الفصل التاسع عشر

اجتماع غريب

أصابتني صدمة المفاجأة حين وجدتُ قصاصة الورق لا تزال مُثبتة على مكتب ثورندايك. لقد حدث الكثير منذ آخر مرة ألقيتُ نظرة عليها بحيث بدت كما لو أنها تنتمي لفترةٍ أخرى من حياتي. أزلتُها وأنا أتأمَّلها والتقطتُ المسمار قبل الدخول، ثم أغلقتُ الباب الداخلي، ولكني تركتُ الباب الخشبي مفتوحًا، أشعلتُ مصباح الغاز وأخذت أذرع الغرفة جيئةً وذهابًا.

يا له من حدثٍ رائع! كيف تغيرت ملامح العالم بأسرِه في دقيقةٍ إثر اكتشاف ثورندايك! وفي وقتٍ آخر، من شأن الفضول أن يدفعني إلى تعقُّب سلسلة المنطق الذي اتبعه العقل الحاذق لمُعلمي للتوصل إلى هذا الاستنتاج المذهل. ولكن الآن، سعادتي الخاصة تستحوذ على أفكاري. فصورة روث تملأ مجال رؤيتي الذهنية. رأيتها مرة أخرى كما رأيتها في العربة بوجهها المليح والمتأمِّل وعينيها المُسبلة؛ شعرتُ مرة أخرى بخدِّها الناعم وقبلة الوداع عند البوابة، صريحة وبسيطة جدًّا، حميمية وحاسمة للغاية.

لا بدَّ أنني انتظرتُ لوقتٍ طويل جدًّا، رغم أن اللحظات الذهبية مرَّت سريعًا، فحين عاد صديقاي، قدَّما لي اعتذاراتٍ لا داعي لها.

قال ثورندايك: «أظن أنك تتساءل عما أردتُك من أجله.»

في الواقع، لم أهتم بالأمر ولو لدقيقة.

شرح ثورندايك: «سنستدعي السيد جيليكو. ثمة شيء ما وراء هذه المسألة، وحتى أتأكد من كنهه، في رأيي، القضية غير مُكتملة.»

سألته: «هل ستفعل ذلك غدًا؟»

«ربما أفعل؛ وربما لا. ثمة مثل قديم يقول اصطَدِ ابن عرس وهو نائم. السيد جيليكو شخص يقِظ إلى حدٍّ ما، وأظن أنه من الأفضل تقديمه إلى المُحقق بادجر في أقرب وقتٍ ممكن.»

قال جيرفيس: «مقابلة بين ابن عرس وبادجر تُوحي بأنها ستكون مقابلة مُسلية. ولكن لا تتوقع أن يفضح جيليكو نفسه، أليس كذلك؟»

«هو لا يستطيع أن يفعل ذلك، بالوضع في الاعتبار أنه لا يُوجَد شيء لكشفه. ولكن أظن أنه قد يُدلي بإفادة. أنا متأكد من أن ثمة بعض الظروف الاستثنائية.»

سألته: «منذ متى وأنت تعرِف أن الجثة في المتحف؟»

«حريٌّ بي أن أقول قبلكَ بحوالي ثلاثين أو أربعين ثانية.»

قلت: «هل تقصد أنك لم تعرف حتى حُمِّضت الصورة؟»

ردَّ قائلًا: «زميلي العزيز، هل تفترض أنني إذا كان لديَّ معرفة أكيدة بمكان الجثة، كنتُ سأسمح بأن تتذوَّق تلك الفتاة النبيلة ألم التشويق الذي كان يُمكنني أن أختصره في لحظة؟ أم هل تفترض أنني سأخوض هذه الادعاءات الخادعة الخاصة بالتجارب العلمية، إذا كان هناك سبيل أكثر كرامةً متاحًا أمامي؟»

قال جيرفيس: «بخصوص التجارب، لم يكن بإمكان نوربيري أن يرفض إذا كنتَ قد استأمنته على سِر.»

«بالطبع، لم يكن بإمكانه، وعلى الأرجح لن يفعل. فسرِّي يتضمن تُهمة بقتل رجل محترم للغاية ومعروف بالنسبة إليه. لعلَّه سيُحيلني إلى الشرطة، ثم ما الذي يُمكنني أن أفعله؟ كان لديَّ شكوك كثيرة، ولكن ليس لديَّ حقيقة واحدة ثابتة.»

قاطع حديثنا وقع خطواتٍ متسارعة على الدرَج، وصوتٌ مُدوٍّ لمقرعة بابنا.

وحين فتح جيرفيس الباب، اقتحم المُحقق بادجر الغرفة وهو في حالة إثارة بالغة.

تساءل قائلًا: «ما كل هذا دكتور ثورندايك؟ أرى أنك تُقرُّ بمعلومات ضدَّ السيد جيليكو، ولديَّ أمر بالقبض عليه؛ ولكن قبل القيام بأي شيءٍ أظن أنه من الأصوَبِ أن أخبرك بأن لدينا المزيد من الأدلة أكثر ممَّا هو معروف عمومًا تُشير إلى جهة مختلفة تمامًا.»

قال ثورندايك: «استنادًا إلى معلومات السيد جيليكو. ولكن الحقيقة هي أنني عاينتُ وتعرفتُ على الجثة الموجودة في المتحف البريطاني حيث وضعَها السيد جيليكو. أنا لا أقول إنه قتل جون بيلينجهام — رغم أن هذا ما تُوحي به المظاهر — إلا أنني أقول إنه سيُضطرُّ إلى تفسير سِرِّ وضعه للجثة في هذا المكان.»

صُعق المحقق بادجر. كما أنه بدا مُنزعجًا بشكلٍ واضح. بدا أن الطُّعم، الذي نثرَه السيد جيليكو ببراعة شديدة في أعقاب الشرطة، ذو خصائص مُزعجة، فحين أعطاه ثورندايك مُختصرًا موجزًا عن الحقائق وضع يديه في جيوبه وقال على نحوٍ عابس:

«حسنًا، أنا مندهش جدًّا! وحين أفكر في الوقت الذي قضيته والصعاب التي واجهتُها لجمع تلك العظام الملعونة! أفترض أنها مجرَّد أدوات؟»

قال ثورندايك: «دعنا لا ننتقِص من أهميتها. لقد لعبتَ دورًا مفيدًا. فهي تمثل الغلطة الحتمية التي يقع فيها كل مُجرم عاجلًا أم آجلًا. فالقاتل يفعل الكثير في كل الأحوال. فلو أنه يحتِجب عن الأنظار ويدع الأمور على حالها، فإن المُخبرين ربما يبحثون بلا طائل عن دليل. ولكن حان الوقت لنبدأ.»

سأل المُحقق وهو ينظر إليَّ بالأخص وقد عرَفني معرفة غير لطيفة تمامًا: «هل سنذهب جميعًا؟»

قال ثورندايك: «سنأتي معكَ جميعًا. ولكنك بالطبع ستُنفذ أمر القبض على النحو الذي يبدو أفضل بالنسبة إليكَ.»

قال المُحقق: «إنه إجراء مُعتاد.» ولكنه لم يُبدِ أي اعتراضٍ مُحدد، وشرعنا في مهمتنا.

لم تكن المسافة بين شارع ذا تيمبل إلى لينكولنز إن كبيرة. ففي غضون خمس دقائق، كنَّا نقِف عند مدخل حارة تشانسري، وبعد دقيقتين كنَّا مُجتمعين حول عتبة منزلٍ عتيق فخم بميدان نيو سكوير.

قال بادجر: «يبدو أنَّ هناك نورًا في مقدمة الطابق الأول. من الأفضل أن تبتعدوا قبل أن أدقَّ الجرس.»

لم تكن الاحتياطات ضرورية. بينما تقدم المُحقق إلى الجرس، رفع رأسه إلى النافذة المفتوحة مباشرةً فوق الباب المُطل على الشارع.

تساءل صاحب الرأس المُطل من الشباك بصوتٍ تعرَّفتُ عليه بأنه صوت السيد جيليكو: «من أنت؟»

«أنا المُحقق بادجر من إدارة التحقيقات الجنائية. أودُّ أن أقابل السيد آرثر جيليكو.»

«إذن، انظر إليَّ. أنا السيد آرثر جيليكو.»

«لديَّ تصريح بالقبض عليك سيد جيليكو. أنت مُتهم بقتل السيد جون بيلينجهام، الذي اكتُشِفت جثته في المتحف البريطاني.»

«على يدِ من؟»

«على يد دكتور ثورندايك.»

قال السيد جيليكو: «حسنًا، وهل هو هنا؟»

«أجل.»

«ها! أفترض أنك تريد أن تقبض عليَّ؟»

«أجل. هذا هو سبب وجودي هنا.»

«حسنًا، سأوافق على تسليم نفسي رهنًا بشروطٍ مُعينة.»

«لا يمكنني قبول أي شروط سيد جيليكو.»

«بلي، سأضع شروطي، وستتقبلها. وإلَّا فلن تُلقيَ القبض عليَّ.»

قال بادجر: «لا داعيَ للتحدُّث بهذا الأسلوب. إذا لم تسمح لي بالدخول فسأضطر إلى الاقتحام. وأقول لك أيضًا إن المنزل مُحاصر.»

ردَّ السيد جيليكو بهدوء: «تأكد من أنك لن تُلقي القبض عليَّ إذا لم تقبل شروطي.»

سأله بادجر: «حسنًا، ما هي شروطك؟»

قال السيد جيليكو: «أودُّ أن أدلي بإفادة.»

«يمكنك أن تفعل ذلك، ولكن يجب أن أحذرك أن أيَّ شيء ستقوله قد يؤخَذ كدليل ضدك.»

«بالطبع. ولكن أرغب أن أُدلي بالإفادة في وجود دكتور ثورندايك، وأريد أن أسمع منه تصريحًا بخصوص أسلوب التحقيق الذي من خلاله اكتشف مكان الجثة. أقصد إذا كان على استعدادٍ للقيام بذلك.»

قال ثورندايك: «إذا كنتَ تقصد أن نتبادل كشف المعرفة أمام بعضنا، فأنا على استعدادٍ تام لذلك.»

«حسنًا جدًّا. إذن، شروطي، أيها المُحقق، هي أنني سأسمع تصريح دكتور ثورندايك وسيُسمح لي بأن أُدلي بإفادة شخصية، وحتى يُنتهى من تلك الإفادات، مع ضرورة الاستجواب والمناقشة، سأظل طليقًا ولن أتعرَّض للمُضايقة أو التدخُّل من أي نوع. وأوافق، بنهاية هذه الإجراءات المذكورة، أن أخضع بدون مقاومة لأي تصرُّفٍ قد تتَّخذه.»

قال بادجر: «لا أستطيع الموافقة على ذلك.»

قال جيليكو ببرود: «لا تستطيع؟» ثم بعد توقفٍ قصير أضاف قائلًا: «لا تتسرَّع. لقد حذرتك.»

كان هناك شيء في نبرة السيد جيليكو الخالية من العواطف أزعج المُحقق جدًّا، ولذا التفتَ إلى ثورندايك وقال بصوت خفيض:

«أتساءل ما هي خدعته؟ لا يمكنه أن يهرُب، كما تعرف.»

قال ثورندايك: «تُوجَد عدة احتمالات.»

قال بادجر وهو يداعب ذقنه في حيرة: «أها.»

«على أي حال، هل يُوجَد أي اعتراض؟ إفادته قد توفر المتاعب، ولعلك تكون في الجانب الآمن. ستستغرق بعض الوقت لتقتحم المكان.»

قال السيد جيليكو، ويده على النافذة: «حسنًا، هل توافق؟ نعم أم لا؟»

قال بادجر بعبوس: «حسنًا، موافق.»

«تعِد بعدم مُضايقتي بأي طريقةٍ حتى أنتهي تمامًا؟»

«أعدك.»

اختفى رأس السيد جيليكو وأُغلقت النافذة. وبعد فترة توقفٍ قصيرة سمعنا صرير مزلاجٍ ضخم وخشخشة سلسلة، وعندما انفتح الباب الثقيل، وقف السيد جيليكو في هدوءٍ وسكينة مُمسكًا بيده شمعدان مكتب قديم الطراز.

تساءل وهو ينظر بحدَّة من خلال نظارته الطبية: «من معك؟»

ردَّ بادجر قائلًا: «أوه، لا علاقة لي بهم.»

قال ثورندايك: «إنهما دكتور بيركلي ودكتور جيرفيس.»

قال السيد جيليكو: «ها! يا للطفهما وحرصهما على الزيارة. تفضلا بالدخول، أيها السيدان. متأكد أنكما ستهتمَّان بسماع مُناقشتنا الصغيرة.»

فتح الباب بلباقة مُتصلبة بعض الشيء، ودخلنا جميعًا الردهة يتقدَّمُنا المُحقق بادجر. أغلق الباب برفقٍ وسبقنا إلى أعلى السلم ثم إلى داخل الشقة التي كان يُملي من نافذتها شروط الاستسلام. كانت غرفة قديمة في حالة جيدة وشاسعة وفخمة ذات جدران مكسوة بألواحٍ خشبية ورف مدفأة منحوت، عليه شعار النبالة بالحروف الأولى «ج. و. ب.» وتاريخ «١٦٧١». وفي أقصى الطرف، تقف طاولة كتابة كبيرة وخلفها خزانة حديدية.

قال السيد جيليكو بنبرةٍ هادئة بينما وضع أربعة كراسٍ في مواجهة الطاولة: «كنتُ أتوقع هذه الزيارة.»

قال ثورندايك: «منذ متى؟»

«منذ مساء الاثنين الماضي، حين سُررتُ برؤيتك تتحدَّث مع صديقي دكتور بيركلي عند شارع إنر تيمبل، ثم استنتجتُ أنك تحتفظ بالقضية. كان هذا هو الظرف الذي لم يُقدَّم بالشكل الكامل. هل لي أن أقدم لكم يا سادة كأسًا من الخمر؟»

وبينما كان يتحدَّث وضَع على الطاولة إناءً للخمر وصينية كئوس، ونظر إلينا مُستجوبًا وفي يده سدادة.

قال بادجر الذي استقرَّت عليه نظرات المُحامي في النهاية: «حسنًا، لا أمانع إذا فعلتَ سيد جيليكو.» ملأ السيد جيليكو الكأس وناولها إليه بانحناءةٍ مُتيبسة؛ وبينما كان لا يزال مُمسكًا بقنينة زجاجة الخمر في يده، قال بنبرة مقنعة: «دكتور ثورندايك، اسمح لي أن أملأ كأسك؟»

قال ثورندايك بنبرة حاسِمة جدًّا لدرجةٍ جعلت المُحقق ينظر إليه بسرعة: «كلَّا، شكرًا لكَ.» وبينما التقتْ عينا بادجر بعينيه، توقفت الكأس التي كان بصدد رفعها إلى شفتَيه فجأةً وأُعيدت ببطءٍ ليضعها على الطاولة دون أن يذوقها.

قال المحقق: «لا أريد أن أستعجلك، سيد جيليكو، ولكن الوقت مُتأخر إلى حدٍّ ما وأودُّ تسوية هذا الأمر. ما الذي ترغب في القيام به؟»

رد السيد جيليكو قائلًا: «أودُّ أن أدلي بإفادة تفصيلية للأحداث التي وقعت، وأودُّ أن أسمع دكتور ثورندايك على وجه التحديد بخصوص كيف توصَّل إلى استنتاجه الرائع جدًّا. وعندما يتمُّ هذا، سأكون في خدمتك تمامًا؛ وأقترح أنه سيكون مُثيرًا للاهتمام أكثر إذا قدَّم دكتور ثورندايك إفادته قبل أن أقدم لكم الحقائق الفعلية.»

قال ثورندايك: «أنا أؤيد رأيك بالكامل.»

قال السيد جيليكو: «إذن، في هذه الحالة، أقترح عليك أن تتجاهلني، وتُوجِّه ملاحظاتك إلى صديقَيك وكأنني لستُ حاضرًا.»

أذعن ثورندايك بإيماءة، ثم جلس السيد جيليكو على كرسيه الخشبي خلف الطاولة، وصبَّ لنفسه كأسًا من الماء، وسحب سيجارةً من علبةٍ فضية أنيقة، وأشعلها بتأنٍّ، وانحنى إلى الوراء ليستمع على راحته.

بدأ ثورندايك بدون ديباجة: «كانت معرفتي الأولى بهذه القضية عبر الصحف اليومية قبل حوالي عامين؛ ولعلِّي أقول إنه على الرغم من أن اهتمامي لا يتعدَّى كونه اهتمامًا أكاديميًّا صرفًا لمُتخصصٍ تقع هذه القضية ضِمن حدود اختصاصه، فلقد أمعنتُ التفكير فيها باهتمام عميق. لم تتطرَّق التقارير الصحفية إلى تفاصيل العلاقة بين الأطراف التي قد تُقدِّم أي تلميحات عن دوافع أي جانبٍ منها، ولكن مجرد بيان صريح للأحداث. وتُعد هذه ميزة واضحة، حيث تركت للمرء فرصة التفكير في حقائق القضية بلا اعتبارٍ إلى الدوافع؛ لموازنة الاحتمالات الظاهرية بعقلٍ مُتفتح. ولعلكم تتفاجئون بمعرفة أن تلك الاحتمالات الظاهرة أشارت من البداية إلى ذلك الذي تم اختباره من خلال تجربة الليلة. ومِن ثَم، سيكون جيدَّا بالنسبة إليَّ البدء بطرح الاستنتاجات التي توصَّلت إليها من خلال الاستدلال بالحقائق الواردة في الصحف قبل أي حقائق إضافية عرفتها.

من الحقائق الواردة في التقارير الصحفية، من الواضح أنه ثمَّة أربعة تفسيرات مُحتملة للاختفاء.

  • (١)

    لعلَّ الرجل على قيد الحياة ومُختبئ. وهذا أمر بعيد الاحتمال، للأسباب الذي ذكرها السيد لورام في جلسة الاستماع الأخيرة الخاصة بالالتماس، ولسببٍ آخر سأذكره حالًا.

  • (٢)

    لعلَّه تُوفِّي إثر وقوع حادث أو الإصابة بمرض، ولم يُتَعرَّف على جثته. كان هذا غير مُحتمل بدرجةٍ أكبر، حيث إنه واصل توفير سبل شخصية وفيرة لتحديد الهوية الشخصية، وفي ذلك بطاقات الزيارة.

  • (٣)

    لعلَّه قُتل على يد شخصٍ غريب من أجل ممتلكاته المحمولة. وهذا أمر بعيد الاحتمال بدرجةٍ كبيرة للسبب نفسه إذ لم يكن من الممكن التعرُّف على هوية الجثة.

هذه التفسيرات الثلاثة هي ما قد نُطلق عليها التفسيرات الخارجية. فهي لم تمس أي طرف من الأطراف المذكورة؛ ومن الواضح أن جميعها بعيد الاحتمال بصفةٍ عامة، وبالنسبة لها جميعًا ثمة إجابة واحدة قاطعة؛ الجعران الذي وُجد في حديقة جودفري بيلينجهام. هنا أُنحِّي هذه التفسيرات جانبًا، وأولي اهتمامي التفسير الرابع؛ ألا وهو أن الرجل المفقود قُتل على يد أحد الأطراف المذكورة في التقرير. ولكن، نظرًا لأن التقارير ذكرت ثلاثة أطراف، كان من الواضح أن ثمة اختيارًا واحدًا من بين ثلاث فرضيات، ألا وهي:

(أ) أن جون بيلينجهام قُتل على يد هيرست، أو (ب) على يد آل بيلينجهام، أو (ﺟ) على يد السيد جيليكو.

الآن، لقد أكدتُ على تلاميذي أن السؤال الضروري الذي يجب طرحه في بداية تحقيقٍ كهذا هو: «متى كانت آخِر مرة شُوهد أو عُرف فيها الشخص المفقود أنه على قيد الحياة بلا شك؟» هذا هو السؤال الذي طرحته على نفسي بعد قراءة تقرير الصحيفة؛ وكانت الإجابة أنه شُوهد لآخر مرة قطعًا على قيد الحياة في الرابع عشر من أكتوبر، عام ألف وتسعمائة واثنين، في ١٤١ ميدان كوين، بلوميزبيري. وبناءً على حقيقة أنه كان على قيد الحياة في ذلك الوقت وذاك المكان، فليس هناك أي شك، حيث شاهده شخصان في اللحظة نفسها، وكلاهما على معرفة حميمية به، وأحدهما هو دكتور نوربيري، الذي كان فيما يبدو شاهدًا نزيهًا. وبعد ذلك التاريخ، لم يرَه قط، حيًّا أو ميتًا، أي شخص يعرفه وقادر على تحديد هويته. ويُقال إنه شُوهد في الثالث والعشرين من نوفمبر حسب قول خادمة السيد هيرست؛ ولكن نظرًا لأن هذا الشخص لم يكن معروفًا بالنسبة إليها؛ لم يكن من المؤكد ما إذا كان هذا الشخص الذي رأته هو جون بيلينجهام أم لا.

وبالتالي، فإن تاريخ الاختفاء، ليس من الثالث والعشرين من نوفمبر، كما افترض كل شخصٍ فيما يبدو، وإنما من الرابع عشر من أكتوبر، ولم يكن السؤال: «ما الذي حدث لجون بيلينجهام بعد أن دخل بيت السيد هيرست؟» وإنما «ما الذي حدث له بعد مقابلته في ميدان كوين؟»

ولكن بمجرد أن قررتُ أن تلك المقابلة يجب أن تُشكل نقطة انطلاق حقيقية للتحقيق، ظهرتْ في الأفق مجموعة من الظروف اللافتة للنظر أكثر. وأصبح من الواضح أنه إذا كان لدى السيد جيليكو أي أسباب تجعله يرغب في قتل جون بيلينجهام، فإن ثمة فرصة نادرًا ما تسنح لقاتل مُتعمِّد.

تأمَّلوا الظروف وحسب. كان من المعروف أن جون بيلينجهام بصدد السفر إلى خارج البلاد وحدَه. ولم تُذكر وجهته بالضبط. وكان من المُقرر أن يغيب لفترةٍ غير محددة، ولكن على الأقل لمدة ثلاثة أسابيع. وبالتالي، لن يعلق أحد على حادثة اختفائه؛ ولن يُسفر غيابه عن أي تحقيقات، على الأقل لعدة أسابيع، خلالها سيكون لدى القاتل وقتٌ للتخلص من الجثة وإخفاء آثار الجريمة. كانت الظروف مثالية من وجهة نظر القاتل.

لكن هذا لم يكن كل شيء. فخلال تلك الفترة بعينها والتي غاب فيها جون بيلينجهام، انشغل السيد جيليكو بتسليم ما كان معروفًا بأنها جثة بشرية إلى المتحف البريطاني، وكانت الجثة ملفوفة في حاويةٍ مُغلقة بإحكام. هل من الممكن ابتكار وسيلةٍ مثالية أو آمنة أكثر من ذلك لنقل الجثة على يد أبرع قاتل؟ كانت الخطة تنطوي على نقطة ضعف واحدة فقط: سيُعرف أن المومياء انتقلت من ميدان كوين بعد اختفاء جون بيلينجهام، وستثار الشكوك في نهاية المطاف. وسأعود إلى هذه النقطة حالًا؛ وفي الوقت نفسه سنفكر في الفرضية الثانية، ألا وهي أن الرجل المفقود قُتل على يد السيد هيرست.

الآن، بدا أنه لا شكَّ في أن شخصًا ما، يُفترض أنه جون بيلينجهام، زار بالفعل منزل السيد هيرست؛ ولا بدَّ أنه إما غادر المنزل أو مكث فيه. إذا كان قد غادر، فإنه فعل ذلك خفية؛ وإذا كان قد مكث فيه، فليس هناك أي شكوك منطقية بأنه قُتِل وأُخفِيت جثته. لنتفكر في الاحتمالات القائمة لكل حالة.

بافتراض أن الزائر كان فعلًا جون بيلينجهام — ويبدو أن جميعنا افترض ذلك — فإننا نتعامل مع شخصٍ مسئول في منتصف العمر، ولذا يصعب جدًّا قبول فكرة أن هذا الشخص دخل منزلًا وأعلن نيته في المكوث ثم تسلل إلى الخارج خفية. علاوة على ذلك، يبدو أنه سافر إلى إلثام بقطار السكك الحديدية فور رجوعه إلى إنجلترا، تاركًا أمتعته في حجرة المعاطف بمحطة تشيرينج كروس. وهذا يُشير تحديدًا إلى غرَضٍ مُحدد يتنافى مع حدث اختفائه الطارئ من المنزل.

من ناحية أخرى، فكرة أنه ربما يكون قد قُتل على يد هيرست لم تكن مُستبعدة. فالمسألة كانت مُمكنة من الناحية المادية. إن كان بيلينجهام موجودًا في غرفة المكتب حين عاد هيرست إلى المنزل، لكان من الممكن تنفيذ جريمة القتل — بجميع الوسائل المناسبة — ولأُخفيَت الجثة بصفةٍ مؤقتة في الخزانة أو في أي مكان آخر. وعلى الرغم من إمكانية حدوث ذلك، فإنه لم يكن مُرجَّحًا على الإطلاق. لم تكن هناك فرصة حقيقية. فالمُخاطرة والصعوبات اللاحقة ستكون كبيرةً للغاية؛ لم يكن هناك أي دليلٍ إيجابي على وقوع جريمة القتل؛ وسلوك هيرست المُتمثل في مغادرة المنزل بصحبة الخدَم يتنافى مع فرضية وجود جثة لإخفائها. ولهذا السبب، في حين أنه شبه مستحيل تصديق أن جون بيلينجهام غادر المنزل من تلقاء نفسه، فإنه من الصعب أيضًا تصديق أنه لم يُغادر المنزل.

ولكن ثمة احتمالًا ثالثًا قائمًا، ومن الغريب أنه لم يقترحه أحد فيما يبدو. فلنفترض أن الزائر لم يكن جون بيلينجهام بأي حال من الأحوال؛ وإنما كان شخصًا آخر انتحل شخصيته. فهذا من شأنه أن يُزيل الصعوبات تمامًا. فحينئذٍ لا يعود الاختفاء الغريب غريبًا، لأنه من الضروري أن يهرب المُنتحل سريعًا قبل عودة السيد هيرست واكتشاف الخدعة. ولكن إذا قبلنا هذا الافتراض، فإننا نُثير سؤالين آخرين: «من الذي انتحل شخصيته؟» و«ما الهدف من انتحال الشخصية؟»

الآن، من الواضح أن المُنتحل لم يكن هيرست نفسه؛ لأنه من الممكن أن تتعرَّف عليه خادمته؛ إذن فهو إما جودفري بيلينجهام أو السيد جيليكو أو شخص آخر؛ ونظرًا لأنه لم يأتِ ذكر شخص آخر في التقارير الصحفية، فلقد اقتصرت تخميناتي على هذين الاثنين.

أولًا، بالنسبة إلى جودفري بيلينجهام. لم يتَّضح ما إذا كان معروفًا أو غير معروف بالنسبة إلى الخادمة، ولذا افترضت — خطأً كما اتضح بعد ذلك — أنها لا تعرفه. ومِن ثَم، ربما كان هو المُنتحل. ولكن لماذا ينبغي عليه أن ينتحل شخصية أخيه؟ لم يكن بوسعه أن يرتكب جريمة القتل. لم يكن هناك الوقت الكافي. كان سيتعين عليه أن يترك وودفورد قبل أن يتوجَّه جون بيلينجهام إلى تشيرينج كروس. وحتى لو ارتكب الجريمة، فليس لديه هدف من وراء إثارة هذه الضجة. فمن مصلحته أن يلتزم الصمت والتظاهر بعدم معرفة شيء. جميع الاحتمالات تتعارَض مع افتراض أن المُنتحل هو جودفري بيلينجهام.

إذن، هل من الممكن أن يكون السيد جيليكو؟ الإجابة عن هذا السؤال تتضمن الإجابة عن السؤال الآخر: «ما الهدف من انتحال الشخصية؟»

ما الدافع وراء ظهور هذا الشخص المجهول مُدعيًا أنه جون بيلينجهام، ثم اختفائه على الفور؟ لا يمكن أن يكون هناك سوى دافع واحد، ألا وهو تحديد تاريخ اختفاء جون بيلينجهام؛ أي تحديد لحظة مُعينة شُوهد فيها لآخر مرة على قيد الحياة.

لكن مَن الذي مِن المُرجح أن يكون لديه هذا الدافع؟ فلنرَ.

قلت توًّا إنه لو كان السيد جيليكو قد قتل جون بيلينجهام ووضع الجثة في صندوق المومياء، لكان في مكانٍ آمن تمامًا في الوقت الحالي. ولكن ثمة نقطة ضعفٍ في درعه. لم يصدر أي تعليق على اختفاء موكله لشهرٍ أو شهرين. أما الآن، عندما لم يعُد، فقد قامت التحقيقات على قدمٍ وساق؛ وحينئذٍ بدا أنه لم يرَه أحد منذ أن ترك ميدان كوين. ثم تجدُر الإشارة هنا إلى أن آخِر شخص شُوهد معه هو السيد جيليكو. وعلاوة على ذلك، لعلنا نتذكَّر أن المومياء سُلِّمت إلى المتحف في وقتٍ ما بعدما شوهد الرجل المفقود على قيد الحياة لآخِر مرة. ومِن ثَم، قد تُثار الشكوك ويتبعها تحقيقات كارثية. ولكن لنفترض أنه ينبغي إظهار أن جون بيلينجهام شُوهد على قيد الحياة بعد مرور أكثر من شهرٍ على لقائه بالسيد جيليكو وبعد مرور بضعة أسابيع على إيداع المومياء في المتحف؟ بالتالي، لن يكون هناك صلة للسيد جيليكو بعملية الاختفاء بأي حالٍ من الأحوال، ومن الآن فصاعدًا سيكون بمأمنٍ تام.

هكذا، وبعد النظر بعناية في هذا الجزء من التقرير الصحفي، توصَّلتُ إلى استنتاجٍ مفاده أن الحادثة الغامضة في منزل السيد هيرست لها تفسير منطقي واحد، ألا وهو أن الزائر لم يكن جون بيلينجهام؛ وإنما كان شخصًا ينتحل صفته، وأن هذا الشخص هو السيد جيليكو.

يبقى أمامنا التفكير في وضع جودفري بيلينجهام وابنته، رغم أنني لا أستطيع استيعاب كيف يمكن لأي شخصٍ عاقل أن يَشتبه فيهما (هنا ابتسم المُحقق بادجر ابتسامةً مريرة). الأدلة ضدَّهما كانت ضعيفة؛ لأنه لا يُوجَد صلة بينهما وبين الحادثة باستثناء العثور على حلية الجعران في منزلهما، والحادث الذي ربما يُثير شبهاتٍ كثيرة في ظل ملابساتٍ أخرى، لم يكن له أي أهمية أمام حقيقة أن الجعران وُجِد في مكان مرَّ عليه مُشتبه به آخر قبل ذلك ببضع دقائق، ألا وهو هيرست. إلا أن العثور على الجعران دعم استنتاجَين مُهمَّين، ألا وهما أن جون بيلينجهام كان على الأرجح قد تعرض إلى لعبةٍ خبيثة، وأن من بين الأشخاص الأربعة الحاضرين للواقعة، كان هناك شخص واحد على الأقل في حوزته الجثمان. وبخصوص أيٍّ من بين هؤلاء الأربعة هو الجاني، لا تعطي الملابسات سوى تلميح، وهو: إذا كان الجعران قد أُسقط عمدًا، فإن أكثر شخصٍ مرجَّح للعثور عليه هو الشخص الذي أسقطه في المكان. كان الشخص الذي عثر عليه هو السيد جيليكو.

وحين نتبع هذا التلميح، وإذا سألنا أنفسنا ما الدافع الذي قد يكون لدى السيد جيليكو لإسقاط الجعران — بافتراض أنه القاتل — فسنجد الإجابة واضحة؛ لم تكن سياسته إثبات الجريمة على شخص بعينه، وإنما إضفاء التعقيد على الأدلة المُتضاربة التي من شأنها أن تستحوذ على انتباه المُحققين وصرفها بعيدًا عنه.

بالطبع، إن كان هيرست هو القاتل، لكان لديه الدافع الكافي لإسقاط الجعران، ومِن ثَم القضية ضدَّ السيد جيليكو ليست حاسمة؛ وإنما حقيقة أنه هو من عثر عليه، هي حقيقة ذات أهمية بالغة.

هذا يكمل تحليل الأدلة الواردة في التقرير الصحفي الأصلي الذي يسلط الضوء على ملابسات الاختفاء.

كانت الاستنتاجات التي ترتبت عليه كما يلي:

  • (١)

    شِبه مؤكد أن الرجل المفقود تُوفِّي، كما ثبتَ من خلال العثور على الجعران بعد اختفائه.

  • (٢)

    وأنه قُتل على الأرجح على يد شخصٍ واحد أو أكثر من أربعة أشخاص، كما ثبت من خلال العثور على الجعران في منزلٍ يسكنه شخصان منهم ويستطيع الآخران دخوله.

  • (٣)

    ومن بين الأشخاص الأربعة، كان واحد — وهو السيد جيليكو — هو آخِر شخص عُرِف بأنه كان بصحبة الرجل المفقود، وكان لديه فرصة استثنائية لارتكاب الجريمة؛ كما عُرف عنه أنه سلَّم جثة إلى المتحف بعد الاختفاء.

  • (٤)

    يفسر افتراض أن السيد جيليكو قد ارتكب جريمة القتل جميع الملابسات الأخرى للاختفاء؛ في حين أنه يتعذَّر تفسيرها تمامًا في ظلِّ أي افتراضٍ آخر.

مِن ثَم، تُشير الأدلة المُستقاة من التقرير الصحفي بكل وضوحٍ إلى احتمالية مقتل جون بيلينجهام على يد السيد جيليكو وإخفاء جُثته في صندوق المومياء.

لا أريد أن أعطيكم الانطباع بأنني استنتجت، فورًا، أن السيد جيليكو هو القاتل. لم أفعل. لم يكن هناك سبب لأفترض أن التقرير يحتوي على جميع الحقائق الأساسية، وإنما اعتبرته على نحوٍ تخميني مجرد بحث للاحتمالات. ولكني قررتُ أن هذا هو الاستنتاج الوحيد المُحتمل من الحقائق التي أُعطيت.

لقد مرَّ حوالي عامين قبل أن أسمع أي شيءٍ آخر عن القضية. ثم لفت نظري إليها صديقي، دكتور بيركلي وعرفتُ حقائق جديدة، فكرتُ فيها بالترتيب نفسه الذي عرفتموه الآن.

ألقت الوصية ضوءًا جديدًا على القضية. وبمجرد أن قرأتُ الوثيقة، أيقنتُ أن ثمة خطأً ما. كانت النية الواضحة للمُوصي هي أنه ينبغي أن يرِث أخوه المُمتلكات، إلا أن صياغة الوصية كانت أقرب إلى إحباط تلك النية. والتصرُّف في الممتلكات متوقِّف على بند الدفن؛ البند الثاني؛ ولكن عادةً سيُقرر مُنفذ الوصية ترتيبات الدفن، والذي تصادف أن يكون السيد جيليكو. وبالتالي، وضعت الوصية مسألة التصرُّف في الممتلكات تحت إشراف السيد جيليكو، على الرغم من إمكانية الطعن في تصرُّفه.

كُتبت هذه الوصية، رغم أن جون بيلينجهام قد صاغها، في مكتب السيد جيليكو وهذا مُثبت بحقيقة أنه شهد عليها اثنان من موظفيه. كان السيد جيليكو مُحامي المُوصي، وكانت مهمته هي الإصرار على صياغة الوصية على نحوٍ صحيح. ومن الواضح أنه لم يفعل شيئًا من هذا القبيل، وهذه الحقيقة أوحت بشدة إلى وجود نوعٍ من التواطؤ من جانبه مع هيرست، الذي أعدَّ نفسه للاستفادة من إخفاق تنفيذ الوصية. وهذه هي السمة الغريبة في القضية، لأنه بينما يُمثل السيد جيليكو الطرف المسئول عن البنود المعيبة، فإن الطرف المُستفيد هو هيرست.

إلا أنَّ أغرب سِمة للوصية تمثلت في طريقة توافُقها مع ظروف الاختفاء. بدت كأن البند الثاني قد صاغته تلك الملابسات محلَّ النظر. ونظرًا لأن عمر الوصية عشر سنوات، كان هذا مُستحيلًا. ولكن إن لم يكن البند الثاني قد استُحدث ليتناسب مع ملابسات الاختفاء، أكان من المُمكن عدم تدبير ملابسات الاختفاء لتتناسب مع البند الثاني؟ لم يكن هذا مُستحيلًا بأي حال من الأحوال، في ظل الملابسات التي بدت مُرجَّحة جدًّا. وإذا كان هذا البند مُستحدثًا بهذه البراعة، فمَن الفاعل الذي أضاف ذلك البند؟ كان هيرست هو المُستفيد، ولكن لا يُوجَد دليل على أنه كان يعرف محتويات الوصية. بقي فقط السيد جيليكو، الذي تغاضى بالتأكيد عن سوء صياغة الوصية لغرَض في نفسه — غرض غير شريف.

إذن، تُشير أدلة الوصية إلى أن السيد جيليكو هو المُتسبِّب في الاختفاء، وبعد قراءتها، بالتأكيد اشتبهتُ أنه هو مُرتكب الجريمة.

إلا أن الاشتباه شيء والإثبات شيء آخر؛ لم يكن لديَّ أدلة كافية تقريبًا لتبرير تقديمي المعلومات، ولم يكن في استطاعتي التوجُّه إلى مسئولي المتحف دون توجيه اتهامٍ مُحدد. تمثلت المُعضلة الكبرى الخاصة بالقضية في عدم قدرتي على اكتشاف الدافع. لم يكن في استطاعتي معرفة وجه الاستفادة التي قد يُحقِّقها السيد جيليكو من الاختفاء. فنصيبه من الإرث كان محفوظًا، حينما يموت المُوصي وبأي طريقةٍ كانت. من الواضح أن جريمة القتل والتستر أفادت هيرست وحدَه، وفي ظل غياب دافع مقبول، يجب أن تكون الحقائق أكثر حسمًا ممَّا كانت عليه.»

سأله السيد جيليكو: «ألم تكوِّن أي رأيٍ على الإطلاق فيما يتعلق بالدافع؟»

لقد طرح السؤال بنبرةٍ هادئة خالية من المشاعر، كما لو أنه يناقش قضية رأي عام لا تستدعي لديه أي شيء سوى الاهتمام المهني. كان من أكثر السمات المُثيرة للدهشة في هذا اللقاء المذهل هو الاهتمام الرصين والمُحايد الذي أبداه السيد جيليكو بتحليل ثورندايك، وانتباهه الثابت، الذي تخللته إيماءات صغيرة بالموافقة على كلِّ نقطةٍ قوية من الحجة.

ردَّ ثورندايك قائلًا: «لقد كوَّنت رأيًا، ولكنه مجرد تخميني، ولم أتمكن قطُّ من التأكد منه. اكتشفتُ أنه قبل عشر سنوات مضت واجه السيد هيرست صعوبات وفجأة حصل على مبلغٍ مالي كبير، ولا أحد يعرف كيف حدث ذلك أو بناءً على أي سنداتٍ مالية. ولاحظتُ أن هذا تزامَن مع تنفيذ الوصية، خمنتُ أنه ربما يكون هناك علاقة ما بين الأمرين. لكن كان هذا مجرد تخمين؛ وكما يقول المثل: «الاكتشاف منوط بإثبات مُكتشفه.» لم أستطع إثبات شيء، ولذا لم أكتشف دافع السيد جيليكو قط، وحتى الآن لا أعرفه.»

قال السيد جيليكو بلهجةٍ مفعمة بالحيوية بعض الشيء: «ألم تعرِف حقًّا؟» وضع عقب سيجارته، وانتقى أُخرى من العلبة الفضية، واستطرد قائلًا: «أظنُّ أن هذه أكثر سِمة مُثيرة للاهتمام في تحليلك الرائع فعلًا. هذا يمنحك عظيم الفضل. وغياب الدافع سيبدو بالنسبة إلى معظم الأشخاص طعنًا مُميتًا لنظرية الدعوى، كما يُمكنني أن أسمِّيها. اسمح لي أن أُهنئك على المثابرة والإصرار اللذين تابعتَ بهما الحقائق الفعلية والمرئية.»

انحنى بصلابةٍ إلى ثورندايك (والذي ردَّ عليه بانحناءة يابسة مُماثلة)، وأشعل سيجارة جديدة، وانحنى إلى الوراء مرةً أخرى على كرسيه بأسلوبٍ رصين مُنتبه يليق برجل يستمع إلى محاضرة أو عرض موسيقي.

استأنف ثورندايك حديثه قائلًا: «إذن، الأدلة غير كافية للتصرُّف على أساسها. لم يكن هناك شيء سوى الانتظار لظهور بعض الحقائق الجديدة. والآن، قد أبرزتْ دراسة لمجموعة كبيرة من جرائم القتل التي نُفِّذت بعناية، أن القاتل الحذر، في خضم حِرصه الشديد على تأمين نفسه، يُبالغ في تصرفاته، وهذه المبالغة في الحذَر تؤدي إلى اكتشاف الجريمة. هذا يحدُث باستمرار، بالطبع، لعلِّي أقول إن هذا يحدُث دومًا — في تلك الجرائم التي يتم اكتشافها؛ لأن الجرائم التي لا تُكتشف لا نستطيع أن نقول عنها شيئًا — ولديَّ آمال قوية بأن هذا سيحدث في هذه القضية. وهذا ما حدث فعلًا.

في تلك اللحظة حين بدت قضية مُوكلي قضية شِبه ميئوس منها، اكتُشف رفات بشري في سيدكوب. قرأت بيان الاكتشاف في جريدة المساء، ورغم أن التقرير كان غير كافٍ، فإنه قدَّم الحقائق الكافية لإقناعي بأن الخطأ الحتمي قد ارتُكب.»

قال جيليكو: «هل قدَّمها بالفعل؟ مجرد تقرير غير مُحنك لنشر الشائعات! لا بدَّ أن أفترض أنها عديمة القيمة تمامًا من وجهة النظر العلمية.»

قال ثورندايك: «كانت كذلك. ولكنه قدَّم تاريخ الاكتشاف وموقعه، كما ذكر أيضًا ماهية العظام التي عُثر عليها. كانت جميعها حقائق مُهمة. لنتناول مسألة الوقت. هذا الرفات الذي ظلَّ مَخفيًّا لمدة عامين، ظهر إلى النور فجأة في حين بدأت الأطراف — التي ظلَّت في الخفاء أيضًا — اتخاذ الإجراءات فيما يخصُّ الوصية. في الواقع، في غضون أسبوع أو أسبوعين من جلسة الاستماع الخاصة بالالتماس. كانت بالتأكيد صُدفة رائعة. وعندما وضعتُ الظروف التي تسببتْ في الاكتشاف في الاعتبار، أصبحت الصدفة أكثر روعة. ونظرًا لأنه عُثر على هذا الرفات في أرض يمتلكها جون بيلينجهام، واكتشافه كان نتيجةً لعملياتٍ مُعينة (تنظيف أحواض البقلة المائية) أُجرِيت بالنيابة عن مالك الأرض المفقود. ولكن من الذي أعطى الأوامر للقيام بهذه الأعمال؟ من الواضح أن الأوامر جاءت من وكيل مالك الأرض. ولكن من المعروف أن وكيل المالك هو السيد جيليكو. وبالتالي، اكتُشف هذا الرفات في اللحظة المناسبة تمامًا بتصرُّف من السيد جيليكو. أقول مرة أخرى إن الصدفة كانت رائعة جدًّا.

ولكن ما جذب انتباهي فور قراءة التقرير الصحفي كانت الطريقة الاستثنائية التي فُصلت بها الذراع؛ فبالإضافة إلى كون عظام الذراع سليمة، كان هناك ما يُطلِق عليه خبراء التشريح الحزام الكتفي — لوح الكتف وعظمة الترقوة. كان هذا رائعًا للغاية. بدا أن هذا يُوحي بمعرفةٍ بعلم التشريح، وما من قاتل سيستعرض هذه المعرفة، حتى إن كان يملكها، في مثل هذه المناسبة. بدا بالنسبة إليَّ أنه يجب أن يكون هناك تفسير آخر. ومِن ثَم، عندما اكتُشف رفات آخر وجرى تجميعه في وودفورد، طلبتُ من صديقي بيركلي أن يذهب إلى هناك ويفحصه. وفعل ذلك، وكانت النتيجة التي توصَّل إليها على النحو التالي:

لقد فُصلت كِلتا الذراعين بالطريقة الغريبة نفسها؛ وكلتاهما كانتا كاملتين، وجميع العظام كانت من الجسد نفسه. كانت العظام نظيفة تمامًا — أقصد نظيفة من الأنسجة اللينة. لم يكن هناك أي جروح أو خدوش أو علامات عليها. لم يكن هناك أثر لمادة الموم — مادة شمعية غريبة تتكون على الجثث المتحللة في المياه أو في الأماكن الرطبة. خُلعت اليد اليمنى في الوقت الذي ألقيت فيه الذراع في البركة، وبُترت إصبع الخاتم من اليد اليسرى واختفت. هذه الحقيقة الأخيرة جذبت انتباهي من البداية، ولكن لن أتطرَّق لها في الوقت الحالي وسأعود إليها لاحقًا.»

سأله السيد جيليكو: «كيف اكتشفتَ أن اليد خُلعت؟»

ردَّ ثورندايك قائلًا: «من خلال علامات الانغمار. كانت ترقد في قاع البركة في وضعيةٍ من شأنها أن تكون مُستحيلة لو كانت متصلة بالذراع.»

قال السيد جيليكو: «أنت تُثير اهتمامي كثيرًا. يبدو أن خبير الطب الشرعي يجد الكتب في جداول المياه الجارية، والعظة في العظام، والأدلة في كل شيء. ولكن لا تدعني أقاطعك.»

استأنف ثورندايك حديثه قائلًا: «ملاحظات دكتور بيركلي بالإضافة إلى الأدلة الطبية من التحقيق، قادتني إلى استنتاجات مُعينة.

اسمحوا لي أن أذكر الحقائق التي اكتُشِفت.

الرفات الذي جرى تجميعه يشكل هيكلًا عظميًّا كاملًا لجسم إنسان باستثناء الجمجمة وأحد الأصابع والساقين من الركبة إلى الكاحل، وفي ذلك رضفتا الركبة. كانت هذه حقيقة رائعة للغاية؛ نظرًا لأن العظام المفقودة تشتمل على كل ما يمكن أن يُحدِّد ما إذا كانت هذه جثة جون بيلينجهام أم لا، والعظام الموجودة كانت بقايا مجهولة الهوية.

كان هذا نوعًا مشبوهًا من الانتقاء.

إلا أن الأجزاء التي كانت موجودةً كانت ذات دلالاتٍ غريبة أيضًا. ففي جميع الحالات، كان نمَط البتر غريبًا؛ حيث إن أي شخصٍ عادي من شأنه أن يفصل مِفصل الركبة تاركًا رضفة الركبة متصلة بالفخذ؛ لكنها في هذه الحالة تُركت بكل وضوح مُتصلة بعظم الساق، والرأس من شأنه أن يُفصل على الأرجح من خلال البتر عبر الرقبة بدلًا من فصله بدقة من عند العمود الفقري. وكل هذه العظام خالية على نحوٍ شبه تام من العلامات أو الخدوش التي قد تحدُث عادةً أثناء عملية البتر المعتادة. والآن أتحدث عن الاستنتاجات التي توصلتُ إليها من هذه الحقائق. أولًا، ثمة تجميعة غريبة للعظام. ما الذي كان يعنيه ذلك؟ حسنًا، من الواضح أن الفكرة القائلة بأن الجاني هو عالم تشريح دقيق كانت فكرة عبثية، ولذا نحَّيتُها جانبًا. ولكن هل كان هناك أي تفسير آخر؟ أجل، يوجد تفسير. لقد ظهرت العظام في مجموعاتها الطبيعية مُتصلة معًا بالأربطة؛ وكانت قد فُصلت من عند نقاط ارتباطها بالعضلات بالأساس. فعلى سبيل المثال، رضفة الركبة التي تنتمي إلى الفخذ، متصلة بها من خلال عضلة، ولكنها متصلة بعظام الساق من خلال رباطٍ متين. وكذلك الأمر ينطبق على عظام الذراع؛ فهي مرتبط بعضها ببعض من خلال الأربطة؛ ولكنها مرتبطة بالجذع من خلال العضلات، باستثناء طرف عظمة الترقوة.

بيد أن هذه كانت حقيقة مهمة للغاية. فالأربطة تتحلل على نحوٍ أبطأ كثيرًا مقارنة بالعضلات، ومِن ثَم فالجسد الذي تحللت عضلاته بصفةٍ عامة، ربما تظلُّ العظام متصلًا بعضها ببعض من خلال الأربطة. وبالتالي، فإن التجميعة الغريبة توحي بأن الجثة قد حُوِّلت جزئيًّا إلى هيكلٍ عظمي قبل بتر أعضائها؛ ومِن ثَم فإنها فُكِّكت، كل جزءٍ على حدة بدلًا من تقسيمها بسكين.

وهذا الاقتراح أُكِّد على نحوٍ لافت للنظر من خلال الغياب التام للجروح أو الخدوش التي تسببها السكين.

ثم هناك حقيقة أن جميع العظام خالية تمامًا من مادة الموم. فإذا كان ينبغي دفن الذراع أو الفخذ في الماء وتركها لتتحلل هناك، فمن المؤكد أن تتكوَّن كتل كبيرة من مادة الموم. وعلى الأرجح لكان أكثر من نصف كمية اللحم قد تحوَّل إلى هذه المادة. وبالتالي، أثبت غياب مادة الموم أن الجزء الأكبر من اللحم قد اختفى أو أُزيل من العظام قبل دفنها في البركة. في الواقع، لم تكن جثةً مدفونةً وإنما كان هيكلًا عظميًّا.

ولكن ما نوع الهيكل العظمي؟ إذا كان الهيكل حديث العهد لرجلٍ مقتول من فترة قريبة؛ لتجرَّدت العظام من اللحم بعنايةٍ بحيث تظل الأربطة سليمة. ولكن هذا الأمر بعيد الاحتمال للغاية؛ لأنه لن يكون هناك طائل من وراء الحفاظ على الأربطة. وغياب الخدوش يُعارض هذا الرأي.

إذن، لا تبدو أنها عظام مقبرة. كانت المجموعة مُكتملة جدًّا. فمن النادر جدًّا العثور على هيكلٍ عظمي مقبور لم يُفقد الكثير من عظامه الصغيرة. فمثل هذه العظام عادةً ما تكون عرضةً للتجوية وقابلة للتفتُّت.

ولا تبدو أنها مثل العظام التي قد تأتي من عند تجَّار العظام؛ لأن هذه العظام عادة ما تحتوي على ثقوبٍ تسمح بخروج السائل الفائض إلى تجاويف النخاع. كما أنه من النادر جدًّا أن تأتي العظام كلها من الجثة نفسها لدى هؤلاء التجار؛ والعظام الصغيرة لليد محفور بها ثقوبٌ للتمكين من ربطها بالوتر.

لم تكن العظام تنتمي إلى غرفة التشريح أيضًا، حيث إنه لا يُوجَد أي أثر لأكسيد الرصاص في فتحات الشرايين المُغذية.

ما كان يوحي به المظهر الخارجي هو أن هذه أجزاء جثة تحللت في جوٍّ جاف للغاية (لا تتكوَّن فيه مادة الموم)، نُزِعت أو مُزِّقت، كما أن الأربطة المتصلة بالجثة — أو بالأحرى الهيكل العظمي — كانت ضعيفة وقابلة للتمزُّق بسهولةٍ كما تُشير اليد المفصولة، التي انقطعت بالخطأ على الأرجح. لكن النوع الوحيد الذي ينطبق عليه هذا الوصف تمامًا هي جثة مومياء مصرية. صحيح أن المومياء محفوظة بشكلٍ أو بآخر؛ ولكن عند تعرُّضها لهواء مناخ مثل مناخنا، فإنها تفسد سريعًا. كانت الأربطة هي آخر الأجزاء اللينة التي تحللت.

الفرضية بأن هذه العظام كانت جزءًا من المومياء تُشير بطبيعة الحال إلى السيد جيليكو. فإذا كان قد قتل جون بيلينجهام وأخفى جسده في صندوق المومياء، فسيكون بين يديه مومياء احتياطية، وهذه المومياء ستتعرَّض للهواء وتُعامَل معاملة قاسية إلى حدٍّ ما.

وثمة ظرف مُثير للغاية مُرتبط بهذه البقايا مُتمثل في اختفاء إصبع الخاتم. يتم بتر الأصابع من أيدي المتوفين في حوادث مختلفة من أجل سرقة الخواتم الموجودة حولها. ولكن في مثل هذه الحالات يكون الغرَض هو الحفاظ على عدم المساس بخاتم قيِّم. فإذا كانت هاتان اليدان هما يدي جون بيلينجهام، فهذا الغرض لا ينطبق على هذه الحالة. وإنما الغرض هنا هو منع التعرُّف على هوية الجثة، ومن شأن تحقيق هذا الغرض بسهولةٍ أكبر وبشمولية أكثر من خلال التضحية بالخاتم، من خلال برْدِه أو بتر الإصبع بأكملها. وبالتالي، المظهر الخارجي لا يتفق مع الغرَض الظاهري.

إذن، هل يمكن أن يكون هناك أي غرَض آخر يتفق مع الحادث على نحوٍ أفضل؟ أجل، يمكن هذا.

إذا صادف أن جون بيلينجهام اشتُهر بارتداء خاتم في تلك الإصبع، وخاصة إذا كان هذا الخاتم مُثبتًا بإحكامٍ في هذه الإصبع، فإن بتر الإصبع سيفي بغرَض مفيد جدًّا. سيترك انطباعًا بأن الإصبع قد بُترت بسبب خاتم؛ لمنع التعرُّف على هوية الجثة؛ وهو انطباع من شأنه أن يُثير الشك بأنها يد جون بيلينجهام. ورغم ذلك، قد لا يُمثل هذا دليلًا يمكن استخدامه في التأكد من الهوية. الآن، لو كان السيد جيليكو هو القاتل وأخفى الجثة في مكانٍ آخر، فإثارة شكوك غامضة هو بالضبط ما يرغب فيه، ودليل الإثبات هو ما يتمنَّى تجنُّبه.

وقد اتضح فيما بعد أن جون بيلينجهام كان يرتدي بالفعل خاتمًا في تلك الإصبع وهذا الخاتم مُثبت في إصبعه بإحكامٍ شديد. ولذلك يتَّضح أن غياب الإصبع كان بمثابة نقطة إضافية تُشير إلى تورُّط السيد جيليكو.

والآن، دعونا نراجع بإيجازٍ هذا العدد الكبير من الأدلة. سترون أنها تشتمل على العديد من البنود، إما التافهة أو تلك التي تدعو إلى التفكير. فحتى وقت الاكتشاف الفعلي لم يكن لديَّ حقيقة مهمة واحدة، ولا أي دليل بخصوص الدافع. ولكن، رغم ضآلة الأدلة الفردية، فإنها تُشير بإجماعٍ مُثير للإعجاب إلى شخصٍ واحد، ألا وهو السيد جيليكو. وبالتالي:

الشخص الذي لديه فرصة ارتكاب جريمة القتل والتخلُّص من الجثة هو السيد جيليكو.

بالتأكيد شُوهد المتوفَّى آخر مرة على قيد الحياة مع السيد جيليكو.

سلم السيد جيليكو جثة مجهولة الهوية إلى المتحف.

والشخص الوحيد المعروف الذي يمكن أن يكون لديه دافع لانتحال شخصية المتوفَّى هو السيد جيليكو.

والشخص الوحيد المعروف الذي قد يفعلها هو السيد جيليكو.

وأحد الشخصين اللذين من المُمكن أن يكون لديهما دافع لإسقاط حِلية الجعران هو السيد جيليكو. والشخص الذي عثر على ذلك الجعران هو السيد جيليكو، رغم أنه أكثر شخصٍ من بين الحاضرين غير مُرجَّح للعثور عليه بسبب ضعف بصره ونظاراته الطبية.

والشخص المسئول عن تنفيذ الوصية المعيبة هو السيد جيلكيو.

أما بالنسبة إلى الرفات، فمن الواضح أنه لم يكن يخصُّ جون بيلينجهام، وإنما هو أجزاء جثة ذات نوعيةٍ خاصة. ولكن الشخص الوحيد الذي عُرف عنه اقتناء مثل هذه الجثة في حوزته هو السيد جيليكو.

والشخص الوحيد الذي قد يكون لديه الدافع لإحلال ذلك الرفات محلَّ رفات المُتوفَّى هو السيد جيليكو.

وأخيرًا، الشخص الذي تسبب في اكتشاف ذلك الرفات في هذه اللحظة بعينها هو السيد جيليكو.

كان هذا مُلخص الأدلة التي كانت بحوزتي حتى وقت جلسة الاستماع، وبالطبع حتى بعدها بفترةٍ من الوقت، ولم تكن هذه الأدلة كافية للتصرُّف على أساسها. ولكن حين نظرت المحكمة القضية، كان من الواضح أنه إما أن الدعوى ستُرفض — وهو أمر كان مُستبعدًا — أو ستكون هناك تطوُّرات جديدة.

راقبتُ تطوُّرَ الأحداث باهتمام بالغ. كان هناك محاولة (من جانب السيد جيليكو أو شخص آخر) لتنفيذ الوصية بدون دفن جثة السيد جون بيلينجهام، ولكن تلك المحاولة باءت بالفشل. إذ رفضت هيئة المُحلفين التابعة للطب الشرعي تحديد هوية الرفات؛ ورفضت المحكمة الحسبية افتراض وفاة الموصي. وبواقع الأمور، لا يمكن تنفيذ الوصية.

إذن، ماذا ستكون الخطوة التالية؟

كان من شبه المؤكد أنها ستنطوي على اكتشاف شيءٍ من شأنه أن يُحدد هوية الرفات المجهول باعتباره رفات الموصي.

ولكن ماذا سيكون ذلك الشيء؟

والإجابة عن هذا السؤال ستنطوي على إجابة سؤال آخر: هل كان حلِّي للغز هو الحل الصحيح؟

إذا كنتُ مخطئًا، كان من الممكن أن يُكتَشف بعض العظام الحقيقية لجون بيلينجهام لا شكَّ توًّا؛ على سبيل المثال، الجمجمة أو رضفة الركبة أو الشظية اليُسرى، فرفات أي منها يمكن تحديده قطعًا.

وإذا كنتُ مُحقًّا، فشيء واحدٌ من الممكن أن يحدُث. سيلعب السيد جيليكو بالورقة الرابحة التي كان يُخفيها في حالة رفض المحكمة للالتماس؛ وهي ورقةٌ من الواضح أنه كان مُترددًا في لعبها.

كان من شأنه أن يدفن عظام إصبع المومياء مع خاتم جون بيلينجهام. ليس هناك سبيل آخر.

ليس فقط العثور على العظام والخاتم معًا؛ بل يجب العثور عليهما في مكانٍ يستطيع السيد جيليكو الوصول إليه، وتحت سيطرته بحيث يمكنه تحديد التوقيت المناسب الذي ينبغي أن يحدُث فيه الاكتشاف.

انتظرتُ بأناةٍ الإجابة عن سؤالي. هل كنتُ محقًّا أم مُخطئًا؟

وجاءت الإجابة في الوقت المناسب.

اكتُشفت العظام والخاتم في بئر بأراضٍ تابعة لمنزل سابق لجودفري بيلينجهام. كان هذا المنزل ملكًا لجون بيلينجهام. كان السيد جيليكو وكيلًا لجون بيلينجهام. ومِن ثَم، كان من المؤكد عمليًّا أن التاريخ الذي أُفرِغت البئر فيه حدَّده السيد جيليكو.

واتضح الأمر.

أثبت الاكتشاف على نحوٍ قاطع أن العظام لا تخصُّ جون بيلينجهام (لأنها لو كانت كذلك، لصار الخاتم غير ضروري لتحديد الهوية). ولكن إذا كانت العظام لا تخصُّ جون بيلينجهام، فإن الخاتم يخصُّه؛ ومن هذا يأتي الاستنتاج المُهم بأن أيًّا كان الشخص الذي وضع هذه العظام في البئر فهو نفسه الذي بحوزته جثة جون بيلينجهام. ولا يمكن أن يكون هناك شكٌّ في أن ذلك الشخص هو السيد جيليكو.

بعد الحصول على هذا الإثبات الأخير لاستنتاجاتي، أتقدَّم على الفور إلى دكتور نوربيري للحصول على إذن لفحص مومياء سبك حتب، بالنتيجة التي تعرفونها بالفعل.»

وما إن اختتم ثورندايك حديثه، حتى نظر إليه السيد جيليكو مُتأمِّلًا إيَّاه لدقيقة ثم قال: «لقد قدمتَ لنا، يا سيدي، عرضًا مكتملًا وواضحًا لمنهجك في التحقيق. لقد استمتعتُ به كثيرًا، وينبغي أن أستفيد منه فيما بعد، في ظل ظروفٍ أخرى. هل أنت مُتأكد من عدم السماح لي بملء كأسك؟» أمسك بقنينة زجاجة الخمر، فنظر المُحقق بادجر في ساعته في انشغال.

قال السيد جيليكو: «أخشى أن يكون الوقت قد حان.»

قال بادجر بنبرة قاطعة: «أجل، إنه كذلك.»

قال المحامي: «حسنًا، لا حاجة لي باحتجازكم لفترةٍ أطول. إفادتي هي سردٌ للأحداث. ولكن أودُّ أن أُدلي بها، وأنتم، بلا شك، مُهتمُّون بالاستماع إليها.»

فتح العلبة الفضية وانتقى منها سيجارة جديدة ولكنه لم يُشعلها. أخرج المُحقق بادجر دفترًا مهيبًا ووضعه مفتوحًا على ركبته؛ وجلس البقية منَّا على مقاعدهم في فضولٍ كبير للاستماع إلى إفادة السيد جيليكو.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١