الخرافة الحادية والعشرون

كان شكسبير يمتلك مخزونًا هائلًا من المفردات

كلنا نعلم أن الإبداع اللفظي لشكسبير يمثل جزءًا كبيرًا من سمعته وجاذبيته الممتدة؛ فقد بدأ العمل على جمع مقتطفات من أعماله — ولا سيما القصيدتين الروائيتين الشعبيتين «فينوس وأدونيس» و«اغتصاب لوكريس» — خلال حياته. ويتضمن كتاب الاقتباسات «إنجلاندز برناسوس» (١٦٠٠) لمؤلفه روبرت ألوت مقتطفات من مسرحيات «الحب مجهود ضائع» و«ريتشارد الثاني» و«ريتشارد الثالث» و«هنري الرابع – الجزء الأول»، مع التركيز على مسرحية «روميو وجولييت». واستمر مشروع جمع مقتطفات من أعمال شكسبير منذ ذلك الحين إلى الآن. ولقد أَسْدَتْ طبعة ألكسندر بوب عام ١٧٢٥ لأعمال شكسبير خدمة نافعة لقرائها: «بعض ألمع الفقرات مميزة بفواصل في الهوامش، وبينما لا يكمن الجمال في التفاصيل ولكن في المجمل، وُضعت نجمة قبل المشهد.» وتضمنت الفقرات المميزة على هذا النحو حديث بورشيا عن الرحمة في قاعة المحكمة بمسرحية «تاجر البندقية» (الفصل الرابع، المشهد الأول، الأبيات ١٨١–٢٠٢)، وشطحة خيال ميركوتيو بالجنيَّة كوين ماب في مسرحية «روميو وجولييت» (الفصل الأول، المشهد الرابع، الأبيات ٥٥–٩٦). لقد تنبأ شكسبير — أو ناشروه (طالع الخرافة الرابعة) — بالفعل بهذا الضرب من الإبراز؛ فالنصوص الأولى المطبوعة تستعين أيضًا بعلامات الاقتباس في الهامش الأيسر لتمييز الفقرات التي يمكن اقتباسها. ونجد أن نصيحة بولونيوس للايرتس في مسرحية «هاملت» في نصوص الطبعتين الصادرتين عامي ١٦٠٣ (حيث لُقِّب بولونيوس بكورامبيس) و١٦٠٤ مميزة بهذه الطريقة (الفصل الأول، المشهد الثالث، الأبيات ٥٨–٨١). وكانت أبياته الشعرية التي تتناول المقترضين والمُقرضين بالطبع معبرة عن الأمثال؛ فعادة ما يصور الإخراج المسرحي الحديث لهذا المشهد الصبيين الراشدَيْن وهما يتفحصان قائمة أبيهما للمناشير القديمة. ويسهل العثور على قوائم لعبارات ندين بها لشكسبير على الإنترنت وفي الكتب المطبوعة أيضًا، وكثير من تلك العبارات مألوف جدًّا حتى إنه فقد علاقته المبدئية بسياقه في مسرحيات شكسبير: مظلوم أكثر من آثم، ومعقود اللسان، ولحم ودم، وبدون إيقاع أو سبب، ومحل سخرية، ومحزون أكثر من غاضب، ووقت قصير بين الإدانة والعقاب، وغريب عليَّ، والعالم ملك يمينك، ومواساة لا تنفع ولا تشفع، وأنفاس لاهثة، والرأي قبل شجاعة الشجعان (أو قبل «فاليري» كما كتب الشاعر روجر ميجاو على نحو بارز في مؤلفه «شعارات» (١٩٦٩)). وبناءً على ما تقدم، فلا بد أن شكسبير الذي ربما يُعَدُّ أعظم صائغي الألفاظ في العالم كان لديه مخزون هائل من المفردات، أليس كذلك؟

هذا سؤال يصعب الإجابة عنه ما دام أن الآراء تتباين حيال الطريقة المثلى التي يتعين وفقًا لها تقدير مفردات المرء كميًّا. لكن ديفيد كريستال، الخبير بهذه المسألة، يستشهد برقم لمفردات شكسبير: ٢٠٠٠٠ كلمة منفصلة (وهذا الرقم يستثني صيغ الجمع والأزمنة المختلفة للفعل نفسه؛ فكلمتا «صقر» و«صقور» تُحسبان كلمة واحدة لا كلمتيْن؛ والفعل «يطير» وماضيه «طار» يُحسبان كلمة واحدة). وبالمقارنة بمفردات اللغة الإنجليزية إبان الفترة التي كان شكسبير يؤلف فيها أعماله، نجد أن إجمالي مفردات اللغة كان يبلغ ١٥٠٠٠٠ مفردة. بالمقارنة بمؤلفين آخرين معاصرين له، يمتلك شكسبير مَعينًا هائلًا من المفردات، لكن هذا المعين يرجع جزئيًّا إلى تأليفه عبر أنواع أدبية مختلفة، الأمر الذي تطلب مستويات مختلفة من اللغة، ولأن إنتاجه الواسع مهول؛ فقد ألَّف بغزارة. لأغراض المقارنة، افترض كريستال أن متوسط عدد المفردات الفاعلة لدى الشخص المتعلم في بداية القرن الحادي والعشرين هو ٥٠٠٠٠ مفردة، بينما كانت اللغة الإنجليزية تشتمل على ٦٠٠٠٠٠ مفردة بحسب «قاموس أكسفورد للغة الإنجليزية». وعلى ذلك، فإن مفردات شكسبير أقل من نصف مفرداتك، وتمثل نسبتها إلى المفردات التي كانت متاحة على أيامه أقل من نسبة مفرداتك إلى المفردات المتاحة حاليًّا.1
ماذا إذن عن شكسبير سَكَّاك الألفاظ؟ في هذا السياق، كان «قاموس أكسفورد للغة الإنجليزية» — الجاري مراجعته حاليًّا — مصدرًا مضللًا نوعًا ما؛ فقد نُسِبَ إلى شكسبير الاستخدام الأول للعديد من الكلمات الإنجليزية الشائعة حاليًّا، ومن بينها «مشئوم» inauspicious و«يحتضن» embrace و«متظاهر بالتقوى» sanctimonious. وكثير من الألفاظ التي من الواضح أنه ابتكرها لم تحقق رواجًا، ومثال على ذلك كلمة «مُخَصَّص» allottery وتعني نصيب (في مسرحية «كما تشاء» الفصل الأول، المشهد الأول، البيت ٦٩) أو كلمة «إثارة» fleshment في مسرحية «الملك لير» (الفصل الثاني، المشهد الثاني، البيت ١٢٠) والتي يُعَرِّفها «قاموس أكسفورد للغة الإنجليزية» بأنها «فعل الإثارة؛ ومن ثم، فهي تعني الإثارة الناجمة عن نجاح لأول مرة.» ويحصي كريستال أكثر من ٢٠٠٠ كلمة من «قاموس أكسفورد للغة الإنجليزية»، يُعتبر شكسبير أول من استخدمها، أو المستخدم الأوحد لها، أو يرجع له الفضل في استحداث معنًى ثانٍ لها.2 لكن هذه الأمثلة ربما كانت مضللة؛ فواضعو المعاجم الذين جمعوا مدخلات القاموس في العصر السابق للنصوص الرقمية القابلة للبحث كانت أعمال شكسبير أكثر ألفة بالنسبة لهم من أعمال معاصريه أمثال توماس ناش؛ ومن ثم فقد نزعوا إلى المغالاة في تقدير الكلمات المستحدثة لشكسبير في القاموس. دلل يورجن شافر على ذلك في دراسته البارزة المنشورة عام ١٩٨٠، وطور علماء لاحقون النتائج التي توصل إليها، فنتج عن ذلك تراجع عدد الكلمات المستحدثة المنسوبة بيقين إلى شكسبير تراجعًا كبيرًا.

ويمكن وضع هذا النقاش في سياق تاريخيٍّ على نحو مفيد؛ فهناك ارتفاع حاد في عدد الكلمات المستحدثة خلال القرن الممتد من عام ١٥٥٠ حتى عام ١٦٥٠. والحافز على استخدام العامية الذي خلقته ترجمات الإنجيل في عصر الإصلاح، والتوسع السريع لثقافة الطباعة، وتدفق الأشياء الجديدة وما يتعلق بها من ألفاظ من ثقافات أخرى نتيجة للاستشكاف والتجارة، وتطور لغات متخصصة للاكتشافات العلمية — كل هذه العوامل يسرت نموًّا لغويًّا مطردًا. انبعثت المفردات اللاتينية الجديدة — كلمات مثل «درجة الحرارة» أو «الغلاف الجوي» أو «خبيث» — مقابل كلمات من الإيطالية (غالبًا ما ارتبطت بالثقافة: «حفل موسيقي» و«سونيتا» و«مقطع شعري») أو الإسبانية أو البرتغالية (عادةً ما ارتبطت باستكشاف العالم الجديد: «إعصار» و«تبغ» و«أرجوحة شبكية»)، ومن لغات أخرى عادةً ما تُدلل على استيراد منتجات غريبة («قهوة» من التركية أو «بازار» من الفارسية) أو طرق جديدة للنظر إلى الأشياء («منظر طبيعي» من الهولندية). ولقد منحت المفردات المستعارة الإنجليزية في بداية العصر الحديث بنيةً من التوائم الثنائية أو الثلاثية؛ مفردات شبه مترادفة دخلت اللغة بالاستعارة من لغات أخرى. ولذا، فالإنجليزية تمتلك عددًا كبيرًا من الكلمات المتصلة باشتقاقات إنجليزية قديمة/فرنسية/لاتينية: يرتفع/يرتقي/يصعد – ينتهي/يختتم/ينجز – اثنان/ثانٍ/ثنائي – خوف/رعب/رهبة – ملكي/سُلطاني/ملوكي. واستعمال أشباه المترادفات، في الشكل البلاغي المعروف باسم «النسخ»، أسلوب شكسبيريٌّ يسرته هذه الكثافة اللغوية: «نُفِيَ روميو / لا نهاية ولا حد ولا مقدار ولا منتهى / لموات هذه الكلمة» («روميو وجولييت» الفصل الثالث، المشهد الثاني، الأبيات ١٢٤–١٢٦)؛ «روابط السماء انسلت وتحللت وتفككت» («ترويلوس وكريسيدا» الفصل الخامس، المشهد الثاني، البيت ١٥٩).

ثمة لمحة من غرابة تدفق المفردات هذا رصدها أول قاموس إنجليزي مخصص لأبناء اللغة. يفترض قاموس روبرت كاودري الصادر عام ١٦٠٤ على صفحة العنوان الحافلة بالتعليقات أن اللغة الإنجليزية أمست غريبة على أهلها بسبب استيراد الكلمات الأجنبية:

ثمة جدول ألفبائي يحوي ويُلقن القارئ كتابة الكلمات الإنجليزية التقليدية الصعبة المستعارة من العبرية أو اليونانية أو اللاتينية أو الفرنسية … إلخ، وفهمها بالطريقة الصحيحة، مع تفسير هذه الألفاظ بكلمات إنجليزية عادية جُمِعَت لنفع السيدات أو النبيلات أو غيرهن من عديمي المهارة والبراعة ومساعدتهم. وبهذه الطريقة يستطيعون بسهولة أكبر وعلى نحو أفضل فهم العديد من الكلمات الإنجليزية الصعبة التي سيقرءونها في الكتاب المقدس أو المواعظ أو في مواطن أخرى، وسيتمكنون من استخدام الكلمات نفسها بطريقة مناسبة بأنفسهم.

لم يكن الأمر ليبدو مناسبًا؛ نظرًا لجمهوره المستهدف الراقي، لو اقترحه كاودري، لكن المسرحيات كانت أيضًا مصدرًا للكلمات الجديدة ووسيلة لفهم المفردات فهمًا أفضل في الوقت ذاته. ويتجلى ذلك في أعمال شكسبير عادةً إذ تُذيِّل كلمة غير مألوفة أو كلمة جديدة، كما في القاموس، «كلمة إنجليزية عادية»: تُذيِّل مسرحية «تيمون الأثيني» كلمة «التعشير» بكلمتَيْ «قَدَّم العُشْر» و«العُشْر المقرر» (الفصل الخامس، المشهد الخامس، الأبيات ٣١–٣٣). ويطيب لشخصيات شكسبير استعمال كلمات جديدة بوتيرة متكررة؛ فنرى السير أندرو أوجوتشيك المتودد المنحوس بمسرحية «الليلة الثانية عشرة» يتمتع بحاسة سمع حادة تلتقط الكلمات الأنيقة، وعليه أن يستظهر كلمات «روائح، ومثقل، ومُسْتَحِق» (الفصل الثالث، المشهد الأول، البيتان ٨٩-٩٠) ليستخدمها مستقبلًا. ويقتبس الجندي المفوَّه بيستول في مسرحية «هنري الرابع – الجزء الثاني» أبيات مارلو القوية (الفصل الثاني، المشهد الرابع، الأبيات ١٦٠–١٦٥) ونيم في مسرحية «هنري الخامس» يستخدم كلمة «فكاهة» كنوع من الاختلاج اللغوي العصري (الفصل الثاني، المشهد الأول، البيت ٥٧). وينشغل بولونيوس بكلمة هاملت «مُجَمَّل» في رسالته التي أرسلها إلى أوفيليا: «تلك عبارة معيبة، عبارة خبيثة.» (الفصل الثاني، المشهد الثاني، البيت ١١١). إن كل هذه الشخصيات — ربما شأنها شأن شكسبير نفسه وهو يُطالع ترجمة مونتين لفلوريو (طالع الخرافة الثانية) — تتجاهل الحبكة والمحتوى للحظة في مسرحياتها، كي تركز على التفاصيل اللفظية. وهناك شخصيات أخرى مثل دوجبري في مسرحية «جعجعة بلا طِحْن» أو إلبو في مسرحية «العين بالعين» تسيء استخدام المفردات اللاتينية بما يتمخض عن أثر ساخر مضحك، وهي الظاهرة التي عُرِفَت فيما بعد؛ تيمنًا بإحدى شخصيات مسرحية شيريدان «المتنافسون» (١٧٥٥)، باسم إساءة استعمال الألفاظ المتشابهة.

لكن شكسبير، على العكس من غيره من معاصريه، لم يكن تحت المجهر خلال فترة غرابته اللغوية. يوحي وصف تعبير «معسول اللسان» الذي يقترحه شكسبير بسلاسة اللغة. (وهذه الصفة مثال لافت لمشكلة «قاموس أكسفورد للغة الإنجليزية»؛ فأول استخدامات مسجلة لها جاءت في عام ١٥٩٨ نفسه، وتحديدًا في مسرحية «الحب مجهود ضائع» (الفصل الخامس، المشهد الثاني، البيت ٣٣٤)، وكذلك في توصيف فرانسيس ميريس لشكسبير في مؤلفه «خزانة القرائح». أيستخدم ميريس واحدة من عبارات شكسبير المُنسابة برقة وعذوبة — وهو المرادف اللاتيني ﻟ «معسولة» — واصفًا إياه بها، أم أن الكاتبيْن يسجلان كلمة شائعة الاستخدام؟) يجوز أن نقارن بين ما سبق وحالة الكاتب المسرحي المعاصر جون مارستون الذي مَثَّلَه بِن جونسون بشخصية كريسبينوس في مسرحيته «الشاعر الهاوي» (١٦٠١): يُمْنَح كريسبينوس مطهرًا ويُجْبَر على تقيؤ كل مفرداته الغريبة على خشبة المسرح: هل هي الكلمات تخرج من جوفي «رجوعي – تبادلي – كابوس» و«زلق – أملس السطح – منقرض» في مشهد من التقيؤ اللغوي الذي يتضمن كلمات نسلم بها حاليًّا — مثل «تبادلي» و«منقرض» — بالإضافة إلى كلمات قابلة للنسيان مثل «رجوعي» و«أملس السطح». تثبت سخرية جونسون أن الثقافة المعاصرة كانت واعية للمسكوكات المُفرِطة؛ فاللازمة الازدرائية للاصطلاحات «المتحذلقة» سمة مشتركة للكثير من النصوص في بدايات العصر الحديث، حيث اشتعل النقاش حول ما سماه جون شيك الإنجليزية «النقية الخالصة غير المختلطة وغير المشوهة بالاستعارة من لغات أخرى.» رغم أننا اعتبرنا شكسبير أنشط الذين سَكُّوا كلمات جديدة خلال عصره؛ فمن المذهل أنه، في بيئة كانت فيها الخيارات اللغوية أيديولوجية على نحو حاد، ما من أحد من معاصريه يختاره ليثني عليه أو يلقي عليه باللائمة في هذا الصدد.

ومن الطرق التي يتجلى بها ثَراء شكسبير المعجميُّ تلاعبه بالكلمات الموجودة بالفعل؛ فاستخدامه للأفعال كأسماء والأسماء كأفعال — «اعقرهم في كعوبهم» («ريتشارد الثاني»، الفصل الخامس، المشهد الثالث، البيت ١٣٧) على سبيل المثال — فيه استغلال لموارد لغة لم تستقر بعد في قالبها الأكثر تقييدًا واحتكامًا للقواعد. تمتلك الإنجليزية في بداية العصر الحديث فروقًا دقيقة فقدناها منذ ذاك الحين؛ فالفارق بين you وthou لصيغة المخاطب على سبيل المثال سمح بتصوير علاقات السلطة والتماسك والحميمية ذات الفروق الدقيقة (ويعد استخدام الضمائر في اختبار الحب ببداية مسرحية «الملك لير» سيناريو اختبار جيد). والألفاظ المركبة تربط ما بين الكلمات في صيغة موجزة بقوة، بربطها بشرطة واصلة كما في «انطلقي بسرعة أيتها الجياد ذات الحوافر المشتعلة» fiery-footed («روميو وجولييت، الفصل الثالث، المشهد الثاني، البيت ١») أو «شهوة صيفية» summer-seeming lust (ماكبث، الفصل الرابع، المشهد الثالث، البيت ٨٧). وتستغل مسرحية «العاصفة» استغلالًا موسعًا الكلمات المركبة، حيث تَجَسَّدَ — على المستوى المصغَّر للكلمات المفردة — الِاخْتِزالُ البنيوي والموضوعي الذي يميز المسرحية بأسرها: «ما بَرِح مُغتاظًا» still-vexed و«تقلُّب البحر» sea-change و«عروض القَنافِذ» urchin-shows (الفصل الأول، المشهد الثاني، البيتان ٢٣٠ و٤٠٣، والفصل الثاني، المشهد الثاني، البيت ٥).
وفي مَوَاطِن أخرى نجد أن التنوع المعجمي هو الذي يخلق عبارات لا تُنسى؛ فمرثية شارميان لكليوباترا التي ذكرت فيها أنها «فتاة لا نظير لها» («أنطونيو وكليوباترا»، الفصل الخامس، المشهد الثاني، البيت ٣١٠) تكتسب مزيج الحميمية والجلال الملكي المؤثر في النفس من التجاور غير المتوقع ما بين كلمة «فتاة» lass الوحيدة المقطع الشمالية المنشأ والمنتمية إلى الإنجليزية الوسطى، وصفة «لا نظير لها» unparalleled اللاتينية العديدة المقاطع والأقل شهرة من الأولى (يُرْجِع «قاموس أكسفورد للغة الإنجليزية» الكلمة إلى عام ١٦٠٥، والمسرحية عُرِضَت بعده بعاميْن فقط). إن الكلمة المستغربة يمكن أن تستغل غرابتها للدلالة على شيء حيال الشيء الذي تبرزه؛ فاستخدام ماكبث لكلمة «اغتيال» assassination (الفصل الأول، المشهد السابع، البيت الثاني؛ وهو أول اقتباس للكلمة في «قاموس أكسفورد للغة الإنجليزية») يبرهن على أن ما يجول بخاطره — ألا وهو قتل ملك — يشذ عن السلوك الطبيعي حتى إنه بحاجة إلى كلمة مستغربة لتوصيفه، ويشاكل ذلك نوعًا ما استحداث الملك ريتشارد الثاني ساخرًا للفعل «يُبطل الملك» unking لبيان لا طبيعية عزله والإطاحة به على يد ابن عمه بولينجبروك (الفصل الرابع، المشهد الأول، البيت ٢١٠، والفصل الخامس، المشهد الخامس، البيت ٣٧). وأحيانًا يستخدم شكسبير عن عمد كلمات غير مألوفة، يصعب نطقها؛ لبيان حالة الاضطراب العقلي: تصور تجميعة لوينتس لكلمات تحوي الحرف الساكن c التي لا تظهر في مكان آخر في أعمال شكسبير، عقلًا يتخبط بجنون في خيالاته المظلمة الخاصة به: «بما يخالف الواقع أنت تتأثر بمنافسة الآخرين / ولا تتبع أحدًا. وبعدئذ نجد أنه من المقبول جدًّا / أن تنضم أنت لشيء، وهذا ما تفعله / وهذا يتجاوز تكليفك.» («حكاية الشتاء» الفصل الأول، المشهد الثاني، الأبيات ١٤٣–١٤٦). وثمة أمر مماثل لغويًّا يحدث في مناجاة أنجيلو لنفسه حيث يعيش لحظة من الرغبة الجنسية لأول مرة في حياته، كما هو واضح في مسرحية «العين بالعين» (الفصل الثاني، المشهد الرابع، الأبيات ١–١٧). إذا وجدنا مثل هذه الفقرات صعبة الفهم، فهذا هو بيت القصيد؛ فاللغة — سواء من حيث التركيب أو المفردات — بلغت نقطة انهيار؛ إذ يسقط لوينتس في هاوية غيرته بينما يقع أنجيلو في هُوَّة شبقه.

يمكننا أن نرى مدى استمتاع شكسبير بما سماه دي إتش لورانس «مثل هذه اللغة الجميلة» في مسرحية تبدو وكأنها تكاد تكون منشغلة باللغة نفسها: ألا وهي مسرحية «الحب مجهود ضائع». تُفْتَتَح المسرحية بإعلان الملك نافار بأنه ولورداته الثلاثة سيعيشون في «أكاديمية صغيرة» (الفصل الأول، المشهد الأول، البيت ١٣)؛ حيث سيكرسون أنفسهم للدراسة وينبذون صحبة النساء لثلاث سنوات. تدخل على الفور أميرة فرنسا التي كانت بصدد زيارة البلاط بصحبة رفيقاتها الثلاث. وعلاوة على التناظر العددي لهؤلاء النُّبلاء، نجد أن المسرحية تعج بشخصيات متنوعة لغويًّا. وأولهم دون أرمادو «رجل تجري على لسانه كلمات جديدة كليًّا» (الفصل الأول، المشهد الأول، البيت ١٧٦)، وإسباني مهووس بالبلاغة، ورسالته التي أرسلها للملك مُتعالية بلا معنًى في مزجها للألفاظ العتيقة المهجورة والوفرة الأسلوبية: «والآن إلى الأرض التي؛ التي أعني أنني مشيت عليها. وهي تُدْعَى مُنتزهك. وبعدها إلى المكان حيث؛ أعني حيث شهدتُ أكثر الأحداث فُحشًا ومنافاة للمنطق، والذي يسحب من قلمي الأبيض بياض الثلج، الحبر الأبانوسي اللون الذي تراه أو تنظر إليه أو تفحصه أو تقع عيناك عليه هنا.» (الفصل الأول، المشهد الأول، الأبيات ٢٣٤–٢٣٩). ويأتي بعده كوستارد الفلاح الفصيح الذي يسطر بيتًا بتورية جنسية يجلب عليه التقريع والتعنيف: «كلما تكلمت بكلام دَبِق، زادت رائحة شفتيك قذارة.» (الفصل الرابع، المشهد الأول، البيت ١٣٦). وُصِف هولوفرنيس ﺑ «المتحذلق» في نص مجموعة الأعمال الكاملة الأولى؛ فلغته هي تلك اللغة الموسعة على نحو متصنع للمدارس: «أعرف الرجل كما أعرفك تمامًا؛ فكاهته متعالية، وخطابه باتٌّ حاسم، ولسانه طَلْق متجاوز، وعيناه طموحتان، ومشيته ساحرة، وسلوكه العام مختال وسخيف ومَزْهُوٌّ. وهو مختال ومتأنق ومتكلف وغريب جدًّا إذا جاز التعبير، ويسعني القول إنه أجنبي.» (الفصل الخامس، المشهد الأول، الأبيات ٩–١٤). ويستفزه القسيس الفاضح ناثانيال، مُثْنِيًا على تلك الصفة الأخيرة الساذجة باعتبارها «نعتًا متفردًا جدًّا ومختارًا بعناية» (الفصل الخامس، المشهد الأول، البيت ١٥). إن التنوع اللغوي والوعي الذاتي الساخر بالموضة اللغوية يمثلان واحدًا من أبرز الموضوعات في مسرحية «الحب مجهود ضائع»، حيث يستعرض شكسبير براعته اللغوية ويحقر من شأنها في آنٍ واحد.

ولذلك، ينبغي أن يكون تقييم إسهام شكسبير في اللغة نوعيًّا لا كَميًّا؛ فإذا كان عدد الكلمات التي سكَّها شكسبير وحجم مفرداته أقل مما شاع في السابق، فإن أثره ما برح قائمًا. لكن حري بنا أن نتذكر أن الدراسات اللغوية أثبتت أن شكسبير — الذي لا يتعدى على أية حال كونه خريج مدرسة قواعد لغوية تعلم اللغة بعيدًا عن الأشكال الأكثر تنظيمًا لإنجليزية لندن — «مال إلى التخلف عن التغيير في القواعد اللغوية.» إن لغة شكسبير، التي هي أبعد ما تكون عن احتلال طليعة الابتكار اللغوي دائمًا، ربما وجدتها الجماهير الأولى للمسرح عتيقة بعض الشيء، حتى على ابتكارها الذي لا ينتهي.3

هوامش

(1) David Crystal, Think on my Words: Exploring Shakespeare’s Language (Cambridge: Cambridge University Press, 2008), pp. 2-3.
(2) The list is under ‘Additional Material’ at www.thinkonmywords.com.
(3) Jonathan Hope, “Shakespeare’s ‘Natiue English’,” in David Scott Kastan (ed.), A Companion to Shakespeare (Oxford: Blackwell, 1999), p. 253.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١