الفصل العشرون

احترسوا من باطن الظاهر

وصلنا إلى أن الهدف الإسرائيلي الذي ترعاه أمريكا ليس هو فقط احتلال واستيطان فلسطين بأكملها، أو حتى أرض إسرائيل الكبرى من النِّيل إلى الفرات — كما جاء في التوراة — أو على وجه الدقة، وبالتعبيرات الأكثر حداثة احتلال فلسطين بحدودها كما كانت تحت الانتداب البريطاني، إضافةً إلى الضفة الغربية كلها والقدس الشرقية، وبالطبع مرتفعات الجولان السورية وجنوب لبنان كله، وأيضًا إعادة احتلال الجزء الشرقي من سيناء، بحيث تُصبح الحدود الجنوبية لإسرائيل هي خط العريش-رأس محمد، وأن إسرائيل ليست من الغباء بحيث تقف أهدافها عند هذا؛ فهي تدرك تمامًا أن هذه الأراضي التي ستَحتلُّها ستجر عليها شاءت أم أبت عداوات مصر والأردن وسوريا ومسلمي لبنان ومن ورائهم الأمة العربية والإسلامية كلها.

إنها لا بُدَّ أن تلجأ إلى ثلاثة أسلحة لإحكام قبضتها نهائيًّا على هذه الأرض:
  • السلاح الأول: هو فرض الأمر الواقع الغاشم، فرضًا أبديًّا؛ وذلك بإقامة مجتمع عسكري زراعي صناعي محصَّن في كل قرية فيه وكل كيبوتز وكل معسكر تحصينًا ذاتيًّا، بحيث يُمكنه الدفاع عن نفسه تمامًا والصمود وقتًا كافيًا — إذا حدث عليه أي هجوم من الفلسطينيين أو العرب الموجودين داخل ما يُسَمَّى «إسرائيل» — وقتًا كافيًا لاستنفار الجيش الإسرائيلي النظامي واستعمال ذلك الجيش ليس فقط لصدِّ أي هجوم، إنما لإفناء القوة التي قامت به وإيقاع العقاب — على طريقة هولاكو — في الأبرياء من العرب أو الفلسطينيين، بحيث تُلقِّن القاصي والداني درسًا لا ينساه، وبحيث تجعل من الواقع كابوسًا مرعبًا لا بُدَّ أن يفكر فيه كلُّ من تُسوِّل له نفسه أن يقوم بهجوم آخر على أي منطقة سكانية إسرائيلية أخرى.
  • السلاح الثاني: هو تأمين ما سوف يُصبح الحدود لإسرائيل الكبرى؛ وذلك بتكبيل مصر وسوريا ولبنان والفلسطينيين في شرق النهر … بمعاهدات سلام أبدية، والتحكُّم في قوتها العسكرية عن طريق الاتفاق المبرم بين الولايات المتحدة وفرنسا وإنجلترا، والذي تتعهَّد فيه تلك الدول بألا يتعدى إمدادها للدول العربية بالسلاح ما تُمدُّ به إسرائيل، وبهذا لو فكرت أي من تلك الدول بالتحرُّش بإسرائيل، أو اتفقت مجتمعة على حربٍ ضدها، فإن الجيش الإسرائيلي وحده سيستطيع أن يَسحق هذا الهجوم أو التحرُّش، ولو حدثت الكارثة وبدا أن هذا الجيش لم يَنتصِر انتصارًا حاسمًا، فإن الجيش الأمريكي وكل إمكانات البنتاجون تُعتبَر في هذه الحالة احتياطيًّا استراتيجيًّا إسرائيليًّا يتدخَّل بكل ثقله وُيساعد إسرائيل في انتزاع ما تشاء من نصر، وهي — أي الولايات المتحدة — ضامنة لعدم تدخل الاتحاد السوفيتي فيما لو اجتاحَت الجيوش الإسرائيلية-الأمريكية سوريا أو الأردن أو مصر، الشيء الذي لن يَحدث؛ لأن هدف «إسرائيل» الآني ليس اجتياح هذه الدول، وإنما إبقاؤها في حالة تحجيم عسكري كامل وضعف اقتصادي وتخلُّف اجتماعي لا تسمح لها أبدًا بالوصول إلى درجة من القوة تُهدِّد ليس وجود وإنما مجرد أمن «إسرائيل».
  • السلاح الثالث: ادَّخرته «إسرائيل»، وهذه المرة بتعاون كامل مع الشريك الأمريكي، للدول البعيدة؛ ليبيا والجزائر والسعودية والعراق واليمن وحتى باكستان، وهذا السلاح هو ما يُسمونه استراتيجية اليد الطولى لإسرائيل؛ بحيث تستطيع ضرب أي مصدر تخوُّف أو قوة في تلك الدول، على غرار ما حدَث بالنسبة إلى المفاعل النَّووي العراقي، وما يُلمِّح له بعض قادة إسرائيل بين الحين والحين عن نيات مبيتة تجاه الجماهيرية الليبية.

تلك هي الأسلحة العسكرية الثلاثة فقط.

ولكن، لأننا نواجه قومًا من الذكاء بحيث يُدرِكون أن سلاح الفعل الخارجي وحده هو دائمًا وأبدًا سلاح مؤقَّت من ناحية، ومن ناحية أخرى لا بُدَّ لكي يتهيَّأ استعماله على النحو المثالي أن يبقى العرب في حالة تفكُّك وتنافُر وتناحُر؛ بحيث لا يمكن أبدًا أن يصلوا إلى الحد الأدنى من درجات الوحدة، أو الاتفاق، أو التكامل أو التنسيق، وهنا السلاح السياسي يَلعب دوره، وهنا تتَّحد تمامًا جهود أمريكا و«إسرائيل» في سياسة واحدة ثابتة قد تكون أدوارها موزعة، بل إن الاختلاف الظاهري بينها وارد، ولكن العمود الفقري لتلك السياسة ثابت ومؤكد؛ ذلك أنه، فوق وحدة الموقف، فإن وحدة الهدف تجمع بين سياسة أمريكا وسياسة «إسرائيل» في تلك النقطة بالذات؛ «إسرائيل» تُريد الأرض والخلود في انتزاع الأرض وغرس بذور وجود لا يتزعزَع أبدًا، والولايات المتحدة تريد البترول والثروة، هنا لا يختلف الاثنان، بل لا بُدَّ لهما أن يتَّفقا وأن يكون الاتفاق على إضعاف ذلك الرجل الذي يريدون انتزاع بيته، وأيضًا الاستيلاء على ثروته. إن قوته تعني أن أحدًا منهما أو هما مجتمعان لن يستطيعا أن ينالا منه شيئًا، وهكذا لا بُدَّ من إضعافه، ولكن ليس إلى حد الإبادة والموت — حبذا لو كان هذا ممكنًا — إذ إننا في زمن عالمي لا يُسمح باستعمال القنابل النيوترونية وإبادة الناس دون المنشآت، ثُمَّ إن الاثنين لا يزالان بحاجة لجهد ذلك الرجل العربي وعرَقِه لاستخدامه عبدًا لاستخراج الثروة وإبقاء تلك الأرض الشاسعة مكانًا صالحًا للحياة ولوجود الخبراء لإكمال مهمَّة فك الوطن العربي وسرقة ثروته ووضع إنسانه على طريق تَحلُّلِه وفنائه.

•••

وهكذا فإن اجتياح لبنان وإخراج المقاومة ومذابح صبرا وشاتيلا، وكل المذابح المُقبِلة، ليست سوى الحروف الأولى من أبجدية كبيرة العدد سوف تُصنع منها كلمات وجمل وكتب.

ولهذا، فهي تبدو لنا غير مفهومة، لا نملك إزاءها إلا الحديث عن وحشية الإسرائيليين، وبشاعة عملائهم، ونستغرب والعالم كله يستغرب لماذا تلك الوحشية، وأيُّ منطق في قتل الأطفال الرضَّع وانتهاك أعراض النساء ثُمَّ بقر بطونهن من بعد هذا.

ولو كُنَّا في زمن هولاكو التتري في القديم لفَهِمنا؛ لأن الأمور في ذلك الزمن كانت من البساطة بحيث يستطيع الإنسان العادي أن يكشف عدوَّه من صديقه بسهولة، ويستطيع وبسهولة أيضًا أن يكتشف أهداف العدو الذي كان لا يقوم بأي جهد لإخفائها، هولاكو كان هدفه اجتياح الأرض ونهبها وتدمير الحضارة العربية ونهب كنوز بغداد ودمشق والقاهرة.

أمَّا هولاكو الجديد، فأُولى خصائصه أنه يُخفي أهدافه.

هل يُمكن أن يتصوَّر أحد أن عملية «السلام للجليل» ستتطوَّر هذا التطور بحيث يتمُّ اجتياح لبنان كله وحصار بيروت، وبحيث يَنتهي الأمر بخروج المقاومة الفلسطينية كلها من أقوى معاقلها مناعةً وتحصينًا؟

فإذا كان الإسرائيليُّون يَتركون لنا وللعالم الحبل على الغارب لكي نَصِف بيجن وشارون بالإجرام والتوحُّش والنازية، ونُهدِّد بالويل والثبور وعظائم الأمور، فمعنى ذلك أن الخطة قد حقَّقت أهدافها تمامًا، وأنَّ الشعب الإسرائيلي، حتى حمائمه و«حركة السلام الآن»، يضحك في أكمامه فرحًا لانتهاء كابوس الوجود الفلسطيني المسلَّح من لبنان. إنَّ الذي يقول بغير هذا إمَّا أعمى أو يتعامى عن الواقع، مهما كانت بشاعته، إلا أنه يفرض نفسه فرضًا، ولا يملك أي امرئ أن يتجاهله، حتى المذابح ليست إلا جزءًا مُكملًا للخطة، وثُمَّ بعد استيعاب كامل لخريطة لبنان السياسية والطائفية ودراسة دقيقة لكلِّ الجروح التي خلفها وجود المقاومة الفلسطينية المسلحة في بيروت، وفي الجنوب، وفي البقاع، وفي الشمال، ودراسة أيضًا لكلِّ الواقع العربي المشتت الموزَّع، وقد استخدموا تلك المعلومات؛ بحيث يتمُّ بالقوة الغاشمة المسلحة إلقاء المقاومة في البحر، وبالمذابح يتمُّ تخويف الفلسطينيين بل وكل المسلمين من شيعة وسنة ودروز، على أن يدفعهم الذُّعر الجماعي الذي اكتشفه هولاكو، للهرب وترك الأرض وما عليها، ليتمَّ تهيئة البيت لحساب الكتائبيين، وفي الوقت نفسه يتمُّ إلحاق بقية السكان المسلمين المسالمين في لبنان كله؛ بحيث يَقبلون بالفتات — فتات الوجود والكيان — إذا عُرض عليهم هذا الفتات، وعلى الأقل يجعلهم يقبلون بالوجود كأقلية، بحقوق الأقلية المعدومة أو المهضومة …

ورغم هذا.

فكل ما حدث منذ اجتياح الجنوب في حزيران (يونيو) الماضي وحتى الآن، هو الحروف الأولى من الأبجدية الكثيرة الحروف كما ذكَرتُ؛ فعلى الفور بدأت «إسرائيل» استعمال الحروف التالية مباشرة، بدأ استعمال السلاح الثاني الذي ذكرناه سابقًا.

سلاح إجبار كل جيران «إسرائيل» على التوقيع على معاهدات سلام أبدية، و«إسرائيل» أيضًا لا يُمكن أن تُصفي الوجود الفلسطيني والإسلامي في لبنان لحساب الكتائبيين وتمكينًا لهم؛ إذ من يَدري؟ ربما يَحسبون في نهاية ويَجدون أن مصالحهم الحيوية هي في الارتباط بالدول العربية الأخرى؛ إذ ماذا سوف يأخذون — اقتصاديًّا — من إسرائيل، هم الذين يُشكلون المنافسين الأساسيِّين للتجارة والاقتصاد الإسرائيليين، فيما لو أجبر العرب على إقامة علاقات اقتصادية مع «إسرائيل»، أو أصبح الاقتصاد حُرًّا دون مقاطعات.

ولهذا لا بُدَّ — والحديث لا يزال ساخنًا والسكِّين يقطر دمًا — من أن تتقاضَى إسرائيل ثمن ما فعلت، تتقاضاه من الجميع، من أمريكا معونةً وسلاحًا، باعتبارها قد أخرجت لها من المنطقة الخطيرة بأَسرِها، قوة كانت تزعج الوجود الاستعماري الأمريكي، وباعتبارها قد نظفت البيت من المشكِّكين ومكَّنت للكتائبيين الذين أصبحوا الحكام الأساسيين للبنان، فلا بُدَّ أن تتقاضى الثمن معاهدة سلام وتطبيع كاملَين؛ بحيث تضمن إسرائيل أن لبنان سيبقى تحت جناحها لا يجرؤ على أن يلعب بذيله أو يُشمشِم بأنفه هنا وهناك.

وهكذا على الفور أُعِدَّ المسرح للفصل الثاني، فصل التفاوض.

وبدأ خلف الستار عقد مَشاهد الفصل الثالث.

ولكن، من فضلكم، لا تأخذوها بسهولة …

كفانا السهولة التي أخذنا بها عملية السلام في الجليل … فنحن الآن أمام المقدمات فقط، مجرد مقدِّمات تبدو بريئة تمامًا.

عنوان الرواية مثير: حلُّ المشكلة الفلسطينية.

العنوان التالي مباشرة: المبادرات.

مبادرة ريجان.

مبادرة فاس.

قبول الفلسطينيين بمبادرة فاس كاملة والتحفظ على مبادرة ريجان، قبول الفلسطينيين أيضًا لإقامة اتحاد كونفيدرالي بينهم وبين الأردن.

وكل هذا …

ليدخل الأردن قاعة المفاوضات.

هذه هي اللقمة التي تُلوِّح بها أمريكا وإسرائيل.

وليسوقوا الأردنيين والفلسطينيين ليُسوُّوا أمورهم فيما بينهم، وأن «يعتدلوا» إلى الدرجة التي يُكوِّنون فيها الوفد من عمد الضفة وممثِّلي الأردن دون ممثِّلي المنظمة، وقد يوجد مراقب من المنظمة، ولكن هذا ليس هو المهم.

المهم حقيقةً هو سؤال لا بُدَّ أن نَطرحه على أنفسنا ويطرحه معنا كل عربي وكل فلسطيني وكل أردني.

قيام اتحاد كونفيدرالي أو غير كونفيدرالي بين الضفة والأردن سيكون بالضرورة أقوى من الأردن وحدها، وأقوى من كيان ولو فلسطيني تمامًا في الضفة وغزة، وأيضًا أقوى من وجود الأردن والكيان منفصلَين.

فكيف تقبل إسرائيل الوضع الأقوى لاتحاد كونفيدرالي؟

إنها ترفض تمامًا الوجود الفلسطيني المنفصل الذي لا بُدَّ أنه أضعف بكثير من وجوده متَّحدًا مع كيان أردني منسَّق معه سياسيًّا وعسكريًّا؟

بل، كيف تعرض أمريكا هذا وهي تعلم حقًّا أن إسرائيل قد رفضَت الوضع الأضعف؟

أليس معنى هذا أن في الأمر سِرًّا لم يتكشَّف بعد؟ أيكون هذا السر أن «إسرائيل» والولايات المتحدة ستَضمنان أن هذا الاتحاد الكونفيدرالي سيكون أضعف من الكيان الفلسطيني؟

أم تكون المبادرة الأمريكية — والموافقة الإسرائيلية عليها إن جاءت — مبنيةً على دراسة دقيقة لخريطة وتاريخ الأردنيين والفلسطينيين معًا؛ بحيث إنهما ضامنتان أن هذا الاتحاد سيكون أضعف من الكيانات المنفصلة حتى لو كان أحدهما فلسطينيًّا بالكامل؟

لنتوقَّف عند علامات الاستفهام تلك؛ فالإنسان يتعلم من أخطائه، ولا بُدَّ أن نكون قد تعلمنا إلى الآن شيئًا ولو — على الأقل — أن كلَّ حركة إسرائيلية أو أمريكية ظاهرية تُخفي في باطنها هدفًا قصيرًا لا يُمكن أن يتوقَّع الإنسان وجوده أمام براءة مظهره الخارجي.

لنفكر كثيرًا هذه المرة.

ولنَحترِس من باطن الظاهر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١