الفصل السادس عشر

عرش وزوج

مالت الأفواه على الآذان همسًا، ثم ارتفع الهمس فصار حديثًا على الشفاه؛ وانتشر الحديث حتى سمعه كل ذي أذن في المدينة، وسارت به الركبان، فلولا التوقير والمهابة لشخص الملك، ولولا أثَارَةٌ١ من الريب في بعض النفوس، ولولا ما يشغل الناس من أنباء الحرب؛ لكان ذلك الهمس حديثًا على المنابر.

وقال الأمير فارس الدين آق طاي مقدمُ المماليك لأصحابه: إني لأتوقع أن يكون صحيحًا ذلك النبأ، لم يمنع إذاعته إلَّا حذرُ العدو أن يزيد قوة!

قال بيبرس: حَذَرُ العدوِّ، أو حَذَرُ الأمراء؟

قال قلاوُون: وحَذَرُ الأمراء أيضًا؛ أَفَلَستَ ترى مكانة فخر الدين في القصر؟ فكيف يطمئن مثله إلى نجاح تدبيره لو علم الأمراء؟

قال أيبك: وهل يطمعُ ذلك الجبانُ الرِّعديدُ، وقد انهزم أمام العدو في أول جولة، أن يكون له شأن دون سائر الأمراء؟

قال آق طاي عابثًا: أفتطمع أنت يا أيبك، تصديقًا لحديث أبي زهرة الدجال،٢ ولا يطمعُ مثلُ الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ؟!

فاحمرَّ وجهُ أيبك، وقال قلاوُون دهِشًا: أتعني أن فخر الدين يطمع في العرش؟ لقد أبعدْت في الظن يا آق طاي، فأين تُوران شاه ابنُ مولانا الملك الصالح؟ لا كان والله شيءٌ من ذلك وفي أغمادنا سيوف!

قال آق طاي هادئًا: من أجل ذلك يحرص فخر الدين على إخفاء الأمر، وما أبعدْتُ والله في الظن يا قلاوُون، وإنما أبْعدَ فخرُ الدين في الأمل وأسرف في قَدر نفسه!

•••

وكأنما خشي التركمانية من أمراء المماليك أن يثب إلى العرش أميرٌ من غير جلدتهم، لا يفوقهم فروسية ولا يَفضُلهم تدبيرًا وسياسة؛ فأجمعوا على الدعوة لابن مولاهم، وبعثوا إلى حصن كيفا مَن يدعو الملكَ المعظم توران شاه ليتسلم عرش أبيه.

وكان آق طاي على رأسِ وفدِ الأمراء إلى المشرق، ومعه رسالة من الأمير حسام الدين نائب الملك في القاهرة.

وعرفت شجرة الدُّرِّ بما اجتمع عليه رأي التركمانية، فلم تُقاوِم ولكنها لم تستكن؛ إنها لتعرف توران شاه فتًى ضعيفَ الرأي طيَّاشًا، لا يُحسن السياسة وتدبير الملك؛ وإنها لتعرفُ ما كان رأي أبيه فيه حين آثرَ إبعادَه عن العرش حرصًا على رأسه، ولكنها إلى ذلك لا تحب أن تعارض ما اجتمع عليه رأي الأمراء؛ لأن بها حاجة إلى رضاهم واستبقاء مودتهم، ولا تريدُ — إلى ذلك — أن يعرف توران شاه أن أمراء المماليك كانوا أحرصَ على تمليكه من امرأة أبيه، فلترسلْ إليه رسولًا كما أرسلوا إليه، وليسبق رسولها رسوَلهم؛ لتكونَ لها بذلك يدٌ عنده، وليُدْعَ له على المنابر كما يُدعَى لأبيه، ولتؤخذ له البيعةُ بولاية العهد منذ الآن قبل أن يستيقن الناسُ موتَ أبيه؛ فإن ذلك كله خليقٌ بأن يمكِّن سلطانها ويبعد عنها التهمة، ويُهيِّئُ لها الأسباب لتظل قابضة على السلطة تُصرِّف أمورَ الدولة كيف تشاء، وماذا يعنيها من شخص الملك ما دامت في يديها كل السلطات؛ فهي الملكة وإن لم يكن لها عرشٌ ولا تاجٌ!

•••

وقدِم على توران شاه رسولُ الملكة شجرة الدُّرِّ، وقدم عليه كذلك آق طاي برسالة الأمير حسام الدين.

وتهيَّأ للرحلة من حصن كيفا إلى القاهرة على الطريق الطويل الذي سلكه أبوه منذ عشر سنين.

١  بقية.
٢  انظر [الصفحة الأولى من الفصل الرابع: ملوكٌ أربعةٌ! وما بعدها].

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١