الفصل الثاني والستون

الصلح

وهي جالسةٌ رأت جماعةً عليهم ألبسةُ المصريين الوطنيين من التجار والمزارعين، وقد تجمعوا أزواجًا وأثلاثًا وهم يتذمرون ويتأوهون وسمعت أحدهم يقول: «ما لنا وللحروب لقد خربت البلاد واختنق الناسُ من القحط والغلاء حتى فرغت أيدينا من النقود وهؤلاء الجند لا يزيدوننا إلا ضرائب. وهم منعمون لا يهمهم إلا أخذ الأموال … إنهم معذورون طبعًا إذا خافوا على سيادتهم وأَحَبُّوا محاربة أولئك المغاربة.»

فأجابه آخرُ: «ما لنا ولهم … الأفضلُ لنا أن نُصالح. وهذا الوزير قد وافقنا على طلب الصلح. إن هذه الدولة الجديدة رشيدةٌ وقد سمعت الثناء على خليفتها وزهده في الأموال ورغبته في راحة رعيته …»

فتقدم ثالث وقال: «وقد بلغني أن هذا الجند قادم إلينا وقد حمل الذهب على الجمال كالأرحية … أين ذلك من استبداد جُندنا وحكومتنا بأموالنا؟»

ثم سمعت رجلًا يضحك — وفي وجهه هيئة المجون — وقال: «كيف تدعون الفقر يا قوم أليست الأموال مخزونة في بيت الإخشيدية والكافورية؟ هذه بنت الإخشيد قد فرشت منزلها بما لم تبلغ إليه زبيدة زوج الرشيد وعندها الجواري بالمئات … وتقولون مع ذلك إننا فقراء؟»

فضحك الجميعُ من مجونه، ثم شغلوا بحركة وضوضاء ظهرتْ هناك فالتفتتْ لمياءُ فرأت ابن الفرات خارجًا وقد خرج الشريف مسلم لوداعه وابن الفرات يُبالغ في احترامه والثناء عليه. ولَمَّا ودعه قال ابن الفرات: «أتعدني يا سيدي بالذهاب غدًا إلى الإسكندرية؟»

قال: «كن مطمئنًّا أني باذل جهدي في إقناع القائد أن يقبل بالصلح وأنا ضامنٌ ذلك — بإذن الله.»

ففهمت أن ابن الفرات يسعى في المصالحة، وتذكرت ما سمعتْه مِن أبي حامد في هذا الشأن. وأرادتْ أن تخاطب الشريف فرأتْه تحول إلى غرفته كأنه في شاغل عن المقابلات، فأجلت مقابلته إلى فرصة أُخرى، وذهبت إلى دار الحريم وقد تعبتْ واستلقتْ على الفراش ومالتْ إلى الخلوة وأخذت تفكر بما سمعتْه فغلب عليها النعاسُ فنامتْ رغم إرادتها.

ولم تفق إلا في الصباح على ضوضاء القوم في الدار، فنهضت وسألتْ عن الشريف فقيل لها إنه بَكَّرَ إلى الإسكندرية مع وفد من أعيان المصريين ومعه كتاب الوزير ابن الفرات في طلب الصلح.١

أما هي فإنها ما زالت في قلق؛ لِما علمته من مساعي أبي حامد، وأسفت لأنها لم تستطع مقابلة مسلم قبل ذهابه. وهي في ذلك رأت يعقوب داخلًا، فأحست براحة وأسرعتْ إليه فلما رآها هش لها وتقدم نحوها فأومأت إليه أن يجلس وقصت عليه ما سمعته أمس. فاستغرب قولها وأدهشه عزم أبي حامد وما دبره فقالت: «لا حاجة بي أن أخبرك عن أهم ما قصصت عليك.»

قال: «أما مِن حيث الحسين فإذا صح ما قالوه عنه وأنه آتٍ إلى هنا فهو في مأمن، ولا شك أن ذلك الغادر مغرور.» ثم أطرق وهو يحك عثنونه وقال: «ولكن …» وسكت.

فقالت: «ولكن ماذا؟ هل أستطيع أن أعمل عملًا … إني أشعر بتقصيري في مهمتي لأني شغلت بنفسي عن خدمة مولاي المعز ما بالك؟ قل.»

قال: «فهمت من حديثك أن ذلك الملعون يهدد سعينا في الصلح بدسائسه عند بنت الإخشيد ولا سبيل لي إلى هناك وأنا رجل فلا أستطيع التنكر …»

فأدركت أنه يلمح إلى استطاعتها؛ ذلك لأنها فتاة، فأطرقت ثم قالت: «هل أقدر أنا على ذلك؟»

قال: «طبعا ولكن …»

قالت: «ماذا قل … قد أدركت الآن مركز بنت الإخشيد في هذه الدولة ويظهر أن الكل يثقون بها رغم ما بَلَغَنا من تهتكها وانغماسها، فما الذي ترى فيَّ القدرة عليه؟»

قال: «ليس أقدر منك على ذلك … أرى أن تدخلي دار بنت الإخشيد وتتسلطي على عقلها حتى تصير أطوعَ لك من بنانك.»

فعلمتُ أنها لا بد لها من التجسُّس وهي أكبر نفسًا من ذلك. فتوقفت عن الجواب لحظة وهي تنظر في مرآة معلقة في الحائط أعجبها شكلُها؛ لأنها صنع مصر ولم تكن رأت مثلها من قبل. كانت تنظر إلى المرآة وهي تفكر في أمر تنكرها. فابتدرها يعقوب قائلًا: «لا تترددي يا بنية … إذا كنت تحبين المعز وتريدين الفوز لجوهر فالأمر في يدك ولا يستطيع عليه سواك.»

فلما سمعت قوله تحمست، وهان عليها كل صعب فقالت: «روحي فداء أمير المؤمنين وأحسب أني مت في مرضي هذا. فما العمل؟»

قال: «هل تعلمين شغف بنت الإخشيد باقتناء الجواري الحِسَان؟»

فقالت: «نعم، أعلم ذلك.»

قال: «أرى أن تتنكري بثوب جارية مغربية، وأن أجعلك هديةً لبنت الإخشيد ولا ريب عندي أنها لا تلبث أن تخاطبك حتى تستسلم لرأيك والأمر بعد ذلك لفطنتك.»

فنهضت وقالت: «أنا مستعدة للذهاب من يأخذني وكيف أصنع؟»

قال: «تمهلي … إني عائد بعد قليل وإنما أتقدم إليك أن تلبسي ثوبًا مثل أثواب الجواري …» قال ذلك وخرج.

فلبست وأصلحت شعرها وغيرتْ هندامها حتى أصبح من يراها لا يشك في أنها جارية وقد زادها الضعف جمالًا وهيبةً. ثم جاء يعقوب ومعه رجل عرفت أنه تاجر الرقيق الذي قبضوا عليه في القيروان ووقف بين يدي المعز واعترف أنه جاء ليبتاع جواري لبنت الإخشيد فتجاهلت.

ثم تقدم يعقوب وقال: «هذه هي الجاريةُ يا سيدي … كيف تراها؟»

قال: «لا بأس بها.»

فضحك يعقوبُ وقال: «لا تَقُلْ لا بأس، بل قل إنها جميلة، وأظنها تُعجب مولاتنا كثيرًا؛ نظرا لما فطرت عليه من الذكاء والأدب فضلًا عن الجمال.»

فقال الرجل «ما اسمها وكم ثمنها؟»

قال: «اسمها سلامة وأما الثمن فإني لا أُتاجر بالرقيق كما قلت لك وإنما أردت أن أفعل ذلك خدمة لمولاتنا. خذها إليها ويكفيني أن تقبل هذه الهدية مني، ولكن هذه الفتاة عزيزة علي؛ لأني أعرف منشأها، فلا ينبغي أن تعامل مثل سائر الجواري. أوص السيدة بنت الإخشيد بذلك إذا شئت.»

قال: «سأفعل» وأشار إلى لمياء فتبعته وهي تتجلد.

١  ابن خلكان ١١٩ ج١.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤