الفصل الخامس

السياسة المالية

منذ إصدار برنامج الصفقة الجديدة، صار المبرر الرئيسي لتوسيع دائرة التدخل الحكومي على المستوى الفيدرالي كضرورة مفترضة على الإنفاق الحكومي ليقضي على البطالة. مر المبرر بمراحل عديدة. ففي بادئ الأمر، كان الإنفاق الحكومي ضروريًا «لدفع عجلة التقدم» بزعم أن النفقات المؤقتة ستحافظ على مسيرة الاقتصاد ويمكن للحكومة حينها التنحي عن الصورة.

ولكن عندما أخفق الإنفاق المبدئي في القضاء على البطالة وتلاه انكماش اقتصادي حاد عامي ١٩٣٧–١٩٣٨، ظهرت نظرية «الركود المزمن» لتبرير مستوى الارتفاع المستمر للإنفاق الحكومي. أصبح الاقتصاد تام التطور كما زعموا حيث اسْتُغِلَّتْ فرص الاستثمار إلى حد بعيد ولم يكن في الإمكان ظهور أية فرص حقيقية جديدة. ومع ذلك، استمرت رغبة الأفراد في الادخار؛ ومن ثم كان من الضروري للحكومة الإنفاق وإدارة عجز دائم. وزودت الأوراقُ المالية المطروحة لتمويل العجز الأفرادَ بوسيلة لمراكمة المدخرات، في حين وفرت النفقات الحكومية الوظائفَ. ولكن، ثبت عدم صلاحية وجهة النظر هذه تمامًا من زاوية التحليل النظري ومن واقع التجربة الفعلية أيضًا، بما في ذلك ظهور طرق جديدة كليًا للاستثمار الخاص لم يتوقعها مؤيدو الركود المزمن إطلاقًا، إلا أن ذلك ترك بصمته. قد لا تحظى الفكرة بقبول أي أحد، لكن البرامج الحكومية التي نفذت تحت مظلتها، كبعض البرامج التي هدفت إلى دفع عجلة التقدم، لا تزال موجودة حتى الآن، وهي مسئولة فعلًا عن النفقات الحكومية الآخذة في الازدياد.

في الآونة الأخيرة، لم يكن التأكيد على الإنفاق الحكومي يهدف دفع عجلة التقدم أو كبح جماح شبح الركود المزمن بل كقوة توازن. يقول البعض إنه عندما تتدنى النفقات الخاصة لأي سبب، ينبغي أن ترتفع النفقات الحكومية للحفاظ على توازن النفقات الكلية، والعكس بالعكس، فعندما ترتفع النفقات الخاصة، ينبغي أن تنخفض النفقات الحكومية. ولكن لسوء الحظ، إن قوة التوازن غير متوازنة. إن أي ركود اقتصادي — مهما كان ضئيلا — يحدث انزعاجًا لدى المشرعين والمسئولين في الإدارة الأمريكية؛ بسبب خوفهم الدائم من أن يكون نذيرًا لكساد ١٩٢٩–١٩٣٣ آخر؛ لذا، يهرعون إلى تنفيذ برامج إنفاق فيدرالية بصورة أو بأخرى، بيد أنه — في واقع الأمر — لا تُطَبَّق هذه البرامج سوى بعد مرور أزمة الركود. من ثم، بقدر ما كانت تؤثر هذه البرامج، فعلًا، على النفقات الكلية، التي سأتحدث عنها أكثر لاحقًا، كانت تميل إلى جعل التوسعات التالية أسوأ بدلًا من تخفيف حدة الركود. إن السرعة في الموافقة على برامج الإنفاق لم تضاهِها سرعة مماثلة في إلغائها أو القضاء على غيرها بعد انتهاء الركود وبدء النمو. على النقيض من ذلك، فقد زُعِمَ حينذاك أن النمو «الصحيح» يجب عدم «المخاطرة به» بخفض الإنفاق الحكومي. من ثم لم يكن الضرر الرئيسي الذي تسببت فيه نظرية قوة التوازن في أنها أخفقت في موازنة الركود، وهو ما فعلته، وفي أنها طرحت نزعة تضخمية في السياسة الحكومية، وهو ما حققته أيضًا، بل في أنها عززت — على نحو مستمر — من توسع نطاق النشاط الحكومي على المستوى الفيدرالي وحالت دون تخفيف عبء الضرائب الفيدرالية.

ومن زاوية التأكيد على استخدام الموازنة الفيدرالية كقوة توازن، فإن ما يدعو للسخرية أن أكثر العناصر اضطرابًا بالدخل القومي في فترة ما بعد الحرب كان الإنفاق الفيدرالي، ولم يكن الاضطراب يسير مطلقا على طريق موازنة التغيرات الحاصلة في عناصر الإنفاق الأخرى. كانت الموازنة الفيدرالية بعيدة كل البعد عن أن تكون قوة توازن مهمتها موازنة القوى الأخرى المسببة للتقلبات، بل كانت في حد ذاتها مصدرًا رئيسًا للإزعاج والاضطراب في واقع الأمر.

ونظرًا لأن أوجه إنفاق الحكومة الفيدرالية تشكل الآن جزءًا كبيرًا للغاية من إجمالي النفقات في الاقتصاد ككل، لا يمكن للحكومة الفيدرالية تجنب أن يكون لها تأثيرات مهمة على الاقتصاد. بناء على ذلك، إن المطلب الأول هو أن تتصالح الحكومة مع نفسها وأن تتخذ الاجراءات التي ستفضي إلى تحقيق استقرار مقبول في نفقاتها الخاصة. وإذا كانت ستفعل ذلك، فستسهم إسهامًا واضحًا في تقليل قدر التغييرات المطلوبة في باقي نواحي الاقتصاد. وإلى أن تفعل ذلك، سيكون من العبث أن يتصرف المسئولون الحكوميون على طريقة ناظر المدرسة المرائي الذي يحاول التحكم في التلاميذ الأشقياء. لا ريب أن فعلهم ذلك أمر لا يدعو للدهشة، فتحميل الآخرين مسئولية أخطاء الفرد وإلقاء اللوم عليهم ليس من العيوب التي تقتصر على المسئولين الحكوميين وحدهم.

وحتى إذا وافق المرء على نظرية أن الموازنة الفيدرالية ينبغي استخدامها كقوة توازن وأن ذلك في الإمكان — وهي وجهة نظر سأنظر فيها تفصيلًا فيما بعد — فليس هناك ضرورة لاستخدام عنصر النفقات لهذا الغرض. ويمكن قول الشيء نفسه على عنصر الضرائب؛ فالانخفاض في الدخل الوطني يقلل تلقائيًا من العوائد الضريبية الفيدرالية بنسبة أكبر؛ ومن ثم يضع الميزانية على الطريق نحو العجز، والعكس صحيح أثناء النمو. فإذا كان من المحبذ اتخاذ إجراءات أكثر، يمكن خفض الضرائب أثناء فترات الركود ورفعها أثناء التوسع الاقتصادي. لا شك أن السياسة قد تفرض نوعًا من عدم التوازي هنا أيضًا، بما يجعل خفض الضرائب مقبولًا سياسيًا أكثر من زيادتها.

إن تطبيق نظرية قوة الاتزان على جانب الإنفاق في أرض الواقع يرجع إلى وجود قوى أخرى مسببة للإنفاق الحكومي المتزايد؛ بخاصة القبول الواسع الذي يلقاه من المفكرين المؤيدين لمبدأ ضرورة لعب للحكومة دورًا أكبر في الشئون الاقتصادية والخاصة؛ بعبارة أخرى انتصار فلسفة دولة الرفاهية؛ حيث وجدت هذه الفلسفة في نظرية قوة التوازن حليفًا مفيدًا؛ فقد ساعدت على تزايد التدخل الحكومي بخطى أسرع مما كان ممكنًا بطرق أخرى.

كم كانت ستسلك الأمور مجرى مختلفًا الآن إذا طبقت نظرية قوة التوازن على جانب الضرائب وليس على جانب الإنفاق. لنفترض أن كل حالة انكماش شهدت انخفاضًا في الضرائب ونفترض أن عدم ميل الأوساط السياسية لرفع الضرائب في التحسن التالي قاد إلى مقاومة برامج الإنفاق الحكومية المقترحة مؤخرًا وإلى تقليص البرامج الموجودة. قد نكون الآن في موقف تمتص فيه النفقات الفيدرالية — بدرجة أقل كثيرًا — الدخلَ الوطنيَ الذي قد يكون أكبر نتيجة للتخفيف من التأثيرات السلبية والمقيدة للضرائب.

زيادةً في التوضيح، إن هذا الافتراض لا يهدف إلى إظهار الدعم لنظرية قوة التوازن. من الناحية العملية، حتى إذا سارت النتائج في الاتجاه المتوقع في إطار نظرية قوة التوازن، لكانت تأخرت في الوقت والانتشار. وفي سبيل جعلها قوة توازنية فعالة للقوى الأخرى المسببة للتغيرات، سيتوجب علينا أن نكون قادرين على التنبؤ بهذه التغيرات قبل حدوثها بمدة كبيرة. وفي السياسة المالية، كما في السياسة النقدية، وبوضع كل الاعتبارات السياسية جانبًا، فإنه، ببساطة، لا يتوافر لدينا الكثير من المعلومات بما يُمَكِّنَنَا من استخدام التغيرات المتعمدة في فرض الضرائب أو الإنفاق كآلية دقيقة تحافظ على التوازن. وفي غمرة محاولتنا فعل ذلك، نزيد الأمور سوءًا بلا شك، ليس لكوننا متعنتين — فهذا الأمر يمكن علاجه بسهولة عن طريق اتخاذ إجراءات عكس ما ظهر في البداية أنها الإجراءات السليمة، بل نزيد الأمور سوءًا عن طريق التسبب في بلبلة عشوائية للغاية تضاف ببساطة إلى عوامل الاضطراب الأخرى. هذا ما يبدو في الواقع ما فعلناه في الماضي — إضافة إلى، الأخطاء الكبيرة النابعة من التعنت الشديد في الرأي. ما ذكرته في مقام آخر فيما يتعلق بالسياسة النقدية يمكن تطبيقه على نحو مماثل على السياسة المالية: «إن ما نحتاج إليه ليس سائقًا ماهرًا للأمور النقدية في العربة الاقتصادية يدير عجلة القيادة ويوجهها توجيهًا مستمرًا نحو التكيف مع النتوءات غير المتوقعة بالطريق، بل إلى وسيلة ما للحفاظ على توازن الراكب في العربة النقدية الذي يجلس في المقعد الخلفي كي لا ينحني بين الحين والآخر وعلى ثبات عجلة القيادة كي لا تخرج العربة عن المسار.»1

فيما يخص السياسة المالية، إن النظير الملائم للقاعدة النقدية هو تخطيط برامج الإنفاق بما يتفق تمامًا مع ما يريد المجتمع فعله من خلال الحكومة وليس على نحو سري، ودون أخذ المشكلات السنوية للاستقرار الاقتصادي في الحسبان؛ وكذلك تخطيط المعدلات الضريبية بحيث توفر إيرادات كافية لتغطي أوجه الإنفاق المخططة لمتوسط عام واحد، ودون أخذ التغيرات السنوية في الاستقرار الاقتصادي في الحسبان، وتجنب التغيرات غير المتوقعة سواء في الإنفاق الحكومي أو الضرائب. لا شك أن بعض التغيرات يتعذر تجنبها، فقد يتسبب تغير مفاجئ في الموقف الدولي في حدوث تغيرات كبيرة في الإنفاق العسكري أو في الموافقة على انخفاضات مرغوبة. إن مثل هذه التغيرات مسئولة عن بعض التحولات غير المتوقعة في الإنفاق الحكومي في فترة ما بعد الحرب، لكنها ليست مسئولة عن جميعها.

قبل ترك قضية السياسة المالية، أود مناقشة وجهة نظر يعتنقها الكثيرون على نطاق واسع؛ وتفيد بأن زيادة الإنفاق الحكومي مقارنة بالإيرادات الضريبية هي توسعية بالضرورة وانخفاضها انكماشي بالضرورة. إن وجهة النظر هذه — والتي هي من صميم المبدأ القائل إن السياسة المالية يمكنها أداء دور قوة الاتزان — يُسَلِّمُ بها إلى حد بعيد الآن رجال الأعمال وخبراء الاقتصاد المحترفون والأشخاص العاديون على حدٍ سواء. مع ذلك، لا يمكن البرهان على صحتها بالاعتبارات المنطقية وحدها، كما أنها لم توثق قط بالدلائل التجريبية، وهي في الواقع غير متوافقة مع الدلائل التجريبية التي أعلمها.

لهذا الاعتقاد أصوله في التحليل الكينزي المبدئي، لنفترض أن الإنفاق الحكومي ارتفع بمقدار ١٠٠ دولار وظلت الضرائب ثابتة. يقول ذلك التحليل البسيط إنه في المرحلة الأولى، يصبح لدى الأشخاص الذين يتلقون المائة دولار الإضافية دخل أكبر كثيرًا، سيدخرون جزءًا منه، ثلثه على سبيل المثال، وينفقون الثلثين المتبقيين، لكن هذا يعني أنه في المرحلة الثانية، سيتلقى شخص آخر ٦٦ دولارًا إضافيًا من ثلثي الدخل؛ وبدوره سيدخر جزء منه وينفق الجزء الآخر، وهلم جرا في سلسلة لا نهائية. إذا تم ادخار الثلث في كل مرحلة وإنفاق الثلثين، ستضيف المائة دولار الإضافية من الإنفاق الحكومي في النهاية، وفقًا لهذا التحليل، ثلاثمائة دولار على الدخل. هذا هو تحليل الكينزي المضاعف بقيمة مضاعفة ثلاثية. بالطبع، فإذا تم تقديم دعم واحد، ستتلاشى التأثيرات، وسيتلو الارتفاع المبدئي في دخل يعادل ١٠٠ دولار تدنٍ تدريجي إلى المستوى السابق. لكن إذا تم إبقاء الإنفاق الحكومي أعلى بمقدار ١٠٠ دولار لكل وحدة زمنية، على سبيل المثال ١٠٠ دولار أعلى سنويًا، سيظل الدخل حينئذ، وفقًا لهذا التحليل، أعلى بمقدار ٣٠٠ دولار سنويًا.

إن هذا التحليل البسيط رائع للغاية، لكن هذه الروعة زائفة وتنشأ من تجاهل النتائج الأخرى ذات الصلة بالتغيير الذي نتحدث عنه. فعندما نأخذ هذه الأمور في الحسبان، تصير النتيجة النهائية أكثر إثارة للريبة، فقد تكون أي شيء من عدم حدوث تغيير في الدخل على الإطلاق — وتنخفض في هذه الحالة النفقات الخاصة بنسبة ١٠٠ دولار وهي النسبة التي سترتفع بها النفقات الحكومية — إلى الزيادة القصوى المحددة. حتى في حالة زيادة الدخل النقدي، من الممكن أن ترتفع الأسعار، ومن ثم سيرتفع الدخل الفعلي بقدر قليل. ولنفحص بعض الأخطاء الممكنة التي قد تتخلل تطبيق تلك العملية.

في المقام الأول، لم يُذكر شيء في الوصف البسيط يوضح علامَ ستنفق الحكومة المائة دولار. لنفترض، على سبيل المثال، أنها ستنفق المبلغ على شيء يحصل الأفراد عليه لأنفسهم بطريقة أخرى؛ فمثلًا، ينفق الأفراد المائة دولار لدفع رسوم دخول المتنزه الذي يستخدمها في تغطية تكاليف عمال النظافة للحفاظ على نظافة المكان. تخيل أن الحكومة تدفع الآن هذه التكاليف وتسمح للناس بالدخول إلى المتنزه «مجانًا». سيحصل عمال النظافة بالرغم من ذلك على الدخل نفسه، لكن الناس الذين يدفعون الرسوم سيتوفر لديهم ١٠٠ دولار. لا تضيف إنفاقات الحكومة، حتى في المرحلة المبدئية، ١٠٠ دولار إلى دخل أي فرد؛ بل ما تفعله هو ترك بعض أفراد بمائة دولار متوفرة لديهم لإنفاقها على أغراض أخرى بخلاف المتنزه، وعلى الأرجح تكون أغراض أقل قيمةً بالنسبة لهم. يمكن توقع إنفاقهم مبلغًا من إجمالي دخلهم على السلع الاستهلاكية أقل مما كانوا ينفقون فيما مضى، طالما أنهم يحصلون على خدمات المتنزه مجانًا. لكن ليس من السهل تقدير مدى الانخفاض. وحتى إذا سلمنا بفكرة أن الناس ستدخر ثلث الدخل الإضافي، كما في التحليل البسيط، فإن هذا لا يعني أنه عند حصولهم على مجموعة من السلع الاستهلاكية «مجانًا»، سينفقون ثلثي النقود المتوفرة على سلع استهلاكية أخرى. من بين الاحتمالات القصوى، استمرارهم في شراء المجموعة نفسها من السلع الاستهلاكية الأخرى كما فعلوا في السابق ومن ثم إضافة مائة دولار متوفرة إلى مدخراتهم. في هذه الحالة، حتى في التحليل الكينزي البسيط، تصبح نتيجة النفقات الحكومية متوازنة تمامًا: ترتفع النفقات الحكومية بمقدار ١٠٠ دولار، وتنخفض النفقات الخاصة بمقدار ١٠٠ دولار. أو يمكن أن تنفق المائة دولار، على سبيل المثال، على بناء طريق يمكن أن تبنيه شركة خاصة؛ أو يمكن أن يجعل توفر هذا الطريق إصلاح شاحنات الشركة غير ضروري. يتوفر لدى الشركة حينذاك مال، لكن من المحتمل ألا تنفقه جميعًا على استثمارات أقل جاذبية. وفي هذه الحالات، يغير الإنفاق الحكومي من غرض استخدام الإنفاق الخاص ببساطة ولا يتوفر سوى صافي فائض الإنفاق الحكومي في البداية للمضاعف لتغييره. ومن هذا المنطلق، من غير المعقول أن تكون الطريقة التي نضمن بها عدم وجود أي تحول في غرض استخدام النقود هي جعل الحكومة تنفق النقود على شيء عديم الفائدة تمامًا — هذا هو المضمون الفكري المحدود لنوع الأعمال التي لا تحمل أية قيمة وتهدف إلى شغل أوقات الفراغ فحسب. لكن هذا الأمر يؤكد بلا شك وجود خطب ما في التحليل.

من جانب آخر، لم يُذْكَرْ شيء يتعلق بالمصدر الذي تحصل الحكومة من خلاله على المائة دولار لإنفاقها. بقدر ما يتصل الأمر بالتحليل، إن النتائج واحدة سواء طبعت الحكومة نقود إضافية أو اقترضت من الناس، لكن بلا شك فإن أيًّا ما تفعل الحكومة، سيحدث اختلافًا. كي نفرق بين السياسة المالية والسياسة النقدية، لنفترض أن الحكومة اقترضت ١٠٠ دولار بحيث يظل المخزون النقدي دون تغير؛ مثلما كان من الممكن أن يحدث في حالة غياب الإنفاق الحكومي. هذا الافتراض الملائم لأنه من الممكن أن يزداد المخزون النقدي دون وجود إنفاق حكومي إضافي، إذا كان ذلك منشودًا، ببساطة عن طريق طبع النقود وشراء السندات الحكومية القائمة. لكن علينا الآن أن نسأل عن ماهية النتيجة المترتبة على اقتراض هذه النقود. لتحليل هذه المشكلة، لنفترض عدم حدوث تغير في غرض الإنفاق. عندئذ، لن يوجد في البداية تعويضًا مباشرًا للمائة دولار في صورة انخفاض مكافئ في النفقات الخاصة، مع ملاحظة أن اقتراض الحكومة للإنفاق لا يغير كمية النقود الموجودة بحوزة الأفراد. تقترض الحكومة مائة دولار بيدها اليمنى من بعض الأفراد وتسلم النقود بيدها اليسرى لأولئك الأفراد الذين تذهب إنفاقاتها عليهم، وبذلك يصبح المال في أيادي أفراد مختلفين، لكن الكمية الإجمالية للنقود لا تتغير.

يفترض التحليل الكينزي البسيط ضمنيًا أن اقتراض النقود لا يؤثر في أية تأثيرات في النفقات الأخرى. ولكن، هناك حالتان خطيرتان يمكن أن يحدث ذلك في إطارها. الأولى، لنفترض أن الناس غير مكترثين تمامًا إذا كانوا يحملون سندات أو نقود؛ بحيث يمكن بيع السندات التي يمكن الحصول بها على المائة دولار دون الاضطرار إلى تقديم عائد أعلى للمشتري مما كانت ستقدمه هذه السندات من قبل. (لا شك أن المائة دولار مبلغ صغير للغاية وقد يكون في الواقع له تأثيرات غير جديرة بالاهتمام على معدل العائد المطلوب، لكن الأمر مسألة مبدأ ويمكن ملاحظة تأثيره العملي عن طريق أن ترمز المائة دولار لمائة مليون دولار أو عشرة ملايين دولار.) في اللغة الاصطلاحية الكينزية، هناك «فخ السيولة» بذلك يشتري الناس السندات «بنقود عاطلة.» إذا لم تكن الحال كذلك، ومن الواضح أنها لا يمكن أن تظل كذلك إلى أجل غير مسمى، لا يمكن للحكومة حينذاك بيع السندات سوى عن طريق تقديم معدل عائد أعلى عليها. سيضطر مقترضون آخرون إلى دفع معدل عائد أعلى حينها أيضًا، وهذا المعدل الأعلى سيشكل، عمومًا، عائقًا أمام الإنفاق الخاص للمقترضين المحتملين. هنا تظهر الحالة القصوى الثانية التي سيصمد فيها التحليل الكينزي البسيط؛ وهي إذا كان المقترضون المحتملون متعنتين للغاية فيما يتعلق بالإنفاق ولن يؤدي أي ارتفاع مهما كانت شدته إلى خفض إنفاقهم، أو، وفقًا للغة الاصطلاحية الكينزية، إذا كانت الفاعلية الهامشية لجدول الاستثمار غير مرنة تمامًا فيما يتعلق بمعدل الفائدة.

لا أذكر أي عالم اقتصاد بارز، بصرف النظر عن مدى اتفاقه مع المذهب الكينزي، قد يعتبر أيا من هذين الافتراضين البعيدين مطبقان حاليًا أو يمكن تطبيقهما على نطاق واسع من الاقتراض أو مع ارتفاع كبير في أسعار الفائدة، أو أنهما صمدا في الماضي سوى في ظل الظروف الخاصة إلى حد ما. مع ذلك، سلم العديد من علماء الاقتصاد — ناهيك عن غير العلماء، سواء كان من أتباع المذهب الكينزي أم لا — بصحة اعتقاد أن الارتفاع في الإنفاق الحكومي مقارنة بالإيرادات الضريبية، حتى عندما يمول بالاقتراض، يكون توسعيًا بالضرورة. مع ذلك وكما شاهدنا، يتطلب هذا الاعتقاد ضمنيًا إحدى الظرفين القصويين كي ينطبق.

إذا لم ينطبق أي من الافتراضين، سيقابل الارتفاع في الإنفاق الحكومي انخفاضًا في مقدار الإنفاق الخاص سواءً من جانب الأطراف التي تقرض المال للحكومة، أو من جانب أولئك الذين كانوا سيقترضون المال بطريقة أخرى. ما مقدار الارتفاع في الإنفاق الذي سَيُوَازَن؟ هذا يعتمد على حاملي النقود. على أبعد الافتراضات، واستنادًا إلى مضمون نظرية نقود كمية ثابتة، أن تعتمد كمية النقود التي يريد الناس حيازتها في المتوسط على دخلهم فحسب وليس على معدل العائد الذي يمكن أن يحصلوا عليه على السندات والأوراق المالية المشابهة. في هذه الحالة، وبما أن المخزون الكلي للنقود لا يختلف قبل أو بعد، يجب ألا يختلف الدخل النقدي الكلي أيضًا؛ بحيث يشعر الناس بالرضا بالاحتفاظ بالمخزون النقدي. هذا يعني أن أسعار الفائدة سترتفع بدرجة كافية لتقيد مقدار من الإنفاق الخاص يضاهي تمامًا الإنفاق العام المتزايد. في هذه الحالة القصوى، ليس من المنطقي على الإطلاق أن تكون النفقات الحكومية توسعية، ولا حتى أن يرتفع الدخل النقدي، ناهيك عن الدخل الحقيقي؛ إن كل ما يحدث هو أن النفقات الحكومية تزداد فيما تنخفض النفقات الخاصة.

أود أن أنبه القارئ إلى أن هذا التحليل مبسط إلى حد كبير؛ فقد نحتاج إلى كتاب مطول لشرح التحليل الكامل، مع ذلك، فإن هذا التحليل المبسط كافٍ لتوضيح أن أية نتيجة يمكن أن تقع بين ارتفاع ٣٠٠ دولار أمريكي في الدخل وارتفاع مقداره صفر. وكلما أصبح المستهلكون أكثر تعنتًا فيما يتعلق بمقدار الإنفاق على الاستهلاك من دخل محدد، وكلما أصبح مشترو السلع الرأسمالية أكثر تعنتًا فيما يتعلق بمقدار إنفاقهم على مثل تلك السلع بصرف النظر عن التكلفة، اقتربت النتيجة من الحد الأقصى للنظرية الكينزية لارتفاع يبلغ ٣٠٠ دولار أمريكي. على الجهة الأخرى، كلما أصبح حاملو النقود أكثر تعنتًا فيما يتعلق بالنسبة التي يودون الاحتفاظ بها بين الأرصدة النقدية وبين دخلهم، أصبحت النتيجة أقرب إلى نظرية النقود الكمية الثابتة التي تتضمن عدم حدوث تغير في الدخل. لكن أي هذه الأوجه يكون فيها عامة الناس أكثر تعنتًا هو سؤال تجريبي يبُت فيه بناءً على الدلائل الفعلية، ولا يوجد شيء يمكن البت فيه بالمنطق وحده.

قبل أزمة الكساد الكبير في الثلاثينيات، كان جل علماء الاقتصاد سيستنتجون قطعًا أن النتيجة ستكون أقرب إلى عدم ارتفاع في الدخل أكثر من ٣٠٠ دولار. ومنذ ذلك الحين فصاعدًا، سيستنتج علماء الاقتصاد قطعًا العكس. وفي الآونة الأخيرة، كانت هناك حركة عودة إلى الموقف الأول، ويؤسفني أن أقول إنه لا يمكن الجزم بأن أيًّا من هذه التحولات كانت مرتكزة على دلائل مقنعة، بل كانت مرتكزة على الأحكام الحدسية النابعة من التجارب المبدئية.

أَجْرَيْتُ بعض الأبحاث التجريبية واسعة النطاق للولايات المتحدة وغيرها من البلدان، بالتعاون مع بعض من تلاميذي، بغية الوصول إلى دلائل أكثر إقناعًا.2 كانت النتائج لافتة للنظر؛ حيث تشير إشارة قوية إلى أن الناتج الفعلي سيكون أقرب إلى نظرية النقود الكمية المتشددة أكثر من النظرية الكينزية. إن الحكم الذي يبدو مبررًا على أساس هذه الدلائل هو أن الزيادة المفترضة المقدرة بمائة دولار في الإنفاق الحكومي من المتوقع أن تضيف في المتوسط ما يقرب من مائة دولار فحسب إلى الدخل، وأحيانًا أقل وأحيانًا أخرى أكثر؛ وهذا يعني أن الزيادة في الإنفاق الحكومي مقارنة بالدخل ليست توسعية في أي معنى ذي صلة فقد تضيف هذه الزيادة إلى الدخل النقدي لكن الإنفاق الحكومي سيمتص هذه الإضافة. إن النفقات الخاصة لا تتغير، ونظرًا لأن الأسعار من المحتمل أن ترتفع في تلك الأثناء، أو تنخفض بأقل من أي معدل متوقع، فإن النتيجة هي انخفاض الإنفاق الخاص على أرض الواقع. وتنطبق الافتراضات المضادة على الانخفاض في النفقات الحكومية.

لا يمكن اعتبار هذه النتائج نهائية، إلا أنها مرتكزة على أكثر الدلائل التي أعلمها وأشملها، لكن مجموعة الدلائل مع ذلك تخلف الكثير من الأمور المطلوب تحقيقها.

مع ذلك هناك شيء واضح؛ فسواءً كانت وجهات النظر المسلم بها على نطاق واسع فيما يخص تأثيرات السياسة المالية صحيحة أم خاطئة، فهي تتعارض مع مجموعة واحدة على الأقل من الدلائل الواسعة. ولا أعلم أية مجموعة أخرى من الدلائل تتسم بالترابط المنطقي والنظامية تبرر وجهات النظر تلك؛ فهي جزء من النهج الاقتصادي، وليست نتائج مثبتة للتحليل الاقتصادي أو الدراسات الكمية. بالرغم من ذلك، كان لها تأثير هائل في الحصول على تأييد جماهيري كبير للتدخل الحكومي واسع النطاق في الحياة الاقتصادية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٣