الخرافة الخامسة والعشرون

لعب ممثلون صبية أدوارَ النساء
في عام ١٦٠٢، أعلن ريتشارد فينار عن عرض ترفيهي باذخ بمسرح سوان. كان من المقرر أن تتضمن مسرحية «فرحة إنجلترا» تصويرًا لهزيمة الأسطول الإسباني في تمثيل رمزي ﻟ «بلجيا» كسيدة جميلة فاتنة تركها في «الأسر المؤسف» اسبين المعتدي عليها المستبد، و«ألعابًا نارية غريبة» من تحت خشبة المسرح. وعلاوة على عوامل الجذب هذه، فقد شاع على نطاق واسع أن هذه المسرحية سيؤديها «نبلاء ونبيلات بأعينهم».1 ويبدو أن احتمالية تمثيل نساء راقيات بالمجتمع، كاللوحات الوطنية والألعاب النارية، كانت عامل جذب عظيم للجمهور الإليزابيثي. ومن سوء طالع المشاهدين الذين اجتمعوا في مسرح سوان أن المسألة كلها كانت خدعة؛ فقد استولى فينار على أموالهم ولم يكن ضمن العرض أية ألعاب نارية، ولا متعة، وبالطبع لا نساء يلعبن أدوارًا بالمسرحية.
لأسباب تاريخية من الصعب الكشف عنها، كان المسرح الإنجليزي مجالًا ذكوريًّا بالكامل. فما من نساء مثَّلن في مسرحيات شكسبير ومعاصريه؛ ومن ثم فقد لعب جميع أدوار الإناث ممثلون ذكور. لكن هذه لم تكن الحال في أوروبا القاريَّة. عندما سافر توماس كوريات إلى البندقية، وصف ظاهرة رؤية الممثلات الجديدة: «رأيت نساء يُمثلن، وهو أمر لم أَرَهُ من قبل، ولو أنني سمعت باعتماده أحيانًا في لندن، وأنهن لعبن أدوارهن بالقدر نفسه من البهاء والبراعة والسلاسة وغير ذلك من الصفات التي يتعين أن يتسم بها أي ممثل، الذي رأيته عند أي ممثل ذَكَر من قبل.»2 إن إشارة كوريات إلى أن النساء مثَّلن في لندن مثيرة، لكننا لا نملك أية معلومات أخرى. من المحتمل وحسب أنه يومئ إلى مسرحية «فرحة إنجلترا» الأسطورية. والأكثر إثارة في هذا السياق أن تجربة رؤية نساء يمثلن أدوارًا نسائية بالنسبة لكوريات ليست كاشفة؛ فنبرة المفاجأة الطفيفة في كلامه تشي بأنهن كن بارعات براعة الرجال، لا، كما يجوز أن نتوقع أنهن كُنَّ أكثر إقناعًا — بصفتهن نساء — من الرجال الذين لعبوا أدوار النساء. ويمنحنا تعليق كوريات على المسرح الفينيسيِّ طريقة للتفكير في النجاح الذي ناله المسرح الذي يرتدي فيه الممثلون ملابس الجنس الآخر، الذي كتب شكسبير مسرحياته له، وفيه يحاكي «الممثل» «الرقة والتصرفات والإيماءات» الأنثوية ببراعة.
ولا تحوم الشكوك حول مسألة أن الشخصيات الأنثوية في مسرحياته لعبها ممثلون، لكن الأكثر إثارة للجدل؛ أولًا: مسألة عُمر هؤلاء الممثلين، وثانيًّا: الأثر الدرامي للتغاير اللباسي المسرحي هذا. توحي عبارتنا الشهيرة «ممثلون صبية» بوجود ممثلين صغار لم تَخْشَوْشِنْ أصواتُهم بعد. وكثير من التلميحات في مسرحيات شكسبير توحي بأن الأصوات الحادة مثلت أدوار النساء: يخبر أورسينو سيساريو أن «صوتك الناعم / أشبه بصوت فتاة / حادٍّ وعالٍ» («الليلة الثانية عشرة»، الفصل الأول، المشهد الرابع، البيتان ٣٢-٣٣). ويلقي هاملت التحية على الممثلين في إلسينور بعاطفة خاصة «مرحبًا سيدتي وصديقتي الشابة … أتمنى أن صوتك لم يتغير بعد» («هاملت»، الفصل الثاني، المشهد الثاني، الأبيات ٤٢٦–٤٣١). ولكن، كان من الصعب أحيانًا على قراء العصر الحديث تخيل أن يتحلى هؤلاء الممثلون الذي هم في مقتبل مرحلة البلوغ بالنضج والجاذبية التي تمكنهم مثلًا من أداء دور كليوباترا. تفصح جانيت سوزمان التي لعبت دور كليوباترا تحت إشراف المخرج تريفور نان في نسخة تم تصويرها للشاشة الفضية عام ١٩٧٤، عن هذه الريبة إذ تقول: «أرى أنه من الصعب أن أصدق أن شكسبير كتب (كليوباترا) لأجل صبي … ولا بد أن هناك مغنية أولى ضمن فرقته تلعب أدوار النساء. يستحيل أن يكون صبي هو الذي لعب هذا الدور.»3
ومن ناحية أخرى، يمنحنا الدليل القائم من الحقبة التالية للفترة التي كان شكسبير يؤلف فيها مسرحياته اقتراحًا مفاده أن الممثلين الذين يلعبون أدوار النساء كانوا مراهقين عادةً تقل أعمارهم عن ٢١ سنة.4 ومن بين المفارقات الطريفة للنقاشات الدائرة حول المسرح في بدايات العصر الحديث أن أغلب الأدلة التي لدينا عن الممارسات المسرحية مستقاة مِن أكثر مَن ذَمُّوا في المسرح أخلاقيًّا. وقسم كبير من الاستنكار الموجه للمسرح في تلك الحقبة ينصب على أداء الممثلين أدوار النساء. كتب عالم اللاهوت بمدينة أكسفورد، جون راينولدز، عام ١٥٩٩ أن «كل الرجال الذين يلبسون لباس النساء ملعونون»، وتشدد حجته المضادة المناهضة للمسرح على الممثلين الشباب الذين يرتدون ملابس النساء. يقترح المؤلف المسرحي توماس هيوود مدافعًا عن المسرح ضد هذه الهجمات أيضًا أن أدوار النساء يلعبها حقًّا ممثلون ذكور أصغر سنًّا، لكنه يحاول التمييز ما بين ارتداء ملابس الجنس الآخر داخل المسرح وخارجه، فيقول: «ولا أعتبر أنه من القانوني خداع أعين العالم بالخلط ما بين أشكال الجنسيْن، بإبقاء أي شاب على هيئة عذراء، أو أية عذراء على هيئة فتًى، لحجبهم عن أعين آبائهم أو معلميهم أو الأوصياء عليهم، أو لغير ذلك من النوايا الشريرة أيًّا كانت. ولكن، عندما نرى شبابنا يرتدون لباس النساء، فمن ذا الذي لا يعرف نواياهم»5 ولأنه لا توجد «نية شريرة» باطنها الخداع، يحتج هيوود بأن الممثلين الذكور الذين يلبسون لباس النساء تقليد مسرحي مفهوم خارج سياق المعايير الأخلاقية لبقية المجتمع.
وعلى ذلك، فالدليل القائم يماهي ما بين «شباب الرجال» و«الصبية» و«الشباب» باعتبارهم الممثلين الذين من الأرجح أن يلعبوا أدوار النساء، والمسميات السابقة توحي بنطاق من الأعمال يمتد من الطفولة حتى النضج. ولعل فترة المراهقة المبكرة، بما في ذلك تغير الصوت عند البلوغ، ربما كانت أكثر شيوعًا في إنجلترا في أوائل العصر الحديث مما هي عليه الآن. يفترض أحد الكتب الطبية الأكاديمية أن الصبية «يُرجَّح تغير أصواتهم إذ يبلغون من العمر ١٤ عامًا تقريبًا»، ولكنَّ هناك دليلًا على نضج لاحق بين طلاب مدارس الجوقات حيث يظل الصوت الحاد حتى عمر ١٧ أو ١٨ عامًا.6 ويبين ديفيد كاثمان أن الممثلين الذين أدوا أدوار النساء في مسرحية شاكرلي مارميون «حصار هولندا» (١٦٣١) ومسرحية ماسينجر «الممثل الروماني» (عُرِضَت على المسرح عام ١٦٢٦) كانوا جميعًا مراهقين تتراوح أعمارهم بين ١٣ و١٧ عامًا إبان أدائهم للمسرحيتيْن.7 وربما بلغ عمر الممثل ريتشارد شارب الذي لعب دور أول دوقة لمالفي في مسرحية ويبستر ما بين السابعة عشرة والحادية والعشرين، وارتقى بعدها لأداء أدوار الذكور مع الفرقة. ويثبت لنا تمحيص كاثمان الشمولي لأسماء الممثلين خلال الفترة ووصولًا إلى إغلاق المسارح أن المشاركين الذكور الناضجين (مالكي الحصص) في الفرق المسرحية لم يلعبوا قط، على قدر معرفتنا، أدوارًا للنساء، وأن الرجال الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين الثالثة عشرة والحادية والعشرين هم الذين تولوا هذه الأدوار. ويوضح كاثمان أن كلمة «صبي» تعني أيضًا «مُتدرب»، وعليه ربما تكون هناك حاجة إلى النظر إلى اصطلاح «صبي» في سياق مؤسسي — أي إن هؤلاء كانوا متدربين مسرحيين — لا في سياق يرتبط بالعمر وحده.

هناك دليل آخر على أن الممثلين الشباب كانوا بارعين ومشهورين جدًّا؛ فقرابة نهاية القرن السابع عشر، كان أكبر تهديد تجاري وفني لفرقة «رجال تشامبرلين» هو فِرَق الصبية المسرحية المُشَكَّلَة حديثًا: كان تقرير روزنكرينتس الذي مفاده أن «ثمة مجموعة من الأطفال، الأفراخ الصغار، الذين يجأرون بما يحفظون عن ظهر قلب، ويتلقون ثناءً عظيمًا على ذلك. هؤلاء هم الصرعة حاليًّا.» (الفصل الثاني، المشهد الثاني، الأبيات ٢٤٠–٢٤٢) من الموضوعات الجارية حينئذ. أحرزت فرق الممثلين الذكور المراهقين نجاحًا مدويًّا؛ حيث أدوا مسرحيات معقدة، وعادة بذيئة أو ساخرة، دون مشاركين راشدين على الإطلاق، وكتب لهم مؤلفون مسرحيون بارزون أمثال بِن جونسون وتوماس ميدلتون وجون مارستون وجورج شابمان.

كتب شكسبير، باعتباره المؤلف المسرحي المقيم لفرقة مسرحية راسخة ومستقرة، بعين حريصة على الموارد البشرية المتاحة لمسرحياته؛ فجميع مسرحياته تقريبًا تقتضي وجود ما بين ممثليْن اثنين وأربعة ممثلين في أدوار نسائية. مسرحية «جعجعة بلا طِحْن» التي تلتقي فيها جماعة من أربع سيدات بينما تتعرض بياتريس للخديعة في المشهد الأول من الفصل الثالث، استثناء لهذه القاعدة. ويفترض ستانلي ويلز أن قلق شكسبير من نفاد الممثلين المناسبين جعله يفكك خطته الأصلية من أجل شخصية أنثوية إضافية في المسرحية، ألا وهي إنوجين والدة هيرو (يظهر اسمها في زوج من الإرشادات المسرحية رغم أنها لا تتكلم، وعادة ما يحذفها المحررون باعتبارها خطأ في الصياغة: أعاد إنتاج جوزي رورك للمسرحية عام ٢٠١١ تقديم الشخصية، وأعطاها الأبيات التي يخصصها شكسبير لأنطونيو). ويفترض ويلز أن غياب الأمهات الملحوظ في مسرحيات شكسبير (فأين الملكة لير أو الدوقة بروسبيرو أو فريدريك أو سينيور أو السيدة إيجويس؟ ولننظر ما حدث لثايسا وهيرميون بعد أن أنجبتا في «بريكليس» و«حكاية الشتاء») قد تكون له أسباب مسرحية عملية، لا اجتماعية.8 وإذا كان على صواب بشأن إينوجين، فلا بد إذًا أن المزيد من الصبية كانوا متاحين لمسرحية «الحب مجهود ضائع» (صفحات تحتوي على أربع سيدات وصبيين اثنين تُؤَدَّى على خشبة المسرح في المشهد الأخير).
ويوحي دفاع هيوود المنطقي عن ممارسة ارتداء ملابس الجنس الآخر في المسرح على أنها يجب أن تُفْهَم بوصفها تقليدًا: جزءًا من الإيهام في المسرح. لكن حبكات شكسبير كثيرًا ما تبدو وكأنها تغيظنا بمعرفة الممثل الذكر المستتر وراء ملابس النساء، ولا سيما عبر أداة الحبكة الشائعة الممثلة في شخصيات نسائية تتنكر في هيئة رجال. عندما تتنكر روزاليند في مسرحية «كما تشاء» في هيئة رجل يُدعى جانيميد في غابة الأردين (وكان هذا الاسم يرتبط بروابط وثيقة بالمثلية الجنسية الذكورية)، نجد العديد من النكات حول موقفه/موقفها الجنسي الغامض. في نهاية المشهد الذي تتزوج فيه روزاليند — المتنكرة في هيئة جانيميد والمتظاهرة بأنها روزاليند — مِنْ أورلاندو زواجًا زائفًا، تُعنفها سيليا قائلة: «يتعين علينا نزع ملابسك الرجالية عنكِ لنُري العالم كيف أساءت تلك المرأة لبنات جنسها.» (الفصل الرابع، المشهد الأول، الأبيات ١٩٢–١٩٤). وبداخل الجانب الخيالي للمسرحية، ما يستقر وراء الملابس جسد أنثى، ولكن داخل المسرح؟ للمزحة، المستخلصة مباشرة من رواية توماس لودج الرومانسية النثرية التي يستعين بها شكسبير مَصْدَرًا لمسرحيته، صدًى مزدوج على خشبة المسرح ذات الممثلين الميالين لارتداء ملابس الجنس الآخر. وكبطلات شكسبير الأخريات اللائي يرتدين ملابس رجالية (فيولا في مسرحية «الليلة الثانية عشرة» وجوليا في مسرحية «السيدان الفيرونيان»)، ليس من الواضح تمامًا ما إذا كانت روزاليند ستظهر مجددًا مرتدية لباسها الأنثوي بنهاية المسرحية، ولو أن أغلب الإنتاجات الحديثة للمسرحية تُظهرها كذلك. لكن خاتمتها تثير الجمهور بالجاذبية الجنسية المزدوجة للرجل–المرأة (التي تجعل جون رينولدز المسكين يُهْرَع طلبًا للإفاقة): «لو كنتُ امرأة لقَبَّلت أكبر عدد منكم ممن لهم لحًى …» (الفصل الخامس، المشهد الرابع، الأبيات ٢١٢–٢١٤). تلعب مقالة ستيفن أورجل العبثية «لا أحد مثالي، أو لِمَ أَحَلَّ مسرح عصر النهضة الإنجليزي الصبية محل النساء؟» على وتر السطر الأخير الغامض من فيلم بيلي وايلدر الكوميدي الذي يستند إلى فكرة تبادُل الملبس بين الجنسين «البعض يفضلونها ساخنة» (١٩٥٩): وخاتمة روزاليند، شأنها شأن الفيلم (الذي ينتهي باجتماع شمل زوج من متغايري الجنس، وهما جو وشوجار، وقَبول أوزجود رابط الجأش كما هو واضح ﻟ «دافني» العملية الطابع)، لا يضع نهاية حاسمة للجنسانية «غير المألوفة» المُشار إليها بارتداء لباس الجنس الآخر.9

لم يكن الأثر المسرحيُّ للممثلين الذكور الذين يلعبون أدوار النساء محايدًا إذًا. ولم تكن المسرحيات عينها ولا القادحون الأخلاقيون فيها ينكرون الإيحاءات الإيروتيكية للممثل الذي يرتدي لباس أنثى، وكثيرًا ما يضيف شكسبير إلى هذا في مسرحياته الكوميدية، بتضمين تنكر بلباس الجنس الآخر في حبكاته. صاغ الشاعر والناقد صامويل تايلور كولريدج فكرة «التعليق الإرادي للشك» بوصفه وسيلة لتعريف العقد الضمني المبرم بين القارئ أو المشاهد والعناصر اللاواقعية في الأدب، ولكن رغم أن فكرة كولريدج مستعملة في بعض الأحيان في المسرح الشكسبيريِّ، فهي ليست ملائمة بالكامل؛ فمن الصعب أن نُعَلِّق شَكَّنا في أنوثة فيولا في مسرحية «الليلة الثانية عشرة» إذ تظل الحبكة تثير الانتباه إلى الجنس كشكل من أشكال الأداء المسرحي، بالضبط كما يثير إعراض فرانسيس فلوت عن لعب دور شخصية ثيسبي الأنثى في المسرحية المتضمنة داخل مسرحية «حلم ليلة منتصف صيف» انتباهنا للممثلين الذكور الذين يلعبون أدوار هيلينا وهيرميا وهيبوليتا وتيتانيا في المسرحية «الأساسية». وبدلًا من فكرة «تعليق الشك» يبدو أن المسرحيات بحاجة إلى نوع من التآمر من الجماهير المستعدة للتبديل ما بين الإغراق في الخيال الذي تطرحه المسرحية، ومزيد من دراية الوعي الذاتي بأساسها المادي في المسرح. وفي المقابل، استخدم أحد المشاهدين، واصفًا موت ديدمونة المؤثر في إنتاج مسرحي أكسفوردي، الضمير المؤنث دون تردد؛ فجنس الشخصية وجنس الممثل يمكن الظن بأنهما متمايزان.

ولعل كليوباترا تعطينا النسخة الأكثر تطرفًا لهذا الوعي بالجنس المسرحي؛ ففي نهاية مسرحية «أنطونيو وكليوباترا»، تتخيل كليوباترا العار الذي سيلحق بها إذا وقعت أسيرة لقيصر بكلمات انعكاسية ذاتيًّا على نحو صارخ:

سيمثل الممثلون الهزليون المتهورون
أدوارنا بارتجال، وسيصورون
الاحتفاليات التي كنا نقيمها بالإسكندرية.
وسيظهر أنطونيو في هيئة سكير مخمور،
وسأرى فتًى ما حادَّ نَبْرةِ الصوت،
يلعب دور كليوباترا وكأنني عاهرة.
(الفصل الخامس، المشهد الثاني، الأبيات ٢١٢–٢١٧)

الخوف من تشخيص قاصر باستخدام «صبي» هو تلميح جريء لدهاء التمثيل المسرحي؛ في المسرح الجيكوبيِّ، يمثل دور كليوباترا صبي بالفعل. إن قدرة الأداء المسرحي على تعزيز هذه اللحظة الكاشفة الدانية جدًّا من مأساة كليوباترا الأخيرة توحي بشيء من الدقة والإحكام اللذين يمكن أن يتوقعهما شكسبير من الممثلين الشباب الذين يلعبون أدوار النساء.

وعلى ذلك، فقد كتب شكسبير أدوار النساء في مسرحياته ليلعبها ممثلون ذكور صغار. ولكن بعد أن افتتحت المسارح مجددًا بعد فجوة الحكم الكرومويليِّ (١٦٤٢–١٦٦٠)، وشرعت النساء في التمثيل علنًا لأول مرة، كانت أدوار شكسبير المكتوبة للنساء، ولا سيما أدوار ما يُسَمَّى «السراويل القصيرة»، أو أدوار ألبسة الجنس الآخر التي سمحت للنساء بالكشف عن سيقانهن على خشبة المسرح، عاملًا أساسيًّا في إحياء المسرحيات: كانت أولى المسرحيات الكوميدية التي تُعْرَض مجددًا هي مسرحية «الليلة الثانية عشرة». ولكنها علامة على إمكانية تكرار أعمال شكسبير أن أدوار النساء لعبها طوال قرون ممثلات تقمصنها برقة النساء الحقيقيات وتصرفاتهن وإيماءاتهن. تقول هارييت وولتر التي تُعَدِّد أدوار كليوباترا وبياتريس («جعجعة بلا طِحْن») وزوجة ماكبث وفيولا وإينوجين («سيمبلين») وغيرها من الأدوار: «إن شعر شكسبير مشحون بقدر ما هو بديع، وعمقه العاطفي رائع، حتى فكاهته أكثر إبداعًا، وسيكولوجيته معقدة في شخصيات الإناث والذكور بالقدر نفسه.» ولو أنها تضيف قائلة: «أرى أنه من المثير للفضول أن أعتقد، وأنا الممثلة الحديثة، أن فرصي في المخزون الأدبي الشكسبيري تحددت بقيود جيليْن أو ثلاثة من الممثلين الصبية الإليزابيثيين أو بتميزهم.»10

هوامش

(1) John Chamberlain, The Letters of John Chamberlain, ed. Norman Egbert McClure (Philadelphia: American Philosophical Society, 1939), vol. 1, p. 172.
(2) A full text of Coryate’s Crudities is available at www.archive.org.
(3) Quoted by Marvin Rosenberg in his “The Myth of Shakespeare’s Squeaking Boy Actor – or Who Played Cleopatra?”, Shakespeare Bulletin, 19 (2001), p. 5.
(4) David Kathman, “How Old Were Shakespeare’s Boy Actors?”, Shakespeare Survey, 58 (2005), pp. 220–46 (p. 221).
(5) Tanya Pollard, Shakespeare’s Theater: A Sourcebook (Oxford: Blackwell Publishing, 2004), p. 226.
(6) The Problems of Aristotle (1595), quoted in Kathman, “How Old Were Shakespeare’s Boy Actors?”, p. 222.
(7) Kathman, “How Old Were Shakespeare’s Boy Actors?”, pp. 224-5.
(8) Stanley Wells, “Boys Should Be Girls: Shakespeare’s Female Roles and the Boy Players,” New Theatre Quarterly, 25 (2009), pp. 172–7 (p. 175).
(9) Stephen Orgel, “Nobody’s Perfect; or, Why Did the English Renaissance Stage Take Boys for Women?”, South Atlantic Quarterly, 88 (1989), pp. 7–29.
(10) Carol Rutter, Clamorous Voices: Shakespeare’s Women Today (London: The Women’s Press, 1988), p. xxiv.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١