الخرافة السابعة

كان شكسبير كاثوليكيًّا
من الواضح أن مراقب مطبوعات القرن السابع عشر بكلية القديس ألبان الإنجليزية اليسوعية في مدينة بلد الوليد الإسبانية يُسارع بالعمل على جَعْل النسخة المكتبية لأعمال شكسبير الكاملة مقبولةً للطلبة اللاهوتيين. ويتمثل عمله هذا، إلى حدٍّ بعيد، في حذف الفِقْرات غير اللائقة من مُتون المسرحيات، ولا سيما الأسطر المتعلقة بالفُكاهة الداعِرة، والأجزاء التي بدا أنها تتعامل باستخفاف مع العقيدة الكاثوليكية، مثل اعتبار روزاليند أن «تقبيل أورلاندو يفوح قداسة تُضارِع قداسة مَسِّ الخُبْز المُقَدَّس» («كما تشاء»، الفصل الثالث، المشهد الرابع، البيتان ١٢-١٣)، أو على نحو أكثر أهمية، سوء الأدب البادي تجاه المبعوث البابوي باندولف في مسرحية «الملك جون». ومع ذلك، إذا نظرنا إلى مسرحية «العين بالعين»، لم يكن في المستطاع تلطيف قصة شكسبير سيئة السمعة عن الجنس والقهر التي تلعب بطولتها راهبة مبتدئة وراهب متنكر غامض أخلاقيًّا، أو تحسينها على هذا النحو؛ فما كان إلا أن مُزِّقت الصفحات الاثنتا عشرة، على سبيل التلخيص، من المجلد. من المفترض أن هذا القارئ الكاثوليكي ربما كان من شأنه أن يُصْدَم لو أنه طالع تفسير الناقد جي ويلسون نايت ﻟ «مناخ المسيحية المُتَفَشِّي» في هذه المسرحية ذات الإشكالية الدينية. من وجهة نظر نايت، ما يتمتع به الدوق من «بصيرة بشرية مستنيرة وخُلُق مسيحي» هو «متوافق تمامًا وما يتمتع به المسيح»، وتتعين قراءة المسرحية بصفتها قصة أو حكاية رمزية دينية ذات مغزًى أخلاقي.1 لا شك أن مسرحية ويلسون نايت، بعيدًا عن مسألة الانتزاع من المجلد، كان يجب أن تكون قراءة ضرورية لطلاب القديس ألبان اللاهوتيين.
إن وجهات النظر المتناقضة هذه عن مسرحية «العين بالعين» تعطينا لمحة عن نطاق التفسيرات الدينية التي يمكن استخلاصها من مسرحيات شكسبير، وربما توحي أيضًا بأن ديانة مسرحيات شكسبير تتشكل إلى حدٍّ بعيد بعين الناظر إليها. وحقيقة الأمر أن جانبًا كبيرًا من النقاشات المتعلقة بالعقيدة في حياة شكسبير وأعماله كانت متحيزة مذهبيًّا ومتأثرة بدوافع أيديولوجيَّة، فأفصحت لنا بقدر كبير عن المتمسكين بها — من المتدينين والعلمانيين — بقدر ما أفصحت عن غايتها. لكن المسائل المتعلقة بالانتماءات الدينية لشكسبير نفسه دَلَفَت إلى التيار الرئيس لسير الحياة والنقد على مدار العقدين الماضيين، فنتج عن ذلك الآن، كما أَقَرَّت ديمبنا كالاهان (وهي ليست بالناقدة الدينية المتحيزة)، أن «الفرضية التي طالما طُرحت حول اعتبار شكسبير شاعرًا بروتستانتيًّا قوميًّا ربما كانت غير دقيقة بالمرة».2
شاعت على مدى قرون افتراضات بأن شكسبير نفسه احتفظ بولائه للديانة الكاثوليكية القديمة بعد حركة الإصلاح. وكثيرًا ما يُسْتَشْهَد بثلاث حجج: أما الحجة الأولى فهي وصية والد شكسبير الرُّوحية التي عَثَرَ عليها عاملون في منتصف القرن الثامن عشر في العَوارِض الخشبية للبيت الواقع في شارع هينلي بستراتفورد، واطلع عليها إدموند مالون، الذي درس حياة شكسبير، ثم ضاعت. شك مالون لاحقًا أنها وصية زائفة، وتوحي تقويمات الدليل الحديثة الأكثر اتزانًا التي قدمها روبرت بيرمان، أمين وثائق «مركز شكسبير»، بأنَّ مالون ربما كان على حق في شكوكه. يصف كولين بارو الأمر بكلمات جافة على نحو مميز: «ربما كان شكسبير كاثوليكيًّا، وربما لم يكن، لكن بصفة عامة إذا كانت هناك وثيقة تبدو جيدة بقدر لا يستقيم معه أن تكون صادقة، عُثِرَ عليها تحديدًا في المكان الذي يَعْقِد الإنسان الآمال على عثوره عليها فيه، ثم تختفي في ظروف غامضة، فهي بالفعل جيدة بقدر غير منطقي لا يستقيم معه أن تكون صادقة.»3 في هذه الوصية الضائعة، يدعو جون شكسبير «مريم العذراء الجَلِيلة، أم الإله، ملاذ الخطَّائين ونصيرتهم» أن تكون «مُخَلِّصَته»، ويُقْسِم بالولاء الأَبَدي للعقيدة التقليدية. إذا كانت الوصية مزورة، فقد كانت عالمة بالغيب؛ فعند اكتشافها لم يكن لها مثيل معروف، ولكن في القرن العشرين عُثِرَ على نسخ أخرى من وثائق شبيهة، بما يوحي بأن هذه الوثيقة — إذا كان لها وجود حقًّا — استندت إلى قالَب ربما جلبته إلى إنجلترا بعثة إدموند كامبيون اليسوعية عام ١٥٨٠. ولقد بدا أن هذا الإعلان عن الإيمان الكاثوليكي أَكَّدَ أن الغرامات التي تكبدَّها جون شكسبير لإعراضه عن الحضور إلى الكنيسة عام ١٥٩٢ كانت مؤشرًا على مقاومة مذهبية للديانة الإصلاحية. والتفسير البديل مفاده أن الظروف المادية لوالد شكسبير كانت متأزمة جدًّا حتى إنه كان يَتَمَلَّص من دائنيه، ويحتج أنصار النظرية الكاثوليكية بأن الدَّيْن كان عذرًا شائعًا للعازفين من الكاثوليكيين عن الحضور إلى الكنيسة. وعلاوة على ذلك، فشأنه شأن غيره من العصاة، كان جون شكسبير يحاول إخفاء ثروته ليحفظها من مصادرة السلطات لها، وأن أزماته المالية الظاهرة كانت في واقع الأمر مَحْضَ حيلة. وحقيقة أن سوزانا، ابنة شكسبير المفضلة، غُرِّمَت هي الأخرى عام ١٦٠٦، يبدو أنها تؤكد انتماءات العائلة. ومن المثير للانتباه أن شكسبير نفسه لم يُغَرَّم قَطُّ بسبب عصيانه.
أما افتراض أن شكسبير هو «ويليام شيكسشافت» الذي وُصِفَ ﺑ «الممثل»، أو ربما الذي عَمِلَ مُعلِّمًا ومُلْحقًا بأسرة هوتون اللانكسترية (الكاثوليكية) الرافضة للطقوس الكنسية خلال ثمانينيات القرن السادس عشر فهو نمط ثالث من الحجج، ولو أنه يجب الإقرار بأنه ما من نسخة من تنويعات اسم شكسبير تشبه من قريب أو بعيد اسم «شيكسشافت» الذي لم يكن اسمًا عائليًّا شماليًّا مغمورًا. يتخيله ستيفن جرينبلات وهو يلتقي المبشر اليسوعي إدموند كامبيون: «كان من شأن شكسبير أن يجد كامبيون مدهشًا … ولو كان المراهق ركع أمامه، فلا بد أنه كان ينظر إلى صورة مشوهة لنفسه»: إنه سيناريو مستبعد، على جاذبيته، بما أننا لسنا على يقين قط من أن شكسبير كان في لانكشير، ولسنا متأكدين حتى من أنه التقى كامبيون في ذاك التاريخ.4 ولكن ربما رَوَّجَ جون كوتوم، أستاذ شكسبير — الذي كان يرتبط بصلات قوية بالمنطقة، وتقاليد رفض الطقوس الكنسية — إلى وجود صلة بحركة العصيان الديني الشمالي، وأن طبقة النبلاء الكاثوليكيين المحلية، بالمقابل، ربما مَهَّدَت الطريق لشكسبير لأول عمل تمثيلي له مع «رجال سترينج» الذين كانت تربطهم علاقات أيضًا بآل هوتون، كلُّ هذه أمور مثيرة للريبة، لكنها، مع ذلك، تَتَّكِئُ على سلاسل من الافتراضات غير المؤكدة.5 وكون هذه النظرية بكاملها أُعِيدَ إحياؤها من علماء حريصين على إقحام لانكشير في خطوط الرحلات الأكاديمية والسياحية لا يضيف بالضرورة أي شيء إلى مزاعمها.
ولأن الكاثوليكية كانت خطرة في أواخر القرن السادس عشر — بعد الحرمان الكَنَسي للملكة إليزابيث على يد البابا بيوس الخامس عام ١٥٧٠، أمسى الكاثوليكيون العدو الخَطِر بالداخل، وأصبحوا عرضة للقمع العنيف — فقد كانت فكرة أن أفكارها وصورها المجازية مستترة في مسرحيات شكسبير جذابة. لقد استند كتاب «خيال الظِّلِّ: الاعتقادات الخفيَّة والآراء السياسية المُرَمَّزة لويليام شكسبير»، لمؤلفته كلير أسكويث، أصلًا إلى ملاحظة كاتبته عن الحرب الباردة؛ إذ تحدثت عن «اللغة المزدوجة الماكرة، والهُوِيَّات الخفية المُوَظَّفَة في كتابات المنشقين الروس». وتصف أسكويث مَسْرَدها من «المصطلحات المُرَمَّزَة» بأنه «نقطة دخول إلى لغة منسية منذ زمن سحيق وتكاد تكون أجنبية» للمذهب الكاثوليكي المُشَفَّر في أعمال شكسبير؛ فهرقل «صورة مفضَّلة للمقاومة المناوئة للإصلاح»، والوردة الحمراء «صورة تخدم كل الأغراض، لكنها تُوَظَّف تحديدًا من جانب الكاثوليكيين في إشارةٍ إلى الديانة القديمة الجميلة»، و«العاصفة» صورة لحركة الإصلاح، ووضع مسرحية «العاصفة» في بداية الأعمال الكاملة الأولى «يوفر عنوانًا فرعيًّا للكتاب، باعتباره مشحونًا سياسيًّا كما قد يفعل «البرق» أو «الأزمات» للقارئ الحداثي.»6 وكما هو حال جميع الرموز، من الممكن جدًّا أن يكون المرء مرتابًا: الورود الحمراء في مسرحيات شكسبير التاريخية مُشَفَّرَة بالفعل بانتماء سياسي، لا ديني، كما في مشهد «بستان المعبد» بين أنصار عائلتي يورك ولانكستر في الجزء الأول من مسرحية «هنري الرابع»، وكما نعرف فإن «ما نسميه وردة / ستظل رائحته عطرة حتى لو تغير اسمه» («روميو وجولييت» الفصل الثاني، المشهد الأول، البيتان ٨٥–٨٦). ورغم أن نظريات أسكويث لا تتمادى كثيرًا إلى الحد الذي يبلغه علم فك الرموز السرية البيكوني (طالع الخرافة الثلاثين)، فهي تشارك مؤلفتها أعداء ستراتفورد ضربًا من البراعة المبالغ فيها، وإحساسًا بأن النص الأدبي هو شفرة يتعين فك رموزها، لا قصيدة تقبل العديد من القراءات. تَصْطَفُّ فرضية ريتشارد ويلسون، في كتابه «شكسبير السرِّيُّ» إلى جانب هذه الفكرة، لكنها مختلفة؛ فهو يدَّعي أن شكسبير، بعدم مشاركته صراحةً في الجدل الديني المعاصر، يَخْلُق «دراما من الصمت»: يخمن ويلسون أن «موهبة شكسبير التي لا حدود لها في الوُلُوج إلى وعي الآخرين كانت وظيفة أساسية … لأعظم فعل لتعبير إنجلترا الكاثوليكية الباطني عن نسيان الذات.»7 وكما لاحظ جيري تايلور عن الخفاء الشخصي لشكسبير في مسرحياته، «ربما أن هناك العديد من الدوافع لهذا المحو للذات؛ فأي فعل غريب جدًّا وممتد لفترة طويلة، لا بد وأن يكون محكومًا بعوامل عديدة. لكن الرغبة في حماية ذاتك من «الذين ينتزعون قلب سرك»، ربما تكون مفهومة لدى أنصار ديانة عرَّفها القانون بأنها خيانة.»8
إن تحفظ شكسبير الواضح بشأن الموضوعات الدينية في كتاباته ملحوظ أيضًا؛ فهو لا يكتب أشعارًا دينية (اللهم إلا إذا ارْتَأَيْت أن قصيدته المبهمة «العَنْقاء والسُّلَحْفاة» هي قُدَّاس كاثوليكي مشفر. وهي حقًّا واحدة من أكثر ما كتبه شكسبير غموضًا على الإطلاق). حيثما عالج شكسبير موضوعات وشخصيات دينية بدت غاياته مسرحية على نحو واضح جدًّا، لا مذهبية؛ فمن الصعب أن نُحَوِّل الراهب الأخرق في «روميو وجولييت»، ونظيره الأكثر سَطْوَة في «جعجعة بلا طِحْن»، أو الأصداء المريمية المحتملة ﻟ «تمثال» هيرميون الحي بنهاية مسرحية «حكاية الشتاء»، أو الموقف من «السلطة المُغتصَبة» للبابا و«التلاعب بالشعوذة» (الفصل الثالث، المشهد الأول، البيتان ٨٦ و٩٥) في مسرحية «الملك جون»، إلى تعبير مُتَجانِس عن المعتقدات الدينية للمؤلف ذاته. إن هذه الإشارات إلى الكاثوليكية تؤدي مهمة مسرحية، لا دينية، حيث اضْطَلَعَ المسرح العلمانيُّ على نحو متزايد ببعض المهمات الاجتماعية للعرض والطقس الجمعيَّيْن المرتبطَيْن بالديانة التقليدية، إلى جانب ما يرتبط بها من أَرْدِية (كثيرًا ما اشترتها الفرق المسرحية بوصفها أدوات مساعدة)، لكنه أحدث تَحَوُّلًا في محتواها الرُّوحاني.9
وكما هو حال القراءات البيوجرافية الأخرى للمسرحيات التي تناقشها خرافاتنا (الخرافات العاشرة والثانية عشرة والثامنة عشرة)، تميل محاولات استنتاج عقيدة شكسبير من كتاباته إلى تشكيل مجموعة المواد الفنية على نحو انتقائي بحيث تناسب أجندتها المحددة. ومسرحية «هاملت» مثال يستحق الدراسة؛ فمن الواضح أن شكسبير يحاول في هذه المسرحية أن يرسم مجموعة من العلاقات الدينية، لا أن يدعم أي موقف بعينه؛ فهاملت طالب بمدينة فيتنبرج المرتبطة بقوة بالمُصْلِح مارتن لوثر (وكذلك بسلف هاملت على خشبة المسرح المُناوِئ بشدة للكاثوليكية، «دكتور فاوست» لكريستوفر مارلو). ويصف هاملت بكلمات بروتستانتية تقليدية الموت باعتباره «بلدًا لم يُكْتَشَف بعد، لا ينفلت من حدوده مسافر» (الفصل الثالث، المشهد الأول، البيتان ٨١-٨٢)، لكنه واجه بنفسه شبح والده الكاثوليكي على نحو مميز، عائدًا من المطهر الكاثوليكي على نحو جلي «مُقدر له أن يجوب الأرض ليلًا لفترة من الزمان / بينما في النهار يجد نفسه أسيرًا لنيران المطهر حتى يتطهر مما اقترف من ذنوب ماضية» (الفصل الأول، المشهد الخامس، الأبيات ١٠-١٣). يصف جيرنبلات، مستمدًّا وصفه من لغة الوصية الروحانية لجون شكسبير، هاملت، شأنه شأن الكاتب المسرحي نفسه، بالبروتستانتيِّ الذي تطارده روح أبيه الكاثوليكي، مع ملاحظة أن شكسبير في المسرحية «يبدو في آنٍ واحد كاثوليكيًّا وبروتستانتيًّا ومرتابًا ارتيابًا عميقًا في الاثنين.»10
وحقيقة الأمر أن الدليل الأكثر حسمًا على الإطلاق على أن شكسبير ربما كان كاثوليكيًّا لا يتعلق بشخص شكسبير مطلقًا، بل بالتواريخ التصحيحية للقرنين السادس عشر والسابع عشر؛ فبدلًا من التسليم بالتأكيدات المُمْلاة من أعلى عن الامتثال الديني، أعاد المؤرخون النظر، وعثروا على أدلة كثيرة على أن التحول إلى الممارسة الإصلاحية في العائلات والأبرشيات كان تدريجيًّا بقدر أعظم، وأقل اكتمالًا مما اعْتُقِدَ في السابق. على سبيل المثال، جمع ديفيد كريسي العديد من الأمثلة لأبرشيات استمرت في دق أجراس الكنائس، في تحدٍّ للسياسة الإصلاحية الرسمية، أو تحدي إملاءات نقل أحواض التعميد (فقد عُدَّ من «الخرافات» الكاثوليكية وضع الأحواض على مقربة من باب الكنيسة لتيسير خروج الشياطين التي تُطْرَد ساعة التَّعْميد).11 وكان بعض هذه المظاهر، كما هو واضح، مقاوَمة مبدئية ومُطَّلعة للديانة الجديدة، ولكن أكثرها كان، على الأرجح، تفضيلًا عامًّا لأن تظل الأمور على ما كانت عليه، وشيئًا من الشك العملي حِيال الممارسات التي كانت مُجازَة، وتلك التي كانت المحظورة. ولقد ظل أغلب القساوسة على أية حال في مناصبهم خلال فترة التغييرات الدينية العاصفة في منتصف القرن السادس عشر. ولقد توقفنا عن النظر إلى تاريخ إنجلترا الديني في بداية العصر الحديث من وجهة نظر الهيمنة البروتستانتية. وكما أقر واحد من معاصري شكسبير، كانت نتائج تقلبات القرن المُتَأَرْجِحَة محل شك كبير:
في ذاكرة واحد من الرجال … كان بيننا رجل بمقام أمير ألغى سلطة البابا بقوانينه، ولكنه، من نواحٍ أخرى، أبقى على إيمان آبائه. وكان لدينا طفل، بقوانينه المثيلة، أبطل هو والباباوية معًا الديانة القديمة بأكملها. وكانت لدينا امرأة استعادت الاثنتين مجددًا، وأنزلت العقوبة بعنف على البروتستانت. وأخيرًا، ها هي جلالتها التي أبطلت منذ فترة طويلة بقوانين شبيهة الاثنتين مجددًا، تُنزل عقابها بقسوة على الكاثوليكيين كما فعل الآخر بالبروتستانت؛ وكل هذه التباينات الغريبة وقعت في غضون ثلاثين عامًا تقريبًا.12
من وجهة نظر كثير من كُتَّاب سيرة حياة شكسبير المُحْدَثِين، فإن هذا الاختلاط الديني بين القديم والجديد تتجلى صورته في كنيسة جيلد المُقامة بشارع تشيرش في ستراتفورد-أبون-أفون. قبل أن يُولَد شكسبير بفترة وجيزة، طُمِس طلاء الأجزاء الداخلية من الكنيسة بطبقة من البياض، وبعد سبع سنوات دفعت السلطات المدنية أموالًا لإزالة النوافذ ذات الزجاج الملون، وإحلال نوافذ ذات زجاج شفاف محلها. ويسجل تحطيم الأيقونات هذا التداخل ما بين الهويات الدينية الراسخة والإصلاحية على مدار حياة شكسبير. وكما يقول جيمس شابيرو: «القول بأن آل شكسبير كانوا كاثوليكيين سرًّا أو، خلافًا لذلك، بروتستانتيين من التيار الغالب، يَغْفَل عن مسألة أنه فيما خلا أقلية محدودة عند طرفي مذهب ديني أو آخر، فإن هذه التسميات أخفقت في رصد الطبيعة المتعددة الطبقات لما آمن به الإليزابيثيون حقًّا بدايةً من الملكة فمن دونها.» فآثار اللوحات القديمة الكائنة تحت غطاء الطلاء الأبيض ترمز إلى هذا التَّراكُب للمعتقدات.13 وبهذه الطريقة، شارك هاملت وشكسبير جيلهما الإليزابيثي الانتقالي تجربة كون آبائهم كاثوليكيين ممن وُلِدوا قبل الإصلاح، ومعيشتهم في ظل المناهضة الكاثوليكية المُضْطَرِمَة في النصف الثاني من الحكم الإليزابيثي، وتَوْريثهم لِوَرَثَتِهم السياسةَ الدينية الجديدة للملك جيمس. وتصبح معتقدات شكسبير الدينية مسألة تتعلق بقدر أقل بسيرة حياة فردية، وبقدر أكبر بصورة خاطفة للتحولات والشكوك والالتباسات المذهبية المعاصرة له؛ «شرفات المنشدين المكشوفة المُحَطَّمة حيث اعتادت الطيور العذبة على الإنشاد» (السونيتا الثالثة والسبعون، البيت الرابع) توجز حنينًا عامًّا، لا شخصيًّا، وثقافيًّا وسط أطلال العمارة الرهبانية الإنجليزية.
أصبح ما يسمى «التحول إلى الدين» أمرًا عاديًّا انتقاديًّا في دراسات أوائل العصر الحديث على مدار العقديْن الأخيريْن، وهذا المناخ الفكري المُتَحَوِّل ساعد على إعادة التفكير مجددًا في السؤال القديم حول كاثوليكية شكسبير. لكن هذه الحركة لا تخلو من أجنداتها الأيديولوجية الخاصة بها، وفي سياسة القرن السادس عشر الدينية في الثقافة الشعبية — في الروايات البوليسية لمؤلفين مثل سي جيه سانسوم، أو المسلسل التلفزيوني «آل تيودور»، أو في فيلم «إليزابيث» (للمخرج شيخار كابور، ١٩٩٨)، على سبيل المثال — أمست الفترة الإليزابيثية مجازًا تاريخيًّا للمخاوف المتعلقة بالأصولية الدينية في عصرنا الحالي. وربما كان يجدر بنا الاختتام بشيء عن شكسبير المتشكك والعلماني: شكسبير المتحفظ بشأن أمور المعتقد الديني، لا لأنه متحيز في الخفاء، ولكن لأن نظرته العالمية للأمور مختلفة. انتهى الفيلسوف جورج سانتايانا الذي لم يَعْثُرْ إلا على حفنة من الإشارات المباشرة إلى المسيحية في أعمال شكسبير إلى أن «الخيار بالنسبة لشكسبير في مسألة العقيدة يستقر ما بين المسيحية ولا شيء. وهو اختار لا شيء؛ اختار أن يترك أبطاله ونفسه في حضرة الحياة والموت بلا فلسفة أخرى سوى تلك التي يمكن أن يوحي بها العالم المُدَنَّس ويستوعبها.»14 وتتجلى إعادة التفسير الإيجابية بقوة هذه لشكسبير من وجهة نظر القرن العشرين الوجودي في تقويم ماكبث الكئيب:
غدًا وغدًا وغدًا،
وكل غد يزحف بهذه الخُطَى الحقيرة يومًا بعد يوم،
حتى المقطع الأخير من الزمن المكتوب …
إنها حكاية يحكيها معتوه، يملؤها الصخب والعنف، ولا تعني أي شيء.
(الفصل الخامس، المشهد الخامس، الأبيات ١٨–٢٧)

في مناقشات سانتايانا، وكذا في النقاشات الأخيرة عن كاثوليكية شكسبير، نجد أن النمط التفسيري مألوف؛ إذ ننظر إلى شكسبير بحثًا عما نؤمن به نحن أو نجحده. لقد تحول ميزان الاهتمام النقدي والبيوجرافي باتجاه كاثوليكية شكسبير، على الأقل جزئيًّا؛ لأن هذا لا يمثل بالنسبة لنا الآن مجرد موقف ديني، ولكنه يمثل موقفًا سياسيًّا، وموقفًا شخصيًّا عن وعي. ويقدم هذا النقاش لمحة عن شكسبير لا يجمع ببساطة الثروات والممتلكات، بل يُعاني، كما هو واضح، تَنازُعًا داخليًّا، وصراعًا مع ضميره، وتتشكل كتابته بالآليات التي طورها لحمايته الذاتية، نفسيًّا وبدنيًّا. في هذا النموذج، تُظْهَر الكاثوليكية بوصفها فعلَ تأكيدٍ وتحدٍّ فرديًّا — الشاعر المفارق لقيم المؤسسة — بقدر ما تُظْهَر بوصفها ولاءً مذهبيًّا محددًا. ورغم أنه من المستبعد أن نجد إجابة قاطعة عن مسألة ما إذا كان شكسبير كاثوليكيًّا، فبإمكاننا بالتأكيد أن نجزم بأننا نود أن لو كان كذلك.

هوامش

(1) G. Wilson Knight, “Measure for Measure and the Gospels,” in The Wheel of Fire: Essays in Interpretation of Shakespeare’s Sombre Tragedies (Oxford: Oxford University Press, 1930), pp. 83-4, 90.
(2) Dympna Callaghan, “Shakespeare and Religion,” Textual Practice, 15 (2001), pp. 1–4 (p. 2).
(3) Robert Bearman, “John Shakespeare’s ‘Spiritual Testament’: A Reappraisal,” Shakespeare Survey, 56 (2003), pp. 184–202; Colin Burrow “Who Wouldn’t Buy It?”, review of Greenblatt’s Will in the World, London Review of Books, 20 January 2005.
(4) Stephen Greenblatt, Will in the World (London: Jonathan Cape, 2004), pp. 108-9.
(5) The best summary of all this material is John D. Cox’s admirably careful “Was Shakespeare a Christian, and if so, What Kind of Christian Was He?”, Christianity and Literature, 55 (2006), pp. 539–66.
(6) Clare Asquith, Shadowplay: The Hidden Beliefs and Coded Politics of William Shakespeare (New York: Public Affairs, 2005), pp. xiv, 289, 293, 297, 299.
(7) Richard Wilson, Secret Shakespeare (Manchester: Manchester University Press, 2004), pp. 295, 19.
(8) Gary Taylor, “Forms of Opposition: Shakespeare and Middleton,” English Literary Renaissance, 24 (1994), pp. 283–314 (p. 314).
(9) See Stephen Greenblatt, “Resonance and Wonder,” in Learning to Curse (New York: Routledge, 1990), pp. 161–83.
(10) Stephen Greenblatt, Hamlet in Purgatory (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2001), pp. 248-9; id., Will in the World, p. 103.
(11) David Cressy, Birth, Marriage and Death: Ritual, Religion, and the Life-Cycle in Tudor and Stuart England (Oxford: Oxford University Press, 1997).
(12) William Allen (1581), quoted in Peter Lake, ‘Religious Identities in Shakespeare’s England’, in David Scott Kastan (ed.), A Companion to Shakespeare (Oxford: Blackwell, 1999), pp. 57–84 (p. 57).
(13) James Shapiro, 1599: A Year in the Life of William Shakespeare (London: Faber & Faber, 2005), p. 167.
(14) George Santayana, “The Absence of Religion in Shakespeare,” in Interpretations of Poetry and Religion (New York: Scribner’s, 1916), p. 152.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١