف مليون وثلاثة أرباع المليون الذين يتحركون إلى القاهرة نهارًا ويعودون مساء في صورة الحركة اليومية المعهودة في غالب مدن العالم والمدن المصرية.

  • (٣)

    المدن التوابع للقاهرة سوف تصبح في حالة اكتمالها منافذ أخرى لسكان القاهرة في الشرق والغرب، والنموذج الجيد هو نمو مدينة السلام التي تضاعف سكانها في عقد التسعينيات من ١٤٠ ألفًا سنة ١٩٨٦ إلى ٣٦٦ ألفًا عام ١٩٩٦، وبالمثل نما سكان ١٥ مايو من ٢٥ ألفًا إلى ٦٥ ألفًا في نفس الفترة، ومدينة السلام هي المتنفس المكاني في شمال شرق القاهرة، بينما ١٥ مايو هي استجابة للنمو الكبير لسكان المنطقة الصناعية حلوان-التبين. فهل يؤدي الضغط السكاني في القاهرة إلى تكرار نموذج السلام أو مايو في عقد تالٍ بالنسبة للمدن العديدة كالشروق والقاهرة الجديدة و٦ أكتوبر؟

(٢) القاهرة الكبرى

سكان القاهرة الكبرى أعوام ١٩٢٧ و١٩٤٧ و١٩٨٦ و١٩٩٦

شكل ٤-٥

إذا كان سكان محافظة القاهرة قد بلغ قرابة سبعة ملايين في قرن، فإن سكان مدينة الجيزة وضواحيها الشمالية إلى إمبابة والغربية إلى الهرم قد زادت بسرعة تفوق القاهرة بكثير. فقد ارتفع عدد السكان من ٦٠٠ ألف عام ١٩٦٦ إلى قرابة مليونين وربع المليون عام ١٩٩٦؛ أي زادوا بمقدر ٣٧٥٪ في ثلاثين سنة، وفي الفترة الإحصائية ١٩٨٦–١٩٩٦ كانت الزيادة السكانية في محافظة القاهرة بمقدار ١١٫٩٪ بينما كانت في محافظة الجيزة ككل ٢٨٫٢٪، أما النمو في مركز الجيزة فقد ارتفع إلى ٣٩٫٧٪ لنفس الفترة، أو ما يعادل قرابة ثلاثة أضعاف ونصف قدر القاهرة، وكذلك نما سكان شبرا الخيمة بنسبة ٢٢٪ في نفس الفترة.

يضم الشمال أقسام: شبرا الخيمة والساحل والزاوية الحمراء والشرابية وشبرا وروض الفرج. الشمال الشرقي يضم أقسام: حدائق القبة والزيتون والمطرية وعين شمس والمرج. الشرق يشمل أقسام: مدينة السلام والنزهة ومصر الجديدة ومدينة نصر ومنشأة ناصر. الوسط يشمل أقسام: الوايلي والظاهر وباب الشعرية والجمالية والدرب الأحمر والخليفة والسيدة زينب وعابدين والموسكي والأزبكية وبولاق وقصر النيل والزمالك. الجنوب يضم أقسام: مصر القديمة والبساتين-دار السلام والمعادي وطرة وحلوان و١٥ مايو والتبين. الغرب يشمل: إمبابة والعجوزة والدقي والجيزة وبولاق الدكرور والعمرانية والهرم.

وهناك مجموعة من الحقائق التي تظهر في شكل ٤-٥ موجزها في الآتي:
  • (١)

    انقلاب حاسم في سكان القاهرة المركزية المرموز لها في الشكل بالوسط، من سيطرة على مجمل السكان حتى ١٩٤٧ إلى قلة واضحة بالنسبة للأطراف. فقد انخفضت مساهمتها في سكان القاهرة من ٧٦٪ عام ١٩٢٧ إلى ٦٦٪ لعام ٤٧ إلى ٢١٪ عام ٨٦ وإلى ١٥٪ فقط عام ١٩٩٦، وليس معنى هذا انخفاض العدد الفعلي لسكان وسط القاهرة، بل هم زادوا بنحو مرة ونصف المرة في الفترات التعدادية المذكورة، لكنها زيادة لا تقارن بالأطراف.

  • (٢)

    نما سكان شمال القاهرة من نسبة ١٥٪ عام ٢٧ إلى ٣١٪ عام ٨٦ ثم انخفضت النسبة إلى ٢٦٪، ويبدو أن الانخفاض نتيجة عاملين؛ أولهما: تشبع المنطقة الشمالية بما لا مزيد عليه لدرجة هجرة بعض سكانه إلى مناطق أخرى من القاهرة الكبرى، والعامل الثاني: النمو المتلاحق لسكان منطقتي الشمال الشرقي والجنوب حيث متسعات مكانية وأنشطة اقتصادية أوفر من النطاق الشمالي.

  • (٣)

    تزايد سكان منطقة الغرب — لأسباب سبق ذكرها — حتى أصبحت هي المنطقة الأولى عددًا ونسبة من بين سكان القاهرة الكبرى. فقد كانت وحدها تشكل نحو ربع السكان عام ١٩٩٦.

(٣) تغير الأقسام الإدارية

إن أحد أهم المصاعب في دراسة التغيرات السكانية عددًا ونوعًا وكثافة في مدينة ما هو تغير أقسامها الإدارية مرة أو مرات متعددة، وهذا هو ما حدث في القاهرة، سواء في ذلك أقسام محافظة القاهرة أو أقسام مدينة الجيزة وشبرا الخيمة.

في تعداد ١٨٨٢ كان بالقاهرة ١٢ قسمًا، وقبل ذلك كانت القاهرة مقسمة إلى أثمان، وهي جمع ثُمن ( ) بما يعني أن القاهرة كانت تضم ثمانية أقسام على الأقل منذ عصر محمد علي، وفي ١٩٩٦ أصبح هناك ٣٧ قسمًا في محافظة القاهرة بالإضافة إلى قسمين في شبرا الخيمة وسبعة أقسام في مدينة الجيزة، وبعبارة أخرى: تنقسم القاهرة الكبرى إلى ٤٦ قسمًا ربما تزيد فيما بعد، وبخاصة في الشرق، تلبية للتنمية الجارية تحت مسمى القاهرة الجديدة.

لقد ظلت الأقسام الوسطى القديمة في القاهرة دون تغيير باستثناء تقسيم عابدين إلى قسمين؛ هما: عابدين وقصر النيل الذي انقسم بدوره إلى قصر النيل والزمالك، وكذلك تكوَّن قسم الظاهر من أجزاء من باب الشعرية والأزبكية والوايلي. أما أقسام الأطراف فهي التي أخذت الإدارة في تقسيمها، وإعادة تخطيطها في الفترات الزمنية المختلفة؛ نتيجة لنمو أعداد السكان والهجرة الداخلية من القلب إلى الأطراف، ولقد بدأ تكوين أقسام جديدة من تعداد ١٩٦٦ انسلاخًا من أقسام أطراف القاهرة. مثلًا: تكوَّن قسم المعادي من مصر القديمة، وتكوَّن قسم الساحل من روض الفرج، وقسم المطرية من الزيتون، وتكوَّن الدقي والأهرام من إمبابة والجيزة.

وفي تعداد ١٩٨٦ تشكَّلت معظم أقسام القاهرة الكبرى الحالية بالتقسيم أو الإضافة، بينما كان التغيير طفيفًا في ١٩٩٦ بتكوين قسم طرة وتقسيم مدينة نصر وشبرا الخيمة إلى أول وثان، وتتبع القائمة الآتية تاريخ تكوين الأقسام الإدارية في القاهرة، كما توضح الخريطة ٤-٦ أقسام القاهرة الكبرى بين ١٩٦٦ و١٩٩٦.
fig44
شكل ٤-٦: تغير حدود وعدد أقسام القاهرة الكبرى بين ١٩٦٦و١٩٩٦.
جدول : تطور الأقسام الإدارية للقاهرة الكبرى في قرن.
١٨٨٢ ١٩٢٧ ١٩٤٧ ١٩٦٦ ١٩٨٦ ١٩٩٦
الجمالية الجمالية الجمالية الجمالية الجمالية الجمالية
الدرب الأحمر الدرب الأحمر الدرب الأحمر الدرب الأحمر الدرب الأحمر الدرب الأحمر
الخليفة الخليفة الخليفة الخليفة الخليفة الخليفة
البساتين البساتين
السيدة زينب السيدة زينب السيدة زينب السيدة زينب السيدة زينب السيدة زينب
عابدين عابدين عابدين عابدين عابدين عابدين
قصر النيل قصر النيل قصر النيل
الزمالك الزمالك
الموسكي الموسكي الموسكي الموسكي الموسكي الموسكي
باب الشعرية باب الشعرية باب الشعرية باب الشعرية باب الشعرية باب الشعرية
الظاهر الظاهر الظاهر
الأزبكية الأزبكية الأزبكية الأزبكية الأزبكية الأزبكية
بولاق بولاق بولاق بولاق بولاق بولاق
شبرا شبرا شبرا شبرا شبرا شبرا
روض الفرج روض الفرج روض الفرج روض الفرج
الساحل الساحل الساحل
الشرابية الشرابية
ترعة البولاقية
زاوية الحمراء زاوية الحمراء
شبرا الخيمة شبرا الخيمة
شبرا الخيمة (٢)
الوايلي الوايلي الوايلي الوايلي الوايلي
مصر الجديدة مصر الجديدة مصر الجديدة مصر الجديدة
الزيتون الزيتون الزيتون
المطرية المطرية المطرية
النزهة النزهة
عين شمس عين شمس
المرج المرج
السلام السلام
حدائق القبة حدائق القبة
مدينة نصر م. نصر أول
م. نصر ثان
منشأة ناصر منشأة ناصر
مصر القديمة مصر القديمة مصر القديمة مصر القديمة مصر القديمة مصر القديمة
المعادي المعادي المعادي
طرة
حلوان حلوان حلوان
١٥ مايو ١٥ مايو
التبين التبين
إمبابة إمبابة إمبابة إمبابة إمبابة إمبابة
الدقي الدقي الدقي
العجوزة العجوزة
الجيزة الجيزة الجيزة الجيزة الجيزة الجيزة
بولاق الدكرور بولاق الدكرور
الأهرام الأهرام الأهرام
العمرانية العمرانية

(٤) حركة السكان بين الأقسام

تطور سكان بعض أقسام القاهرة في نصف قرن ١٩٤٧–١٩٩٦

شكل ٤-٧

وبرغم هذه المصاعب فإنه يمكن تبين المتغيرات العددية التي حدثت في أقسام القاهرة خلال شرائح زمنية: في أقسام القاهرة المركزية تظهر المتغيرات العددية على طول فترات التعدادات، بينما يقتصر ظهور الأقسام الخارجية على تعدادات أقل كلما اتجهنا إلى الأطراف.

ويوضح الشكل ٤-٧ كيف أن معظم الأقسام الداخلية في القاهرة المركزية، والتي لم يحدث فيها تغيير إداري إلا في أضيق الحدود، قد تناقص سكانها بنسب مختلفة خلال نصف قرن؛ نتيجة لزحف نشاطات الأعمال، وارتفاع أسعار الوحدات السكنية، فضلًا عن ضيق مساحة هذه الأقسام؛ مما أدى إلى هجرة السكان خارج هذه الأقسام الوسطى من القاهرة. فعلى سبيل المثال تناقص سكان الجمالية في نصف القرن ٤٧–٩٦ إلى ٥٥٪ فقط من سكان ٤٧. وعلى ذات المنوال تناقص سكان الدرب الأحمر إلى ٦٤٪ من سكانه عام ٤٧، وسكان الأزبكية إلى ٤٠٪ والموسكي إلى ٨٠٪ وباب الشعرية إلى ٤٥٪.

وكان أكبر تناقص هو في بولاق؛ حيث هبط سكان ٩٦ إلى نحو ٣٢٪ من عدد سكانه عام ١٩٤٧، ولا شك في أن هبوط سكان بولاق راجع إلى أنه يحتل واجهة طويلة على ضفة النيل؛ مما جعلها مطمحًا لإقامة الأبنية الإدارية والحكومية والفندقية والأسواق الكبرى.

ولكن ذلك لم يكن كل مسببات تناقص سكان بولاق. فقد بدأ تفكك الجانب الشرقي من بولاق على طول واجهة شارع الجلاء من ميدان عبد المنعم رياض إلى ميدان رمسيس بكل الأبنية الحديثة، وبخاصة مباني جريدتي الأهرام والأخبار، فضلًا عن الأبنية النقابية والمستشفيات الكبيرة والفنادق؛ وترتب على ذلك غزو بولاق من الشرق والغرب والجنوب، وبدأت عشش الشيخ علي والترجمان وأسواق القاهرة التقليدية خلف واجهة النيل تتهاوى أمام الزحف الجديد، وبخاصة وكالة البلح التي أخذت في التراجع النسبي، وكان لنقل سوق الجملة في روض الفرج إلى العبور وغيره من الأسواق والأماكن التقليدية صدًى كبير في بولاق. إنه قد آن الأوان لتُخلي بولاق نشاطها التجاري التقليدي أمام أنشطة أخرى حديثة، وآخر هذا الغزو مشروع تحويل الترجمان إلى محطة مركزية للنقل البري، ولنا على ذلك اعتراضات سوف نوردها في فصل قادم.

نمو سكان أقسام القاهرة الخارجية في تعدادي ١٩٨٦ و١٩٩٦

شكل ٤-٨

وعلى هذا النحو يمكن تفسير تراجع أعداد السكان في أقسام القاهرة المركزية كهبوط سكان السيدة زينب إلى ٨٠٪؛ نتيجة لعوامل كثيرة نفرد منها: تهالك وقدم الأبنية وهجرة بعض الوزارات من لاظ أوغلي والدواوين إلى العباسية ومدينة نصر وإمبابة، وكذلك هبوط سكان باب الشعرية والجمالية راجع — من بين أسباب أخرى — إلى تحول أبنية سكنية إلى مشاغل ومعامل حرفية.

أما الأقسام التي زاد عدد سكانها في الشكل ٤-٧ فترجع في الأساس إلى أنها كانت تشغل مساحات كبيرة في الواجهات التي تنمو فيها القاهرة؛ مما دعا إلى تقسيمها إلى أقسام عديدة، فمثلًا كانت مصر الجديدة عام ٤٧ تضم كل المساحة التي تشغلها الآن أقسام مصر الجديدة والنزهة والزيتون والمطرية وعين شمس. والوايلي ٤٧ انقسمت إلى الوايلي وحدائق القبة. وشبرا إلى شبرا والشرابية والزاوية الحمراء وجزء من الساحل الذي كان ضمن قسم روض الفرج. ومصر القديمة انقسمت إلى البساتين-دار السلام والمعادي وطرة. وحتى عابدين ذي المساحة الصغيرة وسط البلد انقسم إلى عابدين وقصر النيل والزمالك (راجع خريطة ٤-٦).
ولهذا فإن أعداد السكان في هذه الأقسام قد زادت على نحو ما يعبر عنه المنحنى اللوغرتمي في الشكل إذا ضمنا كل الأقسام التي تفرعت عن القسم الأم. أما القسم الأم في هذه المجموعة فقد هبط عدد سكانه كما يتضح من منحنى سكان ١٩٩٦؛ نتيجة تفرق السكان والهجرة الداخلية من وسط القاهرة، والهجرة من خارج القاهرة التي تجد في أقسام الأطراف متسعًا لإقامة مساكن رخيصة للسكن الفقير والطفيلي معًا، وتزداد هذه الحقائق تأكيدًا بتأمل شكلي ٤-٨ و٤-٩ بما لا يحتاج إلى مزيد.

(٥) تكاثف السكان

من الأرقام والأشكال السابقة لا بد وأن صورة تكاثف وتركز سكان القاهرة قد اعترتها تغييرات مستمرة على طول تاريخ القاهرة الطويل. ففي منتصف القرن ١٦ كان تركيز سكان القاهرة في المنطقة الشرقية من القاهرة المركزية — أي في المناطق التي يحتلها الآن أقسام الجمالية والدرب الأحمر وباب الشعرية، وأجزاء من أقسام الخليفة والموسكي والظاهر وعابدين — واستمر هذا الوضع إلى نحو منتصف القرن ١٩ بعد التوسع العمراني غربًا إلى ما نعرفه باسم قاهرة إسماعيل، فانتشر السكان بأعداد متقاربة بين القاهرتين القديمة والجديدة، ولتأكيد ذلك كان سكان القاهرة القديمة أكثر من ٩٠٪ من مجموع العام في تقديرات ١٥٥٠ و١٨٠٠. وعند أول تعداد في عام ١٩٨٢ أصبح سكان القاهرة القديمة يشكلون نحو ٣٧٪ وقاهرة إسماعيل نحو ٥٥٪ والباقي موزع بين بدايات العباسية وشبرا. وفي ١٩٢٧ هبطت مساهمة المنطقة القديمة الشرقية والمنطقة الغربية إلى ٣١٪ و٤٨٪ على التوالي، في حين ارتفع عدد سكان الأطراف إلى نحو ١٥٪ من المجموع الكلي لسكان القاهرة.

النسبة المئوية لزيادة ونقص السكان في أقسام القاهرة الكبرى ٨٦–١٩٩٦

شكل ٤-٩: تكاثف السكان

ويمكن أن نعتبر ١٩٤٧ بداية النمط السكاني المعاصر للقاهرة. فقد هبطت المنطقة الشرقية إلى ٢٢٪ والغربية إلى ٣٧٪ بينما توزع ٤١٪ من السكان على بقية الأطراف، وحظي شمال القاهرة بنحو ١٩٪ والشمال شرقي نحو ١٠٪ والشرق ٧٪ والجنوب ٥٪، واستمر هذا النمط في تعداد ١٩٨٦ حيث هبط وسط القاهرة شرقه وغربه إلى ١٧٪ وارتفع سكان الشمال إلى ٢٢٪ والشمال الشرقي إلى ٣١٪ والشرق إلى ٩٪ والجنوب إلى ٢١٪، وعلى هذا نجد نمو سكان أحياء الشمال الشرقي فاقت كل أحياء القاهرة في نمو شديد السرعة، بينما كان نمو أحياء الشمال قد تباطأ مقابل نمو متسارع في أحياء الجنوب.

وفي ١٩٩٦ تضاعفت هذه الصورة من حيث استمرار هبوط نسبة وعدد سكان الوسط إلى ١٢٪ فقط، وهبوط محسوس في سكان الشمال على ١٧٪ مما يدل على أن أقسام الوسط والشمال أصبحت طاردة للسكان نتيجة التشبع الشديد. أما الشمال الشرقي فقد واصل ارتفاعه إلى نسبة نحو ٣٣٪ وأصبح بذلك أكبر مناطق محافظة القاهرة سكانًا واقترب كثيرًا من مجموع سكان كل أقسام غرب القاهرة من إمبابة إلى الجيزة والهرم. وواصلت أقسام الشرق والجنوب نموها السكاني فبلغت النسبة نحو ١٣٪ و٢٤٪ على التوالي.

ويؤكد الشكل ٤-١٠ هذه الدينامية في حركة السكان داخل محافظة القاهرة في قرون أربعة، بحيث يوضح بجلاء كيف انتقل الثقل السكاني القاهري من الوسط إلى الشمال، وأخيرًا التوزيع شبه العادل بين الشمال الشرقي والشمال والجنوب وإسهامات متنامية في الشرق.

حركة السكان داخل القاهرة في أربعة قرون

شكل ٤-١٠

تحسب كثافة السكان على معيارين؛ أولهما: عدد الأفراد في الكيلومتر المربع من المساحة، والثاني: درجة التزاحم التي تقيس عدد الأفراد للغرفة الواحدة، والمعيار الأول يعطي انطباعات بآلاف السكان؛ ولهذا فهو غير محبوب بالنسبة لقياس كثافة المدن، ومع ذلك فهو مفيد في تبين مناطق التركز والتخلخل في الخريطة السكانية لأي مدينة، وبالتالي فهو يستخدم في جميع أغراض التنمية والتحسين الخدمي في المدينة.

أما معيار التزاحم، فهو مفيد في التعرف على مدى التفاوت الاجتماعي والمالي لقدرات السكان؛ فإن كان التزاحم فردًا أو أقل للغرفة دل ذلك فورًا على منسوب حياتي عالٍ، وإن كانت الدرجة فردين أو أكثر للغرفة فهو دال على أننا أمام حيٍّ متوسط أو فقير يتزاحم فيه أفراد أسرة غالبًا كبيرة العدد في وحدة سكنية صغيرة. ويعيب هذا المعيار أن غرف الوحدة السكنية لا يتضح فيها غرف النوم من غرف المعيشة والمنافع الأخرى، ونحن نقف في تعدادات القاهرة أمام مشكلة أخرى: هل كل الوحدات السكنية في منازل مبنية أم يدخل فيها أشكال أخرى من مساكن الإيواء، أو مأوى من مواد هالكة كالعشش وأشكال من السواتر الخشبية والأقمشة من أجل إيجاد خصوصية في حدها الأدنى كما هو الحال في الكثير من أماكن السكن الطفيلي؟ فكيف نحسب التزاحم في مثل هذه الحالات؟

وليس لدينا من تفصيل لمثل هذه الموضوعات، وعلينا أن نكتفي بأرقام تعداد ١٩٩٦ كما يتضح من الشكل ٤-١١ على أنه مجرد مؤشر لمعيار التزاحم في أحياء القاهرة، وبخاصة المناطق العشوائية، مثل: عزبة الهجانة على طريق السويس شمال مدينة نصر أو أحياء الشمال الشرقي.
  • أولًا: ما نلاحظه من الشكل انخفاض درجة التزاحم عن فرد/غرفة في الأزبكية والمعادي وقصر النيل والزمالك والدقي والعجوزة والنزهة، وهذا أمر طبيعي؛ حيث إن سكان هذه الأقسام من الموسرين، أو إنها أقسام يتركز فيها مكاتب أعمال وأطباء ومحلات تجارية وأبنية حكومية كما هو حال قصر النيل والأزبكية.
  • ثانيًا: تتراوح باقي الأقسام بين فرد إلى فردين للغرفة برغم التباين الشديد في التكوين المالي الاجتماعي بين أقسام كمصر الجديدة والمطرية على سبيل المثال، وهو ما يجعلنا نأخذ بحذر شديد هذه الأرقام.
  • ثالثًا: أعلى درجات التزاحم هي حلوان، وإلى جوارها التِّبِّين التي لا تختلف عنها كثيرًا في مضامين الحياة، بل إن في حلوان مدينة سكنية معقولة، بينما تطغى عزب وطفيليات على الشكل العمراني في التبين. فكيف تكون درجة التزاحم في حلوان ٩٫٤ فرد/غرفة، وفي التبين ١٫٢ فرد/غرفة؟
  • رابعًا: إذا قَارَنَّا نسبة الأمية مع التزاحم سوف نجد في غالب الأحوال أمية عالية مقترنة بكثافة عادية عالية كعين شمس والمطرية والزاوية الحمراء ومنشأة ناصر، أو الأقسام شبه الريفية في الجيزة. فكيف لا ترتفع درجة التزاحم في مثل هذه الأحياء؟

(٦) الكثافة السكانية للكيلومتر المربع

ربما كانت الكثافة السكانية إلى الكيلومتر المربع أكثر إيحاء بالأوضاع السكانية في القاهرة الكبرى كما يظهر من شكل ٤-١٢ ومن خريطتي الكثافة ٤-١٣ و٤-١٤ لسنتي ١٩٨٦ و١٩٩٦.

بعض الظواهر السكانية للقاهرة الكبرى ١٩٩٦ نسبة الأمية والتزاحم فرد/غرفة

شكل ٤-١١
في ١٩٦٦ كانت أعلى الكثافات في باب الشعرية؛ حيث بلغت نحو ١٣٠ ألف شخص/كيلومتر مربع، ولعل هذا هو ما دعا إلى أبحاث ميدانية قام بها أساتذة الاجتماع حول هذه الظاهرة، وتلتها كثافة +١٠٠ ألف في روض الفرج، ولكن بعد جيل نرى أن هذه الكثافات شديدة العلو قد انخفضت بدرجات ملحوظة. ففي ١٩٩٦ انخفضت الكثافة في باب الشعرية إلى أقل من نصف قيمتها قبل ٣٠ سنة بحيث بلغت ٦٠ ألف شخص/كم٢.

بعض الظواهر السكانية للقاهرة الكبرى ١٩٩٦

شكل ٤-١٢
وبالمثل هبطت كثافة روض الفرج إلى ٧١ ألف/كم٢، وإن ظلت واحدة من ثلاثة أقسام شديدة التكاثف في القاهرة عام ١٩٩٦، وهي المطرية ٧٦ ألفًا/كم٢ والشرابية ٧٣ ألفًا، إضافةً إلى روض الفرج، والمعنى أنه قد حصلت هجرة للكثافات العالية من وسط القاهرة إلى الشمال والشمال الشرقي بوجه خاص كما نتبينه من خريطة ١٩٩٦: «الشرابية، الزاوية الحمراء وشبرا الخيمة في اتجاه الشمال، وحدائق القبة والزيتون والمطرية وعين شمس في اتجاه الشمال الشرقي». وانخفضت أقسام وسط القاهرة من فئة ٧٥–١٠٠ ألف شخص/كم٢ إلى فئة ٢٥–٥٠ ألفًا، أعلاها السيدة زينب ٤٢ ألفًا والموسكي ٣٦ ألفًا، وأدناها الأزبكية ٢٠ ألفًا والجمالية ٢٤ ألفًا. أما كثافة سكان قسمي قصر النيل والزمالك فقد ظلت في الفئة الدنيا من كثافات القاهرة بقيم ١٠ و٦ آلاف شخص/كم٢ على التوالي.
وفي ١٩٦٦ كانت الأطراف الشمالية التي كانت تمثلها أقسام مصر الجديدة والمطرية وشبرا الخيمة تقع في فئة كثافة أقل من ١٠ آلاف شخص/كم٢، ولم يبق في هذه الفئة سوى مصر الجديدة وما انبثق عنها من أقسام، بينما ارتفعت قيم الكثافة في شبرا الخيمة إلى ٣٤ ألفًا، والمرج والسلام إلى ما بين ١٠ و٢٠ ألفًا. وبقاء الكثافة منخفضة في مصر الجديدة والنزهة ومدينة نصر راجع إلى ضخامة مساحات هذه الأقسام. فالنزهة هي أكبر أقسام القاهرة مساحة وتبلغ قرابة ٦٧كم٢ ومدينة نصر أول وثان ٤٦كم٢، ونضيف إلى ذلك أنهما يضمان أراضيَ صحراويةً شاسعة، والمطارين: الدولي وألماظة، ومساحات كبيرة لأبنية حكومية وعامة وأندية متعددة للقوات المسلحة والأندية الخاصة، وعدد من الصناعات خاصة في مدينة نصر.
وفي ذات الوقت تحولت مصر القديمة والخليفة من فئة كثافة ٥٠–٧٥ ألفًا إلى ٢١ و١٧ ألفًا على التوالي، مقابل نمو مذهل للمنطقة بينهما وبين المعادي — والتي تحولت الآن إلى قسم البساتين/دار السلام — إلى تكاثف سكاني بلغ ٤٧ ألف شخص/كم٢. أما حلوان فقد هبطت برغم زيادة عدد سكانها بسرعة فائقة؛ نتيجة لتوسع مساحة قسم حلوان ومايو والتبين، فانخفضت الكثافة إجمالًا. لكن الدراسة التحليلية سوف تبين كثافات سكانية شديدة الارتفاع في العزب والقرى داخل قسمي حلوان والتبين، فغالب مساحة القسمين مصانع ضخمة وأرض رملية وصخرية خالية.

وإذا كانت محافظة القاهرة قد نمت في كل الاتجاهات الممكنة شمالًا وجنوبًا وشرقًا، فإن الجيزة قد تأخرت كثيرًا عن القاهرة، وإن تسارع نموها بشكل مذهل منذ سبعينيات القرن العشرين، وسبق أن ذكرنا في الفصل الأول أن النمو العمراني غرب النيل بدأ بإنشاء الكباري وشق الطرق منذ نهايات عصر إسماعيل، وما زال إنشاء الكباري مستمرًّا حتى الآن تلبية لعمران البر الغربي، وآخرها المنيب والوراق على الطريق الدائري، وبدأ العمران يمتد على الأرض الزراعية على استحياء بطول طريق الهرم وطريق التحرير إلى الدقي وبولاق الدكرور. ثم نمت مدينة الأوقاف إلى عدة أحياء أشهرها المهندسين والعجوزة، ومن ثم توالت الطرق القاطعة للوادي الزراعي موازية لشارع الهرم شماله وجنوبه، كان آخرها محور ٢٦ يوليو واستكمال الدائري من المنيب إلى الهرم، ولا نشك في أن هذه العملية سوف تستمر من إمبابة وبولاق الدكرور إلى الواجهة الصحراوية شمال الأهرام في اتجاه مدينة ٦ أكتوبر والمدن الأخرى إلى جوارها.

والملاحظ بصفة عامة أن النمو العمراني غرب النيل هو غالبه الأعم سكني بدرجات مختلفة، ولا تتداخل فيها أنشطة أخرى — باستثناء التجارة بأحجامها — كالقاهرة إلا في أقل القليل، وأقرب ما يتشابه مع القاهرة ذلك التداخل الملحوظ في إمبابة بين السكن والأنشطة الحرفية.

fig51
شكل ٤-١٣: كثافة السكان لعام ١٩٦٦ في محافظة القاهرة.
fig52
شكل ٤-١٤: كثافة السكان لعام ١٩٩٦ في محافظة القاهرة.

ونتيجة النمو السريع فإن أقسام الجيزة كلها ذات كثافات عالية القيمة، مع استثناء قسم الدقي الذي تسيطر على أجزاء كثيرة منه أشكال من السكن المترف، وتحول الكثير من الفيلات إلى الأنشطة الطبية والعلاجية، ولا شك في أن التزاحم عالٍ في الأحياء الفقيرة في إمبابة والجيزة الجنوبية والدكرور والقرى الكثيرة في الهرم والعمرانية.

وإذا بعدنا عن متاهات الأرقام في أقسام القاهرة الكبرى فإنه يمكن تلخيص الموقف السكاني إجمالًا على نحو ما يظهر من الجدول الآتي والخريطة ٤-١٥.
ست مناطق تجميعية لإقليم القاهرة الكبرى.
من القاهرة الكبرى الوسط الشمال شمال شرق الشرق الجنوب الغرب
المساحة ٪ ٤٫١ ١٠٫٤ ٩ ٣٦٫٨ ٢٦٫٤ ١٣٫٢
السكان ٪ ٦٫٣ ٢٠٫٥ ١٩٫٦ ١٢٫٥ ١٨٫٦ ٢٢٫٥
الكثافة بالألف ٣٠ ٣٨٫٤ ٤٢٫٢ ٦٫٦ ١٣٫٧ ٣٣٫٢
ويمكن تلخيص نتائج الجدول فيما يلي:
  • (١)

    منطقتا الشمال والجنوب هما مناطق الصناعة الرئيسية في القاهرة الكبرى، وخاصة في شبرا الخيمة وحلوان والتبين؛ مما يؤدي إلى كثافات سكانية عالية متداخلة وسط المصانع، مما يترتب عليه أحزمة فقر شديد مع بعض العشوائيات.

    ويكوِّنان معًا ٣٧٪ من مساحة القاهرة الكبرى و٣٩٪ من سكانها.

    روض الفرج والساحل في الشمال كانت تناظر منطقة أثر النبي في مصر القديمة من حيث الوظيفة التجارية كمواني نهرية للقاهرة، ونفس الظاهرة النهرية هي التي جعلت منهما شرائط تنمية عمرانية حديثة لأبراج إدارية وحكومية وسكنية ومستشفيات شاسعة وفنادق كبيرة على طول الواجهة النيلية من أغا خان إلى بولاق في الشمال، ومن أثر النبي إلى المعادي في الجنوب.

    ولكن خلفهما مباشرة ما زالت أشكال العمران الفقير الكثيف تسيطر على روض الفرج والساحل؛ لتلتحم مع السكن الكثيف والطفيلي في الزاوية الحمراء والشرابية في النطاق التجميعي الشمالي. وعلى الصورة ذاتها نجد في النطاق التجميعي الجنوبي أحزمة من السكان والسكن الفقير خلف الكورنيش من فم الخليج إلى دير النحاس، والإسكان الشعبي من «أبو السعود» إلى المناطق المحيطة بالكنائس والأديرة وجامع عمرو حول شارع حسن الأنور والمدابغ القديمة ودار السلام وإسطبل عنتر والعزب القديمة شمالي المعادي. وتمتد هذه الظاهرة أيضًا جنوب طرة إلى التبين، ومعظمها سكن فقير إلى شديد الفقر، وخاصة في عشوائيات جنوب المعصرة، وعلى طول ترعة الخشاب وفي التبين والمرازيق، والنقاط المضيئة في الجنوب هي السكن متوسط الحال في مدينة حلوان وجامعة حلوان إلى الشمال منها، والسكن المخطط في مدينة ١٥ مايو.

  • (٢)
    fig53
    شكل ٤-١٥: ست مناطق تجميعية لإقليم القاهرة الكبرى.
    المنطقة التجميعية في الشمال الشرقي هي ثاني أصغر قطاعات القاهرة الكبرى بمساحة نحو ٩٪، لكنها تستأثر بحوالي خُمس السكان؛ مما يجعلها أعلى مناطق القاهرة في كثافة السكان. كانت المنطقة تتشكل من سكن الموثرين عند نشأتها في أحياء القبة والزيتون والمطرية، ولكن فيلات وقصور المنطقة تقسَّمت إلى مساكن صغيرة المساحة في الصورة التي سبق ذكرها في الفصل الأول من حيث وجود الظاهرة المعكوسة: ابتلاع السكن الفقير القروي الأصل للسكن الموسر؛ وبذلك أصبحت المنطقة هي الأولى في القاهرة لنطاق الفقر مع نمو هذا النمط على حساب الأرض الزراعية في المطرية وعين شمس والمرج غربًا في اتجاه ترعة الإسماعيلية عند مسطرد، وشمالًا مع خط حديد الضواحي الذي أصبح مسارًا لخط مترو الأنفاق الأول، ومما يزيد كثافة السكن والسكان نشأة منطقة صناعية حرفية في قباء والحرفيين، وعلى طول طريق جسر السويس من عين شمس إلى السلام.
  • (٣)

    منطقتا الشرق والغرب، هما بصورة أساسية مناطق سكنية لكنهما يختلفان. ففي الشرق نمط سكن متوسط إلى موسر في مصر الجديدة والنزهة ومدينة نصر، بينما الغرب يسيطر على غالب سكانه النمط الفقير عدا شرائح كورنيش النيل وسكان قسمي العجوزة والدقي. ويضم الشرق تركُّزًا واضحًا في السكن الطفيلي الصحراوي والجبلي في عزبة الهجانة وعزب منشأة ناصر ووادي الدويقة، بينما السكن الطفيلي في الغرب هو بالأساس سكن ريفي متدهور حيث فقد السكان مهنة الزراعة، وتحولوا إلى أجراء وعمال غير ماهرة. وتتمثل في المنطقتين تجمُّعات واسعة للنشاط التجاري الحديث الذي يمثله أسواق «المول» المجمعة في مصر الجديدة وعباس العقاد وشارع الهرم وبعض شوارع المهندسين. وهذا التحول ناجم عن ضيق الأسواق الأصلية في وسط القاهرة، ووجود رأسمال استثماري في أشكال التجارة الحديثة.

  • (٤)

    وسط القاهرة التي تشكل أقلَّ مناطق القاهرة مساحة وسكانًا لا تزال تنقسم إلى وسط شرق ووسط غرب، ولكل منهما صفات خاصة بين التكوين القديم والحديث، لكنهما معًا يكونان أكبر مناطق الأعمال الحكومية والعامة والخاصة، والتجارة بقسميها: الجملة والقطاعي، ونشاط حرفي في غالبه تقليدي، والملاحظ تناقص السكان عددًا في هجرة إلى مناطق القاهرة الأخرى بالصورة التي أسلفنا الكلام عنها.

مقارنات ديموجرافية واجتماعية لبعض أقسام القاهرة حسب نتائج تعداد ١٩٩٦

شكل ٤-١٦
ويظهر الشكل ٤-١٦ مقارنات ديموجرافية واجتماعية لنماذج من مناطق القاهرة الكبرى، وهو لا يحتاج إلى شرح كثير. باب الشعرية والجمالية يمثلان القاهرة القديمة حيث ترتفع نسبة العاملين إلى +٧٥٪ مع ارتفاع قيمة الأمية إلى نحو ثلث السكان، وانخفاض عدد أفراد الأسرة نتيجة هجرة الأسر الجديدة، وبقاء الأسر القديمة في أحيائها التقليدية. كذلك تتميز الأبنية بارتفاع نسبي لأبنية العمل وأبنية مختلطة للعمل والسكن معًا، وباختصار فالجمالية وباب الشعرية يمثلان بقايا النمط السكني/الحرفي التقليدي، ويمكن أن نضم روض الفرج إلى هذا النموذج مع اختلاف الارتفاع الكبير في نسبة أبنية السكن في روض الفرج، فالأعمال قليلة خاصة بعد انتقال سوق الجملة إلى العبور.

وتشبه حالة قصر النيل الجمالية في كثرة أبنية العمل، وارتفاع نسبة فئة قوة العمل، ولكنها تختلف في ارتفاع كبير لفئة الجامعيين وانخفاض الأمية، وذلك ناجم عن كون قصر النيل هي مركز الأعمال والتجارة الحديثة. ويتشابه الدقي ومدينة نصر في الكثير من المعطيات باعتبار أنهما أحياء سكنية متوسطة إلى موسرة.

أما حالات حلوان والبساتين والمطرية فتشترك في ارتفاع نسبة الأطفال إلى ٣٠٪ أو أكثر.

وانخفاض قوة العاملين، وسيادة أبنية السكن، وقلة واضحة في أبنية الأعمال، وارتفاع نسب الأمية؛ فنحن هنا أمام أحياء كثيفة السكان، وبخاصة الطفيليين.

(٧) بعض مظاهر ديموجرافية

المظاهر الديموجرافية التي تظهر خصائص سكان مدينة أو إقليم ما متعددة، ربما كان من أهمها: نسبة الذكور والإناث في المجتمع، ودرجة الخصوبة التي توضح إمكانيات النمو السكاني إلى النمو الفعلي السنوي، وتركيب المجتمع من الفئات العمرية والهرم السكاني الناجم عن هذا التركيب ودلالاته في النمو والثبات السكاني وتكوين قوة العمل، والخصائص الصحية للمجتمع الناجمة عن دراسة نسب الوفيات العامة، ووفيات الأطفال والرضع بصفة خاصة، ونسبة كبار السن إلى مجموع السكان، وغير ذلك من الأمور التي توضح في مجموعها أداء المجتمع ككائن حي: هل ينمو أم ينكمش؟ هل هو مجتمع صحي أم تشوبه أمراض مزمنة أو متوطنة تقلل أو تقزم طاقته الإنتاجية؟ وفيما يأتي سوف نتناول — قدر المعلومات الرقمية المتاحة — بعضًا من هذه الموضوعات للتعرف بصورة عامة على الشكل الداخلي لمجتمع القاهرة.

(٧-١) تركيب الجنس

مصر من الدول التي تزيد فيها نسبة الذكورة بدرجة محسوسة، وينعكس ذلك على سكان القاهرة التي تبلغ نسبة الذكور فيها ٥١٫٢٪.

المنطقة والإقليم مصر حضر ريف محافظات حضرية محافظات الدلتا محافظات الصعيد محافظات الحدود
٪ ذكور ٥١٫١٧ ٥١٫٢٧ ٥١٫٠٩ ٥١٫٢٣ ٥١٫٠٨ ٥١٫٢٥ ٥٣٫٤
وتختلف أقسام القاهرة اختلافًا محسوسًا فيما بينها في ارتفاع نسبة الذكور عن الإناث كما يتضح من الشكل ٤-١٧. أعلى نسبة ذكور في الوايلي والأزبكية، وأدناها في مصر الجديدة والنزهة. وفوق متوسط القاهرة عدد من الأقسام، هي: التبين وحلوان والموسكي والظاهر والشرابية ومدينة نصر والبساتين والمرج والدقي والأهرام، وأغلبها تتسم بوجود أعمال شتى. وأقل من المتوسط سكان الأقسام التي تمثل أحياء سكنية بالأساس عدا قصر النيل وعابدين؛ حيث تقتضي الأعمال زيادة الإناث العاملات عكس الموسكي، أو ربما عوامل ديموجرافية اجتماعية أخرى تحتاج تفسيرات مطولة يتصدى لها الديموجرافيون.

سكان أقسام القاهرة ١٩٩٦ الذكور والإناث

شكل ٤-١٧

(٧-٢) التركيب العمري لسكان القاهرة

يتميز الهرم السكاني لمصر والقاهرة بسيادة قاعدة كبيرة من صغار العمر، وقمة صغيرة من كبار السن، ويعبر الجدول الآتي عن تركيب فئات العمر المصرية عامي ١٩٨٠ و١٩٩٦ مقارنًا بالقاهرة ١٩٩٦، والواضح أن هناك تغيرًا محسوسًا في هذا التركيب نوجزه في النقاط الآتية:

جدول : فئات العمر الرئيسية لمصر والقاهرة (نسب مئوية).
فئة العمر أقل من ١٥ سنة ١٥–٦٠ سنة أكثر من ٦٠ سنة
مصر ١٩٨٠ ٣٩٫٨ ٥٣٫٦ ٦٫٥٪
مصر ١٩٩٦ ٣٥ ٥٩٫٩ ٥٫١٪
القاهرة ١٩٩٦ ٢٨٫١ ٦٦ ٥٫٩٪
  • (١)

    قاعدة الهرم المتكوَّنة من صغار السن آخذة في الانكماش بين ١٩٨٠ و١٩٩٦، وهذه علامة جيدة حيث إن نسبة الإنجاب قد بدأت تقل إلى معدلات معقولة. فقد انخفضت الخصوبة لدى النساء — معدل رقمي — من خمسة أطفال عام ١٩٨٢ إلى نحو ٣٫٩ طفل عام ٩٢، وإلى ٣٫٤ طفل متوسط أواسط التسعينيات، ومعنى ذلك: أن الوعي بتنظيم الأسرة قد أخذ مسارًا فعليًّا بوجه خاص في سكان الحضر الذين يشكلون نحو ٤٥٪ من سكان مصر، وذلك لأن سكان المدن يواجهون بأعباء حياتية تدعو إلى خفض عدد المواليد.

  • (٢)

    الظاهرة الثانية انخفاض غير مرغوب في نسبة كبار السن، ولعل ذلك مرده إلى سكان المدن أيضًا؛ حيث توترات الحياة والسكن غير الصحي، وتلوث جو المدينة، وسهولة الإصابة بأمراض العصر تساعد على إنقاص هذه الفئة من كبار السن.

  • (٣)

    نسب القاهرة تؤكد فاعلية المدينة الكبيرة في ارتفاع الفئة الوسطى التي هي قوة العمل بمقدار ٦٪ عن متوسط مصر، وانخفاض نسبة صغار السن بمقدار ٧٪، تمشيًا مع ما سبق ذكره من فاعلية تنظيم الأسرة في المدن. ففي مدينة الجيزة، وهي جزء من القاهرة الكبرى، ترتفع نسبة صغار السن عن تلك بالقاهرة بمقدار ٣٫٢٪؛ وذلك لأن مدينة الجيزة تضم مجموعة كبيرة من السكان شبه الريفيين في بولاق الدكرور والعمرانية على سبيل المثال، فهم ريفيون سكنًا وثقافة، ومدنيون بحكم أعمالهم التي لم تعد الزراعة واحدة منها، ويؤكد ذلك انخفاض نسبة متوسطي السن بمقدار ٢٫١٪ عن مثيلهم في محافظة القاهرة.

  • (٤)

    ارتفاع نسبة كبار السن في القاهرة عن معدل مصر راجع إلى كثافة المؤسسات الصحية والعلاجية بصورة لا تصل إليها الإسكندرية، وهي المدينة الثانية في مصر، وللسبب ذاته المذكور في النقطة الثالثة تنخفض نسبة كبار السن في الجيزة إلى ٤٫٨٪.

وفي داخل القاهرة نجد تفاوتًا واضحًا بين سكان الأقسام المختلفة يعبر عنها الشكل ٤-١٨ بما لا يدعو إلى مزيد.

فئات العمر والجنس في بعض أقسام القاهرة الكبرى ١٩٩٦

شكل ٤-١٨: الشريط العرضي ٥٠٫٥ يمثل المتوسط العام للذكور في القاهرة.

فمجموعة الأقسام إلى يسار الشكل ترتفع فيها نسبة صغار السن عن بقية الأقسام؛ فالسكان هنا إما طفيليون يسكنون عشوائيات منشأة ناصر والبساتين/دار السلام وإمبابة، وإما هم من الفقراء والعمال الذين ترتفع فيهم نسب الأمية كالمطرية وحلوان وروض الفرج. وانخفاض نسبة صغار السن في مجموعة الأقسام الوسطى في الشكل غالبًا ترجع إلى هجرة الشباب والأسر الجديدة إلى خارج الأحياء القديمة في السيدة زينب وباب الشعرية والجمالية، ويؤكد ذلك انخفاض نسبة الذكور بالقياس إلى البساتين ومنشأة ناصر وحلوان.

أما مصر الجديدة والدقي فتمثلان أحياء متسعة للسكن الجديد، فضلًا عن أن السكان ينتمون إلى طبقات متوسطة أو ثرية، وأخيرًا فإن سكان قسم قصر النيل يمثلون مناطق الأعمال والتجارة الرئيسية؛ مما يؤدي إلى نحافة عددية للسكان، وقلة في المواليد، فضلًا عن الطبقة الموسرة في عمارات المنطقة وجاردن سيتي على وجه خاص. ومن الدلائل على ذلك: انخفاض نسبة الذكور في قصر النيل ومصر الجديدة عن المعدل القاهري العام، والأغلب أن ارتفاع نسبة الذكور في الدقي يعود جزئيًّا إلى سكن نسبة من الأجانب الذين يعملون في السلك الدبلوماسي أو بيوت الخبرة.

وأخيرًا هناك ملاحظة قد تكون ذات دلالة للمتخصصين في الديموجرافيا وأصول علوم السكان، فتحليل أرقام ١٩٩٦ لفئات السن الصغيرة قد أوضحت أن غالبية أقسام القاهرة تنتمي إلى واحد من النموذجين الذي يعبر عنها الشكل ٤-١٩.

نموذجا تركيب السكان دون ١٥ سنة، نسب مئوية من مجموع سكان بعض الأقسام

شكل ٤-١٩
  • النموذج الأول: يعبر عنه تركيب هذه الفئة هرمي الشكل كما هو في الجمالية والبساتين والزمالك، بحيث يتناقص حجم الفئة تدريجيًّا مع ارتفاع العمر، وعلى سبيل المثال ينتمي إلى هذا النموذج الهرمي حلوان وباب الشعرية والمرج، والسلام تنتمي إلى هذا النموذج بصورة تقريبية.
  • النموذج الثاني: يتصف بأن فئة العمر ٦–١٠ سنوات أصغر مما قبلها وبعدها، ويمثل هذا النموذج سكان السيدة زينب ومنشأة ناصر، وينتمي سكان مصر الجديدة وقصر النيل إلى هذا النموذج، وإن كانوا يختلفون في أن فئة ١٠–١٥ سنة أكبر من الفئة دون ٦ سنوات، وكذلك ينتمي للنموذج الثاني سكان أقسام أخرى، نذكر منها على سبيل المثال: روض الفرج وإمبابة والدقي. كما أن جملة سكان القاهرة ومدينة الجيزة تظهر فيهما صفات النموذج الثاني.

ملاحظات: الأرقام الواردة تحت تواريخ ثابتة مثل ١٩٩٦ مصدرها منشورات التعدادات العامة الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء بالقاهرة. بعض أرقام الخصوبة والهرم السكاني لسنة ١٩٨٠ وما قبلها مصدرها محمد السيد غلاب «السكان» في كتاب «جغرافية مصر» إصدار المجلس الأعلى للثقافة — القاهرة ١٩٩٤. خريطة الأقسام الإدارية للقاهرة الكبرى، ومساحات الأقسام عن رسالة ماجستير غير منشورة لسامح إبراهيم عبد الوهاب — آداب جامعة القاهرة.

إحصاءات سكانية للقاهرة ١٩٩٦ (جدول١).*
الأقسام جملة السكان (آلاف) ذكور (آلاف) إناث (آلاف) الأمية ٪
التبين ٥٩ ٣١ ٢٨ ٢٨
حلوان ٥١٨ ٢٦٧ ٢٥١ ٣٤
١٥ مايو ٦٥ ٣٣ ٣٢ ٨
طرة ٥٨ ٣٠ ٢٨ ٢٩
المعادي ٧٠ ٣٦ ٣٤ ١٠
م. القديمة ٢٢٥ ١١٥ ١١٠ ٣١
السيدة ١٥٥ ٧٨ ٧٦ ٢٣
الخليفة ١٨٦ ٩٥ ٩١ ٣١
البساتين ٦٥٨ ٣٤٢ ٣١٦ ٢٨
عابدين ٤٨ ٢٤ ٢٤ ١٦
الموسكي ٢٩ ١٥ ١٤ ٢٧
قصر النيل ١٣ ٦ ٦ ٩
الزمالك ١٥ ٧ ٧ ٥
بولاق ٧٤ ٣٨ ٣٦ ٣٤
الأزبكية ٣٠ ١٦ ١٤ ١٨
د. الأحمر ٧٨ ٤٠ ٣٨ ٢٦
الجمالية ٥٩ ٣٠ ٢٩ ٣٠
ب. الشعرية ٥٩ ٣٠ ٢٩ ٢٧
الظاهر ٦٥ ٣٤ ٣١ ١٢
منشأة ناصر ١٦٩ ٨٨ ٨٠ ٥١
الشرابية ٢٦٦ ١٢٧ ١١٨ ٣١
شبرا ٨٣ ٤٢ ٤١ ٢٤
ر. الفرج ١٧٨ ٩٠ ٨٨ ٢٥
الساحل ٣٣٣ ١٧٠ ١٦٣ ٢٠
ش. الخيمة ٨٧٠
الزاوية الحمراء ٣٠٧ ١٥٧ ١٥٠ ٢٧
الوايلي ٨٩ ٤٩ ٤٠ ١٨
ح. القبة ٣٠٨ ١٥٧ ١٥١ ٢٣
الزيتون ٣٢٢ ١٦٤ ١٥٨ ١٦
المطرية ٤٩٨ ٢٥٥ ٢٤٢ ٢٣
عين شمس ٤٧٢ ٢٤٠ ٢٣١ ١٨
المرج ٢٤٢ ١٢٥ ١١٧ ٢٨
السلام ٣٠٠ ١٨٧ ١٧٩ ٢٨
النزهة ١٥٣ ٧٦ ٧٧ ٦
م. الجديدة ١٥١ ٧٥ ٧٦ ٦
م. نصر ٣٩٧ ٢٠٥ ١٩١ ٦
إمبابة ٥٢٣ ٢٦٧ ٢٥٦ ٢٩
العجوزة ١٧٥ ٨٩ ٨٥ ١٥
الدقي ٨٨ ٤٦ ٤٣ ٩
الجيزة ٢٣٨ ١٢٢ ١١٦ ٢٨
بولاق الدكرور ٤٥٤ ٢٣٣ ٢٢١ ٢٤
الأهرام ٢٠٠ ١٠٣ ٩٧ ٣٠
العمرانية ٥٤٢ ٢٧٧ ٢٦٥ ١٧
تتابع الأقسام حسب ترتيب كتابي التعداد لسكان القاهرة والجيزة سنة ١٩٩٦.
إحصاءات سكانية للقاهرة ١٩٩٦ (جدول ٢).*
الأقسام المساحة الكثافة عدد الأسر بالألف التزاحم فرد/غرفة
التبين ٢٥ ٣ ١٢ ١٫٢
حلوان ٥٥٫١ ٩٫٥ ١٢٣ ٩٫٤
١٥ مايو ٦٫٩ ٨ ١٥ ١٫٨
المعادي – طرة ١١٫٣ ١١ ٢٠–٢٠ ٠٫٦–١٫٨
بساتين ١٤ ٤٧ ١٥٧ ١٫٧
م. القديمة ١٠٫٦ ٢١ ٥٧ ١٫٨
الخليفة ١٠٫٦ ١٧ ٥١ ١٫٧
السيدة ٣٫٧ ٤٢ ٤٢ ١٫٣
عابدين ١٫٧ ٢٩ ١٥ ١٫٤
الموسكي ٠٫٨ ٣٦ ٨ ١٫٦
قصر النيل ١٫٣ ١٠ ٤ ٠٫٧
الزمالك ٢٫٦ ٦ ٨ ٠٫٩
بولاق ٢٫٤ ٣١ ٢٢ ٢
الأزبكية ١٫٥ ٢٠ ٨ ٠٫١
الظاهر ٢ ٣٢ ١٨ ١٫٤
الجمالية ٢٫٥ ٢٤ ١٥ ١٫٩
الدرب الأحمر ١٫٤ ٥٥ ٢١ ١٫٦
ب. الشعرية ٠٫٩٨ ٦٠ ١٦ ١٫٤
ر. الفرج ٢٫٥ ٧١ ٤٦ ١٫٦
الساحل ١٤ ٢٤ ٨٤ ١٫٦
شبرا ٢٫٤ ٣٤ ٢٢ ١٫٦
الشرابية ٣٫٣ ٧٣ ٥٨ ٢٫١
الزاوية الحمراء ٤٫٧ ٦٥ ٦٩
ش. الخيمة ٢٥٫٣ ٣٤ ١٩٢
الوايلي ٥٫٧ ١٥ ٢٢ ١٫٦
ح. القبة ٤٫٤ ٦٩ ٧٦ ١٫٨
الزيتون ٧٫٧ ٤١ ٧٩ ١٫٦
المطرية ٦٫٥ ٧٦ ١١٥ ١٫٨
عين شمس ٨٫٨ ٥٣ ١١٨ ١٫٦
المرج ١٢٫٣ ٢٠ ٥٥ ١٫٧
السلام ٣٦٫١ ١٠ ٨٦ ١٫٨
النزهة ٦٦٫٨ ٢ ٤٢ ٠٫٩
م. الجديدة ٢٩٫٢ ٥ ٤٤ ١٫٥
م. نصر ٤٦٫٢ ٨٫٥ ٩٦
م. ناصر ٧٫٩ ٢١ ٣٩
إمبابة ١٣٫٥ ٣٩ ١٢٠ ١٫٤
العجوزة ٥ ٣٥ ٤٦ ١
الدقي ٥٫٤ ١٦ ٢٥ ٠٫٩
الجيزة ٧٫٥ ٣١ ٥٧ ١٫٣
بولاق الدكرور ١٥٫٨ ٢٨ ١٠٧ ١٫٣
الهرم ١٩٫٦ ٣٨ ٤٧ ١٫٤
العمرانية ١٣٢ ١٫٢
ترتيب الأقسام حسب تتابع المكان الجغرافي.
١  يذكر كليرجيه من مصادره أسماء عديدة بعض منها: Breidenbach, Leon I’Africcain, Castela, Davity, Savary, Volney, Niebuhr, Blumenau, Sonnini, Thevenot, ete … ص٢٣٩ من الجزء الأول من كتابه عن القاهرة M. Cler-get, ‘LE CAIRE’ 1934.
٢  التركيز الصناعي في القاهرة كانت له مساوئ كتب عنها الكثيرون استنادًا إلى أن القاهرة لم تكن أحسن المواقع لصناعات ثقيلة كالحديد والصلب، وصناعات معدنية أخرى كالصناعات العسكرية. هذا فضلًا عن تلويث جو القاهرة، وتكوين مناطق سكن عشوائي طفيلي شديد الفقر كثير المشكلات الاجتماعية والسياسية تعاني منها القاهرة الآن. كما كتب البعض نقدًا حادًّا عن كينونة الصناعة وعائدها الحدي، وتُجرى الآن مراجعة لبعض هذه الصناعات وبخاصة مصنع حديد حلوان الضخم؛ حيث إن مشكلات تحديثه وزيادة إنتاجه تواجهها مشكلات اجتماعية في العدد الضخم الذي يعمل به. ولا شك أن مثل هذه الصناعات كانت جيدة بالقياس إلى ظروف التكنولوجيا القائمة، وظروف مصر المحاصرة سياسيًّا آنذاك، ومن ثم لا يكون القياس عادلًا بالمقارنة بجميع الظروف التكنولوجية السياسية المصرية والعالمية الآن.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠