الفصل الخامس

باهيا بلانكا – جيولوجيا – العديد من رباعيات الأقدام العملاقة – انقراض حديث – طول عمر الأنواع – حيوانات ضخمة لا تحتاج لنباتات وافرة النماء – جنوب أفريقيا – حفريات سيبيرية – نوعان من النعام – سلوكيات طائر الفران – حيوانات المدرع – ثعبان سام، وعُلْجُوم، وسحلية – البيات الشتوي للحيوانات – سلوك أقلام البحر – حروب ومذابح هندية – رأس رمح – تذكار أثري.

***

باهيا بلانكا

figure
قوات غير نظامية.

وصلت البيجل هنا في ٢٤ أغسطس، وأبحرت بعد ذلك بأسبوع إلى لابلاتا. وبناء على موافقة من الكابتن فيتزروي، تركوني لأسافر برًّا إلى بيونس أيرس. سأضيف هنا بعض الملاحظات التي وضعتها خلال هذه الزيارة وفي مرة سابقة حين كانت البيجل تقوم بمسح الميناء.

كان السهل الواقع على بعد بضعة أميال من الساحل ينتمي إلى التكوين البامبيني (نسبة إلى سهول البامبا) العظيم الذي يتكون في جزء منه من طين مائل إلى الحمرة وفي جزء آخر من طين جيري (حجر مرلي) يحتوي على نسبة عالية من الكِلْس. بالاقتراب أكثر من الساحل هناك بعض السهول تشكَّلت من بقايا السهل الأعلى ومن الطين والحصى والرمال التي لفظها البحر خلال الارتفاع البطيء للأرض الذي لدينا دلائل تشير إليه في قيعان مرتفعة من القواقع الحديثة وفي حصوات دائرية من الحجر الخفاف متناثرة في جميع أنحاء المنطقة. في بونتا ألتا، كان لدينا جزء من تلك السهول الصغيرة التي تشكلت لاحقًا وكانت مثيرة للاهتمام إلى حد كبير جراء العدد والسمة الاستثنائية لبقايا الحيوانات الأرضية العملاقة المدفونة فيها. وقد وصف البروفيسور أوين هذه البقايا وصفًا وافيًا في كتاب «علم الحيوان في رحلة البيجل» وهي مودعة في كلية الجراحين. وسأقدم هنا ملخصًا موجزًا لطبيعتها.

في البداية: ثمة أجزاء من ثلاثة رءوس وعظام أخرى لحيوان البهضم (أو الميجاثيريوم) الذي يعبِّر اسمه عن أبعاده الضخمة. ثانيًا: حيوان الميجالونيكس (الكسلان الأرضي العملاق) وينتمي إلى نوع قريب للأول. ثالثًا: حيوان السكاليدوثيريوم الذي ينتمي كذلك لنفس النوع، والذي حصلت له على هيكل شبه كامل. لا بد أنه كان ضخمًا في حجم الكركدن، أما في تكوين الرأس، وفقًا للسيد أوين، فإنه أقرب ما يكون إلى الخنزير شفاط النمل، لكنه في جوانب أخرى يميل أكثر إلى المدرع. رابعًا: الميلودون الدارويني وهو من رتبة قريبة إلى حد بعيد لكنه أصغر حجمًا قليلًا. خامسًا: حيوان ضخم آخر رباعي الأقدام من عديمات الأسنان. سادسًا: حيوان ضخم مغطًّى بطبقةٍ خارجية عظمية تشبه إلى حدٍّ كبيرٍ الغطاء العظمي للمدرع. سابعًا: نوع منقرض من الخيول الذي سأعود إليه مجددًا. ثامنًا: سن لحيوان من ذوات الجلد السميك، وربما نفس الأمر مع حيوان الماكروتشينيا، وهو حيوان عملاق طويل العنق مثل الجمل سأشير له لاحقًا أيضًا. وأخيرًا: حيوان التوكسودون الذي قد يكون أحد أغرب الحيوانات التي اكتُشفت على الإطلاق؛ إذ يضاهي في حجمه الفيل أو البهضم، لكن تركيب أسنانه، كما يقول السيد أوين، كان يثبت بما لا يدع مجالًا للشك أنه وثيق الصلة بالقوارض، وهي الرتبة التي تضم في الوقت الحاضر أصغر رباعيات الأقدام؛ وفي كثير من التفاصيل، يقترب من الحيوانات السميكة الجلد، ومن موضع عينيه وأذنيه ومنخاريه، من المحتمل أنه كان حيوانًا مائيًّا مثل الأطوم أو خروف البحر اللذين يرتبط بهما بصلة قرابة كذلك. ما أروع أن تمتزج رتب الحيوانات المختلفة — المتفرقة في الوقت الحاضر — معًا في نقاطٍ مختلفةٍ من تكوين التوكسودون!

عُثر على بقايا هذه الحيوانات العملاقة من رباعيات الأقدام التسعة والعديد من العظام المنفصلة مدفونة على الشاطئ في مساحة تبلغ حوالي مائتي ياردة مربعة. من اللافت للانتباه العثور على الكثير من الأنواع المختلفة معًا، وهو ما يثبت مدى تعدد السكان القدامى لهذه المنطقة من حيث النوع؛ فعلى مسافة نحو ثلاثين ميلًا من بونتا ألتا، في منحدر من التراب الأحمر، وجدت عدة شظايا من العظام، بعضها كبير الحجم. كان من بينها سن لأحد القوارض تضاهي أسنان الكابيبارا، الذي وصفت سلوكياته من قبل، من حيث الحجم وتقاربها في الشكل إلى حد كبير؛ ومِن ثَمَّ ربما كان حيوانًا مائيًّا. كذلك كان ثمة جزء من رأس حيوان من القوارض، وهو الستينوميس Ctenomys، وهو نوع مختلف عن التوكو توكو، لكنه قريب الشبه منه عمومًا. تحتوي التربة الحمراء، كتلك الموجودة في البامبا، التي كانت هذه البقايا مدفونة فيها، بحسب البروفيسور إيرينبرج، على ثمانية أنواع من الحييوينات النقاعية التي تعيش في المياه العذبة ونوع يعيش في المياه المالحة؛ ولذا من المحتمل أنها كانت راسبًا لمصب نهر.
كانت البقايا في بونتا ألتا مطمرة في حصى متراصٍّ في طبقات وطين مائل إلى الاحمرار كذلك الذي قد يقذفه البحر الآن فوق ضفة ضحلة. ارتبطت تلك البقايا بثلاثة وعشرين نوعًا من القواقع منها ثلاث عشرة حديثة وأربع مرتبطة بشكل كبير جدًّا بأشكال حديثة.١ من عظام حيوان السكاليدوثيريوم، والتي تضم حتى عظمة الرضفة، المدفونة في مواضعها النسبية الملائمة،٢ ومن الغطاء العظمي للحيوان الضخم الشبيه بالمدرع المحفوظ على نحو جيد جدًّا، إلى جانب عظام إحدى ساقيه، قد نصبح على يقين من أن هذه البقايا كانت حديثة ومتحدة معًا بواسطة أربطتها عندما ترسبت في الحصى مع القواقع؛ ومِن ثَمَّ لدينا دليل جيد على أن رباعيات الأقدام العملاقة التي سردناها أعلاه أكثر اختلافًا عن تلك التي تعيش في الحاضر، على نحو أكبر من أقدم رباعيات الأقدام التي عاشت في العصر الثالث في أوروبا بينما كان البحر مأهولًا بمعظم سكانه الحاليين؛ وأكدنا على قاعدة استثنائية كان غالبًا ما يؤكد عليها السيد لايل، وهي أن «عمر الأنواع في رتبة الثدييات أقل عمومًا من عمر الصدفيات.»٣
كان الحجم الكبير لعظام البهضميات التي تتضمن البهضم، والميجالونيكس، والسكاليدوثيريوم والميلودون مدهشًا بحق. كانت سلوكيات هذه الحيوانات ملغزة تمامًا بالنسبة إلى علماء الطبيعة حتى حل البروفيسور أوين٤ المشكلة ببراعة لافتة للنظر. تشير الأسنان بتركيبها البسيط إلى أن هذه البهضميات كانت تعيش على النباتات وربما على أوراق الشجر وفروعها الصغيرة، كما يبدو من أشكالها الخرقاء ومخالبها القوية الضخمة الملتوية أنها غير مهيأة إلى حد كبير للتنقل كثيرًا؛ حتى إن بعضًا من أبرز علماء الطبيعة اعتقدوا حقًّا أنها كانت تعيش — على غرار حيوان الكسلان الذي ترتبط به بصلة وثيقة — بتسلق الأشجار وظهورها إلى أسفل والاقتيات على الأوراق. كانت فكرة جريئة، وربما حتى منافية للمنطق، تصور أنه حتى أشجار عصر ما قبل الطوفان كانت تملك فروعًا قوية بالدرجة التي تمكنها من حمل حيوانات في ضخامة الأفيال. ويعتقد البروفيسور أوين، بدرجة أكبر من الاحتمالية، أنها كانت تجذب الأفرع لأسفل نحوها وتنزع الأفرع الأصغر من الجذور ومِن ثمَّ تتغذى على الأوراق بدلًا من التسلق على الأشجار. وفي ظل هذه الرؤية الجديدة يصبح العرض والوزن الهائلان لأجزائها الخلفية، التي يمكن بالكاد تخيلها بدون رؤيتها، مفيدين بشكل واضح بدلًا من كونهما عائقًا؛ ومِن ثَمَّ يختفي افتقارها الظاهري للرشاقة. فبواسطة ذيولها الكبيرة وأعقابها الضخمة الراسخة في الأرض جيدًا كالحوامل الثلاثية، يمكنها استخدام القوة الكاملة لأذرعها البالغة القوة ومخالبها الضخمة بحرية كاملة. من المؤكد أن الشجرة التي تقاوم مثل هذا القدر من القوة لا بد أن تكون ذات جذور راسخة بشدة! علاوة على ذلك، كان الميلودون يمتلك لسانًا طويلًا قابلًا للمد مثل لسان الزرافة، والذي يمكِّنه بالتالي، بواسطة واحد من تدابير الطبيعة الرائعة، من الوصول إلى الأوراق بمساعدة عنقه الطويل. يمكنني أن أشير إلى أن الأفيال في الحبشة، بحسب بروس، عندما لا تستطيع الوصول إلى أفرع الشجر بخرطومها، كانت تخدش جذوع الأشجار بأنيابها إلى أعلى وأسفل ومن جميع الجوانب حتى تضعف على نحو يكفي لكسرها.

كانت القيعان، التي تتضمن البقايا الأحفورية المذكورة آنفًا، تعلو منسوب المياه المرتفعة أو المد ما بين خمس عشرة إلى عشرين قدمًا؛ وبناء عليه فإن ارتفاع الأرض كان قليلًا (باستبعاد فترة دخيلة من الانخفاض ليس لدينا دليل عليها) منذ أن كانت رباعيات الأقدام العملاقة تعيش في السهول المحيطة، ولا بد أن السمات الخارجية للريف آنذاك كانت مقاربة إلى حد كبير للوضع الحالي. قد يكون بديهيًّا التساؤل عن طبيعة وشكل الغطاء النباتي في ذلك الوقت، وهل كان الريف شديد الجَدْب كما هو عليه الآن؟ بما أن العديد من القواقع المطمرة معًا هي نفسها التي تعيش الآن في الخليج، كنتُ أميل في البداية إلى الاعتقاد بأن الغطاء النباتي السابق ربما كان مماثلًا للحالي، لكن هذا كان سيصبح استنتاجًا خاطئًا؛ لأن بعضًا من هذه القواقع نفسها تعيش على ساحل البرازيل الوارف، وبصفة عامة، لا تجدي طبائع وسمات الحيوانات التي تسكن البحر كمرشد للحكم على طبائع الحيوانات التي تعيش على اليابسة. ومع ذلك، وبناء على الاعتبارات التالية، لا أعتقد أن الحقيقة البسيطة القائلة إن العديد من رباعيات الأقدام العملاقة قد عاشت في السهول المحيطة بباهيا بلانكا تعتبر بأي حال دليلًا مؤكدًا على أنها كانت مغطاة في الماضي بغطاء نباتات وارف، وليس لديَّ أدنى شك أن الريف المقفر إلى الجنوب قليلًا بالقرب من نهر ريو نيجرو بأشجاره الشائكة المتناثرة كان يمكنه أن يوفر مأوًى للعيش للعديد من رباعيات الأقدام الضخمة.

ثمة افتراض عام تناقلته الكتب بأن هذه الحيوانات الضخمة تتطلب غطاءً نباتيًّا وافرًا، لكني لا أجد غضاضة في قول إنه افتراض غير حقيقي تمامًا، وأنه أفسد تفكير الجيولوجيين فيما يخص بعض النقاط ذات الأهمية الكبرى في تاريخ العالم القديم. ربما اشتق هذا الحكم المسبق من الهند والجزر الهندية حيث ترتبط قطعان الأفيال والغابات المهيبة والأدغال العصية على الاختراق بعضها ببعض في أذهان الجميع. ومع ذلك، إذا عدنا إلى أي كتب عن الأسفار عبر الأجزاء الجنوبية من أفريقيا، سنجد إشارات في كل صفحة تقريبًا إما إلى الطابع الصحراوي للمنطقة أو إلى أعداد الحيوانات الضخمة التي تسكنها. الشيء نفسه يتضح من خلال العديد من النقوش التي نُشرت للعديد من المناطق الداخلية بالبلاد. عندما كانت البيجل راسية في كيب تاون، ذهبت في رحلة قصيرة لبضعة أيام إلى داخل البلاد والتي كانت كافية على الأقل لجعل ما قرأته واضحًا تمامًا.

يخبرني الدكتور أندرو سميث، الذي كان على رأس فريق من المغامرين ونجح مؤخرًا في عبور مدار الجدي، أنه بالنظر إلى الجزء الجنوبي من أفريقيا بالكامل، لا يمكن أن يكون ثمة شك في أنها منطقة مجدبة. على الساحل الجنوبي والجنوبي الشرقي يوجد بعض الغابات الرائعة، لكن باستثناء هذه، يمكن للمسافر أن يسير لأيام عبر سهول مفتوحة مغطاة بنباتات هزيلة وضئيلة. من الصعب إيصال أي فكرة دقيقة عن درجات الخصوبة النسبية، لكن يمكن القول بثقة إن كمية النباتات في أي وقت٥ في بريطانيا العظمى تفوق، ربما بعشرة أمثال، نظيرتها في مساحة مساوية في المناطق الداخلية في جنوب أفريقيا. ولعل حقيقة أن عربات الثيران يمكنها السفر في أي اتجاه، فيما عدا بالقرب من الساحل، بدون تأخير يتجاوز نصف الساعة التي يستغرقها قطع الشجيرات، تعطي فكرة أكثر وضوحًا وتحديدًا عن مدى قلة النباتات. الآن، إذا نظرنا إلى الحيوانات التي تسكن هذه السهول البرية، فسنجد أن أعدادها كثيرة على نحو استثنائي وضخمة الحجم. ويجب أن تضم القائمة الأفيال، وثلاثة أنواع من الكركدن، وربما، بحسب د. سميث، نوعين إضافيين، وفرس النهر، والزراف والجاموس الأفريقي، والذي يبلغ حجمه حجم ثور مكتمل النمو، والعلند وإن كان بأعداد أقل، وحمارين وحشيين، والكواجا واثنين من الثيتل الأفريقي (الظبي الوحشي)، والعديد من البقر الوحشي الأكبر حجمًا حتى من تلك الأخيرة. ربما يُفتَرَض أنه على الرغم من تعدُّد الأنواع، فإن أفراد كل نوع قليلون، لكني استطعت، بفضل كرم د. سميث، أن أوضح أن الأمر مختلف تمامًا؛ إذ يخبرني أنه في دائرة عرض ٢٤ درجة، وأثناء مسيرة يوم بعربات الثيران، رأى دون الابتعاد لأي مسافات بعيدة في أي من الجانبين، ما بين ١٠٠ و١٥٠ رأسًا من الكركدن تنتمي لثلاثة أنواع؛ وفي اليوم نفسه، رأى العديد من قطعان الزراف يصل أعداد أفرادها مجتمعة إلى حوالي مائة زرافة، ورغم أنه لم يرَ أي أفيال، لكنها موجودة في هذه المنطقة. على مسافة ما يزيد قليلًا على مسيرة ساعة من مكان معسكرهم في الليلة السابقة، قتلت مجموعته ثمانية من أفراس النهر في منطقة واحدة ورَأَوا المزيد منها. وفي النهر نفسه، كان هناك تماسيح أيضًا. بالطبع، كانت حالة استثنائية إلى حد بعيد أن يرى العديد من هذه الحيوانات الضخمة مجتمعة معًا، لكن هذا يثبت على نحو قاطع أنها لا بد موجودة بأعداد كبيرة. يصف د. سميث المنطقة التي مر بها في ذلك اليوم بأنها «مغطاة بطبقة رقيقة من الحشائش وشجيرات يصل ارتفاعها لنحو أربع أقدام وطبقة أخرى رقيقة من أشجار الميموزا.» ولم تجد العربات ما يعترض مسيرتها التي اتخذت خطًّا شبه مستقيم.

بجانب هذه الحيوانات الضخمة، فإن كل شخص لا يمتلك معرفة كبيرة بتاريخ كيب تاون الطبيعي قرأ عن قطعان الظبي الوحشي التي لا يمكن مقارنتها إلا بأسراب الطيور المهاجرة. كانت أعداد الأسود والفهود والضباع والعدد الوافر من الطيور الجارحة تدلل بوضوح على مدى وفرة رباعيات الأقدام الأصغر حجمًا؛ فذات مساء، رُصِدت سبعة أسود تجول خلسة حول معسكر د. سميث في نفس الوقت. وكما أخبرني هذا العالم القدير في الطبيعيات، لا بد أن المذابح اليومية في جنوب أفريقيا كلَّ يومٍ مروعةٌ حقًّا! أعترف أن الأمر مفاجئ لي حقًّا؛ فكيف لهذا العدد من الحيوانات أن يجد ما يكفي لإعالته في بلد ينتج هذا القدر القليل جدًّا من الغذاء. لا شك أن رباعيات الأقدام الأكبر حجمًا تجول عبر مناطق أكبر بحثًا عن الطعام، الذي يتكون في الأساس من الشجيرات التي تنمو تحت الشجر الكبير والتي ربما تحتوي على الكثير من العناصر الغذائية المتوفرة بكميات صغيرة. أخبرني د. سميث كذلك أن الغطاء النباتي ينمو بسرعة، فما يلبث أن يُؤكَل جزء منه حتى يُستَبدل به آخر جديد. ومع ذلك، لا يمكن أن يكون ثمة شك في أن أفكارنا المتعلقة بالكم الظاهري من الغذاء اللازم لإعاشة رباعيات الأقدام الضخمة هي أفكار مبالغ فيها إلى حد بعيد؛ يجب أن نتذكر أن الجمل، وهو حيوان ليس بالحجم المتوسط، دائمًا ما كان يعتبر رمز الصحراء.

إن الاعتقاد بأنه حيثما وجدت رباعيات الأقدام العملاقة، لا بد أن يكون الغطاء النباتي وافرًا، هو الاعتقاد الأكثر لفتًا للانتباه؛ لأن العكس بعيد كل البعد عن الحقيقة. فقد أشار لي السيد بورتشيل إلى أنه عند دخول البرازيل لم يكن هناك ما أثار دهشته بشدة أكثر من فخامة الغطاء النباتي في أمريكا الجنوبية مقارنة بنظيره في جنوب أفريقيا. فقد أشار في كتابه «الرحلات»،٦ إلى أن المقارنة (إذا كان هناك بيانات كافية) بين أوزان عدد متساوٍ من أكبر رباعيات الأقدام النباتية في كل بلد ستكون مقارنة مثيرة للاهتمام إلى حد بالغ. فإذا أخذنا من أحد الجوانب الفيل٧ وفرس النهر والزراف والجاموس الأفريقي والعلند، وبالطبع ثلاثة وربما خمسة أنواع من الكركدن، ومن الجانب الأمريكي الجنوبي، اثنين من حيوان التابير والجوناق (نوع من اللاما) وثلاثة أيائل، والفيكونيا، وخنزير البيكاري أبيض الشفة، والكابيبارا (والتي يجب بعدها أن نختار من فصائل القرود لنكمل العدد)، ثم وضعنا هاتين المجموعتين جنبًا إلى جنب، لا يكون من السهل تخيل تصنيفات أكثر تفاوتًا في الحجم من تلك. وبعد الحقائق التي ذكرناها، نحن مضطرون لأن نستنتج استنتاجًا مضادًّا للاحتمالية السابقة،٨ أنه لا يوجد بين الثدييات علاقة وثيقة بين «حجم» النوع و«كم» النباتات المتوفرة في البلاد التي تسكنها.

أما بالنسبة إلى عدد رباعيات الأقدام الضخمة، فلا يوجد بالتأكيد أي جزء من العالم يمكن أن يدخل في مقارنة مع جنوب أفريقيا. وبعد التصريحات المختلفة التي قدمت، لن يكون ثمة جدل بشأن الطابع الشديد الجَدْب لتلك المنطقة. أما في القسم الأوروبي من العالم، فيجب أن نعود إلى عهود العصر الثالث الجيولوجي لاستيضاح حالة الأمور بين الثدييات والتي تشبه الموجودة الآن في رأس الرجاء الصالح. يمكن بالكاد لتلك العهود الثلاثة، والتي نميل لاعتبارها حقبًا زاخرة إلى درجة مدهشة بالحيوانات الضخمة؛ كوننا نجد بقايا العديد من العصور متراكمة في مواضع محددة، التفاخر بامتلائها برباعيات أقدام ضخمة أكثر مما يمتلئ بها جنوب أفريقيا في الحاضر. إذا تأملنا حالة النباتات خلال هذه العهود، فإننا ملزمون حتى الآن على الأقل بالنظر للتشابهات الحالية حتى لا نتعجل في الجزم على نحو مطلق بضرورة وجود غطاء نباتي وافر عندما نرى أن الوضع في رأس الرجاء الصالح مختلف تمامًا.

نحن نعلم٩ أن المناطق الواقعة في أقصى حدود أمريكا الشمالية، والتي تبعد درجات كثيرة عن الحد الذي تكون فيه الأرض متجمدة دائمًا على عمق بضع أقدام، مغطاة بغابات من الأشجار الضخمة والمرتفعة. على نحو مشابه، في سيبيريا، لدينا غابات من شجر القضبان والتنوب والحور الرجراج واللاريكس (أو الأرزية) تنمو عند دائرة عرض ٦٤ درجة١٠ حيث ينخفض متوسط درجة حرارة الهواء دون درجة التجمد وتكون الأرض متجمدة تمامًا؛ حتى إن جثث الحيوانات الميتة المدفونة بها محفوظة على نحو مثالي. في ظل هذه الحقائق، يجب أن نعترف فيما يتعلق «بالكم وحده» الخاص بالنباتات، أن رباعيات الأقدام الضخمة التي عاشت في أواخر عهود العصر الثالث الجيولوجي في معظم أجزاء شمال أوروبا وآسيا، ربما عاشت في المواضع التي توجد فيها بقاياها الآن. لا أتحدث هنا عن «نوع» النباتات الضرورية لدعمها وإعاشتها؛ فبما أن ثمة دليلًا على حدوث تغيرات جسمانية بها، وبما أن الحيوانات قد صارت منقرضة؛ إذن يمكننا افتراض أن أنواع النباتات قد تغيرت كذلك.

وإذا كان لي أن أضيف شيئًا، فإن هذه الملاحظات ترتبط ارتباطًا مباشرًا بحالة الحيوانات المحفوظة في الجليد في سيبيريا. لقد كان الاعتقاد الراسخ بضرورة أن يمتلك الغطاء النباتي سمة الوفرة الاستوائية لإعاشة مثل هذه الحيوانات الضخمة، واستحالة توافق هذا مع احتمالية التجمد الدائم، سببًا رئيسًا لظهور النظريات العديدة الخاصة بالانقلابات المفاجئة للمناخ والكوارث العظمى، والتي وضعت لتفسير طمر هذه الحيوانات. أنا أبعد ما يكون عن افتراض أن المناخ لم يتغير منذ ذلك الوقت الذي عاشت فيه هذه الحيوانات والتي تقبع الآن راقدة تحت الثلج. حاليًّا أريد فقط أن أوضح أنه فيما يخص «كمية» الغذاء «فقط»، فإن حيوانات الكركدن القديمة ربما كانت تجول عبر «سهوب» سيبيريا الوسطى الواسعة الجرداء (مع احتمال وجود الأجزاء الشمالية منها تحت المياه) حتى في وضعها الحالي، وكذلك الأفيال وأفراد الكركدن الحية التي تعيش في جنوب أفريقيا.

سأسرد الآن سلوكيات بعض الطيور الأكثر إثارة للاهتمام الشائع وجودها في سهول شمال باتاجونيا البرية، ولنبدأ أولًا بالأكبر حجمًا وهو النعام الجنوب أمريكي. تعتبر العادات المألوفة للنعام معلومة للجميع، فهو يعيش على النباتات مثل الجذور والحشائش؛ ولكن في باهيا بلانكا كنت أرى مرارًا ثلاثة أو أربعة منها تهبط إلى المياه الضحلة وتتجه إلى الرواسب الطينية الواسعة التي تكون جافة حينها، من أجل الاقتيات على السمك الصغير كما يقول الجاوتشو. ورغم أن النعام خجول للغاية بطبيعته وفي غاية اليقظة والعزلة، ورغم سرعة خطاه، فإن الهنود أو الجاوتشو ينجحون بسهولة في الإمساك به مسلحين بالبولاس. فعندما يظهر عدة فرسان في نصف دائرة، يُصاب النعام بالحيرة والارتباك ولا يدري كيف يهرب. يفضل النعام عمومًا الركض ضد اتجاه الريح، لكنه في البداية يفرد أجنحته وينطلق مثل سفينة شراعية. ذات يوم حار صحو، رأيت العديد من النعام يدخل حوضًا مليئًا بالأسل الطويل وجثم فيه مختبئًا حتى أصبحنا على مقربة شديدة منه. يخبرني السيد كينج أنه في خليج سان بلاش وميناء بورت فالديز في باتاجونيا، رأى هذه الطيور تسبح عدة مرات من جزيرة إلى جزيرة. وكانت تجري في المياه عندما تُساق إلى نقطة ما أو برغبتها عندما لا تكون خائفة؛ وكانت المسافة التي تعبرها تصل إلى مائتي ياردة. عندما تسبح، يظهر جزء ضئيل جدًّا من أجسادها فوق المياه وتمتد أعناقها للأمام قليلًا وتتقدم ببطء. في مناسبتين، رأيت بعض النعام يسبح عبر نهر سانتا كروز الذي كان يبلغ عرضه حوالي ٤٠٠ ياردة وكان التيار سريعًا، وعندما كان الكابتن ستورت١١ يهبط نهر مورومبيدجي في أستراليا، رأى طائرين من طيور الإمو (شبيه بالنعام لكنه يصغره في الحجم) يسبحان في النهر.
كان سكان البلاد يمكنهم بسهولة التمييز، حتى من مسافة بعيدة، بين ذكر النعام وأنثاه. فالأول أكبر حجمًا ولونه أكثر قتامة١٢ وله رأس أضخم. أعتقد أن ذكر النعام يصدر صوتًا غريبًا عميق النغمة يشبه الهسهسة؛ عندما سمعته لأول مرة وأنا أقف وسط بعض التلال الرملية، ظننت أنه يصدر من وحش مفترس؛ إذ إنه صوتٌ لا يمكن للمرء أن يحدد من أين يأتي أو المسافة القادم منها. عندما كنا في باهيا بلانكا، في شهري سبتمبر وأكتوبر، كان البيض، الذي كان بأعداد مهولة، يوجد في كل أنحاء المنطقة. كان البيض إما مبعثرًا أو فرادى وفي هذه الحالة لا يفقس أبدًا، ويسميه الإسبان «هواتشو» أو البيض اللقيط؛ وإما يتجمع معًا في حفرة ضحلة تكون بمثابة عش لها. من بين الأعشاش الأربعة التي رأيتها، كان ثمة ثلاثة يحوي كل منها اثنتين وعشرين بيضة، بينما كان الرابع يحوي سبعًا وعشرين بيضة. ففي يوم واحد من الصيد على الخيول، عثرنا على أربع وستين بيضة، منها أربع وأربعون كانت في عشين، بينما العشرون المتبقية كانت بيضات لقيطة مبعثرة. وثمة تأكيد بالإجماع من الجاوتشو، ولا يوجد ما يستدعي التشكيك في كلامهم، أن الذكر يرقد على البيض بمفرده، ويرافق الصغار لبعض الوقت بعد خروجهم من البيض. وعندما يكون الذكر في العش، فإنه يرقد عليه بقوة وإحكام؛ حتى إنني كدت أمر فوق أحدها ذات مرة. وثمة تأكيد أنه أحيانًا ما يكون في هذه الأوقات شرسًا إلى حد الخطورة، وعُرِف عنه أنه هاجم ذات مرة رجلًا فوق حصانه محاولًا ركله والقفز فوقه. وقد أخبرني مرشدي عن رجل عجوز رآه مذعورًا بعد أن طارده ذكر نعام. لاحظت في كتاب «الأسفار» لبورتشيل إلى جنوب أفريقيا أنه قد أشار إلى أنه «بعد قتل ذكر نعام، وكان ريشه متسخًا، قال عنه أفراد قبيلة الهوتِنتوت إنه طائر عُشي.» أتفهم أن ذكر الإمو في حدائق الحيوان يكون مسئولًا عن العش؛ ولذا فإن هذه العادة شائعة في هذا النوع من الطيور.
يؤكد الجاوتشو بالإجماع أن عدة إناث ترقد في عش واحد. وقد قيل لي على نحو مؤكد إن أربع إناث أو خمسًا قد شوهدت تذهب في منتصف اليوم واحدة تلو الأخرى إلى العش نفسه. يمكنني كذلك أن أضيف أنه يُعتقد في أفريقيا أن أُنْثيَيْن أو أكثر يرقدْنَ في العش نفسه.١٣ وعلى الرغم من أن هذه العادة تبدو للوهلة الأولى في غاية الغرابة، أعتقد أنه يمكن تفسيرها على نحو أكثر بساطة. يتراوح عدد البيض في العش الواحد بين عشرين وأربعين بيضة أو حتى خمسين؛ وبحسب أزارا، أحيانًا ما يصل هذه العدد إلى سبعين أو ثمانين بيضة. إذن، رغم أن الاحتمال الأغلب أن الأنثى ربما تضع عددًا كبيرًا من البيض على مدى الموسم، بالنظر إلى أن عدد البيض الموجود في منطقة واحدة مهول بالنسبة إلى الأبوين، وكذلك حالة مبيض الأنثى، فإن هذا يتطلب حتمًا فترة زمنية طويلة جدًّا. وفي ذلك يذكر أزارا١٤ أن إحدى الإناث في حالة التدجين قد وضعت سبع عشرة بيضة بين كل بيضة والأخرى ثلاثة أيام. فإذا اضطرت الأنثى إلى الرقود على البيض، فإن الأولى ربما ستفسد قبل أن تضع الأخيرة؛ أما إذا وضعت كل أنثى القليل من البيض على فترات متتالية في أعشاش مختلفة، وعدة إناث، كما هو الحال حسبما يقال، يجتمعن معًا، فسيكون البيض كله من نفس العمر تقريبًا. أما إذا كان عدد البيض في أحد هذه الأعشاش، كما أعتقد، لا يفوق في المتوسط العدد الذي تضعه أنثى واحدة في الموسم، فلا بد إذن أن هناك أعشاشًا بعدد الإناث وأن كل ذكر سيتحمل نصيبه العادل من العمل فيما يتعلق بحضانة البيض، وذلك خلال الفترة التي من المحتمل ألَّا تستطيع فيها الأنثى الرقود عليه؛ لأنها لم تنتهِ بعدُ من وضع البيض.١٥ ذكرت من قبلُ الأعدادَ الضخمة للبيض اللقيط؛ حتى إنه في رحلة صيد ليوم واحد عثرنا على عشرين بيضة في هذه الحالة. يبدو من الغريب إهدار كل هذا العدد من البيض. ألَا يعود هذا إلى صعوبة تجمع عدة إناث معًا والعثور على ذكر مستعد للاضطلاع بمهمة الرقود على البيض؟ من الواضح أنه يجب أن يكون هناك في البداية درجة ما من الارتباط بين أُنْثَييْنِ على الأقل، وإلا فسيظل البيض مبعثرًا عبر أنحاء السهول الواسعة على مسافات متباعدة للغاية لا تسمح للذكر بجمعها في عش واحد، فيما اعتقد بعض المؤلفين أن البيض المبعثر قد وُضِع لكي تتغذى عليه الأفراخ الصغيرة. ومن الصعب أن يكون الأمر هكذا في أمريكا؛ بالنظر إلى أن البيضات اللقيطة، رغم أنها غالبًا ما يعثر عليها مُهمَلة ومتعفنة، فإنها عمومًا تكون سليمة وكاملة.

عندما كنا في ريو نيجرو شمال باتاجونيا، سمعت مرارًا الجاوتشو يتحدثون عن نوع نادر جدًّا من الطيور يسمى الريا الصغرى (ريا ريشي). كانوا يصفونه بأنه أقل حجمًا من النعامة الشائعة (المتوفرة بكثرة هناك) لكنه شديد الشبه بها في العموم. كانوا يقولون إن لونه داكن ومرقش، وسيقانه أقصر ومكسوة بالريش لموضع أكثر انخفاضًا من سيقان النعام الشائع، كما يسهل صيده بالبولاس أكثر من الأنواع الأخرى. وأكد السكان القليلون الذين رأوا كلا النوعين أنهم استطاعوا التمييز بينهما من مسافة كبيرة. غير أن بيض النوع الأصغر كان معروفًا أكثر وكان يتميَّز، وهو الأمر المدهش، بأنه أصغر حجمًا بكثير من بيض طائر الريا، لكنه ذو شكل مختلف قليلًا وبه مسحة من اللون الأزرق الباهت. يندر ظهور هذه الفصيلة في السهول المتاخمة لريو نيجرو، لكن من المحتمل توافره بكثرة إذا اتجهنا جنوبًا بمقدار درجة ونصف. عندما كنا في بورت ديزاير في باتاجونيا (عند دائرة عرض ٤٨ درجة)، أطلق السيد مارتينز النار على نعامة ونظرت إليها، ناسيًا في تلك اللحظة، على نحو لا يمكن تفسيره مطلقًا، أمر الريا الصغرى وظننت أنه طائر لم يكتمل نموه من النعام الشائع. طُبِخ الطائر وأُكِل قبل أن تعود لي ذاكرتي. ولحسن الحظ، احتُفظ بالرأس والرقبة والسيقان والأجنحة وكثير من الريش الكبير الحجم وجزء كبير من الجلد، ومن هذه العناصر تم تجميع عينة شبه كاملة منه، تُعرَض الآن في متحف جمعية علم الحيوان. وفي معرض وصف السيد جولد لهذا النوع الجديد، منحني شرف أن سماه على اسمي.

وجدنا بين هنود باتاجونيا في مضيق ماجلان رجلًا نصف هندي عاش لبضع سنوات مع القبيلة لكنه وُلِد في المقاطعات الشمالية. سألته عما إذا كان قد سمع من قبل بالريا الصغرى. فأجاب قائلًا: «لا يوجد غيرها في هذه المناطق الجنوبية.» أخبرني أن عدد البيض في عش الريا الصغرى أقل بكثير من بيض النعام الآخر، تحديدًا لا يزيد عن خمس عشرة بيضة في المتوسط، لكنه أكَّد أن أكثر من أنثى وضعتها. في سانتا كروز، رأينا الكثير من هذه الطيور. كانت في أقصى درجات الحذر والترقب؛ أظنها تستطيع رؤية شخص ما عند اقترابه منها عندما تكون على مسافة أبعد من أن يستطيع أحد تمييزها هي نفسها. أثناء صعودنا النهر، رأينا القليل منها، لكن أثناء نزولنا السريع والهادئ، رأينا العديد منها في أزواج وفي جماعات من أربعة أفراد أو خمسة. وقد لوحظ أن هذا الطائر لم يكن يفرد جناحيه عندما يبدأ الانطلاق بأقصى سرعته على غرار النوع الشمالي. في النهاية يمكنني القول إن الريا الكبرى تسكن أراضي لابلاتا حتى جنوب ريو نيجرو بقليل عند دائرة عرض ٤١ درجة وإن الريا الصغرى (الداروينية) تتخذ موضعها في جنوب باتاجونيا، ويبقى الجزء حول ريو نيجرو أرضًا محايدة. عندما كان السيد إيه دوربيني١٦ في ريو نيجرو، قام بمحاولات مضنية للحصول على هذا الطائر، لكن لم يحالفه الحظ أبدًا. كان دوبريزهوفر١٧ على دراية منذ وقت طويل بوجود نوعين من النعام؛ إذ يقول: «علاوة على ذلك، يجب أن تعرف أن الإمو يختلف في الحجم والسلوكيات في أماكن مختلفة من البلاد؛ فالإمو الذي يسكن في سهول بيونس أيرس وتوكومان أكبر حجمًا وذو ريش أسود وأبيض ورمادي، بينما الإمو الذي يسكن بالقرب من مضيق ماجلان أصغر وأجمل؛ لأن ريشه الأبيض ينتهي بأطراف سوداء بينما الريش الأسود ينتهي بأطراف بيضاء.»

ثمة طائر صغير غريب للغاية يشيع وجوده هنا، وهو تينوكورس روميسيفيروس أو خوذية الشواطئ الأصغر؛ ويشترك في سماته، على اختلافها، ومظهره العام مع السمان والشنقب. يوجد الخوذية في جميع أنحاء الجزء الجنوبي من أمريكا الجنوبية حيثما وُجِدت سهول مجدبة أو مراعٍ مفتوحة جافة. يتردد هذا الطائر على أكثر الأماكن المقفرة المهجورة في أزواج أو أسراب صغيرة، حيث يندر وجود أي كائن حي آخر. عند الاقتراب منه، يجثم على الأرض بقوة بحيث يصعب تمييزه عن الأرض على نحو بالغ. وعندما يعمد إلى تناول الطعام، يمشي ببطء مباعدًا بين ساقيه. يعفر الخوذية نفسه بالغبار في الطرق والأماكن الرملية، ويتردد على مواضع بعينها يمكن العثور عليه فيها يومًا بعد آخر، ويطير في أسراب على غرار طائر الحَجَل. في كل هذه الأمور، وكذلك فيما يتعلق بالقانصة العضلية المهيأة للغذاء النباتي، والمنقار المقوس وفتحتي الأنف اللحميتين، والسيقان القصيرة وشكل القدم، يتشابه طائر الخوذية مع السمان إلى حد كبير، لكن بمجرد أن يُشاهد وهو يطير، فإن شكله يتغير بالكامل؛ فالأجنحة الطويلة المدببة التي تختلف تمامًا عن أجنحة الطيور في رتبة الدجاجيات، وأسلوب الطيران غير المنتظم، والصيحة النائحة التي تصدر لحظة البدء في الطيران تستدعي للأذهان طائر الشنقب. وقد دعاه صيادو البيجل بالإجماع الشنقب القصير المنقار. ويُظهر هيكله العظمي أنه ذو صلة قرابة حقًّا بهذه الرتبة، أو بالأحرى فصيلة الطيور الخوَّاضة.

يرتبط طائر الخوذية بقرابة وثيقة ببعض طيور أمريكا الجنوبية الأخرى. ثمة نوعان من فصيلة طائر الحقم يشبهان طائر الترمجان في كل عاداته تقريبًا؛ أحدهما يعيش في أرض النار فوق حدود الأراضي الحَرَجيَّة، والآخر تحت خط الثلج مباشرة في السلسلة الجبلية في وسط تشيلي. ثمة طائر آخر ينتمي إلى نوع ذي صلة قرابة كبيرة به هو مغمد المنقار الثلجي، والذي يعيش في المناطق القطبية الجنوبية ويتغذى على طحالب البحر والقواقع الموجودة على صخور المد والجزر. ورغم أنه ليس مكفَّف القدم، فإنه نتيجة لسلوك لا تفسير له، كثيرًا ما يُشاهد في عرض البحر. وهذه العائلة الصغيرة من الطيور هي إحدى تلك العائلات التي من خلال علاقاتها المتنوعة بالعائلات الأخرى، رغم أن ذلك لا يجلب حاليًّا سوى الصعوبات لعالِم الطبيعيات المنهجي، ربما تساعد في النهاية في كشف المخطط الكبير الشائع في الأزمان السابقة والحاضرة الذي خُلِقَت على أساسه الكائنات المتعضية.

تضم رتبة الفرناريات العديد من الأنواع، كلها من الطيور الصغيرة الحجم التي تعيش على اليابسة وتسكن الأراضي الجافة المفتوحة. لا يمكن مقارنة تكوينها بأي طائر أوروبي. وقد أدرجها علماء الطيور عامة ضمن عائلة الطيور المتسلقة رغم أنها تختلف عنها في كل عاداتها. يعتبر أشهر أنواع طائر الفرَّان الشائع في لابلاتا، أو الكاسارا، أو صانع المنزل كما يسميه الإسبان. يقع عشه الذي استمد منه اسمه في أكثر المواقع المكشوفة، كأن يكون فوق عمود أو صخرة عارية أو نبات صبار. يتكون العش من طين وأعواد من القش، وله جدران سميكة قوية ويشبه الفرن تمامًا أو خلية نحل منخفضة، وفتحته كبيرة ومقوَّسة، وتقع في الأمام مباشرة، وبداخل العش يوجد فاصل يكاد يصل إلى السقف، ليشكل بذلك ممرًّا أو حجرة انتظار تؤدي إلى العش الحقيقي.

ثمة نوع آخر من الفرناريات أصغر حجمًا (وهو الفران الوجاري) يشبه الطائر الفرَّان في المسحة الحمراء العامة التي تغطي ريشه وصرخته الغريبة المتكررة وفي أسلوبه الغريب في الركض باستخدام الوثبات. ونظرًا للتشابه، فإن الإسبان يسمونه كاساريتا (أو صانع المنزل الصغير) رغم أن طريقته في بناء الأعشاش مختلفة تمامًا. يبني صانع المنزل الصغير عشه في قاع حفرة أسطوانية ضيقة، يُقال إنها تمتد أفقيًّا إلى حوالي ست أقدام تحت الأرض. أخبرني العديد من سكان المنطقة أنهم عندما كانوا صبية، كانوا يحاولون اقتلاع هذه الأعشاش من تحت الأرض، لكن نادرًا ما كانوا ينجحون في الوصول إلى نهاية الحفرة. يتخير الطائر أي ضفة منخفضة ذات تربة رملية متماسكة بجانب طريق أو مجرى مائي. هنا (في باهيا بلانكا) تكون الجدران المحيطة بالمنازل مبنية من طين مقسى، ولاحظت أن أحدها، والذي كان يحيط بباحة منزل كنت أقيم به، كان مثقوبًا بفتحات دائرية في عدة أماكن. عند سؤال مالك المنزل عن السبب، اشتكى شكوى مريرة من طيور الكاساريتا الصغيرة التي لاحظتها فيما بعد وهي تقوم بعملها. كان من المثير لي نوعًا ما أن أكتشف أن هذه الطيور لا بد أنها غير قادرة على إدراك أي فكرة عن مدى سماكة الحائط؛ فعلى الرغم من أنها كانت دائمًا ما ترفرف فوق الحائط المنخفض، فقد استمرت في محاولة ثقبه عبثًا؛ ظنًّا منها أنه يمثل ضفة ممتازة لحمل أعشاشها. لا أشك في أن كل طائر، حينما يبلغ ضوء النهار المشرق في الجانب المقابل، كان يفاجَأ بهذه الحقيقة المذهلة.

لقد ذكرت بالفعل أن كل الثدييات تقريبًا يشيع وجودها في هذه المنطقة. فثمة ثلاثة أنواع من المدرع، وهي المدرع البيشي، أو المدرع القزم، والمدرع المشعر الكبير، والمدرع الجنوبي الثلاثي الأحزمة. يمتد نطاق وجود الأول إلى عشر درجات إلى الجنوب أكثر من أي نوع آخر، وثمة نوع رابع وهو مدرع ييبس والذي لا يصل نطاق وجوده إلى الجنوب حتى باهيا بلانكا. تشترك هذه الأنواع الأربعة في عادات شبه متماثلة؛ غير أن المدرع المشعر الكبير ينشط ليلًا، بينما تتجول الأنواع الأخرى نهارًا في السهول المفتوحة، حيث تتغذى على الخنافس واليرقات والجذور وحتى الثعابين الصغيرة. ويتميز المدرع الجنوبي الثلاثي الأحزمة، المعروف باسم ماتاكو، بأن لديه ثلاث طبقات قابلة للتحرك تغطي جسده بينما بقية درعه المضلع شبه صلب، ويمتلك القدرة على تكوير نفسه في شكل دائرة كاملة، مثل أحد أنواع قمل الخشب الإنجليزي، وفي هذه الحالة يكون في مأمن من هجمات الكلاب؛ إذ لا يستطيع الكلب وضعه بالكامل في فمه، فيحاول قضم أحد جانبيه ما يجعل الكرة تتدحرج بعيدًا. يتيح الغطاء القاسي الأملس لمدرع الماتاكو آلية دفاعية أفضل من الأشواك الحادة التي تغطي القنفذ. أما المدرع البيشي فيفضل التربة الجافة تمامًا، وتعتبر الكثبان الرملية القريبة من الساحل، التي تظل شهورًا بلا قطرة ماء، هي ملاذه المفضل. وغالبًا ما يحاول ألَّا يلاحظه أحد بالجثوم بشدة على الأرض؛ فقد كنا نصادف العديد منها عادة بالقرب من باهيا بلانكا خلال مسيرة يوم، وبمجرد رؤية أحدها، كان من الضروري للإمساك به النزول من فوق الحصان؛ لأنه كان يحفر الرمال الناعمة بسرعة؛ حتى إن أطرافه الخلفية تكاد تختفي بالكامل قبل أن يترجل الراكب. يبدو مؤسفًا قتل مثل هذه الحيوانات الصغيرة اللطيفة؛ فهي كما قال عنها أحد رعاة الجاوتشو بينما يسن سكينه على ظهر أحدها: «هادئة جدًّا.»

يوجد أنواع عديدة من الزواحف؛ فهناك أفعى (تسمى تريجونوسيفالوس أو الكوفياس، والتي أطلق عليها السيد بيبرون، فيما بعد، الحية المثلثية الرأس) التي يبيِّن حجم قناة السم في أنيابها أنها مميتة حتمًا. وخلافًا لبعض علماء الطبيعة الآخرين، يصنفها كوفييه جنسًا فرعيًّا من الأفعى المجلجلة، وتقع في مرتبة وسطى بينها وبين الأفعى الخبيثة. وتأكيدًا لهذا الرأي، فقد لاحظت حقيقة تبدو لي مثيرة للاهتمام وتثقيفية بشكل كبير؛ إذ توضح كيف أن كل سمة، حتى لو كانت من المحتمل أن تكون مستقلة عن التكوين الجسماني بدرجة ما، تميل للاختلاف بدرجات بطيئة. فذيل هذه الأفعى ينتهي بطرف هو عبارة عن رأس متضخم على نحو طفيف للغاية، وحين ينسل الحيوان يهتز الجزء الأخير من ذيله على نحو متواصل، وعندما يصطدم هذا الجزء بالعشب الجاف والأغصان المقطوعة، يُصدر صوت خشخشة يمكن سماعه بوضوح من مسافة ست أقدام. وكلما كان يتعرض الحيوان للمضايقة أو المفاجأة، اهتز الذيل بذبذبات سريعة جدًّا. حتى عندما كان الجسم يحتفظ بتهيجه، ظل هناك نزعة واضحة للقيام بهذه الحركة المألوفة؛ لذا فإن أفعى التريجونوسيفالوس لها نفس تكوين الأفعى الخبيثة في بعض الجوانب، وعادات الأفعى المجلجلة؛ غير أن الصوت يصدر بواسطة آلية أبسط. كان تعبير وجه هذه الأفعى شرسًا وبشعًا، وكان بؤبؤ العين يتكون من شق طولي في قزحية مرقشة ونحاسية اللون، وكان فكاها عريضين عند القاعدة بينما ينتهي الأنف بنتوء مثلثي الشكل. لا أظن أني رأيت من قبل شكلًا أقبح من هذا، عدا بعض الخفافيش المصاصة الدماء. أظن أن هذا الشكل المنفر نابع من وجود ملامح الوجه في مواضع متناسبة نوعًا ما، بعضها بالنسبة إلى بعض، مع ملامح الوجه البشري؛ ومِن ثَمَّ فنحن لنا نصيب من البشاعة.

أما بين الزواحف البرمائية، فلم أجد سوى عُلْجومًا صغيرًا (الفرينيسكوس الأسود) الذي كان مميزًا إلى أقصى حد بسبب لونه. إذا تخيلنا للوهلة الأولى أنه غُمِر في أكثر أنواع الحبر قتامة ثم عندما جف الحبر، سُمِح له بالزحف فوق لوح مطل حديثًا بأزهى درجات اللون القرمزي حتى اصطبغ به باطن قدميه وجزء من بطنه، سنكتسب حينها فكرة جيدة عن لونه. لو لم يكن له اسم، لكان يجب تسميته «الشيطان» بالتأكيد؛ لأنه يصلح لإلقاء المواعظ على أسماع حواء. وبدلًا من أن يكون حيوانًا ليليًّا، مثل غيره من العلاجيم، ويعيش في تجاويف خفية رطبة، فهو يزحف نهارًا في حرارة الشمس عبر التلال الرملية الجافة والسهول المجدبة حيث لا توجد نقطة واحدة من المياه. لا بد أنه يعتمد بالضرورة على قطرات الندى من أجل الرطوبة، والتي ربما يمتصها الجلد لأنه من المعروف أن هذه الزواحف تمتلك قوى امتصاص جلدية هائلة. في مالدونادو، وجدت علجومًا مماثلًا في مكان بمثل جفاف باهيا بلانكا تقريبًا، وفكرت في أن أمنحه هدية كبرى حيث حملته إلى بركة مياه، لكن الحيوان الصغير لم يكن فقط غير قادر على السباحة، بل أظن أنه لولا المساعدة، لكان قد غرق عاجلًا.

من السحالي كان هناك أنواعٌ عدة، لكن كان ثمة نوع واحد (Proctotretus multimaculatus أو السحلية المستقيمة الزحف المتعددة الرقطات) لافت للأنظار بسبب عاداته. يعيش هذا النوع من السحالي على الرمال المكشوفة بالقرب من ساحل البحر، وبسبب لونه المرقش، حيث الحراشف المائلة للون البني منقطة بالأبيض والأحمر المائل للاصفرار والأزرق الشائب، يصعب تمييزه من السطح المحيط به. عندما يخاف، يحاول تجنب اكتشافه بالتظاهر بالموت، بمد سيقانه وضغط جسده وغلق عينيه؛ وإذا استمر الإزعاج، يدفن نفسه بسرعة هائلة في الرمال المفككة. ولا تستطيع هذه السحلية الركض بسرعة كبيرة بسبب جسدها المفلطح وسيقانها القصيرة.
سأضيف هنا بضع ملاحظات عن السُّبات الشتوي لدى الحيوانات في هذا الجزء من أمريكا الجنوبية. عندما وصلنا إلى باهيا بلانكا للمرة الأولى، في السابع من سبتمبر عام ١٨٣٢، ظننا أن الطبيعة قد ضنت على هذا المكان الرملي الجاف بالكائنات الحية، ولكن مع الحفر في الأرض، عثرنا على العديد من الحشرات وعناكب كبيرة وسحالي في حالة نصف سبات. في يوم الخامس عشر، بدأ القليل من الحيوانات في الظهور، وفي يوم الثامن عشر (أي بعد ثلاثة أيام من بدء الاعتدال الربيعي)، أعلن كل شيء عن قدوم الربيع. فتزينت السهول بزهور نبات الحماض الوردي، والبازلاء البرية، والأخدرية، والغرنوقي، وبدأت الطيور في وضع بيضها. كان ثمة عدد كبير من الحشرات مثل الخُنْفَساء الرقيقية القرون Lamellicorn، والخُنْفَساء المتباينة الأجزاء Heteromerous، حيث تتميز الأخيرة بأجسادها التي تبدو كأنها منحوتة بعمق، تزحف ببطء هنا وهناك، بينما انطلقت السحالي، وهم السكان الدائمون للتربة الرملية، في كل اتجاه تقريبًا. خلال الأحد عشر يومًا الأولى، وبينما كانت الطبيعة في حالة سبات وخمول، كان متوسط درجة الحرارة الذي أخذ من واقع الملاحظات التي كانت تُسجَّل على متن البيجل كل ساعتين هو ٥١ درجة؛ وفي منتصف اليوم كان مؤشر مقياس الحرارة نادرًا ما يتجاوز ٥٥ درجة. وخلال الأحد عشر يومًا التالية، الذي أصبحت فيه كل أشكال الكائنات الحية غاية في النشاط، كان متوسط الحرارة ٥٨ درجة، بينما في منتصف اليوم كان يتراوح بين ٦٠ و٧٠ درجة. إذن، كان ثمة زيادة في متوسط الحرارة بمقدار سبع درجات، لكنها زيادة أكبر في درجات الحرارة العظمى، وهي زيادة كفيلة بإيقاظ الحياة. في مونتفيديو، التي كنا قد أبحرنا منها للتو، وخلال الثلاثة والعشرين يومًا فيما بين السادس والعشرين من يوليو والتاسع عشر من أغسطس، كان متوسط الحرارة من خلال ٢٧٦ تسجيلًا لدرجات الحرارة ٥٨٫٤ درجة، ووصل في أكثر الأيام حرارة إلى ٦٥٫٥ درجة، بينما في أبردها كان ٤٦ درجة. وكانت أقل نقطة وصل إليها مقياس الحرارة هي ٤١٫٥ درجة، وكانت ترتفع في منتصف اليوم في بعض الأحيان إلى ٦٩ أو ٧٠ درجة، لكن بالرغم من هذه الحرارة المرتفعة، كانت كل خُنْفَساء تقريبًا، إلى جانب عدة أنواع من العناكب والحلزونات والقواقع الأرضية والعلاجيم والسحالي، ترقد في سبات تحت الأحجار، لكننا رأينا في باهيا بلانكا، التي تقع أربع درجات جنوبًا ومِن ثَمَّ تتسم بمناخ أكثر برودة قليلًا، أن نفس درجة الحرارة، لكن مع انخفاض في درجات الحرارة العظمى نوعًا ما، كانت كافية لإيقاظ كل رتب الكائنات الحية. يوضح هذا كيف أن الحافز المطلوب لإيقاظ الحيوانات من حالة السبات محكوم إحكامًا دقيقًا بالمناخ المألوف للمكان، وليس الحرارة المطلقة. من المعروف أنه في المناطق الاستوائية، فإن سبات الحيوانات، أو بالأصح البيات الصيفي، لا تحدده درجة الحرارة، بل أوقات الجفاف؛ فبالقرب من ريو دي جانيرو، دهشت في البداية عندما لاحظت، أنه بعد مرور بضعة أيام على امتلاء بعض المنخفضات الصغيرة بالمياه، صارت مأهولة بالعديد من القواقع والخنافس المكتملة النمو، التي لا بد أنها كانت ترقد في حالة خمول. وقد روى همبولت تلك الواقعة الغريبة الخاصة بحظيرة أقيمت فوق بقعة كان يرقد فيها تمساح صغير تحت الطين القاسي، ويضيف قائلًا: «غالبًا ما يجد الهنود أصلات هائلة الحجم يسمونها أوجي أو حيات الماء في حالة الخمول نفسها؛ ولكي يعيدوها إلى نشاطها، لا بد أن تُستَثار أو تُبلَّل بالمياه.»
figure
حيات الماء.
سأذكر حيوانًا واحدًا آخر فقط، وهو حيوان مريجي أو نباتي (أعتقد أن اسمه قلم البحر البتاجوني Virgularia Patagonica) وهو نوع من أقلام البحر. كان يتكون من سويقة لحمية مستقيمة رفيعة بها صفوف تبادلية من السلائل على كل جانب تحيط بمحور قاسٍ مرن، يتراوح طولها بين ثماني بوصات وقدمين. كانت السويقة مبتورة من أحد طرفيها، لكن الطرف الآخر كان ينتهي بزائدة لحمية دودية الشكل. يمكن تتبع المحور القاسي الذي يمنح القوة إلى السويقة إلى نهاية هذا الطرف وصولًا إلى وعاء بسيط مليء بمادة حُبيبية. يمكن رؤية المئات من هذه الحيوانات المريجية في المياه الضحلة تبرز كجذامات، حيث يتجه الطرف الأبتر للأعلى وتعلو سطح الرمال الطينية ببضع بوصات. عند لمسها أو جذبها تنكمش فجأة بقوة حتى تختفي تقريبًا أو تختفي تمامًا. عندما يحدث هذا، لا بد أن ينثني المحور الشديد المرونة عند الطرف السفلي، حيث يكون مقوسًا قليلًا في العادة، وأتخيل أن هذه المرونة وحدها تُمكِّن الحيوان المريجي من الارتفاع مجددًا عبر الطين. رغم ارتباط كل سليلة بنظيراتها بشكل قوي، فإن لكلٍّ منها فمًا وجسدًا ومجسًّا مستقلًّا. في عينة كبيرة من هذه السلائل، يوجد حتمًا آلاف منها، مع ذلك نلاحظ أنها تتصرف بحركة واحدة؛ كما أن لها محورًا مركزيًّا متصلًّا بجهاز دوري خفي وتُنتَج البويضات في عضو مستقل عن الأفراد المنفصلة.١٨ قد يتيح ذلك لنا طرح سؤال: ما المقصود بالفرد؟ من المثير دائمًا اكتشاف أساس هذه الحكايات الغريبة للرحالة القدماء، وليس لديَّ شك في أن عادات هذا الحيوان تفسر مثل هذه الحالة. في رحلته١٩ عام ١٦٠١، يحكي الكابتن لانكستر أنه على الرمال البحرية لجزيرة سومبريرو في جزر الهند الشرقية، «وجد غصنًا صغيرًا ينمو شجرة صغيرة، وعند محاولة اقتلاعه، ينكمش لأسفل ويغوص في الأرض إلا إذا تم الإمساك به بشدة. عند اقتلاعه، يتبين أن جذره عبارة عن دودة كبيرة، ومع زيادة حجم الشجرة، تتقلص الدودة، وبمجرد أن تتحول الدودة بالكامل إلى شجرة، تضرب بجذورها في الأرض وتصبح هائلة الحجم. يعتبر هذا التحول من أغرب العجائب التي رأيتها في كل أسفاري؛ فلو اقتُلعت هذه الشجرة وهي صغيرة ونُزِع اللحاء والأوراق، تصبح حجرًا صلبًا عندما تجف مثل الشعاب المرجانية البيضاء؛ وعلى ذلك تتحول هذه الدودة مرتين لطبيعتين مختلفتين. وقد جمعت عددًا منها وعدت بها للوطن.»

خلال إقامتي في باهيا بلانكا، أثناء انتظاري لسفينة البيجل، كان المكان في حالة اضطراب دائم بسبب شائعات الحروب والانتصارات بين قوات الجنرال روساس والهنود البربريين. في أحد الأيام، جاء خبر بأن مجموعة صغيرة في أحد السرايا على الطريق إلى بيونس أيرس وُجِد جميع أفرادها قتلى. وفي اليوم التالي وصل ٣٠٠ رجل من كولورادو تحت قيادة القائد ميراندا. كان جزء كبير من هؤلاء الرجال هنودًا (من المانسو) ينتمون إلى قبيلة الزعيم بيرنانتيو. قضوا الليل هنا وكان من المستحيل رؤية أي شيء أكثر وحشية وبربرية من منظرهم في معسكرهم المؤقت؛ فقد ظل بعضهم يشربون حتى ثملوا، بينما راح آخرون يزدردون الدم الحار للماشية التي ذُبِحَت من أجل العشاء، وبعد ذلك، وبسبب إصابتهم بالغثيان بسبب السُّكر، لفظوه مرة أخرى، وصاروا ملوثين بالوسخ والدم.

في الصباح، انطلقوا نحو مسرح حادثة القتل، وكان لديهم أوامر بتتبع الأثر حتى لو قادهم إلى تشيلي. بعد ذلك سمعنا أن الهنود المتوحشين هربوا إلى سهول البامبا الكبرى ولسبب ما فُقِد الأثر. إن نظرة واحدة للأثر من شأنها أن تخبر هؤلاء الناس بقصة كاملة. على افتراض أنهم فحصوا أثر ١٠٠٠ حصان، سرعان ما سيخمنون عدد الخيول الممتطاة بإحصاء كم منها كان يسير خبَبًا؛ وإذا ما كانت محملة بالبضائع أم لا من خلال عمق آثار أقدامها؛ وإلى أي مدى هي مرهقة من خلال عدم انتظام الخطوات؛ وإذا ما كان المُطارَدون قد سافروا في عجالة أم لا من خلال أسلوب طهي الطعام؛ وكم مر من الوقت منذ عبورهم من خلال الشكل العام. وهم يعتبرون أن أثرًا يرجع إلى عشرة أيام أو أسبوعين هو أثر حديث نسبيًّا بما يكفي لاقتفائه. سمعنا كذلك أن ميراندا قد هجم من الطرف الغربي لسلسلة جبال فينتانا في خط مستقيم نحو جزيرة كولتشيل الواقعة على مسافة سبعين فرسخًا شمال أعالي ريو نيجرو، ما يعني مسافة بين ٢٠٠ و٣٠٠ ميل عبر منطقة مجهولة تمامًا. أي قوات أخرى في العالم تتمتع بالاستقلالية لهذا الحد؟ باتخاذ الشمس دليلًا لهم، ولحم الأمهار طعامًا، وقماش السروج أسِرَّة، فما دامت المياه شحيحة، كان هؤلاء الرجال مستعدون للذهاب إلى نهاية العالم.

بعد بضعة أيام، رأيت مجموعة أخرى من هؤلاء الجنود الذين يشبهون قطاع الطرق ينطلقون في حملة ضد قبيلة من الهنود في البحيرات الملحية الصغيرة، وشى بهم زعيم قبيلة مأسور. كان الإسباني الذي جاء بالأوامر بإطلاق الحملة رجلًا غاية في الذكاء. وقد حكى لي عن الاشتباك الأخير الذي حضره. كان بعض الهنود الذين كانوا في السجن قد أدلوا بمعلومات عن قبيلة تعيش شمال كولورادو. فأُرسِل مائتا جندي واستطاعوا في البداية اكتشاف موضع الهنود عن طريق سحابة ترابية خلَّفتها خيول الهنود؛ إذ تصادف أنهم كانوا مسافرين. كانت المنطقة ذات طبيعة جبلية وعرة ومقفرة، ولا بد أنها كانت تقع على مسافة كبيرة نحو الداخل؛ إذ كانت سلسلة الجبال في مرمى البصر. كان عدد الهنود، رجالًا ونساءً وأطفالًا نحو ١١٠، وقد وقعوا جميعهم تقريبًا بين أسير وقتيل؛ إذ كان الجنود يطعنون أي رجل بالسيف. كان الهنود آنذاك في هلع؛ حتى إنهم لم يُبدوا أي مقاومة جماعية، بل فر كل فرد وحده تاركًا حتى زوجته وأولاده، لكن عندما يُحاصرون، فهم يقاتلون أي عدد من الأعداء حتى الرمق الأخير بشراسة تضاهي الحيوانات الضارية. فقد أمسك أحد الهنود المحتضرين إبهام خصمه بأسنانه وفضَّل أن تقتلع عينه عن تخفيف قبضة أسنانه. ثمة هندي آخر جريح تظاهر بالموت بينما يخبئ سكينًا استعدادًا لتسديد ضربة أخرى قاتلة. وقد أخبرني مرشدي أنه أثناء مطاردته لأحد الهنود، توسل إليه الأخير طالبًا الرحمة بينما راح في الوقت نفسه يفك البولاس من خصره سرًّا معتزمًا تدويرها حول رأسه ومِن ثَمَّ مهاجمة مطارده. وأضاف: «ولكني طرحته أرضًا بسيفي ثم ترجلت من فوق حصاني وذبحته بسكيني.» كانت صورة قاتمة، لكن ما هو أشنع بكثير من ذلك هو الحقيقة التي لا تقبل الشك، أن كل النساء اللاتي يبدو أنهن يتجاوزن العشرين قد قُتِلن بدم بارد! عندما تعجبت من أن هذا يبدو تصرفًا غير إنساني، رد قائلًا: «ما الذي يمكن فعله؟ إنهم يتناسلون بكثرة!»

إن الجميع هنا مقتنعون أنهم يخوضون الحرب الأكثر عدالة لأنها ضد همجٍ متوحشين. من يصدق أن مثل هذه الفظاعات الوحشية يمكن أن تُرتكَب في بلد مسيحي متحضر؟ لا يتعرض أطفال الهنود للقتل لكي يُباعوا أو يُمنَحوا كعبيد، أو بالأصح كعبيد لأطول فترة يمكن لسادتهم خلالها أن يقنعوهم بأنهم عبيدٌ، لكني أعتقد أن معاملتهم كخدم لا تثير الكثير من الشكوى.

أثناء المعركة هرب أربعة رجال معًا، ولكنهم تعرضوا للمطاردة وقُتِل أحدهم بينما أُسِر الثلاثة المتبقُّون أحياءً. واتضح أنهم رسل أو سفراء من طرف مجموعة أكبر من الهنود اتحدوا معًا من أجل قضية الدفاع المشتركة بالقرب من سلسلة الجبال. كانت القبيلة التي أُرسلوا إليها على وشك عقد مجلس عظيم وأُعدت وليمة من لحم الأمهار جاهزة، وأُعدت العدة للرقص، وكان من المفترض أن يعود الرُّسُل إلى الجبال في الصباح. كانوا رجالًا أنيقين على نحو لافت للنظر، وكانوا في غاية الوسامة، يتجاوز طولهم الست أقدام وكانوا جميعًا دون الثلاثين. بالطبع كان الناجون الثلاثة يملكون معلومات قيِّمة جدًّا ولانتزاعها منهم وُضِعوا في صف. عند استجواب أول اثنين منهم، أجابا قائلين: «لا أدري.» وأُعدما رميًا بالرصاص واحدًا تلو الآخر. وقال الثالث كذلك: «لا أدري.» لكنه أضاف: «أطلِق النار. أنا رجل ويمكنني أن أموت!» لم يتفوهوا بأي كلمة من شأنها أن تضر بقضية بلادهم المشتركة! كان سلوك زعيم القبيلة المذكور آنفًا مختلفًا تمامًا؛ فقد أنقذ حياته بالإفصاح عن الخطة المزمعة للحرب ونقطة التجمع الموجودة في جبال الأنديز. كان الاعتقاد أن هناك بالفعل ٦٠٠ أو ٧٠٠ من الهنود متجمعين، وأن أعدادهم تتضاعف في الصيف. كان من المزمع إرسال السفراء إلى الهنود في البحيرات الملحية الصغيرة بالقرب من باهيا بلانكا التي سبق أن ذكرتُ أن نفس الزعيم قد فضح سرهم؛ لذا فإن التواصل بين الهنود يمتد من سلسلة الجبال إلى ساحل الأطلنطي.

كانت خطة الجنرال روساس هي قتل كل الشاردين عن الجمع ودفع البقية إلى نقطة مشتركة ليهاجمهم كجماعة واحدة في الصيف بمساعدة التشيليين، على أن تتكرر هذه العملية لثلاث سنوات متتالية. أظن أن اختيار الصيف موعدًا للهجوم الرئيسي جاء لأن السهول تكون حينذاك بلا مياه، ولا يستطيع الهنود إلا السفر في اتجاهات محددة. وفي هذا الصدد مُنع هروب الهنود إلى جنوب نهر ريو نيجرو، حيث يمكنهم أن يكونوا بأمان في منطقة شاسعة مجهولة، بمقتضى اتفاقية مع شعب التيشوليتشي، ويدفع لهم روساس الكثير لذبح أي هندي يمر إلى جنوب النهر، لكن إذا فشلوا في القيام بهذا، يتعرضون هم أنفسهم للقتل. إن الحرب قائمة بالأساس ضد الهنود الموجودين بالقرب من سلسلة الجبال؛ إذ إن العديد من قبائل الهنود في هذا الجانب الشرقي يحاربون مع روساس. غير أن الجنرال، على غرار اللورد تشسترفيلد، يظن أن أصدقاءه ربما يصبحون أعداءه يومًا ما في المستقبل؛ ولذا دائمًا ما يضعهم في الصفوف الأولى لعل أعدادهم تقل. منذ رحيلنا من أمريكا الجنوبية سمعنا أن حرب الإبادة هذه قد فشلت فشلًا ذريعًا.

من بين الفتيات اللاتي وقعن في الأسر في الاشتباك نفسه، كانت هناك إسبانيتان غاية في الجمال كان الهنود قد أخذوهما في سن صغيرة ولا تستطيعان الحديث الآن إلا بلغة الهنود. من حكايتهما، لا بد أنهما جاءتا من مقاطعة سالتا الواقعة على مسافة تمتد في خط مستقيم تصل تقريبًا إلى ألف ميل، ما يقدم للمرء فكرة معتبرة عن الإقليم الشاسع الذي يجول عبره الهنود؛ ولكن بالرغم من اتساعه، أظن أنه لن يكون هناك هندي بربري واحد في شمال ريو نيجرو في غضون نصف قرن آخر. فالحرب أكثر دموية من أن تستمر طويلًا، والمسيحيون يقتلون كل هندي وكذلك يفعل الهنود بالمسيحيين. ومن المؤسف تتبع قصة استسلام الهنود أمام الغزاة الإسبان. يقول شيردل٢٠ إنه في عام ١٥٣٥ عندما تأسَّسَت بيونس أيرس، كانت ثمة قرى يسكنها ألفان أو ثلاثة آلاف مواطن. وكان الهنود حتى في زمن فالكونر (١٧٥٠) يشنون غارات حتى لوكسان وأريكو وأريسيفي، لكنهم الآن أُبعِدوا إلى ما وراء نهر سالادو. لم تَفن فقط قبائل هندية بأكملها، بل إن ما تبقى من الهنود أصبحوا أكثر همجية؛ فبدلًا من العيش في قرى كبيرة والعمل في صيد السمك والطرائد، يهيمون الآن في السهول المفتوحة بلا وطن أو عمل ثابت.

سمعت كذلك عن قصة لاشتباك حدث في كولتشيل قبل بضعة أسابيع من الاشتباك المذكور. كان هذا المكان محطة غاية في الأهمية كونها نقطة مرور للخيول؛ ومِن ثَمَّ كانت لبعض الوقت المقر الرئيسي لكتيبة من الجيش. عندما وصلت القوات لأول مرة، وجدوا قبيلة من الهنود قُتل منها عشرون أو ثلاثون فردًا، بينما فر زعيم القبيلة هاربًا على نحوٍ أدهش الجميع؛ فقد كان زعماء الهنود دائمًا ما يكون لديهم حصان أو اثنان مختاران يحتفظون بهما لأي حدث طارئ. امتطى الزعيم أحد هذين الحصانين وكان حصانًا أبيض عجوزًا مصطحبًا معه ابنه الصغير. لم يكن للحصان سرج أو لجام. ولتجنب طلقات النار، ركب الهندي الجواد بطريقة غريبة تميِّز قومه؛ إذ وضع إحدى ذراعيه حول عنق الحصان وساقًا واحدة على ظهره. وبذلك كان الهندي معلقًا بجانب واحد من الحصان وشوهد وهو يربت على رأس الحصان ويتحدث إليه. بذل المُطارِدون كل جهد ممكن في المطاردة؛ حتى إن القائد استبدل حصانه ثلاث مرات، لكن كل هذا ذهب سدًى. ونجح الأب الهندي العجوز وابنه في الهرب وصارا حرين. يا لها من صورة رائعة تلك التي يستدعيها هذا إلى العقل؛ الجسد العاري البرونزي للرجل العجوز وابنه الصغير يمتطيان الحصان الأبيض مثل مازيبا تاركين وراءهما حشد مطارديهم على مسافة بعيدة!

figure
الريا الداروينية.
في أحد الأيام شاهدت جنديًّا يشعل نارًا بقطعة من حجر الصوان، أدركت على الفور أنها كانت جزءًا من رأس سهم. وقد أخبرني أنه عثر عليها بالقرب من جزيرة كولتشيل، وأنها كثيرًا ما تجمع من هناك. كان طولها بين بوصتين وثلاث بوصات؛ ومِن ثَمَّ كان حجمها ضعف التي تستخدم الآن في أرض النار؛ وكانت مصنوعة من حجر صوان معتم بلون قشدي، لكن طرفها وزوائدها كانت مكسورة عمدًا. من المعروف أنه لا يوجد هنود في البامبا حاليًّا يستخدمون القوس والسهام. أعتقد أن ثمة قبيلة صغيرة في باندا الشرقية مستثناة، لكنهم منفصلون إلى حد كبير عن البامبا، ومتاخمون لتلك القبائل التي تسكن الغابة وتعيش متجولة؛ لذا يبدو أن رءوس السهام هذه آثار٢١ قديمة للهنود قبل التحول الكبير الذي طرأ على عاداتهم قبل إدخال الخيول إلى أمريكا الجنوبية.

هوامش

(١) منذ كتابة هذا، فحص السيد ألسيد دوربيني هذه القواقع وأعلن أن جميعها حديثة.
(٢) وصف السيد أوجست برافارد في كتاب إسباني (بعنوان «ملاحظات جيولوجية»، ١٨٥٧) هذه المنطقة، ويعتقد أن عظام الثدييات المنقرضة قد استخرجت من الراسب البامبي التحتي؛ ومِن ثَمَّ أصبحت مطمرة مع القواقع التي ما زالت موجودة، لكني غير مقتنع بملاحظاته. يؤمن السيد برافارد أن الراسب البامبي العظيم بأكمله هو تكوين تحت هوائي مثل الكثبان الرملية، وهذا يبدو لي اعتقادًا واهيًا.
(٣) «مبادئ الجيولوجيا»، المجلد الرابع، صفحة ٤٠.
(٤) طُوِّرَت هذه النظرية لأول مرة في كتاب «علم الحيوان في رحلة البيجل»، وبعد ذلك في كتاب البروفيسور أوين «مذكرات عن الميلودون».
(٥) أعني بذلك استبعاد الكمية الإجمالية التي ربما تكون قد أُنتجت واستُهلكت على نحو متعاقب خلال فترة بعينها.
(٦) كتاب «رحلات إلى داخل جنوب أفريقيا»، المجلد الثاني، صفحة ٢٠٧.
(٧) قُدر وزن الفيل الذي قُتِل في إكستر تشينج (بعد وزنه جزئيًّا) بخمسة أطنان ونصف. وقد قيل لي إن أنثاه تقل عنه في الوزن بمقدار طن واحد؛ لذا يمكننا أن نعتبر خمسة أطنان هي متوسط وزن فيل مكتمل النمو. قيل لي في حدائق سري أن برنيقًا كان قد أرسل إلى إنجلترا وقُطِّع إلى أجزاء قُدِّر وزنه بحوالي ثلاثة أطنان ونصف؛ لنقل ثلاثة. من خلال هذه الافتراضات، يمكننا أن نقول إن كل كركدن من الخمسة يزن ثلاثة أطنان ونصف، وربما طن للزرافة، ونصف طن للجاموس الأفريقي وكذلك العلند (يزن الثور الكبير ما بين ١٢٠٠ و١٥٠٠ رطل). من خلال هذه التقديرات، يمكننا القول إن متوسط الوزن للحيوانات العشرة الأضخم الآكلة للعشب في جنوب أفريقيا يصل إلى ٢٫٧ طن. في أمريكا الجنوبية، إذا قلنا إن اثنين من التابير يزنان معًا ١٢٠٠ رطل، في مقابل ٥٠ رطلًا للجوناق والفيكونة، و٥٠٠ رطل لثلاثة أيائل، و٣٠٠ للكابيبارا وخنزير البيكاري وقرد، فسنحصل على متوسط ٢٥٠ رطلًا، وهو ما أعتقد أنها نتيجة مبالغ فيها؛ لذلك، فإن النسبة ستكون ٦٠٤٨ إلى ٢٥٠ أو ٢٤ إلى واحد بالنسبة إلى أكبر عشرة حيوانات من القارتين.
(٨) إذا افترضنا أن حالة اكتشاف أحفوريات لهيكل عظمي لحوت جرينلاند، ليست حالة منفردة لحيوان من عائلة الحيتانيات عُرف بوجوده، فمن من علماء الطبيعة كان سيغامر بتخمين وجود احتمالية أن جثة بهذه الضخامة هي جثة لحيوان كان يعيش على القِشْرِيَّات والرخويات الدقيقة التي تعيش في البحار المتجمدة في أقصى الشمال؟
(٩) طالع «ملاحظات من علم الحيوان في رحلة الكابتن باك» للدكتور ريتشاردسون، وفيه يقول: «إن التربة التحتية شمال دائرة عرض ٥٦ درجة متجمدة دائمًا وذوبان الجليد على الساحل لا يخترق أكثر من ثلاث أقدام؛ وعند بحيرة بير عند دائرة عرض ٦٤ درجة لا يزيد عن عشرين بوصة. إن الطبقة التحتية المتجمدة في حد ذاتها لا تدمر النباتات؛ لأن الغابات تزدهر على سطحها على مسافة من الساحل.»
(١٠) طالع همبولت، «نبذات آسيوية»، صفحة ٣٨٦، و«جغرافية النباتات» لبارتون، وكتاب مالت برون. في العمل الأخير، يُقال إن حد نمو الأشجار في سيبيريا ربما يتقدم إلى أسفل دائرة عرض ٧٠ درجة الموازية.
(١١) «الأسفار» لستورت، المجلد الثاني، صفحة ٧٤.
(١٢) أكد لي أحد رعاة الجاوتشو أنه رأى ذات مرة نوعًا أبيض كالثلج أو أمهق، وكان طائرًا من أجمل ما يكون.
(١٣) انظر كتاب «الأسفار» لبورتشيل، المجلد الأول، صفحة ٢٨٠.
(١٤) أزارا، المجلد الرابع، صفحة ١٧٣.
(١٥) مع ذلك، يؤكد ليتشتنستاين («الأسفار»، المجلد الثاني، صفحة ٢٥) أن الإناث تبدأ الرقود على البيض عندما تضع عشر بيضات أو اثنتي عشرة بيضة، وأنها تستمر في وضع البيض، في عش آخر على ما أظن. بالنسبة إليَّ، يبدو هذا أمرًا بعيد الاحتمال. كما يؤكد أن أربع إناث أو خمسًا تشترك في الرقود على البيض مع ذكر واحد يرقد فوقه ليلًا فقط.
(١٦) عندما كنا عند ريو نيجرو، سمعنا كثيرًا عن المجهودات الحثيثة التي لا تعرف الكلل لهذا العالم؛ فقد سافر السيد ألسيد دوربيني، بين عامي ١٨٢٥ و١٨٣٣، واجتاز مساحات واسعة من أمريكا الجنوبية وأعد مجموعة، وينشر الآن النتائج على نطاق ضخم والذي يضعه مباشرة في قائمة الرحَّالة الأمريكيين بعد همبولت فقط.
(١٧) «قصة شعب الأبيبونس»، ١٧٤٩ ميلادية، المجلد الأول (ترجمة إنجليزية)، صفحة ٣١٤.
(١٨) كانت الفجوات الموصلة من الأجزاء اللحمية للطرف مليئة بمادة صفراء لبِّية كانت ذات شكل استثنائي عند فحصها تحت المجهر. كانت الكتلة مكونة من حبيبات دائرية غير منتظمة الشكل نصف شفافة متجمعة معًا في جزيئات ذات أحجام متعددة. كانت هذه الجسيمات، والحُبيبات المنفردة، تملك القدرة على التحرك بسرعة، وعادة ما تدور حول محاور مختلفة لكن أحيانًا تكون حركتها تصاعدية. كانت حركتها مرئية تحت أقل قوة تكبير، لكن سببها لا يمكن إدراكه حتى مع أعلى مستويات التكبير. كانت مختلفة تمامًا عن دوران السائل في الكيس المرن الذي يحوي الطرف الرفيع للمحور. في مرات أخرى، أثناء تشريحي لحيوانات بحرية صغيرة تحت المجهر، رأيت جسيمات من مادة لبية بعضها ذات حجم كبير، وبمجرد أن تتفكك، تبدأ في الدوران. اعتقدت، ولا أدري مدى صحة اعتقادي ذلك، أن هذه المادة الحُبيبية اللبية كانت في طور التحول إلى بُيَيْضة. بالتأكيد كان هذا ما بدا في حالة هذا الحيوان النباتي.
(١٩) «مجموعة الرحلات البحرية» لكير، المجلد الثامن، صفحة ١١٩.
(٢٠) «مجموعة الرحلات البحرية» لبورتشيل. أعتقد أن التاريخ كان في الواقع ١٥٣٧.
(٢١) كان أزارا يشك حتى فيما إذا كان هنود البامبا قد استخدموا القوس في أي وقت. (منذ ذلك الحين استُخرج الكثير من رءوس الأسهم المشابهة من الأرض في تشوبال، وأهداني الحاكم آر تي بريتشيت اثنين منها بمناسبة زيارتي إلى هناك، عام ١٨٨٠.)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠