الخرافة العشرون

شكسبير وَدَّعَ المسرح بمسرحيته «العاصفة»
في عام ١٧٤٠، أُقِيم تمثال بالحجم الطبيعي لتكريم ذكرى شكسبير في زاوية الشعراء بدير وستمنستر. ونرى تمثال المؤلف المسرحي يميل بمرفقه على كومة من الكتب، ويشير إلى لفافة مكتوب عليها تنويعة على كلمات بروسبيرو الوداعية في مسرحية «العاصفة» (الفصل الرابع، المشهد الأول، الأبيات ١٥٢–١٥٦): «السحاب يلف الأبراج / القصور البديعة / المعابد المقدسة / مسرح جلوب العظيم نفسه / نعم، كل ما يرثه / سيتحلل ويتبدد، وكالنسيج الواهي لرؤية ما / لن يخلف وراءه حطامًا.»1 يعمل هذا النص عمل مرثية للكاتب المسرحي، ويُمسي المتحدث الأصلي في المسرحية قناعًا شفافًا لشكسبير نفسه، وهنا تكتسب خرافة كتابة شكسبير لوداعه الشخصي في مسرحية «العاصفة» شكلًا ماديًّا، أو بالأحرى رخاميًّا.

«العاصفة» واحدة من أواخر مسرحيات شكسبير. وهي تقص قصة الساحر بروسبيرو الذي يعيش على جزيرة بصحبة ابنته ميراندا بعد أن عزله أخوه أنطونيو من منصب دوق ميلان، فما كان من بروسبيرو إلا أن جعل سفينة أنطونيو وصديقه سيباستيان وحليفه ألونسو جميعًا مع فرديناند بن ألونسو تتحطم على شاطئ جزيرته. وبمساعدة خادمه الشبح الأثيري، أرييل، يُعَرِّض بروسبيرو أعداءه لعقوبات سحرية عديدة، فيحمل فرديناند على التودد إلى ميراندا، ويواجه أخاه في نهاية المطاف، أخاه الذي يدفعه أرييل إلى أن يغفر، لا أن يُعاقب: «فالفعل الأكثر نبلًا / يكمن في الفضيلة لا في الانتقام.» (الفصل الخامس، المشهد الأول، البيتان ٢٧-٢٨). وإذ يُقْسِم بنبرة مفعمة بالرثاء بأن يتخلى عن قواه ويلقي بكتب السحر في البحر، يتأهب بروسبيرو للعودة إلى ميلان ليستعيد دوقيته.

إن حقيقة أن هذه المسرحية يمكن أن تُفَسَّر على أنها ضرب من الرمز في إشارة إلى شكسبير بصفته مؤلفًا مسرحيًّا، هي تفسير يطارده تاريخ نقدي طويل؛ يرجع إلى أول معالجة لمسرحية «العاصفة» على يد جون درايدن وويليام دافينانت، وهما مؤلفان مسرحيان ينتميان لعصر الإصلاح برعا في إعادة صياغة مسرحيات شكسبير بما يلائم الأذواق في أواخر القرن السابع عشر. ولقد أقرَّا في مقدمة مسرحيتهما «العاصفة أو الجزيرة المسحورة» (١٦٦٧) ﺑ «سحر شكسبير» باعتباره مكافئًا لسحر بروسبيرو. ويتطور القياس عبر النقد خلال القرن الثامن عشر الذي عَزَّزَ من رؤية بروسبيرو صورةً للفنان عجوزًا، وخلق بالضرورة قراءة إيجابية جدًّا لشخصية بروسبيرو. مثال ذلك ما كتبه إدوارد داودن، في نهاية القرن التاسع عشر، في سيرة حياة فكرية مؤثرة عن شكسبير:
إننا لا نماهي ما بين بروسبيرو نوعًا ما وشكسبير نفسه؛ لأن بروسبيرو في المقام الأول ساحر عظيم على وشك أن يتخلى عن قواه السحرية وأن يُغْرِق كتبه في أعمق الأعماق، وأن يصرف خادمه الشبح، ويعود إلى الممارسة العملية لمنصب الدوق الذي كان يشغله، ولكن لأن مزاج بروسبيرو، والانسجام العجيب في شخصيته، وتمالكه لأعصابه، وقوة إرادته، وحساسيته تجاه الخطأ، وعدله الثابت، إلى جانب رغبته اليقينية عن متع العالم الشائعة وأحزانه ونأيه عنها، كلها سمات يتسم بها شكسبير بحسب ما تجلى لنا في كل مسرحياته الأخيرة.2

تتصف حجة داودن بأنها دائرية، بل وقياسية؛ فبروسبيرو يذكرنا بشكسبير لأن شخصيته تُشَكِّل فكرتنا عن الطبيعة التي لا بد وأنها وسمت شخصية شكسبير: (١) بروسبيو رجل صالح. (٢) شكسبير رجل صالح. (٣) ولذا، فإن بروسبيرو هو نفسه شكسبير. (أو لعل الترتيب الصحيح هو ١، ٣، ٢ أو حتى ٣، ٢، ١.)

على الرغم من المغالطة المنطقية في مقولة داودن، هناك نقاط توازٍ، كما حددها دافينانت ودرايدن، بين فن سحر بروسبيرو وفن المسرح. والمشهد الأول من المسرحية مثال ممتاز. إن الإرشاد المسرحي الافتتاحي الدراماتيكي للمسرحية — «يُسْمَع دَوِيٌّ عاصِف للبرق والرعد، ويدخل ربان السفينة ورئيس البحَّارة» — يلقي بنا إلى قلب العاصفة المسماة المسرحية على اسمها، حيث يستمع الركاب المرتبكون على متن السفينة المنكوبة التي اطاحت بها العاصفة إلى البحارة الذين يتبادلون تعليمات فنية يائسة على نحو متزايد: «أمسكوا بالشراع العُلوي» (الفصل الأول، المشهد الأول، البيت السادس)، «أنزلوا الصاري الأعلى! بسرعة» (الفصل الأول، المشهد الأول، البيت ٣٣)، «نَنْشَطِر. نَنْشَطِر.» (الفصل الأول، المشهد الأول، البيت ٥٩). نعتقد أننا في خضم عاصفة «حقيقية»، لكن المشهد التالي يكشف لنا عن أن هذا مجرد وهم مسرحي ابتكره بروسبيرو بسحره من الجزيرة، كي يُخْضِع أعداءه لسيطرته. لم يكن المسافرون بحرًا في خطر قط: بدت الأحداث معقولة، لكن اختُلِقَت بمساعدة القليل من الأدوات المساعدة ونص مسرحي منطقي. وكما في المسرحية، تقع الأحداث، محكومة بكاتب مسرحي غير مرئي؛ لتجلب لنا حبكة أخرى ما برحت مجهولة. وطوال المسرحية يسيطر بروسبيرو على شخصيات أخرى وكأنه كاتب مسرحي، فيسد ثغرات خلفيات أحداثهم، خالقًا لقاءات عابرة يجمعهم فيها أو يُفَرِّق بينهم، وحلًّا لعقدة القصة ينكشف فيه كل شيء. ويشير إلى سِحْره بعبارة «فني» (الفصل الأول، المشهد الثاني، البيت ٢٩٢) ويستخدم أدوات مسرحية مساعدة: مائدة مختفية، وخطًّا من اللباس البراق (إرشاد مسرحي، الفصل الرابع، المشهد الأول، البيت ١٩٣)، مسرحية داخل مسرحية لخِطبة فرديناند وميراندا. وعندما يُقْسِم بالتخلي عن سحره، يبدو كلامه، المنقوش على النصب التذكاري بزاوية الشعراء، يستلهم من لغة المسرح، ولا سيما في استحضاره «مسرح جلوب العظيم» (الفصل الرابع، المشهد الأول، البيت ١٥٣؛ اسم فرقة شكسبير المسرحية في منطقة بانكسايد).

إن القول بأن دور بروسبيرو في المسرحية شبيه بدور الكاتب المسرحي لا يعني رغم ذلك أنه صورة ذاتية لشكسبير؛ فهناك شخصيات أخرى ضمن مجموعة أعمال شكسبير تشاركه تلك الخصال — إياجو المتآمر الأساسي في مسرحية «عطيل»، والدوق الذي يتلاعب بالأحداث ويتنكر في هيئة راهب في مسرحية «العين بالعين»، وباولينا حافظة الأسرار في مسرحية «حكاية الشتاء» — ويمكننا أن نستشف الانعكاسية الذاتية لمسرحية «العاصفة» إلى جانب الانعكاسية الذاتية لمسرحية «هاملت» أو «حلم ليلة منتصف صيف»، وكلتاهما تحويان مسرحيات داخلية تستتبع تعليقات عن طبيعة المسرح والخطوط المشوشة بين الوهم والواقع. لكن فكرة كون بروسبيرو صورة لشكسبير اكتسبت زخمها وقوتها من الزعم المستمر بأن «العاصفة» هي المسرحية الأخيرة لشكسبير قبل عودته إلى ستراتفورد. يتحول وداع بروسبيرو لسحره وداعًا لشكسبير للمسرح، ونزوع الخاتمة الشديد إلى «التحرر» (الخاتمة، البيت التاسع) والغفران والتهليل يتحول إلى نداء أخير لإسدال الستار على المؤلف المسرحي المتقاعد لفرقة «رجال الملك».

وحقيقة الأمر أننا لا نستطيع الجزم بأن مسرحية «العاصفة» التي كُتِبَت وعُرِضَت على المسرح خلال عامَيْ ١٦١٠-١٦١١ هي مسرحية شكسبير الأخيرة: فما من دليل خارجي موثوق يضمن لنا ترتيب تلك المسرحية بين مسرحات أخرى متأخرة مثل «حكاية الشتاء» و«سيمبلين». لأننا نود لو تُفَسَّر الخاتمة على أنها وداع شكسبير للمسرح، فإننا نعتبر مسرحية «العاصفة» تاريخيًّا آخر مسرحياته؛ ومن ثم نستغل هذه المكانة التاريخية لنؤكد أن المسرحية لا بد أنها تسجل مشاعر شكسبير الخاصة. إننا نعلم أنه انشغل بتأليف مسرحية «القريبان النبيلان» و«هنري الثامن» بمساعدة جون فليتشر لاحقًا، وعليه فهي لم تكن بكل تأكيد آخر ما كتب للمسرح. وحقيقة الأمر أن آخر كلمات شكسبير التي أُدِّيَت على خشبة المسرح ربما كانت الكلمات الخفيضة النبرة نوعًا ما لشخصية ثيسيوس: «دعونا ننطلق / وتقبلوا ظروفنا.» (الفصل الخامس، المشهد السادس، البيتان ١٣٦-١٣٧) في نهاية مسرحية «القريبان النبيلان» (ينسب أغلب العلماء خاتمة هذه المسرحية إلى فليتشر بوصفه مؤلفًا مشاركًا). ونعلم أيضًا أن شكسبير اشترى في عام ١٦١٣ أملاكًا بمنطقة بلاك فريرز على مقربة من المسرح — وهي المرة الأولى التي يبدو أنه اشترى فيها أملاكًا في لندن — ما يُعَدُّ تكذيبًا للفكرة العاطفية التي مفادها أنه كان بصدد الانسحاب من حياة الضجيج إلى هدوء ستراتفورد (وتأكيدًا على أن حركة بروسبيرو مناقضة تمامًا؛ فهو بصدد التخلي عن تقاعده والعودة إلى الحياة النشطة بوصفه دوق ميلان). اقْتُرِحَ أن بروسبيرو هو شكسبير الممثل المتقاعد من معترك التمثيل للتركيز على التأليف، ربما إِبَّان تأهبه لإعداد مجموعة أعماله الكاملة على غرار منافِسِه بِن جونسون (طالع الخرافة الرابعة)، وفي سياق متصل، فُسِّرَ موقع مسرحية «العاصفة»، حيث جاءت في المرتبة الأولى في مجموعة الأعمال الكاملة الأولى (١٦٢٣)، على أنه إقرار بأن شكسبير كان يؤكد فيها هويته التأليفية. ولكن، حتى لو لم يهدد الدليل الخارجي تفسير التماهي ما بين بروسبيرو وشكسبير، فمن المفارقة التاريخية الظن بأن أي مؤلف مسرحي منتمٍ إلى أوائل العصر الحديث ألَّف أعماله بوصفها تعبيرًا تلقائيًّا عن سيرة حياته (طالع الخرافات السابعة والعاشرة والثامنة عشرة). وبدلًا من ذلك، كما ذكرنا مرارًا وتكرارًا في مقالات هذا الكتاب، فإن القدرة على الرؤية من وجهات نظر مختلفة وطرح رؤى عالمية متنافسة ومقنعة بالقدر عينه هي محورية لصناعة المسرح الناجحة، وشجَّعها التدريب البلاغي في مدارس القواعد اللغوية الإليزابيثية، وهي ملائمة لثقافة كان فيها التعبير الأدبي شعبيًّا وتشاركيًّا، لا خاصًّا واعترافيًّا.

إن قراءات مسرحية «العاصفة» التي تستمد حجتها من موقع المسرحية في ترتيب زماني مفترض لمؤلفات شكسبير ليست حكرًا على هذه المسرحية. عارض ليتون ستراشي في كتاباته أوائل القرن العشرين فرضيات الدراسات الفكتورية بشأن التسلسل الزمني معارضة شديدة. وعارض ستراشي الفكرة العامة التي مفادها أن عقل الفنان يمكن استنباطه من طبيعة الفن الذي يمارسه، وازدرى ستراشي خصوصًا الرواية التي تقول إنه «بعد فترة شباب هانئة (كتابة الأعمال الكوميدية) وفترة منتصف عمر كئيبة (الأعمال التراجيدية)، بلغ في النهاية — بحسب الرأي العام — حالة من السكينة الهادئة التي مات فيها.»3 إن تداعيات رفض ستراتشي القاطع لهذا الإطار التفسيري بعيدة الأثر؛ فإذا كانت مسرحية «العاصفة» استفادت من الفرضيات حول القيم الجمالية ﻟ «التأخر»، فقد أُهْمِلت كذلك مسرحيات أخرى على الرغم من التقويم الزمني. وكما استفسر أحد النقاد بصراحة: «كم عدد الفضائل غير المتوقعة التي يمكن أن تتجلى فجأة في مسرحية «السيدان الفيرونيان» إذا ثبت أنها ترجع إلى عام ١٥٩٧، أو … عام ١٦٠٣؟ اعتمادها على الحوار الثنائي ومناجاة النفس مثلًا، لن يُعتبر بعدُ علامة على غياب النضج، وقد يظهر بوصفه لمحة غير تكاملية على نحو استراتيجي لضبط الزخم الرومانسي التقليدي»: يكشف السيناريو المناقض للواقع هنا بطريقة ساخرة أن الكلمات التي تبدو مُرَتَّبَة زمانيًّا مثل «مبكر» و«متأخر» و«ناضج» تحمل أحكامًا قِيَمِيَّة ضمنية وتحدد سلفًا ردة فعلنا النقدية.4 إننا نفضل ترتيبًا زمانيًّا يضع تراجيديا الحب العبثية للآليين «بيراموس وثيسبي» (المسرحية التي تحويها مسرحية «حلم ليلة منتصف صيف») التي يَقْتُل فيها العاشقان نفسيهما خطأً؛ إذ يعتقد كل منهما أن الآخر ميت، بعد نظيرتها الأكثر كآبة «روميو وجولييت»، ولكن لا يوجد دليل خارجي لتأكيد هذا الترتيب. إننا نتوقع أن تُظهِر المسرحيات التاريخية الأقدم، مثل «هنري السادس – الجزأين الثاني والثالث»، افتقارًا إلى النضج بالمقارنة بالمسرحيات التالية لها، ويا للمفاجأة انظروا ها هو تصوير المسرحيات للادعاء والادعاء المقابل في حرب الوردتين يبدو أنه يدعم ذلك التوقع. عادةً ما تُرَتِّب الطبعات الحديثة لأعمال شكسبير الكاملة، ولا سيما طبعة «أكسفورد شكسبير» (التي حررها ويلز وتايلور) وطبعة «نورتون شكسبير» التي تبِعت نصَّها، المسرحيات وفقًا لتتابعها الزمني المفترض. وبينما يكفل هذا الترتيب للقراء المعتادين على التقسيمات العامة للأعمال الكاملة الأولى الصادرة عام ١٦٢٣ بعض التجاورات المفاجئة والمثمرة في آنٍ واحد — المواقف من المعركة ومن التودد في المسرحيتين المتجاورتين «جعجعة بلا طِحْن» و«هنري الخامس»، على سبيل المثال، أو القصة الخيالية الكئيبة لمسرحية «الملك لير» المُنقحة (طالع الخرافة الرابعة والعشرين) إلى جوار مسرحية «سيمبلين» — فهو يمنح في نهاية المطاف امتيازًا لقراءة الأعمال بوصفها تعبيرًا تلقائيًّا عن سيرة الحياة؛ فالتسلسل الزمني هو لحياة المؤلف.
ويقترح ستراتشي أولويات تجارية بدلًا من التعبير التلقائي عن سيرة الحياة؛ فإذ انتبه إلى جوانب حكايات الجن التي تحفل بها المسرحيات الأخيرة لشكسبير، يفترض ستراتشي أن النهايات السعيدة لتلك المسرحيات تُظهر وعيًّا بالنوع الأدبي لا «سكينة صافية من جانب صانعها». إذا أفصحت تلك المسرحيات بأي شيء عن عقلية شكسبير فهو أنه «بدأ يصاب بالملل» وأنه «لم يعد مهتمًّا، كما يشعر المرء غالبًا، بما يحدث، أو بِمَن قال ماذا، طالما كان بإمكانه أن يجد مكانًا لقصيدة غنائية لا غبار عليها، أو أثر إيقاعي جديد لا يتخيله عقل، أو خطبة مهيبة وغامضة.»5 وبينما أراد كثير من الدارسين أن يُرَسِّخوا فكرة أن مسرحية «العاصفة» هي آخر أعمال شكسبير، وأن يستخلصوا من موقعها هذا حكمة ملائمة وختامية، باعتبار المسرحية هي الذروة الحميدة الإنسانية لمشواره الدرامي، يراها ستراتشي هنا بوصفها تراجعًا. فشكسبير يفقد لمسته بدلًا من أن يرتقي عرشًا شعريًّا غامضًا. وهي وجهة النظر التي يتردد صداها بلغة نثرية أكثر في مقالة صحافية بقلم جيري تايلور. تحت عنوان «أزمة منتصف عمر شكسبير»، ذهب تايلور إلى أنه بعد فترة من الرواج التجاري المدوي في تسعينيات القرن السادس عشر، بدأ منحنى مشوار شكسبير الأدبي في الركود. ويتابع تايلور باستفزاز قائلًا: «شأنه شأن غيره ممن فقدوا بريقهم، حاول شكسبير في الأربعينيات من عمره أن ينقذ سمعته المتدهورة بإعادة تدوير أعماله التي أنتجها في العشرينيات والثلاثينيات من عمره.»6 وأصبحت مشاركاته مع جون فليتشر، بحسب هذا النقاش التنقيحيِّ، محاولة يائسة من قِبَل الكاتب المرهق للصعود على كتف مؤلف أصغر سنًّا (لا كما جرت العادة على النظر إليها، بوصفها العمل الذي أبدعه تلميذ بالعمل تحت إشراف السيد الأكبر سنًّا: طالع الخرافة الرابعة والعشرين).

وعلى ذلك، فقراءة «العاصفة» على أنها وداع شكسبير للمسرح لا يعضدها دليل من مشوار شكسبير الأدبي، وتفرض إطارًا بيوجرافيًّا ينطوي على مفارقة تاريخية بشأن التأليف الدرامي. تعتمد هذه القراءة أيضًا، كما سلف وبَيَّنا، أساسًا على قراءة لشخصية بروسبيرو بوصفه حكيمًا خَيِّرًا يتعهد ابنته الوحيدة بالرعاية، مستعينًا بمعرفته كي يحقق الانسجام والمصالحة، مسامحًا، لا معاقبًا، الذين أخطئوا في حقه. وحقيقة الأمر أن هذا التفسير الإيجابي يتجاهل جوانب إشكالية في صناعة شخصية بروسبيرو، ويمكننا مناقشة تلك الجوانب بحسب علاقتها ﺑ «عَبْده» كاليبان.

منذ أواخر القرن التاسع عشر على الأقل، حينما ناقش العالم سيدني لي المعرفة بالعالم الجديد في إنجلترا في أوائل العصر الحديث، ارتبطت مسرحية «العاصفة» بقصص الاستكشاف، وعلى نحو أقدم، بالاستعمار المبكر للأمريكتيْن. ولقد اكتسبت هذه القراءة للمسرحية زخمًا كبيرًا، ولا سيما نظرًا لإعادات الصياغات ما بعد الكولونيالية البارزة — ومن بينها مسرحية الشاعر المارتينيكيِّ إيمي سيزير «عاصفة» (١٩٦٩) — للغتها الرمزية وتسلطها وانهزامها. وعندما تُرْجِمَ كتاب عالم النفس الفرنسي المدغشقري أوكتاف مانوني «سيكولوجية الاستعمار» إلى الإنجليزية عام ١٩٥٦، كان عنوانه «بروسبيرو وكاليبان». يجوز لنا إيجاز التحول في النقد بالإشارة إلى الفارق بين فرانك كيرمود الذي صَدَّرَ نسخة أردِن الثانية للمسرحية عام ١٩٥٤ بمقولته الرشيقة «لا بد أيضًا من إيضاح مسألة أنه ما من شيء في مسرحية العاصفة محوري لبنية أفكارها لم يكن ليتواجد لو ظلت أميركا غير مُسْتَكْشَفَة»، وبين وجهة نظر فرجينيا ميسون فون وألدين تي فون في الطبعة الثالثة من سلسلة أردِن عام ١٩٩٩: «يفترض كثير من النقاد أن الخطابات الموسعة والمتنوعة عن الاستعمار تضرب بجذورها بعمق في لغة الدراما وأحداثها»، حتى إن المسرحية يمكن أن تُعتبر «عالمًا مسرحيًّا مصغرًا للنموذج الإمبرياليِّ.»7 ووقع في المسرح تحول مماثل في الأولويات التفسيرية؛ فبعد تقديم جوناثان ميلر عام ١٩٧٠ المسرحية على خشبة المسرح، أمسى من الصعب إنقاذ بروسبيرو المتعاطف مع الآخر غير الموصوم بالذنب الاستعماري. وبحسب وصف النقاد لهذا الإنتاج الهام، كان بروسبيرو «عُصابيًّا مهيبًا وحساسًا، وضحية مُركَّب القوة»، وهو الذي «ادعى لنفسه سلطة المستعمر بفطرته شبه الإلهية … وفي النهاية تكتمل دورة الاستعمار: يلتقط أرييل الأفريقي المثقف عصا بروسبيرو السحرية، وهو على أهبة الاستعداد — كما هو واضح — لأن يلعب دور السيد المُطلق المتنمر.»8 كما مالت شخصيات بروسبيرو الحديثة إلى الاتصاف بالبغض الشديد، حتى إن أي عَلاقة تربطها بشكسبير قد تنعكس بشكل سلبي جدًّا على المؤلف المسرحي نفسه.

هوامش

(1) The lines in Shakespeare read: “The cloud-capped towers, the gorgeous palaces, / The solemn temples, the great globe itself, / Yea, all which it inherit, shall dissolve; / And, like this insubstantial pageant faded, / Leave not a rack behind.”
(2) Edward Dowden, Shakspere: A Critical Study of His Mind and Art (Cambridge: Cambridge University Press, 1875), pp. 319-20.
(3) Lytton Strachey, “Shakespeare’s Final Period,” in Literary Essays (London: Chatto & Windus, 1948), p. 2.
(4) Anthony B. Dawson, “Tempest in a Teapot: Critics, Evaluation, Ideology,” in Maurice Charney (ed.), “Bad” Shakespeare: Reevaluations of the Shakespeare Canon (Rutherford, NJ: Fairleigh-Dickinson University Press, 1988), p. 62.
(5) Strachey, “Shakespeare’s Final Period,” pp. 11-12.
(6) Gary Taylor, “Shakespeare’s Midlife Crisis,” Guardian, 3 May 2004.
(7) The Tempest, ed. Frank Kermode (London: Methuen, 1954; repr. 1958), p. xxv; The Tempest, ed. Virginia Mason Vaughan and Alden T. Vaughan, Arden (London: A. & C. Black, 2001), pp. 39-40.
(8) Reviews by Eric Shorter and Michael Billington, excerpted in John O’Connor and Katharine Goodland, A Directory of Shakespeare in Performance 1970–2005, vol. 1: Great Britain, 1970–2005 (Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2007), pp. 1357-8.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١