الفصل السابع والستون

الرأي

ونهضت بنت الإخشيد للحال وهي تتثاءب وتقول: «ما أشغل هذا اليوم وما أثقله؛ فقد تعبت من المفاوضات، إن هذا لا يستطيعُهُ إلا كبار الرجال وقد أخطأنا بتولية هذه الإمارة غلامًا صغيرًا.»

فنهضتْ لمياء معها والشمسُ قد غربت وأخذت الظلال تتكاثف وتتحول إلى ظلام؛ وأصبحت تود الاختلاء بنفسها للتفكير في ما تراكم في ذهنها من الحقائق الجديدة وما أصاب قلبَها من الصدمات المتوالية فرأتْ بنت الإخشيد تحولت إلى غرفتها وأشارت إليها أن تتبعها فأطاعتْ وقد أدهشتها تلك الغرفة بما فيها من الرياش الثمين وفي صدرها سريرٌ من الأبنوس المنزل بالعاج والذهب فوقه ناموسية من الحرير الشفاف (الملس) وكل ما في الغرفة زاهٍ زاهر عكس قلب صاحبته المسكينة، فإنها تحولت من تلك الجلسة وقد تراكمت عليها الهموم والمخاوف ولم تكن تشعر بشيء من ذلك قبلًا. وأصبحت شديدة التعلق بلمياء ولا سيما بعدما آنستْه من تعلقها والخدمة النافعة التي عرضتها عليها فأحبت أن تتوثق منها.

فجلست على سريرها وأمرتْ لمياء أن تقعد بجانبها فقعدت، وهي تفضل الخلوة لكنها أطاعتها ولحظت ما هي فيه من القلق فاشتركت معها في إحساسها وشعرت أنها امتلكت قلبها، ظلتا هنيهة صامتتين وبنت الإخشيد مطرقة ويمناها على كتف لمياء واليسرى على قلبها كأنها تتقي صدعًا أصابه. ثم تنهدتْ ونظرت إلى حولها لتتحقق خلو المكان من الناس ثم التفتت إلى لمياء وضمتها إلى صدرها وقبلتها في عنقها وأطالت تقبيلها فشعرت بسائل حار يقع على عنقها فأجفلت وعلمت أن بنت الإخشيد تبكي وهي تحبس نفسها لئلا تلحظ لمياء ضعفها. فتلطفتْ لمياء ورفعتْ رأسها وضمتها وهي تقول: «ما بالك يا سيدتي؟ خففي عنك … إني لا أرى باعثًا على ذلك … ومن كان في ما أنت فيه من الوجاهة والنفوذ لا يستغني عن أمثال هذه المشاكل.»

فرفعت رأسها وتنهدت ثانية وقالت: «لا تعجبي من إبداء ضعفي بين يديك في أول يوم عرفتك فيه فإني أشعر كأني أعرفك منذ أعوام. وقد اطلعت على حالنا الليلة فأشيري علي … أشيري يا حبيبتي.»

فسُرَّت لمياء من وثوق تلك المرأة بها وأحست فعلًا بالعطف عليها، واستغربت انقلابها بهذه السرعة عما كانت عليه من الزهو والتيه لَمَّا قابلتها في ذلك الصباح. وشاركتها بالبكاء وليس أسهل عليها من إرسال الدمع فإن مصائبها تترى وإحساسها حي فقالت: «هوني عليك يا مولاتي إني لا أرى باعثًا على هذه الشكوى. وقلت لك ما أقدر أن أخدمك به وقد فتح لنا باب جديد بوجود الحسين بن جوهر أسيرًا في قصرك وتحت رعايتك ولا ينفعك أن تُثقليه بالقيود والأغلال؛ فإن ذلك لا يؤذيه. ولا أقول لك أَطْلِقِيهِ؛ فإن في ذلك خيانة لبلدك. ولكنني أقول لك لاطفيه وأحسني وفادته فإذا قدر النصر لجند مصر كان الحسينُ هذا من جملة أسرى الحرب. وإذا فاز القيروانيون وانهزم المصريون عرف الحسين فضلك وسعى في صيانتك وحفظ كرامتك.»

فدهشت بنت الإخشيد لهذا الرأي الذي لا يقبل التعديل فقالت: «بورك فيك … ولعلك علمت أني غضبت لهذا الشاب من تلقاء نفسي وساءني ما أتاه ذلك السجلماسي من الفظاظة في معاملته وشعرت بما علمته منك بعد ذلك من التباين في أخلاقهما فأنا ميالة إلى محاسنة الحسين وسأفعل …»

فأطرقت لمياء لحظة ثم قالت: «وعندي رأي أظنك توافقينني عليه أعني أننا إذا صارت حالنا إلى الخطر استكتبناه كتابًا إلى أبيه في الوصاية بك وبمن في دارك.»

فأظهرت امتنانها ونهضت تُظهر رغبتها في الانصراف، فأحست بنت الإخشيد أنها أتعبتها في ذلك اليوم فنهضت وودعتها بقبلة وقالت: «اذهبي إلى فراشك يا عزيزتي واستريحي فقد أتعبتك في هذا اليوم.»

فودعتها وانصرفت إلى غرفتها وقد امتلأ صدرُها بالفوز وأصبح همها أن تنقل ما شاهدته من فساد أحوال الدولة والجند إلى يعقوب حتى ينقله إلى معسكر جوهر بالإسكندرية فلبثت تتربص الفرص.

أما الحسين فإنه كان قد ذهب إلى فج الأخيار في شرذمة من الفرسان وتمكن من استخراج الأموال وإرسالها إلى القيروان، ثم غافله حفاظ ذلك المخبأ واستفردوه فعقروا فرسه وبعد معركة جاهد فيها جهاد الأبطال تكاثروا عليه حتى سقط فشدوا وثاقه ووضعوا الأغلال في يديه ورجليه وعنقه وبعثوا به إلى أبي حامد بمصر ولم يخبروه أنه تمكن من حمل المال قبل القبض عليه. أو لعلهم أخبروه وتجاهل. وثم وصل الحسين بأغلاله ومصر في تلك الحال فرأى أبو حامد أن يتخذه تتمة لمساعيهم فحمله إلى بنت الإخشيد كما رأيت لكنه أحس قبل خروجه مِن حضرتها أنه لم ينجح بتلك الحركة، ولكنه تجاهل بين يدي سالم، وأوهمه أنهما نائلان ما يريدان عن قريب وأن الجند القيرواني سيعود بالفشل. وكان يحسب التوفيق بين الأجناد أسهل مما رآه على أثر ذلك النزاع في مجلس بنت الإخشيد.

أما الحسين فشعر أنه سِيقَ إلى ذلك القصر لحسن حظه. وفاتحة الفرج حل أغلاله فبات تلك الليلة مرتاحًا وفى صباح اليوم التالي أتوه بثياب نظيفة وفرشوا له غرفةً خاصةً ووقفوا خادمًا للقيام بما يحتاج إليه من طعام وشراب كل ذلك باسم السيدة بنت الإخشيد. فلم يكن ينقصه شيء غير الخروج من ذلك القصر، فهذا كان محظورًا عليه فكان يقضي أوقاته مفكرًا في ما مر به ولم تبرحْ صورة لمياء من ذهنه. ولم يكن يعرف إلى أين ذهبتْ وكلما تصور معاملة سالم وأبي حامد له يغضب ويتوعد. وكان وهو في أثناء الطريق قد علم بحملة أبيه على مصر ونُزُوله الإسكندرية وسمع وهو في قصر بنت الإخشيد أن بعض المصريين خابروه بشأن الصلح والتسليم ووَدَّ لو أنه مطلَق ليشترك في المعارك. وبقدر ما كان من نقمته على أبي حامد وسالم بقدر ذلك وأكثر منه كان امتنانه من بنت الإخشيد لإكرامها إياه بلا سبب يعلمه.

وبعد أيام جاء رسولٌ يدعوه إلى مقابلة بنت الإخشيد في قاعتها فلبس ثيابه وصعد فأدخله الحاجب إلى تلك القاعة ونادى السيدة من وراء الستر قائلًا: «هذا يا سيدتي الحسين بن جوهر في حضرتك وها أني خارج وقد تركته وحده كما أمرت.»

فتقدم الحسين وألقى التحية، فردت السلام وقالت: «كيف ترى نفسك يا حسين.»

قال: «أراني مقيدا.»

قالت: «ألم تحل قيودك؟»

قال: «بلى وهذا فضلٌ لا أنساه لك وقد فعلت ما هو أليق بالكرام ولكنني لا أزال أراني مقيدًا … إني كالحبيس في هذا القصر.»

قالت: «لا ألومك لضجرك من هذا الحبس ولكن لو كنت في مكاننا هل كنت تفعل غير ذلك؟ إن أباك حاملٌ علينا بخيله ورَجْله ووقع لنا ابنه وبلغنا أنك من خير القواد فهل نطلقك لتكون عونًا لعدونا علينا ألا يكفي أننا حللنا قيودك وأطلقنا لك الحرية وقمنا بما تحتاج إليه من أسباب الراحة …»

فأعجب بتلك الحجة الدامغة وقال: «لا أنكر فضلك يا مولاتي والحق يقال إنني لا أنسى هذا الجميل … والدنيا دول …»

فقالت: «عسى أن تنتهي هذه الحرب بالمصالحة ونجتمع على مودة، وقد بعثت إليك الآن لأطمئن على راحتك فإذا كنت ترى تقصيرًا في ما تحتاج إليه؛ فأخبرْنا.»

قال: «كلا، إني لا أرى تقصيرًا قط.»

قالت: «تقدم قليلًا لأقول لك كلمة.»

فتقدم حتى دنا من الستر فقالت له: «سأرسل إليك بعد قليل جاريةً من قبلي اسمها سلامة تطلب منك أمرًا فاقضه لها … وقد لا أحتاج إلى إرسالها فاذهب بسلام.»

فتراجع حتى فتح الباب فلقيه الحراس فرافقوه إلى محبسه باحترام وإكرام وقد شغل باله ما اقترحته عليه وكان ذلك بتدبير لمياء لزيادة طمأنته حتى إذا احتاجوا إلى كتاب توصية لا يكون ثم مانع من الإجابة حالًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠