الفصل السابع

لا يمكنك أن تقول ذلك على شبكة الإنترنت

حفظ حدود التعبير الرقمي

(١) هل تدري أين يتجول طفلك على شبكة الإنترنت الليلة؟

كان ذلك أسوأ كابوس يواجه الآباء، ففي يونيو عام ٢٠٠٦ فُقدت الطالبة المتفوقة كاترين ليستر البالغة من العمر ١٦ عامًا من فيرجروف بولاية ميشيجان، ولم يكن لدى والديها أدنى فكرة أين ذهبت؛ وهي التي لم تسبب لهما قلقًا قط، فاتصلا بالشرطة. ثم تدخلت السلطات الفيدرالية.

وبعد ثلاثة أيام من ذلك الغياب المخيف عُثر عليها آمنةً، في العاصمة الأردنية عَمَّان.

كانت فيرجروف بلدة صغيرة جدًّا حتى إنها لم يكن بها مكتب بريد، وكانت عائلة الفتاة تعيش في آخر منزل في شارع مسدود، ولعل مدرسة كاترين التي تبعد ستة أميال عن منزلها كانت أبعد شيء تعرفه كاترين من هذا العالم، لكن الإنترنت فتحت العالم كله أمامها، فتعرفت كاترين على رجل فلسطيني يُدعى عبد الله جمزاوي من أريحا بالضفة الغربية، وجدت ملفه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي ماي سبيس، فأرسلت إليه رسالة تقول له فيها: «أنت وسيم.» وسرعان ما تبادلا الرسائل عبر الإنترنت، وعرف كل منهما الكثير عن الآخر، ثم خدعت الفتاة أمها بأن جعلتها تستخرج لها جواز سفر، ثم سافرت بالطائرة إلى الشرق الأوسط، وحين عثرت السلطات الأمريكية على طائرتها في العاصمة الأردنية، وافقت الفتاة على أن تعود إلى الوطن، ثم اعتذرت لوالديها عما سببته لهما من حزن وقلق.

وبعد مضي شهر على ذلك وقفت جودي بيجيرت النائبة عن إلينوي في مجلس النواب لكي تساند «قانون حذف المواقع الإلكترونية المستغِلة»، وقالت: «إن موقع ماي سبيس وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي صارت أوكارًا للمستغلين المتربصين بأطفالنا.» ثم أشارت إلى أن قصة كاترين ليستر «أثارت رعبنا جميعًا». ثم أردفت قائلة: «أضعف الإيمان أن نُطَمئن الآباءَ أن أطفالهم لن يقعوا فريسة لأحدهم أثناء استخدامهم لشبكة الإنترنت في المدارس والمكتبات التي تحصل على تمويل فيدرالي من أجل توفير خدمات الإنترنت.» فالقانون يفرض على تلك المؤسسات منع الأطفال من استخدام أجهزة الكمبيوتر الموجودة بها للوصول إلى غرف الدردشة ومواقع التواصل الاجتماعي بدون إشراف من شخص بالغ.

تتابعت كلمات أعضاء مجلس النواب تؤكد على أهمية حماية الأطفال من المستغلين عبر الإنترنت، لكن لم يكونوا جميعًا مؤيدين لمشروع القانون، وعلق أحدهم قائلًا إن اللغة كانت «فضفاضة وغامضة». كان مشروع القانون بصيغته الأصلية يبدو أنه لا يشمل موقع ماي سبيس فحسب، بل ومواقع أخرى مثل أمازون وويكيبيديا، فهذه المواقع تشترك مع موقع ماي سبيس في بعض الخصائص؛ فيمكن للمستخدمين إنشاء ملفات شخصية ثم يتبادلون المعلومات باستمرار فيما بينهم باستخدام شبكة الإنترنت، وعلى الرغم من أن القانون قد يمنع الأطفال في المدارس والمكتبات من دخول «أماكن» يجتمعون فيها مع الأصدقاء (والمستغِلين في بعض الأحيان)، فإنه أيضًا يمنع الوصول إلى موسوعات ومكتبات الإنترنت، والتي تعتمد على المحتوى الذي يقدمه المستخدمون.

وبدلًا من الاهتمام بوضع تعريف أدق لما يُحظر تحديدًا، عمد مؤيدو مشروع القانون إلى إعادة صياغته على عجل لحذف التعريف تاركين للجنة الاتصالات الاتحادية البت لاحقًا فيما يشمله هذا القانون، وسَرَتْ بعض الأقوال أن انتخابات التجديد النصفي المقبلة حفزت مؤيدي مشروع القانون أن يبذلوا جهدًا زائفًا لتوفير حماية للأطفال، وهو جهد من المرجح أن يكون غير مثمر وغير واضح ناهيك عن كونه غير دستوري.

يستخدم الأطفال أجهزة الكمبيوتر في أماكن كثيرة، وتقييد ما يحدث في المدارس والمكتبات لن ينجح في تثبيط عزم المراهقين الذين يصرون على الوصول إلى موقع ماي سبيس، ولم يُفلح إلا أكثر أولياء الأمور سيطرة وهيمنة في الإجابة بصدق على السؤال الذي طرحته يو إس إيه توداي في مقالتها «المستغلون عبر الإنترنت» والذي نصه: «إنها الحادية عشرة مساءً، فهل تدري أين يتجول طفلك على شبكة الإنترنت الليلة؟»

كانت الإحصاءات حول ما يمكن أن يتعرض الأطفال له مرعبة بلا شك، وقد أمرت وزارة العدل بحبس الآلاف بسبب ارتكابهم ما يسمى باسم «الإغواء عبر الإنترنت»، وكانت معظم الحالات تتضمن بالغين يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت لجذب المراهقين إلى لقاءات كانت نهاية بعضها مأساوية. إلا أن اتحاد المكتبات الأمريكية في معارضته لقانون حذف المواقع الإلكترونية المستغلة ذكر أن «مفتاح الاستخدام الآمن للإنترنت» هو التثقيف، وليس الحظر، فعلى الطلاب أن يتعلموا كيف يتعاونون عبر الإنترنت؛ وذلك لأن الاستخدام الشبكي، وجميع التفاعلات البشرية التي ييسرها ذلك الاستخدام، هما الأداتان الأساسيتان في عالم المستقبل الذي تتشابك فيه التجارة والأعمال والتعليم والمواطنة.

ولعل هذا العالم الجديد يكون عالمًا مترابطًا من الحب الحقيقي. لقد أخذت قصة كاترين ليستر منعطفًا غير متوقع، فمنذ أن عُثر عليها في الأردن وهي تصر على أنها كانت تعتزم الزواج من جمزاوي. ومن جانبه أعلن جمزاوي — الذي كان يبلغ من العمر عشرين عامًا حين تواصل مع كاترين لأول مرة — أنه يحبها، وأن والدته وافقت على ذلك، وتوسل جمزاوي إلى كاترين لتخبر والديها بالحقيقة قبل أن تتوجه إلى لقائه، لكنها رفضت. ولدى عودة كاترين إلى وطنها اتهمتها السلطات بأنها طفلة هاربة من أسرتها، وسحبت منها جواز سفرها، لكن حدث في ١٢ سبتمبر ٢٠٠٧ أن نالت كاترين استقلالها القانوني؛ إذ بلغت سن الثامنة عشرة، فعادت لتركب الطائرة مرة أخرى متجهة إلى الشرق الأوسط لترى الشاب الذي أحبته وجهًا لوجه، وأخيرًا انتهت العلاقة بعد بضعة أسابيع بتبادل الاتهامات والإنكار من الجانبين، إلى جانب تلميح أن طرفًا ثالثًا جذب انتباه الفتاة الأمريكية، ولم يُثِر انفصال هذيْن الحبيبيْن أي دراما ذات صلة بالتكنولوجيا الراقية، اللهم إلا أنه قد أذيع في برنامج «دكتور فيل» الشهير الذي يعالج القضايا الاجتماعية.

إن الثورة التي شهدها مجال الاتصالات الرقمية زعزعت افتراضاتٍ ظلت فترة طويلة من الثوابت حول العلاقات البشرية؛ على غرار كيف يتقابل الناس، وكيف يتعرف أحدهم على الآخر، وكيف يقررون ما إذا كانوا يتبادلون الثقة فيما بينهم، وفي الوقت نفسه، وُضعت ثورة المعلومات الرقمية — في شكل صفحات الويب والصور القابلة للتحميل — في متناول الملايين من المواد ما كان يتعذر قبل بضع سنوات فقط أن يجده المرء إلا بشق الأنفس وبَذْلِ الغالي والنفيس. فقد صار الآن بوسع المنشقين السياسيين الجالسين في مقاهي الإنترنت الصينية (إذا ما واتتهم الجرأة) أن يقرءوا المدونات المؤيدة للديمقراطية، وهناك أناس في جميع أنحاء العالم أصيبوا بأمراض يخجلون منها، أو من هم في حاجة ماسة إلى معلومات حول هويتهم الجنسية، أو حريصون على التواصل مع غيرهم ممن يشاركونهم نفس الأفكار والمعتقدات أو هموم الأقليات، وهم يبحثون عن الحقائق والرأي والمشورة والرفقة، ويمكن للأطفال الذي لم يبلغوا السن التي تمكنهم من مغادرة منازلهم مشاهدة مواد إباحية صاخبة على أجهزة الكمبيوتر المنزلية التي تملكها أسرهم، فهل بوسع المجتمعات الآن السيطرة على ما يمكن لأفرادها رؤيته وعلى من يتحدثون إليه؟

(٢) التشبيه الذي يصلح في مجالٍ لا يصلح لآخر

مشروع قانون حذف المواقع الإلكترونية المستغلة الذي لم يتحول إلى قانون هو أحدث معركة في سلسلة حروب طويلة بين قيم متضاربة، فمن جهة، نجد المجتمع يهتم بإبعاد المعلومات غير المرغوب فيها عن متناول الأطفال، ومن جهة أخرى، نجد المجتمع ككل مهتمًّا بتعظيم الاتصال المفتوح. إن الدستور الأمريكي يحمي إلى حد كبير حرية التعبير والحق في سماعه، وكم سعى المجتمع جاهدًا ليجد تشبيهًا يَصْلح للاتصال الإلكتروني ييسر التعامل معه كما سبق التعامل مع وسائل الإعلام في الماضي من حيث أوجه الشبه والاختلاف بينهما. تُبنَى القوانينُ والأنظمة على التقاليد؛ ولا يمكن تطبيق مبادئ حرية التعبير التي تنتمي إلى الماضي على الظروف الحالية مع اختلافها إلا عن طريق فهم أوجه الشبه بينهما.

ما القوانين التي ينبغي أن تُطبَّق؟ إن شبكة الإنترنت لا يشبهها شيء بنسبة مائة بالمائة، فإذا أنشأت موقعًا إلكترونيًّا على شبكة الإنترنت فكأنك تنشر كتابًا، ومِنْ ثَمَّ فإن ذلك سيخضع إلى القوانين التي تتناول الكتب، لكن كان ذلك في الشكل القديم للويب؛ يومَ أنْ كانت الويب وسيلة يستخدمها «الناشرون» لنشر كتبهم ويستخدمها المشاهدون للمشاهدة، لكن مع ظهور الويب ٢٫٠ ظهرت مواقع الويب الديناميكية والتشاركية مثل ماي سبيس والتي تتغير باستمرار استجابةً لما ينشره المستخدمون عليها. فإذا أرسلتَ رسالة بريد إلكتروني، أو ساهمتَ في إحدى المدونات فهذا يشبه إجراء مكالمة هاتفية، أو ربما مكالمة جماعية عبر الهاتف، لذا لعله ينبغي علينا أن تكون القوانين التي تتناول أمر الهواتف نقطة البداية، لكن للأسف كلا التشبيهيْن يفتقر إلى الدقة. حسنًا، لعل التشبيه بالتليفزيون أقرب؛ إذ إنَّ تصفح الويب يشبه التنقل بين القنوات التليفزيونية، إلا أن شبكة الإنترنت ذات اتجاهيْن، وليس هناك حد لعدد ما بها من «قنوات».

تحت برمجيات الويب وبرامج البريد الإلكتروني نجد شبكة الإنترنت نفسها، وشبكة الإنترنت لا تقوم إلا بنقل حزم من البِتات، ولا تدري أو تبالي إن كانت أجزاء من كتاب أو فيلم أو رسالة نصية أو صوت، ولا بنهاية مطافها هل هو مستعرض ويب أو هاتف أو جهاز عرض أفلام. وقد استخدم جون بيري بارلو، الشاعر الغنائي السابق لفرقة جريتفل ديد الموسيقية والمؤسس المشارك لمؤسسة الحدود الإلكترونية، تشبيهًا صارخًا لشبكة الإنترنت حين اقتحمت عالمنا في منتصف تسعينيات القرن الماضي، فقال إن تقنين العالم لتدفق المعلومات هو نفس التقنين الذي هيمن طويلًا على نقل زجاجات النبيذ، ففي العالم المادي نجد قوانين مختلفة طُبِّقت على الكتب والبريد العادي والبرامج الإذاعية والمكالمات الهاتفية، وهي أنواع مختلفة من الزجاجات. أما الآن فالنبيذ نفسه يتدفق بحرية عبر الشبكات، لكن في شكل بِتات لا في شكل عبوات زجاجية. يمكن إدخال أي شيء، وسيخرج لنا نفس الشيء، لكن فيما بين هذا وذاك يكون الجوهر واحد؛ مجرد بِتات، فما هي قواعد الفضاء الإلكتروني؟ وما هي القواعد التي تحكم البِتات نفسها؟

عندما تُنْقل المعلوماتُ بين طرفيْن — سواء أكانت تلك المعلومات كلمات شفهية أو مكتوبة أو صورًا أو أفلامًا — فهناك مصدرٌ ووجهة، وقد يكون هناك أيضًا بعض الوسطاء، في قاعة المحاضرات يستمع الحاضرون إلى المتحدث مباشرة رغم أنَّ مَنْ وفر تلك القاعة — كائنًا من كان — قد لعب أيضًا دورًا مهمًّا في جعل التواصل ممكنًا، وطرفا عالم الكتب هما الكتاب والقراء، لكنَّ هناك أيضًا الناشرين وبائعي الكتب بين هؤلاء وهؤلاء. من الطبيعي أن ننسب أدوارًا مماثلة لمختلف الأطراف في مجال التواصل عن طريق الإنترنت، وعندما تسوء الأمور، نعد جميع الأطراف مسئولة عما وقع. على سبيل المثال، حدث أن تواصل بيت سوليس بفتاة عمرها ١٤ عامًا عن طريق صفحتها الشخصية على موقع ماي سبيس، وزُعم أنه حين قابلها شخصيًّا اعتدى عليها جنسيًّا، ومِنْ ثَمَّ رفع أبواها دعوى قضائية ضد موقع ماي سبيس مطالبين بتعويض قدره ٣٠ مليون دولار أمريكي؛ لأنه مكَّن لهذا الاعتداء أن يقع.

شبكة الإنترنت لديها بنية معقدة، فالمصدر والوجهة قد يكونان صديقيْن يتبادلان الرسائل معًا، وقد يكون أحدهما موقعًا تجاريًّا على شبكة الإنترنت والآخر عميلًا يقبع في منزله، أو قد يكونان فرعيْ شركة واحدة يرسل أحدهما إلى الآخر نموذجًا بالحجم الطبيعي لكتيب إعلاني في حين أنه يفصل بينهما نصف الكرة الأرضية، ولكل من المصدر والوجهة مزود خدمة إنترنت. يربط بين مزودي خدمات الإنترنت محولات التوجيه وكابلات من الألياف البصرية ووصلات أقمار صناعية، وهلم جرًّا، وقد تمر حزم البيانات التي تتدفق عبر شبكة الإنترنت عن طريق أجهزةٍ ووصلاتِ اتصالاتٍ يملكها عشرات الأطراف المختلفة، ولتيسير الأمر (وعلى غرار ما فعله جوناثان زيترين)، سوف نطلق على مجموعة الأجهزة التي تربط مقدمي خدمات الإنترنت معًا اسم «السحابة». وكما هو مبين في الشكل ٧-١، فإن التعبير على الإنترنت يأتي من مصدر ويتجه إلى مزود خدمة إنترنت، ثم يدخل في سحابة، ثم يخرج من تلك السحابة إلى مزود خدمة إنترنت آخر، ثم يصل أخيرًا إلى وجهته المنشودة (انظر الإطار بعنوان «الحوسبة السحابية» في الفصل الثالث من هذا الكتاب للحصول على مزيد من المعلومات في هذا الشأن).
fig50
شكل ٧-١: أين يمكننا تنظيم الإنترنت؟1

إذا كانت الحكومة تسعى إلى السيطرة على التعبير فيمكنها أن تهاجم عند نقاط مختلفة، فبإمكانها أن تحاول السيطرة على المتحدث أو من يزوده بخدمة الإنترنت عن طريق تجريم أنواع معينة من التعبير، لكن ذلك لن يجدي نفعًا إذا لم يكن المتحدث في نفس بلد المستمع، ويمكنها أن تحاول السيطرة على المستمع عن طريق حظر حيازة أنواع معينة من المواد. يجرِّم القانون في الولايات المتحدة حيازة برمجيات محفوظة حقوق التأليف والنشر دون الحصول على ترخيص مناسب، كما أنه يجرِّم حيازة المواد الأخرى محفوظة حقوق التأليف والنشر بقصد التربح من إعادة توزيعها. لكن إذا كان للمواطنين حقوقُ خصوصيةٍ معقولةٌ فسيصعب على الحكومة أن تعرف ما يمتلكه مواطنوها، ففي مجتمع مثل الولايات المتحدة — حيث يتمتع المواطنون بقدر لا بأس به من الحقوق في مجال الإجراءات القانونية الواجبة — نجد أن الملاحقات القضائية بتهمة الحيازة التي تتم مرة بعد مرة غير عملية، فالملاذ الأخير للحكومة هو أن تحاول السيطرة على الوسطاء.

هناك حالة مشابهة في القانون المدني. لقد رفع والدا الفتاة سالفة الذكر دعوى قضائية ضد ماي سبيس لأنه كان وسيلة التواصل بين بيت سوليس وابنتهما، رغم أن ماي سبيس لم يباشر الاعتداء المزعوم.

التشهير بالشخصيات العامة

إن تصريحات التشهير بالشخصيات العامة، حتى لو كانت كاذبة، لا تُعَدُّ تشهيرًا ما لم تصدر عن نوايا خبيثة، وهذا الشرط الإضافي يحمي وسائل الإعلام ضد دعاوى التشهير التي يرفعها المشاهير الذين تَسوءهم الطريقة التي تصورهم بها الصحافة، لكن لم يكن الأمر دائمًا على هذا النحو. كانت القضية المحورية هنا هي قضية صحيفة نيويورك تايمز ضد سوليفان عام ١٩٦٤. حيث أقام مسئولون في ولاية ألاباما دعوى قضائية ضد الصحيفة الشهيرة لنشرها إعلانًا مؤيدًا للحقوق المدنية. تفاصيل القصة إلى جانب تاريخ التعديل الأول للدستور الأمريكي مذكوران في كتاب لويس أنتوني «لا تسنُّوا القوانين» (فنتيدج بيبر باك، ١٩٩٢)، وللحصول على معلومات أحدث حول الصراعات التي دارت حول التعديل الأول للدستور الأمريكي انظر كتاب لويس أنتوني «حرية الفكر التي نكرهها» (بيزيك بوكس، ٢٠٠٨).

في وقت مبكر جدًّا كان على قوانين التشهير التكيف مع الإنترنت. في الولايات المتحدة يُعد التعبير تشهيرًا إذا كان غير صحيح، ونُقل إلى الغير، وكان يضر بسمعة المرء.

في العالم المادي، عندما يشهِّر المتحدث بشخص ما فإن الوسطاء بين المتحدث والمستمع في بعض الأحيان يُعَدون شركاء في المسئولية مع المتحدث، وفي بعضها الآخر لا يُعدون كذلك، فلو شهَّرنا بسمعة شخص ما في هذا الكتاب فقد يقاضينا بسبب ذلك، لكن نفس الشيء قد يحدث للناشر الذي قد يكون على علم بأن ما كتبناه في هذا الشأن كان مخالفًا للحقيقة. من ناحية أخرى، فإن سائق الشاحنة الذي كان يقوم بنقل الكتاب إلى متجر الكتب ربما لا يُعد شريكًا في الجرم، رغم أنه ساعد أيضًا في وصول كلامنا إلى قرائنا، فهل الوسطاء الإلكترونيون على اختلافهم أشبه بالناشرين أم سائقي الشاحنات؟ وهل والدا الفتاة المذكورة لديهم حجة ضد موقع ماي سبيس؟

لقد تعب المجتمع كثيرًا وهو يحاول إيجاد تشبيه مناسب لوصف أطراف الاتصالات الإلكترونية، ولكي نفهم هذا الجزء من قصة المعلومات الإلكترونية علينا أن نعود إلى عصر الاتصالات الإلكترونية قبل ظهور الإنترنت.

(٣) ناشر أم موزع؟

كانت كمبيو سيرف من بين أوائل الشركات التي عملت في مجال توفير خدمات الكمبيوتر، بما في ذلك لوحات النشرات، وكان بإمكان مستخدمي المجتمعات الإلكترونية الأخرى الانضمام إليها لقاء رسوم، ومن بين هذه المنتديات كانت رومورفيل يو إس إيه التي كانت تقدم نشرة إخبارية يومية من التقارير حول الصحافة الإذاعية والصحفيين. لم تكن كمبيو سيرف ترشح، بل ولا حتى تجمع الشائعات التي تنشر على موقع ذلك المنتدى، فقد تعاقدت مع طرف ثالث هو شركة دون فيتزباتريك وشركاه لتوفير المحتوى، وكان كل ما تقوم به كمبيو سيرف هو نشر كل ما تزودها به تلك الشركة دون أن تراجعه، ولفترة طويلة لم يَشْكُ أحد من ذلك.

في عام ١٩٩٠ ظهرت على الساحة شركة تدعى كَبي، وبدأت توفر خدمة منافسة هي سكَتل بَط، والتي كانت هي الأخرى تنشر القيل والقال عن البث الإذاعي والتليفزيوني، وحدث أن ظهرت على رومورفيل شائعات تقول إن خدمة سكَتل بَط إنما هي «وسيلة احتيال جديدة»، وتدَّعِي أن ما يُنشر فيها إنما هي مواد سُرقت من رومورفيل، فاعترضت شركة كبي على ذلك، وذهبت تقاضي كمبيو سيرف مدعيةً أنها شهَّرت بها. أقرت كمبيو سيرف أن ما نُشر في رومورفيل في هذا الشأن كان تشهيرًا بشركة كبي، لكنها ادعت أنها لم تكن تتصرف كناشر لتلك المعلومات، وإنما مجرد موزع لها، فهي ببساطة كانت ترسل إلى المشتركين ما تلقته من أشخاص آخرين، فمسئوليتها عن المحتويات لا تتجاوز مسئولية سائق الشاحنة عن التشهير الذي قد يظهر في المجلات التي ينقلها بشاحنته.

تُرى ما هو القياس الصحيح؟ هل كمبيو سيرف أشبه في ذلك بتلك الصحيفة أم أشبه بسائق الشاحنة التي تنقلها إلى القراء؟

قضت المحكمة بأنها أشبه بسائق الشاحنة، فهناك تقليد قانوني طويل يقضي بأن الموزع لا يُلام على محتوى المطبوعات التي يوزعها، فلا يمكن أن نفرض على الموزع أن يقرأ كل الكتب التي تنقلها شاحناته، وقد وجدت المحكمة تشبيهًا أفضل لكمبيو سيرف حيث وصفتها بأنها «مكتبة إلكترونية ربحية»، وسواء اعتبرناها موزعًا أو مكتبة فإن كمبيو سيرف كانت مستقلة عن شركة دون فيتزباتريك وشركاه، ولا يمكن أن تكون مسئولة عن وجود تصريحات تشهيرية فيما قدمته لها تلك الشركة. حُسمت القضية بين شركة كبي وكمبيو سيرف لصالح كمبيو سيرف. يحق لشركة كبي أن تلاحق المصدر، لكن كمبيو سيرف لم تكن ذلك المصدر، بل كانت وسيطًا لا ذنب له. كذلك كان موقع ماي سبيس، بعد سنوات من تلك القضية، عندما قاضاه والدا الفتاة طالبيْن تعويضًا عما زعماه من أن ابنتهما تعرضت له من اعتداء جنسي، وفي حكم بُني على قرار المحكمة في قضية كبي بُرِّئت ساحة ماي سبيس من مسئولية ما نشره سوليس الجاني المزعوم.

عندما حُسمت قضية كبي ضد كمبيو سيرف تنفس مقدمو خدمات الكمبيوتر في كل مكان الصعداء، فلو جاء الحكم بعكس ذلك لأصبح التوزيع الإلكتروني للمعلومات عملًا محفوفًا بالمخاطر لا يجرؤ على القيام به إلا القليلون. لقد أنشأت شبكات الكمبيوتر بنية تحتية للمعلومات لم يسبق لها مثيل في قلة نفقاتها، فيمكن لعدد قليل من الناس التواصل معًا عشرات الآلاف من المرات — بل الملايين من المرات — بتكلفة منخفضة جدًّا، ولو جعلنا كل ما يُنشر لا بد أن يُراجَع أولًا من قبل قراء من البشر، لضمان أن أي تصريحات ضارة تكون صادقة، فإن استخدامها المحتمل في مجال الديمقراطية القائمة على المشاركة سيصبح محدودًا للغاية، ولبعض الوقت، كان لروح الحرية الكلمة العليا.

(٤) لا حرية ولا أمن

«كثيرًا ما يطالبنا القانون بأن نضحي بقدر من حريتنا لنحصل على قدر أكبر من الأمن، لكن في بعض الأحيان نجده يأخذ من حريتنا ليعطينا قدرًا أقل من الأمن.» كذا كتب أستاذ القانون يوجين فولوخ في خريف عام ١٩٩٥ تعليقًا على قضية بدا أنها تشبه قضية كَبي ضد كمبيو سيرف، لكنها لم تكن كذلك.

يوجين فولوخ له مدونةٌ باسمه volokh.com يعلق فيها باستمرار على قضايا حرية المعلومات وأشياء أخرى كثيرة.

كانت شركة بروديجي تقدم خدمات كمبيوتر تشبه كثيرًا كمبيو سيرف، لكن في أوائل تسعينيات القرن العشرين، حين بدأت المخاوف تزداد حول المحتوى الجنسي للمواد المتاحة على الإنترنت، سعت بروديجي إلى تمييز نفسها بأنها خدمة موجهة للأسرة، فتعهدت بأن تمارس رقابة تحريرية على ما يُنشر على منتدياتها النقاشية، وصرحت قائلة: «إننا لا نخجل من سعينا إلى تحقيق نظام قِيَمي يعكس ثقافة الملايين من الأسر الأمريكية التي نطمح لخدمتها، وبالتأكيد لا توجد صحيفة مسئولة تفعل أقل من ذلك …» ولا شك أن نجاحها في السوق يرجع إلى حد كبير إلى اطمئنان الأسر أنها ستحصل على محتوى آمن في حين توجد الكثير من المواقع الأخرى لا تبالي بما يُنشر على صفحاتها.

من بين منتديات بروديجي النقاشية ما كان يُسمَّى باسم «نقاش المال»، وكان يدور حول الخدمات المالية، في أكتوبر ١٩٩٤ نشر مجهول تعليقات على ذلك المنتدى حول الاستثمار في الأوراق المالية لشركة ستراتون أوكمونت، وادعى أن تلك الشركة كانت ضالعة في «احتيال جنائي كبير»، وأن رئيسها «سيثبُت قريبًا أنه مذنب»، وأن الشركة بأكملها كانت عبارة عن «زُمْرَة من السماسرة الذين فُرض عليهم إما أن يكذبوا ليكسبوا لقمة عيشهم أو يُفصلوا من عملهم.»

أقامت ستراتون أوكمونت دعوى قضائية ضد بروديجي بتهمة التشهير مدعيةً أنه ينبغي اعتبار بروديجي ناشرًا لتلك التعليقات التشهيرية، وطالبت بتعويض قدره ٢٠٠ مليون دولار أمريكي، وردَّت بروديجي أنْ لا مسئوليةَ تقع عليها عما يَرِد في تلك التعليقات، وكان الأمر محسومًا قبل عدة سنوات بسبب قضية كبي ضد كمبيو سيرف، فلم تكن بروديجي الناشر، بل كانت مجرد موزع.

لكن فجرت إحدى محاكم نيويورك مفاجأة أذهلت مجتمع الإنترنت حين حكمت بخلاف ذلك، واعتبرت المحكمة أن ممارسة بروديجي للرقابة التحريرية لدعم صورتها كشركة تناسب العائلات جعلتها تصبح ناشرًا، ومِنْ ثَمَّ ألحق بها ما يخص ذلك من مسئوليات ومخاطر. في الواقع، لقد شبهت بروديجي نفسها بناشر الصحيفة، ولم تستطع أثناء القضية أن تدعي أنها شيء آخر.

كان كل شيء منطقيًّا تمامًا طالما كان الاختيار محصورًا بين تشبيهيْن: الموزع أو الصحيفة، لكن في الواقع كان مزود الخدمة لا يشبه أيًّا منهما من كل الوجوه، وكان الرصد الذي تقوم به بروديجي لتنقية المحتوى من البذاءة يمثل شكلا يسيرًا جدًّا من العمل التحريري، وكان ذلك بعيدًا كل البعد عن فحص كل صغيرة وكبيرة للتأكد من صدقها.

وأيًّا ما كان الأمر فقد قوَّض قرار المحكمة الجهود الرامية إلى إنشاء مناطق آمنة في الفضاء الإلكتروني، وبعد صدور قرار المحكمة جاءت النصيحة واضحة إلى القائمين على إدارة المنتديات النقاشية: إياك أن تفكر في أمر التحرير أو فرض رقابة على ما يُنشر، فإنك إن قمت بذلك فإن القرار الصادر في قضية ستراتون أوكمونت ضد بروديجي يعني أنك ستكون مسئولًا أمام القانون عن أي محتوى خبيث يفلت من مقص رقابتك، أما إذا تجاهلت الأمر برمته فإن القرار الصادر في قضية كبي ضد كمبيو سيرف يعني أنك في مأمن تام من المسئولية.

نعم، هذا أمَّن القائمين على أمر المواقع، لكن ماذا عن المصلحة العامة؟ كانت حرية التعبير مهددة؛ إذ سيقل عدد الأسر التي تكون على استعداد للتجول بحرية خلال كل ما سيُنشر من غث وسمين، وفي الوقت نفسه لن يمكن تحسين الأمن؛ إذ إن المشهِّرين سيمكنهم نشر أكاذيبهم على مواقع الخدمات الأخرى التي لا تبالي بما يُنشر على مواقعها.

(٥) المكان الأكثر شرًّا على وجه الأرض

استُخدمت كل تكنولوجيا في عالم الاتصالات للسيطرة على تدفق الأفكار وكذلك لتسهيلها، فبعد مرور قرن بالكاد على نشر نسخة جوتنبرج من الكتاب المقدس أصدر البابا بولس الرابع قائمة تضم ٥٠٠ من الكُتَّاب المحظورين. وفي الولايات المتحدة يحمي التعديل الأول للدستور الأمريكي الكُتَّاب والمتحدثين من تدخل الحكومة؛ إذ «لا يُصْدِر الكونجرس أي قانون … يحد من حرية التعبير … أو الصحافة …» لكن الحماية التي يوفرها ذلك التعديل الأول ليست مطلقة، فلا يحق لأحد نشر مواد مخلة بالآداب، ويحق للحكومة تدمير المواد التي ترى أنها مخلة بالآداب، كما فعلت سلطات البريد في عام ١٩١٨ عندما أحرقت المجلات التي كانت تحتوي على مقتطفات من رواية «عوليس» لجيمس جويس.

تحديد ما يندرج تحت تصنيف المواد المخلة بالآداب كان مسألة نزاع قانوني طويل على مدار تاريخ الولايات المتحدة، والمعيار السائد اليوم هو ما استخدمته المحكمة العليا في عام ١٩٧٣ وهي تصدر حكمها في قضية ميلر ضد ولاية كاليفورنيا، والذي سُمِّي لذلك باختبار ميلر. لكي تحدد المحكمة ما إذا كانت مادة ما تخل بالآداب أم لا فعليها أن تنظر فيما يلي:
  • (١)

    هل الشخص العادي، وهو يطبق معايير المجتمع المعاصر، يجد أن العمل ككل يخاطب الغرائز والشهوات؟

  • (٢)

    هل العمل يصور أو يصف بطريقة مسيئة وجلية سلوكًا جنسيًّا ينص عليه قانون الولاية المعمول به على وجه التحديد؟

  • (٣)

    هل العمل ككل يفتقر إلى القيمة الفنية أو الأدبية أو السياسية أو العلمية الحقيقية؟

ولكي يُعَد العمل مُخلًّا بالآداب فلا بد من أن تكون الإجابة على كل سؤال من الأسئلة السابقة بنعم. لقد صار الحكم الصادر في قضية ميلر مَعْلَمًا؛ لأنه ثبت أنه لا توجد معايير موحدة على المستوى الوطني لما هو مخل بالآداب، فلم تكن هناك إلا معايير «مجتمعية» قد تختلف من ولاية لأخرى، لكن لم تكن هناك شبكات كمبيوتر في عام ١٩٧٣، فما هو تعريف كلمة «المجتمع» في الفضاء الإلكتروني؟

في عام ١٩٩٢ كانت شبكة المعلومات العالمية عالمية بالكاد. كان الأمريكيون يستخدمون وصلات هاتفية للوصول إلى معلومات موجودة على نشرات إلكترونية مركزية، بعض النشرات كانت مجانية وتُشكل مجتمعات متحدة يجمعها اهتمام معين، مثل محبي البيسبول أو محبي الطيور، وكان بعضها يوزع البرمجيات المجانية، وكان لبوب وكارلين توماس من ميلبيتاس بولاية كاليفورنيا لوحة نشرات مختلفة أسمياها «حركة الهواة»، وكانا في إعلاناتهما عنها يصفانها بأنها «المكان الأكثر شرًّا على وجه الأرض».

وكان بوسع أي شخص لقاء رسم معين أن ينزل صورًا من ذلك الموقع، ولم تكن تلك الصور من النوع المهذب، بل كانت من النوع الذي تجده بسهولة في المجلات التي تُباع في المدن القريبة من سان فرانسيسكو وسان خوسيه، فداهمت شرطةُ سان خوسيه منزل الزوجين توماس ظنًّا منها أنهما يوزعان موادَّ مخلةً بالآداب، وبعد أن فحصت الشرطة الصور التي لديهما رأت أنها لا تُعَد مخلة بالآداب وفقًا لمعايير الولاية.

فلم يُدانا، وما كان منهما إلا أن أضافا إشعارًا بذلك على لوحة النشرات: «لقد قررت إدارة شرطة سان خوسيه وكذلك مكتب النائب العام لمقاطعة سانتا كلارا وولاية كاليفورنيا أننا نعمل بشكل قانوني.»

وبعد ذلك بعامين، وتحديدًا في فبراير ١٩٩٤، داهمت الشرطة منزل الزوجين توماس مرة أخرى، وصادرت جهاز الكمبيوتر الخاص بهما. في تلك المرة جاءت الشكوى من العميل ديفيد ديرماير مفتش البريد في غرب ولاية تينيسي. مستخدمًا اسمًا مستعارًا دفع العميل ديرماير خمسة وخمسين دولارًا أمريكيًّا لينزل صورًا إلى جهاز الكمبيوتر الخاص به في ممفيس، وكانت صورًا تعد مشينة بالفعل في ممفيس: فقد كانت تصور البهيمية وسفاح المحارم والسادية، فأُلقِيَ القبضُ على الزوجين توماس، ووقفا في إحدى محاكم ممفيس ووجهت إليهما تهم فيدرالية بنقل مواد مخلة بالآداب عبر ناقل مشترك وعن طريق التجارة بين الولايات، وأدانتهما هيئة محلفين من تينيسي رأت أن لوحة نشراتهما التي في ميلبيتاس تخالف معايير مجتمع ممفيس، فحُكِمَ على بوب بالسجن ٣٧ شهرًا، وعلى كارلين بالسجن ٣٠ شهرًا.

استأنف الزوجان توماس ذلك الحكم على أساس أنه لم يكن لديهما علم أين تتوجه البِتات، وأن المجتمع ذا الصلة، إن لم يكن سان خوسيه، فقد كان مجتمع الفضاء الإلكتروني، لكن محكمة الاستئناف لم تلتفت إلى هذا، وأيدت الحكم، فحين تقدم ديرماير ليصير عضوًا في «حركة الهواة» زود الزوجين توماس بعنوان بريدي يقع في ولاية تينيسي، وقد اتصل به الزوجان توماس عن طريق رقم هاتفه الموجود في ممفيس لإعطائه كلمة المرور، وهذا يعني أنهما كانا يعرفان أين كان الرجل، وقد خَلُصَت المحكمة إلى أنه كان ينبغي على الزوجين توماس أن يكونا أكثر حذرًا حول أين يرسلان البِتات بمجرد أن شَرَعا في بيعها خارج الولاية. إن شحن البِتات كان يشبه تمامًا شحن شريط فيديو عن طريق خدمة إرسال الطرود (وهو اتهام آخر وُجِّه إلى الزوجين توماس)، وكانت قوانين العالم المادي تنطبق على الفضاء الإلكتروني، والمعايير القانونية لمدينة ما قد تنطبق في بعض الأحيان على بعد آلاف الأميال.

(٦) الشكل الأكثر تشاركية للتعبير الجماهيري

منذ تمكن الإنسان من تخزين الكلمات والصور ونقلها إلكترونيًّا، والمواد الإباحية تمثل جزءًا من العالم الإلكتروني، وقد علم الزوجان توماس أن البِتات مثلها مثل الكتب، وكانت تخضع لنفس معايير الإخلال بالآداب.

في منتصف تسعينيات القرن العشرين حدث شيء آخر، فقد أدى انتشار أجهزة الكمبيوتر والشبكات إلى زيادة كبيرة في عدد الصور الرقمية المتاحة وعدد الأشخاص الذين بوسعهم الاطلاع عليها، فصارت المواد الإباحية الرقمية شكلًا جديدًا لمحتوى قديم، بل بدت وكأنها شيء جديد تمامًا لكثرة الموجود منها كثرة عظيمة، وكذلك لشدة سهولة الحصول عليها حتى في المنازل. وقد سعى السناتور جيمس إكسون نائب نبراسكا إلى إدخال تعديل على مشروع قانون الاتصالات السلكية واللاسلكية فيما يتعلق بمكافحة المواد الإباحية على شبكة الإنترنت، لكن كان مصير محاولته الفشل بسبب التشبث بالحريات المدنية، وبعد ذلك انفتحت أبواب الجحيم.

في ٣ يوليو ١٩٩٥ انتقدت مجلة تايم على غلافها المواد الإباحية المنشورة على شبكة الإنترنت، وفي المقالة المصاحبة لذلك الغلاف، والتي كانت تستند إلى حد كبير إلى تقرير جامعي واحد، وجدنا المحرر يقول:

وكان ما اكتشفه الباحثون في كارنيجي ميلون أن: هناك كمًّا كبيرًا مزعجًا من المواد الإباحية على شبكة الإنترنت. ففي دراسة استمرت ١٨ شهرًا، قام الفريق بعمل مسح شمل ٩١٧٤١٠ صور وأوصاف وقصص قصيرة ومقاطع أفلام جنسية صريحة. وفي المجموعات الإخبارية الخاصة بيوزنت حيث يتم تخزين الصور الرقمية، وجد أن ٨٣٫٥٪ منها صور إباحية.

أشار المقال بعد ذلك إلى أن هذه الإحصائية لم تشمل إلا جزءًا صغيرًا من مجموع حركة البيانات، لكن لم يوضح أن الصور المسيئة كانت في الغالب على لوحات نشرات كان الدخول إليها بشروط، وغير متوافرة علنًا للأطفال أو أي شخص آخر، وأشار المقال إلى مسألة الرقابة الحكومية، ونقل ما قاله جون بيري بارلو عن الدور الحاسم للوالدين، ومع ذلك، حين تلا السيناتور جراسلي النائب عن أيوا ما نشرته مجلة تايم، وأدخله في سجل الكونجرس عازيًا ما به من استنتاجات إلى دراسة أجرتها كلية جورج تاون للقانون التي تحظى باحترام كبير، ناشد السيناتور الكونجرسَ أن «يساعد الآباءَ والأمهاتِ الذين يتعرضون للهجوم في هذا اليوم وذلك العصر»، وناشده أيضًا أن «يساهم في وقف هذا المد المتزايد.»

وقد شحذت كلمة جراسلي وما حرص على نشره في مبنى الكابيتول من صور قذرة قام بتنزيلها أحد أصدقاء السيناتور إكسون، هِمَّة الكونجرس من أجل إنقاذ أطفال أمريكا، وفي فبراير ١٩٩٦ صدر قانون آداب الاتصالات بالإجماع تقريبًا، ووقَّعه الرئيس كلينتون ليصبح قانونًا ساريًا.

وقد جرَّم قانون آداب الاتصالات استخدام «أي خدمة كمبيوتر تفاعلية ليعرض بطريقة متاحة لمن تقل أعمارهم عن ١٨ سنة أي تعليق أو طلب أو اقتراح أو عرض أو صورة أو أي تواصل آخر يكون، في سياقه، يصور أو يصف بطريقة مؤذية بوضوح وفقًا لمعايير المجتمع المعاصر، أعمالًا جنسية أو أعضاء جنسية.» وتُوقَّع العقوبات الجنائية أيضًا على أي شخص «يسمح عن علم بأن تُستَعمل أي وسيلة اتصالات سلكية أو لاسلكية تقع تحت سيطرته» في ممارسة هذه الأعمال المحظورة، وأخيرًا فقد جرَّم القانون نقل المواد التي تكون «مخلة بالآداب أو غير لائقة» إلى مَنْ يعرف أنهم دون سن الثامنة عشرة.

عملت «أحكام العرض» لقانون آداب الاتصالات هذه على تمديد نطاق قوانين مكافحة المواد المخلة بالآداب القائمة إلى حد كبير، والتي كانت تطبق بالفعل على شبكة الإنترنت. عمليات الحظر المزدوجة ضد إتاحة الصور المسيئة لمن هم دون سن الثامنة عشرة، وضد نقل المواد غير اللائقة لمن يُعلم أنهم دون سن الثامنة عشرة، كانت لا تشبه أي شيء ينطبق على المنشورات المطبوعة، ومهما كان معنى «عدم الاحتشام» أو «عدم اللياقة» فإنه يَقْصُر عن معنى الإخلال بالآداب، ولم يكن شيء مجرَّمًا قبل صدور قانون آداب الاتصالات سوى المواد المخلة بالآداب. يمكن لكشك الجرائد أن يفرق بين زبون يبلغ من العمر ١٢ عامًا وزبون آخر يبلغ من العمر ٢٠ عامًا، لكن كيف يمكن لأي شخص أن يتحقق من السن في الفضاء الإلكتروني؟

عندما صدر قانون آداب الاتصالات رأى جون بيري بارلو أن هناك تحديًا لإمكانات شبكة الإنترنت من حيث التدفق السلس للمعلومات، فأصدر بيانًا يُعَد الآن من الركائز في هذا المجال يهاجم فيه مساعي الحكومة لتقنين التعبير:

يا حكومات العالم الصناعي … يا عمالقةً بالينَ من لحم وفولاذ … آتي إليكم من الفضاء الإلكتروني، الموطن الجديد للعقل. باسم المستقبل، أسألكم يا من تنتمون للماضي أن تدعونا وشأننا؛ فلا سلطان لكم حيث نجتمع … إننا بصدد إنشاء عالم جديد يمكن للجميع أن يدخلوه بلا ميزة وبلا حكم مسبق على عرقهم أو على قدرتهم الاقتصادية أو العسكرية أو على محل ميلادهم. نحن نخلق عالمًا يمكن فيه لأيٍّ كان في أي مكان التعبير عن رأيه أو رأيها، بغض النظر عن قدر تَفَرُّد هذا الرأي، بلا خوف من أن يُكرَه على الصمت أو على الامتثال … في عالمنا كل الأهواء والتجليات البشرية، من أدناها إلى أسماها، جزءٌ من كلٍّ غير متمايز هو حوار البِتات … إنكم تحاولون درء فيروس الحرية بإقامة نقاط حراسة على طول جبهة الفضاء الإلكتروني.

إنها حقًّا كلمات رجل شجاع تُحَرِّك المشاعرَ رغم أن القول بأن الفضاء الإلكتروني «كيان متجانس» ثبت أنه أمر مشكوك فيه. فعلى الأقل، اضطرت البِتات إلى أن تلتزم بمعايير مختلفة حول ما يُعَد مُخِلًّا بالآداب في ممفيس وميلبيتاس، وتشهد بذلك حالة الزوجين توماس. في الواقع، كان تشبيه الإنترنت بالفضاء الذي له «حدود» مَعِيبًا بصورة قاتلة، وللأسف استمر هذا التشبيه المعيب يُستخدم وتُعاني منه القوانين والسياسات حتى يومنا هذا.

انضم المدافعون عن الحريات المدنية إلى جَوْقَة الطاعنين على قانون آداب الاتصالات، وفي وقت قصير قضت المحكمة الاتحادية والمحكمة العليا الأمريكية في قضية بالغة الأهمية دارت بين الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية ورينو، وقد حُكم بعدم دستورية أحكام العرض الخاصة بقانون آداب الاتصالات، وقال القاضي دالزيل قاضي المحكمة الجزئية في منطوق حكمه: «لا يحق للحكومة تقنين حرية التعبير إلا لسبب قاهر وفي أضيق الحدود.» ستكون هناك عواقب وخيمة على حرية التعبير إنْ طالبنا بالتحقق عبر الإنترنت من سن كل شخص حتى يُسمَح له بأن يطلع على المواد التي يحق للكبار قانونًا الاطلاع عليها.

عارضت الحكومة ذلك قائلةً بأن سلطة لجنة الاتصالات الاتحادية لتنظيم محتوى البث التليفزيوني والإذاعي، والذي لا بد أن لا يكون «غير لائق»، تخول الحكومة الحق في مراقبة الاتصالات عبر الإنترنت؛ إذ إن هذا يشبه ذاك.

ولم يوافق القضاء على هذا، وقضى بأن هذا التشبيه من قبل لجنة الاتصالات الاتحادية تشبيه خاطئ؛ لأن الإنترنت أكثر انفتاحًا بكثير من وسائل البث المعتادة، فاختلاف وسيلة الإعلام يستلزم اختلاف القانون الذي يحكمها، فقوانين الإذاعة والتليفزيون كانت أكثر تقييدًا من قوانين وسائل الإعلام المطبوعة، وينبغي أن تكون كذلك بالنسبة للإنترنت، وكتب القاضي دالزيل يقول: «ليس لديَّ أي شك في أن قانون آداب الصحف الذي أصدره الكونجرس لأنه اكتشف أن هناك فتياتٍ قرأن مقالًا منشورًا على الصفحة الأولى في صحيفة نيويورك تايمز عن ختان الإناث في أفريقيا، ليس لديَّ أي شك في أنه قانون غير دستوري … ويمكننا النظر إلى شبكة الإنترنت على أنها حوار عالمي لا نهاية له، ولا يحق للحكومة، عن طريق قانون آداب الاتصالات، أن تقطع ذلك الحوار. ولكون الإنترنت تشكل حتى الآن أكثر وسائل التعبير العام تشاركية، فإنها تستحق منا أن نحميها من التدخل الحكومي.» وتلك كانت الضربة القاضية بالنسبة لأحكام العرض الخاصة بقانون آداب الاتصالات.

بالأساس، لم يكن لدى المحكمة استعداد للمخاطرة بما تَعِدُ به شبكة الإنترنت بأن تصبح سوقًا قوية للأفكار مقابل خدمة غرض محدود هو حماية الأطفال من الفحشاء، وبدلًا من ذلك نقلت عبء حجب الاتصالات غير المرغوب فيها من مقدمي خدمات الإنترنت إلى المتلقي. إن العبء المقترح لقانون حذف المواقع الإلكترونية المستغِلة على المكتبات والمدارس إنما هو ثمرة لحكم المحكمة الذي أطاح بقانون آداب الاتصالات. من الناحية القانونية، بدا أنه ما من مكان آخر للسيطرة على التعبير إلا عند النقطة التي جاء منها من السحابة وتلقاه المستمع.

الدفاع عن الحريات الإلكترونية

مؤسسة الحدود الإلكترونية www.eff.org، هي الجهة الرائدة في زمرة الجهات التي تدافع عن التعديل الأول للدستور الأمريكي والحقوق الأخرى في الفضاء الإلكتروني، ومن المفارقات أن وسائل الإعلام وشركات الاتصالات غالبًا ما تعارضها. من حيث المبدأ، ينبغي أن تكون شركات الاتصالات أكثر الأطراف اهتمامًا بعدم فرض قيود على تبادل المعلومات، لكن في الممارسة الفعلية، فإنها غالبًا ما تستفيد ماليًّا من السياسات التي تحد من اختيار المستهلك أو توسيع المراقبة وجمع البيانات عن المواطنين العاديين. كانت مؤسسة الحدود الإلكترونية من بين المدعين في القضية التي ألغت قانون آداب الاتصالات.

في خضم هستيريا عدم الاحتشام على الإنترنت بين عامي ١٩٩٥ و١٩٩٦ سقط من الحساب حقيقة أن «تقرير كارنيجي ميلون» الذي جعل طاحونة التشريعات تدور شُكِّكَ فيه تقريبًا بمجرد ظهور مقالة مجلة تايم. فقد كان كاتب التقرير، مارتن ريم، طالبًا جامعيًّا في مجال الهندسة الكهربائية، وكانت منهجية دراسته معيبة، وربما مزورة. على سبيل المثال، قال للقائمين على لوحة النشرات إنه كان يدرس أفضل السبل لتسويق المواد الإباحية على شبكة الإنترنت، وإنه سيدفع لهم مالًا مقابل تعاونهم معه عن طريق نشر نصائحه. كانت استنتاجاته لا يُعوَّل عليها، لكن لماذا لم يلتفت إلى هذا عندما نشرت مقالته؟ لأنه — وفقًا لما صرح به عضو مجلس الشيوخ جراسلي — لم يكن المقال من عمل جامعة جورج تاون، بل نُشر في مجلة جورج تاون القانونية، وهو منشور طلابي لا يراجَع من قبل النظراء ولا من قبل مراجعين مهنيين. وبعد ثلاثة أسابيع من نشر مقالة المواد الإباحية على الإنترنت اعترفت مجلة تايم أن تلك الدراسة لم تكن جديرة بالثقة، ورغم هذا نال الكاتب شيئًا من ثمرة جهوده، فقد نشر كتابًا بعنوان «كتيب الإباحيين: كيف تستغل النساء والرجال السذج لتصبح ثريًّا».

(٧) حماية السامريين الطيبين، وحفنة من الأشرار

في عام ١٩٩٥ صدر الحكم في قضية ستراتون أوكمونت ضد بروديجي الذي زهَّد مقدمي خدمات الإنترنت في القيام بأي عمل تحريري، في الوقت الذي كان فيه الكونجرس يستعد لسن قانون آداب الاتصالات لحماية الأطفال من الإباحية على شبكة الإنترنت. أدرك الكونجرس أن تلك القضية ستسفر عن تقليل مساعي مقدمي خدمات الإنترنت لفحص محتوى مواقعهم حتى لا يتضمن شيئًا مشينًا؛ لذلك أضاف مقدمو مشروع قانون آداب الاتصالات إليه حكمًا يخص «السامري الطيب».

كان الهدف من ذلك أن تتاح الفرصة أمام مقدمي خدمات الإنترنت للعب دور المحرر دون التعرض لخطر أن يُساءلوا عن المحتوى الذي حرروه، ومِنْ ثَمَّ يعرضوا أنفسهم لنفس الورطة التي وقعت فيها شركة بروديجي؛ لذلك تضمن قانون آداب الاتصالات إسقاط المساءلة عن مقدمي خدمات الإنترنت بسبب أي شيء يفعلونه بحسن نية لتنقية المحتوى من أي أمور «مخلة بالآداب أو تتعلق بالفسق أو الفجور أو العنف المفرط أو المضايقات أو التحرشات أو غير ذلك مما لا يُرغب فيه.» وقد أحسن قانون آداب الاتصالات حين استخدم تشبيه المحكمة لشركة كمبيو سيرف ﺑ «الموزع» إلى أقصى حد ممكن، بل وبالغ في ذلك. لا ينبغي أن نعتبر مقدمي خدمات الإنترنت ناشرين ولا مصادر. «لا يعامَل أي موفر أو مستخدم لخدمة حاسوبية تفاعلية على أنه ناشر أو متكلم بأي معلومات يقدمها موفر محتوى معلوماتي آخر.» كانت هذه خلاصة المادة رقم ٢٣٠ من قانون آداب الاتصالات، وذلك يعني أنه لن تكون هناك معضلات على غرار ما حدث في قضية ستراتون أوكمونت ضد بروديجي.

عندما ألغت المحكمة العليا الأمريكية قانون آداب الاتصالات في عام ١٩٩٦ فإنها لم تبطل سوى أحكام العرض؛ أي المواد التي هددت مقدمي المحتوى «غير اللائق»، وسُمح لفقرة السامري الطيب أن تبقى في القانون إلى يومنا هذا، وبهذا يمكن لمقدمي خدمات الإنترنت القيام بالقدر الذي يريدونه من غربلة للمحتوى أو فرض للرقابة عليه دون أن يخشوا من مساءلتهم قانونيًّا باعتبارهم ناشرين.

أو لهم أن يُقِلوا من ذلك ما شاءوا، كما علم كين زيران بعد بضع سنوات لاحقة.

قانون آداب الاتصالات والتمييز

تصورت مادة «السامري الطيب» وجود خط فاصل بين «مقدمي الخدمات» (الذين حصلوا على الحصانة) و«موفري المحتوى» (الذين لم يحصلوا عليها)، لكن مع التطور الذي شهده عالم التكنولوجيا أصبح الفرق بينهما غامضًا، فقد رُفعت دعوى قضائية ضد خدمة توفيق بين شركاء الغرف في ولاية كاليفورنيا على أساس أنها تدعو المستخدمين إلى التمييز عن طريق تصنيف تفضيلاتهم وهم يختارون من يشاركهم غرفهم (نساء فقط، على سبيل المثال). قضت المحكمة أن القائمين على الموقع الإلكتروني محصنون بوصفهم مقدمي خدمة. ثم نقضت محكمة الاستئناف هذا الحكم على أساس أن الموقع الإلكتروني أصبح موفر محتوى؛ إذ قام بترشيح معلومات مقدمي الطلبات التي زوده بها، فمن يطلب أن تكون شريكته في الغرفة أنثى لن يعلم شيئًا عن الرجال الذين يبحثون عن غرف لهم. لم يكن ثمة ما يسوء في ذلك، لكن مبدأ أن خدمة توفيق شركاء الغرف كانت تتمتع بحماية شاملة بموجب قانون آداب الاتصالات لترشيح المعلومات كما تشاء كان معناه أن تَسْلَم من العقاب كذلك إن هي سألت مقدمي الطلبات عن تفضيلاتهم العنصرية ثم أقرت تلك التفضيلات، وهذا الشكل من أشكال التمييز في إعلانات الصحف مخالف للقانون، وكتب قاضي محكمة الاستئناف يقول: «إننا نشك في أن هذا قد دار في خلد الكونجرس حين مرر قانون آداب الاتصالات.»

أسوأ هجوم إرهابي في التاريخ وقع على أرض الولايات المتحدة قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي ذهبت بمركز التجارة العالمي كان تفجير مبنى ألفريد بي مورا الفيدرالي في مدينة أوكلاهوما في ١٩ أبريل عام ١٩٩٥، وقد أودى بحياة ١٦٨ شخصًا، منهم بعض الأطفال كانوا موجودين في مركز للرعاية النهارية، وأصيب مئات آخرون عندما انهار المبنى من حولهم، وانهال الزجاج والأنقاض على المباني والشوارع المحيطة بالمبنى، وقال أحدُ مَنْ نجوا من تلك الفاجعة المروعة إن الانفجار كان أشبه بتفجير قنبلة ذرية.

لم يمضِ على ذلك أسبوع حتى نشر أحدهم — وكان يسمى نفسه Ken ZZ03 — إعلانًا على لوحة نشرات أمريكا أونلاين، وكان يعرض في ذلك الإعلان «قطع تي شيرت أوكلاهوما الشقية» للبيع، ومن بين الشعارات التي كتبت على تلك المنتجات «زُرْ أوكلاهوما تَرَ الدمار!» و«مزقهم … رصهم … عبِّئهم، أوكلاهوما ١٩٩٥» وهناك شعارات أخرى أكثر خشونة وأكثر تفاهة، وكان الإعلان يقول إنك إن أردت الحصول على قطعة من تلك المنتجات فعليك بالاتصال بناشر الإعلان كين، وكان الإعلان يتضمن رقم هاتف كين هذا.

في الحقيقة كان رقم الهاتف هذا يخص شخصًا آخر يُدعى كين زيران، وكان من أهل الفن ومنتج أفلام في سياتل بولاية واشنطن، ولم تكن لزيران علاقة بذلك الإعلان، وكان ذلك الإعلان مجرد خدعة.

بدأ كين زيران يتلقى مكالمات هاتفية ممن اطلعوا على ذلك الإعلان. كانت مكالمات غاضبة ومهينة. ثم تطور الأمر فصارت هناك تهديدات بالقتل.

فاتصل زيران بأمريكا أونلاين، وطلب من القائمين عليها حذف ذلك الإعلان، وأن ينشروا تكذيبًا له، ووعده أحد موظفي أمريكا أونلاين بأنه سيحذف ذلك الإعلان المضلل، لكنه قال إن التكذيب لا يتوافق مع سياسة الشركة.

وفي اليوم التالي نشر مجهول — يحمل اسمًا مستعارًا مختلفًا قليلًا — إعلانًا عن قطع تي شيرت للبيع تحمل شعارات أكثر إساءة من سابقتها.

«اتصِل بكين! وبالمناسبة، هناك إقبال كبير على منتجاتنا، وحتى لو وجدت الهاتف مشغولًا اتصل مرة أخرى.»

ظل زيران يتصل هاتفيًّا بأمريكا أونلاين يطلب حذف هذيْن الإعلانيْن ويطالب بمنع نشر رسائل أخرى من هذا النوع، وظل القائمون على أمريكا أونلاين يَعِدونه بأنهم سيغلقون هذيْن الحسابيْن وحذف ما ينشرانه من إعلانات زائفة، لكنهم لم يفوا بوعودهم قط، وبحلول ٣٠ أبريل أصبح كين زيران يتلقى مكالمة هاتفية بخصوص هذيْن الإعلانيْن كل دقيقتين، وكان الرجل يعتمد على رقم هاتفه هذا في عمله الفني، فلم يكن بوسعه تغييره ولا أن لا يردَّ على المكالمات التي تَرِد إليه عن طريقه وإلا فَقَدَ مصدر رزقه.

في ذلك الوقت تلقى شانون فولرتون، صاحب برنامج حواري إذاعي صباحي في سياتل، رسالة بريد إلكتروني تتضمن نسخة من أحد هذيْن الإعلانيْن، وكان برنامجه عادة برنامجًا مليئًا بالحماقات خفيفة الظل، لكن بعد وقوع فاجعة أوكلاهوما كرَّس فولرتون وشريكه الإذاعي عدة حلقات من البرنامج لمشاركة مجتمع أوكلاهوما في حزنه وأساه على ما وقع، وقرأ فولرتون عبر الأثير الشعارات المستفزة التي وردت في الإعلان الكاذب، وأعلن عن رقم هاتف كين، ودعا مستمعيه إلى الاتصال بكين ليخبروه عن رأيهم فيه.

ازداد عدد ما يتلقاه كين زيران من مكالمات هاتفية وتهديدات بالقتل، وخشي الرجل على نفسه فطلب من الشرطة أن تراقب منزله. كان معظم المتصلين لا يرغبون في سماع ما كان سيقوله كين عندما يرفع سماعة الهاتف، لكنه تمكن من أن يعرف من أحدهم أن الأمر نشرته إذاعة كيه آر إكس أو، فاتصل زيران بتلك الإذاعة هاتفيًّا، فأعلنت الإذاعة تكذيبًا للخبر، فقلَّ عدد المكالمات الواردة إلى كين بخصوص هذا الأمر إلى خمس عشرة مكالمة يوميًّا، وفي نهاية المطاف كشفت إحدى الصحف الخدعة التي وقعت، وأخيرًا حذفت أمريكا أونلاين الإعلانيْن الوهمييْن بعد أن عُرضا على موقعها أسبوعًا، وحينها بدأت حياة كين زيران تعود إلى طبيعتها.

هل كانت المحطة الإذاعية مسئولة؟

رفع زيران دعوى قضائية ضد محطة الإذاعة وحدها، لكن محاولته باءت بالفشل، وقالت المحكمة بأنه رغم أن زيران عانى كثيرًا إلا أن ما تعرض له لا يُعد تشهيرًا؛ لأنه لا أحد ممن اتصلوا به هاتفيًّا بسبب تلك الأكاذيب كان يعرف أنه كين زيران، ومِنْ ثَمَّ فإن سمعته لم تتضرر حين ذمَّت المحطة الإذاعية «كين»!

رفع زيران دعوى قضائية ضد أمريكا أونلاين متهمًا إياها بعدة تهم من بينها التشهير. إن نشر أمريكا أونلاين هذيْن الإعلانيْن الكاذبيْن على موقعها وتركهما لفترة طويلة رغم إبلاغها بأنهما كذب محض أضر بزيران ضررًا بالغًا.

لكن قضت المحكمة الأدنى لصالح أمريكا أونلاين، ولما استأنف زيران الحكم أيدت محكمة الاستئناف حكم المحكمة الأدنى. لا شك أن أمريكا أونلاين تصرفت كناشر؛ إذ إنها في المقام الأول نشرت الإعلانيْن الكاذبيْن، ثم إنها اختارت أن لا تحذفهما حين أخطرها زيران بأنهما إعلانان مزوران، وخلافًا للمدعى عليه في قضية شركة كَبي ضد كمبيو سيرف، كانت أمريكا أونلاين تعرف بالضبط ما كانت تنشره، لكن مادة السامري الطيب في قانون آداب الاتصالات تحديدًا قررت أنه لا ينبغي أن تُعامل أمريكا أونلاين قانونًا كناشر، ومِنْ ثَمَّ فلم تقع على عاتق أمريكا أونلاين أي مسئولية عما عانى منه زيران.

كان الملاذ الأخير أمام زيران أن ينجح في التعرف على الهُوِيَّة الحقيقية لمن سمى نفسه Ken ZZ03 ونشر الإعلانيْن المغرضيْن، لكن لم يكن لأمريكا أونلاين أن تساعده في ذلك. ما من أحد إلا وحَزِنَ لكين زيران، لكن النظام لم يسعفه بشيء.

فمن يرسلون الإعلانات لتنشر على الموقع يمكنهم التهرب من المسئولية طالما أنهم مجهولو الهُوِيَّة، وهذا أمر يسير في عالم الإنترنت. كان الكونجرس قد منح مقدمي خدمات الإنترنت إعفاءً كاملًا من المسئولية عن عواقب البيانات والتصريحات الكاذبة والضارة حتى لو كانوا على علم بأنها كاذبة. تُرى هل فكر أي شخص في الكونجرس في الآثار المترتبة على مادة السامري الطيب؟

(٨) قوانين العواقب غير المقصودة

كانت مادة السامري الطيب في قانون آداب الاتصالات نصيرًا لحرية التعبير، ومصدر ارتياح كبير لمقدمي خدمات الإنترنت، لكن تطبيقها كان يتعارض مع منطق روح القانون الذي أدى لوجودها.

كان سيدني بلومنتال أحد مساعدي بيل كلينتون، وكانت مهمته تشويه صورة أعداء الرئيس الأمريكي. في ١١ أغسطس عام ١٩٩٧ ذكر الصحفي المحافظ مات درادج في عموده الذي يُنشر على الإنترنت أن «سيدني بلومنتال متورط في اعتداء على زوجته تم التستر عليه.» فما كان من البيت الأبيض إلا أن نفى ذلك، وفي اليوم التالي سحب الكاتب قولته، فأقام آل بلومنتال دعوى قضائية ضد أمريكا أونلاين التي كانت قد أبرمت اتفاقًا مع ذلك الكاتب. كانت الشبكة ثرية، وطالب آل بلومنتال بتعويض قدره ٦٣٠٠٠٠٠٢١ دولارًا أمريكيًّا، وادعى آل بلومنتال أن أمريكا أونلاين كانت مسئولة عن التشهير بقدر مسئولية الكاتب عنه؛ لأن بوسع أمريكا أونلاين تحرير ما يزودها به الكاتب، بل كان بوسع أمريكا أونلاين أن تُصر على أن يحذف الكاتب ما لا ترضى أمريكا أونلاين عن نشره، وجاء حكم المحكمة في صالح أمريكا أونلاين، واستشهدت بمادة السامري الطيب في قانون آداب الاتصالات، فلا سبيل إلى أن تُعامل أمريكا أونلاين كناشر لذلك، ومِنْ ثَمَّ فلا سبيل إلى مساءلتها عن أكاذيب الكاتب، ثم أُغلقت القضية.

بل والأعجب من ذلك أن مادة السامري الطيب في قانون آداب الاتصالات قد استُخدمت لحماية مزود خدمة إنترنت كانت غرفة الدردشة التابعة له تُستخدم لترويج المواد الإباحية الخاصة بالأطفال.

ففي عام ١٩٩٨ أقامت أم وابنها القاصر دعوى قضائية ضد أمريكا أونلاين عن الضرر الذي لحق بالابن، وادعيا أن غرف الدردشة التابعة لأمريكا أونلاين كانت تُستخدم لبيع صور إباحية للصبي القاصر عندما كان عمره ١١ سنة، وادعيا أنه في عام ١٩٩٧ أغرى ريتشارد لي راسيل الصبيَّ وصبييْن آخريْن بالانخراط في أنشطة جنسية مع بعضهم البعض ومع راسيل نفسه. ثم عمد راسيل إلى غرف الدردشة التابعة لأمريكا أونلاين ليسوِّق صورًا وأشرطة فيديو تصور تلك اللقاءات الجنسية.

فما كان مِنْ أم الصبي إلا أن اشتكت لأمريكا أونلاين من ذلك، ووفقًا لأحكام الاتفاق الذي تبرمه أمريكا أونلاين مع مستخدميها فقد احتفظت أمريكا أونلاين على وجه التحديد بالحق في إنهاء خدمة أي شخص يمارس أنشطة غير لائقة من هذا القبيل، لكن لم توقف أمريكا أونلاين الخدمة عن راسيل، بل ولم تحذره بأنها ستوقف الخدمة عنه حتى يرتدع عن غيه، وهذا ما دعا الأم وصبيها القاصر أن يطالبا أمريكا أونلاين بتعويض؛ نظرًا لضلوعها فيما تعرَّض له الصبي من اعتداء جنسي.

لكن حكمت المحكمة لصالح أمريكا أونلاين، فقد استشهدت محاكم ولاية فلوريدا بمادة السامري الطيب وسابقة الحكم في قضية زيران، ومِنْ ثَمَّ برأت ساحة أمريكا أونلاين مما نسب إليها. إن مقدمي خدمة الانترنت الذين يسمحون عن علم بتسويق المواد الإباحية الخاصة بالأطفال عن طريق لوحات نشراتهم لا يُعامَلون كما لو كانوا قد نشروا إعلانات عن المواد الإباحية الخاصة بالأطفال.

استؤنف الحكم لكن دون جدوى، وجاء قرار المحكمة العليا في فلوريدا في صالح أمريكا أونلاين بنسبة أربعة إلى ثلاثة، وكاد القاضي جيه لويس أن ينفجر وهو يعبر عن رأيه المخالف. كان الهدف من وضع مادة السامري الطيب هو محاولة لإزالة العوائق التي تقف في طريق تطوير تكنولوجيات الترشيح والحجب، والتي من شأنها أن تساعد الآباء في سعيهم إلى حماية الأطفال. «من غير المعقول أن يهدف الكونجرس من وراء سن قانون آداب الاتصالات أن يوفر الحماية من المساءلة المحتملة لمزود خدمة إنترنت يزعم أنه لم يتخذ على الإطلاق أي إجراءات للحد من الأنشطة غير المشروعة … في حين أنه يستفيد من استخدام عملائه المستمر للخدمة التي يقدمها.» لقد تحول القانون إلى قانون «يتغاضى عن، بل ويبرئ فشلًا صارخًا يستحق اللوم والتوبيخ من جانب مزود خدمة إنترنت في مواجهة … مواد لا شك في أنها تضر بالأطفال.» كان هذا هراءً. إن تسلسل القرارات «يضع الكونجرس في موقف بغيض بوصفه يصدر تشريعات تشجع وتحمي إشراك مقدمي خدمات الإنترنت كشركاء صامتين في أعمال إجرامية تجني الأرباح.»

ورأى القاضي لويس أن المشكلة هي أنه لا يكفي أن نقول إن مقدمي خدمات الإنترنت لا يشبهون الناشرين، بل هم أقرب إلى الموزعين، وذلك ما حاول أن يثبته كين زيران، والموزعون ليسوا مبرئين تمامًا من المسئولية عما يوزعونه، وسائق الشاحنة الذي يعرف أنه يحمل مواد إباحية تخص الأطفال يناله جزء من أرباح بيع تلك المواد، ومِنْ ثَمَّ يناله شيء من المسئولية القانونية لاشتراكه في هذه التجارة غير المشروعة. نعم، ليس دوره كالناشر، لكنَّ له دورًا ولو صَغُر. لقد شوشت المحكمة التي تناولت قضية زيران على الأمر باستخدامها قياسًا خاطئًا، وقد أفسح الكونجرس المجال لهذا التشويش؛ إذ لم يفصح بشيء عن التشبيه الصحيح بعد أن قرر أن التشبيه بالناشر ليس صحيحًا.

(٩) هل يمكننا أن نشبه الإنترنت بمتجر للمجلات؟

بعد الحكم بعدم دستورية مادة العرض من قانون آداب الاتصالات في عام ١٩٩٧ عاد الكونجرس ليعمل على حماية أطفال أمريكا، فأصدر في عام ١٩٩٨ قانون حماية الطفل على الإنترنت الذي يتضمن العديد من المكونات الرئيسية لقانون آداب الاتصالات، لكنه سعى إلى تجنب ما كان في قانون آداب الاتصالات من مشكلات دستورية، وذلك عن طريق تضييق نطاقه، فقد كان لا ينطبق إلا على التعبير «التجاري»، وكان يُجرِّم أن يُوفر المرء عن عمد «المواد الضارة للقصَّر»، وكان يعنى بالقصَّر من هم دون سن السابعة عشرة. لقد توسع القانون في اختبار ميلر لفحص ما إذا كانت المواد مخلة بالآداب من عدمه؛ وذلك لإنشاء تعريف المواد التي لا تعدُّ مخلة بالآداب لكنها «ضارة بالقصر»:

مصطلح «المواد الضارة بالقصر» يعني أي تواصل … (أ) يجده الشخص العادي، وهو يطبق معايير المجتمع المعاصر، أنه مصمم إجمالًا، ومن منظور القصر، بحيث يخاطب الغرائز والشهوات و(ب) يصور أو يصف بطريقة مسيئة ما ينص عليه القانون فيما يتعلق بالقصر بأنه، … [أ] فعل جنسي، أو إظهار بذيء للأعضاء التناسلية أو لصدر أنثى بالغة، و(ج) يرى ككل أنه يفتقر إلى أي قيمة فنية أو أدبية أو سياسية أو علمية للقصر.

وقد طُعِن على قانون حماية الطفل على الإنترنت هذا، فلم يَرَ النور قط، وقد زجر أحد القضاة الفيدراليين الحكومة عن فرض هذا القانون وحكم عليه بأنه أقرب إلى عدم الدستورية، وترددت القضية بين المحاكم خلال فترتيْن رئاسيتيْن، فبدأت المسيرة بقضية الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية ضد رينو، وكانت لفترة تُعرف بقضية الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية ضد أشكروفت، وحسم الأمر بقضية الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية ضد جونزاليس، وكان القضاة متعاطفين بشكل موحد مع نية الكونجرس لحماية الأطفال من المواد التي لا ينبغي أن يطلعوا عليها، لكن في مارس عام ٢٠٠٧ أُسْدِلَ الستارُ على قانون حماية الطفل على الإنترنت، وأكد القاضي لويل إيه ريد الابن، قاضي المحكمة الجزئية للمنطقة الشرقية من ولاية بنسلفانيا، أن القانون قد أسرف في تقييد التعبير.

كان جزء من المشكلة يكمن في تعريف المواد «الضارة بالقصر»، فغرائز مَنْ هم في سن السادسة عشرة وشهواتهم تختلف عن غرائز مَنْ هم في سن الثامنة وشهواتهم؛ وما قد يراه المراهق يمثل قيمة قد يراه من هو أصغر منه لا قيمة له، وكيف يمكن لمصمم الموقع أن يعرف أي معيار عليه اتباعه ليتجنب أن يُزجَّ به في السجن؟

لكن كانت هناك مشكلة أكبر من ذلك. كان الهدف من سَنِّ قانون حماية الطفل على الإنترنت أن نبعد عن القُصَّر الموادَ التي يحق للكبار قانونًا مائة بالمائة الاطلاع عليها، وقد وضع ذلك عبئًا على موزعي المعلومات للتأكد من أن من يتلقاها قد بلغوا السن القانونية، وقد وفر قانون حماية الطفل على الإنترنت «ملاذًا آمنًا» من الملاحقة القضائية لمن يتحققون بحسن نية من أعمار عملائهم، وقد تصور الكونجرس الأمر بأنه متجر مجلات حيث يمتنع الباعة فيه عن بيع المجلات القذرة للأطفال الذين لم يصل طولهم إلى مستوى طاولة البيع، ويمكن لهؤلاء الباعة أن يطلبوا الاطلاع على هُوِيَّة مَنْ يَشُكُّون في بلوغه السن القانونية، وتصور القانون أن شيئًا من هذا القبيل سيحدث في الفضاء الإلكتروني:

ومن السبل المؤكدة التي تقي مقدم المحتوى من المقاضاة بموجب هذه المادة أن يكون المدعى عليه، بحسن نية، قد منع اطلاع القُصَّر على المواد التي تضر بهم (أ) عن طريق اشتراط استخدام بطاقة الائتمان، أو حساب الخصم، أو كود اطلاع الكبار، أو رقم التعريف الشخصي للكبار، (ب) عن طريق قبول شهادة رقمية ليتحقق من العمر، أو (ج) عن طريق اتخاذ أي تدابير معقولة أخرى مجدية في ظل التكنولوجيا المتاحة.

كانت المشكلة الكبيرة أن هذه الأساليب إما فشلت أو لم تكن موجودة أصلًا، فليس كل الكبار لديهم بطاقة ائتمان، ولا تريد شركات بطاقات الائتمان أن تستخدم قواعد البيانات الخاصة بها للتحقق من أعمار عملائها، وإذا كنت لا تعرف ما هو المقصود ﺑ «رقم التعريف الشخصي للكبار» أو «الشهادة الرقمية التي تتحقق من العمر»، فلا تبتئس؛ فنحن مثلك لا نعلم. كان البندان (ب) و(ج) أساسًا طلبًا من الكونجرس موجهًا لأهل هذا المجال من أجل التوصل إلى بعض السحر التقني لتحديد السن عن بعد.

لكن حتى إنِ اسْتخدمنا أحدث صيحة في أجهزة الكمبيوتر فإننا سنعجز عن أن نحدد إذا كان مَنْ على الطرف الآخر إنسانًا أم جهاز كمبيوتر. من الصعب جدًّا على الكمبيوتر أن يحدد إذا كان الإنسان تجاوز السابعة عشرة من عمره أم لا. كما أن باستطاعة بعض المشاغبين من أبناء سن الخامسة عشرة الالتفاف على أي نظام فحص بسيط يمكن استخدامه في المنزل. إن شبكة الإنترنت ليست مجرد متجر مجلات.

وعلل القاضي ريد الحكم قائلًا إنه حتى لو تمكنت نُظُم أرقام بطاقات الائتمان أو نُظُم تحديد الهُوِيَّة الشخصية من أن تميز الأطفال عن البالغين، فإن هذه الأساليب سوف ترهب مستخدمي الكمبيوتر، فبسبب الخوف من سرقة الهُوِيَّة أو المراقبة الحكومية فإن العديد من مستخدمي الكمبيوتر سيرفضون الرد على الاستجواب، ولن يكشفوا عن معلوماتهم الشخصية في مقابل السماح لهم بزيارة المواقع التي تعتبر «ضارة بالقُصَّر». ومن الناحية العملية نجد أن تلك المكتبة الإلكترونية الواسعة سوف تُهمَل وتبدأ في إغلاق أبوابها، تمامًا كما يحدث للمكتبة العادية حين تصبح عديمة الفائدة، إذا كان على كل من يريد الدخول إلى ما وراء قسم الأطفال أن يخضع لتحقيق الهُوِيَّة.

وخَلُصَ القاضي ريد بأن توصيات الكونجرس التي تمثل الملاذ الآمن، إذا حدث ونجحت، فإنها ستحد بشكل كبير من التعبير على الإنترنت، والمعلومات التي يحق للكبار الاطلاع عليها ستصبح من حيث الواقع العملي غير متوافرة. إن تقنيات الترشيح التي كانت تؤخذ بعين الاعتبار عندما ألغي قانون آداب الاتصالات قد تحسنت، ومِنْ ثَمَّ فإن الحكومة لا تستطيع الادعاء بمصداقيةٍ بأن الحد من التعبير هو السبيل الوحيد الممكن لحماية الأطفال. وحتى لو هدأت المخاوف حول حرية التعبير أو تم تجاهلها، وحتى لو نجح كل ما اقترحه قانون حماية الطفل على الإنترنت، فإنه سيبقى الكثير من هذا الدنس متاحًا للأطفال. كانت الإنترنت بلا حدود، وكانت حدود قانون حماية الطفل على الإنترنت تنتهي عند نهاية الحدود الأمريكية، فلم يستطع قانون حماية الطفل على الإنترنت أن يوقف سيل البِتات الضارة الآتي من الخارج.

وفي الختام اقتبس القاضي ريد أفكار قاضي المحكمة العليا كينيدي حول قضية حرق العلم: «الحقيقة أننا في بعض الأحيان نضطر إلى أن نتخذ قرارات لا نحبها، ونتخذ تلك القرارات لأنها سديدة، سديدة من حيث إنَّ القانون والدستور، من وجهة نظرنا، يُخرِجان لنا نتيجة حتمية.» وخَلُصَ القاضي إلى أنه رغم ما يشعر به من أسى لإلغاء حماية الأطفال من الاتصالات التي تضر بهم «فلعلنا نضر بالقُصَّر من أبناء بلادنا إذا حدث أن ضمانات الحماية التي يكفلها التعديل الأول للدستور الأمريكي، التي سوف يرثونها بالكلية مع تقدم السن، أزيلت باسم حمايتهم.»

(١٠) دَعْ أصابعك تتولى أمر المطاردة

بدأت مجموعات الأخبار لتبادل المعلومات والخبرات الجنسية في أوائل ثمانينيات القرن العشرين. بحلول منتصف تسعينيات القرن العشرين كانت هناك مواقع متخصصة لكل التوجهات والميول. لذلك عندما دخلت امرأة تبلغ من العمر ٢٨ عامًا غرفة دردشة على الإنترنت في عام ١٩٩٨ لتُطلِعَ الآخرين على رغباتها الجنسية الخيالية، فإنها لم تكن تفعل شيئًا خارجًا عن المألوف، فقد قالت إنها تتوق إلى أن تُغتصب، بل ودعت كل رجل يَطَّلع على رسالتها الإلكترونية إلى أن يحقق لها تلك الأمنية، فكتبت تقول: «أريدك أن تكسر بابي ثم تغتصبني.»

الغريب في الأمر أنها ذكرت اسمها وعنوانها، بل وذكرت إرشادات حول كيفية تجاوز نظام الأمن في العمارة التي تسكن فيها، وعلى مدى أسابيع عدة استجاب لتلك الدعوة الغريبة تسعةُ رجال، توجه كل منهم إلى باب تلك المرأة، وكان معظمهم يتوجهون في منتصف الليل، فكانت تطردهم، ثم أرسلت رسالة بريد إلكتروني أخرى إلى غرفة الدردشة توضح أن رفضها كان جزءًا من تلك التجربة الغريبة.

في الواقع، لم تكن «المرأة» التي ترسل تلك الرسائل الغريبة سوى جاري ديلابنتا، حارس الأمن الذي يبلغ من العمر خمسين عامًا، والذي راود المرأة التي استخدم اسمها عن نفسها فأبت عليه ذلك، والعجيب في الأمر أن تلك المرأة التي عانت من تلك الخدعة المروعة لم يكن لديها جهاز كمبيوتر أصلًا، وقبضت الشرطة على المحتال بعد أن استجاب مباشرة لرسائل بريد إلكتروني أوقعت به، فأدين ثم عوقب بالسجن بموجب قانون كاليفورنيا الذي كان قد سُنَّ مؤخرًا لمكافحة المطاردة على الإنترنت. لفتت تلك القضية الأنظار؛ ليس لأن أحداثها اتسمت بالغرابة، لكن لأنها أسفرت عن ملاحقة قضائية وإدانة، فمعظم الضحايا لم يسعفهم القانون في نيل حقوقهم أو نيل تعويض عما أصابهم، فمعظم الولايات لم تكن بها قوانين رادعة لتلك الأفعال، ومعظم الضحايا لم يتمكنوا من معرفة الجناة، وفي بعض الأحيان كان الجاني لا يعرف هُوِيَّة ضحيته، وكل ما هناك أنه وجد معلومات الاتصال الخاصة بها في مكان ما في الفضاء الإلكتروني.

لطالما لقي ما يُقال أو يُنشر من رسائل مخيفة حماية من التعديل الأول للدستور الأمريكي، لا سيما إذا كانت تتعلق بالسياسة، فلا يكون التعبير مخالفًا للقانون إلا عندما يكون من الراجح أن رسالة ما تحرض على «عمل غير قانوني وشيك» (على حد تعبير قرار المحكمة العليا الصادر في عام ١٩٦٩)، وهو معيار نادرًا ما يتوفر في الكلمات المطبوعة. وهذا المعيار العالي للتدخل الحكومي ينبني على معيار وجود «خطر واضح وقائم» عبَّر عنه بأبلغ عبارة القاضي لويس براندايس في رأي صدر عنه في عام ١٩٢٧؛ إذ قال: «إن الخوف من وقوع ضرر بالغ لا يبرر وحده قمع حرية التعبير … فلا يمكن اعتبار أي خطر ناجم عن التعبير واضحًا وقائمًا ما لم يكن وقوع الشر المتوقع وشيكًا بحيث لا تتوفر فرصة لمناقشة الأمر برمته.»

وتطبق المحاكم المعيار ذاته على مواقع الإنترنت، فقد حدث أن قامت جماعة مناهضة للإجهاض بوضع قوائم بأسماء أطباء يُجرون عمليات الإجهاض وعناوينهم وأرقام لوحات سياراتهم، ثم نشرتها في موقع على الإنترنت يُسمَّى «ملفات نورمبرج». كانت الجماعة تقترح مطاردة هؤلاء الأطباء، وتُحدِّث تلك القائمة بجعل أسماء من أُصِيب منهم تصبح مكتوبة بلون رمادي باهت، وبشطب من قُتل منهم. كان القائمون على هذا الموقع يرون أن الإجهاض ليس مخالفًا للقانون، وادَّعوا أنهم لم يقصدوا أن يهددوا أحدًا، وأن كل ما كانوا يفعلونه هو جمع ملفات على أمل أن يتسنى في مرحلة ما في المستقبل أن يُساءل الأطباء لارتكابهم «جرائم ضد الإنسانية».

أقيمت ضد جماعة مناهضة الإجهاض هذه دعوى قضائيةٌ مدنية، وبعد سجال قانوني طويل أُدينت تلك الجماعة، وعُدَّتْ مسئولة عن الأضرار بسبب «أنها وجهت تهديدات حقيقية بارتكاب العنف بقصد التخويف.»

وقد عانت المحاكم كثيرًا لتحكم ما إذا كان موقع ملفات نورمبرج يهدد هؤلاء الأطباء أم لا، لكن لم يكن هناك شيء متأصل في النشر أدى إلى تعقيد ذلك القرار، في الواقع أصدرت نفس المجموعة ملصقات ورقية كُتب عليها «مطلوب القبض عليه!» وكانت هذه الملصقات جزءًا من المواد موضوع القضية لا يقل أهمية عن غيره، وكان بوسع فقهاء القانون — وقد فعلوا — أن يتوصلوا إلى استنتاجات مختلفة حول ما إذا كان النص المنشور على موقع ملفات نورمبرج تتوفر فيه المعايير القضائية أم لا.

لكن بدا أن موقف ضحية حارس الأمن وغيرها من النساء اللواتي مَرَرْنَ بتجارب مشابهة كانت مختلفة. فالقضايا التي سُوِّيَتْ لم يكن لها أي أبعاد سياسية. وكانت هناك بالفعل قوانين ضد التحرش والمطاردة عن طريق الهاتف، وكانت الإنترنت تُستخدم لتجنيد المطارِدين والمتحرِّشين بالإنابة، وبعد ما تقدمت به ولاية كاليفورنيا وغيرها من الولايات أقر الكونجرس قانونًا اتحاديًّا لمكافحة المطاردة على الإنترنت.

(١١) هل هذا يشبه المعاكسات الهاتفية؟

حدد قانون عام ٢٠٠٥ لتجريم العنف ضد المرأة وإعادة الترخيص لوزارة العدل (الذي دخل حيز التنفيذ في مطلع عام ٢٠٠٦) عقوبات جنائية على أي شخص «يستخدم أي جهاز أو برامج يمكن استخدامها لإنشاء اتصالات سلكية ولاسلكية أو غيرها من أنواع الاتصالات التي تُرسَل كليًّا أو جزئيًّا عن طريق شبكة الإنترنت … دون الكشف عن هويته وبقصد إزعاج أي شخص أو إساءة معاملته أو تهديده أو مضايقته …» لكن لم تلقَ هذه المادة كبيرَ اهتمامٍ عندما مُرِّرَ القانونُ في مجلس النواب في اقتراع صوتي، وفي مجلس الشيوخ بالإجماع.

ارتفعت أصوات أنصار الحريات المدنية من جديد، وهذه المرة بسبب كلمة واحدة وردت في هذا التشريع. إنهم لم يروا بأسًا بتجريم سوء المعاملة والتهديدات والمضايقات عن طريق الإنترنت، فبعض تلك المصطلحات وردت في القوانين السابقة، وفي حين لم يكن من السهل دائمًا تحديد أن واقعة بعينها كان ينطبق عليها هذا التعريف أو ذاك، على الأقل كان لدى المحاكم معايير للحكم على معنى هذه الكلمات.

لكن ماذا عن كلمة «إزعاج»؟ فالناس ينشرون الكثير من الأشياء المزعجة على المواقع الإلكترونية، ويُكْثِرون من التلفظ بكلمات مزعجة في غرف الدردشة، بل إن هناك موقعًا على شبكة الإنترنت هو annoy.com مكرَّسٌ لنشر الرسائل السياسية المزعجة المجهولة. هل كان الكونجرس حقًّا يقصد بذلك منع استعمال شبكة الإنترنت في إزعاج الآخرين؟

لقد عَمَدَ الكونجرس إلى قانون الهاتف فبَسَطه على شبكة الإنترنت، وحجته في ذلك أن المكالمات المزعجة التي تأتي عبر بروتوكول الإنترنت ينبغي أن تُعامل كما تُعامل المكالمات الهاتفية الأرضية المزعجة، ومع ذلك، فحين نستخدم لغة فضفاضة ونحن نتحدث عن الاتصالات الإلكترونية فإننا ننشئ سلسلة جديدة من المعضلات القانونية حول ما إذا كان التشبيه ملائمًا أم لا.

لقد نص قانون الاتصالات لعام ١٩٣٤ على أنه يُعَد جريمة جنائية أن يُقْدِمَ أي شخص على إجراء «مكالمة هاتفية، سواء استَتْبَعت حوارًا أو لا، دون الكشف عن هويته وبقصد إزعاج أي شخص موجود على الطرف الآخر أو إساءة معاملته أو تهديده أو مضايقته.» في عالم الهواتف لم يكن هذا الحظر يشكل تهديدًا لحرية التعبير؛ لأن المكالمة الهاتفية اتصال بين شخص وآخر، فإذا كان الشخص الذي تتحدث إليه لا يرغب في الاستماع إليك فهذا لا يُعَدُّ مساسًا بحقك في حرية التعبير، ولا يمنحك التعديل الأول للدستور الأمريكي الحق في أن تفرض على شخص بعينه أن يستمع إليك. وإذا كان الطرف الآخر لا يرحب بمكالمتك الهاتفية فيمكنك أن تجد بسهولة منتدى آخر تلعب فيه دور المزعج. وقد وسَّع قانون آداب الاتصالات في إحدى مواده التي ألغيت جنبًا إلى جنب مع أحكام العرض نطاق الحظر ليشمل الفاكسات ورسائل البريد الإلكتروني، وبطبيعة الحال الاتصال على المستوى الفردي، لكن قانون الاتصالات لم يُجَرِّم المكالمات المزعجة عبر بروتوكول الإنترنت، وفي محاولة لوضع كل التقنيات التي تشبه الهاتف تحت القانون ذاته وُسِّعَ نطاق المادة ليشمل كافة وسائل الاتصال الإلكترونية، بما في ذلك «المكتبة الإلكترونية» الواسعة و«الصورة الأكثر تشاركية من صور التعبير الشامل»؛ ألا وهي الإنترنت.

وقد أكد المدافعون عن ذلك القانون للمدونين الجَزِعين منه أنه لن تُلاحق المواقع الإلكترونية «المزعجة» إلا إذا جمعت إلى جانب ذلك تهديدًا شخصيًّا أو إساءةً أو مضايقةً شخصية، وقال المدافعون إن هذا كان شرطًا يكافح المطاردة عبر الإنترنت، وليس قانونًا للرقابة، وأكدوا أيضًا أن التعبير الذي يكفله التعديل الأول للدستور الأمريكي لن يُمَسَّ، ومن ناحية أخرى كان الناشرون على الإنترنت مترددين في أن يضعوا ثقتهم في حكم المدعين العامين حول مواطن إنفاذ القانون على نطاق واسع، واستنادًا إلى استخدامات غريبة وغير متوقعة وقعت لمواد السامري الطيب في قانون آداب الاتصالات ليس هناك سبب وجيه يدعو إلى الثقة في أن السياق التشريعي للقانون من شأنه أن ينحصر تطبيقه على إحدى زوايا الفضاء الإلكتروني دون غيرها.

وقد عارض صدورَ هذا القانون «صندوقُ الاقتراحات»، والذي يصف نفسه بأنه يساعد المستخدمين على إرسال رسائل بريد إلكتروني مجهولة المصدر لأسباب مثل «الإبلاغ عن معلومات حساسة لوسائل الإعلام» و«إرسال نصائح حول الجرائم إلى جهات إنفاذ القانون دون الإفصاح عن هُوِيَّة المرسل»، وجاءت الشكوى تقول إن هذا القانون قد يجرِّم ما يقوم به المبلغون عن الفساد في أوساطهم الوظيفية، وهو شيء شجع عليه الكونجرس في أعقاب الفضائح التي ظهرت حول الممارسات المحاسبية للشركات. ثم تنازل «صندوق الاقتراحات» عن معارضته للقانون عندما ذكرت الحكومة أنها لن تلاحق إلا الأمور المزعجة الخالصة التي تهدف إلى «غرس الخوف في الضحية»، ومِنْ ثَمَّ رأى هذا القانون النور، وأصبح ساري المفعول في ظل تمني الكثيرين أن يدقق الكونجرس كثيرًا في اللغة التي كُتِبَ بها!

وهذا يقودنا إلى الوقت الحاضر، فقد ظلت مادة «الإزعاج» موجودة في قانون العنف ضد المرأة، لكن بقاءها يعود إلى أن الحكومة قالت إن تلك المادة لا تعني ما تنص عليه، وقانون حذف المواقع الإلكترونية المستغلة، الذي بدأنا به هذا الفصل من الكتاب، لا يزال عالقًا في الكونجرس، ويشبه قانونُ حذف المواقع الإلكترونية المستغلة قانونَ آداب الاتصالات وقانونَ حماية الطفل على الإنترنت من حيث إنَّ له أهدافًا نبيلة، لكن لعل التدابير التي يقترح هذا القانون اتخاذها تضر أكثر مما تنفع، فكوننا نفرض على المكتبات مراقبة استخدام الأطفال للكمبيوتر في الدخول إلى مواقع مثل ماي سبيس يعني أنه من المرجح أن نَحُول دون الوصول إلى هذه المواقع عن طريق المكتبات العامة، في حين أن ذلك لن يكون له تأثيرٌ يُذكر على مستغلي الأطفال. لقد استسلم مقدمو مشروع القانون إلى الكونجرس لرغبةٍ حسنة النية لكنها مضللة للسيطرة على مشكلة اجتماعية عن طريق الحد من التكنولوجيا التي تساعد عليها.

(١٢) الحماية الرقمية والرقابة الرقمية … والرقابة الذاتية

إن الحظر الذي وضعه التعديل الأول للدستور الأمريكي على الرقابة الحكومية يعقِّد جهود الحكومة لحماية سلامة المواطن الأمريكي وأمنه. إذا كنا بين خيارين أحدهما توفير الحماية من الأذى الشخصي، والآخر حاجة بعض الحمقى إلى كيل الشتائم للآخرين، فإن معظمنا يؤْثِر السلامة. فالأمن عاجل وفوري، والحرية أمر طويل المدى، ومعظم الناس لا ينظرون إلا تحت أقدامهم، ويعتقد معظم الناس أن الأمن شيء شخصي، لذا تجدهم وبكل سرور يتركون الحكومة تتولى أمر الاهتمام ببقاء الأمة.

لكن على حد تعبير أحد الباحثين، فإن خلاصة التعديل الأول للدستور الأمريكي هي أنه «في مجتمع ملتزم بالحكم الذاتي، ليس صحيحًا أبدًا أنه، على المدى الطويل، يتعرض أمن الأمة للخطر بسبب حرية الشعب.» إن مشاريع قوانين الرقابة على الإنترنت صدرت من الكونجرس بفارق واسع بين عدد أصوات المؤيدين والمعارضين؛ لأن أعضاء الكونجرس لا يجرءون على أن يُسجَّل عليهم أنهم صوتوا ضد سلامة الشعب الذي اختارهم، لا سيما ضد سلامة الأطفال. ولكون القضاء معزولًا نسبيًّا عن الضغوط السياسية وجدنا المحاكم مرارًا وتَكرارًا تُطيح بتشريعات تقيد حرية التعبير صدرت عن مسئولين منتخبين.

حرية التعبير تسبق الحريات الأخرى المذكورة في وثيقة الحقوق، لكن ليس من الناحية العددية فقط، إنما هي تسبقها منطقيًّا أيضًا، وعلى حد تعبير قاضي المحكمة العليا بنجامين كاردوزو، فهي «المنظومة؛ الشرط الذي يكاد يكون لا غنى عنه لكل شكل آخر من أشكال الحرية.»

بالنسبة لمعظم الحكومات فإن الشكوك حول فرض الرقابة على المعلومات الإلكترونية تكون أقل عمقًا.

حرية الإنترنت

يكرس عددٌ كبيرٌ من المؤسسات جهودًا كبيرة للحفاظ على إمكانات شبكة الإنترنت باعتبارها سوقًا حرة للأفكار. فبالإضافة إلى مؤسسة الحدود الإلكترونية، التي سبق ذكرها في هذا الفصل، نجد أيضًا: شبكة الخصوصية الإلكترونية للمعلومات www.epic.org، وشبكة حرية التعبير freeexpression.org، والتي هي في الواقع عبارة عن تحالف، واتحاد الحريات المدنية الأمريكية www.aclu.org، ومركز إزالة الآثار المروعة www.chillingeffects.org. ترصد مبادرة أوبن نت opennet.net الرقابة المفروضة على الإنترنت في جميع أنحاء العالم، وقد نُشرت نتائجُ ما توصلت إليه أوبن نت في كتاب «ممنوع الدخول: ممارسات وسياسة حركة فلترة الإنترنت على مستوى العالم»، من تأليف وتحرير رونالد جيه ديبرت وجون جي بالفري ورافال روهوزينيسكي، وجوناثان زيترين، مطبعة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ٢٠٠٨.
إذا كنت في المملكة العربية السعودية فلن يمكنك الدخول إلى أي موقع إباحي. في الواقع، كل دخول إلى شبكة الإنترنت في المملكة العربية السعودية يمر عبر أجهزة كمبيوتر حكومية للتأكد من أن الرابط المراد ليس على القائمة السوداء التي وضعتها الحكومة السعودية. وفي تايلاند حُجِبَ موقعُ www.stayinvisible.com، وهو مصدر للمعلومات عن الخصوصية على الإنترنت والأدوات التي تساعد المستخدم على تصفح الإنترنت دون أن يستطيع أحد التعرف على هُويته.
يولِّد تباينُ معايير حرية المعلومات بين الولايات المتحدة والدول الأخرى صراعات عندما يكون التواصل الإلكتروني بين شعبيْن مختلفيْن، وكما تناولنا في الفصل الرابع من كتابنا هذا، فإن الصين تصر على أن لا تساعد جوجلُ مواطنيها على الحصول على معلومات لا تريد لهم الحكومة الحصول عليها، فإن كنت في غرفة فندقك في شنغهاي، وحاولت الدخول إلى بعض المواقع الإلكترونية بعينها فستجد أنك تفقد الاتصال بالإنترنت فجأة، مع عدم وجود تفسير لذلك، وحينها قد تعتقد أن خللًا ما أصاب الشبكة، إلا أنه يمكنك إعادة الاتصال وزيارة مواقع أخرى دون أي مشكلات.

الرقابة الذاتية من قِبَل شركات الإنترنت في تزايد، وهو الثمن الذي تدفعه لممارسة نشاطها في بعض البلدان، وقد حَجَبت تايلاندُ وتركيا موقعَ يوتيوب لتَشَارُك مقاطع الفيديو بعد أن نَشَرَ مقاطع تسيء إلى حكامهما الحاليين أو السابقين، ورأت حكومتا الدولتين أن ذلك يُعَد إهانة. وقد وصف أحد مسئولي جوجل الرقابة بأنها تمثل للشركة «العائق التجاري الأول»، وانطلاقًا من خوفها من التكاليف المحتملة في خسارة الأعمال التجارية والمعارك القانونية أصبحت شركات الإنترنت تنادي صراحة بحرية المعلومات، حتى وإن انصاعت إلى ما يُفرض عليها لتلبية متطلبات الحكومات الأجنبية، بل لقد أقدمت جوجل على استئجار إحدى جماعات الضغط في واشنطن لطلب المساعدة من الحكومة الأمريكية في جهودها الرامية إلى مقاومة الرقابة في الخارج.

من السهل على الأمريكيين أن لا يبالوا بمثل هذه المشكلات، ولعل أحدهم يقول إنه طالما أن كل المعلومات متاحة في الولايات المتحدة، فمن ذا الذي يهتم بأمر النُّسَخ الأخرى من جوجل أو يوتيوب التي تعمل في الأنظمة الشمولية في الخارج؟ وأمْرُ فرزِ موادِّ الإنترنت يعود إلى الدول نفسها.

لكن التدفق الحر للمعلومات إلى الولايات المتحدة مهدد بسبب قوانين دول أخرى حول عمل الصحافة، ولننظر في قضية جوزيف جتنك ومجلة بارونز.

في ٣٠ أكتوبر عام ٢٠٠٠ نشرت مجلة بارونز — وهي مجلة مالية أسبوعية — مقالًا تُشير فيه إلى أن رجل الأعمال الأسترالي جوزيف جتنك متورط في غسل الأموال والتهرب من دفع الضرائب، فما كان من رجل الأعمال هذا إلا أن أقام دعوى قضائية ضد شركة داو جونز، التي تنشر تلك المجلة، بتهمة التشهير. رُفعت الدعوى أمام محكمة أسترالية، وقال جتنك إن الطبعة الإلكترونية من المجلة المتاحة في أستراليا لقاء رسوم كانت في الواقع تُنشر في أستراليا، وردَّت شركة داو جونز أن مكان «نشر» المجلة الإلكترونية كان نيوجيرسي بالولايات المتحدة الأمريكية حيث تقع خوادم الشبكة التي تستخدمها، وقالت الشركة إن تلك الدعوى كان ينبغي أن تُرفع أمام محكمة أمريكية، وأن يَصْدُر الحكم فيها وفقًا لمعايير قانون التشهير الأمريكي، وهي معايير تميل لصالح حقوق حرية التعبير في مجال الصحافة. وجاء رأي المحكمة الأسترالية مؤيدًا لما ذهب إليه جتنك، ومِنْ ثَمَّ مضت في نظر الدعوى، وفي نهاية المطاف نال جتنك اعتذارًا من شركة داو جونز، والتي غُرِّمَتْ أيضًا مبلغ ٥٨٠ ألف دولار، وحُمِّلَتْ التكاليف القانونية.

تبدو الآثار المترتبة على ذلك مذهلة، فالأمريكيون على الأراضي الأمريكية يتوقعون أن لا تكون هناك قيود على ما يقولونه، لكن قالت المحكمة الأسترالية إن شبكة الإنترنت العالمية جعلت القوانين الأسترالية تسري على البِتات التي تصل إلى الأراضي الأسترالية بصرف النظر من أين أتت، ولهذا فإن اللغز المحير ﻟ «حركة الهواة» حول المعايير المجتمعية التي ينبغي أن تُطَبَّق على الإنترنت التي لا تعرف الحدود نُقل إلى عالم الصحافة العالمية. هل يعني هذا أن حرية صحافة الإنترنت ستكون من الآن فصاعدًا متماشية مع الحد الأدنى الذي تراه أي دولة في العالم؟ هل من الممكن أن يكون بوسع دولة محتالة أن تعيق الصحافة العالمية التي تُنشر على الإنترنت عن طريق ابتزاز مبالغ كبيرة من أطراف تزعم تلك الدولة أنهم متهمون بالتشهير، أو عن طريق فرض عقوبة الإعدام على صحفيين تدَّعي تلك الدولة أنهم أهانوا قادتها وزعماءها؟

إن الصحافة الأمريكية تميل إلى الاستماتة في الدفاع عن حقها في نشر الحقيقة، لكن المشكلات الرقابية التي تواجهها الديمقراطيات الغربية تعمل بخبث ودهاء لصالح الشركات العالمية لا لصالح قطاع الأخبار، في بعض الأحيان يكون من الأيسر بالنسبة للشركات الأمريكية تلبية الحد الأدنى من المعايير «العالمية» لحرية المعلومات للإبقاء على المعلومات المختلفة متاحة في الولايات المتحدة، بل قد تكون هناك أسباب في القانون الدولي والاتفاقات التجارية تفسح المجال أكثر لتلك الرقابة، ولننظر معًا في المحاكمات التي جرت مع فرع ياهو في فرنسا.

في مايو عام ٢٠٠٠ طالبت رابطة مكافحة العنصرية ومعاداة السامية واتحاد الطلبة اليهود الفرنسيين إحدى المحاكم الفرنسية بأن تمنع موقع ياهو من عرض أدوات نازية للبيع بالمزاد على الإنترنت، ومن عرض صور من تذكاراتٍ نازية، وأن تحظر نشر خطاب الكراهية المعادي للسامية على مجموعات النقاش المتاحة في فرنسا. وفقًا للقوانين الفرنسية فإن بيع الأغراض النازية وعرضها مخالف للقانون، فخلُصَت المحكمة إلى أن ما قام به موقع ياهو في هذا الصدد يُعتبر جريمة ضد «الذاكرة الجماعية» للبلاد وانتهاكًا للمادة R654 من قانون العقوبات الفرنسي، وقالت المحكمة لشركة ياهو إنها بهذا تمثل تهديدًا «للنظام العام الداخلي»، وإنه يتعين عليها أن تحجب رؤية هذه الأغراض عن أي مستخدم في فرنسا.
انصاعت شركة ياهو للأمر، وحذفت تلك الأغراض من نسختها الفرنسية. yahoo.fr والتي يمكن لكل أحد في فرنسا الدخول إليها. ثم اكتشفت رابطة مكافحة العنصرية ومعاداة السامية واتحاد الطلبة اليهود الفرنسيين بعد ذلك أنه — ومن داخل فرنسا — يمكن الدخول إلى النسخة الأمريكية من الموقع yahoo.com، عن طريق وسائل غير مباشرة إلى حد ما. ورغم وجود المحيط الأطلسي الذي يفصل بين فرنسا وأمريكا، وفي سابقة تُذكِّرنا بقضية التشهير سالفة الذكر، طالبت المحكمة الفرنسية بحذف الأغراض والصور والكلمات المسيئة من النسخة الأمريكية من موقع ياهو أيضًا.

قاومت شركة ياهو لبعض الوقت تحت زعم أنها لا تدري أين تتوجه البِتات، وهو توكيد يفتقر إلى حد ما إلى المصداقية؛ لأن شركة ياهو كانت تضع في صفحات الويب التي تُرسَل إلى فرنسا إعلاناتٍ باللغة الفرنسية، وفي نهاية المطاف أجرت شركة ياهو مراجعة جذرية لمعايير النسخة الأمريكية من موقعها، وصارت النسخة المنقحة من شروط الخدمة التي تقدمها ياهو تتضمن حظرًا لخطاب الكراهية، واختفت معظم التذكارات النازية من على موقعها، لكن ظلت الطوابع والعملات النازية متاحة للبيع بالمزاد على النسخة الأمريكية من موقعها، وكذلك نسخ كتاب «كفاحي» لهتلر، وفي نوفمبر عام ٢٠٠٠ أكدت المحكمة الفرنسية أمرها ووسعت نطاقه: يُحظر عرض كتاب «كفاحي» لهتلر للبيع في فرنسا، وكانت الغرامات تزداد.

فلجأت شركة ياهو إلى المحاكم الأمريكية، وقالت إنها بحسب قوانين الولايات المتحدة لم ترتكب جُرْمًا، وإن القانون الفرنسي لا يمكنه أن يجتاز المحيط الأطلسي ليعبث بالحماية التي منحها التعديل الأول للدستور الأمريكي للمواطن الأمريكي، وإن تنفيذ أمر المحكمة الفرنسية هذا سيكون له تأثير سلبي على حرية التعبير في الولايات المتحدة، ومالت إحدى المحاكم الجزئية الأمريكية إلى ذلك الرأي، وحين استؤنِفَ هذا الحكم أمام محكمة استئناف الدائرة التاسعة (شمال كاليفورنيا) أيدته لجنة تتألف من ثلاثة قضاة.

لكن في عام ٢٠٠٦ اجتمعت هيئة محكمة الاستئناف كاملة، وهي تتألف من ١١ عضوًا، ونقضت قرار المحكمة الجزئية وأدانت ياهو، وقد رأى أغلبية أعضاء الهيئة أن الشركة لم تتضرر بما فيه الكفاية، ولم تبذل ما يكفي من الوقت لإثناء المحكمة الفرنسية عن رأيها حتى يتسنى لها أن تطالب بأن تمنح ما يكفله التعديل الأول للدستور الأمريكي من أنواع الحماية. وقد تحدث أحد المخالفين لرأي محكمة الاستئناف هذا بصراحة عن تبعات هذا القرار؛ إذ كتب القاضي ويليام فليتشر يقول: «يجب أن لا نسمح لأمر صادر من محكمة أجنبية أن يُستخدم كأداة لقمع حرية التعبير التي يحميها الدستور.»

ستكثر هذه الخلافات في المستقبل مع ازدياد كمِّ البِتات التي تتدفق عبر الحدود الوطنية، وسيتشكل مستقبل عالمنا في ضوء القوانين والاتفاقات التجارية وقرارات المحاكم التي ستصدر في السنوات القليلة المقبلة، والتي نجد كثيرًا منها تقنِّن تدفق «الملكية الفكرية»، وستكون مفارقة محزنة إذا آلت حرية المعلومات، التي طالما دافع عنها الأمريكيون بقوة لقرون، في القرن الحادي والعشرين إلى مزيج من القوانين المحلية لحماية الأطفال وفرص التجارة الدولية الرابحة. لكن كما قال أحد المعلقين البريطانيين عندما حُذفت صور استضافها موقع فليكر لنشر الصور انصياعًا من الموقع لأوامر صدرت من سنغافورة وألمانيا وهونج كونج وكوريا: «تكون الليبرتارية ملائمة للغاية طالما كنتَ خارجًا عن النظام، لكن حين يتعلق الأمر بالعمل، فإن قواعد العمل تحكم الجميع.»

•••

حرية المعلومات على الإنترنت أمر محفوف بالمخاطر، والتغيرات التكنولوجية تفوق في سرعتها التغييرات في القوانين والتشريعات، وعندما تأتي نقلة تكنولوجية فتزعج المواطن ينبري مشرِّعو القوانين لسن قوانين فضفاضة أكثر من اللازم، وما إن تنتهِ خصومة أمام القضاء حول تكنولوجيا بعينها حتى تظهر سلسلة أخرى من التغييرات التكنولوجية، وبطء حركة سَنِّ التشريعات يُخرج لنا قوانين وتشريعات نظل نعاني منها ردحًا من الزمن.

مثلت تكنولوجيا الإذاعة والتليفزيون أيضًا تحديًا للجهات التشريعية، لكن بطريقة مختلفة، ففي عالم البث نجد القوى التجارية القوية تتضافر جهودها معًا لدعم قوانين تقيد من حرية التعبير تجاوزت منذ زمن طويل التكنولوجيا التي نشأت عنها، والآن ننتقل إلى هذه التغييرات في عالم البث.

هوامش

(1) Based on figure by Jonathan Zittrain.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١