مقدمة

هذا كتاب من جُزأين؛ الأول صورة شعرية غنائية مختصَرة لمسرحية فاوست التي كتبَها شاعرُ الألمانية الأكبر جوته، والثاني مجموعةٌ من القصائد التي كتَبتُها في الفترة الأخيرة، باستثناء القصيدة الأولى التي كتبتُها أثناء علاجي في المستشفى (في باريس) عام ١٩٩٣، ولم أُدرِجها في دواويني السابقة لسببٍ ما، وأرى الآن أنها مهمةٌ في مسار تطور كتابتي للشعر، وخصوصًا جمعي بين الشعر العموديِّ وشعر التفعيلة.

وأما فاوست فلها قصةٌ لم أدرك أهميتها إلا بعد أن تعمَّقت في دراسة نظريات الترجمة الحديثة، ووجدتُ في هذه النظريات ما يؤيِّد الترجمةَ بالإعداد والاقتباس (أو ما نُسميه «التطويع» بالمصطلح العلمي adaptation) واستندتُ إلى ما جاءت به سوزان باسنيت وأندريه ليفيفير وغيرُهما من أقطاب نظرية الترجمة في ضوء الاختلاف الثقافي (انظر كتابهما بناء الثقافات ١٩٩٨) أي إنني استندتُ إلى حقِّ مترجم الأدب في إخراج صورةٍ أو صورٍ له ليست «متطابقةً» معه، حتى يبرز ما يراه فيه من وجهة نظرِ عصره أو ثقافته، أو حتى من وجهة نظره الشخصية.
وكان قد سبق لي إعدادُ نصٍّ غنائي بالعربية عن مسرحية روميو وجوليت، لشيكسبير، وقُدِّم على المسرح بألحانٍ (وموسيقى) من وضع جمال سلامة عام ١٩٨٥، وطُبع بعد ذلك في طبعةٍ خاصة، كتَب عنها بعضُ الباحثين دراسات علمية (عبير الأنور، ماجستير) لكنني كنتُ في أعماقي قلقًا على التجرِبة، وكنتُ مثلَ غيري من العرب أنفِرُ من أي تعديل في النص الأصلي (كأنما هو نصٌّ مقدس) ثم ازدادت خبرتي بمناهج الترجمة الأدبية في العالم، وازدادت معها نظرتي نُضجًا وحداثة؛ ولذلك لم أتردَّد حينما طلَب مني المخرج النابهُ انتصار عبد الفتاح إعدادَ نص غنائي عن مسرحية الملك لير في عام ١٩٩٥، فقدمتُ له ما أراد وقدَّمه على المسرح في العام نفسِه، قبل أن أُترجم المسرحية كاملةً وأنشرها في العام التالي. كان قد أطلق على الإعداد الموسيقيِّ اسم سيمفونية لير، وشجَّعه النجاح على أن يُقدم فاوست بعدها، مدفوعًا بإلحاح مخرج آخَر يُدعى هاني غانم (يُقيم في ألمانيا)؛ ومن ثَم بدأنا التخطيطَ للإعداد من وجهة نظرهما، وكانا يريدان «كلماتٍ قليلةً وموسيقى كثيرة»، ولكنني كنتُ أصرُّ على تقديم جوهر المسرحية الألمانية، وهو ما وجدتُه فيما يُسمى Urfaust أي فاوست الأصلية التي كتبَها الشاعرُ عام ١٧٧٢–١٧٧٥ وإن ظل المخطوط مجهولًا حتى عام ١٨٨٧، وكان نشرُه قد ألقى أضواءً جديدة ومثيرة على المسرحية.
وأسعدني الحظُّ بأن عثرتُ على خمسِ ترجمات إنجليزية للمسرحية، أحدَثُها ترجمة ديفيد لوك Luke الصادرة عام ١٩٨٨، وهي التي فازت بالجائزة الأوروبية لأفضلِ عمل شعري مترجَم، وقال عنها الشاعرُ الإنجليزي ستيفن سبندر Spender: «أخيرًا! ترجمة لرائعة جوته تعتبر عملًا أدبيًّا رائعًا بالإنجليزية. إذ إن ديفيد لوك ينقل المعنى، والدفقة الذهنية، ورشاقةَ الأسلوب البايرونية للنص الأصلي. هذه الترجمة من عمل شاعرٍ وباحث عِلمي في الوقت نفسِه.» (مجلة ذا سبكتاتور ١٩٨٩). وقد أجريتُ مقارناتٍ بين هذه الترجمة وغيرها، وكلُّها شعرية، فلم أجد فُروقًا تُذكر، أقصد فيما نُسميه «المعنى»، ومع ذلك فقد كان اختلافُ الصياغة بينها يُبين كيف يُفسر كلُّ مترجم نصَّ الشاعر، وتفاوت التفسيرات وإن كان طفيفًا له دلالته، ومن ثَم فإنني وضعتُها أمامي جميعًا وجعلتُ أرجع إليها بانتظامٍ أثناء القراءة التمهيدية، وأذكر أنني قضيتُ وقتًا طويلًا في المقارنة حتى انتهيتُ إلى ما يُشبه الرؤية «الحقيقية» لنص جوته الأصلي، كما انتهيت إلى أن ترجمة لوك تُمثل المركزَ الذي تدور حوله الترجماتُ الأخرى قربًا وبُعدًا، فأما أبعدُها عنه فهي ترجمة فيليب وين Wayne التي صدرَت عام ١٩٤٩ وطُبعت ٢٨ طبعةً حتى عام ١٩٨٧، في سلسلة بنجوين؛ ولذلك فربما اتَّضح للقارئ ما أعنيه بالتفاوت في الصياغة والاشتراك في الجوهر عند مقارنة الترجمتَين الإنجليزيتين للفِقرة الاستهلالية من الإهداء، وها هي ذي ترجمة وين بالإنجليزية تتلوها ترجمتي العربية:
Once more you hover near me, forms and faces
Seen long ago with troubled youthful gaze
And Shall I this time hold you, limn the traces,
Fugitive still, of those enchanted days?
You closer press: then take your powers and places, Command me, rising from the murk and haze;
Deep stirs my heart, awakened, touched to song,
As from a spell that flashes from your throng.
ها أنتِ رجَعتِ إلى التحليق هُنا قُربي
يا أشكالًا ووُجوهًا كنتُ أُحدِّق فيها بعيونِ شبابي الحَيْرى!
أتُراني سوف أضمُّكِ هذي المرةَ كيْ
أسترجعَ آثارًا هربَت
في أيامٍ ساحرةٍ سرَبَتْ؟
ما أكثرَ ما تَقتربين! فهيَّا بِقُواك وكلَّ ديارْ،
بارزةً من وَسطِ ضبابٍ ونُثَارِ الأكدارْ
فمُريني! ما أعمقَ ما يَضطربُ فؤادي
إذ يَصْحو كي أُبدِعَ إنشادي!
فكأنَّ الوحيَ وميضٌ من هذا الحشدِ الشادي.
Ucertain shapes, visitors from the past
At whom I darkly gazed so long ago
My heart’s mad fleeting visions—now at last
Shall I embrace you, must I let you go?
Again you haunt me: come then: hold me fast!
Out of the mist and murk you rise, who so
Besiege me, and with magic breath restore,
Stirring my soul, lost youth to me once more.
يا أشكالًا غامضةً يا زُوَّارًا من زمنٍ ولَّى
كنتُ أحدقُ فيها في الماضي بعيونٍ حَيْرى
يا أطيافَ رُؤى قلبي العابرةَ الحَمْقى
هل آنَ أخيرًا أن أحتَضِنَكِ أم أدَعُكِ حتمًا تَمْضين؟
قد عُدتِ إليَّ الآن فهيَّا احتَضنيني
وإلى صدرِكِ ضُمِّيني!
من بين ضبابٍ ونُثار الأكدارِ
أطلَلتِ عليَّ فأحكمتِ حِصاري
وبأنفاس السِّحر أعيدي لي عهدَ يُفوعي
وأثيري القلبَ هنا بين ضُلوعي

واقتطافي هذه الفِقرةَ لا يُقصَد به عقدُ مقارنةٍ أو تفضيلُ نصٍّ على نص؛ فنحن لا نعرف ما قاله الشاعر حقًّا بالألمانية، وطرائقَ تفسيره المتعددة، وإنما قصدتُ به أن ترجمة الشعر تسمحُ بإخراج الصياغة التي تقوم على التفسير الخاصِّ الذي يراه المترجم، وما يتسلَّح به من خبرةٍ لُغوية خاصة (أي بلُغتِه الأم)؛ فالمتأمل لكلِّ نص من هذه النصوص الأربعة سوف يجد آثارًا لنصوصٍ أجنبية وعربية وراءها، كما علمنا فوكوه، (وكما أثبتَت كريستيفا في شرحها للتناصِّ) وهذا محتومٌ ولا مندوحةَ عنه؛ ومن ثَم فإن «تطويع» النص عند نقلِه من لغةٍ إلى لغة يتجاوز كثيرًا مقابلةَ اللفظ باللفظ؛ فلكل مترجم أدبيٍّ معجمُه المستنِدُ إلى طاقاته وخبراته اللغوية، تمامًا مثل الشاعر الذي يتميز بمعجم شعري يُصبح عَلَمًا عليه.

وركَّزتُ جهودي في وضع هيكلٍ للجزء الأول من فاوست الذي نعتبره صُلب المسرحية، ولم أجد في الجزء الثاني الذي نشَره الشاعرُ بعد سنواتٍ كثيرة ما يُضيف كثيرًا من المادة الدرامية، واخترتُ فقراتٍ معينةً لترجمتها، مراعيًا أن تُمثل حلقاتٍ متصلةً من نصٍّ مترابط، وأن يُمثل العملُ الموجزُ الجزءَ الأول كلَّه من المسرحية، وقرأتُه على المخرج وصاحبِه، فقالا إن هذه مسرحيةٌ شعرية، لكننا نريد مسرحيةً موسيقية، واشترطا أن أحذف الحوارَ مكتفيًا بالقطع الشعرية الغنائية، فرفضتُ وافترَقْنا.

ونشرتُ هذا الإعدادَ الموجز في مجلة المسرح، وكنتُ أعمل رئيسًا لتحريرها، ونسيتُ المسرحيةَ وما أحاط بإعدادها سنواتٍ طويلة، حتى ذكَّرني بها شاعرٌ من قنا كان عميدًا لكلية الآداب فيها، وهو الدكتور أبو الفضل بدران، وجعل يُناقشني فيما غاب عن ذاكرتي، لكنني كنتُ قرَّرت أن أتجاهلَ هذا النص، حتى فُرض عليَّ الاهتمامُ به فرضًا حين تلقَّيت مكالمة تليفونية من الدكتور محمد مهدي، رئيس قسم اللغة العربية بجامعة بنها، منذ سنوات، وامتدَّت المكالمة بيننا نحوَ ساعة ناقشنا فيها هذا المفهومَ الجديد للترجمة، أي «التطويع»، الذي يُشبه من بعض الوجوه مفهومَ جون درايدن، الشاعر والناقد الإنجليزي الكلاسيكي، عن الترجمة الإبداعية، وهي النوع الثالث «الراقي» في نظره، وإن كان يسميه «المحاكاة»، ودارت الأيام وجاء العَقد الأخيرُ من القرن العشرين بنظرية الترجمة الثقافية، وما أتاحته من حريةٍ للمترجم، وذكَرتُ ما فعلتُه بنص فاوست، ولكنَّ حركة الترجمة المزدهرة في مصر كانت تشترط محقة الترجمة عن اللغة الأصلية، فأحجمتُ مرةً أخرى عن النشر.

ولكن العَقد الأول من القرن الحادي والعشرين أحيا القضيةَ من جديد. إذ اهتمَّ بعضُ فلاسفة النظرية الأدبية الحديثة بالترجمة الأدبية، بغضِّ النظر عن صورتها التي تَشغَلُ في الآداب القومية موقعًا معترَفًا به بينها، بحيث يقرؤها الناسُ ناسين أنها ترجمة، مثلَما يقرءون الآدابَ الكلاسيكيةَ من دون الوعي بلُغاتها (ناهيك عن معرفة هذه اللغات) مثل ترجمة الإلياذة لهوميروس أو أعمال فيرجيل وأوفيد وغيرهم، أو مثل الأعمال المترجَمة عن لغاتٍ أوروبية أخرى وقد أصبحَت من تراث الأدب الإنجليزي، مثل أعمال إبسن النرويجي وسترندبرج السويدي وهانز كريستيان أندرسون الدانمركي وهيرمان هسه الألماني ودانتي الإيطالي، والقائمةُ طويلة. لقد أصبحَت هذه الأعمالُ آدابًا لا يُنظَر إلى أصولها قط، مثلما لا يَنظر أحدٌ إلى النصِّ العبري أو اليوناني (أو الآرامي) لأسفار الكتاب المقدَّس، بل إن لغة ترجمة الكتاب المقدَّس أصبح يُحتَجُّ بها مثل لغة كبار أدباء الإنجليزية. وكان من حُسن حظي أن انهمكتُ في دراسة مذاهب الترجمة الحديثة التي تجاوزَت قضايا «التعادل» اللغوي القديمة، فوجدتُ أن تقديمي لهذا التطويع الموجز لرائعة جوته مشروع، خصوصًا لأن الترجمة الكاملة التي قدَّمها العلَّامة والمحقق عبد الرحمن بدوي عسيرةُ الفَهم، على الرغم من أنها منثورةٌ ورغم أنها تُرجمت، حسَبما يقول المترجم، عن الألمانية. وقد استعرتُها من صديقي العلامة والأديب المرهَف الحسِّ ماهر شفيق فريد وحاولتُ أن أقرأها فلم أستطع، ولم أجد فيها شعرًا ولا مسرحًا، ولا أظن إلا أنه ترجمَها بأسلوبِ تحقيقه لكتب التراث؛ إذ اكتفى بصحةِ معاني الكلمات (ولا أستطيع التحقُّقَ من هذا لجهلي بالألمانية) ورصِّ الألفاظ رصًّا.

وأنا أعتذرُ عن هذه الإشارة إلى ترجمة العلامة المذكور، خصوصًا لتلاميذه من عشاق الفلسفة الألمانية التي يَستعصي فَهمُها على الكثير منا، دارسي الأدب والفكر الإنجليزي الذين يعشقون الوضوح، ويطلبون في المسرح الشعريِّ أن يكون سَلِسًا لينًا في اللسان، ذا إيقاعٍ منتظم يُذكِّرهم أنه شعر. ويبدو أن انتقاد العلامة المذكور أصبح يدخلُ في عِداد الكفر بالله، إذ إن له قبيلةً ومريدين ما إن ينتقده أحدٌ حتى يهبُّوا للبطش به، وما أظنني ناجيًا من سهامهم، ولكنني أقول إن العِبرة في ترجمة المسرح بقَبول النص التقديمَ على المسرح، فإذا كان شعرًا فلا بد أن يكون قريبَ المأخَذِ واضحًا (بل إلى أقصى درجاتِ الوضوح)؛ فالمسرح غيرُ الفلسفة، ومُشاهِد المسرح لا يسمع العبارةَ إلا مرةً واحدة، فإنْ فاتته فرصةُ فهمها فقدَ جزءًا من أجزاء العمل الفني.

وأما المؤلف فهو جوته Goethe الذي وُلد في فرانكفورت عام ١٧٤٩ ونشأ فيها ودرَس في جامعة لايبزيج وحصَل على إجازةٍ في القانون، ومارسَ المحاماةَ فعلًا، وتولَّى الوزارة في يوم من الأيام، ولكن أهم عمل له هو فاوست، وقد بدأ كتابتَها وهو في الثالثة والعشرين من عمره، وأكملَها بعد ذلك بعامين، لكنه كان يعود إليها بين الفَينة والفينة حتى نشَرَها عام ١٨٠٨، وكان العنوان يقول إنها الجزء الأول من التراجيديا، ثم قُدِّم هذا الجزء على المسرح في عام ١٨٢٩ قبل وفاته بثلاثة أعوام، ولم تُقدَّم المسرحية كاملة إلا في عام ١٨٧٦. وكان جوته شاعرًا وقصاصًا وروائيًّا وناقدًا ومترجِمًا، وعاش حتى بلغ الثالثةَ والثمانين ولم يكن قد أكمل الجزءَ الثانيَ من المسرحية إلا آنذاك.
وأما «مادة» المسرحية فهي مُستقاةٌ من حكاياتٍ شعبية تبلورَت في القرن السادسَ عشر، الذي كان يُعتبر عصرَ استكشاف المحظورات، فلقد ظهرَت في أوروبا آنذاك بوادرُ المذهب الإنساني [أو الهومانيزم كما يُسميه أستاذنا لويس عوض] وبدأَت العلومُ الطبيعية تُحرر نفسَها من الخرافات المستمَدَّة من السحر والشعوذة، بحيث كان الاتجاهُ الجديد يُمثل طعنًا في الصور التقليدية الجامدة للعقائد القائمة على اليقين، ولم يكن الناسُ جميعًا قد استجابوا بَعدُ للروح العِلمية التي بلَغَت أوْجَها في القرن السابعَ عشر؛ إذ كانت رواسبُ العصور الوُسطى لا تزال قائمةً وترتوي بحكايات الغرائب والعجائب. وكانت أسطورةُ المجوسيِّ الجريء الذي يبيع نفسَه للشيطان في مقابل الحصول على «المعارف الجديدة» والظفر بقُوًى جديدة، من الأساطير التي ازدهَرَت في هذا الجو، ويقال إن للأسطورة أصلًا تاريخيًّا إذ يذكر التاريخ فعلًا رجلًا يُدعى فاوستوس Faustus، وإن كان الغموض يُحيط بسيرته، ونعتمد في هذه السيرة على مصادرَ قليلةٍ متفرقة، يقول بعضُها إن شخصًا يُدعى جورج فاوست عاش في الفترة من ١٤٨٠ إلى ١٥٤٠، وكان محتالًا أكاديميًّا جوالًا يزعم أن لديه معرفةً بالخوارق وما يستعصي على عقول العامة، وأنه يتمتَّع بمواهبَ خاصة، وقيل إنه مات قتلًا. وبدأت الأساطيرُ تنسب له ألقابًا أكاديميةً بعد موته، وأصبح يُشار إليه باسم الدكتور يوهان فاوستوس، والاسم بصورته اللاتينية يعني المحظوظَ أو المصطفى، وقيل إنه كان أستاذًا في جامعة فيتنبرج، وإن الشيطان كان يُرافقه على هيئة كلبٍ أسود، وإنه كان يستحضر أمام تلاميذه الشخصياتِ التي ذكرها هوميروس في مَلحمتَيه، وإنه كان يخدع البابا والإمبراطورَ بحِيلٍ معيَّنة، وإنه بعد أن أتم فترة الاقتران بالشيطان، وهي التي كانت قد حُدِّدت بأربعٍ وعشرين سنة، وقع فريسةً للشياطين الصغار الذين مزَّقوه إربًا وألقَوْا به في الجحيم.
وعلى امتداد القرن السادسَ عشر انتشرت الحكايات الشعبية التي تتحدث عنه في ألمانيا، وكانت هذه زاخرةً بالتفاصيل المثيرة لمغامرات «الساحر»، وتُقدم للناس العظةَ الأخلاقية المستقاة من سقوطه آخرَ الأمر. وكانت هذه الحكايات تُطبَع في كُتيبات شعبية، بعُنوان فاوست وحسب، وكان أولُها كما يقول المؤرخون قد ظهَر في مدينة فرانكفورت في عام ١٥٨٧، ولم تتوقَّف طباعتها حتى بداية القرن الثامنَ عشر، وتضمُّ صورًا مختلفة لحياة الرجل، وكانت ترجماتها تتوالى في أوروبا بلُغاتها المختلفة، والمعتقَد أن إحدى ترجماتها الأُولى هي التي أوحتْ إلى الشاعر الإنجليزي كريستوفر مارلو Marlowe بكتابة مسرحيته المعروفة وعنوانها التاريخ المأساوي للدكتور فاوستوس في عام ١٥٩٢ على الأرجح، وإن لم تُنشر إلا بعد وفاته، أي في عام ١٦٠٤.

ولما كان من المعتاد أن تُسافر الفرقُ المسرحية في العصر الإليزابيثي لعرض مسرحياتها في قصور الأمراء الأجانب، فلم ينقضِ وقتٌ طويل حتى بدأ الناسُ من المناطق التي تتحدث اللغة الألمانية في أوروبا يعرفون صورًا «فاسدة» من مسرحية مارلو، ونعني بالفساد هنا التحريفَ الشديد الذي يقوم عادةً على التبسيط المُخلِّ، أي تحويل التضادِّ في الصراع الدرامي إلى تضادٍّ مبالَغٍ فيه، كالتضادِّ بين اللونَين الأبيض والأسود وحذفِ الدرجات اللونية بين هذَين، والتي عادةً ما نُسميها درجات اللون الرمادي. وكان من الطبيعيِّ أن «تستوليَ» فرقُ العرائس و«خيال الظل» على هذه الصور المحرَّفة وتُقدِّمها للصغار (وللكبار) باللغة الألمانية، وبعضُها لا يزال يُقدَّم حتى مطلع القرن الحادي والعشرين. ويقول النقَّادُ والباحثون إن جوته عرَف حكايةَ فاوست أولَ الأمر عندما شاهدَ في طفولته إحدى مسرحيات العرائس المذكورة، ويُرجِّحون أنه قرأ أيضًا أحدَ الكُتيبات الشعبية التي كانت قد طُبعت عام ١٧٢٥. ومن الغريب أنه لم يقرأ مسرحيةَ مارلو إلا عام ١٨١٨ بل وفي ترجمةٍ ألمانية، لكنه كان يُلِم بمحتواها قطعًا من خلال مسرح العرائس خصوصًا.

وعلى الرغم من أننا نجهل على وجه الدقة بدايةَ تفكير جوته في استخدام أسطورة فاوست، فإننا نستنبطُ من طبيعة العصر الذي نشأ فيه، مثل مارلو مِن قبله، أنه وجد فيها إمكاناتٍ هائلةً للإبداع في زمن التحولات ونشأة المذهب الهوماني وتحدِّي ما يُسمى بالمؤسسة الثقافية، وكان ذلك على الأرجح إما أثناء دراسته الجامعية في لايبزيج في الستينيَّات من القرن الثامنَ عشر، أو بعدها بقليل. ويرجع أحدُ الأسباب إلى انتمائها إلى الأدب الشعبي مجهولِ المؤلِّف الذي كانت الذائقةُ السائدةُ في القرن الثامنَ عشر تستهجنُه. وفي مقابل ذلك كان الحماسُ الرومانسي الذي نعرفه خيرَ المعرفة في الأدب الإنجليزي في تلك الفترة، والمستوحَى من كتاباتِ جان جاك روسو Rousseau الفرَنسي؛ يُعلي من شأن كلِّ ما هو طبيعي أو بدائي، أو ما لم يتأثَّر بالتعليم أو ما لم تُفسده يدُ الإنسان. وقد بلغ هذا الحماسُ أقصاه عند اليافع جوته وأبناءِ جيله الذين ينتمون كما هو معروفٌ إلى حركة «العاصفة والقهر» (مجدي وهبة)، وخصوصًا مَن رافَقوا جوته واتبَعوا مذهبه. وفي عَقْد السبعينيَّات من القرن الثامن عشر تعلَّم جوته من الفيلسوف والأديب هيردر Herder (١٧٤٤–١٨٠٣) التقديرَ الشديد للقصص الشعبية والمواويل الغربية القديمة، مثلما حدَث في إنجلترا للشاعرَين وردزورث وكولريدج بعد عَقدَين، وقد تجلَّى إيمان جوته بالتراث الشعبي في الصورة الأولى لمسرحية فاوست Urfaust وفي شعره المبكِّر.
ولكنَّ الباحثين يؤكدون أن هذا الاتجاه كان مدفوعًا إلى حدٍّ كبير بنِشْدان الماضي القومي باعتباره تراثًا مترابطًا يُمثل الروحَ الألمانية في وقتٍ لم تكن ألمانيا فيه قد أصبحَت أمةً واضحةَ الهُوية الثقافية. ويدلُّ على ذلك ما أبدَعه جوته في هذا الوقت من أدبٍ يوحي بالبحث عن الأسلاف، ورصد الجذور؛ إذ انصبَّ اهتمامه على ما يُسمى «العصر العظيم» وكبار المفكِّرين الألمان من رويشلين وهاتين إلى باراسيلوس ولوثر وساخس. ومن الطريف أنه كتب في السبعينيَّات من القرن ١٨ أيضًا مسرحيتَه التاريخية عن حياة «الفارس ذي القبضةِ الحديدية» جوتفريد فون برليشينجين Gottfried von Berlichingen ونشرها عام ١٧٧٣ بهذا العُنوان نفسِه، ويرفع فيها هذا البارونَ اللصَّ (١٤٨٠–١٥٦٢) إلى مرتبة الأبطال؛ لأنه كان يُناصر القيم البسيطة «الطبيعية» في ألمانيا ضدَّ مظاهر الحذلقة والتصنُّع في البلاط الألماني، وكان يُوازيها في عصره أفرادُ الطبقة الأرستقراطية الذين كانوا يتحدَّثون الفرنسية، وكان على النهضة الأدبية المنتمية للطبقة الوسطى في ألمانيا أن تُعارضها. وكان من أهمِّ مظاهر هذا العمل الدرامي ثورتُه على القيم الدرامية الكلاسيكية، وهي التي كانت الذائقةُ الفَرنسية قد فرَضَتها على الأدب الألماني، والشعر المسرحي خصوصًا، على نحوِ ما نرى في بناء الصورة الأولى لمسرحية فاوست.
ودارِسو الأدب الإنجليزي يجدون في خِضمِّ هذه الثورة ما ألِفوه في ذلك الأدب في مطلع القرن التاسع عشر، فلقد سبَق جوته في قصيدته بروميثيوس (التي ترجع إلى هذه الفترة) معالجة الشاعر شلي للأسطورة نفسِها؛ فقد حرَّره جوته، وأمكنَ للشاعر الإنجليزي أن يكتب بروميثيوس طليقًا واثقًا من هدفه. ولكننا نعرف أن شلي اتُّهم بالإلحاد وفُصل من جامعة أوكسفورد، وكان مارلو مُهدَّدًا بالمحاكمة بتهمة الإلحاد هو الآخَر في الوقت الذي تُوفي فيه عام ١٥٩٣؛ إذ كان قد أضفى على بطله فاوستوس لمسةً بطولية وهبته وقارًا لم تكن المؤسسة الدينية تراه فيه، خصوصًا في المشهد الأخير من المسرحية. ولكن الزمن كان قد دار دورتَه في عصر جوته، وأصبح من المقبول أن يتَغاضى الناسُ عن مصير فاوست، بعد أن ضَعُف الاتجاه القديم إلى إحراق المارقين والساحرات (والسحَرة) أو حتى المتهَمين بالإيمان بالشيطان! وكان جوته لا يستبعد إمكانَ توبة الخاطئين، مثل كِبار فلاسفة حركة التنوير الأوروبية، ولم يكن أولَ من نظر في إمكان خلاص فاوست، خصوصًا بعد أن كتب ليسينج Lessing (١٧٢٩–١٧٨١) ما كتَب عن الثقافة التنويرية الناضجة، بل وكتب صورةً من صور أسطورة فاوست يسمح فيها بتوبته ونجاته من النار، ولكن المخطوط فُقد.
وتوبة فاوست تُمثل جوهر الاختلاف في معالجة جوته للأسطورة عمَّن سبَقوه، وإن لم يكن من المؤكد نسبةُ هذا الاختلاف إلى تأثير ليسينج. والذي نستطيع تأكيدَه أن عاملًا جديدًا بدأ يؤثِّر في مساره الإبداعيِّ في عام ١٧٦٨؛ إذ انكبَّ على قراءة كتابات الدارسين لما يُسمى عالمَ الغيب والأسرار، من السحر إلى الخيمياء Alchemy [أي الكيمياء السحرية] وهو الموضوع الذي شغَل إسحاق نيوتن نفْسَه قبل ذلك بمائة عام، ولم أدهش حينما مررتُ بهذه الحقيقة في حياة نيوتن نفسِه، أبي الفيزياء الحديثة، فلم تكشف الطبيعةُ عن كلِّ أسرارها لنا، وقد نجد أننا مضطرُّون إلى التوسُّل بمنطق الروح (mythos) حين يعجز منطق العقل (logos) عن تفسير سرٍّ من أسرار الطبيعة. وقد وجَد جوته عند باراسيلسوس Paracelsus ما يَنشُده، حتى قال بعضُ النقاد إنه كان النموذجَ الذي بنى عليه فاوست. ولكنه وجد ما يطلبه أيضًا عند جوردانو برونو Bruno الفيلسوف الإيطالي الذي حكمَت عليه محاكمُ التفتيش بالإعدام، وأُعدِم حرقًا (١٥٤٨–١٦٠٠) ودارس الثيوسوفيا السويدي سويدينبورج Swedenborg (١٦٨٨–١٧٧٢) وكان عالمًا ومتصوفًا، وأما الثيوسوفيا Theosophy فيُترجمها مجدي وهبة بالحكمة الإلهية، مبينًا أنها تعني الإيمان بأن معرفة الذات الإلهية تقوم على الإشراق والتصوُّف المؤدِّيَين إلى الاتصال بالله.

ونحن نجد أنصعَ تبيانٍ لهذا العامل الجديد في السيرة الذاتية التي كتَبها جوته بعُنوان الشعر والحقيقة في مطلع القرن التاسعَ عشر؛ إذ يذكر كيف كان يسخط سخطًا عميقًا على دراساته الجافة العقلانيَّة القائمةِ على الفلسفة المادية، وهي التي كانت تُسيطر آنَذاك على الحياة الأكاديمية بسبب التأثير الشديد للحركة التنويرية، وكان يرى أن الموسوعيين الفرَنسيين قد أحالوا الطبيعة إلى نظام ميت، أي بعد أن سلَبوه الروح، وكانت الروحُ تقتضي الإحساسَ بالوجود العُلوي؛ أي الإيمان بالله. ولكن الصراع في نفس جوته كان يدور آنَذاك بين الثورة على المذاهب الجامدة، العلمية والدينية، وبين قَبول العلم والدين معًا، من دونِ أن يرى في ذلك تناقضًا. وسحر أسطورة فاوست مستمَدٌّ من الدين فقط، لكن تُرى ماذا يكون عليه الحالُ لو اصطدَمَت هذه الأسطورةُ بالصراع المذكور؟ في الصورة الأولى للأسطورة ينقطع حوارُ فاوست مع «روح الأرض» الذي يُمثل الإيمانَ بالحلول، دون التوصُّل إلى نتيجة. وأما في النسخة المنشورة التي اعتمدتُ عليها في الترجمة، فالصراع يعتمد على أبعادٍ إنسانية وبشرية تضعه أمام القراء ملموسًا نابضًا حيًّا. ومن ثَم فإنني اخترتُ المشاهدَ التي ترجمتُها استنادًا إلى ما يتبدَّى في سائر المسرحية من آثار هذا الصراع وتجلياته.

أرجو أن أكون قد أصبتُ الاختيار، وأن أكون قد أصبت قدرًا من التوفيق في نقل الروح الشعرية والغنائية التي تتميز بها النصوصُ الإنجليزية المترجَمة، وأظنني قد أبرزتُ مدى اهتمام جوته بالتراث الشرقي والعربي، وهو الذي يبدو تأثيرُه واضحًا في الحركة الرومانسية الأوروبية.

محمد عناني
القاهرة ٢٠١٣

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٣