الفصل الثالث

الرقابة الحكومية على النقود

أضحى مصطلحا «التوظيف الكامل» و«النمو الاقتصادي» في العقود القليلة الماضية عذرين أساسيين لتوسيع نطاق التدخل الحكومي في الشئون الاقتصادية؛ فالبعض يقول إن الاقتصاد الحر المعتمد على القطاع الخاص غير مستقر بطبيعته، وإذا طُبِّقَ دون تدخل من أية جهة، سينتج عنه دورة متكررة من الازدهار والتدهور؛ من ثم لا بد أن تتدخل الحكومة للحفاظ على استقرار الأوضاع. إن هذه الحجج كانت فعالة وقوية خصوصًا إبان أزمة الكساد الكبير في الثلاثينيات وفي أعقابها، وكانت عاملًا رئيسًا أدى إلى تطبيق سياسة الصفقة الجديدة في هذا البلد، وتطبيق سياسات مماثلة لتوسيع نطاق التدخل الحكومي في بلدان أخرى. وحديثًا، أضحى مصطلح «النمو الاقتصادي» الشعار الأشيع؛ حيث يزعم البعض إنه لا بد أن ترعى الحكومة النمو الاقتصادي بحيث توفر الموارد المالية اللازمة للحرب الباردة، وتثبت للدول المحايدة أنه بمقدور الدول الديمقراطية تحقيق نمو أسرع من الدول الشيوعية.

إن هذه الحجج مضللة تمامًا، والحقيقة هي أن أزمة الكساد الكبير، شأنها شأن غيرها من فترات البطالة الوخيمة، نتجت عن سوء إدارة حكومية لا عن اتسام اقتصاد القطاع الخاص بعدم الاستقرار. إن هيئة مؤسسة حكوميًا — وهي جهاز الاحتياطي الفيدرالي — وُكِّلَ إليها مسئولية السياسة النقدية. في عامي ١٩٣٠ و١٩٣١، مارس الجهاز هذه المسئولية بمنتهى الخَرَق؛ حيث حَوَّلَ ما كان من الممكن أن يكون انكماشًا اقتصاديًا متوسطًا إلى نكبة كبيرة (انظر المزيد من النقاش في الصفحات ٧١–٧٧.) وعلى نحو مماثل اليوم، تمثل الإجراءات الحكومية المعوقات الرئيسة أمام النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة؛ فالتعريفة الجمركية وغيرها من القيود المفروضة على التجارة الدولية، وأعباء الضرائب المرتفعة والنظام الضريبي المعقد والجائر، واللجان التنظيمية وتحديد الحكومة للأسعار والأجور وغير ذلك الكثير من الإجراءات تحفز الأفراد على إساءة استخدام وتوجيه الموارد وإساءة استثمار المدخرات الجديدة. إن ما نحن في حاجة ماسة إليه لتحقيق كل من النمو الاقتصادي واستقراره، هو تخفيف وطأة التدخل الحكومي لا زيادته.

ومع ذلك، فإن مثل هذا الإجراء سيبقي للحكومة دورًا مهمًا في هذه المجالات؛ فمن الأفضل أن نستخدم الحكومة لتوفير إطار عمل نقدي ثابت للاقتصاد الحر؛ وهو الدور الذي يمثل جزءًا من وظيفة توفير إطار عمل قانوني ثابت. كذلك من الأفضل أن نستخدم الحكومة لتوفير إطار عمل قانوني واقتصادي عام من شأنه تمكين الأفراد من تحقيق النمو الاقتصادي، إذا كان ذلك يتوافق وقيمهم.

إن المجالات الأساسية في السياسة الحكومية، والتي تتصل بالاستقرار الاقتصادي، هي السياسة النقدية، والسياسة المالية أو سياسة الميزانية. ويناقش هذا الفصل السياسة النقدية المحلية، وسنناقش في الفصل التالي النظم النقدية الدولية، بينما سنناقش السياسة المالية أو سياسة الميزانية في الفصل الخامس.

تتمثل مهمتنا في هذا الفصل والفصل التالي في أن نسلك دربًا وسطًا بين رؤيتين كلتاهما غير مقبولة، مع أن لكل واحدة منهما مميزاتها. إن الرؤية الأولى المحفوفة بالمخاطر هي الاعتقاد بأن وجود معيار ذهب مستقل تمامًا عن أي تدخل أمر ممكن ومحبذ في الوقت نفسه، وسيحل كل المشكلات المتعلقة بتعزيز التعاون الاقتصادي بين الأفراد والأمم في إطار بيئة مستقرة. أما الرؤية الثانية المحفوفة بالمخاطر فهي الاعتقاد بأن الحاجة إلى التكيف مع ظروف غير متوقعة تقتضي تخصيص مجموعة واسعة من السلطات ذاتية الطابع لمجموعة من الخبراء تجمعوا سويًا في مصرف مركزي «مستقل» أو في هيئة بيروقراطية ما. لم تثبت أي من الرؤيتين أنها حل مُرْضٍ في الماضي، ومن غير المحتمل أن تثبت ذلك في المستقبل.

•••

إن أخشى ما يخشاه الليبرالي هو تركيز السلطة، وغايته الحفاظ على أقصى درجة ممكنة من الحرية لكل فرد على حدة، وهي الدرجة التي تتوافق مع مبدأ عدم تعارض حرية شخص مع حرية الآخر. كذلك، فإنه يؤمن بأن هذه الغاية تقتضي توزيع السلطات، ويرتاب في تكليف الحكومة بأية مهام يمكن تأديتها من خلال السوق، لأن هذا الأمر يستبدل القهر بالتعاون الطوعي في مجال السوق، وكذلك لأن زيادة الأدوار المنوطة بالحكومة تشكل تهديدًا للحرية في مجالات أخرى.

تثير الحاجة إلى توزيع السلطات مشكلة على درجة فريدة من الصعوبة في مجال النقد؛ فهناك اتفاق واسع على أن الحكومة لا بد أن تتحمل بعضًا من مسئولية الشئون النقدية، وهناك اعتراف واسع النطاق أيضًا بأن السيطرة على الشئون النقدية يمكن أن تكون أداة قوية للسيطرة على الاقتصاد وتشكيله. وقوة هذه الأداة تمثلت في المقولة الشهيرة للينين: إن أكثر السبل فاعلية لتدمير مجتمع هو تدمير نقوده. وهذا الأمر ممثل تمثيلًا شديد الابتذال في مدى تمكين السيطرة على النقود — منذ قديم الأزل — الحكامَ من فرض ضرائب مرتفعة على العامة ككل، وهو ما كان يحدث كثيرًا دون موافقة صريحة من السلطة، إذا كانت قائمة. كان ذلك يحدث منذ العصور الأولى عندما شك الملوك العملات وتبنوا حيلًا مماثلة، حتى الحاضر بوسائله الأحدث والأعقد كإصدار الصحف المطبوعة، أو حتى مجرد نظام فهرسة الكتب. تكمن المشكلة في إنشاء نظم مؤسسية من شأنها تمكين الحكومة من ممارسة مسئوليتها تجاه النقود، ولكن تحد — في الوقت نفسه — من السلطة الممنوحة للحكومة بمقتضى هذا التمكين، وتمنع استغلال هذه الصلاحية بطرق تميل إلى إضعاف المجتمع الحر بدلًا من تعزيزه.

(١) معيار سلعي

من الناحية التاريخية، فإن الوسيلة التي عُرِفَتْ أكثر من غيرها في العديد من البلدان المختلفة، وعلى مدار القرون، هي المعيار السلعي؛ وتعني استخدام سلعة مادية كالذهب أو الفضة، أو النحاس الأصفر أو القصدير، أو السجائر أو الكونياك، أو غيرها من السلع المختلفة من أجل التبادل؛ فإذا تألفت النقود كليةً من سلعة مادية من هذا النوع، لن يكون هناك حاجة — من حيث المبدأ — إلى السيطرة الحكومية على الإطلاق؛ حيث ستعتمد كمية النقود في المجتمع على تكلفة إنتاج السلعة النقدية، لا على أي شي آخر، بينما ستعتمد التغيرات في كمية النقود المنتجة على التغيرات في الظروف التقنية الخاصة بإنتاج السلعة النقدية وعلى التغيرات في الطلب على النقود. وهذا مبدأ مثالي يشجع الكثير من المؤمنين بضرورة وجود معيار ذهب مستقل.

إن المعايير السلعية الفعلية انحرفت بعيدًا عن هذا النمط البسيط الذي لا يستدعي أي تدخل حكومي. فمن الناحية التاريخية، إن المعيار السلعي — كمعيار الذهب أو معيار الفضة — كان يصاحبه تطور نقود ائتمانية من نوع أو آخر، يمكن ظاهريًا تحويلها إلى سلعة نقدية بناءً على شروط محددة. كان هناك سبب مقنع للغاية وراء هذا التطور؛ فالعيب الجوهري بالمعيار السلعي، من وجهة نظر المجتمع ككل، يكمن في أنه يتطلب استخدام موارد حقيقية لزيادة المخزون النقدي، ولابد من أن يكد الناس في العمل لاستخراج الذهب من باطن الأرض بجنوب إفريقيا — من أجل تخزينه في قلعة فورت نوكس أو مكان مماثل. رسخت ضرورة استخدام موارد فعلية لازمة لعمل المعيار السلعي حافزًا قويًا لدى الناس لإيجاد سبل يحققون بها النتيجة نفسها دون استخدام تلك الموارد. فإذا كان الناس سيقبلون قصاصات ورقية مطبوع عليها «أتعهد بأن أدفع وحدات من المعيار السلعي» كنقود، فهذه القصاصات الورقية يمكن أن تؤدي الوظيفة نفسها كقطع الذهب أو الفضة، كما أنها تتطلب كميات أقل كثيرًا من الموارد لإنتاجها. في رأيي، فإن هذه النقطة، التي ناقشتها باستفاضة أكثر بعض الشيء في موضع آخر،1 تبدو العائق الرئيس أمام تطبيق المعيار السلعي.

إذا كان العمل بمعيار سلعي مستقل أمرًا ممكنًا، فقد يوفر حلًا رائعًا للمعضلة التي تواجه الليبراليين؛ وهي تأسيس إطار عمل نقدي مستقر دون وجود خطر الممارسة غير المسئولة للسلطة فيما يتعلق بالشئون النقدية. على سبيل المثال، إذا كان هناك معيار ذهب أصلي — أي أن مائة في المائة من النقود بدولة ما تتكون فعلًا من الذهب — يحظى بدعم من عموم أفراد الشعب الذين تترسخ بداخلهم المفهوم الأسطوري للمعيار الذهبي والاعتقاد بأن تدخل الحكومة في عمل المعيار أمر غير أخلاقي وغير لائق — إذا حدث ذلك، سيوفر هذا المعيار ضمانًا فعالًا ضد عبث الحكومة بالعملة وضد أي إجراء نقدي غير مسئول. وبموجب هذا المعيار، ستكون أية صلاحيات نقدية للحكومة ثانوية في مداها، لكن كما لاحظنا توًا، لم يثبت تاريخيًا أن مثل ذلك النظام المستقل عن الحكومة ممكن التنفيذ، بل مال دائمًا إلى السير في اتجاه نظام مختلط يضم عناصر ائتمانية كالأوراق النقدية والودائع، أو الأوراق النقدية الحكومية، إضافة إلى السلعة النقدية. وبمجرد أن أُدْخِلَتْ العناصر الائتمانية، ثبت أنه من الصعب تجنب سيطرة الحكومة عليها، حتى عندما تصدر في بادئ الأمر من أفراد لا ينتمون إلى الحكومة. يرجع السبب في ذلك، أساسًا، إلى صعوبة منع حدوث تزوير النقود أو ما يعادله اقتصاديًا. إن النقود الائتمانية هي عقد لدفع نقود معيارية، وما يحدث أن يكون هناك فترة زمنية فاصلة بين عمل مثل ذلك العقد وبين تطبيقه، وهذا يزيد من صعوبة تنفيذ العقد، فتزيد، بدورها، إغواءات إصدار عقود احتيالية. وعلاوة على ذلك، ما إن تُدْخَل العناصر الائتمانية، تقع الحكومة نفسها تحت طائلة إغراءات لا تقاوم لإصدار نقود ائتمانية. بناءً على ذلك، تحولت المعايير السلعية، في الواقع، إلى معايير مختلطة تضمنت تدخلًا من الدولة واسعَ النطاق.

من الجدير بالملاحظة أنه بالرغم من النقاشات الكثيرة للعديد من الأشخاص المؤيدين لمعيار الذهب، لا يرغب أحد منهم تقريبًا اليوم في معيار ذهب حقيقي وكامل فعليًا. إن من يقولون أنهم يريدون معيار ذهب دائمًا ما يقصدون تقريبًا النوع الحالي من المعيار، أو نوع المعيار الذي طبق في الثلاثينيات؛ وهو معيار ذهب يخضع لإدارة المصرف المركزي أو دائرة رسمية حكومية أخرى، والتي تحتفظ بكمية صغيرة من الذهب «غطاءً» — إن جاز استخدام ذلك المصطلح المضلل — للنقود الائتمانية، حتى إن البعض ذهب إلى تأييد ذلك المعيار الذي طُبِّقَ في العشرينيات، حيث تضمن معيار الذهب في تلك الأثناء تداولًا فعليًا للذهب أو الشهادات الذهبية كعملة تتداول بين الأفراد — أي معيار عملة ذهبية — لكنهم أيدوا مع ذلك وجود الذهب كعملة ائتمانية حكومية مع الودائع التي تصدرها المصارف التي تحتفظ باحتياطي ضئيل سواءً من الذهب أو العملة الائتمانية. مع ذلك، عندما كان المفترض أن مصرف انجلترا المركزي يدير معيار الذهب ببراعة، إبان ما يسمى بالعصر الذهبي لمعيار الذهب في القرن التاسع عشر، كان النظام النقدي بعيدًا كل البعد عن معيار ذهبي مستقل تمامًا. حتى في تلك الأثناء كان المعيار خاضع للسيطرة إلى حد بعيد، والوضع الآن بلا ريب أكثر حدة نتيجة لتطبيق البلد تلو الآخر نظرية أن الحكومة يقع على عاتقها مسئولية «التوظيف الكامل».

إن ما توصلت إليه هو أن المعيار السلعي المستقل ليس حلًا ممكنًا أو محبذًا لمشكلة تأسيس نظم نقدية لمجتمع حر، فهو ليس محبذًا لأنه قد يتضمن تحمل تكلفة كبيرة في صورة الموارد التي ستستخدم لإنتاج السلعة النقدية، وليس ممكنًا لأن الأفكار الخيالية والمعتقدات المطلوبة لتفعيله غير موجودة.

إن هذا الاستنتاج ليس مدعومًا بالدلائل التاريخية العامة المشار إليها فحسب بل بالتجربة المحددة التي خاضتها الولايات المتحدة. فمنذ عام ١٨٧٩ — عندما استأنفت الولايات المتحدة المدفوعات الذهبية بعد الحرب الأهلية — حتى عام ١٩١٣، كانت الولايات المتحدة تطبق معيار الذهب. على الرغم من أن ذلك المعيار كان أقرب إلى أن يكون معيارًا مستقلًا تمامًا أكثر من أي وقت آخر منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، لم يكن معيار الذهب تامًا مائة بالمائة؛ حيث كانت هناك إصدارات حكومية لنقود ورقية، وأصدرت المصارف الخاصة الجزء الأكبر من وسيلة التبادل الفعالة بالبلاد في صورة الودائع، علمًا بأن العمليات المصرفية كانت خاضعة للتنظيم الدقيق من جانب الهيئات الحكومية — كالمصارف الوطنية التي يشرف عليها مراقب العملة ومصارف الولايات التي تشرف عليها السلطات المصرفية بالولاية. تراوح الذهب، سواءً كان في وزارة الخزانة أو المصارف أو في حيازة الأفراد مباشرة في صورة عملات أو شهادات ذهبية، بين ١٠ و٢٠ بالمائة من المخزون النقدي، وتختلف النسبة الدقيقة من عام لآخر، أما الثمانون أو التسعون بالمائة الباقية تألفت من الفضة والعملة الائتمانية والودائع المصرفية التي لا يقابلها مخزون ذهبي.

وعندما ننظر فيما حدث مرة أخرى، قد يبدو لنا أن النظام عمل بشكل جيد على نحو معقول. لكن بالنسبة للمواطنين الأمريكيين في ذلك الوقت، كان من الواضح أنه ليس كذلك. كانت الطلب على معيار الفضة في ثمانينيات القرن التاسع عشر — والتي بلغت أوجها مع خطاب الصليب الذهبي لبرايان الذي كان من شأنه تعزيز الاتجاه العام الذي أحاط بانتخابات عام ١٨٩٦ — إحدى علامات السخط على النظام. وتتحمل هذه المطالبات بدورها المسئولية شبه الكاملة عن أعوام الكساد شديدة الوطأة في أوائل تسعينيات القرن التاسع عشر؛ فقد أدت زيادة الطلب إلى انتشار المخاوف من أن تنصرف الولايات المتحدة عن معيار الذهب؛ ومن ثم يفقد الدولار قيمته أمام العملات الأجنبية. وقد نتج عن هذا الأمر ابتعاد عن استخدام الدولار وخروج رؤوس الأموال، مما أدى إلى حدوث انكماش اقتصادي بالبلاد.

ولدت الأزمات المالية المتوالية في الأعوام ١٨٧٣ و١٨٨٤ و١٨٩٠ و١٨٩٣ مطالب واسعة لإصلاح المصارف من جانب قطاع الأعمال والمصارف، وأدى الذعر العام في ١٩٠٧، شمل الاتفاق بين المصارف على رفض تحويل الودائع إلى عملة عند الطلب، إلى تحويل شعور السخط على النظام المالي إلى مطالبات عاجلة بالتدخل الحكومي، في نهاية الأمر. أسس الكونجرس اللجنة الوطنية للنقود، وأدمجت توصياته عام ١٩١٠ في قانون الاحتياطي الفيدرالي الذي أقره الكونجرس عام ١٩١٣. وحظت الإصلاحات في سياق قانون الاحتياطي الفيدرالي بدعم كل قطاعات المجتمع، بدءًا من الطبقات العاملة وانتهاءً بالمصرفيين وكلا الحزبين السياسيين. كان رئيس لجنة النقود الوطنية جمهوريًا، وهو نيلسون دبليو أُلدريتش، أما عضو مجلس الشيوخ المسئول، في المقام الأول، عن قانون الاحتياطي الفيدرالي كان ديمقراطيًا وهو كارتر دبليو جلاس.

عمليًا، اتضح في النهاية أن التغيير في النظم النقدية الذي أدخله قانون الاحتياطي الفيدرالي أخطر بكثير مما كان يرغب معدوه أو مؤيدوه. فأثناء إقرار القانون، سيطر معيار الذهب بقوة في أرجاء العالم — مع أنه لم يكن معيار ذهب مستقلًا عن أي تدخل لكنه كان أقرب كثيرًا إلى ذلك المبدأ المثالي من أي شيء مررنا به منذ ذلك الحين. افترض الناس أن المعيار سيستمر في الهيمنة، ومن ثم سيحد من سلطات جهاز الاحتياطي الفيدرالي، لكن سرعان ما اندلعت الحرب العالمية الأولى بمجرد إقرار القانون، وحدث ابتعاد كبير عن معيار الذهب، ومع نهاية الحرب، لم يعد جهاز الاحتياطي الفيدرالي جهة مساعدة ثانوية لمعيار الذهب هدفها ضمان قابلية تحويل شكل من أشكال النقد إلى أشكال أخرى وتنظيم المصارف والإشراف عليها. لقد تحول إلى جهاز ذي سلطة ذاتية قوية، بإمكانه تحديد كمية النقود في الولايات المتحدة والتأثير على الأحوال المالية العالمية.

(٢) سلطة نقدية ذاتية الطابع

يعد تأسيس جهاز الاحتياطي الفيدرالي أبرز التغيرات في المؤسسات النقدية بالولايات المتحدة منذ إقرار قانون المعاملات المصرفية المحلية منذ الحرب الأهلية، على الأقل. وللمرة الأولى منذ انتهاء العمل بميثاق المصرف الثاني للولايات المتحدة عام ١٨٣٦ يتأسس جهاز رسمي مستقل يتحمل مسئولية الأوضاع النقدية، ومن المفترض أنه مُزَوَّد بسلطات مناسبة لتحقيق الاستقرار النقدي أو على الأقل منع وقوع اضطراب واضح. من ثم، سنستخلص درسًا مفيدًا في حال المقارنة بين التجربة ككل قبل وبعد تأسيس الجهاز — لنقل في أعقاب الحرب الأهلية مباشرة إلى عام ١٩١٤ ومن عام ١٩١٤ حتى الآن، بحيث نقارن فترتين متساويتين.

كانت الفترة الثانية الأكثر اضطرابًا من الناحية الاقتصادية بكل وضوح، سواءً كان الاضطراب على مستوى التغيرات في المخزون النقدي أو الأسعار أو الإنتاج. وتعكس الحالة الأكبر من الاضطراب جزئيًا تأثير الحربين العالميتين أثناء الفترة الثانية، وهذا يمثل بوضوح مصدر الاضطراب بصرف النظر عن النظام النقدي. مع ذلك، إذا أسقطنا الحرب والأعوام التي أعقبتها مباشرة، ودرسنا فترة السلم فقط ولنقل من عام ١٩٢٠ حتى ١٩٣٩ ومن عام ١٩٤٧ إلى الآن، لن تختلف النتيجة. كان المخزون النقدي والأسعار والإنتاج أكثر اضطرابًا بعد تأسيس جهاز الاحتياطي الفيدرالي عما قبل دون جدال، وكانت أكثر الفترة تأثرًا فيما يتصل باضطراب الإنتاج تلك بين الحربين بالطبع والتي تضمنت فترات قاسية من الانكماش الاقتصادي بين أعوام ١٩٢٠–١٩٢١ و١٩٢٩–١٩٣٣ و١٩٣٧–١٩٣٨؛ لم تشهد أي فترة من عشرين عامًا هذا العدد من فترات الانكماش الاقتصادي الثلاث سالفة الذكر على مدار التاريخ الأمريكي.

إن هذه المقارنة البسيطة ليست ببرهان على فشل جهاز الاحتياطي الفيدرالي في الإسهام في الاستقرار النقدي، فربما كانت المشكلات التي اضطر الجهاز إلى معالجتها أكثر صعوبة من تلك التي أثرت على النظام النقدي السابق. ولعل تلك المشكلات كانت ستنتج قدرًا أكبر من الاضطراب النقدي في ظل النظم السابقة. لكن المقارنة البسيطة ستجعل القارئ يتريث قبل أن يقبل كأمر مسلم به، كما هي الحال غالبًا، أن هيئة شديدة الرسوخ والفاعلية وذات نفوذ واسع كجهاز الاحتياطي الفيدرالي تؤدي وظيفة ضرورية ومحبذة وتقدم إسهامات لإدراك الأهداف التي شيدت من أجلها.

لدي قناعة شخصية مرتكزة على دراسة شاملة للدلائل التاريخية أن الاختلاف في الاستقرارا الاقتصادي الذي تكشف عنه المقارنة البسيطة يمكن نسبه في الواقع إلى اختلاف المؤسسات النقدية. إن هذه الدلائل تؤكد لي أن ثلث مستوى ارتفاع الأسعار على الأقل أثناء الحرب العالمية الأولى وفي أعقابها يمكن رده إلى تأسيس جهاز الاحتياطي الفيدرالي وما كان هذا الارتفاع ليحدث إذا استمر النظام المصرفي السابق، ويمكن رد شدة وقع كل انكماش اقتصادي، ١٩٢٠–١٩٢١ و١٩٢٩–١٩٣٣ و١٩٣٧–١٩٣٨، مباشرةً إلى الإجراءات التي اتخذها الجهاز وتلك التي لم يتخذها وما كانت لتحدث في ظل النظم المصرفية والنقدية السابقة. كان من الممكن أن تطرأ حالات ركود اقتصادي في تلك الظروف أو غيرها، لكن كان من غير المحتمل إلى حد بعيد أن تتطور أية حالة منها إلى انكماش اقتصادي كبير.

ليس بوسعي عرض هذه الدلائل هنا بلا شك.2 ومع ذلك، بالنظر إلى أهمية الدور الذي لعبه الكساد الكبير لعام ١٩٢٩–١٩٣٣ في تشكيل — أو بالأحرى تشويه — الموقف العام من دور الحكومة في الشئون الاقتصادية، قد يكون التفسير الذي تشير إليه الدلائل لهذه المرحلة يستحق التوضيح الكامل.

في غالب الأمر ينظر البعض إلى انهيار البورصة في أكتوبر/تشرين الأول عام ١٩٢٩ والذي قضى على السوق المتجهة للصعود في عامي ١٩٢٨ و١٩٢٩ كبداية وكسبب مباشر ورئيس للكساد الكبير على حد السواء، وذلك نظرًا للطبيعة المثيرة للبورصة، لكن أيًّا من ذلك ليس صحيحًا، فقد بلغ النشاط التجاري ذروته في منتصف عام ١٩٢٩، أي قبل الانهيار ببضعة شهور، قد يكون سبب تحقق ذروة النجاح جزئيًا الشروطُ النقدية الصارمة نسبيًا التي فرضها جهاز الاحتياطي الفيدرالي في محاولة لكبح «المضاربات». وبهذه الطريقة غير المباشرة، ربما تكون البورصة قد لعبت دورًا في حدوث الانكماش. لا شك أن انهيار البورصة بدوره كان له بعض التأثيرات غير المباشرة على الثقة بالتجارة وعلى استعداد الأفراد للإنفاق الأمر الذي ولد تأثيرًا سلبيًا على مسيرة التجارة. لكن هذه التأثيرات في حد ذاتها لا يمكن أن تتسبب في حدوث انهيار في النشاط الاقتصادي، فعلى أكثر تقدير، كانت ستجعل الانكماش يدوم لفترة أطول ويكون أشد وقعًا من حالات الركود البسيطة التي اعترضت طريق النمو الاقتصادي الأمريكي على مدار تاريخنا؛ وما كانت ستجعل الانكماش مأساويًا مثلما حدث.

لم يظهر بالانكماش في عامه الأول تقريبًا أي من السمات الخاصة التي هيمنت عليه في أعوامه التالية. وكان التدهور الاقتصادي أشد مما يحدث خلال العام الأول في معظم فتر ات الانكماش الاقتصادي، وكان ذلك على الأرجح ردة فعل لانهيار البورصة إلى جانب الشروط النقدية المقيدة التي طبقت منذ منتصف عام ١٩٢٨، غير أنه لم تظهر عليه أية صفات مختلفة كيفًا، أو أية علامة على أنه سيتدهور إلى كارثة كبرى. وفيما عدا التبريرات الساذجة، لم يوجد شيء في الوضع الاقتصادي — كما ظهر في سبتمبر/أيلول أو أكتوبر/تشرين الأول عام ١٩٣٠ على سبيل المثال — يجعل التدهور المستمر والكبير الذي حدث في الأعوام التالية أمرًا حتميًا أو على الأقل محتملًا للغاية. عندما نعيد النظر، نجد أنه كان يجدر بجهاز الاحتياطي الفيدرالي بلا شك التصرف على نحو مختلف عما فعل، وما كان يجدر به سماح بانحفاض للمخزون النقدي بمقدار ثلاثة في المائة تقريبًا من أغسطس/آب عام ١٩٢٩ إلى أكتوبر/تشرين أول ١٩٣٠، وهذا الانخفاض أكبر من أي انخفاض حدث أثناء أغلب، إن لم يكن جميع، فترات الانكماش السابقة الأشد تقريبًا. بالرغم من أن ما حدث كان خطأً فإنه يمكن تبريره، ولم يكن بلا شك خطأً فادحًا.

تغيرت طبيعة الانكماش تغيُّرًا مأساويًّا في نوفمبر/تشرين الثاني عام ١٩٣٠، عندما أدت سلسلة من حالات إفلاس المصارف إلى التهافت على سحب الودائع من المصارف، وهي محاولات من المودعين إلى تحويل الودائع إلى عملة. انتقلت هذه الحالة من مدينة إلى أخرى ووصل الأمر ذروته مع إفلاس مصرف الولايات المتحدة في ١١ ديسمبر عام ١٩٣٠. كان هذا الإفلاس خطيرًا ليس لأن المصرف كان من أكبر المصارف بالبلاد ويملك ما يزيد عن ٢٠٠ مليون دولار من الودائع فحسب، بل لأن اسم المصرف أوحى إلى الكثيرين بالداخل وأكثر بالخارج أنه مصرف رسمي للبلاد بطريقة أو بأخرى، مع أنه كان مصرفًا تجاريًا عاديًا.

وقبل أكتوبر/تشرين الأول ١٩٣٠، لم تكن هناك أية إشارة لأزمة سيولة مالية، أو أي إشارة إلى انعدام الثقة في المصارف. لكن منذ ذلك الوقت فصاعدًا، مُني الاقتصاد بأزمات سيولة متكررة، وقد تهدأ موجة من إفلاس المصارف لفترة، ثم تشتعل مجددًا مع إفلاس مأساوي لبضع مصارف أو أحداث أخرى تتسبب في فقدان الثقة في النظام المصرفي ومن ثم تبدأ سلسلة جديدة من التهافت لسحب الودائع من المصارف. كانت هذه الأحداث مهمة ليس بسبب إفلاس المصارف فحسب أو حتى في الأساس بل بسبب تأثيرها على المخزون النقدي.

لا يمتلك المصرف بالطبع دولارَ (أو ما يعادله) لكل دولار في الودائع، في سياق نظام الاحتياطي الجزئي للمصارف كنظامنا، ولهذا السبب تعد كلمة «الودائع» مصطلحًا مضللًا. عندما يودع المرء دولار نقديًا في مصرف ما، قد يضيف المصرف خمسة عشر أو عشرين سنتًا إلى نقوده السائلة ويقرض الباقي من منفذ آخر، وقد يعيد المقترض بدوره إيداع المبلغ مرة أخرى في ذلك المصرف أو غيره، وتتكرر العملية. تكون النتيجة أنه لكل دولار نقدي تملكه المصارف، تكون مدينة أمامه بدولارات عديدة في صورة ودائع، ويرتفع المخزون النقدي — نقودًا وودائعَ — لكمية محددة من النقود كلما زاد الجزء النقدي الذي يرغب الناس في الاحتفاظ به في صورة ودائع، وأية محاولة واسعة النطاق من جانب المودعين «لاسترداد أموالهم» تعني بناءً على ذلك تدني في المقدار الكلي للنقود مالم تكن هناك طريقة يمكن بها إنتاج نقود سائلة إضافية وطريقة ما أمام المصارف للحصول عليها، وإلا سيضع أحد المصارف — في سعيه لإرضاء المودعين — ضغطًا على المصارف الأخرى باسترداد القروض أو ببيع الاستثمارات أو بسحب ودائعه وستضع تلك المصارف الأخرى بدورها ضغطًا على غيرها. تتسع هذه الحلقة في حد ذاتها ما لم يتخذ إجراء لإيقافها وستسفر مساعي المصارف للحصول على سيولة نقدية عن انخفاض أسعار الأوراق المالية وتتعثر المصارف وتهتز ثقة المودعين وتبدأ الحلقة المفرغة مرة أخرى.

كان ذلك الموقف بالضبط ما أدى إلى حدوث حالة الذعر في القطاع المصرفي في ظل النظام المصرفي الذي سبق تأسيس جهاز الاحتياطي الفيدرالي، وإلى تعليق منسق لعمليات تحويل الودائع إلى عملة نقدية، كما حدث عام ١٩٠٧. كان ذلك التعليق خطوة خطيرة وزادت الأمور سوءًا لفترة قصيرة، إلا أنها كانت خطوة علاجية أيضًا، فقد كسرت الحلقة المفرغة عن طريق كبح انتشار الأمر وعن طريق الحيلولة دون تشكيل انهيار بضع مصارف ضغطًا على المصارف الأخرى ودفع مصارف آمنة من خطر الانهيار بطريقة أخرى. وفي غضون بضع أسابيع أو شهور، عندما استقر الوضع، أمكن إلغاء التعليق، وبدأت حالة الانتعاش دون حدوث انكماش نقدي.

وكما رأينا، كانت أحد الأسباب الرئيسة لتأسيس جهاز الاحتياطي الفيدرالي التعامل مع مثل هذه المواقف، فقد مُنح سلطة ضخ المزيد من السيولة النقدية في حال اتساع الطلب من جانب الأفراد على العملة بدلًا من الودائع، كما مُنح الوسيلة لتوفير السيولة النقدية للمصارف بضمان أصول المصرف. وبهذه الطريقة، كان من المتوقع تفادي أية حالة ذعر مالي وشيكة، وعدم اضطرارنا إلى تعليق عمليات تحويل الودائع إلى عملة نقدية، وأن نتحاشى تمامًا النتائج المؤسفة للأزمات النقدية.

ظهرت الحاجة إلى هذه السلطات للمرة الأولى، وبالتالي أول اختبار لفاعليتها في شهري نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول لعام ١٩٣٠ كنتيجة لسلسة من عمليات إغلاق المصارف التي سبق وصفها. أخفق جهاز الاحتياطي الفيدرالي تماما في اجتياز الاختبار، فلم يفعل شيئًا تقريبًا لتزويد المصارف بالسيولة النقدية، وعلى ما يبدو اعتبر إغلاق المصارف أمرًا لا يستدعي اتخاذ إجراءات خاصة. من الجدير بأن نشدد عليه، مع ذلك، أن إخفاق الجهاز كان إخفاق إرادة وليس إخفاق قوة؛ حيث كان الجهاز يمتلك في ذلك الموقف، كما في المواقف الأخرى التي أعقبته، صلاحيات واسعة تتيح له تزويد المصارف بالنقود التي كان يطالب بها أصحاب الودائع، ولو قام بذلك، لتوقفت سلسلة إغلاق المصارف ولتفادينا الكارثة النقدية.

تلاشت الموجة الأولية لإفلاس المصارف وفي أوائل عام ١٩٣١ تبدت علامات عودة الثقة. استغل جهاز الاحتياطي الفيدرالي الفرصة لخفض القروض القائمة — وهو ما يعني أنه وازن بين القوى التوسعية بطبيعتها عن طريق اتخاذ إجراء انكماشي صغير. بالرغم من ذلك، كانت هناك إشارات واضحة للتحسن ليس في القطاع النقدي فحسب بل في الأنشطة الاقتصادية الأخرى. وإذا فحصنا أرقام الشهور الأربعة أو الخمسة الأولى من عام ١٩٣١ دون الرجوع إلى ما حدث بعد ذلك في واقع الأمر، سنجد أن بها كل العلامات المميزة للسقوط في قاع الهوية وبداية الانتعاش في الوقت نفسه.

غير أن الانتعاش غير المؤكد لم يدم طويلًا، فقد أدت موجة جديدة من إفلاس المصارف إلى الدخول في سلسلة جديدة من التهافت على سحب الودائع من المصرف ومن ثم بدأت عملية التدني الجديد في المخزون النقدي ومن جديد لم يحرك جهاز الاحتياطي الفيدرالي ساكنًا. وفي مواجهة تصفية غير مسبوقة للمصارف التجارية، تظهر دفاتر «المُقْرِض الأخير» — وهو جهاز الاحتياطي الفيدرالي — تراجعًا في قيمة الاعتماد الذي وفره الجهاز للمصارف التابعة له.

في سبتمبر/أيلول عام ١٩٣١، تخلت بريطانيا عن معيار الذهب، وسبق هذا الإجراء وتلاه سحب الذهب من الولايات المتحدة، بالرغم من تدفق الذهب إلى الولايات المتحدة في السنتين السابقتين، ووصلت حينذاك نسبة مخزون الذهب بالولايات المتحدة والاحتياطي الفيدرالي إلى معدلات غير مسبوقة. جاء رد فعل الاحتياطي الفيدرالي قويًا وفوريًا على الاستنزاف الخارجي للذهب بما أنه لم يفعل شيئًا حيال الاستنزاف الداخلي السابق. وجاء رد الجهاز بإجراء من المؤكد أنه أدى إلى زيادة المشكلات المالية الداخلية. وبعد أكثر من عامين من الانكماش الاقتصادي الشديد، رفع الجهاز سعر الخصم — أي سعر الفائدة الذي كان الجهاز مستعدًا لأن يقرض به المصارف التابعة له — بقدر أكبر مما فعل من قبل في غضون فترة وجيزة للغاية على مدى تاريخه بأكمله قبل ذلك أو منذ ذلك الحين. أوقف هذا الإجراء استنزاف الذهب، إلا أن صاحبه زيادة هائلة في إفلاس المصارف وتهافت على سحب الودائع من المصارف. وفي غضون ستة أشهر من أغسطس/آب عام ١٩٣١ حتى يناير/كانون الثاني عام ١٩٢٣، أغلق مصرف من بين كل عشرة مصارف تقريبًا أبوابه وتدنى إجمالي الودائع بالمصارف التجارية بنسبة ١٥ في المائة.

حدث تغير تام مؤقت في السياسة عام ١٩٣٢ — تضمن شراء مليار دولار من السندات الحكومية — أبطأ من معدل التدهور. ولو كان هذا الإجراء اتُّخِذَ في عام ١٩٣١، لكان من المؤكد إلى حد بعيد أن يكفي للحيلولة دون وقوع الكارثة المشار إليها توًا. وبحلول عام ١٩٣٢، كان قد فات الأوان على هذا الإجراء فلم يكن سوى إجراء تخفيفي، وأعقب التحسن المؤقت انهيار جديد انتهى بإعطاء إجازة للمصارف عام ١٩٣٣ — عندما أغلقت جميع المصارف بالولايات رسميًا لما يزيد عن أسبوع. إن الجهاز الذي تأسس بهدف الحيلولة دون حدوث تعليق مؤقت لتحويل الودائع إلى عملة إلى حد بعيد — وهو الإجراء الذي حال دون انهيار المصارف سابقًا — سمح في البداية بإبادة ما يقرب من ثلث المصارف ثم رحب بتعليق قابلية الودائع للتحويل والذي كان أكبر وأقوى من أي تعليق سابق. ومع ذلك، فقد كانت قدرة مجلس جهاز الاحتياطي الفيدرالي على التبرير الذاتي كبيرة لدرجة مكنته من أن يكتب في تقريره السنوي لعام ١٩٣٣: «إن قدرة مصارف جهاز الاحتياطي الفيدرالي على مواجهة المطالب الهائلة على العملة أثناء الأزمة أظهرت فاعلية نظام العملة في البلاد بموجب قانون الاحتياطي الفيدرالي … من الصعب تخيل المسار الذي كان سيسلكه الكساد في حالة عدم تطبيق جهاز الاحتياطي الفيدرالي سياسة عملية الشراء الحرة المفتوحة بالسوق.»

ومع هذا الوضع، انخفض المخزون النقدي في الولايات المتحدة من يوليو/تموز عام ١٩٢٩ إلى مارس/آذار عام ١٩٣٣ بنسبة الثلث، وجاء ما يزيد عن ثلثي الانخفاض بعد تخلي انجلترا عن معيار الذهب. فلو كان المخزون النقدي حظي بحماية من التدهور؛ إذ كان من الواضح أن ذلك ممكن الحدوث وينبغي أن يحدث، لكان الانكماش الاقتصادي أقصر وأخف وطأة بكثير، مع أنه قد يكون خطيرًا قياسًا بالمعايير التاريخية، لكن من المستحيل حينئذ فعليًا أن يتدنى المخزون النقدي بما يزيد عن النصف والأسعار بما يزيد عن الثلث في غضون أربع سنوات، إذا لم يكن هناك تدنٍ في المخزون النقدي. لا أعلم أي كساد قوي في أي مكان أو زمان لم يصاحبه تدنٍ حاد في المخزون النقدي، وبالمثل، لا أعلم أي تدنٍ في المخزون النقدي لا يصاحبه كساد قوي.

إن الكساد الكبير في الولايات المتحدة ليس بعلامة على وجود اضطراب متأصل في نظام الاقتصاد الحر بل هو إثبات على مدى الضرر الذي يمكن أن تلحقه الأخطاء التي ترتكبها قلة من الأشخاص عندما توكل إليهم سلطات واسعة على النظام النقدي بالبلاد.

قد يقال إن هذه الأخطاء يمكن تبريرها على أساس المعرفة المتوفرة للأشخاص حينئذ، مع أنني لا أظن ذلك. لكن هذا غير ذي صلة بالموضوع حقًا، فأي نظام يمنح هذا القدر الكبير من السلطات وهذا المجال من حرية التصرف لبضعة أشخاص ويكون للأخطاء — سواءً كانت مبررة أم لا — مثل هذه التأثيرات بعيدة المدى هو نظام سيء. إنه نظام سيء بالنسبة للمؤمنين بالحرية لا لشيء سوى لأنه يمنح مثل تلك السلطة لأشخاص قليلين دون ممارسة الأمة لرقابة فعالة؛ وهذه الحجة السياسية الرئيسة ضد وجود مصرف مركزي «مستقل»، لكنه نظام سيء حتى بالنسبة للذين يولون الآمان أهمية أكبر من الحرية. لا يمكن تجنب الوقوع في الأخطاء، سواء كانت مبررة أم لا، في نظام يعتمد تقسيم المسئوليات ومع ذلك يمنح عدد قليل من الأشخاص سلطات كبيرة، وبهذه الطريقة يجعل الإجراءات السياسية المهمة معتمدة على الطبيعة الشخصية، وهذه الحجة العملية الرئيسة ضد وجود مصرف «مستقل.» يمكننا إعادة صياغة قول كليمنسو المأثور إن النقود مسألة خطيرة للغاية، والأخطر تركها في يد مديري مصرف مركزي.

(٣) قواعد بدلًا من سلطات

إذا لم نتمكن من تحقيق الأهداف سواء بالاعتماد على عمل معيار ذهب مستقل تمامًا أو عن طريق منح قدر كبير من حرية التصرف للسلطات المستقلة، كيف سنتمكن إذن من تأسيس نظام نقدي يتسم بالاستقرار وفي الوقت نفسه يخلو من أي عبث حكومي غير مسئول، أي نظام يوفر إطار العمل النقدي اللازم للاقتصاد الحر ومع ذلك لا يُحْتَمَل أن يمثل مصدر تهديد للحرية الاقتصادية والسياسية؟

إن السبيل المبشر الوحيد الذي اقْتُرِحَ إلى الآن هو محاولة تشكيل حكومة تحتكم إلى القانون بدلًا من الأشخاص عن طريق تشريع قواعد تحكم إدارة السياسة النقدية والتي من شأنها تمكين الشعب من ممارسة سيطرته على السياسة النقدية من خلال سلطاته السياسية، وفي الوقت نفسه ستمنع السياسة النقدية من أن تكون عرضة للنزوات اليومية للسلطات السياسية.

إن مسألة سن قواعد تحكم السياسة النقدية بها الكثير من أوجه الشبه بموضوع يبدو مختلفًا تمامًا للوهلة الأولى، وهو حجة التعديل الأول للدستور. متى اقترح شخص رغبته في وجود قاعدة تشريعية للسيطرة على النقود، تأتي الإجابة المبتذلة أنه من غير المعقول تقييد أيادي السلطة النقدية بهذه الطريقة؛ لأن السلطة يمكنها دائمًا أن تفعل بمحض إرداتها ما تقتضيه القاعدة منها فعله، في حال ما أرادت ذلك، ولديها علاوة على ذلك خيارات أخرى، ومن ثم يزعم البعض أنه يمكنها التصرف أفضل من القاعدة «بالطبع.» يمكن تطبيق إطار بديل من الحجة نفسها على الهيئة التشريعية؛ فالبعض يزعم أنه إذا كانت الهيئة التشريعية على استعداد لتطبيق القاعدة، ستكون مستعدة بلا شك لتشريع السياسة «الصحيحة» في كل حالة خاصة أيضًا، فكيف إذن، كما يقول البعض، سيوفر تطبيق القاعدة أي حماية ضد الإجراء السياسي غير المسئول؟

يمكن تطبيق الحجة نفسها مع بعض التغييرات اللفظية الثانوية على التعديل الأول للدستور وبالمثل على كل بنود وثيقة الحقوق. ويمكن لأحدنا أن يتساءل: أليس معقولًا وجود مانع قانوني للتدخل في حرية التعبير؟ لماذا لا نفكر في كل قضية على حدة، ونتعامل معها وفقًا لصفاتها الخاصة؟ أليس هذا النسخة المماثلة للحجة المعتادة في السياسة النقدية وهي أنه من غير المحبذ تقييد أيادي السلطة النقدية سلفًا؛ وأنه ينبغي أن تنعم بالحرية عند التعامل مع كل قضية عندما تطرأ على حدة وبناءً على جوانبها المميزة؟ لماذا لا تكون الحجة سارية مع حرية التعبير؟ يريد شخص الوقوف عند إحدى النواصي والدفاع عن قضية تحديد النسل وآخر عن الشيوعية وآخر عن النظام الغذائي النباتي وهلم جرا إلى ما لا نهاية. لماذا لا نسن قانونًا يؤكد أن حرية الفرد في نشر آرائه الخاصة مكفولة، أو ينكرها على الجميع؟ أو، بدلًا من ذلك، لماذا لا نمنح سلطة البت في المسألة لهيئة إدارية؟ يتضح على الفور أنه إذا تعاملنا مع كل قضية على حدة لدى ظهورها، فمن المؤكد إلى حد بعيد أن تقترح الأغلبية إنكار حرية التعبير في أغلب القضايا وقد يصل الأمر إلى كل قضية يُتَعَامَل معها على حدة. فإذا حدث اقتراع على ما إذا كان يجب لشخص معين الترويج لتحديد النسل سيسفر حتمًا تقريبًا عن رفض الأغلبية للأمر، وبالمثل مع شخص يروج للشيوعية، أما اقتراع حول شخص يروج للنظام الغذائي النباتي قد ينجح مع أن ذلك لن يكون أمرًا مؤكدًا على الإطلاق.

لكن لنفترض الآن أن هذه القضايا كافة تجمعت سويًا في مجموعة واحدة، وطلب من سواد الناس بوجه عام التصويت بشأن هذه القضايا ككل، أي التصويت بما إذا كانت حرية التعبير عن الرأي يجب رفض منحها في جميع الأحوال أو السماح بها في جميع الأحوال على حد السواء. من الممكن تمامًا، ويمكن القول أن هذا مرجح إلى حد بعيد، أن أغلبية ساحقة ستصوت لصالح حرية التعبير؛ وأنه، عند التعامل مع المجموعة ككل، سيصوت الناس بعكس ما كانوا سيصوتون به لكل قضية على حدة. لماذا؟ أحد الأسباب أن رفض الإنسان للحرمان من الحق في حرية التعبير يزداد زيادة كبيرة عندما يكون ضمن أقلية عن موقفه تجاه حرمان شخص آخر من الحق في حرية التعبير عندما يكون ضمن أغلبية. وبالتالي، عندما يُصَوَّتُ على مجموعة من القضايا دفعة واحدة، يولي المرء أهمية لحرمانه من حرية التعبير عندما يكون ضمن أقلية — وإن ندر تعرضه للحرمان — أكبر من الأهمية التي يوليها لحرمان الآخرين من حرية التعبير، وإن تكرر حرمانهم.

سبب آخر، وهو أكثر اتصالًا مباشرةً بالسياسة النقدية، هو إذا نظر الناس في المجموعة جملة واحدة، سيتضح لهم أن السياسة المتبعة لها تأثيرات تراكمية لا تُدْرَك أو تأخذ في الحسبان عند التصويت لكل قضية على حدة. فإذا أُجْرِيَ اقتراع حول ما إذا كان من حق شخص معين التحدث عند ناصية الشارع، فمن الصعب الأخذ بعين الاعتبار التأثيرات الإيجابية لسياسة عامة معلنة لحرية التعبير، ومن الصعب الأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن المجتمع الذي لا ينعم الناس فيه بحرية التعبير عن الرأي في الشارع دون تشريع خاص سيكون مجتمعًا يكبح تطوير الأفكار الجديدة والتجريب والتغيير وما إلى ذلك بالعديد من الطرق المختلفة تكون جليه أمام الجميع، وبفضل حظنا بالعيش في مجتمع تبنى فعلًا قوانين إنكار المصالح الشخصية لا نفكر في كل قضية من قضايا حرية التعبير على حدة.

تنطبق الاعتبارات نفسها على المجال النقدي تمامًا، إذا ما نُظِرَ في كل قضية بناءً على سماتها؛ فمن المحتمل أن يصدر قرار خاطئ في جزء كبير من القضايا لأن صناع القرار يدرسون مجالًا محدودًا فقط ولا يأخذون بعين الاعتبار النتائج التراكمية للسياسة ككل. على الجهة الأخرى، إذا طُبِّقَتْ قاعدة عامة على مجموعة من القضايا معًا، يكن لوجود تلك القاعدة تأثيرات إيجابية على مواقف الناس ومعتقداتهم وتوقعاتهم التي لن تكون ناتجة عن اتباع اختياري للسياسة نفسها تحديدًا بناءً على سلسلة من القضايا المنفصلة.

إذا كنا سنشرع قاعدة، ماذا ينبغي أن تكون هذه القاعدة؟ إن القاعدة التي اقترحها كثيرًا أشخاص ذوو قناعة ليبرالية بوجه عام هي قاعدة مستوى الأسعار؛ وتعني توجيه تشريعي للسلطات النقدية بضرورة حفاظها على مستوى أسعار ثابت. أعتقد أن هذه القاعدة ليست صائبة، وذلك لأنها متعلقة بالأهداف التي لا تملك السلطات النقدية بشأنها نفوذ واضح ومباشر لتحقيقها بنفسها، وبالتالي تنشأ مشكلة توزيع المسئوليات وترك حرية تصرف كبيرة للسلطات. هناك علاقة وثيقة بلا ريب بين الإجراءات النقدية ومستوى الأسعار، لكن العلاقة ليست شديدة الوثوق أو الثبات أو المُبَاشَرَة بدرجة تصبح معها غاية تحقيق مستوى أسعار ثابت مرشدًا ملائمًا للأنشطة اليومية للسلطات.

إن مشكلة اختيار القاعدة التي يجب تبنيها واحدةٌ من المشكلات التي ناقشتها بإسهاب في موضع آخر؛3 من ثم سأجعل هذا المقام قاصرًا على ذكر النتيجة التي توصلت إليها. وفقًا لمستوى المعرفة الحالي لدينا، يبدو لي أنه من الأفضل توضيح القاعدة بأسلوب يرتبط بسلوك المخزون النقدي. إن اختياري في الوقت الراهن يذهب إلى قاعدة تشريعية توجه السلطة النقدية نحو تحقيق معدل محدد من النمو في المخزون النقدي. ولهذه الغاية، سأحدد المخزون النقدي بحيث يشمل العملة خارج المصارف التجارية إلى جانب كافة الودائع بتلك المصارف، كما سأخص جهاز الاحتياطي الفيدرالي بمسئولية التحقق من أن المخزون النقدي الكلي المحدد سلفًا يرتفع شهرًا بشهر، وبالطبع، قدر الإمكان، يومًا بيوم، بمعدل سنوي X في المائة؛ بحيث يكون X رقمًا بين ٣ و٥. إن ما يتقرر استخدامه من تعريف محدد للنقود، أو ما يُخْتَار من معدل دقيق للنمو يؤدي إلى تغيير أقل للغاية من الاختيار القاطع لتعريف محدد ولمعدل نمو محدد.

ووفقًا للموقف الحالي، في حين أن هذه القاعدة ستحد بشكل كبير من النفوذ الذاتية للسلطات النقدية، إلا أنها ستترك قدرًا كبيرًا غير محبذ من حرية التصرف في يد جهاز الاحتياطي الفيدرالي والخزانة فيما يتعلق بكيفية تحقيق معدل النمو المحدد في المخزون النقدي وإدارة الديون والإشراف على المعاملات المصرفية وما إلى ذلك. إن وجود المزيد من الإصلاحات المصرفية والمالية، والتي تحدثت عنها تفصيلًا في موضع آخر، أمر ممكن ومحبذ أيضًا، وقد ينتج عنه القضاء على التدخل الحكومي الحالي في نشاط الإقراض والاستثمار وكذلك تحويل عمليات التمويل الحكومي من مصدر دائم للاضطراب والريبة إلى نشاط منتظم ويمكن توقعها على نحو معقول. لكن، هذه الإصلاحات الأخرى بالرغم من أهميتها فإنها أقل جوهرية للغاية من تطبيق قاعدة لتقييد حرية التصرف الممنوحة للسلطات النقدية فيما يتعلق بالمخزون النقدي.

أود أن أؤكد أنني لا أنظر إلى اقتراحي الخاص على أنه العنصر الأهم في إدارة النقود أو كقاعدة تنقش بطريقة أو بأخرى على الحجارة وتخلد للعصور القادمة، بل تبدو لي أنها أكثر القواعد تبشيرًا بالنجاح في تحقيق قدر مقبول من الاستقرار النقدي في ضوء معرفتنا الحالية. وأتمنى ونحن نعمل وفقًا لهذه القاعدة ونكتسب المزيد من المعرفة فيما يخص الشئون النقدية، أن نتمكن من ابتكار قواعد أفضل من شأنها تحقيق نتائج أفضل. تبدو لي مثل هذه القاعدة الوسيلة الوحيدة الملائمة والمتاحة حاليًا لتحويل السياسة النقدية إلى ركيزة للمجتمع الحر بدلًا من كونها تهديدًا لأسسه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤