الفصل الخامس

حوض نبات البقلة المائية

كانت عيادة برنارد، كأغلب العيادات الأخرى، عُرضةً لتلك التقلبات التي تتقاذف الممارس العام المكافح؛ بين موجات يأسٍ وأمل متعاقبة. كان العمل فيها عبارة عن نوباتٍ محمومة تتخللها استراحات يسُودها ركود شبه تام. جاءت إحدى هذه الاستراحات في اليوم التالي لزيارتي لنيفلز كورت، وكانت النتيجة أنني وجدت نفسي في الساعة الحادية عشرة والنصف أتساءل: كيف ينبغي عليَّ قضاء باقي اليوم. ولكي أفكر على نحوٍ أفضل في هذه المعضلة الكبيرة، أخذت أتمشى في طريق كورنيش إمبانكميت، ثم وقفت مستندًا على حاجز الجسر، متأملًا المنظر عبر النهر؛ حيث يقف الجسر الحجري الرمادي ذو القناطر، وفي الخلفية كومة خلَّابة من أبراج الحراسة، والأشكال المظللة لكنيسة الدير وسانت ستيفن.

كان مشهدًا لطيفًا، مُريحًا ومُهدئًا للأعصاب، يعكس لمحةً من الحياة وتشوبه لمسة رومانسية حانية، حين مرَّ أسفل مني عبر القنطرة الوسطى للجسر زورق ذو شراع رباعي مُثبت في صارٍ وخلف ذراع الدفة سيدة ترتدي مئزرة بيضاء اللون. وعلى نحوٍ حالم، شاهدتُ الزورق يسير مع التيار المتحرك، ورأيتُ الجزء السفلي من الزورق، يكاد يكون مغمورًا بالماء، وقائدة الزورق الحذرة، والكلب عند المقدمة ينبح على الشاطئ البعيد؛ عند هذه اللحظة تذكرت روث بيلينجهام.

ما الذي يجعل هذه الفتاة الغريبة تترك انطباعًا عميقًا لديَّ؟ كان هذا هو السؤال الذي أطرحه على نفسي، وليست هذه هي المرة الأولى التي أفعل فيها ذلك. ولا شك في هذه الحقيقة بحدِّ ذاتها. ولكن ما التفسير؟ هل بيئتها المحيطة الغريبة؟ هل مهنتها وعِلمها الغامض إلى حدٍّ ما؟ هل شخصيتها المدهشة وجمالها الاستثنائي؟ أم علاقتها باللغز المثير لاختفاء عمها؟

استنتجتُ أن كل هذا معًا يقدم تفسيرًا. كل شيء مرتبط بها كان استثنائيًّا ولافتًا للنظر؛ ولكن علاوة على هذه الظروف، ثمة قدْر مُعين من التعاطف والانجذاب الشخصي الذي أُدركه بقوة والذي آمُل في سري أن تكون هي على دراية به أيضًا، ولو بالقدر القليل. وعلى أي حال، كنت مُهتمًّا بها كثيرًا؛ ولا شك في هذا إطلاقًا. ورغم قِصر معرفتنا بعضنا ببعض، فقد شغلَت تفكيري كما لم تفعل امرأة من قبل.

تحوَّل تفكيري بسلاسة من روث بيلينجهام إلى القصة الغريبة التي قصها عليَّ والدها. كانت مسألة غريبة، تلك الوصية سيئة الصياغة، بالإضافة إلى اعتراض المحامي المُرتبك في خلفية الأحداث. بدا الأمر تقريبًا كما لو أن هناك شيئًا ما وراء كل هذا، ولا سيما حين تذكرت العرض الغريب جدًّا من جانب السيد هيرست. ولكن هذا خارج حدود قدراتي؛ إنها قضية منوطة بمحامٍ، ولا بدَّ أن تُوكَل إلى محامٍ. وفي تلك الليلة، قررتُ أن أذهب إلى ثورندايك وأحكي له القصة كلها كما حُكيت لي.

ثم حدثت واحدة من تلك المُصادفات التي يتساءل الجميع عن توقيت حدوثها، ولكنها متكررة جدًّا لدرجة أنها صارت متوقعة. ورغم أنني اتخذتُ القرار، فقد لاحظت رجُلين يقتربان من ناحية منطقة بلاكفريرز، وأدركتُ أنهما مُعلمي السابق ومساعده.

قلتُ لهما بينما كانا يقتربان: «كنتُ أفكر فيكما للتو.»

ردَّ جيرفيس قائلًا: «يا له من إطراء بالغ؛ أظن أنك لو ذكرتَ الشياطين لحضرت فورًا.»

قال ثورندايك: «أو لعله كان يذكر نفسه. ولكن لماذا كنت تُفكر فينا، وماذا كانت طبيعة أفكارك؟»

«أفكاري ذات علاقة بقضية بيلينجهام. لقد قضيتُ الليلة الماضية بأكملها في نيفلز كورت.»

«ها! هل تُوجَد أي تطورات جديدة؟»

«أجل، رباه! توجد تطورات جديدة. لقد قدم بيلينجهام لي وصفًا تفصيليًّا كاملًا للوصية؛ وتبدو أنها وثيقة مُثيرة.»

«هل منحك الإذن لتُعيد عليَّ التفاصيل؟»

«أجل، سألته على وجه التحديد إذا كان يسمح لي بذلك، ولم يكن لديه أي اعتراض أيًّا ما كان.»

«عظيم. سنتناول الغداء في سوهو اليوم نظرًا لأن بولتون مشغول جدًّا. تعالَ معنا وشاركنا المائدة وأخبِرنا بقصتك في الطريق. هل هذا يناسبك؟»

كان يناسبني بشكلٍ مثير للإعجاب في ظلِّ الوضع الراهن للعيادة، ولذا قبلت الدعوة بفرحة لا تخفى عن العيان.

قال ثورندايك: «حسنًا جدًّا، دعونا نسِر ببطء ونُنهِ الأمور بسريةٍ قبل أن ندخل وسط حشدٍ من الزحام المحموم.»

تقدَّمنا بتمهُّل على طول الرصيف العريض وبدأت حكايتي. بقدر ما أستطيع التذكر، حكيتُ الظروف التي أدَّت إلى الوضع الحالي الخاص بالممتلكات ثم تطرقتُ إلى الشروط الفعلية الخاصة بالوصية؛ التي استمع إليها صديقاي باهتمام شديد، أخذ ثورندايك يوقفني من آنٍ لآخر ليدوِّن ملاحظة في مُفكرة جيبه.

وعندما انتهيت، صاح جيرفيس: «يا إلهي، لا بدَّ أن الرجل مجنون تمامًا! يبدو أنه بذل قصارى جهده ببراعةٍ شيطانية ليُقوِّض تنفيذ الوصية.»

علق ثورندايك: «هذا ليس مُستغربًا على تاركي الوصايا بوجهٍ عام. الاستثناء هي وصية مباشرة وواضحة تمامًا. ولكن من الصعب أن نحكم حتى نرى الوثيقة الأصلية. أظن أن بيلينجهام ليس لديه نسخة؟»

قلت: «لا أعرف؛ ولكن سأسأله.»

قال ثورندايك: «إذا كان لديه نسخة، أودُّ أن أطلع عليها. الشروط غريبة جدًّا، وكما يقول جيرفيس، مدروسة على نحوٍ مثير للإعجاب لتقويض أمنيات المُوصي في حالة أنه تم تبليغها بشكلٍ صحيح. وعلاوة على ذلك، هي لها تأثير ملحوظ على ظروف الاختفاء. أراهن أنك لاحظتَ ذلك.»

«لاحظتُ أن من مصلحة هيرست إلى حدٍّ كبير عدم العثور على الجثة.»

«أجل، بالتأكيد. ولكن ثمة نقاطًا أخرى ذات أهمية بالغة. إلا أنه سيكون من السابق لأوانه أن نناقش بنود الوصية قبل أن نرى الوثيقة الأصلية أو نسخةً مُصدقًا عليها.»

عقبتُ قائلًا: «إذا كان هناك نسخة، فسأحاول الحصول عليها. ولكن بيلينجهام يخشى كثيرًا أن يتم اتهامه بالحصول على مشورةٍ متخصصة مجانًا.»

قال ثورندايك: «هذا أمر طبيعي بالقدر الكافي، ولا يضر بسمعته. ولكن يجب عليك أن تتغلب على تردُّده بطريقةٍ أو بأخرى. وأتوقع أن تكون قادرًا على ذلك. أنت شاب جدير بالثقة، بقدر ما أتذكر الأيام الخوالي، ويبدو أنك وطَّدتَ علاقتك بالأسرة وصرتَ صديقًا لها.»

قلتُ مفسرًا: «إنهم أشخاص مُثيرون للاهتمام، ومثقفون جدًّا ولديهم نزعة قوية نحو دراسة علم الآثار. يبدو أن هذا يسري في دمائهم.»

قال ثورندايك: «أجل، نزعة أُسَرية، ربما يرجع هذا إلى الاتصالات المباشرة والمحيط العام أكثر من كونه صفة وراثية. إذن، هل راقك جودفري بيلينجهام؟»

«أجل، هو شخص سريع الانفعال على أتفه الأشياء ومُتهور، ولكنه عجوز لطيف ومحبوب إلى حدٍّ بعيد.»

قال جيرفيس: «والابنة، كيف تبدو؟»

«أوه، هي فتاة مثقفة، تعدُّ المصادر والمراجع في المتحف.»

صاح جيرفيس في ازدراء قائلًا: «أها! أعرف هذا النوع؛ أصابع ملطخة بالحبر، نحيفة من كل الجوانب، ذات عوينات.»

ابتلعتُ الطُّعم الواضح والفاضح بسذاجة.

هتفتُ في سخط لأناقض تصوُّر جيرفيس البغيض بالصورة الأصلية الجميلة قائلًا: «أنت مُخطئ تمامًا. هي فتاة بارعة الجمال وأخلاقها تليق بما يجب أن تكون عليه أخلاق امرأة مهذبة. لعلها فظة بعض الشيء، ولكنني مجرد أحد المعارف بالنسبة إليها؛ شخص غريب تقريبًا.»

أصر جيرفيس قائلًا: «ولكني أقصد كيف يبدو مظهرها؟ قصيرة؟ سمينة؟ شقراء؟ قدِّم لنا تفاصيل واضحة.»

راجعت الصورة في ذهني سريعًا، وساعدَني في ذلك تأملاتي الأخيرة.

«طولها حوالي ١٧٠ سنتيمترًا، نحيفة ولكنها ملفوفة القوام، منتصبة القامة في مشيتها، ورشيقة في حركتها؛ ذات شعر أسود مفروق من المنتصف على نحوٍ غير محكم، ومنسدل على نحوٍ جميل بعيدًا عن جبهتها، ذات بشرة شاحبة وصافية، وعينين رماديتين داكنتين، وحاجبين مستقيمين وأنف مستقيم وجميل، وفمٍ صغير، مُكتنز جدًّا، وذقن دائري … ما الذي تضحك عليه يا جيرفيس بحق السماء؟» فجأة كشف صديقي عن صفِّ أسنانه البراقة، وتوعَّد، كالقط شيشاير، بالدخول في حالةٍ من المرح والتسلية.

قال: «إذا كان يُوجَد نسخة من الوصية، يا ثورندايك، فدعنا نحصل عليها. أظن أنك تتفق معي، أيها المساعد الموقر.»

جاء الرد: «سبق أن قلتُ إنني أضع ثقتي في بيركلي. والآن، دعونا نُنحِّي الموضوعات المهنية جانبًا. ها قد وصلْنا إلى دار الضيافة.»

دفع بابًا زجاجيًّا بسيطًا، وتبِعناه إلى داخل المطعم، حيث كانت الأجواء معبأة برائحة اللحم الشهي مُختلطة بروائح أقل قبولًا للدهون المُقطرة المُدمِّرة للشرايين.

وبعد مرور ساعتين تقريبًا ودَّعت صديقيَّ تحت أشجار الدُّلْب ذات الأوراق الذهبية بشارع كينجز بينش ووك.

قال ثورندايك: «لن أطلب منك المجيء الآن؛ حيث إننا لدينا بعض الحسابات في فترة ما بعد الظهيرة. ولكن تعالَ لزيارتنا في أقرب وقت؛ لا تنتظر نسخة الوصية.»

قال جيرفيس: «كلَّا، مُرَّ علينا مساءً حين تنتهي من عملك، بالطبع ما لم يكن هناك حفل أكثر جاذبية في مكانٍ آخر. أوه، لا يجب أن يتغير لونك هكذا يا صغيري العزيز، لقد كنَّا جميعًا شبابًا ذات يوم؛ حتى ثورندايك نفسه كان شابًّا في فترةٍ تعود إلى ما قبل فترة الأُسَر الحاكمة.»

علق ثورندايك قائلًا: «دعك منه، يا بيركلي. إنه لم يخرُج من البيضة بعد. سيكون أكثر معرفةً حين يصل إلى عمري.»

صاح جيرفيس قائلًا: «متوشلخ جدُّ النبي نوح! أتمنى ألا أُضطرَّ إلى الانتظار آلاف السنين مثله!»

ابتسم ثورندايك ابتسامةً طوعيةً إلى مساعده الذي يتعذَّر كبحه، وصافح يدي بحرارة وتوجَّه إلى المدخل.

ومن شارع تيمبل انطلقتُ جهة الشمال، إلى كلية الجراحين المجاورة، حيث أقضي بضع ساعات مفيدة في فحص «الجثث المحفوظة» وأُنعش ذاكرتي بموضوعاتٍ خاصة بعلم الأمراض وعلم التشريح، متعجبًا من جديد (مثلما يجب أن يتعجب أي خبير بعلم التشريح العملي) من تقنيات التشريح المتقنة على نحوٍ لا يُصدق، وفي سِري أُشيد بمؤسس المجموعة. وأخيرًا دفعتني دقات الساعة مصحوبة برغبة متزايدة لتناول الشاي، وحملتني إلى مشهد عملي غير المُجهد بدرجةٍ كبيرة. كان ذهني لا يزال منشغلًا بمحتويات القضايا والجرار الزجاجية الكبيرة، ولذا وجدتُ نفسي عند منعطف حارة فيتر بدون أدنى فكرةٍ عن كيف قادتني قدماي إلى هناك. ولكن عند تلك النقطة استفقتُ من تأمُّلاتي فجأةً على صوتٍ أجشَّ يرن في أذني.

«اكتشاف رهيب في قرية سيدكوب!»

التفتُّ في غضب — حيث انطلقت صرخة صبيان شوارع لندن، من مسافة قريبة، كانت أشبه في الواقع بصفعةٍ من يدٍ مفتوحة — ولكن الكلام المكتوب على مُلصق أصفر لامع مرفوع أمامي لمعاينته حوَّل غضبي إلى فضول.

«اكتشاف رهيب في حوض نبات البقلة المائية!»

الآن، دع هادمي اللذات يُنكرون الأمر إن استطاعوا؛ ولكنْ ثمة شيء جذَّاب جدًّا في عنوان «اكتشاف رهيب.» إنه يشير إلى مأساة، إلى لغز، إلى مغامرة. إنه يعِدُ بإضفاء العنصر الدرامي المُثير على حياتنا الكئيبة والمُملة، وهو عنصر يمثل الملح الذي يُعطي مذاقًا لوجودنا في الحياة. «في حوض نبات البقلة المائية.» أيضًا! بدا أن الخلفية الريفية تؤكد رهبة الاكتشاف، أيًّا ما كان.

اشتريتُ نسخة من الجريدة، ودسستُها تحت ذراعي، وأسرعت إلى العيادة، مُمنيًا نفسي بوليمةٍ ذهنية من البقلة المائية؛ ولكن ما إن فتحت الباب حتى وجدت نفسي أمام سيدة بدينة تمتلئ بشرتها بالبقع والبثور حيَّتني بأنينٍ عميق. كانت السيدة صاحبة متجر الفحم الموجود في حارة «فلور دي ليس».

قلتُ في عجالة: «مساء الخير، سيدة جابليت. أتمنى ألا تكوني جئتِ لتكشفي على نفسكِ.»

ردَّت وهي تقف وتتبعني بخُطًى كئيبة إلى حجرة الكشف قائلة: «أجل، جئت لذلك.» وما إن أجلستُها على كرسي المريض وجلستُ أنا على المكتب، حتى واصلت حديثها: «إنه داخلي، يا دكتور كما تعلم.»

العبارة كان ينقصها الدقة التشريحية، واستبعدتُ تخصُّص الجلدية وحسب. وبالتالي انتظرتُ توضيحًا وفكرتُ في أحواض نبات البقلة المائية، بينما كانت السيدة جابليت تنظر إليَّ في ترقُّب بعينٍ ضعيفة ودامعة.

أخيرًا قلت: «أها! إنه … إنه داخلك، أليس كذلك، سيدة جابليت؟»

«أجل، ورأسي.» أضافت بنظرة مُتلفتة من حولها ملأت الغرفة برائحة ذكريات مريرة.

«رأسك يؤلمك، أليس كذلك؟»

ردَّت السيد جابليت: «شيء مزمن! أشعر وكأنه يُفتح ويُغلق، يُفتح ويُغلق، وحين أجلس أشعر كما لو أنه ينبغي عليَّ أن أنهار.»

هذا الوصف الخلَّاب لأحاسيسها — يتناسب تمامًا مع شخصيتها — أعطاني فكرةً عن معاناة السيدة جابليت. وبعد أن قاومتُ دافعًا أحمق لطمأنتها بخصوص درجة مرونة جلد الإنسان، تأملتُ حالتها بمزيدٍ من التفاصيل، متفحصًا بدقة موضوع المرارة، وفي النهاية ودَّعتها، وقد ارتفعت معنوياتها، ومعها زجاجة بها تركيبة دواء؛ زجاجة صودا كام البزموت من مخزون الزجاجات الكبير الخاص ببرنارد. ثم عُدت لقراءة خبر الاكتشاف الرهيب. ولكن قبل أن أتمكن من فتح الجريدة دخل مريض آخر (هذه المرة صبي «جبهته العريضة والمقوسة» مُصابة بمرض القوباء، من حارة فيتر)، ثم بعده مريض ثالث، ودواليك طوال المساء حتى نسيتُ في النهاية موضوع أحواض نبات البقلة المائية تمامًا. ولم أتذكر الجريدة إلا حين طهَّرتُ نفسي من الكشوفات المسائية بحمَّام المياه الساخنة وتنظيف الأظافر، وكنتُ بصدد الجلوس وتناول عشاء خفيف، وبحثتُ عنها في دُرج مكتب غرفة الكشف، حيث خفيت في عجالةٍ بعيدًا عن الأنظار. ثنيتُها في شكل مناسب، لأضعها في وضع عمودي مستندة إلى إبريق الماء، قرأت التقرير على مهلٍ أثناء تناولي العشاء.

كان هناك تقرير مستفيض. من الواضح أن المراسل الصحفي اعتبره «سبقًا صحفيًّا»، ودعمه رئيس التحرير بمساحة وفيرة وعناوين إخبارية تقشعر لها الأبدان.

اكتشاف رهيب
في حوض نبات بقلة مائية بقرية
سيدكوب!

«اكتشاف مُذهل حدث بعد ظهيرة أمس أثناء عملية تطهير أحواض نبات بقلة مائية بالقرب من قرية سيدكوب الريفية بمقاطعة كينت؛ وهو اكتشاف سيثير الكثير من المتاعب المزعجة بالنسبة إلى الأشخاص الذين اعتادوا تناول هذه النباتات المُنعشة. ولكن قبل الخوض في وصف الظروف الخاصة بالاكتشاف الفعلي، أو الأشياء التي تم العثور عليها — والتي سيأتي ذكرها فورًا وهي عبارة عن أشلاء جثة بشرية مُتحللة، لا أكثر ولا أقل — سيكون من المثير تتبُّع سلسلة الصُّدَف الاستثنائية التي بموجبها تمَّ هذا الاكتشاف.

أحواض النباتات المُشار إليها موجودة في بحيرةٍ صناعية صغيرة يُغذيها جدول نهري صغير يُعدُّ أحد الروافد الكثيرة لنهر كراي. وعمق هذه الأحواض أكبر من الأحواض المعتادة لنبات البقلة المائية، وإلا لكان من المستحيل إخفاء الرفات البشِع تحت سطحها. ورغم استمرار تدفق المياه عبرَها، فإن كميتها ضئيلة. ويتعرج الرافد النهري عبر سلسلة من المروج العشبية، وتُوجَد أحواض النباتات في أحد هذه المروج. وهنا طوال معظم شهور العام تعمل الخراف — ضحايا البشر آكلي اللحوم — على نحوٍ دءوب لتحويل العُشب إلى لحم ضأن. وقبل بضع سنواتٍ مضت، أُصيبت الخراف المُتردِّدة على هذه المروج العشبية بمرضٍ يُعرف باسم «عنونة الكبد»، وفي هذا السياق علينا أن نستطرد قليلًا في الحديث عن علم الأمراض.

عنونة الكبد هو مرض له خلفيات مثيرة جدًّا. هذا المرض تُسببه دودة مسطحة صغيرة — تُسمى مثقبيات الكبد — تغزو الكبد والقنوات الصفراوية للخراف المُصابة.

السؤال: كيف وصلت هذه الدودة إلى كبد الخراف؟ من هنا تبدأ المغامرة. هيا لنرى!

تبدأ دورة التحوُّل بوضع بيض دودة مثقبيات الكبد في مجرًى مائي ضحل أو مصرف جارٍ عبر الأراضي العشبية. لكل بيضةٍ شيء يشبه الغطاء، ينفتح في الحال ويخرج منه كائن دقيق مُشعر يسبح بعيدًا بحثًا عن نوع معين من الحلزون المائي — يُطلِق علماء الطبيعة على هذا النوع ليمنيا ترانكاتيولا. وإذا وجد هذا الكائن حلزونًا، يشق طريقه داخله، وسرعان ما يبدأ في تكديس الشحم وزيادة طبقاته. ثم، يكوِّن أسرة — ديدان صغيرة لا تُشبهه؛ كائنات صغيرة تُسمى ريديات، والتي بدورها تنجب أُسَرًا من الريديات الصغيرة. هكذا، يستمر الوضع على مدى عدة أجيال؛ ولكن أخيرًا يأتي جيل من الريديات التي بدلًا من أن تُنجب ريديات جديدة، تنتج أسرًا من سلالةٍ مختلفة تمامًا، كائنات ذات رأس كبير وسوط طويل مثل شرغوف دقيق جدًّا، يُطلِق عليه أولو العلم سركاريا. وسرعان ما تشق السركاريا طريقها إلى خارج جسم الحلزون، ثم هنا تنشأ المُضاعفات؛ فمن عادة هذا الحلزون المائي تحديدًا أن يترك الماء من وقتٍ لآخر ويتنزَّه في الحقول؛ وبالتالي، تفرُّ السركاريا من الحلزون لتجد نفسها على العشب حيث تُسقط أسواطها وتثبت نفسها على أطراف العشب. ثم تأتي الخراف الغافلة لتتناول وجبتها الخفيفة، وتجز العشب وتبتلع السركاريا وكل هذه الكائنات الأخرى. ولكن الأخيرة عندما تجد نفسها في معدة الخراف، تشق طريقها مباشرة إلى القنوات الصفراوية، ومنها إلى الكبد. وفي غضون بضعة أسابيع، تنمو إلى ديدان مثقبية يافعة وتبدأ المهمة الخطيرة لإنتاج البيض.

هذه هي المغامرة الباثولوجية لمرض عنونة الكبد. الآن، ما علاقة هذا بالاكتشاف الغامض؟ إليك حلقة الربط. بعد تفشِّي مرض عنونة الكبد المشار إليه أعلاه بين الأغنام، أعطى مالك الأرض، ويُدعى السيد جون بيلينجهام، تعليماته لمُحاميه بإضافة بند في عقد إيجار الأحواض ينصُّ على ضرورة تنظيفها بصفةٍ دورية وفحصها من قبل أحد الخبراء للتأكد من خلوها من حلزونات المياه الضارة. انتهى عقد الإيجار الأخير قبل نحو عامين، ومنذ ذلك الحين لم تتم زراعة الأحواض؛ ولكن من أجل سلامة المروج العشبية المجاورة، اعتُبر من الضروري إجراء المتابعة الدورية المعتادة، وفي أثناء عملية تطهير الأحواض لهذا الغرض، تم الاكتشاف.

بدأت العملية قبل يومين؛ حيث شرعت مجموعة من ثلاثة رجال في استئصال النباتات بطريقة منهجية وجمع الحلزونات المائية الكثيرة لكي يفحصها الخبراء وتحديد ما إذا كان بينها أنواع ضارة أم لا. وكانوا قد طهروا نصف عدد الأحواض تقريبًا، حين اكتشف بعد ظهر أمس أحد الرجال العاملين في أعمق جزءٍ من الأحواض بعضَ العظام أثار مظهرها شكوك الرجل. وعلى الفور، نادى الرجل زملاءه وأزالوا أجزاء النباتات، وسرعان ما كشفت العملية بوضوح عن يدٍ بشرية مدفونة في الطين وسط الجذور. ولحُسن الحظ أنهم تحلَّوا بالحكمة لعدم بعثرة الرفات، ولكنهم أبلغوا الشرطة. وسرعان ما وصل إلى مكان الحادث مُحقق ورقيب، يصحبهما الجراح التابع لقسم الشرطة، واستطاعوا فحص الرفات المدفون حيث وجدوه. ثم أُلقي الضوء على حقيقةٍ غريبة جدًّا؛ إذ لوحظ أن اليد — وهي يد يسرى — المدفونة في الطين ينقصها الإصبع الثالثة. اعتبرت الشرطة هذه الحقيقة ذات أهمية بالغة بخصوص مسألة تحديد هوية الجثة، نظرًا لأن عدد الأشخاص الذين فقدوا الإصبع الثالثة من اليد اليسرى هو حتمًا عدد قليل جدًّا. وبعد إجراء فحصٍ شامل للمكان، جُمعت العظام بحرصٍ ونُقلت إلى المشرحة؛ حيث تنتظر الآن المزيد من الفحوصات.

وفي مقابلة صحفية أجراها مُمثلنا الصحفي مع دكتور براندون، الجراح التابع لقسم الشرطة، أدلى بالتصريحات التالية:

«العظام هي عظام اليد اليسرى لرجلٍ في منتصف العمر أو أكبر، يبلغ طوله ١٧٢ سنتيمترًا. جميع عظام الذراع موجودة، وفيها عظمة الكتف، أو لوحة الكتف، والترقوة، إلا أن العظام الثلاثة للإصبع الثالثة مفقودة.»

سأله مراسلنا الصحفي: «هل هذه عاهة جسدية أم أن الإصبع مبتورة؟»

كان ردُّه: «لقد بُتِرت الإصبع. لو كانت مفقودة منذ الولادة، لكان عظم السنعي، أو مشط اليد مفقودًا أو مُشوَّهًا؛ في حين أنه موجود وطبيعي جدًّا.»

كان السؤال التالي هو: «كم لبثت العظام بالمياه؟»

«أكثر من عام، حسب ما أظن. هي نظيفة تمامًا؛ ولا يُوجَد أثر للأنسجة اللينة.»

«هل لديك أي نظريات عن كيف وصلت الذراع إلى حيث عُثر عليها؟»

جاء الرد المُتحفظ: «أُفضل ألا أجيب عن هذا السؤال.»

ألحَّ مراسلنا الصحفي: «سؤال آخر من فضلك، مالك الأرض، السيد جون بيلينجهام، أليس هو الرجل الذي اختفى بشكلٍ غامض جدًّا قبل فترةٍ مضت؟»

أجاب دكتور براندون قائلًا: «أظن ذلك.»

«هل يمكن أن تُخبرني ما إذا كان السيد بيلينجهام قد فقد الإصبع الثالثة من يده اليسرى؟»

ردَّ دكتور براندون: «لا يمكنني ذلك.» ثم أضاف مبتسمًا: «من الأفضل أن تسأل الشرطة.»

«إلى هنا تقف القضية في الوقت الراهن. ولكننا نتفهم أن الشرطة تُجري تحقيقات موسعة بخصوص أي رجل مفقود فقد الإصبع الثالثة من يده اليسرى، وإذا كان أحد قرَّائنا يعرف شخصًا بهذه المواصفات، يُرجى التواصل معنا على الفور أو مع السلطات.

ونعتقد أنه لا بدَّ من إجراء تفتيش منهجي عن باقي الرفات».»

وضعتُ الجريدة جانبًا واستغرقت في سلسلةٍ من التأملات. كانت، بالتأكيد، أغرب حادثة على الإطلاق. من الواضح أن الفكرة التي طرأت على ذهن الصحفي تسللت إلى ذهني أيضًا؛ هل من المُحتمل أن يكون هذا الرفات رفات جون بيلينجهام؟ من الواضح أن هذا احتمال قائم، رغم أنني لا أرى سوى حقيقة أنه عُثر على العظام مدفونة في أرضه، رغم أنها بلا شك تُعزز الاقتراح، فإنها على أي حال لا تزيد الاحتمالية. الرابط بين الأمرَين كان محض صدفة ولا توجد صِلة مباشرة حتى الآن.

وكذلك مسألة الإصبع المبتورة. لا توجد أي إشارة إلى هذا التشوُّه في التقرير الأصلي لواقعة اختفاء جون بيلينجهام، رغم أن أمرًا كهذا يصعب إغفاله. ولكن التكهنات لا تُجدي في ظل غياب الحقائق. لا بدَّ أن أزور ثورندايك خلال الأيام القليلة القادمة، وبلا شك، إذا كان هذا الاكتشاف له أي تأثيرات على اختفاء جون بيلينجهام، فلا بدَّ أن أفهم. وبهذه الفكرة، قُمت عن المكتب، ونفَّذت النصيحة المقتبسة من مغامرات «دكتور جونسون»، وانطلقت إلى «تمشيةٍ في شارع فلييت» قبل حلول المساء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١