الخرافة الثانية

لم يكن شكسبير متعلمًا تعليمًا جيدًا

إنَّ فكرة العبقري غير المتعلم، أو الرجل العِصامي أو المرأة العِصامية، جذابة على نحو لا يُقاوَم. وكان شكسبير، في رأي ميلتون: «ابن الخيال، يصدح بنغماتٍ طبيعية جامحة من نَظْمه» (قصيدة «الرجل السعيد»)؛ فقد هيمن مفهوم الفلَّاح المُلْهَم على الأعمال الرومانسية وما وراءها. وعلى الجانب الآخر نلتقي بِن جونسون الذي عاصر شكسبير، وذكر معرفته «الضئيلة باللاتينية والأضأل بالإغريقية.» لو أخرجنا هذه العبارة من سياقها، لكان من السهل فهم معناها على أن «شكسبير لم يُحصِّل أية معرفة كلاسيكية تقريبًا»؛ ومن ثمَّ فهو «غير متعلِّم». وحقيقة الأمر أن هذه العبارة كانت جزءًا من إشادة مطوَّلة بشكسبير الذي قال جونسون عنه إنه لا يتفوق على معاصريه وحسب، ولكن على القدماء أيضًا. يفوق شكسبير لِيلي وكيد ومارلو براعةً، و«رغم أن معرفته باللاتينية ضئيلة ومعرفته بالإغريقية أضأل»، فهو يقف «متفردًا» مُقارنةً، في الكوميديا والتراجيديا، ﺑ «كل ما أنتجته اليونان المتغطرسة أو روما المختالة أو ما فعلتاه منذ أن انبعثتا من رَمادَيْهما.» (أتُسَمي هذا قَدْحًا؟) وعلينا ملاحظة سياق آخر: جونسون نفسه، فأغلب المؤلفين يعرفون القليل من اللاتينية والأقل من الإغريقية، مُقارنةً بتبُّحر جونسون الكلاسيكي الزاخر. ومع ذلك، فدائمًا ما تُقْتَبَس عبارة جونسون خارج سياقِها؛ ومن ثَمَّ تستمر خرافة شكسبير ذي التعليم القاصر.

يمكن التحقق من مثل هذه الخرافة بطُرُق عدة؛ فلنفكر أولًا في المناخ التعليمي ذي النزعة الإنسانية في القرن السادس عشر الذي وُلِدَ فيه شكسبير. «النزعة الإنسانية» هي الاسم الذي نخلعه على النشاط العلمي ما بعد القرون الوسطى الذي استعاد النصوص القديمة. لكن النزعة الإنسانية كانت متعددة المستويات على نحوٍ طَموح. كانت نزعة أخلاقية تَرُوم المُزَاوَجَة بين أَسْمَى مُثُل الفكر الكلاسيكي الوثني والكون المسيحي. وكانت أسلوبية: درسَ دُعاةُ الحركة الإنسانية القدماءَ، لا الْتِماسًا لما قالوه وحسب، ولكن لمعرفة كيف قالوه أيضًا؛ وفكروا في الشكل الذي ربما كان عليه الأدب الإنجليزي العامِّيُّ، وكيف كان وَقْعُه، وأَجْرَوْا تجارب على اللغة الإنجليزية، فاستعاروا كلمات من اليونانية واللاتينية (طالع الخرافة الحادية والعشرين). كما كانت تربوية؛ إذ ألَّفَ الإنسانيون كتبًا دراسية، وأسسوا مدارس وكليات، وأورثوا مُثُلهم الأجيال اللاحقة. وكانت علمية؛ إذ ترجم الإنسانيون النصوص، وحرروها، وفهرسوها، وصنعوا القواميس. وكانت أيضًا علمانية على نحو إيجابي؛ فلم تنكر رؤية العالَم المْرْتَكِزَة إلى فكرة الألوهية، لكنها وضعت الإنسان وإمكاناته في قلب هذه الرؤية، وطرحت أسئلة حول الحكومة، والنبالة، والبلاط، والمصلحة العامة، والطغاة. (عادةً ما تُصَدِّر النصوص ذات النزعة الإنسانية فردًا في عنوانها: نص السير توماس إليوت «الحاكِم»، ونص كاستيليوني «رجل البلاط»، ونص ماكيافيللي «الأمير»). ولقد ساعد اختراع آلة الطباعة — التي تُضارِع الإنترنت في أيامنا هذه — في انتشار الأفكار والقيم ذات النزعة الإنسانية بسرعة مهولة.

هذا ملخص مُبسَّط، لكن النقطة المحورية هي أن النزعة الإنسانية كانت لها آثارٌ عملية، ولا سيَّما على النظام التعليمي الإليزابيثي وتَطَوُّر «مدرسة القواعد اللغوية». كان تلميذ المدرسة في القرن السادس عشر (وقليل جدًّا من الفتيات، مثل مارجريت، ابنة رئيس مجلس لوردات الملك هنري الثامن توماس مور، هن اللائي حصلن على تعليم رسمي؛ ومن ثَمَّ أكملن تعليمهن بالبيت بدلًا من المدرسة) هو المستفيد من نظام تعليمي جديد على مستوى البلاد؛ أعني منهجًا قوميًّا. ورغم أن بِن جونسون تلقى تعليمه في وستمنستر، حيث تتلمذ على يد عالِم الآثار المؤرخ ويليام كامدن، وأن توماس كيد تلقى تعليمه بمدرسة ميرشانت تايلور على يد الخبير التربوي الكاتِب ريتشارد مولكاستر، فإن تعليمهما لم يكن ليختلف كثيرًا عن تعليم شكسبير في ستراتفورد-أبون-أفون. ليست بِحَوْزَتنا أية سجلات تُدَلِّل على أن شكسبير الْتَحَقَ بالمدرسة الثانوية المحلية — فسجلات تلك الفترة مفقودة — لكن سيكون من العجيب لو لم يلتحق بها.

سُمِّيَت «مدارس القواعد اللغوية» بهذا الاسم لأنها كانت تُدَرِّس القواعد اللغوية، وكانت القواعد اللغوية التي تُدَرَّس للتلاميذ لاتينية، (كان كِتَاب القواعد الرسمي هو نفسه كتاب ويليام لِيلي، وهو عينه الكتاب الذي يَعْكُف ويليام بيج على دراسته، ولا يبرع في ذلك، في مسرحية «زوجات ويندسور البهيجات»). كانت المدارس تَفْتَح أبوابها في السادسة صباحًا وتُغْلِقها في السادسة مساءً، وكان يَتَعَيَّن على الأولاد أداء واجباتهم المنزلية بعد الانصراف من المدرسة. وبينما الطلاب يتقدمون في المستويات التعليمية، كانت اللغة التي يتحدثون بها ويتلقون بها تعليماتهم هي اللاتينية. وكثيرًا ما كان يُقال، بلا مبالغة، إن الولد عندما يتخرج في مدرسة القواعد يكون قد حصَّلَ تعليمًا كلاسيكيًّا يُضَارِع ما يُحَصِّله الطالب الجامعي الذي يدرس الكلاسيكيات في وقتنا هذا.

لكن دراسة القواعد اللغوية كانت تَنْطَوِي على ما يَتَجاوز تحليل بِنَى الجُمَل؛ فقد كانت القواعد اللغوية جزءًا من البلاغة التي كانت تتألف بدورها من فروع عدة، تَضْرِب بجذورها كلها في الوعي الأسلوبي. وتراوحت التمارين الدراسية ما بين قول الشيء نفسه بطرق عدة، ومحاولة محاكاة أسلوب مؤلف مرموق لتَثْنِيَة الترجمة: من اللاتينية إلى الإنجليزية، ومن ثَمَّ إلى اللاتينية مجددًا؛ للتأكد مما إذا كان تعبير الطالب باللاتينية يمكن أن يَرْقَى إلى بلاغة النص الأصلي (طالع الخرافة الخامسة عشرة). وصُمِّمَت هذه التمارين بهدف إعداد الفتيان لامْتِهان مِهَن تتطلب مهاراتٍ بلاغية؛ كالعمل في الكنيسة، أو في المجال القانوني، أو في الحكومة المحلية. وكانت أيضًا تدريبًا مثاليًّا لأي كاتِب، وغرست في شكسبير عشقًا للغة والتنويع الأسلوبي وأصوات الكلمات، وهي السمات التي نُقَدِّرها على وجه الخصوص في كتاباته اليوم.

وهكذا، فقد تخرَّج شكسبير من المدرسة وهو حسن الإعداد. لكن التعليم لا يتوقف عند المدارس الرسمية (ولو أن الإيمان بهذه الخرافة يوحي بأن هذا هو منتهى التعليم على ما يبدو). ورغم أن شكسبير لم يلتحق بالجامعة (وكذا لم يلتحق بها توماس كيد أو بِن جونسون)، فهو لم يَكُفَّ عن القراءة. وتُدَلِّل مصادر مسرحياته على اطِّلاعه على أشعار العصور الوسطى (تشوسر، وجاور)، والروايات الإيطالية (بوكاتشيو، وشينتيو)، والتاريخ المعاصر (رفاييل هولينشيد، ١٥٧٧، ١٥٨٧)، والتاريخ القديم (بلوتارك)، والأعمال الرومانسية المعاصرة (السير فيليب سيدني، وروبرت جرين)، والأعمال الرومانسية الإغريقية (أبولودورس)، والفلسفة القَارِّيَّة المعاصرة (مقالات الفيلسوف الإنساني الفرنسي مونتين). واطَّلَعَ شكسبير على أعمال فرنسية وإيطالية، مستعينًا بمصادر مكتوبة بهاتين اللغتين؛ إذ لم تكن تُرجمت إلى الإنجليزية بعد. (لم يتحدث جونسون بأيٍّ من اللغتين الحديثتيْن حسب ما ورد عنه من صديقه ويليام درومند ابن بلدة هاوثورندن). وقرأ باللاتينية. ومع ذلك فقد وقع في زلات؛ فقد خلط مرتين ما بين بلوتو (إله العالم السفلي) وبلوتوس (إله الثروة). تلك جريرة لا تستحق الشنق، كما أنه ليس الوحيد الذي خلط بين الاثنين؛ فهكذا فعل الرومان القدماء أيضًا. يوضح لويس بوتر أن الفروق في تقطيع مقاطع الاسم الكلاسيكي بيريثوس في مسرحية «السيدان الفيرونيان» التي شارك في تأليفها مؤلفان قد يُوحِي بأن أحدهما (فليتشر) أعلم بالإغريقية من الآخر (شكسبير).1 لكن هذه المسرحية أُلِّفَت عام ١٦١٣، أي بعد أكثر من ثلاثين عامًا من ترك شكسبير المدرسة. وإنْ دلَّ ذلك على شيء، فإنه يدل على الذاكرة المُهْتَرِئة، لا على القُصور التعليمي.

كانت الكتب المكوَّنة من مجلدات عدة غالية الثمن. ولعل شكسبير طالعها تحت رعاية الطبَّاع ريتشارد فيلد في لندن. كان فيلد أحد معاصري شكسبير في ستراتفورد، وهو من تَوَلَّى طباعة أولى قصائده «فينوس وأدونيس» (١٥٩٣) و«لوكريس» (١٥٩٤). تتلمذ فيلد على يد توماس فوترولييه الطَّبَّاع الهيوجونوتي الذي عندما تُوُفِّيَ تزوج فيلد أرملته عام ١٥٨٨، وورث عمله، وواصل التخصص في طباعة الأعمال الأجنبية. وكان فيلد أول مَن قدَّمَ قصيدة أريوستو الملحمية «أورلاندو فوريوسو» إلى الجمهور الناطق بالإنجليزية بعد أن ترجمها السير جون هارينجتون عام ١٥٩١. لكن قائمة أعماله مبهرة أيضًا؛ إذ تتضمن ما يُعتبر حاليًّا كلاسيكيات الأدب الإنجليزي والأدب اللاتيني المترجم إلى الإنجليزية. وفي عام ١٥٨٧، طبع فيلد كتاب «تاريخ إنجلترا وأيرلندا واسكتلندا» الرائد، المؤلَّف من ثلاثة مجلدات، لرفاييل هوليندشيد، وفي عام ١٥٨٩، طبع «فن الشعر الإنجليزي» لجورج بوتنام، وهو مُؤَلَّف إبداعي ذو نزعة إنسانية عن الكتابة الإنجليزية. وطبع أيضًا ترجمة توماس لودج السُّداسِية التفاعيل لقصيدة «التَّحَوُّلات» لأوفيد. وفي عام ١٥٩٥، طبع ترجمة توماس نورث لكتاب «حياوات موازية» لبلوتارك (الذي أُعِيدَت طباعته عام ١٦٠٣). وفي عام ١٥٩٦، طبع قصيدة إدموند سبنسر الملحمية «ملكة الجن»، وفي عام ١٥٩٨، طبع العمل النَّثْري المَلْحَمي «أركاديا» للسير فيليب سيدني. ومن المثير للاهتمام عدد مصادر مسرحيات شكسبير التي نشرها فيلد؛ فالأرجح أن أوفيد وبلوتارك وهولينشيد هم أصحاب النصوص الثلاثة المُفضَّلة لدى شكسبير.

هل نَبَّهَ فيلد ابنَ بلده إلى المطبوعات الحديثة والمؤلِّفين الجُدُد الذين تَجْدُر مطالعة أعمالهم؟ وهل اشترى شكسبير تلك المطبوعات؟ أم أن فيلد سمح بالاستفادة من مطبعته لتؤدي وظيفة مكتبة غير رسمية، يستعير منها شكسبير هذه الكتب أو يقرؤها هناك؟ الواضح أن شكسبير كان يُطالِع الأفكار والاكتشافات الأدبية الجديدة لحظةَ وصولها إلى السوق الإنجليزية.

كثيرًا ما يُزْعَم أن مستوى المعرفة الفنية لجوانب بعينها في مسرحيات شكسبير — كالقانون أو البلاط — لا يتوافق ومعرفة فتًى متخرج في مدرسة قواعد لغوية في ستراتفورد. وهذا التأكيد يكمن وراء البحث عن مرشحين آخرين لتأليف مسرحيات شكسبير. وهكذا تستمر المُحَاجَّة؛ فالمعرفة القانونية تدل على أن المسرحيات لا بد أن مؤلفها محامٍ (وهنا يحضر فرانسيس بيكون)، والمعرفة بالبلاط وشئونه تُوحِي بأن المؤلف كان أرستقراطيًّا (وهنا يخطر على البال إيرل أكسفورد). وأُثِيرَت ادعاءاتٌ مُماثِلة عن المعارف الواردة في المسرحيات عن علم النبات أو علم البحار أو علم الطيور. ثمة مشكلات كثيرة في هذه الحُجَّة؛ أُولاها: أنها تفترض أن المؤلفين يُعَوِّلون على تجاربهم المهنية أو الوجدانية الخاصة، (وفرضية التجربة الوجدانية هذه هي الدافع للخرافة الثامنة عشرة التي مُفادُها أن سونيتات شكسبير لا بد أنها ذاتية الطابع). لا يحتاج المرء أن يكون محاميًا كي يكتسب معرفة قانونية، وهكذا كان الحال تحديدًا في العصر الإليزابيثي الذي كان حافلًا بالتقاضي على نحو مدهش (أثبت بيتر بيل أنه خلال عام واحد كان لدى جورج بوتنام أكثر من ٧٠ قضية جارية، وكان شكسبير نفسه متورطًا في ست قضايا). الأعمال الساخرة القانونية المنتمية لكوميديا توماس ميلتون المدينية، مثل «مايكلماس ترم»، مؤثرة لأنها تستهدف الأمور اليومية على نحو مألوف، لا المتخصصة على نحو لا يفهمه إلا القلة المتخصصة. كانت حياة البلاط أيضًا مألوفة لدى شكسبير وقت أن دُعِيَتْ فرقة «رجال تشامبرلين» لأداء عروضها هناك، لكن، حتى قبل تلك الفترة، «ما أنجزه العظماء يتندر به مَنْ هم دونهم» («الليلة الثانية عشرة»، الفصل الأول، المشهد الثاني، البيت ٢٩). والإيمان بأن المحامين وحدهم يستطيعون أن يُسَوِّقوا تلميحات قانونية، وأن الأرستقراطيين يحتكرون التلميحات المُسْتوحاة من البلاط، يَغْفَل عن مفهوم أساسي، ألا وهو الخيال؛ فالخيال هو المُؤَهِّل الوحيد الأهم على الإطلاق لاحتراف الكتابة.

حينما يتخيل الكُتَّاب فهم يبحثون أيضًا، ويتخذ البحث أشكالًا عدة. والواضح أن شكسبير ساعةَ أن خَطَّ مسرحياته التاريخية استرشد بالعديد من نسخ التاريخ في أشكال: النثر («الوقائع» لهولينشيد)، والشعر («الحروب الأهلية بين عائلتي لانكستر ويورك» لصامويل دانييل)، والدراما («الانتصارات الشهيرة لهنري الخامس»، مجهول المؤلف). لكنَّ ثَمَّةَ شكلًا آخر من أشكال البحث ليس له اسم فني، ألا وهو الملاحظة البشرية؛ فما من شيءٍ في مسرحيات شكسبير لم يكن لينبع من المراقبة الكثيبة للعالم من حوله: مراقبة الخصوصية البشرية، والنِّفاق، والإنسانية، والتعاطف، والهرمية، والسياسة، والمفارقات.

ورغم أن المكتبات تحوي كتبًا مُذَيَّلة بحَواشٍ تُنْسَب إلى جونسون وميلتون، فليس لدينا كتب مَثِيلة لشكسبير؛ فهو لم يترك أيَّ كتاب في وصيته، ويفترض أغلب الدارسين أنه منح كتبه بالفعل لزوج ابنته، الطبيب جون هول. وعليه، فإننا نستقي معرفتنا عن قراءات شكسبير من معرفتنا بمصادر مسرحياته وحسب. شاع الظن لفترة طويلة بأن نسخة من ترجمة فلوريو ﻟ «مقالات» الفيلسوف الإنساني الفرنسي ميشيل دي مونتين (١٦٠٣)، الموجودة حاليًّا بالمكتبة البريطانية، هي في الأصل لشكسبير؛ فالصفحة الفارغة في بداية المقالات تحمل توقيع «ويليام شكسبير». والتاريخ الببليوغرافي للصفحات التمهيدية والأخيرة لهذا المجلد (التي أُعِيدَ ترتيبُها في مرات عدة) مُعَقَّد، لكن الحقيقة التي لا يَرْقَى إليها الشك هي أن الصفحة التي تحمل التوقيع ترجع إلى أواخر القرن الثامن عشر أو أوائل القرن التاسع عشر. ويُفْتَرَض أن أحدًا ظنَّ أن توقيع شكسبير سيرفع من قيمة هذا الكتاب. (تمتلك المكتبة البريطانية نسخة جونسون، ولكن رغم أن عادة الأخير جرت على تذييل كتبه بحواشٍ، فإن هذه النسخة كانت تخلو منها.)

عكفنا إلى الآن على التفكير فيما طالعه شكسبير، ويجدر بنا أيضًا التفكير في كيفية قراءته لما طالَعَه. قد تساعدنا ترجمة جون فلوريو لأعمال مونتين في ذلك. إن شكسبير مُتَناغِم فكريًّا مع مونتين؛ فكلاهما مهتم بالهُوِيَّة الإنسانية؛ فمونتين «فيلسوف نفساني» وشكسبير «كاتب مسرحي نفساني».2 لا ندري شيئًا عن كمية المواد التي طالعها شكسبير لمونتين (فأعمال الأخير زاخرة). إن خطبة جونزالو التي ألقاها في مسرحية «العاصفة» عن الكومنولث المثالي (الفصل الثاني، المشهد الأول، البيت ١٥٣ وما بعده) مستقاة من مقالة مونتين «عن آكلي لحوم البشر». وهناك أوجه شبه عامة في الأفكار في مواضع أخرى، لكن عندما يَشِي كاتبان باهتمامهما بالفردية والباطنية والفرد، يصعب على المرء أن يُمَيِّز ما بين التَّلاقِي والتَّأَثُّر. ولكن النظر إلى مفردات شكسبير، ولا سيَّما أثر ترجمة فلوريو لمونتين عليها، مُفِيد.
قُدِّمت «مقالات» مونتين إلى العالم الناطق بالإنجليزية عبر ترجمة جون فلوريو لها عام ١٦٠٣. كانت الترجمة مشروعًا ضخمًا قوامه ثلاثة مجلدات، ومن الواضح أن شكسبير اطَّلَعَ عليها بعد أن نُشِرَت؛ حيث كان لها أثر مشهود على مفرداته منذ عام ١٦٠٣ فصاعدًا. وكان جورج كوفين تايلور أول مَن فَهْرَسَ نقاط التوازي عام ١٩٢٥، محددًا ٧٥٠ كلمة وعبارة لم تكن ضمن مفردات شكسبير قبل عام ١٦٠٣، بَيْدَ أنها ظهرت كلها بعد هذا التاريخ، وكذلك أوردها فلوريو في ترجمته لمونتين.3 كتب تايلور في فترة شاع فيها الهوس برصد أوجه التوازي؛ إذ انْقَضَّ النُّقَّاد على عباراتٍ متوازية تتسم بالاعتيادية حتى إنه من السهل تخيُّل مداعبة المؤلفين لها، كُلٍّ على حِدَةٍ، بقدر ما هو من السهل أن نرى تأثير أحدهم في الآخر. لكن أغلب كلمات تايلور لا تنتمي إلى هذه الفئة: «بلبلة» («هاملت»، الفصل الرابع، المشهد الخامس، البيت ٨٢؛ وهذا هو الموضع الوحيد الذي ظهرت فيه الكلمة في أعمال شكسبير كلها)، «ناصع السريرة» (الملك لير، الفصل الأول، المشهد الرابع، البيت ٢٣٧، مرة أخرى هذا هو الاستخدام الوحيد من جانب شكسبير). إن فلوريو لمُغرم بسَكِّ الكلمات المُرَكَّبَة، ويبدو أن شكسبير افْتَتَنَ بها. ولذا، رغم أن عبارة «الماء المقدس» مدونة بقاموس أكسفورد للغة الإنجليزية من عام ١٥٨٣، فإن شكسبير لم يستخدمها إلى أن كتب مسرحية «الملك لير»؛ حيث تظهر في عبارة «ماء البلاط المقدس» (الفصل الثالث، المشهد الثاني، البيت ١٠). ويكتب فلوريو (في سياق ساخر بالمثل): «اسْعَ وراء ماء البلاطِ المُقَدَّس ومِنَحِ الأمراء المتذبذبة» (هذه هي نسخته المُتَخَيَّلة لنَثْر مونتين «الْتَمِسْ رِياحَ عَطايا الملوك.»)4
رغم أن باحثي قاموس أكسفورد للغة الإنجليزية عثروا منذ ذلك الحين على حالات أسبق لكلماتٍ زعم تايلور أن فلوريو قدَّمها، فهي لم تكن بالعديدة، وكثير من كلمات تايلور المميزة، التي استخدمها فلوريو لأول مرة، تثير الانتباه: عثرنا على كلمة «مثير للشهوة الجسدية» في ترجمة فلوريو وفي مسرحية «العين بالعين» (الفصل الخامس، المشهد الأول، البيت ٩٨)؛ وعبارة «يَضْرِب على وَتَر» في ترجمة فلوريو وفي مسرحية «هاملت» (الفصل الثاني، المشهد الثاني، البيتان ١٨٩-١٩٠)؛ وفي موضع قريب عبارة «زاخر بالأفكار» في ترجمة فلوريو و«رُدُود … مُحَمَّلَة بالأفكار» في مسرحية «هاملت» (الفصل الثاني، المشهد الثاني، البيتان ٢١٠-٢١١)؛ وكلمة «جراحون» في ترجمة فلوريو و«بطريقة جراحية» في مسرحية «العاصفة» (الفصل الثاني، المشهد الأول، البيت ١٤٦). وعندما نُصادِف تعبير «قَرابَة الدَّم» في ترجمة فلوريو وفي مسرحية «ترويلوس وكريسيدا» (الفصل الرابع، المشهد الثالث، البيت ٢٣، ولا وجود لها في أيٍّ من أعمال شكسبير الأخرى)، علينا أن نُلقي بظِلال الشك على تاريخ تأليف المسرحية الأخيرة عامَيْ ١٦٠١-١٦٠٢، أو افتراض أن ترجمة فلوريو كانت رائجة في شكل مخطوطة.5 والأمر نفسه ينطبق على مسرحية «هاملت» (١٦٠١-١٦٠٠)، حيث تسترعي الانتباهَ مصادفةُ وُقوع هاتين العبارتين السابقتين لدى فلوريو ومتجاورتين في «هاملت».
يُلاحظ إف أوه ماثيسين أن توظيف شكسبير لترجمة فلوريو لمونتين تُشَكِّل نمطًا مثيرًا؛ فالكلمات الجديدة مستخدمة غالبًا ضمن مفردات شكسبير عام ١٦٠٣ وبعده مباشرة؛ ومن ثَمَّ تتراجع وتيرتها قبل أن تعود لتظهر مجددًا في مسرحية «العاصفة» عام ١٦١٠. ويوحي ذلك بكيفية اطِّلاع شكسبير على مقالات مونتين، ورِدَّة فعلِه إزاءَها: انْغِماسٌ مَبْدَئي، فَنَأْيٌ تدريجي، ثُم إعادةُ قراءة لاحقة. ويعتقد فيليب ديسان أن شكسبير اهتم بالتعبيرات التي سَكَّها فلوريو أكثر من اهتمامه بأفكار مونتين نفسها.6 وهذا في واقع الأمر هو ما يُثِير انتباهنا تحديدًا؛ ما استمال «أذن» شكسبير عندما طالعه. بالنظر إلى تدريبه أيامَ دراسته على البلاغة، وعمله اللاحق شاعرًا، لا عَجَبَ أنه استجاب بهذا الحماس الشديد للغة.

في ضوء كل ذلك، هل تلقى شكسبير تعليمًا جيدًا؟ لا شك أن دراسته أَسَّسَته تأسيسًا قويًّا في الأدب الكلاسيكي والبِنى البلاغية، لكنه واصلَ البناء على هذا الأساس المَتِين بنفسه.

هوامش

(1) Lois Potter, The Life of William Shakespeare: A Critical Biography (Oxford: Wiley-Blackwell, 2012), p. 398.
(2) Peter Holbrook, Shakespeare’s Individualism (Cambridge: Cambridge University Press, 2010), p. 187.
(3) G. C. Taylor, Shakspeare’s Debt to Montaigne (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1925), p. 5.
(4) F. O. Mathiessen, Translation: An Elizabethan Art (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1931; repr. New York: Octagon Books, 1965), p. 143.
(5) Philippe Desan suggests that “extracts of Florio’s translation may have circulated in manuscript among the London literati as early as 1597-8”. Cited in Richard Scholar, “French Connections: The Je-Ne-Sais-Quoi in Montaigne and Shakespeare,” in Laurie Maguire (ed.), How To Do Things with Shakespeare (Oxford: Wiley-Blackwell, 2008), pp. 11–33 (p. 14).
(6) Scholar, “French Connections,” p. 14.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١