الخرافة التاسعة

مسرحيات شكسبير التراجيدية أكثر جدية من مسرحياته الكوميدية
لا شك أن هذه مسألة لا تستحق عناء التفكير؛ فقصة مثل «الملك لير» التي تنبذ فيها بنات الملك أباهن، ويفقد سلطانه، ويُصاب بالجنون، ثم يَلْقى حَتْفَه يجب أن تُعْتَبر أكثر جدية من مسرحية تتناول الالتباسات الهزلية التي تتتابع؛ إذ يلتقي زوج من التوائم في المدينة عينها («كوميديا الأخطاء»)، ويكاد أحدهما ينام مع زوجة الآخر. أنكر الكاتب المسرحي جورج برنارد شو على شكسبير مسرحياته الكوميدية، باعتبارها «مؤلفات رديئة سماها عن حق «كما تشاء»، و«جَعْجَعَة بلا طِحْن»، و«كما تريد» [وهو الاسم البديل لمسرحية «الليلة الثانية عشرة»]»1 وتِجارية. وبحسب شو، إذًا، فإن عناوين تلك المسرحيات الكوميدية نفسها تَشِي بسطحيتها الْمُتَأَصِّلَة. وليست فقط مسرحيات شكسبير التراجيدية هي التي يُفْتَرَض أنها أكثر جِدِّيَّة من مسرحياته الكوميدية، بل ينطبق الأمر على النوعَيْن الأدبيَّيْن بذاتيهما. طبيعة التراجيديا هي جزء من واحدة من الوثائق التأسيسية للثقافة الغربية؛ ألا وهي أُطْروحة أرسطو التي ترجع إلى القرن الرابع قبل الميلاد «فن الشعر»، التي تُقِرُّ بأن «التراجيديا مُحاكاة لفعل جادٍّ وتامٍّ وله أهمية ما». ولا وجود لنص أصلي مثيل لنظرية كوميدية، ولو أن قصة أومبرتو إكو البوليسية التي ترجع إلى العصور الوسطى «اسم الوردة» اقترحت وجود عمل مفقود لأرسطو عن الكوميديا، يتخيله إكو وثيقةً تهابها الكنيسة، لأنها مَنَحَت دعمًا فلسفيًّا للدوافع المناهضة للسُلْطَوِيَّة الخاصة بالكوميديا. ولقد قَيَّمَ جورج بوتنام؛ إذ كتب دليلًا لشعراء المستقبل بعنوان «فن الشعر الإنجليزي» (١٥٨٩)، الفروق ما بين الكوميديا والتراجيديا بلغة تُقَوِّض التصنيفات الأدبية والاجتماعية والأسلوبية. ووفقًا لبوتنام، تتعاطى الأعمال الكوميدية مع «سلوكيات عامة … لشخصيات خاصة، وهكذا، وكأنهم النوع الأكثر لُؤْمًا من البشر»، بينما نجد أن كُتَّاب الأعمال التراجيدية «لم يشغلوا أنفسهم بمسائل خَسِيسة كهذه؛ وذلك لأنهم أظهروا الزَّلات المُحْزِنة للأمراء المنكوبين.»2 إن «المادة التافهة» للكوميديا، وأبطالها الأدنى منزلةً اجتماعيًّا، يخسران المقارنة في مواجهة التراجيديا الجليلة و«الْمُحزنة».
ما من شك أن مسرحيات شكسبير التراجيدية تشتمل على أفكار فلسفية وشخصية وسياسية ذات ثقل. على سبيل المثال، تتناول أحداث مسرحية «ماكبث» باستمرار قضايا الإثم والرجولة، حيث تطرح مرارًا أسئلة حول مَن أو ما المسئول عن أفعالنا. هل ماكبث مدفوع ﺑ «طموحه الوثَّاب» (الفصل الأول، المشهد السابع، البيت ٢٧) أم بالتشجيع الذي لا يَكِلُّ ولا يَمَلُّ من زوجته، أم ﺑ «التحريض ما وراء الطبيعي» (الفصل الأول، المشهد الثالث، البيت ١٢٩) من الأخوات الساحرات؟ يقدم شكسبير في شكل درامي نقاشات فلسفية مهمة عن الوسيلة التي تَرْتَبِط في مواضع أخرى بمؤلفات ماكيافيللي وهوبز. وفي مسرحية «يوليوس قيصر»، كما في «ريتشارد الثاني» و«ريتشارد الثالث»، القضية هي طبيعة الحكم الصالح، وهذه القضية السياسية المُلِحَّة تدور في مدار مسرحيات شكسبير التراجيدية. ولا تنحصر الشخصيات التراجيدية في الأمراء والأباطرة لمجرد أن لديهم مدًى أبعد للسقوط، ولكن لأن أفعالهم تَمْزِج ما بين العام والخاص، ولأن نطاق تأثيرهم هو الدولة لا البيت. كتب شاعر البلاط الإليزابيثي السير فيليب سيدني أن «التراجيديا تفتح أعظم الجروح وتُظهر القروح التي تغطيها الأنسجة» و«تجعل الملوك يخشون أن يتحولوا إلى مستبدين، وتجعل المستبدين يُظهروا جانبهم الساخر الاستبدادي.»3 إنها صورة للتراجيديا تتخيلها مُتَواشِجَة بحَمِيمِيَّة في تشريح فساد البلاط الذي يُتَخَيَّل وكأنه قرحة تحت الجلد أو اللباس الثمين، وهو الدور الذي ربما يرتبط بالسخرية. وتوافق مسرحية هاملت «مصيدة الفئران» وصف سيدني تمام الموافقة.

إننا نميل حاليًّا لتقدير المسرحيات التراجيدية، لا لأنها تصور رجالًا عظماء — حيث اشترط أرسطو أنه لا بد أن تُعْنَى التراجيديا «بشخص مشهور جدًّا وميسور الحال» — ولكن لأنها ترينا تجارب أكثر شمولية (طالع الخرافة التاسعة والعشرين). وكون هاملت أميرًا مسألة يقلل من شأنها معظم الإنتاجات الحديثة التي تظهره، غالبًا، كما في تجسيد روري كينيَر بالمسرح القومي للشخصية كما أخرجها نيكولاس هايتنر عام ٢٠١٠، مرتديًا سترة بقلنسوة مما يرتديه الطلاب، بدلًا من سترته الضيقة (طالع الخرافة الثالثة). لكن جاذبيته تكمن في كونه رجلًا يصارع الحزن إِثْرَ وفاة أبيه، ومكانَه في الهيكل الأسري الاجتماعي بعد حدث مُبَدِّل للحياة. وبالمثل، يبدو كون لير ملكًا قليل الأهمية بالمقارنة بدوره والدًا ورجلًا تَخُور قُواه؛ إذ يطعن في السن. وفقدت سياسة وحدة الممالك والحكمة المتعلقة بأخطار الانقسام الوطني، التي قالها عن طموحات الملك جيمس التوحيدية، ميزتها عندما عُرضت المسرحية لأول مرة. ومرة أخرى، نجد أن العلاقة بين الزوج والزوجة في مسرحية «ماكبث» تبدو مهمة لنا في سياقٍ سيكولوجيٍّ، و«الصَّوْلَجان العَقيم» (الفصل الثالث، المشهد الأول، البيت ٦٣) الذي يُطارِد زواجَهما مَشْحونًا بصدًى عاطفيٍّ أكثر من السياسي والسُّلاليِّ. وتشغل مسرحيات شكسبير التراجيدية مراحل حياتية مُعينة، وتحقق أهمية أوسع عبر أصداء تجارب شخصياته، إن لم يكن عبر مكانتهم الاجتماعية، لدى جماهيره.

كون مسرحيات شكسبير التراجيدية تتصدى بجلاء لموضوعات جادة ومهمة في الحياة الخاصة والعامة لا يعني — بضرورة الحال — أن مسرحياته الكوميدية غير ذات أهمية في المقابل. إن إسقاط شو لمسرحيات شكسبير الكوميدية من حساباته، باعتبارها شعبية على نحو ليس له معنًى، بحاجة إلى شيء من التعديل. لقد عَلَّمَتنا سنوات القرن العشرين اللاحقة أن الكوميديا ورِدَّة فعلها الفسيولوجية، ألا وهي الضحك، ليستا محايدتين ولا حميدتين، لكنهما معبِّرتان عن طاقات عنيفة ومهيمنة؛ فالرغبات المرفوضة، أو العدوانية، أو الجنسية يجري التسامي بها في إلقاء النكات، كما يؤكد فرويد في كتابه «النِّكات وعلاقتها باللاوعي» (١٩٠٥). لننظر إلى الغابة في مسرحية «حلم ليلة منتصف صيف» التي يَفِرُّ إليها العاشقان من كبت الحياة الأثينية؛ وهذا الفرار، شأنه شأن المزحة نفسها، يمثل متنفسًا كوميديًّا ومرعبًا في آنٍ واحد. وتُزاوِج أداءات المسرحية، في الغالب، ما بين الحاكمَيْن الأثينيَّيْن المكبوتَيْن ثيسيوس وهيبوليتا ونظيريهما الجِنِّيَّيْن أوبيرون وتيتاينا، مُحِيلة النزاع الْمَشْبوب في عالم الغابة الذي يُعَطِّل «العالم المُحَيِّر» (الفصل الثاني، المشهد الأول، البيت ١١٣) إلى المُقابل التعبيري — ربما اللاواعي — لفوز ثيسيوس بعروسه الأمازونية «أصبتك بجروح» (الفصل الأول، المشهد الأول، البيت ١٧). إن الرغبات القاتمة الخَطِرة يمكن التدرُّب عليها مجددًا في سياق الحرية المخيفة للغابة: الأحلام، كما تكتشف هيرميا في منامها «ظننت أن ثعبانًا التهم قلبي / بينما جلستَ تبتسم لافتراسه الوحشي.» (الفصل الثاني، المشهد الثاني، البيتان ١٥٥-١٥٦)، مليئة بما سمَّاه توماس ناش، الْمُعاصر لشكسبير، «الرعب الليلي»: يقترح ناش أنه «لا وجود لهيئةٍ للفوضى الأولى التي اسْتُخْلِصَ منها العالم كتلك التي نراها في أحلامنا ليلًا؛ ففيها نجد كل الحالات، وكل الأجناس، وكل الأماكن، مرتبكة، وتلتقي كلها.»4 ثمة كتاب عظيم الأثر ألفه المخرج المسرحي البولندي جان كوت، وصف فيه مسرحية «حلم ليلة منتصف صيف»، التي عادةً ما توصف بأنها تصوير بريء ريفي لعالم خيالي، ومسرحية مناسبة تحديدًا للأطفال، باعتبارها «أكثر المسرحيات صدقًا ووحشية وعنفًا» من بين مسرحيات شكسبير، حيث تُنْزَع الصفة الإنسانية فيها عن الرغبة الجنسية في سياق قابلية تبادل العُشاق والتحول الحيواني لبوتوم؛ تكمن رؤية كوت وراء الإنتاج الأبرز للمسرحية على يد بيتر بروك في ستراتفورد-أبون-أفون الذي نَزَعَ الزخارف الريفية التقليدية عن أجواء المسرحية، وجعل أحداث المسرحية تدور على أراجيح الحِبال الْمُتَأَرْجِحَة داخل صندوق مدهون باللون الأبيض.5
في مسرحيات شكسبير، نميل إلى أن نضحك من (التباسات دوجبري اللفظية في مسرحية «جعجعة بلا طِحْن»، والأربطة المتخالفة لمالفوليو في مسرحية «الليلة الثانية عشرة») لا معها: مِثل هذا الضحك، كما قال الفيلسوف توماس هوبز، بعد شكسبير بنصف قرن، هو هجوم من «إرضاء الذات»، إما من التمتع ﺑ «فعل مفاجئ ما» من أفعال المرء أو «بتقدير شيء مُشَوَّه لدى الآخر، بالمقارنة به، نمدح أنفسنا فجأة.»6 يكتب هنري بيرجسون في بداية القرن العشرين أن «الضحك أداة تصحيحية».7 وإذ تكشف لنا الكوميديا عن عدواننا، فهي عمل جادٌّ، مبني على شكل معقد من أشكال الإدراك، وعلى أشكال الضبط الاجتماعي. لم يُخَلِّف لنا شكسبير، على النقيض من مُعاصره بِن جونسون، أية كتابات نظرية عن الدراما. ولذا، فربما أن وصف جونسون للكوميديا التي تُظهر «صورة العصور التي نشأت فيها»، وتُظهر «حماقات البشر» بدلًا من «جرائمهم» — «تلك الأخطاء التي ستعترفون بها جميعًا / بالضحك منها، فهي لا تستحق أقل من ذلك.» (كل امرئ بحسب مزاجه، ١٥٩٨) — يمكن أن يَحُلَّ مَحَلَّ تلك الكتابات النظرية.
وعليه، فيمكن أن تتعامل المسرحيات الكوميدية مع الموضوعات الجادة. لننظر إلى مسرحية «كوميديا الأخطاء»، وهي المسرحية الخفيفة الهزلية ظاهريًّا المستشهد بها في صدر هذه الخرافة، ككبش الفداء، على التفوق الواضح لمسرحية «الملك لير» من حيث الجديَّة. شأنها شأن «الملك لير» تُعْنَى مسرحية «كوميديا الأخطاء» عناية شديدة بمسائل الهُوِيَّة والفردية. وكما يسقط الملك لير في الجنون؛ إذ تتبرأ ابنتاه جونوريل وريجان من أبوته لهما، يدخل كذلك التوءمان أنتيفولوسيس ودروميوس عالَمًا من الجنون؛ إذ يخلط الناس دومًا بين الواحد منهما والآخر. وبينما تنهر أنتيفولوس السرقوسي أدريانا، زوجة أخيه؛ لأنه لا يُولِيها الاهتمام الكافي، يتساءل أنتيفولوس: «ما الخطأ الذي يُضَلِّل أبصارنا وأسماعنا؟» (الفصل الثاني، المشهد الثاني، البيت ١٨٧). ولكلمة الخطأ error هنا دلالة أقوى مما لكلمة mistake في وقتنا الحاضر؛ فهي، كما ورد وصفها في الكتاب الأول من ملحمة إدموند سبنسر «ملكة الجن» (١٥٩٠)، حالة مرعبة من التِّيه الروحاني والفكري (من الفعل اللاتيني errare، ويعني «يَهِيم على غير هدى»). وعندما يرجع أنتيفولوس الإفيسوسي إلى بيته ليجد خادمه يمنعه فجأة من الدخول قائلًا: إنه لا يستطيع الدخول لأنه بالفعل جالس إلى طاولة العشاء بالداخل، تمسي كوميديا الهُوِيَّة الْمَغْلوطة استكشافًا وُجُودِيًّا: كيف لنا أن نُوقِن بأننا أنفسنا حقًّا إذا كان أقرب الناس إلينا لا يميزوننا، أو إذا كانوا يقولون لنا إننا أشخاص آخرون غير الذين نظن أننا هم؟ إن ملاحظة جون مورتيمر التي نَصُّها أن «الهزل تراجيديا مدارة بسرعة ألف لفَّة في الدقيقة»8 ملائمة لمسرحية «كوميديا الأخطاء»؛ رغم أن المسرحيات التراجيدية قد تعالج موضوعات مثيلة، فهي تفعل ذلك على نحو أكثر تفصيلًا وتأمُّلًا عن وعي، بينما تندفع الكوميديا عبر النطاق الشاق عينه بسرعة هائلة.
وإن شئنا التعاطي مع مثال آخر للتداخل ما بين المعالجات الكوميدية والتراجيدية للموضوع عينه، فسنجد أن شكسبير يُصوِّر في النوعَيْن الأدبيَّيْن الأثر المدمر للغيرة الجنسية للذكور؛ ففي مسرحية «جعجعة بلا طِحْن»، يُقنِع الشرير دون جون، كلاوديو بأن زوجة المستقبل هيرو خانته ليلة عرسهما، فيَنْبُذُها على الملأ. وفي مسرحية «عُطيل»، يُمارس إياجو ألاعيبه على عطيل الساذج، ليجعله يعتقد بأن زوجته ديدمونة «امرأة لَعُوب شَبِقَة» (الفصل الثالث، المشهد الثالث، البيت ٤٧٨). ورغم حقيقة أن المرأتيْن هما الضحيتان البريئتان للمنافسة والتلاعب الذُّكُورِيَّيْن؛ فقد كان الموت عقابهما. في حالة هيرو، الموت زائف، لكنه مع ذلك له أثر التطهير الطقسيِّ. وحينما تتصالح مع كلاوديو في نهاية المسرحية تقول له: «ماتت هيرو بعد أن شُوِّهَتْ سمعتها، لكن ها أنا ذا على قيد الحياة / وبقدر ما أنا على قيد الحياة، فأنا أيضًا عذراء طاهرة.» (الفصل الخامس، المشهد الرابع، البيتان ٦٣-٦٤). أما ديدمونة، فما من «بعث» مثيل؛ رغم أنها ترجع للحياة لفترة وجيزة على السرير الذي خنقها عليه زوجها، فغاية ذلك هي فقط إعفاؤه من اللوم على جريمته. ونجد الموضوع مطروقًا مجُدَّدًا في واحدة من أواخر مسرحيات شكسبير، ألا وهي «حكاية الشتاء». تنتمي هذه المسرحية إلى مجموعة من المسرحيات الكوميدية الجيكوبية التي يَعْنِي مَزْجُها ما بين عناصر عامة، وتوظيفها للجانب الخيالي أو ما وراء الطبيعي، وتسلسلاتها الزمانية الأكثر امتدادًا عبر أجيال، أنها غالبًا تُسمى «رومانسية». وفي المسرحية يتكون لدى ليونتس، ملك صقلية، اقتناع بأن زوجته هيرميون خانته مع صديقه بوليكسينز. ويخضعها للمحاكمة بتهمة الزنا الفاحش، وينفي الطفل الذي يعتقد أنه ابن زنا. ولكن عندما تصفه العرَّافة الدلفيَّة ﺑ «المستبد الغيور» (الفصل الثالث، المشهد الثاني، البيت ١٣٣)، ويَلْقَى هيرميون وابنُه ماميليوس حَتْفَهما، يتوب عن إثمه، ويعترف بأن «عارنا أبدي»، ويُقْسِم على أن تظل «الدموع … سلواي» (الفصل الثالث، المشهد الثاني، البيتان ٢٣٨-٢٣٩). وهكذا حال عطيل أيضًا. لكن الفارق هنا يكمن في أن المسرحية لم تنتهِ بَعْدُ؛ فالملك ليونتس شخصية تراجيدية لا يُجاز لها أن تجد الراحة في الانتحار — كما وجدها عطيل — وشخصية غيورة لا يسمح لها الكاتب بحلٍّ في الوقت المناسب كما سمح به لكلاوديو، بل عليه أن يعيش مع زلاته البشعة. ويشهد النصف الثاني الريفي والكوميدي الطابع، حيث تقع أحداثه بعد فجوة زمنية مقدارها ١٦ سنة، تَوَدَّدَ فلوريزيل بن بوليكسينز إلى بيرديتا الابنة الضالَّة لليونتس وهيرميون. وكان من الْمُقَدَّر أن يَرْأَبَ الاثنان الصَّدْعَ الذي أصاب جيل آبائهما. في صقلية، يلتئم شمل العائلة من جديد، والعجب كل العجب أن عادت هيرميون إلى الحياة. إن هذه المعالجة النهائية للغيرة الذكورية تتجاوز التراجيديا، وترينا أن ما على الجانب الآخر ليس إلا نسخة من الكوميديا تنتهي بالزواج والصلح. وكما في مواطن أخرى من مشوار شكسبير الأدبي، يبدو واضحًا أن التزامه بالفروق بين الكوميديا والتراجيديا أقل من التزامه بامتداداتهما والتداخلات بينهما. وكما قال الدكتور جونسون: «وَحَّدَ شكسبير ما بين قُوَى الضحك والأسى الْمُثِيرة، لا في عقل واحد فَحَسْب، ولكن في مؤلَّف واحد أيضًا.»9

هوامش

(1) Edwin Wilson (ed.), Shaw on Shakespeare: An Anthology of Bernard Shaw’s Writings on the Plays and Production of Shakespeare (Harmondsworth: Penguin, 1969), p. 79.
(2) George Puttenham, The Arte of English Poesie, ed. Gladys Willcock and Alice Walker (Cambridge: Cambridge University Press, 1936), pp. 25-6.
(3) Philip Sidney, An Apology for Poetry; or The Defence of Poesy, ed. Geoffrey Shepherd (London: Thomas Nelson, 1964), p. 117.
(4) www.oxford-shakespeare.com/Nashe/Terrors_Night.pdf (page 11, accessed 18 February 2012).
(5) Jan Kott, Shakespeare our Contemporary (London: Methuen, 1964), p. 178.
(6) Thomas Hobbes, Leviathan, ed. Richard Tuck (Cambridge: Cambridge University Press, 1991), p. 43.
(7) Henri Bergson, Le Rire (1900), trans. F. Rothwell as Laughter, in Wylie Sypher (ed.), Comedy (New York: Doubleday, 1956), p. 74.
(8) Georges Feydeau, A Flea in Her Ear, trans. John Mortimer (Old Vic theater program, 1986).
(9) Quoted in Emma Smith (ed.), Blackwell Guides to Criticism: Shakespeare’s Tragedies (Oxford: Blackwell Publishing, 2004), p. 19.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١