الفصل الخامس

النمو الاجتماعي وعلاقات الأقران

كولين طفلة تبلغ من العمر اثني عشر عامًا، تستقل السيارة مع أمِّها وتقول لها: «إنني محظوظة للغاية لأن لديَّ عددًا كبيرًا من الأصدقاء الرائعين!» فتطلُب الأم من ابنتها أن تحدثها أكثر في هذا الموضوع، آملةً أن تحصل على قدر أكبر من المعلومات والأفكار حول الرأي الرائع الذي شاركته الطفلة معها توًّا:

كولين : «حسنًا، لدي أكثر من عشرة أصدقاء من مدرستين مختلفتين. الفتيات والأولاد يحبونني على حد السواء.»
الأم : «وما هو وجه حُسن الحظ في هذا الأمر؟»
كولين (وقد بدت ساخطة إلى حدٍّ ما) : «لا أعرف!»
الأم : «أعتقد أن صداقاتك إنما تدل على شخصك.»
كولين : «ماذا تقصدين؟»
الأم : «إنك ودودة وجديرة بالثقة ومرحة وذكية، والأطفال الآخرون يفضلون صحبتك للعديد من الأسباب. إنك بالنسبة إليهم صديقة جيدة.»
كولين : «ربما.»

بنهاية هذا الحوار، تبدو كولين مستغرقة في التفكير ولكنها مستعدة للانتقال إلى موضوع آخر. ربما كان توجيه أمها الراقي لها نحو التفكُّر الذاتي هو ما احتاجت الطفلة إلى سماعه تحديدًا في تلك اللحظة، وربما تَطلَّب الأمر منها بعض الوقت للتفكير في وجهة نظر أمها عنها، وإذا ما كانت تتوافق مع وجهات نظرها عن نفسها كصديقة. يُلاحَظ أن ردود كولين كانت تفتقد التفكُّر الذاتي الذي لم يتعدَّ إحصاء أصدقائها وتصنيفهم فحسب، وهذا الأمر يبدو طبيعيًّا تمامًا بالنسبة لطفلة لم تتعدَّ اثني عشر عامًا، ولكن من المؤكد أن «كولين المحظوظة» أسهمت في حظها الطيب وصداقاتها الجيدة.

سأتناول في هذا الفصل كيفية مساهمة العلاقات بين الأقران في تطوُّر الأطفال وتحسين مستوى الصحة النفسية لهم. يتعلق المقياس الرابع للأطفال الذين يتمتعون بصحة نفسية جيدة بعلاقات الصداقة وقبول الأقران أو رفضهم. إن النمو الاجتماعي والنمو المعرفي لدى الأطفال متداخلان بصورة مذهلة كما ذكرنا في الفصول السابقة، وتجسد العلاقة الثنائية بين الأب والابن النموذج الأول للعلاقات في حياتهم، والتي تكون بمنزلة النمط أو إطار العمل للعلاقات اللاحقة. توفِّر التنشئةُ الاجتماعية المبكرة في كنف الأسرة بيئةً جيدةً يتعلم الأطفال من خلالها أمورًا عن الذات وعن الآخرين، علاوة على أنها تساعد الأطفال في التعامل جيدًا في السياقات الأوسع للعلاقات اللاحقة مع الأقران. وللأشخاص البالغين في حياة هؤلاء الأطفال دور بالغ الأهمية في عملية النمو هذه، ولكن الأقران يمثلون سبيلًا آخر للارتباط بالآخرين وبالعالم بشكل عام.

يبدأ النمو الاجتماعي للطفل منذ نعومة أظفاره، هل تذكرون المرة الأولى التي ركَّز فيها الطفل الرضيع الوارد في الفصل الثاني على أمه، وكيف بدا أنه يلاحِظ وجودها بصورة لم تلحظها الأم من قبل؟ إن تركيز هذا الطفل الرضيع كان دليلًا على نموه المعرفي والاجتماعي في تلك اللحظة، فمع تطور الأطفال، يبدءون أيضًا في إدراك أنهم كيانات منفصلة عن الآخرين؛ ويعني هذا الإدراكُ المبكرُ ﻟ «الآخر الاجتماعي» ببساطةٍ إمكانيةَ إدراك الطفل لتمتُّعه بإرادة شخصية منفصلة عن سلوكيات الآخرين؛ على سبيل المثال، يبدأ الأطفال الصغار في إدراك أن بمقدورهم التأثير في البيئة المحيطة بهم، بما في ذلك القدرة على لفت انتباه مقدِّم الرعاية للاقتراب منهم بغرض الرعاية أو اللعب.

إن العلاقات الاجتماعية المبكرة في الأسرة تزوِّد الأطفال بمعلومات عن التفاعلات الاجتماعية بوجه عام، كما تعمل هذه العلاقات المبكِّرة على مساعدة الأشخاص في الارتقاء بقدراتهم على التواصل وإنشاء علاقات مع الآخرين والمحافظة عليها، ويُطلق على هذه المهارة كفاءة العلاقات الاجتماعية أو الكفاءة الاجتماعية، جدير بالذكر أن كفاءة العلاقات الاجتماعية هذه تضع الأطفال على طريق إيجابي لتحقيق النجاح المستقبلي في المدرسة والعمل، وعلى مدار مرحلة البلوغ أيضًا. وتشير عالمة النفس سوزان هارتر — الخبيرة في دراسة دور الآخر الاجتماعي والتقدير الذاتي الشخصي — إلى أن التقييمات الإيجابية للآخرين تعكس التقدير الذاتي الإيجابي للشخص نفسه (انظر هارتر ١٩٩٩)، كذلك يرتبط التقدير الذاتي بالصحة النفسية الجيدة.

إن الإنسان كائن اجتماعي يعتمد استمراره ونجاحه أيَّما اعتماد على قدرته على الكفاءة الاجتماعية، كذلك يستغل كلٌّ من الأطفال والأشخاص البالغين المعلومات الواردة إليهم من الآخرين لمساعدتهم في إدراك ذواتهم، على الأقل من منظور مختلف عن رؤيتهم الذاتية. يبعث هذا المنظور أو «التصديق الاجتماعي» بمعلومات إلى الفرد عن العديد من الموضوعات. كيف يراني الآخرون؟ ما مدى الاتفاق بين وجهات نظر الآخرين ووجهة نظري؟ كيف أرتبط بالآخرين؟ ما هي مكانتي في هذا العالم؟ وكيف أشارك به؟ يساعدنا الآخرون الاجتماعيون في التوصل إلى إجابات على هذه الأسئلة الفلسفية المعقدة التي يصارعها البشر، علاوةً على ذلك، يوفر الأقران والأصدقاء للأطفال فرصة للتفاعل على نحو أكثر تكافؤًا منه في التفاعل مع الأشخاص البالغين في حياتهم. يدرك الأطفال أن الأشخاص البالغين يتمتعون بنفوذ أكبر في العلاقات القائمة بينهما؛ ولذلك، فإن العلاقات مع الأقران تجسد الخطوة الأولى في عملية إدراك الذات في العلاقات المتبادلة المتكافئة النفوذ.

سأستخدم في هذا الفصل مصطلح «الآخرون الاجتماعيون» للإشارة إلى كافة الأفراد الموجودين في البيئة الاجتماعية للفرد. سيشير مصطلح «الأقران» إلى مجموعة أصغر من الأطفال الذين يجمعهم قاسم مشترك على غرار فئة عمرية أو اجتماعية واحدة، بينما سيشير مصطلح «الأصدقاء» إلى الأفراد الذين نتشارك معهم المعلومات الشخصية المهمة والوقت أيضًا. يدل مصطلح الصداقة على سمة التبادلية أو الجهود الواعية المتساوية لتكوين علاقة صداقة قائمة على تبادلية تقود إلى الألفة، أما في حالة الأطفال الصغار، فإن الصداقة تشير على الأغلب إلى هؤلاء الأطفال الذين يلعبون ويستمتعون بالأنشطة المماثلة، إما معًا وإما مع أطفال آخرين، ويتطور الأمر لاحقًا إلى تكوين علاقات ثنائية أو ثلاثية منسقة ومعقَّدة. وفي سنوات المراهقة المبكرة، يواصل الأطفال سعيهم لاكتساب أصدقاء يشتركون معهم في ممارسة الأنشطة الممتعة، ولكنهم يبدءون أيضًا في السعي لاكتساب صداقات حميمة بهدف تعلُّم أشياء عن الذات وعن الآخرين في ثنائياتٍ قوامُها الثقة. ومثلما هي الحال مع كولين ذات الاثني عشر عامًا، لا يستطيع غالبية المراهقين الصغار ذِكْر الأسباب المعقَّدة لاكتساب الأصدقاء، ولكنهم يشرعون في التساؤل عن كيفية تكوين علاقات الصداقة والمحافظة عليها وكيف يمكنهم تعزيز هذه العلاقات على مدار مراحل نموهم. يعتمد النمو والصحة النفسية الجيدة الكلية للأطفال إلى حدٍّ كبيرٍ على مهاراتهم الاجتماعية؛ ولهذا سأستخدم مصطلحَي «الكفاءة الاجتماعية» و«كفاءة العلاقات الاجتماعية» بصورة تبادلية ليعكسا المهارات الإيجابية التي تظهر أثناء التواصل مع الآخرين.

(١) إطار العلاقة بين الآباء والأبناء

إن العلاقة الأولى التي تنشأ بين الآباء والأبناء تقدِّم أُطُرًا عامةً لكافة العلاقات التي تنشأ على مدار حياة الفرد، ورغم أننا ندرك إمكانية تغيُّر هذه الأطر نتيجةً لعدة عوامل، يتفق علماء النفس على أن النموذج السلوكي الذي يحاكيه الأطفال للتعامل مع الآخرين يبدأ عند الآباء. وقد تَطرَّقْنا في الفصل الرابع لمناقشة مدى أهمية الانتماء الأُسَري وتأثيره في حياة الأطفال الصغار، فلْنتناوَلِ الآن كيف تتكهن العلاقة بين الآباء والأطفال بالعلاقات التي تنشأ بين الأقران بوجه عام.

من منظور المحاكاة السلوكية الخالصة — بمعنى أن «الأطفال يكررون ما يرونه» — للآباء تأثير بالغ على العلاقات الخاصة بالأبناء. سيسترشد الأطفال في تعاملهم مع الآخرين بالنموذج أو الإطار الخاص لعلاقاتهم مع الآباء؛ على سبيل المثال، الأطفال المعتادون على حنان الآباء ومراعاة الحدود والتوقعات السلوكية ستتأثر علاقاتهم مع الأقران بالتوقعات الإيجابية نفسها، وينظر الأقران والآخر الاجتماعي — كالمعلمين — إلى هؤلاء الأطفال باعتبارهم أَكْفاءً اجتماعيًّا، وعادة ما تنجح محاولات هؤلاء الأطفال نحو التفاعل.

يشير مصطلح الكفاءة الاجتماعية إلى أن الأطفال لديهم مجموعة من المهارات التي تعمل على تيسير تفاعلاتهم مع الآخرين؛ بحيث ترتكز علاقاتهم على أساس متين ومباشر للتواصل يعكس الاهتمام بالنفس وبالآخرين، وتشير هذه الكفاءة في كثير من الأحيان إلى أن الأطفال يتمتعون على الأرجح بتقدير ذاتي كبير وأقل عرضة للإصابة بأعراض الإحباط أو القلق، علاوة على تمتعهم بمستوًى أعلى من الرضا عن الحياة مقارنة بالأطفال الذين لا يتمتعون بهذه الكفاءة (انظر باومايستر وآخرين ٢٠٠٣). كما يتميز المراهقون الذين يتمتعون بكفاءة العلاقات الاجتماعية بأنهم أقل عدوانية وأكثر استقلالية وتعاطفًا مع الآخرين مقارنة بأقرانهم الذين يفتقدون هذه المهارة (انظر دودج ١٩٩٣). وفي حين أن معظم النتائج المتعلقة بالكفاءة الاجتماعية مستمَدة من دراسات أُجرِيَت على أطفال من أُسَر قوقازية متوسطة الدخل في الولايات المتحدة، فقد ظهرت نتائج مماثلة على نطاق متعدد الثقافات في مجموعات متنوعة مثل الأطفال الألمان والأتراك (انظر وينستيد ٢٠٠٤).

ورغم ذلك، يذكر الخبراء المتخصصون في دور الآباء والكفاءة الاجتماعية للأطفال والتطور العام أن افتقاد المعلومات حول أطفال الأقليات العرقية في الولايات المتحدة يعني أن الصورة التي لدينا حول علاقات الأطفال مع أقرانهم ليست مكتملة. وعلى الرغم من أن انخفاض الدخل والأقليات العرقية لا يرتبطان دومًا أحدهما بالآخر، يجب أن نتذكر أن نسبةً أعلى من الأطفال المنتمين إلى أقليات عرقية تعاني من الفقر مقارنة بالأطفال القوقازيين في الولايات المتحدة. هناك عدد محدود من الدراسات المتوفرة حول أطفال الأقليات العرقية ممن يدرسون في مدارس حضرية منخفضة الدخل، وحول علاقة هؤلاء الأطفال بالآباء والأقران، وفيما يلي بضعة أمور نعرفها استنادًا إلى هذه الأبحاث. تعكس مشاركة الآباء في المدرسة نجاح العلاقة بين أولادهم وأقران أولادهم (انظر كوكرن ودافيلا ١٩٩٢). يُخرج الآباءُ الحازمون أو من يطبقون قواعد صارمة أبناءً ذوي سلوكيات إيجابية في الفصول الدراسية. كما تتطابق تقديرات الآباء والمعلمين حول كفاءة العلاقات الاجتماعية عند الأطفال في المدرسة في أغلب الأحيان؛ الأمر الذي يدل على اتفاق الأشخاص البالغين الموجودين في حياة الأطفال حول مستوى كفاءة العلاقات الاجتماعية عند الأطفال.

أظهرتْ مقارناتٌ بحثيةٌ حول كفاءة إقامة العلاقات عند الأطفال الأمريكيين ذوي الأصول الأوروبية والأطفال المنتمين إلى الأقليات العرقية «نتائجَ متباينةً»، وهذا يدل ببساطة على أن الأطفال يَبْدون في بعض الأحيان متشابهين للغاية، وفي أحيان أخرى يَبْدون مختلفين؛ على سبيل المثال، أظهرت نتائج الأبحاث التي أُجريت على كلٍّ من الأطفال الأمريكيين ذوي الأصول الأوروبية والأطفال المنتمين للأقليات العرقية أن المشاركة العالية للآباء مع أبنائهم تقترن بنجاح الأبناء في علاقاتهم مع أقرانهم، ورغم ذلك قد تكون هناك اختلافات بارزة بين هاتين الفئتين في دراسات أخرى؛ على سبيل المثال، يتميز الأطفال الأمريكيون من ذوي الأصول الأفريقية بقدرات أفضل في إقامة علاقات مع الأقران في حالة تطبيق آبائهم لقواعد صارمة مقارنة بالأطفال الأمريكيين من ذوي الأصول الأوروبية (كوكرن ودافيلا ١٩٩٢). نحن لا نعرف إلا أقل القليل عن تطور الكفاءة الاجتماعية لدى الأطفال المنتمين إلى أقليات عرقية، وينبغي أن يدرك الأشخاص البالغون المهتمون بمفهوم توافق العلاقة مع الآباء والأقران أن تعميم الأحكام على كافة الأطفال الأمريكيين هو أمر غير مستحب إلى أن يكون لدينا قاعدة بيانات أفضل نعتمد عليها.

إن إجراء الأبحاث حول الفقر وعلاقته بالكفاءة الاجتماعية عند الأطفال شيء حديث العهد إلى حدٍّ ما، ولكنَّ هناك بعضَ النتائج التي تنطبق على جميع الأطفال. تذكُر جودي دَن — عالمة النفس الخبيرة في علاقات الصداقة لدى الأطفال — أن الحالة الاجتماعية المتدنية أو الفقر يمكن أن تكون لهما نتائج سلبية على الأطفال بطرق يمكن توقعها. يمكن أن ينعكس الضغط الذي تتعرض له الأُسَر نتيجة الفقر بعدة طرق ترتبط بعلاقات الصداقة الخاصة بالأطفال؛ على سبيل المثال، قد ينتقل الأطفال الذين نشئُوا في الفقر كثيرًا لتجنب التشرد، ويؤدي افتقاد الاستقرار السكني إلى عدم إتاحة فرص كثيرة للأطفال لتكوين صداقات. كما أن الأحياء غير المستقرة قد تُعرِّض الأطفال لمخاطر تتعلق بسلامتهم؛ مما يؤدي إلى منعهم من اللعب مع أقرانهم. وقد يواجه مقدِّمو الرعاية البالغون صعوبة في مراقبة علاقات الأطفال مع الأقران لدواعٍ اقتصادية تفرض على البالغين الاشتغال في عملين أو أكثر من الأعمال ذات الأجور المنخفضة. ويمثِّل افتقادُ الأطفال وسيلةَ الانتقال التي تجمعهم بالأصدقاء أحدَ الاعتبارات العملية الأخرى التي قد تعاني منها الأُسَر الفقيرة. إذا ربطنا أيًّا من هذه العوامل بالأحداث السلبية التي قد تكون قد تسببت في الفقر (مثل البطالة أو التفكك الأسري وما إلى ذلك)، فستتجلى الصعوبات التي يواجهها الأطفال المنتمون إلى أُسَر ذات دخل منخفض في إطار سعيهم لإقامة علاقات قوية وإيجابية مع الأقران والمحافظة عليها (دَن ٢٠٠٤).

وعلى الرغم من الصعوبات الجوهرية لدى بعض الأطفال، يستمتع الكثير من الأطفال بصحبة أقرانهم، وتُعد هذه العلاقات المبكرة مع الأقران تدريبًا جيدًا على العلاقات اللاحقة، بما في ذلك علاقات الصداقة والزواج. ويعتقد علماء النفس أن الطفل الذي يتمتع بالكفاءة الاجتماعية يسير على الطريق الصحيح للصحة النفسية الجيدة.

(٢) الأقران

يختلف مفهوم قبول الأقران عن مفهوم الصداقة؛ حيث يمكن أن يكون الأطفال محبوبين بين زملائهم في الصف الدراسي أو أقرانهم، ولكن يكون لديهم زميلٌ واحدٌ فقط أو زميلان في الصف ممن يرتقون لمرتبة الأصدقاء. ولكننا ينبغي أن نشير إلى أن مفهوم قبول الأقران له تأثير كبير على تطور الأطفال، بل ويستحق أن نُفْرِد له مساحة مستقلة لمناقشته. تمثل التفاعلاتُ الإيجابيةُ مع الأقران اللَّبِنةَ الثانيةَ في التطور الاجتماعي للأطفال بعد العلاقة بين الآباء والأطفال، ومن المتوقع أن تؤدي هذه التفاعلات الإيجابية إلى تكوين صداقات، وستتحول لاحقًا إلى روابط وثيقة تعزِّز التزاماتِ التزاوج والصداقة الطويلة المدى، ويمثل قبول الأقران أحد تلك العناصر التي تدل على الاندماج بين تطور المهارات المعرفية والاجتماعية لدى الأطفال. أجرى مختصو علم النفس التنمَوِي بحوثًا حول التفاعلات بين الأقران مع وضع عوامل المهارات الاجتماعية والمعرفية في الاعتبار عند دراستهم للأطفال الصغار. يتسم هذا المجال بالتعقيد شأنه شأن سائر التفاعلات الإنسانية الأخرى، علاوةً على ذلك، يتحمل الأشخاص البالغون في حياة الأطفال مسئولية تعزيز النمو الاجتماعي لهم، وذلك من خلال تدخلات بسيطة مثل جمْعِ مجموعة من الأطفال للَّعب معًا، وحتى مراقبةِ تفاعلات المراهقين مع أقرانهم وانتقائها.

إن عملية قبول الأقران أو رفضهم بين الأطفال تعكس التطور العام كما أنها تشير إلى كفاءة الأفراد البالغين أيضًا، فالكفاءة الاجتماعية لا يمكن اختزالها بسهولة في مجموعة من السلوكيات، ولكننا نعرف بالفعل عدة مهارات تتجلى لدى الأطفال الصغار ممن يُنَمُّون علاقات إيجابية مع الأقران. وعلى الرغم من أن قائمة المهارات هذه لا تشتمل على جميع التفاصيل، فإنها تقدم فكرة سريعة جيدة عن المهارات الاجتماعية المتنامية اللازمة للصحة النفسية الجيدة. يُلاحَظ أيضًا أن المهارة المعرفية تقترن بكل مهارة اجتماعية واردة في القائمة.

المهارات الاجتماعية اللازمة لقبول الأقران

  • (١)

    الاهتمام بالآخرين والاستعداد للمشاركة.

  • (٢)

    الانضباط الذاتي بما يتناسب مع المرحلة السِّنِّية (مثل القدرة على التركيز والانتظار).

  • (٣)

    التحكم في السلوك العدواني، سواء العدوان الوسيلي (مثل أخذ دمية طفل آخر) أو العدوان البدني (مثل ضرب طفل آخر).

  • (٤)

    إدراك وجهات نظر الآخرين؛ أيْ ملاحظة أن رؤى الآخرين قد تختلف عن رؤيتنا الشخصية.

  • (٥)

    حس الإنصاف في السلوكيات مثل المشاركة وتناوب الأدوار.

  • (٦)

    فهم الانفعالات؛ أي القدرة على ملاحظة الانفعالات المتنوعة والربط بينها في النهاية وبين الأحداث السابقة أو الحالات الشعورية.

  • (٧)

    الفهم الذاتي الإيجابي (مثل المعتقدات الخاصة بالكفاءة الاجتماعية الشخصية والقدرة على تطويعها لممارسة الأنشطة مع الآخرين).

  • (٨)

    الاستجابة الاجتماعية التي تُعد مؤشرًا على التعاون ومراعاة آراء الآخرين والتجاوب معها.

  • (٩)

    المرونة السلوكية التي تُعد مؤشرًا على التعاون والاستعداد لتغيير السلوكيات.

  • (١٠)

    حل المشكلات الاجتماعية؛ أي القدرة على ملاحظة الخلافات واستخدام المهارات اللازمة لحلها.

إنه عدد كبير من المهارات التي يجب على الأطفال تطويرها لإقامة علاقات إيجابية مع الأقران، تتضمن مجموعةُ مهاراتِ الإجادةِ هذه عناصرَ معقدةً أخرى؛ فمن ناحية تطور الأطفال، يتمكن الأطفال عادة من رفع مستوى المهارات مع تقدمهم في العمر. وفي أغلب الأحيان، يُظهر الأطفالُ الأكبر سنًّا أو الأطفال الذين يتميزون بدرجة نضج أعلى من الأطفال الآخرين في إحدى المجموعات مهارةً اجتماعيةً أكبر مع الأقران منها مع الأطفال الأصغر سنًّا. وما يزيد الأمور تعقيدًا أن علاقات الأقران متغيرة ومتطورة، وترتبط في الأغلب بمجموعات الأطفال الذين يختلف أداؤهم من بيئة إلى أخرى. على سبيل المثال، فإن الطفلة التي تميل للخجل في مرحلةِ ما قبل المدرسة قد تلعب في المنزل مع أقرانها من أطفال الجيران بطمأنينة، ورغم ذلك، فعندما تدخل الطفلة نفسُها بيئة المدرسة الجديدة بالنسبة إليها، قد تستغرق الطفلة الخجولة أسابيع للانضمام إلى مجموعات اللعب التي تضم أقرانها من أطفال الجيران أنفسهم.

تُعزى المهارات الاجتماعية مع الأقران إلى عوامل أخرى مثل القدرات البدنية وكفاءة التواصل؛ فقد يعاني الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة من مستويات إعاقة متعددة في نطاق أو آخر؛ مما يتنبأ بصعوبات تحقيق الكفاءة الاجتماعية. سأناقش بعضًا من هذه الاحتمالات أثناء دراستنا لقائمة المهارات الاجتماعية عن كثب أكثر.

الاهتمام

من المتوقع أن يبدي الأطفال الذين يشعرون بالراحة في بيئاتهم — أولئك الذين يستكشفون الأشياء والأشخاص باستمتاع واضح — اهتمامًا بمخاطبة أقرانهم، حتى إن الأطفال الرضَّع الذين تتراوح أعمارهم بين ستة وتسعة أشهر يستجيبون للأطفال الآخرين بشكل مختلف عن استجابتهم للأشخاص البالغين. كيف عرفوا أن هذا سيثمر عن متعة أكبر؟ نحن لا نعرف! ورغم ذلك، يمثل هذا الأمر مؤشرًا جيدًا على اهتمامهم بالأطفال الآخرين وبوادر العلاقات مع الأقران. لا يبدي جميع الأطفال هذا النوع من الاهتمام؛ وذلك نظرًا لمجموعة متنوعة من العوامل مثل حالات القصور العصبي أو افتقاد العلاقات مع الوالدين؛ على سبيل المثال، يبدي بعض الأطفال المصابين بالتوحُّد رغبةً ضئيلةً في التفاعل مع الأطفال أو الأشخاص البالغين. وللعلم، فإن الأطفال الذين افتقدوا العلاقات الأبوية المبكرة — مثل بعض الأطفال الرومانيين ممن جرى تَبَنِّيهم في دور أيتام في بريطانيا العظمى (انظر راتر وأوكونور ٢٠٠٤) — غالبًا ما يعانون من ضعف علاقاتهم بأقرانهم على مدار مراحل النمو. ورغم ذلك، فالغالبية العظمى من الأطفال بوجه عام تحرص على التفاعل مع الأطفال الآخرين؛ حيث يدفعهم هذا الاهتمام للبحث عن الأشخاص الآخرين المحيطين بهم.

الانضباط الذاتي

يجب أن نذكر أن الانضباط الذاتي يبدأ في مرحلة مبكرة من تطور الأطفال؛ فالأطفال الرضَّع يستجيبون عندما يتضاءل الشعور بالقلق أو يزيد مستوى الاهتمام مبكرًا أثناء اعتناء مقدِّمي الرعاية بهم. ومنذ فترة الرضاعة وحتى عمر السنتين، تتضمن توقعاتُ مقدِّمي الرعاية لسلوكيات الأطفال الصغار تعلُّمَ التركيز على نشاط واحد لفترات زمنية قصيرة، أو الانتظار للحصول على شيء مرغوب على سبيل المثال. تساعد مثلُ هذه التوقعات الأطفالَ الصغارَ على تطوير مهارات الانضباط الذاتي التي ستساعدهم على التفاعل مع الأطفال الآخرين أو عند التحاقهم بالمدرسة؛ على سبيل المثال، الطفلة نفسها التي لم تلتحق بالمدرسة بعدُ، والتي يمكنها أن تُنصت في المنزل لقراءة كتاب كامل للأطفال دون تملمُل، يمكنها على الأرجح أن تقوم بالشيء نفسه في محيط المدرسة؛ فالأطفال في مرحلةِ ما قبل المدرسة يمكنهم التفكير في طرق الشعور والتصرف بشكل مختلف عن وضعهم الحالي، وتوليد انفعالات إيجابية عند وقوع أحداث سلبية علاوة على التحكم في السلوكيات العدوانية (انظر كول ومارتن ودينيس ٢٠٠٤). إن تنظيم الانفعالات مهارة معقدة، ولكن يرى الباحثون أن الأطفال في مرحلةِ ما قبل المدرسة ينبغي أن يتمتعوا بقدر هائل من التحكم في المرحلة العمرية المبكرة.

التحكم في السلوك العدواني

يجب أن يدرك الأطفال الصغار أن احتياجاتهم ليس لها حق الأولوية دائمًا، وأن إيذاء الآخرين يُعد من السلوكيات غير المقبولة اجتماعيًّا. تشير عبارة «العدوان الوسيلي» إلى سلوكيات مثل انتزاع دمية من طفل آخر، فكل ما يريده الطفل المعتدي هو اللعب بتلك الدمية الآن! دون تعمُّد إلحاق الأذى على الأرجح، ولكن هذا التصرف يشكل سلوكًا عدوانيًّا بلا شك. ويشير مصطلح «العدوان البدني» إلى ضرب طفل آخر أو صفعه أو دفعه بُغْية تحقيق نتيجة متعمدة. مع ذلك من الصعب أحيانًا تحديد مدى تدبُّر الأطفال الصغار الشديد لهذه النتائج، ورغم ذلك، عندما يقوم الأطفال بهذه التصرفات، فإنهم بحاجة إلى توجيه اجتماعي من قِبل مقدِّمي الرعاية البالغين لكي يبدي الأطفال انسجامًا مع الآخرين؛ بحيث يكون ذلك هو نمط التفاعل الغالب لهم. وعندما يصل الأطفال الصغار إلى مرحلة الدراسة الرسمية مثل مرحلة رياض الأطفال، يجب أن يكون العدوان الوسيلي والعدوان البدني قد اختفيا تقريبًا كي يَحدث القبول الاجتماعي.

إدراك وجهات نظر الآخرين

منذ ثلاثين عامًا مضت، كان علماء النفس يعتقدون أن الأطفال في مرحلةِ ما قبل الالتحاق بالمدرسة لا يمكنهم التمييز بين وجهات نظر أو احتياجات الأشخاص المختلفين، وبين وجهات نظرهم واحتياجاتهم الخاصة، ولكننا أدركنا الآن أن الأطفال من عمر أربع سنوات تقريبًا يمكنهم التمييز بالفعل بين الاختلافات لدى الأشخاص، بل ويمكنهم في أغلب الأحيان تغيير سلوكياتهم للتوافق مع الأشخاص الآخرين المحيطين بهم (انظر شاتز وجيلمان ١٩٧٣). ويُعد المثالُ الوارد في الفصل الثاني عن الأطفال الصغار الذين يقومون بتغيير تواصلهم اللفظي للتوافق مع المتلقي أحدَ الأمثلة الرائعة في هذا الشأن. يوضح لنا هذا المثال أن تغيير الكلمات ونغمة الحديث يعتمد على ما إذا كان الأطفال يتحدثون إلى طفل أصغر منهم أو إلى شخص بالغ؛ إذ إنهم يستطيعون تغيير زاوية رؤيتهم للأمور. كم هذا رائع! تستمر مهارة إدراك وجهات نظر الآخرين في التطور يومًا بعد يوم حتى مرحلة المراهقة. ويتزايد مستوى الوعي الذاتي لدى الأطفال في مرحلة المراهقة فيما يتعلق بتطابق أو اختلاف وجهات نظرهم مع وجهات نظر الآخر الاجتماعي. يفحص المراهقون وجهات نظرهم في مقابل وجهات نظر الآخرين بصفة يومية، ويمثل هذا تدريبًا رائعًا على ممارسة إدراك وجهات نظر الآخرين، سيساعدهم على أن يكونوا أشخاصًا أَكْفاءً يتمتعون بصحة نفسية جيدة عندما يكبرون.

حس الإنصاف

يتمكن الأطفال في مرحلةِ ما قبل المدرسة من التصرف بطرق تُشير إلى حس الإنصاف (مثل مشاركة الدمى وتطبيق تناوب الأدوار)؛ وذلك لتحقيق التوافق مع أقرانهم. يصعب إلى حدٍّ ما أن نعزو «حس» الإنصاف هذا إلى فئة عمرية واحدة أو ندرك توقيت ظهوره عند الأطفال بالضبط. رغم ذلك، يشير مفهوم الحث إلى أن الأشخاص البالغين الذين يطلبون من الأطفال الصغار اتباع القواعد مع إيضاح أهمية الإنصاف سيساعدونهم في تطوير حس الإنصاف؛ على سبيل المثال، يُعد قيامُ العاملين في مراكز رعاية الأطفال بالتوضيح للأطفال كيف أن المشاركة وتناوُب الأدوار يساهمان في مساعدة كل طفل في الصف على الانسجام مع أقرانه؛ وسيلةً جيدةً لِغَرْس حس الإنصاف والمساواة في نفوس الأطفال الصغار.

فهم الانفعالات

يتمتع الأطفال القادرون على إنشاء علاقات إيجابية مع أقرانهم بمهارة جيدة في ملاحظة انفعالات الآخرين وانفعالاتهم الشخصية (انظر سارني ١٩٩٩)، فعندما يرى طفلٌ صغيرٌ طفلًا آخرَ يبكي ويسأله قائلًا: «هل أنت حزين؟» يكون ذلك الطفل قد لاحظ انفعالات الآخر الاجتماعي وصنَّفَها واستجاب بقَدْرٍ من الاهتمام. تعمل مهارة فهْم الانفعالات هذه على مساعدة جميع الأطفال على الشعور بالارتباط بالآخرين، كما أنها تدعم تأويلاتهم للأحداث الاجتماعية.

الإدراك الإيجابي للذات

يعتقد الأطفال الذين يتمتعون بإدراك إيجابي لِلذَّات أنهم يمثلون قيمة للآخرين، وأنهم قادرون على إنجاز المهام، ويُشار إلى الأطفال الذين يعتقدون أن لهم سيطرة على البيئة المحيطة بهم بعض الشيء بأنهم يملكون «قدرة على التأثير». تعكس القدرة على التأثير ببساطةٍ اعتقادًا بأن ما نفعله له قيمة وباستطاعتنا التأثير في عالمنا الاجتماعي بغية تحقيق النتائج المرجوَّة. وتتميز مثل هذه النظرة الإيجابية لِلذَّات بأنها عامة بطبيعتها، ولكن هناك بعض مجالات التطور التي يشعر الأطفال أنهم أكثر كفاءة بها عن غيرها؛ على سبيل المثال، ربما يتميز الأطفال في المدرسة الابتدائية بإدراك إيجابي لقدراتهم المعرفية، ولكنهم يتشككون في الوقت نفسه في قدراتهم الاجتماعية، ورغم أن هذه القدرات تتطور على الأرجح بصورة متوازية، فقد اكتشفتْ سوزان هارتر (١٩٨٩) أن الإدراك الذاتي لدى الأطفال يمكن أن يختلف بحسب المجالات المختلفة. ورغم ذلك، يمثل الإدراكُ الذاتيُّ الإيجابيُّ الشاملُ ميزةً رائعةً للأطفال على مدار تطويرهم لعملية قبول الأقران.

لِنتخَيَّلِ الفتاة التي تتسم بالخجل عندما تدخل إلى بيئة المدرسة، عندما يتجمع الأطفال والفتيات الصغار في مجموعات ثنائية للتعاون واللعب، قد تحتاج الفتاة إلى قدْرٍ من التشجيع الرقيق من قِبل البالغين من مقدِّمي الرعاية والمعلمين للاستفادة من المزايا الإيجابية التي تتمتع بها؛ لمساعدتها في محاولة دعوة طفل آخر للعب معها. قد يكون السؤالان «هل يمكن أن ألعب معك؟» أو «هل ستلعب معي؟» من أصعب الأسئلة التي يجب أن يتعلمها الأطفال الصغار، وعادةً ما يتحلى الأطفال الذين يَدْعون أطفالًا آخرين للَّعب معهم بالإدراك الذاتي الإيجابي أثناء تفاعلهم مع أقرانهم؛ فالإدراك الذاتي الإيجابي الذي ينطوي على مشاعر القدرة على التأثير والجدارة يساعد الأطفال في التعامل مع الآخرين بكفاءة اجتماعية.

الاستجابة الاجتماعية

يشير هذا المفهوم إلى ملاحظة الطفل لردود الأفعال الانفعالية واللفظية للآخرين والاستجابة بالصورة المناسبة لتيسير التعاون؛ فالأطفال بحاجة إلى التحلي بصفات مثل العطف والاستعداد لتقديم مقترحات للَّعب، مع بعض المعرفة الاجتماعية التي تنطوي على أن احتياجات الآخرين لها الأهميةُ نفسُها التي تحظى بها احتياجاتُنا الشخصية؛ على سبيل المثال، قد تَذكُر طفلةٌ ما في عمرِ ما قبل المدرسة أنها تريد أن تلعب بالقطارات ولكنها تلاحظ أن زميلتها متجهمة، فتسأل الطفلةُ صديقتَها: «ألا ترغبين في اللعب معي بالقطارات؟» إن ملاحظةَ ردود أفعال الآخر الاجتماعي والاستجابةَ لها تُعدَّان ضروريَّتَين للمحافظة على استمرار فرص التواصل وأنشطة الأقران.

المرونة السلوكية

إن الأطفال الذين يفطنون على المستوى الاجتماعي لانفعالات الآخرين واحتياجاتهم يمكنهم اكتساب مهارات تنطوي على المرونة السلوكية. يمثِّل الاستعداد للانتقال إلى نشاط أو سلوك يفضله الآخرون أحد أشكال المرونة السلوكية؛ فالطفلة الصغيرة التي دعت زميلتها للَّعب بالقطارات ولكنها قطَّبت وجهها قد توجه السؤال التالي لزميلتها: «ما اللعبة التي تفضلينها؟» فهذه الطفلة الصغيرة التي يمكنها الانتقال بسهولة لممارسة نشاط آخر تُظهر نضجًا لا نراه عادةً في الأطفال الأصغر سنًّا. وقد تشير المرونة السلوكية أيضًا إلى استجابة الطفلة للأشخاص البالغين الذين قد يطالبونها بتغيير سلوكٍ ما؛ فعندما يقول المدرسون في رياض الأطفال مثلًا: «حسنًا، فلْيَضَعِ الفصلُ كلُّه كتابَ الأرقام جانبًا ويفتحْ كتاب الحروف»، فإن هؤلاء المدرسين يتوقعون أن غالبية أطفال الفصل يمكنهم تنفيذ هذا التغيير دونما حاجة لكثير من التوجيه. تتجلى هذه المرونة في الأغلب لدى الأطفال الذين عاشوا تجربة إيجابية في مرحلةِ ما قبل المدرسة، ولكن قد لا يتحلى بعض الأطفال بهذه المرونة السلوكية — وذلك وفقًا لمزايا أخرى؛ كطول وقت التركيز أو الانتباه للآخرين — عندما يلتحقون بالسنوات الأولى بالمرحلة الابتدائية وسيحتاجون إلى مساعدة لاكتساب هذه المهارة؛ فالقدرة على تغيير السلوكيات مطلوبة بصورة كبيرة لإقامة علاقات إيجابية وتحقيق النجاح في البيئات الاجتماعية خارج المنزل.

حل المشكلات الاجتماعية

يجب على الأطفال الذين يتمتعون بالمهارات المطلوبة لقبول الأقران أن يشتركوا أيضًا في ممارسة حل المشكلات، ولْنتذكرِ المناقشة التي طرحناها في الفصل الرابع حول مدى حاجة الأُسَر كثيرًا لتطبيق ممارسة حل المشكلات. إن التعقيد الذي يميز التفاعلات البشرية إنما يشير إلى أن التعامل مع الخلافات لتجاوزها بما يصب في صالح تحقيق نتائج جيدة للذَّات وللآخرين قد تكتنفه الصعوبة في بعض الأحيان. كثيرًا ما يساعد التوسط لحل النزاعات أو ممارسة حل المشكلات في الحد من هذه الصعوبات. تُعد ممارسة حل المشكلات إحدى المهارات المعقدة ولكن يُلاحظ أن العناصر الأولى في قائمة المهارات الاجتماعية التي أوردناها تمثل لَبِنَات البناء المطلوبة لهذا العنصر الأخير. خلاصة القول أن الأطفال الذين يمكنهم تحديد مشكلةٍ ما، والتفكر في الحلول، وإجراء مفاوضات مع أقرانهم، وإعداد خطة والتصرف وفقًا لها، فضلًا عن إعادة النظر في أفكارهم وخططهم مع أقرانهم؛ هم أطفالٌ مَهَرة للغاية. ولْتتأملْ هذا المثال الذي يسعى فيه أحد الكبار إلى توجيه الطفلة نحو ممارسة حل المشكلات:

طفلتان تبلغان أربعة أعوام تلعبان في منزل إحداهما، وتتناقش الطفلتان حول كيفية اللعب معًا، أتلعبان بالقطارات أم بفناجين الشاي. يصير الحوار انفعاليًّا ويشوبه الإحباط والغضب، تقول الطفلة المستضيفة: «إنني حتى لا أمتلك طقم فناجين الشاي!» تهبُّ الطفلة الضيفة على قدميها في استياء وتخبرها أنها ستذهب إلى منزلها لإحضار طقم فناجين الشاي الخاص بها وتخرج في لمح البصر وتغلق الباب خلفها بعنف. تسمع الأم صاحبة المنزل صوت إغلاق الباب وتسعى لفهم الموقف، فتقول لطفلتها: «ما الذي حدث؟» تدرك الأم القصة بأكملها بأن ابنتها أبدت رغبتها في اللعب بالقطارات، بينما أبدت ضيفتها رغبة في إقامة حفل شاي. تحاول الأم توجيه طفلتها بلطف من خلال طرح مجموعة من الأسئلة عليها، من بينها: «ما شعوركِ إزاء ما حدث للتوِّ؟ ما شعور صديقتكِ في رأيكِ؟ هل ترغبين في التصالح معها ولمِّ شمل الصداقة ثانية؟ ما التصرف المختلف الذي ستقومين به في المرة القادمة لتَفادي خروج صديقتكِ من منزلكِ بهذه الطريقة؟» تُفكِّر الطفلة الصغيرة مليًّا في المقترحات مع أمها وتهدِّئ من روعها، وتتفق مع أمها على أنه لا بأس في إقامة حفل الشاي. ولحُسن الحظ، تعود الطفلة الضيفة مصطحبة الدمى الخاصة بها على افتراض أنها وصديقتها ستقيمان حفل الشاي، ويبدو أنها على حق؛ إذ تَحدَّثَت أم الطفلة صاحبة المنزل مع ابنتها لمساعدتها في تعلُّم أشياء عن الانفعالات والانضباط الذاتي وفهْم وجهات نظر الآخرين وإجراء مفاوضات معهم. وعندما تَدْخل الطفلة الضيفة إلى المشهد ثانية، تقول الطفلة صاحبة المنزل بأسلوب ودِّي: «فلْنُقِمْ حفل الشاي الآن، وربما نستطيع لاحقًا أن نلعب بالقطار معًا!» وهو العرض الذي تُبدي الطفلة الضيفة موافقتها عليه.

يحتاج الأطفال مثل هذه المحاولات المبكرة للتفاوض وحل المشكلات الاجتماعية لاكتساب المهارات اللازمة للاستفادة منها طوال حياتهم؛ فالأشخاص البالغون الذين يساعدون الأطفال في هذا الإطار إنما يساعدونهم لكي يتمكنوا من اجتياز مواقف اجتماعية أخرى في بيئات أكثر تعقيدًا مثل مراكز رعاية الأطفال والمدرسة. ومثلما ذَكَرْنا في الفصل الثالث، فالأطفال الذين يتمتعون بمهارات معرفية واجتماعية جيدة عند دخولهم إلى بيئة الصف المدرسي سيكونون أكثر مَن يَنْشُد الجميعُ صداقتَه ومشاركة اللعب معه على مدار مراحل النمو. وعلى الرغم من أن أهمية المهارات الاجتماعية المبكرة أصبحت واضحة لَكُم الآن، يعاني بعض الأطفال من صعوبات جمَّة في تكوين علاقات مع أقرانهم. ومن الأهمية بمكان أيضًا أن نتناول بالدراسة هؤلاء الأطفال ممن تتَّسم عوالمهم الاجتماعية بالكآبة بسبب العزلة.

(٣) العزلة الاجتماعية

لِسوء الحظ، يعاني ما يقرب من ١٥٪ من تعداد أطفالنا من أحد أشكال العزلة الاجتماعية مع أقرانهم، وسواء أكانت هذه العزلة ناجمة عن الإهمال أم ناجمة عن النبذ، فإن هؤلاء الأطفال معرَّضون لمخاطر تكبُّد نتائج سلبية أخرى إذا لم يتمكنوا من اكتساب قدر أكبر من الكفاءة الاجتماعية. ترتفع درجة الشعور بالسخط بين الأطفال الذين يفتقدون الكفاءة الاجتماعية في مجالات التطور الأخرى (بييرمان ٢٠٠٤). يتملك هؤلاء الأطفالَ مشاعرُ سلبيةٌ تجاه أنفسهم، وكثيرًا ما تظهر عليهم مشاعر الغضب والإحباط، ويُبعدون أنفسَهم عن مجموعات الأقران من خلال عزلة اجتماعية «مفروضة ذاتيًّا»، ويلاحَظ أنني وضعت عبارة «مفروضة ذاتيًّا» بين علامتَي تنصيص؛ نظرًا لصعوبة تحديد المرحلة التي يُخرِج فيها الأطفال أنفسهم من دائرة السخرية المحتملة أو الفشل الاجتماعي وسياق رفض أو تجاهل الأقران. من الصعب للغاية على الباحثين أن يحددوا الزمان والمكان اللذين أصبح فيهما الطفل المعزول اجتماعيًّا على هذه الحالة، ولكننا ندرك أن حالة العزلة هذه تجعل الحياة قاسية بالنسبة لهؤلاء الأطفال؛ على سبيل المثال، الأطفال الذين يفتقدون الكفاءة الاجتماعية يُرجَّح أن يكونوا أكثر عرضة من أقرانهم الذين يتمتعون بهذا النوع من الكفاءة لمواجهة صعوبات في الصف المدرسي وصعوبات في السيطرة على السلوكيات العدوانية، بل قد يفتقد هؤلاء الأطفال المهارات اللازمة للتطور الكامل كأشخاص بالغين في العلاقات الوطيدة. إن الأطفال الذين يفتقدون المهارة الاجتماعية معرَّضون للانزلاق نحو دوامة مفرغة يعانون فيها من التقدير السلبي للذَّات والإحساس بالعجز واليأس، وإعاقة النمو على مدار الحياة.

ينبغي أن نتذكر أن الكفاءةَ الاجتماعية دائمةُ التغير بطبيعتها؛ فالسياقات تتغير ويتغير الأشخاص بها. يتميز التفاعل الاجتماعي بأنه علاقة تبادلية، وقد تتعلق ردود أفعال الأقران نحو الأطفال بالأقران أنفسهم أكثر من الطفل المحدَّد الذي يبدو أنه يفتقد المهارة الاجتماعية. يستجيب الآخر الاجتماعي إلى أي «اختلاف» بالطفل المعني؛ على سبيل المثال، قد لا يهتم بعض الأطفال الفقراء بنظافتهم الشخصية أو ارتداء الملابس المُجَارِيَة للموضة. يعاني أطفال آخرون ممن لا يتمتعون بالجاذبية أو ممن يعانون من إعاقةٍ ما تَزيد من صعوبة التفاعل مع الأقران، ويأمل غالبية الأشخاص البالغين في تنشئة الأطفال المنوطة بهم رعايتهم بعطف وحرص، ولكن الأطفال جميعهم ليسوا بمؤيِّدين لمبدأ المساواة بين البشر، أو منفتحين على الأطفال الآخرين الذين يَبدون مختلفين عنهم. ومن المؤكد أن الأطفال ذوي الإعاقات يتعرضون لمخاطر رفض الأقران لهم بصورة كبيرة (بييرمان ٢٠٠٤).

تنتشر بين الأطفال مجموعة متنوعة من حالات الإعاقة؛ ففي الولايات المتحدة، يتلقى حوالي ١٠٪ من الأطفال في المدارس الحكومية مساعدة تعليمية؛ نظرًا لمعاناتهم من إعاقة. وقد يفتقد الأطفال مهارة التواصل التي ستساعد في إظهار اهتمامهم بالآخرين، وتنطوي الإعاقة الجسدية على تقييد الحركة اللازمة للَّعب والتفاعل مع الأقران، وقد يعاني بعض الأطفال من صعوبة التركيز أو يكون لديهم حالات صحية تتطلب مراقبتهم بصفة دائمة. وبالنسبة للأطفال الذين يعانون من حالات إعاقة في المدارس الحكومية، فقد يكون تطور الكفاءة الاجتماعية لديهم في خطر. وفي ظل تطور القوانين التي تنظِّم إلحاق الأطفال ذوي الإعاقات بالمدارس الحكومية، هناك مهمة أخرى يتولاها الأشخاص البالغون المسئولون عن رفاهية هؤلاء الأطفال؛ ألا وهي مساعدتهم للوصول إلى الكفاءة الاجتماعية. وبمساعدة الخبراء المتخصصين في هذا المجال، يمكن إدراج الأطفال في البيئة المدرسية الأقل تقييدًا لتطورهم، وبهذا يمكن أن يطوِّر هؤلاء الأطفالُ ذوو الإعاقات كفاءتَهم الاجتماعية وسط الأقران وضمن دائرة أصغر من الأصدقاء بمساعدة الأشخاص البالغين المحيطين بهم.

مع ذلك قد يعاني الأطفال الواقعون داخل نطاق التطور الطبيعي وَفْق مؤشرات مثل القدرة البدنية والمعرفية من صعوبات في التعامل مع أقرانهم، ونظرًا لأن غالبية الأطفال يرغبون في التفاعل مع الآخرين، فقد يتعرض التطور السلوكي والمعرفي والانفعالي للخطر مع انعدام الاهتمام من قِبل الآخر الاجتماعي، وقد يقع المعلمون والآباء في حيرة من أمرهم إزاء تحديد طريقة شروعهم في مساعدة الطفل في هذا النوع من المِحَن.

وبالنسبة للأطفال الخجولين وغيرهم ممن يعانون من صعوبات أخرى في التحلِّي بالكفاءة الاجتماعية، ثمة تدخلات يمكن اتباعها لمساعدتهم. على الرغم من عدم التوصل بعدُ إلى حل شافٍ؛ فقد قَدَّم العديدُ من الأبحاث أساسًا قويًّا لاستخدام تدخلات الكفاءة الاجتماعية (بييرمان ٢٠٠٤)، وتنطوي هذه التدخلات على البناء الإيجابي للمهارات المعرفية والانفعالية والسلوكية التي يحتاجها الأطفال للتحلي بالكفاءة الاجتماعية. وتمثل القواعدُ الخاصة بالسياقات والسيناريوهات، أو ما هو متوقع في البيئات الاجتماعية المتنوعة، أحدَ أركان عملية التفاعل الاجتماعي.

وتذكُر كارين بييرمان — عالمة النفس المتخصصة في دراسة الأطفال المُهمَلين والمنبوذين — أن هذه التدخلات يجب أن تُستخدم مع الشركاء الاجتماعيين للأطفال المنبوذين أو المهملين أيضًا. وقد اكتشفت بييرمان من خلال بحوثها أن الاختلافات بين الأطفال تنشأ بسبب الصعوبات التي يواجهونها مع أقرانهم؛ على سبيل المثال، الأطفال الذين يُنظر إليهم باعتبارهم معاندين أو فوضويين سيحتاجون مجموعاتٍ لتطوير المهارات تختلف عن تلك التي يحتاجها الأطفال الذين يتَّسمون بالخجل المفرط. وتشير بييرمان أيضًا إلى أنه عند تعليم الأطفال مهارات جديدة، يجب أن تجري هذه العملية بشكل منفصل على أن يجيدوها في النهاية كمجموعة مهارات سلوكية ستُمارس مع الأقران مع اكتساب الأطفال للمهارة والثقة. لِنتناوَلِ الآن إحدى حالات التدخل التي ابتكرتها بييرمان وزملاؤها (انظر بييرمان ٢٠٠٤).

بالنسبة للأطفال المعاندين، بدأتْ بييرمان ومجموعتها البحثية في تعليمهم ممارسات «توقَّفْ وتأمَّلْ» و«حدِّد المشكلة وشعورك إزاءها»، ثم تعليمهم ممارسة التفاوض التي أُطلق عليها «عقد اتفاق». يتعلم الأطفال أيضًا كيفية دمج هذه الخطوات الثلاث وممارسة المهارات مع أقرانهم، وقد جرى ابتكار مثل هذه التدخلات، وكثيرٌ منها — شأنه شأن التدخلات التي ابتكرها الفريق البحثي لبييرمان — يستند إلى بيانات موثَّقة تدعم تطبيقه، ورغم ذلك فإننا لا نعرف جيدًا مدى توفر مثل هذا النوع من التدخل للأطفال. وفي ظل إدراكنا للمزيد من المعلومات حول أهمية تطوُّر المهارات الاجتماعية لدى الأطفال، ربما سنرجح استخدام مثل هذه التدخلات. إن الأفراد البالغين في بيئاتٍ على غرار مراكز رعاية الأطفال والروضة وبيئات التعليم الرسمية، فضلًا عن المنازل، يمكنهم توفير فرص لتطوير المهارات الاجتماعية للأطفال على أمل توفير تجربة دراسية أكثر فعالية، وكذلك بناء أفراد أكثر فعالية؛ فالأطفال الذين يتمكنون من التوافق جيدًا مع أقرانهم بوسعهم تكوين صداقات تمتد على مدار حياتهم. لِننظرْ إلى مجموعات الأصدقاء بصفتها مستوًى آخر للمهارات الاجتماعية التي يتعين على الأطفال الصغار اكتسابها جيدًا، ربما تتغير مجموعات الأصدقاء، ولكن الالتزام بالمعاملة الطيبة والولاء للأصدقاء والثقة هي القِيَم التي نكتسبها وتنتقل معنا إلى مجموعة الأصدقاء الجديدة المحتملة.

(٤) الصداقة

نحن ندرك أن الأطفال في مرحلةِ ما قبل المدرسة بحاجة إلى مهارات معينة تتيح لهم التوافق مع أقرانهم، وأن هذه المهارات تسهم في عمليات التطور الأخرى، ورغم ذلك، يجب أن يُطوِّر الأطفالُ مهاراتِهم في تكوين علاقات مع أقرانهم أثناء سنوات الدراسة الابتدائية. عند التحاقهم بالمدرسة الابتدائية، يدرك الأطفال أن الأقران يمكن أن يمثلوا مصدرًا للمتعة وكذلك الدعم؛ إذ يساعدونهم على مدار اليوم، فأن يحظى الطفل بقرين يشاركه ممارسة الأنشطة أو يجلس معه لتناوُل وجبة الغداء هو شيء ثمين بالنسبة للأطفال، حتى في سنوات الدراسة الابتدائية الأولى. ونظرًا لأن علاقات الصداقة تبادلية بطبعها، فهي هبة نمنحها لأنفسنا أيضًا، ويستطيع الأفراد البالغون مساعدة الأطفال في اكتسابها.

تبدأ بوادر الصداقة مع أفراد المنزل، الأشقاء والآباء، حتى إن الأطفال الرضَّع الذين لم يتجاوزوا اثني عشر شهرًا يستطيعون ملاحظة غياب الأشقاء وتَصدر عنهم ردود أفعال انفعالية لذلك، وما بين عمر الاثني عشر شهرًا والأربعة والعشرين شهرًا، يَستمد الأطفال قدرًا هائلًا من السعادة من أشقائهم الأكبر سنًّا، وقد يتطور الأمر بين الطفل الصغير والشقيق الأكبر إلى علاقة وثيقة لا يمكن لأي فرد في الأسرة أن يحل محلها. وعلى الرغم من أننا نعرف أن العلاقات بين الأشقاء لها سمات إيجابية وأخرى سلبية، يُعتقد أن هذه الأواصر المبكرة بين الأشقاء تعكس الطريقة التي سيتفاعل بها الأطفال مع من هم خارج المنزل. وعندما يشعر الأطفال بالسعادة في صورة مرح أو راحة مع أشقائهم، سيكون لديهم نموذج آخر للعلاقات سيساعدهم في إنشاء علاقات صداقة أخرى (انظر دَن ٢٠٠٤).

وعلى غرار البيانات البحثية المتعلقة بالأطفال الصغار وأشقائهم، يستطيع الأطفال الرضَّع أيضًا إنشاء علاقات مع أشخاص غرباء إلى الحد الذي قد يؤدي إلى شعور الطفل بالتبلد أو الغضب أو كليهما في حالة غياب الصديق. انظر هذا المثال:

تلتحق طفلتان في سن الرابعة بالحضانة نفسها، ترتبطان بشدة لدرجة أن كلًّا منهما تكمل كلامَ الأخرى، وكذلك الأغاني. كما أنهما تتشاركان الضحك واللعب التظاهري والسلوكيات المشاكسة أيضًا. تقول إحداهما للأخرى: «لِنتدحرجْ من أسفل الأرجوحة ونَرَ ما سيحدث!» فترد الطفلة الأخرى: «لا بأس!» وبحلول مرحلة رياض الأطفال تشتهر الطفلتان بأنهما تؤثران كلٌّ منهما على الأخرى بصورة سلبية، ويتم إبلاغ أُمَّيْهِما أنه سيجري وضع كلٍّ منهما في صف دراسي منفصل، وبالفعل يجري الفصل بين الطفلتين، وتستجيب كلتاهما لهذا الوضع على نحو غير متوقَّع لكثير من الكبار. تَظهر الطفلتان في حالة من التبلُّد ولا تبدو عليهما السعادة إلا في وقت اللعب خارج الفصل الدراسي حيث تلتقي إحداهما الأخرى، ويُلاحَظ أن انتباههما في الفصل يتراجع فضلًا عن تَرَدِّي المستوى العام لنشاطهما. بعد مرور أسبوعين من العام الدراسي، تتشاور أُمَّا الطفلتين بشأن ذلك؛ إذ إن كلتا الطفلتين تعانيان من صعوبةِ التكيف مع اليوم الدراسي نفسِها في غياب صديقتها الحميمة، وذلك على الرغم من جهود الأُمَّيْنِ للمِّ شملهما بعد اليوم الدراسي وفي عطلات نهاية الأسبوع. تتوجه الأُمَّانِ، اللتان تعمل إحداهما طبيبة أطفال والأخرى طبيبة نفسية، إلى المدرسة وتناقشان بقدرٍ كبيرٍ من الحسم المِحنةَ التي تمرُّ بها الفتاتان. تصيح طبيبة الأطفال: «إن وضعهما معًا أصبح يمثل ضرورة نفسية.» ويوافقها مسئولو المدرسة الرأي ويضعون الصديقتين معًا في فصل واحد. تعود البهجة إلى الطفلتين مرة أخرى؛ فوجود كلٍّ منهما على مقربةٍ من الأخرى يحفز طاقاتهما وتطوُّرَهما المعرفي، فضلًا عن شعورهما بالسكينة العاطفية.

يستطيع الأطفال إنشاء علاقات صداقة هادفة للغاية في سن مبكِّرة، وقد تؤدي هذه العلاقات إلى تعزيز أو إعاقة المشاعر الإيجابية نحو الذَّات والتطور المعرفي والسلوكي. وعلى غرار ما أوردتْه دراسات الأقران، يُعد تكوين الصداقات أحد المقومات الجوهرية للتنشئة المقترنة بصحة نفسية جيدة، كما أن الأساس الذي توفره العلاقات بين الطفل والوالدين وبين الإخوة والأخوات وبين الأقران يضع الأطفال على بداية الطريق الصحيح في سعيهم لإنشاء علاقات هادفة خارج نطاق المنزل.

تتميز طبيعة الأبحاث التي تُجرى في هذا المجال بأنها ذات ارتباط متبادل، ويجب أن نتذكر هنا أن مثل هذه النتائج البحثية تشير إلى أنه في حالة اختلاف أحد متغيرات البحث يختلف المتغير الآخر بالمعدل نفسه تقريبًا، فما الذي يعنيه هذا في دراستنا للطفلة الماهرة على المستوى الاجتماعي وعلاقات الصداقة الخاصة بها والنتائج المترتبة فيما بعد؟ تتفاوت علاقات الصداقة حسب السياقات الأسرية، والموقع الجغرافي، والجنس، والأصول العرقية وما إلى ذلك؛ ومن ثَمَّ فإننا لا نستطيع أن نحدد مسارًا سببيًّا مباشرًا يبدأ من العلاقات الإيجابية المبكرة ويؤدي إلى العلاقات السليمة اللاحقة، ورغم ذلك، فإن ما نعرفه أن الأطفال ممن لديهم علاقاتُ صداقةٍ إيجابية قوية يتمتعون أيضًا في أغلب الأحوال بعلاقات إيجابية مع الوالدين والإخوة والأخوات والأقران، فهل ينطبق بالفعل هذا الرابط بين العلاقات في جميع الأحوال؟ كلا، يُظهر بعض الأطفال من الأسرة الواحدة مهاراتٍ اجتماعيةً فائقةً مع الأشخاص الآخرين الذين يروقون لهم، فيما قد يعاني أطفال آخرون من الأسرة نفسها ممن اختبروا نفس العلاقات مع الوالدين والأشقاء من صعوبات في التعامل مع أقرانهم. ومن المرجح أن تسهم التعقيدات الخاصة بالعلاقات الأسرية والحالة المزاجية المبكرة لكل طفل في إفراز هذه النتائج المختلفة.

يذكر بعض علماء النفس، مثلما ذكرت جودي دَن في كتابها «علاقات الصداقة بين الأطفال (٢٠٠٤)»، أننا لا نزال في بداية عملية فحص المسارات التي تتطور فيها علاقات الصداقة. والاختلافات بين الأشقاء الذين ينشئون في منزل واحد تمثل جانبًا بسيطًا فيما يتعلق بفهم التعقيدات التي تنطوي عليها العلاقات البشرية. وتقدم دَن أيضًا توضيحًا بارعًا للمهتمين بدراسة هذا المجال أو مَن يتحملون مسئولية مساعدة الأطفال المنوطة بهم رعايتهم لتطوير الكفاءة الاجتماعية.

ليس بالضرورة أن يتحمل الكبار وحدهم مسئولية علاقات الصداقة بحيث تمثِّل لهم الصعوباتُ البسيطة مع الأقران أو تطوُّرُ الصداقة مشكلةً تُشعِرهم بالذنب. يمكن أن يؤدي العديد من العوامل إلى إعاقة تطور علاقات الصداقة للأطفال، بينما قد يؤدي تشجيع الكبار إلى إصلاح الكثير من هذه العوامل، ولكن الأشخاص الذين يساورهم القلق تجاه الأطفال الذين يعانون على ما يبدو من صعوبة خطيرة مع أقرانهم، ينبغي لهم البحث عن مساعدة المختصين. يمكن أن يمثل المعلمون للآباء مصدرًا محبذًا للمعلومات، ويمكن أن يقدم الآباء أو المشرفون المساعدةَ في أغلب الأحوال، كما يمكن أن يساعِد المتخصصون — الذين يعملون في مؤسسات رعاية الأطفال أو مراكز دعم الأسرة التي تتواجد بأشكال متعددة في بعض المجتمعات — الآباء القلقين. لا تمتلك جميعُ الأُسَر الوسائلَ أو الحَزْم الذي تميزت به طبيبة الأطفال أو الطبيبة النفسية في المثال السابق الخاص بالفتاتين اللتين جرى الفصل بينهما في روضة الأطفال، وقد تلاحِظ مجموعة من الأُسَر وجود صعوبات بسيطة ولا تعرف كيفية التعامل معها. كثيرًا ما ينجح التعاون بين الأفراد البالغين في مساعدة الأطفال الذين يعانون من صعوبات بسيطة في التعامل مع أقرانهم ووضعهم على طريق أكثر إيجابية مع الآخر الاجتماعي، وقد تؤدي مظاهر التعاون هذه إلى التخفيف من واحدةٍ من هذه الصعوبات البسيطة بحيث لا يتطور الأمر إلى عجز اجتماعي خطير.

(٥) دور الكبار في تيسير إقامة علاقات الصداقة للأطفال

يمكن أن يؤثر البالغون ذوو الأهمية في حياة الأطفال تأثيرًا إيجابيًّا في الكفاءة الاجتماعية للأطفال وتفاعلاتهم مع أقرانهم؛ فالمعلمون والآباء على حد السواء يعلِّمون الأطفال ممارسة التفاوض، وسبل مقاومة ضغط الأقران، وسبل التحلي بالحزم دون عدوانية، وما إلى ذلك، ويعتمد تطور هذه المهارات المهمة للغاية على العلاقات الإيجابية بين الأطفال والأشخاص البالغين. يساعد هؤلاء الأشخاص أيضًا في تعزيز تطور علاقة الصداقة، بل ويبثُّون مجموعة متنوعة من الرسائل حول أهمية علاقات الصداقة إلى الأطفال. علاوةً على ذلك، يقدِّم الأشخاص البالغون، الذين يتولَّون مراقبة العلاقات الخاصة بالأطفال وانتقاءها، آراءهم التي تساعد الأطفال في هذا الصدد. لِنتناوَلِ الآن بعض المقترحات المتعلقة بالمراقبة والفرز وتقديم الآراء:
  • (١)

    معرفة أصدقاء الطفلة.

  • (٢)

    معرفة آباء الأصدقاء.

  • (٣)

    معرفة مكان الأطفال في أي وقت نهارًا أو ليلًا.

  • (٤)

    مساعدة الأطفال في ممارسة الأنشطة.

  • (٥)

    مراقبة الأنشطة.

  • (٦)

    فرز علاقات الصداقة.

  • (٧)

    تقديم الآراء للأطفال.

قد لا يتيسر لنا أحيانًا تطبيق هذه المقترحات القليلة التي تبدو بسيطة؛ فالأطفال يحظون في كثير من الأحيان بالعديد من الفرص لتكوين علاقات صداقة في مختلف البيئات (كالمدرسة والمؤسسات الدينية والفرق الرياضية وما إلى ذلك). ورغم ذلك، يجب على الأشخاص البالغين المسئولين عن الأطفال أن يعرفوا أصدقاء الأطفال إلى الحد الذي يمكِّنهم من إدراك سلوكياتهم ومستوى كفاءتهم بشكل عام. ثمة طريقة جيدة للحصول على هذه المعلومات تعتمد على المقترح الثاني: معرفة آباء الأصدقاء، فمن المرجح أن يكون الآباءُ الراغبون في أن يعرفوا أصدقاءَ أبنائهم وآباءَهم؛ مهتمين بتنشئة أطفالٍ سعداءَ وأَكْفاءٍ.

يتعلق المقترح الثالث بالآباء الذين يعرفون المكان الذي يتواجد فيه أبناؤهم. وبالفعل، إن معرفةَ أماكن تواجد الأطفال، سواء كانوا بصحبة أفراد بالغين أو كانوا وحدهم، مسألةٌ مهمةٌ تتطلب مراقبة مستمرة. تقتضي اعتبارات السلامة والصحة، فضلًا عن الصحة النفسية للأطفال، قيامَ البالغين بهذا الأمر. يتعلق المقترح الرابع بتسهيل الأشخاص البالغين للأنشطة المرتبطة بالصداقة الخاصة بالأطفال، سواء في المنزل أو في البيئات الأوسع نطاقًا، ويساعد هذا السلوك من جانب الأشخاص البالغين في تمهيد الطريق لتكوين علاقات صداقة قوية للأطفال تحت وصايتهم. وبالنسبة للآباء المضطرين للعمل في أكثر من وظيفة أو مراقبة العديد من الأطفال، فإن الدعوات — التي لا توجَّه كثيرًا ولكنها مخططة جيدًا — للَّعب بعد المدرسة في منزل أحد الأصدقاء يمكن أن تكون مشوقة للأطفال بالمثل. ومثلما هي الحال مع الأطفال، يجب أن يراقِب الأشخاصُ البالغون سلوكياتِهم الخاصة، وأن يحاولوا تحقيق مبدأ التبادلية في الالتزامات المرتبطة بالأنشطة الخاصة بالأطفال وأصدقائهم؛ بعبارة بسيطة، ينبغي أن يوجِّه الآباءُ الدعواتِ لأصدقاء الأطفال كي يتفاعلوا مع الآخرين مثلما يتلقونها. وعلى الرغم من أن مبدأ التبادلية هذا ليس دائمًا سهل التطبيق، فمن الأهمية بمكان الانتباه إليه، ولْنتناوَلِ الآن مثالين عن كيفية تولِّي الآباء هذه المسئولية بهدف دعم الصداقات الخاصة بالأبناء والمعاملة التبادلية.

اعتاد أبوان من الطبقة المتوسطة لفتاة تبلغ من العمر ثمانيَ سنوات استِضافة صديقتها المقرَّبة لممارسة أنشطة الصيد والسباحة والأنشطة الممتعة العامة في منزلهما الواقع على الخليج، وهما يدركان أن والدَي هذه الصديقة المقربة لابنتهما من ذوِي الدخول المنخفضة، وأنهما من الأفراد الكادحين، نجحا في تربية طفلة رائعة. وفي يومٍ ما، حضر والد هذه الصديقة المقرَّبة لاصطحاب طفلته وأبلغ والدَي الطفلة المستضيفَيْن لابنته عن مدى تقديره للأنشطة الرائعة التي يوفرانِها لطفلته، عبَّر الأب عن امتنانه الصادق هذا بكبرياء شديدة ثم قام بتوجيه دعوة قائلًا: «هل يمكن لابنتكما أن تنضم إلينا في اجتماعنا الأُسَري يوم الأحد القادم؟ نبدأ يومنا بالذهاب إلى الكنيسة ثم تجتمع الأسرة كلها لتناول طعامٍ طيبٍ، ونقضي بقية اليوم معًا.» ويا لها من متعة لكلتا الطفلتين! قَبِل والدا الطفلة الدعوة وأدركت الطفلتان ما يمكن أن يوفره الآباء العطوفون لأطفالهم بطرق مختلفة. علاوة على ذلك، قدمت الأسرتان نموذجًا متكاملًا لمبدأ التبادلية.

قارن بين المثال السابق المفعم بالحب والمثال التالي:

نشأتْ صداقة سريعة في المدرسة بين فتاتين في الصف السادس، وفي نهاية الأسبوع الدراسي، أسرعت إحدى الفتاتين، وهي كولين، نحو السيارة مصطحِبةً صديقتها قائلةً لأمها: «هل يمكنني اصطحاب سارة لقضاء الليلة معي؟» وافقت الأم وأخبرت الفتاتين أن عليهما التحدث مع والدة سارة للتأكد من موافقتها على ما خططت له الفتاتان، ولكن لم يتسنَّ التواصل مع والدة سارة، مع ذلك طمأنتْ سارة كولين وأمَّها بأنه لا بأس في ذلك، وكانت والدة كولين تأمل أن تتعرف بوالدة سارة؛ بحيث يَطْمئن قلبها وتَعْرف المكان الذي يمكن أن تذهب إليه ابنتها ومع من ستكون. اصطحبت والدةُ كولين الفتاتين إلى منزلها واستمرت في سعيها للوصول إلى والدة سارة، أدركتْ والدة كولين أنها ربما تكون قد ارتكبت خطأً بسماحها لقدوم سارة إلى منزلها دون أخْذ إذن مسبق من والدتها، ولكنها واصلت محاولاتها للوصول إلى أم الطفلة، وعلى الرغم من توفر الهواتف الخلوية، لم تردَّ والدة سارة على أي مكالمة هاتفية حتى الثامنة مساءً، وحينئذٍ بدا أن والدة سارة لا ترى مشكلة فيما حدث، وحتى عندما تتلقى والدة سارة دعوة لزيارة منزل كولين ترفض الدعوة، بل إنها تخبر والدة كولين أن توصيل ابنتها سارة إلى منزلها في أي وقت من اليوم التالي سيلائمها.

إذا ما تأملنا الفروق بين مشهدَي الصداقة، فسنلاحظ أن الآباء في المثال الأول يهتمون بأمر أطفالهم، ويسعون إلى إسعادهم، رغم اختلاف الطرق، ولكن النوايا الطيبة لوالدة كولين في المثال الثاني لم تُسْفِر عن نتائج جيدة؛ من حيث دخول ابنتها في علاقة صداقة مع طفلة لا تهتم والدتها بمعرفة المكان الذي تتواجد به، أو مع من، أو كيفية مساعدة الطفلتين في تطوير صداقتهما. من المحتمل كثيرًا أن والدة سارة تحمل على عاتقها مسئوليات عديدة لا يمكن تجاهلها، وأنها تدرك ارتفاع مستوى كفاءة ابنتها، ولكنَّ رفْضَها المشاركةَ في أي حديث تستمد منه معلومات بخلاف التوصيات المقتضبة بتوصيل ابنتها في اليوم التالي؛ يجب أن يدفع والدة كولين إلى التفكير مليًّا في المرة التالية التي سترغب فيها كولين في التعامل مع سارة في أيٍّ من المنزلين.

ويمثل ما حدث تذكرةً جيدةً لوالدة كولين كي تشرع في مراقبة الصداقات الناشئة وفرزها (المقترحان الخامس والسادس المذكوران أعلاه). يمكن أن تتحدث الأم إلى طفلتها بعبارات رقيقة على غرار: «إنني أشعر بالقلق لأن والدة سارة لا تحرص على معرفة مكان ابنتها أو مع من تكون؛ من ثَمَّ قد لا يكون هناك فرد بالغ يشرف عليكِ في حالة وجودكِ معها بمنزلها. دعيني أتحدث مع والدة سارة قبل أن تعتزمي التوجُّه لمنزلها.» وعلى العكس، إذا كانت كولين ترغب في استضافة سارة في منزلها ثانية، يمكن أن تقول لها والدتها: «دعيني أتحدث مع والدة سارة قبل أن توجهي لها دعوة؛ فقد شعرتُ بالانزعاج الشديد لوجود سارة في منزلنا لوقت طويل قبل أن ترد أمها على مكالماتنا.» وللأسف، لا يستطيع الأطفالُ ممن لديهم آباء لا يُبالون بأمرهم أو دائمو الانشغال إقناعَهم بالمشاركة في أنشطة مع الآباء الآخرين، وإذا نجحوا في إقناعهم فربما يبدو عليهم الاستياء أو عدم الاهتمام برفاهية أطفالهم. ونكرر أنه على الرغم من أن غالبية الآباء لا يتجاهلون أولادهم عمدًا، عليهم الانتباه إلى خطورة نَقْص الاهتمام بالأطفال، ما داموا مهتمين بالفعل بتطور الأطفال العام، بما في ذلك علاقات الصداقة.

لا يعني ذلك أنني أقترح مراقبة أو فرز كل تفاعل يحدث بين الأطفال، ولكنَّ فَرْضَ قَدْرٍ من المراقبة والفرز سيساعد الأطفال في تطورهم السليم؛ إذ يمكن أن تكون مراقبةُ علاقات الصداقة الخاصة بالأطفال وفرزها في حدود ضيقة أو واسعة النطاق، وذلك بناءً على السياقات ومستوى التطور لدى الأطفال. ورغم ذلك، عندما يتولى الآباء والمعلمون مراقبةَ علاقات الصداقة التي تنشأ والتي تنتهي، يمكنهم مساعدة الأطفال في التعامل مع العالم الاجتماعي المعقَّد. وكما هي الحال دائمًا، فعندما يتجاوز الأطفال المرحلة الابتدائية وتزيد تحركاتهم واستقلاليتهم، يصعب إخضاعهم لمثل هذا النوع من المراقبة، وأيًّا كان حجم المراقبة أو الفرز الذي يمكن أن يوفره البالغون، عليهم ألا يترددوا في تطبيقه. طَبِّقِ المقترحاتِ السبعةَ لمتابعة العالم الاجتماعي للأطفال، كذلك ينبغي تطبيق المقترح السابع الخاص بتقديم الرأي للأطفال جنبًا إلى جنب مع كل مقترح من المقترحات الأخرى؛ بمعنى أن الآباء ينبغي لهم إطْلاع أبنائهم على اهتمامهم بمعرفة أصدقائهم، مثل معرفة القِيَم التي يؤمنون بها والسلوكيات التي يتبعونها، وأنهم يرغبون في مساعدة الأبناء في الالتقاء بأصدقائهم ودعْم علاقاتهم الإيجابية. تُزوِّد مثلُ هذه التعليقاتِ الأطفالَ بمعلوماتٍ مهمةٍ حول مدى اهتمام الكبار برفاهيتهم، فضلًا عن رفاهية الأطفال الآخرين. أثناء مرحلة المراهقة، سيستنكر العديدُ من الأطفال في هذه الفئة العمرية بشدةٍ مثلَ هذه المراقبة التي تمثِّل تدخُّلًا في شئونهم، وسيعتبرونها حطًّا من قَدْرهم أو شيئًا سخيفًا. للمراهقين مشكلات جديدة عديدة، أو ربما تكون القضايا نفسها ولكن بأبعاد جديدة.

(٦) علاقات الصداقة بين المراهقين

يتسم المراهقون بالحركة الدائبة، ويرغب الكثيرون منهم في التمتع بقدر أكبر من الاستقلالية عن الآباء مقارنة بما كان يحدث في السنوات السابقة. وبوصول الأطفال إلى مرحلة المراهقة، يُرجَّح أن يتوجهوا للمدرسة مبكِّرين ويبقَوْا خارج المنزل حتى وقت متأخر ويشتركوا في الأنشطة الرياضية أو الفنية، علاوةً على إقامة علاقة مع أصدقاء جدد في أماكن جديدة كل أسبوع. وعادةً ما يقضي المراهقون أوقاتهم مع أصدقائهم في المشي وقيادة الدراجات واستقلال السيارات مع أشخاص بالغين، وبوصولهم إلى سن السادسة عشرة، يُخوَّل لهم قيادة السيارات وحدهم في معظم الولايات. ونظرًا لطول الوقت الذي تُمضيه الطفلة المراهقة خارج المنزل، فقد يتعذر على الآباء معرفة جميع رفاقها، أما الكبار المسئولون عن المراهقين، فلا تزال المقترحات السبعة الخاصة بتتبُّع علاقات الصداقة سارية. ورغم ذلك، وبناءً على قِيَم الاستقلالية المعمول بها في الأسرة، فقد يُسمح بدرجات استقلالية متفاوتة من شأنها التأثير على تطبيق المقترحات الخاصة بمساعدة الأبناء في علاقات الصداقة؛ فقد تَسمح بعضُ الأُسَر مثلًا لأبنائها المراهقين ممن حصلوا على رخصة القيادة بالسفر إلى أي مكان يريدون التوجُّه إليه دون إشراف من الأشخاص البالغين، ودون معرفة الزميل أو مجموعة الأصدقاء الذين يصطحبهم المراهق في مغامرته، بينما لا تسمح أُسَر أخرى لأبنائها المراهقين الحاصلين على رخصة القيادة بالسفر بالسيارة وحدهم دون معرفة الآباء بوجهتهم ورفقائهم على وجه الدقة.

وبالطبع يجوز تطبيق أي مزيج من المعايير يتفق عليه الآباء والأبناء، مع الوضع في الاعتبار حقيقة أن المراهقين سيتجاوزون المعايير إلى حدٍّ بعيد على غرار أن تكون المعلومات التي يذكرونها عن الأصدقاء الذين يتعاملون معهم ربما ليس لها أساس من الصحة، كما قد لا يَذكر المراهقون الحقيقة أو الحقائق الكاملة (كاصطحاب خمسة أصدقاء بدلًا من صديقين). ومن الأهمية بمكانٍ أن نبقى على اطِّلاع بالأمور قدر الإمكان بما لا يمس قِيَم الأسرة. وبالطبع يمكنني القول إن المثال الأول الوارد أعلاه للمراهق الذي يقود سيارة في غياب إشراف أو رقابة الآباء خطأ جسيم، ولكن إدراك مستويات النضج التي وصل إليها الأبناء ومدى ميلهم للقيام بتصرفات تُعرِّضهم لمخاطر، وما إلى ذلك، يساعد الأشخاص البالغين في تقرير حجم الاستقلالية التي سيمنحونها لأبنائهم في سن معينة، فضلًا عن أن تطبيق المقترحات السبعة الخاصة بمراقبة علاقات الصداقة الخاصة بالأبناء سيساعد الأشخاص البالغين على مدار مراحل تطور الأبناء، كما ستساعد إجراءاتُ المراقبة والفرز هذه التي يتبعها الأفراد البالغون الأطفالَ على البقاء في مسار الصحة النفسية الجيدة. يمكن أن تتفاوت الطريقة التي تُقرِّر بها الأُسَر الحدودَ الخاصة باستقلالية الأبناء المراهقين كثيرًا، وذلك بناءً على خلفيات الأسرة والقِيَم التي تُطبِّقها.

(٧) الاستقلالية وتأثير الأقران

هناك عُرف قوي للغاية سائد في الولايات المتحدة بين أوساط الطبقة الوسطى البيضاء يشير إلى أن الأبناء يبدءُون في التخلص من القيود الأبوية ويتحملون قدرًا كبيرًا من مسئولية أنفسهم لدى وصولهم إلى مرحلة المراهقة المتأخرة، ورغم أن السن المقترنة بتحمُّل المسئولية أَخَذت تزداد في ظل التحاق الأبناء بالتعليم الجامعي وتأخُّر الاستقلالية الاقتصادية في العقود الثلاثة الأخيرة، فلا تزال المشكلة تتمثل في أن توقُّع استقلالية المراهقين في عملية صنع القرارات اليومية قوي جدًّا. تتجلى قوة هذا التوقع في الاعتقاد الخاص بمدى تأثير الأقران في مرحلة المراهقة.

يُصوَّر الأقرانُ عادة في وسائل الإعلام الشائعة بشكل سلبي بأنهم الأطفال «الأشرار» الذين يَفرضون سيطرتهم على الأطفال الآخرين، وأنه ينبغي مقاومة أساليبهم المقنعة لإفساد الأطفال «الطيبين» بصفة يومية. يتسم تأثير الأقران أثناء سنوات المراهقة المبكرة والمتأخرة بأنه قوي للغاية، وبعضٌ منه يكون سلبيًّا، ولكنَّ الباحثين الذين أجرَوْا دراسات حول تأثير الأقران وتأثير الآباء وجدوا أن تأثير الآباء يتساوى مع تأثير الأقران في قوته، بل إن المراهقين في الواقع يختارون الأصدقاء الذين يطبقون المبادئ نفسها التي تعلموها من آبائهم. علاوة على ذلك، يمكن أن يتسم تأثير الأقران والأصدقاء بالإيجابية إلى حد بعيد (انظر سانتروك ٢٠٠٧)، ورغم ذلك ينبغي ألا يتخلى الكبار المسئولون عن المراهقين عن دورهم المؤثر فيما يتعلق بالأقران مثلما كان الأمر في مراحل الطفولة المبكرة. وتتفاوت الكيفية التي تُقرِّر بها كلُّ أسرة تخفيفَ حدة الرقابة ومَنْح هامش استقلالية أكبر للأبناء مع أقرانهم.

رغم أن العديد من الأشخاص البالغين يتفقون على أهمية علاقات الصداقة بالنسبة لأبنائهم، لا تهتم كافة الثقافات أو الأُسَر بقيمة الصداقة مثلما هو الأمر لدى الأُسَر البيضاء من ذوي الدخول المتوسطة في الولايات المتحدة؛ فالمفاهيم المتعلقة بالاستقلالية عن الأسرة والتقارب مع الأقران لا تحظى بالدعم عمومًا. وتتفاوت درجات مَنْح الاستقلالية للمراهقين في مختلف الثقافات حول العالم وحَسَب الخلفيات العرقية للأُسَر على مستوى الولايات المتحدة (انظر سانتروك ٢٠٠٧). في بعض الثقافات يكون الانصياع للسلطة الأبوية متأصلًا، ويمكن أن يتجسد في بعض السلوكيات مثل اختيار الأشخاص البالغين الزوجَ أو الزوجةَ للأبناء المراهقين. في الولايات المتحدة، يتسم المراهقون الأمريكيون من ذوي الأصول الآسيوية عادةً بطاعة السلطة الأبوية بصورة تفوق المراهقين الأمريكيين من ذوي الأصول الأوروبية. وترتبط درجة الاستقلالية التي يمنحها الآباء الأمريكيون من ذوي الأصول الآسيوية لأبنائهم بما إذا كان مَنْحُ هذه الاستقلالية سيؤدي إلى دعم الأسرة أو الجماعة؛ على سبيل المثال، يسعد بعض الآباء الأمريكيين من ذوي الأصول الآسيوية بعلاقات الصداقة التي تضم المجموعات الدراسية؛ إذ إن مثل هذه الصداقات يمكنها أن تساعد في نجاح المراهقين في البيئة المدرسية مما يجلب الفخر للأسرة، وبالمثل تشجع الأُسَر الأمريكية ذات الأصول اللاتينية القِيَم الجماعية.

بالنسبة للأُسَر الأمريكية ذات الأصول اللاتينية، تَسُود بينها قِيَم توقير الكبار والسلوك القويم بدرجة كبيرة للغاية (تريانديس ١٩٩٤)؛ فالأسرة تلعب دورًا حيويًّا في تشكيل السلوكيات، ومن المنتظر أن يتوخى الجميع السلوك القويم في كافة العلاقات. وهناك بعض الأدلة التي تشير إلى تأثُّر بعض الأُسَر الأمريكية ذات الأصول اللاتينية ثقافيًّا بالتقاليد الغربية للطبقة الوسطى البيضاء في الولايات المتحدة أو اعتناقها؛ الأمر الذي يؤدي إلى تراجع أهمية هذه القِيَم لدى هذه الأُسَر. ورغم ذلك، في الكثير من الأُسَر اللاتينية هذه تترسخ هذه القيمة الجماعية، أو التأكيد على أهمية الأسرة، بقوة كما أنها تساعد الآباء في توجيه أبنائهم. على الرغم من ترحيب الأُسَر الأمريكية ذات الأصول اللاتينية باكتساب أبنائها للأصدقاء، يَعتقد الكثير منها أن علاقات الصداقة هذه لا يجب أن تنتقص من العلاقات والمسئوليات الأُسَرية، وعادةً ما تختلف القواعد التي تطبِّقها هذه الأُسَر بخصوص الاستقلالية عن القِيَم الفردية التي تؤمن بها أُسَر الطبقة الوسطى البيضاء في الولايات المتحدة.

ثمة توضيح من الأهمية وضعه في الأذهان، وهو يتعلق بحقيقة أن الأُسَر التي تنتمي إلى أي أصول عرقية يمكن أن تختلف عن النمط الاعتيادي للأُسَر في تلك الفئة العرقية؛ إذ إن توقُّع التطابق أو افتقاد التنوع بين مجموعة من الأُسَر بسبب عامل واحد، كالأصل العرقي المشترك بينها، إنما يؤدي إلى تصنيف هذه الأُسَر أو وَصْمها على نحو لا يعزِّز فَهْم جميع البشر؛ على سبيل المثال، يشير مصطلح «ذوو الأصول اللاتينية» إلى الأشخاص الذين تعود أصولهم إلى منطقة الكاريبي والمكسيك ووسط وجنوب أمريكا، الذين يتحدثون الإسبانية، ولكنَّ هناك قدرًا هائلًا من التنوع والاختلاف بين هذه الشعوب، وذلك رغم الأصول المشتركة. وعلى الرغم من عدم وجود قدرٍ كافٍ من البحوث التي تعكس وجهات نظر الأُسَر ذات الأصول اللاتينية حول علاقات الصداقة، فإن الاختلافات التاريخية والموطن الأصلي والحالة الاجتماعية الاقتصادية والمكتسبات الثقافية في الولايات المتحدة ترتبط جميعها على الأرجح بالأهمية التي تُوليها كل أسرة للصداقة.

(٨) مسار الكفاءة الاجتماعية

تمثل الكفاءة الاجتماعية للأطفال أحد المسارات التي تؤدي إلى تمتع الأطفال بالصحة النفسية الجيدة، كما أن قدراتهم في البحث عن الآخَر الاجتماعي والتفاعل جيدًا معه تُعد مؤشرات على تطورهم العام ونجاحهم لاحقًا كأشخاص بالغين. إن التدرُّب على قِيَم الولاء والالتزام في العلاقات بين الأصدقاء يساعد الأطفال على مدار مراحل النمو والنضوج فيما يتعلق بعلاقات الشراكة التي ستظهر في مرحلة المراهقة والشباب. تعتمد الصحة النفسية للأطفال إلى حدٍّ بعيدٍ على علاقاتهم بصفة عامة، بما في ذلك تفاعلاتهم في البيئات الاجتماعية خارج المنزل؛ فالأقران والأصدقاء يعكسون للأطفال معلومات عن أنفسهم والعالم، علاوةً على ذلك، لا تَحِل هذه العلاقات محل الروابط الأُسَرية، وتكون هذه الروابط بمنزلة أدوات رقابية وانتقائية لعلاقات الصداقة الخاصة بالأطفال. في كثير من الأحيان تتوافق قِيَم الأقران مع قِيَم الأسرة وتعمل كلها في تناغم أثناء نمو الأطفال. سنتحدث في الفصل السادس عن كيفية انتقال القِيَم الأُسَرية عبر الكلمات والطقوس، وكيف يمكن لهذه النماذج الجيلية أن تعزِّز من نمو الأطفال أو تُثبِّطه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠